← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 9031–9070 · переход к 9036.

стр. 9031

وفيها تُوفِّي الأمير أحمد بن مروان أبو نصر، الكردي، أمير ميَّافارقين وديار بكر. ذِكْرُ طرف من أخباره: قد ذكرنا بداية أمرهم ومقتل أخاه ممهد الدولة في سنة إحدى وأربع مئة، وإقامة أحمد مَقامه، ولقَّبه القادرُ نصرَ الدولة، واستولى على ديار بكر وميّافارقين وله اثنتان وعشرون سنة، فأقام واليًا ثلاثًا وخمسين سنة، وأحسن السيرة، وعمر الثغور وحصَّنها، وأمنت (١) الرعية في زمانه، ووَزَر له أبو القاسم المغربي مرتين، وعنده مات، ووَزَر له فخر الدولة محمد بن جَهير، وكان عنده الحبل الياقوت الأحمر الذي كان لبني بُويه، اشتراه من ورثة الملك أبي منصور بن أبي طاهر، وأنفذَه إلى طُغْرُلْبك مع هدايا كثيرة تساوي ثلاث مئة ألف دينار، ومعها مئةُ ألف دينار عينًا، وهذا الحبل الياقوت هو الذي قدَّمه السلطان للخليفة لمّا نزل من الحديثة واجتمع به في البهو، وكان أبو نصر مُداريًا للملوك، إذا قصده عدوّ يقول: كم مقدار ما تنفق لردِّه؟ فإذا قيل له: مئة ألف دينار مثلًا، بعث بها إلى العدو ليدفع شرَّه عنه، وأمِنَ على عسكره من المخاطرة. وكان جوادًا سخيًّا، والرعية معه آمنون على أموالهم وحريمهم، وتزوَّج عدة من بنات الملوك، ولم يتنعَّم أحد من الملوك مثل تنعُّمه، كان في قصره ثلاثةُ آلاف جارية عمالات، يبلغ شِرى الواحدة من ألف دينار إلى خمسة عشر ألف دينار، وملَكَ خمسَ مئة سُرِّية سوى توابعهنَّ، وخمسَ مئة خادم، وكان في مجلسه من الأواني والآلات والجواهر ما تزيد قيمته على مئتي ألف دينار، ورأى من الالتذاذ بالدنيا والراحة ما لم يرَه غيرُه، ورخُصتِ الأسعارُ في زمانه، وتظاهر الناس بالأموال، ووفد إليه الشعراء، وسكن عنده العلماء والزُّهّاد، وبلغه أن الطيور تخرج من الجبال إلى القرى في الشتاء فتُصاد، فتقدَّم بفتح الأَهْراء (٢)، وأن يُحمَلَ إليها من الحَبِّ ما يُشبِعُها، فكانت الطيور في ضيافته طول عمره، ولا يتجاسر أحدٌ أن يصيد طيرًا.

стр. 9032

وبعث له القائم بأمر الله الخِلَعَ السنيَّة، وفيها الطوق والسواران ما عدا التاج، وكان فيها فرش بمركب ذهب من مراكب الخليفة، وجاءه من مصر هدايا وتحف وخِلَعٌ، ولقَّبَه صاحبُ مصر عزَّ الدولة، وجاءه رسول ملك الروم بالهدايا والتُّحف، واجتمع الكلُّ عنده، فأحضرهم وجلس في قصره، وأجلس رُسُلَ الخليفة عن يمينه، ورُسُلَ صاحب مصر عن شماله، والروميَّ بين يديه، ولبس خلعةَ الخليفة، وأعطى الرسل عطاءً عظيمًا، ومالًا كثيرًا، وخِلَعًا سنيةً، فانصرفوا شاكرين. وأوقف الأوقاف على أبواب البر والصدقات، وأدار رسوم ميّافارقين، وقصده الشعراء، وامتدحه التهاميُّ بقصائد. قال المصنف ﵀: ورأيتُ في "تاريخ ميّافارقين" أنَّ الملك العزيز بن بُوَيه وفد عليه، وقدَّمَ له الحبل الأحمر الياقوت، ومصحفًا بخطِّ عليٍّ ﵇، وقال له: قد حملتُ إليك الدنيا والآخرة. فقبِلَ الجميع، وقدَّم له أموالًا كثيرة، وتُحفًا عظيمةً، وأنزله بأسعرد، فأقام بها إلى أن توفي مُكرَّمًا، وحُمِلَ تابوتُه إلى الكوفة، فدفنه عند أهله، وكان أبو نصر مع لذّاته واشتغاله بما كان فيه لم تفُتْه صلاة الفجر في وقتها طولَ عمره، ولا ظلمَ أحدًا من خلق الله تعالى، ولا تعدَّى على أحد، ولا مدَّ عينيه إلى حريم أحد، ولا خلا بامرأة ليست له بمحرم. وقيل لبعض أصحابه: قد قيل: إن أيام نصر الدولة كانت ثلاثًا وخمسين سنة. فقال: لا، بل مئة وستُّ سنين. قيل: وكيف؟ قال: لأن لياليه كانت أحسنَ من أيامها. ومن واقعاته أنه قدم عليه مُنجِّمٌ من بلاد الهند، وكان حاذقًا، فأنزله وأكرمه، وقال له يومًا: أيها الأمير، يخرج على دولتك بعدك رجلٌ قد أحسنتَ إليه وأكرمتَه، فيأخذ الملك من ولدك، ويقلع البيتَ، ولا يلبَثُ إلا مدةً يسيرة ويؤخذُ منه. فأفكر ساعةً، وكان الوزيرُ ابنُ جَهير واقفًا على رأسه، فرفع رأسَه إلى الوزير وقال: إن كان هذا صحيحًا فهو هذا الشيخ. فقبَّل ابنُ جَهير الأرض، وقال: اللهَ اللهَ يا مولانا، ومن أنا؟ قال: بلى، إن ملكتَ فأحسِنْ إلى ولدي. وكان ابن جَهير قد اطَّلع على الخزائن والذخائر وارتفاع البلاد، فقال ابن جَهير لبعض أصحابه من يوم ما قال المنجِّم ما قال: وقع في قلبي صِحَّةُ كلامه، فكان كما قال. قال: فلمّا مات الأمير في تاسع عشرين

стр. 9033

شوال من هذه السنة عن سبع وسبعين سنة -وقيل: تجاوز الثمانين- ودُفِنَ بجامع المحدثة بميَّافارقين، ثمَّ بنَتْ له ابنتُه ستُّ الملك (١) قبةً إلى جانب الجامع، ونُقِلَ إليها، وكان قد عهد إلى ولده نظام الدين أبي القاسم نصر بن أحمد، وكان أخوه أبو الحسن سعيد الكبير، وابنُ جَهير هو الوزير، فبايع ابنُ جَهير والناسُ أبا القاسم نصر بن أحمد، واستقرَّ الأمرُ له، ولم ينازعه أحدٌ من بني أعمامه وإخوته، ثم نازعه أخوه سعيد، فلم يقدِر عليه، فسار إلى باب السلطان طُغْرُلبَك وشكا إليه، فأرسل معه جيشًا خمسة آلاف فارس، فنزلوا على باب ميّافارقين، فخرج الوزير ابنُ جَهير إلى سعيد فأصلح أمره، وأعطاه مالًا، ووفَّقَ بينه وبين أخيه نظام الدين، وصرف عسكرَ السلطان، وأقام سعيدٌ عند أخيه مُكرَّمًا، ثم بعث القائمُ إلى نظام الدين في سنة خمس وخمسين وأربع مئة -وقيل: سنة أربع وخمسين- يستدعي إليه الوزير ابن جَهير، فجهَّزه في أحسن زيّ وأجمل جهاز، وبعث معه بالتُّحف والهدايا والأموال، فاستوزَره الخليفة، فكان بنو مروان يفتخرون ويقولون: وَزَر لنا ابنُ المغربي وزيرُ الحاكم خليفةُ مصر، ووَزَر وزيرُنا للخليفة. ثم كان زوال أمر بني مروان على يد ابن جَهير سنة سبع وسبعين وأربع مئة، وسنذكره إن شاء الله تعالى. وانفصل سعيد عن أخيه نظام الدين، ومضى إلى ألب أرسلان، وكان طُغْرُلْبَك قد مات (٢). [وفيها تُوفِّي] علي بن محمد بن يحيى (٣) أبو القاسم، السُّلمي، الدمشقي، صاحب دويرة الصوفية بدمشق، ويعرف بالسُّمَيساطي، وقفها على الصوفية، ووقف علوَّها على الجامع [قال الحافظ ابن عساكر]: ووقف أكثرَ أمواله على أبواب البر، وكانت وفاته عاشر ربيع الآخر، ودُفن بهذه الدار [قلت: وقد رأيت] قبره عند السقاية، [والواجب أن يكون عند المحراب؛ لأنه أجدر بتحصيل الأجر والثواب]، وزعم قومٌ أنه أوصى أن يُدفن هناك تواضعًا.

стр. 9034

[قال الحافظ: حدَّث عن أبيه وجده، وقد روى الحديث عن عثمان بن علّان الذهبي وغيره، وروى عن السُّميساطي جماعةٌ منهم الخطيب أبو بكر وأبو القاسم النسيب وغيرُهما]، وأثنى عليه ابن ماكولا وقال: كان متقدمًا في علم الهيئة والهندسة، فاضلًا في فنون كثيرة. السنة الرابعة والخمسون وأربع مئة فيها في المُحرَّم ورد الخبر بأن صاحب مصر قبض على أبي الفرج بن المغربي وزيره، [واستوزر أبا الفرج البابلي، ثم ردَّ ابن المغربي]، إلى كتابة الجيش، وهي رتبته قبل الوزارة، ولم يكن قبله وزير يُعزَلُ فيعود إلى قديم تصرُّفه. وفيه ولد صاحِبُ مصر الأمير مكين الدين. وفي يوم الخميس تاسع عشر صفر خرج أبو الغنائم بن المحلبان إلى باب السلطان طُغْرُلْبَك بإجابة الخليفة إلى الوصلة. ذكر السبب: كانت الكتب قد وردت من السلطان إلى بغداد وواسط والبصرة بإدخال اليد في إقطاع الخليفة والحاشية، وكانت الأطراف بتعديد ما فعل من الجميل دفعة [بعد دفعة] (١) وما كان من المقابلة من ردِّ عميد الملك وأعيان الدولة خائبين من الوصلة، وخرج الكلام إلى ما ينافي قانون الطاعة ومقتضى الخدمة وقطع المكاتبة إلى الخليفة، وكان من جملة ذلك كتاب إلى قاضي القضاة أبي عبد الله بن الدامغاني: من شاهنشاه المعظَّم ملك المشرق والمغرب، وذكر ما جرَتْ به العادة، وقال من جملته: وقاضي القضاة وإن كانت أوقاتُه مقصورة على العلم وتدريس الفقه فهو مندوبٌ إلى ما يؤدِّي إلى حسم الخلاف، وتمهيد أسباب الأسلاف، ولمَّا عاد الشيخ الجليل عميد الملك إلى حضرتنا شرح من حُسنِ سَمْتِه وهَدْيه وتجرُّدِه في إدراك ما طلبناه وخطبناه ما ازددنا ثقةً به، وهو يعلم أن تلك الوصلة لم تكن عن جفوة حتى يستوجبَ بها قبيحَ المكافأة على جميع ما قدَّمناه من المآثر، ولا يخفى ما قدَّمناه من أنواع الاهتمام، وأوحيناه من

стр. 9035

الإنعام، ثم ما أظهرناه من التذلُّل والخضوع الذي كنَّا نطلبه قُربةً إلى الله تعالى، فعاد ذلك وبالًا علينا في الدنيا والآخرة، ولكنَّا واثقين من الله أن الله لا يُضيع جميلَ أفعالنا، ويرِي سوء المغبَّةِ لمن أضمر فينا سوءًا. وذكر كلامًا يقتضي التهديد والوعيد، فأُشير على الخليفة بتلافي هذا الأمر، وإلَّا بَعُدَ المرام، واتَّسع الخرق، فوقع التعيين على أبي الغنائم بن المحلبان، وأن يخرج إلى السلطان يستعطفه ويسترضيه، فقال: إن لم يحصل غرضُه من هذه الوصلة التي خطبها لم يكن قصدي له نافعًا، بل زائدًا في غيظه. فتوقَّف عن الجواب، فتأخَّر الخروج، وطالت الأيام، وزاد من رئيس العراقيين الاستقصاء في قبح الأفعال، وأشار القاضي والأعيان على الخليفة باستدراك الفارط، فأجاب وكتب وكالةً لعميد الملك، وأذِنَ لقاضي القضاة أبي عبد الله بن الدامَغاني وأبي منصور، وأوصلهما إليه، حتى شهدا عليه بما سمعاه، وخرج أبو الغنائم في التاريخ المذكور، وورد بعد خمسة أيام كتابٌ من السلطان مع ركابية بردِّ إقطاع الخليفة إليه، والاعتذار ممَّا جرى، وأن أبا نصر بن صاعد واصل بهدية ومشافهة، فطابت القلوب، ووقعت البشائر، وخلع على الركابية، وضُربت بين أيديهم الدبادب والبوقات، ورُفعت يد رئيس العِراقَين عن الإقطاع، وسُلِّم إلى وكلاء الخليفة، وكان في كتاب عميد الملك إلى رئيس العراقَين بأن الأمور عادت إلى أحسن ما كانت عليه، فبادرتُ بهذه الأحرف مبشرًا بأن تلك اللَّوثة التي ظهرت فيما يتعلق بوكلاء الدار العزيزة النبوية المقدسة -عمَرَها اللهُ ببقاء سيدنا ومولانا الإمام القائم بأمر الله أمير المؤمنين- زالتْ بأسرها من غير واسطة، إلا بآرائه التي رآها مولانا السلطان، جريًا على كريم عادتِه، وخُلقِه وسجيَّتِه، ومراعاةً لما فعل في الدولة العباسية، واحترازًا من شماتة عدو أو مقال حاسد، مع ما ظهر من خُمارتِكين الخائن من العصيان، واستجلاب الخذلان، وقد عجل الله بروحه إلى النيران، في دار الهوان، فكان يظهر أن ما يفعله بإشارة الدار العزيزة، وقد أراح الله منه. وذكر كلامًا طويلًا، وقال في آخره: وعليك بالخدمة والوصية والتقدم إلى سائر الزعماء بالعراق بمثل ذلك، وكتابي هذا من جرجان غُرَّة ذي الحجة، والرايات القاهرة متوجهة نحو العراق، وبعدَ هذا يصل رئيس نيسابور أبو نصر محمد بن صاعد ومعه رسالة تتضمن الخدم والقربة، والسلام. فكتب الخليفة

стр. 9036

إلى ابن المحلبان بالتوقف إلى حين وصول ابن صاعد؛ ليسمع رسالته، وردِّ الجواب بمقتضاها، [ورسمَ له طَيَّ ذلك وسَتْرَهُ] (١)، وورد عليه الأمر وهو بشهرزور، فأقام يتردَّد في أعمال بدر بن مهلهل، ويتلوَّم بكثرة المَدِّ (٢) والثلوج، ثم ظهر في ساقه خرَّاج، فأظهر أنَّ مادةً نزلت فيه فمنعته من الركوب. وفي ربيع الأول السابع عشر من آذار ورد إلى بغداد سيلٌ عظيمٌ، ووقف الماء في الشوارع والدروب، ووقعت الحيطان، وجاءت ظلمات ورعود وبَردٌ كبار، في الواحدة نحو (٣) الرطل فأكثر، فأهلِكَتِ الغلَّات والثمارُ، ودام بقية آذار ونيسان، ووردت الأخبار أن بالجبال وفارس والشام والجزيرة وجميع الدنيا ما هو أعظم من ذلك، ومطرت سنجار والجزيرة ثمانين يومًا مطرًا، ما رأوا شمسًا، وجاء السيل إلى بلد بدر بن مهلهل صاحب شَهْرزور، فأخذ حُلَّةً من الأكراد، فطرحها في تامَرَّا. وزادت دجلة بطالع السرطان سلخ ربيع الأول إحدى وعشرين ذراعًا، وكذا بلغت سنة سبع وستين وثلاث مئة، وفي أيام عضد الدولة، وفي سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة وغيرها، والكل بطالع السرطان، وغرقت بغداد من الجانب الشرقي، ودخل دار الخلافة، وخرج الخليفة ليلًا، وغرس القضيب النبوي في الماء، فكان تارةً ينقص وتارةً يزيد، وكان قبل هذا منتهى الزيادة ثمانية عشر ذراعًا، ودار الماء في شرقي بغداد على حلولا وتامَرَّا على الوحوش، فحصرهم فلم يكن لهم مسلك، فكان أهل السواد يسبحون فيأخذونهم قبضًا، ويحصل للواحد في اليوم مئتا رطل من اللحم (٤). وفيها ورد الخبر بقبض [أبي] (٥) العباس فضلويه بن علويه -زعيم الرعاة الشوانكار بنواحي شيراز- على الأمير أبي منصور فولاستون (٦) - ابن الملك أبي كاليجار بن بُويه،

стр. 9037

والدته حراسويه- بباب شيراز، وقبلهما إبعاده أسفنديار أخا أبي منصور بن [أبي] كاليجار مكانه، وكان أبو منصور سفَّاكًا للدماء، قتل جماعةً؛ أبا سعد وبُويه أخويه، والعادلَ أبا منصور القَسْري، مدبِّرَ دولته، وقتل ولدَه برموزة، وعزم على قتل فضلويه، فعاجله فضلويه بتدبير الملك أبي كاليجار كالعادية. وفيها كانت وقعةٌ بين أبي المكارم مسلمة بن قريش بن بدران وعمه مُقْبِل بن بدران، وقد كان مُقْبِل (١) قد طلب الأمر لنفسه، واجتمع إليه خلق من الأكراد وغيرهم، وبخل مسلمة بالمال، والتقيا على الخابور في مكان يُعرف بالكوكب، فانهزم مسلمة وملَكَ الجزيرةُ مُقبِل، فبذل مسلمة المال، وعاد إلى عمه فهزمه، ثم اتفقا على أن يكون لمُقْبِل ثلث مَغَلِّ الموصل، ثم اجتمعا واصطلحا. وفي ربيع الآخر غلقت المواخِر ببغداد، ونادى رئيس العراقَين برفعها (٢). وفيه ورد الخبر بمسير السلطان من جرجان إلى قلعة الكرم بِسَميران، وهي من القلاع التي لا ترام، وكان صاحبها خشتان بن ليمر بن المَرْزُبان سيئَ الطريقة، قبيحَ السيرة، فاستوحشَتْ زوجتُه منه، وشكَتْه إلى ابنه مسافر، فوجدَتْ عنده أكثر مما عندها، فوافقَتْه على تسليم القلعة، وتحالفا على ذلك، وتوقَّعا خروج خشتان إلى الصيد، وكان مسافرٌ ساكنًا في مكان آخر، فواعدَتْه عند خروج أبيه عن القلعة بقصدها، فخرج أبوه إلى الصيد، فأغلقتِ الباب، وجاء مسافر في الليل إلى مكان عيَّنَتْه، فاستقَتْه في زنبيل هي وجَواريها، فأصعدَتْه، فجلس مكان أبيه، وأخرجا مَنْ كان في الحبوس من الأسرى والرهائن، وكانوا عددًا كثيرًا، وخلعا على جماعة منهم، وراسلهما خشتان في إعادته، فلم يلتفِتا، فلما يئس صَعِدَ طُغْرُلْبَك وعرَّفه ما تمَّ عليه، وأطمعه في القلاع، وقال: إذا قَرُبْتَ منها اقبِضْ مَنْ فيها على الزوجة ومسافر، فسار السلطان، فحصرها من نواحيها، وأخرب العسكرُ بلادَها، فلم يلتفتا إليه، وطال مقامُه، فتراسلوا، واتفقوا على مئة ألف دينار وألف ثوب يأخذها السلطان، فرضي ورحل، وأخرج مسافر زوجة أبيه وصرفها إلى أهلها، ثم قُتِلَ مسافرٌ من بعد.

стр. 9038

وقال ناصر بن الحسين الأبهري العلوي: لمَّا أخذ مسافرٌ سَميران دار مملكة الروم، وهي على نصف من جبال الدَّيلم، وعليها يجري النهر المعروف بأسفيدروذ (١)، أنفذ خشتان لمَّا يئس من سَميران ابنَه نوحًا إلى حصن آخر كبير يُسمَّى القلعة من سَميران، على ثمانية فراسخ، ورسم له المقام فيه ليذهب هو إلى السلطان مستعينًا على ولده وزوجته، وجرى في ذلك ما قدَّمناه، ولم يبلغ خشتان غرضًا، ولحِقَه من الغمِّ والذُّلِّ ما أدَّاه إلى الموت في هذه السنة، وقصد مسافر القلعة وأخاه نوحًا في شهر رمضان سنة سبع وخمسين وأربع مئة، وحصره، وقاتله، فجاء مسافرًا في بعض الأيام سهمٌ فأثخنه، ووقع الإياس منه، فراسلوا أخاه نوحًا، واستحلفوه وسلَّموه إليه، فاعتقله، ثم قتله، وكان سبب تسليم أصحابه له قبحُ سيرته، وسفكُ الدماء من أصحابه، وتملَّك سَميران ولدُ مسافر، ومات طُغْرُلْبَك، وقام بعدَه ولده ألب أرسلان، فأراد إنفاذ من ينتهز الفرصة في تلك الأعمال، فسأله سُرْخاب بن كامرو الديلمي أمير ساوة أن يجعل أعمال الطرم مردودةً إليه، وأن ينتزعها من أولاد خشتان، وأرسل إلى نوح يتهدَّده وقال له: انزل إلى السلطان بأمان. فنزل، فقبض عليه، وجاء به إلى قلاع الطرم، وقال: سلِّموها. فلم يلتفتوا إلى سُرْخاب، ورجع إلى ساوة، ولم يظفر بطائل. وفي جمادى الأولى خرج رئيس العراقَين أبو أحمد النهاوندي إلى باب السلطان مستقيلًا من ولاية العراق، ولَحِقَ الناسَ عليه من الأسف والحزن ما لا حدَّ عليه، لما رأوا منه من الإحسان وحسن السيرة والهيبة، وبكوا عليه، ولقَّبه الخليفة ذو الكفايتين، واستحلف أصحابَه في البلد، وأكَّد الوصية عليهم بالرعية، وقد كان واصل المكاتبات إلى السلطان بالاستعفاء من النظر في العراق، وسأل أن يكون على الباب، فأجابه. ولمَّا طالت أيام ابن المحلبان ببلد شَهْرُزور وعرف السلطان، حرَّك الخليفة، فأنفذ كتابًا إلى أرسلان خاتون بالخروج من دار الخليفة إلى دار المملكة، ويتجهز إلى الري، فإنه مشتاق إليها، فأرسلت إلى الخليفة، فمنعها، وقال: ما السبب؟ فقيل: تأخَّر ابنُ

стр. 9039

المحلبان. فقال: ما أخَّرناه إلا ليصل ابنُ صاعد، ويسمع رسالته، ويردَّ الجواب، ويكون نفوذُهما جميعًا، وأما إذا استشعرتم فنحن نأمر ابنَ المحلبان بالإتمام، وكتب إليه بالمسير إلى السلطان، فسار. وفي هذا الشهر جرت وقعةٌ بين مُعِزِّ الدولة (١) ثِمال بن صالح صاحب حلب، وبين الروم، أجملت عن قتل الروم وهزيمتهم، وسبب هذه الوقعة أنه كان لثِمال رسم على ملك الروم كلَّ سنة، مالٌ وثياب وتُحف، فلمَّا بعُدَ ثِمال عن حلب إلى مصر طمع صاحب الروم وقطع ذلك، فلمَّا عاد إلى حلب بعث وطلب الرسم، فجهز صاحب الروم العساكر إلى الشام، وجمع ثِمال بني كلب وغيرَهم، والتقوا على مكان (٢) يقال له: أَرْتَاح (٣)، وبعث ثمال أخاه عطية في مقدمته، واجتمعت إليه القبائل وبنو خفاجة، والتقَوا، فنُصروا على الروم، وكان بينهم وبين حلب ستة فراسخ، فانهزمت الروم، وقُتل أكثرُهم، وغنمهم، وفتح عِمّ (٤) وأَرْتَاحَ، وانتهى إلى أنطاكية، وحصرها، وضاق بهم الشيء، فصالحوه، وأعطوه مالًا ورسمه، ورجع. ويقال: إن الجارية الحسناء من الروم بيعت بخمسة دنانير، وكذا الفرس الجواد. وفي رجب ملك قاروت بك بن داود بن أخي السلطان طُغْرُلْبَك مدينة شيراز ونواحيها، وتحصَّن فضلويه ببعض القلاع، وكان الديلم والأتراك يكرهون فضلويه لِما فعل بأبي منصور بن أبي كاليجار ووالدته، وكان قد كاتبوا قاروت بك بالمسير إلى شيراز، وقالوا: لا بُدَّ ما نقاتِلُك أيامًا فلا تخَفْ، فلما جاء وحَصَرَ البلد خرجوا إليه ثلاثة أيام، فقاتلوه، ثم سلَّموا إليه البلد، فأحسن إليهم، وخلع عليهم، وعدل في الناس، فأحبُّوه، وأطاعه أهل الأطراف وخطبوا له، وبعث بأسفنديار وأمه إلى كرمان، وأمَّا فضلويه فإنه لمَّا قرُبَ قاروت بك من شيراز مضى إلى موضع يُعرف (٥) بكُفَيرة على

стр. 9040

خمس فراسخ من شيراز، ثم انتقل إلى جبال حصينة على خمسة عشر فرسخًا من شيراز، وسار خلفه قاروت بك، فحاربه، فهزمه قاروت بك، وقتل من أصحابه ست مئة رجل، وصعد إلى قلعة جَهْرَم، وهي في جبال منيعة ومضائق، وهي من أعمال قَسا على أربعين فرسخًا من شيراز، وعاد قاروت بك إلى شيراز، فأقام الخطبة للسلطان طُغْرُلْبَك، وبعث له هدايا، وكتب إليه بالفتح، وفي يوم الخميس الثالث عشر من شعبان كان العقد للسلطان على بنت الخليفة بظاهر تيزين. قال محمد بن هلال بن المحسن الصابئ: سألت أبا منصور بن يوسف عن شرح ما جرى، فأوقفني على رقعة كتبها إلى الخليفة، مضمونها بعد البسملة الشريفة: صبَّحَ اللهُ المواقف المقدسة النبوية الإمامية بالنعم والسعادات، والإقبال والبركات، واستجاب من العبد الخادم صالحَ الأدعية منها، كان مع الغلام الوارد من ابن المحلبان كتابٌ إلى الخادم، في عطفه مدرجٌ شرحُ ما جرى عليه الأمر في المعنى الذي خرج لأجله (١)، وقد أنفذته، عُطف عليه هذه الخدمة لتقف الموافق عليه، ومن العادة أن يسطر في التاريخ، ما هذه سبيله بعد أن يذكر ما جرت الحال عليه أولًا من الامتناع وما بذل من المال، وأنَّ الحال أفضَتْ إلى فساد الدولة والدين، وإن أذن للخادم أن يجتمع بمحمد بن الصابئ ويوقفه على المشروح، وبوافقه على ما ثنَّيتُه عنده في التاريخ فعل، والأمر أعلى إن شاء الله تعالى. وعلى رأس المسطور توقيع نسخته: وقفتُ على ما عرضتَه واستأمرتَ فيه، ويجب أن تقول له أن يكتب، ولمَّا كان من فعل اللعين البساسيري ما كان وانتهازه الفرصة فيمن انضوى إليه من الأجناد المطرودة عن مدينة السلام، وعَوْدِ ركن الدين إلى بلاده، وتشاغُلِه بقتال أخيه إبراهيم ينَّال حين شرد عن الطاعة، وفارق الجماعة، وأصغى إلى أباطيل البساسيري وأطماعه في الدولة والولاية ومضادة دار الخلافة، واقتضى حكم الاستظهار انتقال الإمام إلى الحديثة والمقام بها إلى أن تستقر الأمور، وورد ركن الدين إلى مدينة السلام، وعادت الخدمة الشريفة إلى مستقر سُدَّتها، وقُتِلَ اللعينُ البساسيري، وحُمِلَ رأسُه إلى الخزانة الإمامية، واقترح ركن الدين الإنافة به، ومقابلةَ

стр. 9041

خدمَتِه بما يبقى له فخرُه وجمالُه على الأعقاب، ويتخلَّد ذِكرُه مع الدهر والزمان، ورغب في الخدمة بتجميله بعقد على كريمتها، وعلم أن موضعه يقتضي كل إيجاب، وتردَّدت في ذلك أقوالٌ اختلفت، وبُذِلَ في مقابلة ذلك من الأموال والإقطاعات ما اشتمل مبلَغُه على ألف ألف دينار سوى الأواني المُرصَّعة، والمهد المُرصَّع، والمراكب المُرصَّعة بالجواهر الثمينة، وأُعيد جميعُه، ثم انساقتِ الحالُ إلى أن عقد العقد اسمًا من غير أن يكون اجتماع على أربع مئة درهم ودينار، ثم يساق الشرح على ما جرى منه، ونسأل الله التوفيق في جميع الأمور. قال ابن الصابئ: وأوقفني أبو منصور بن يوسف على المشروح، فكان مضمونه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لمَّا نزل العسكر بظاهر توريز اختير لإنجاز الأمر الرشيد الوقت المبارك السعيد، وهو بعد العصر من يوم الخميس ثالث عشر شعبان، ومُدَّ سِماطٌ عظيمٌ، واستدعيتُ عميدَ الملك جالسٌ (١) على باب السرادق السلطاني، وأكثر السِّماط تماثيلُ السُّكَّر، ومقدار ما يجوز منه نُشَّابه، فلمَّا رأى عميد الملك نهض وأظهر من إجلال الخدمة الشريفة ما يتجاوز الوصف، وأخذ بيدي وأجلسني في صدر السِّماط، والملوك والأمراء وُقوفٌ في الخدمة، والفيلةُ من جانِبَي السماط يحفظونه من النَّهب، ثم نُهِبَ بعد ذلك، وأُدخِلتُ أنا ومن معي على السلطان وهو جالسٌ على سرير، وعليه ما شَرُفَ به فَرَجيةٌ طَميم، وعِمامةٌ، وقَباءٌ تحت الفَرَجية، والأمراء والملوك حول السرير على مراتبهم، فجلستُ بعدما سلَّمتُ على السلطان، فأدناني عميدُ الملك ورحَّبَ بي، ثم قمتُ قائمًا، وأخرجتُ كتاب الوكالة، وقام الجماعة بين يدي السرير وقرأتُها، فلمَّا بلغتُ إلى ذِكْرِ ما خرجَتْ به المراسيمُ العاليةُ سجدتُ وسجد الحاضرون وعميدُ الملك والسلطان، فلمَّا جرى ذِكْرُ المهر وأنه أربع مئة درهم ودينار ارتفعت الأصوات بالدعاء للخليفة، واستعظموا ذلك، وقام إنسان يُقال له: مسعود الخراساني، فخطب، ونثر عميدُ الملك بين يدي السرير عدَّة كفوف لؤلؤ ودنانير، وزنُ كلِّ دينار عشرة مثا قيل، ونثروا على باب السُّرادق الدراهم [والدنانير، وأدَّينا الرسالة، فشكر ودعا، ونهضنا، وكانوا قد قدَّموا بين يدي التتار جاما خسروانيًّا مُغطًّى، فلم أمدَّ

стр. 9042

يدي إليه، فحملوه إليَّ، وإذا فيه ألف دينار ومثلها دراهم، وأبرزوا إليَّ توقيعًا بتقرير معيشةٍ، في كل سنة عشرة آلاف دينار، وذكر كلامًا طويلًا. قال المصنف ﵀: وذكر جدِّي في "المنتظم" (١) أن العقد وقع على أربع مئة ألف دينار، وأن السلطان قال: أنا المملوك القِنُّ الذي قد سلَّم رِقَّه. وما حَوَتْه يدُه، وما يكتسبه باقي عمره إلى الخدمة الشريفة. وما ذكر ابن الصابئ ألْيَقُ بالقصة؛ لأنَّ القائم اتَّبعَ السنَّة الطاهرة في أربع مئة درهم ودينار. قال ابن المحلبان: ولمَّا كان من الغد أخرج من الخزائن المعمورة من الجواهر واللؤلؤ والذهب والمصاغ والثياب والألطاف والعين والجواري الأتراك والغلمان وغير ذلك شيئًا كثيرًا. وقال في "تذكرته": وأمَّا الأخبار فإنَّ الأمير أبا نصر محمد بن دهشودان المعروف بهملان الرازي -صاحب توريز- حضر إلى باب السلطان سليمًا ومستسلمًا، فقرَّر عليه مالًا، فأقام بأكثره، وسلَّم ولده رهينةً على باقيه، وانتقل السلطان إلى مدينة بحجون قريبةٍ من بلد الروم، فصاحِبُها يُعرَفُ بأبي دُلَف بن الصقر الشيباني، ففعل كما فعل صاحب تيزين، وكذا فعل ابنُ الجليل صاحبُ أرمينية، ونزل السلطانُ على خُويّ، وهي من أعمال ثغور المسلمين، وركنٌ قويٌّ من أركان الدين، والمستولي عليها شيخ من أهلها، فامتنعوا وقاتلوا، وذكر كلامًا طويلًا وكتابًا إلى الخليفة بصورة ما جرى، وذكر فيه أن العقد كان على أربع مئة درهم ودينار مهر سيدة النساء فاطمة البتول صلوات الله عليها، ليعلم الكافَّة والخاصَّة تنزُّه سيدنا ومولانا الإمام عن التلبُّس بحُطام الدنيا، وذكر معناه. وفي شعبان تُوفي المُعِزُّ بن باديس صاحب القيروان. وفي شوال عاد رئيس العراقَين إلى بغداد عند السلطان.

стр. 9043

ذكر السبب: كان مواصلًا للسلطان بالمكاتبة يطلب الحضور إلى بابه، فأذِنَ له، فلمَّا مضى حمل ما كان استصحبه من المال والخيل والثياب، فوقعت خدمتُه أحسن موقع، وتصوَّر السلطان فيه أنه كان السبب في انقياد الخليفة إلى الوصلة بما فعله من التضييق عليه وعلى أصحابه، واتَّفق أن الخليفة بعث مع ابن المحلبان يشكو منه ويبالغ، وقد كان ابن المحلبان حمَّله من أذاه في ضياعه وأوحشه، فلم ينفعه ذلك مع السلطان لِما وقر في نفسه، ولعناية عميد الملك به، وميله إليه لأجل ما كان من الشكاوى التي نفعته عنده، وجمَّلته في عين سلطانه، وخوطب في العود إلى بغداد فامتنع، وسأل الإعفاء منها، وشكا من خرابها وخراب سوادها ما أوضحه، فقيل: لابُدَّ من عودك إليها لترتب إقامة السلطان بها مدَّة مقامه فإنه قاصد إليها، فإذا خرج منها فاخرُجْ معه، وأصحِبْه حاجب السلطان -واسمه رسول- ومعه للخليفة ثلاثون غلامًا من الترك، وثلاثون جاريةً على الخيول، وخادمان، وفرس بمركب ذهب مُرصَّع بالجوهر الثمين، وعشرة آلاف دينار، وعشرة آلاف أخرى لكريمته، وتوقيع بإقطاعات وجميع ما كان لخاتون المتوفَّاة من الإقطاع بالعراق، وعِقدُ جوهر فيه نيِّفٌ وثلاثون حبةً، في كل حبَّةٍ وزن مثقال، وثلاثة آلاف دينار لوالدتها، وخمسة آلاف دينار لِعِدة الدين، وخرج الناس على طبقاتهم لتلقِّي رئيس العراقيين، ولمَّا وصل إلى باب النُّوبي نزل وقبَّل الأرض، ومضى فنزل في خيمة تحت دار المملكة، ولم يدخل الديوان، وركب بعد ثلاثة أيام مع رسول إلى دار الخلافة إلى باب خاتون، وسلَّم إليها ما كان معه لتسلِّمه إلى الخليفة. وقال أبو الفضل نعمة الله بن أحمد خطيب تيزين: كان السلطان مُجِدًّا في التوجُّه إلى بغداد على طريق ميَّافارقين ليقَرر أمر أولاد مروان في بلادهم بعد وفاة أبيهم، وكذا أمر مسلم بن قريش، ويطالبهم بالأموال التي خلَّفها أبوهم، فاتَّفق أنه طالب أهل خُويٍّ بعشرة آلاف دينار، فقالوا: نحن قوم مجاهدون، ويجب عليك معونتنا بالمال والسلاح، وبذلوا له أربعة آلاف دينار، فأنفذ إليهم سريَّةً فقاتلوهم، فظاهر أهل خُويٍّ عليهم، فراسل السلطان رئيس البلد يوسف بن مكين بهزارسب وسارتكين الخادم الخاص فلم يمكنهما من الدخول، فرجعا، ونشبت الحرب في رمضان وبعض شوال

стр. 9044

مدة أربعين يومًا، وقتل من الفريقين مقتلة كبيرة، فراسل مشايخُ البلد عميدَ الملك على يد أبي كاليجار هزارسب، يطلبون الأمان، فأعطاهم، وعاد به هزارسب وسارتكين، فدخلا البلد بعد ثلاثة أيام، وأخذ جماعةً ممَّن كان يحارب السلطان، فقطع أيديهم، وقتل آخرين، وقبض على يوسف وابن أخيه موسى، وردَّ رئاسة البلد إلى أبي سعيد بن حمُّويه أحد مشايخ خُوِيٍّ، وكان بذل عشرة آلاف] (١) دينار، وشرط أن يسلم إليه يوسف؛ لعداوةٍ كانت بينهما، فسلَّمه إليه، فضربه وصفعه في الجامع، وبلغ عميدَ الملك فقبض عليه، ونزع يده، وردَّ الرئاسة إلى عمر بن سحتكان، وكان رئيسها قديمًا، وأخرب عقار يوسف الذي في البلد، وبنى مكانه قلعة باسم السلطان، وانصرف السلطان إلى أرمية، وأطلق موسى ابن أخي يوسف، ومات يوسف في الاعتقال عند توجُّه السلطان إلى العراق بالطريق، ثم غلب موسى على خُوِيٍّ وقتل جماعةً من أصحاب السلطان، وأخرج الباقين بسوء أفعالهم، وصار رئيس البلد. وفي يوم السبت رابع ذي القعدة عُزِلَ أبو الفتح محمد بن منصور بن دارست من ديوان الخليفة، وانتقل إلى داره بباب المراتب، وكان سيئ التدبير، كلَّما دبَّر عملًا لم يحصل من عُقباه حمدٌ، ومن ذلك تضمينُه ضياع الخليفة لابن علَّان اليهودي، وظلم الناس، وأقام الشناعات، ثم هرب إلى واسط، وذهب ارتفاع الضياع، ثم ولَّى على الكُتَّاب كاتبًا يُعرف بابن الحُصين، بذل له ثلاثين ألف دينار، فأطلق يدَه، فضرب وحبس، ولم يحصل على شيء، فعمل أهل بغداد في ابن الحُصين القصائد منها: [من البسيط] يا ابنَ الحُصينِ ولا فخرًا بذي النَّسبِ … لقد فُضِحْتَ أمامَ العُجْمِ والعربِ وسوَّلَتْ لكَ نفسٌ منكَ ساقطةٌ … ظُلمَ العبادِ لمحضِ الزُّورِ والكذبِ تُراكَ تحسَبُ أنَّ الله يغفَلُ عن … ما كان منك ولا يقتصُّ عن كثَبِ تاللهِ تاللهِ إني خائفٌ وَجِلٌ … من دعوةٍ نفذَتْ عن صدرِ ذي كَرِبِ قُلْ لابنِ دارسْتَ عنِّي إن ظفِرْتَ بهِ … انظُرْ لنفسِكَ واجنُبْها عن الرِّيَبِ واذكُرْ معادَكَ والأعضاءُ شاهدةٌ … واللهُ يحكمُ والمظلومُ في الطَّلبِ لا المالُ يبقى ولا الأيامُ مُمهِلةٌ … وليس ينفعُ إلَّا حُسْنُ منقَلَبِ

стр. 9045

من أبيات. وفي يوم السبت الحادي والعشرين من ذي الحجة ورد الكافي أبو نصر محمد بن محمد بن جَهير من ميَّافارقين للنظر في ديوان الخليفة، وكان قد وقع الاختيار عليه، وأخرج إليه الكامل أبو الفوارس طراد نقيبَ العباسيين، وركب رئيس العراقيين وجماعةُ الحاشيةِ والخدم، ونزل بالحريم الطاهري منتظرًا لجواز الكسوف القمري، ودخل الديوان يوم الأحد التاسع عشر من الشهر منحدرًا في الماء معه الناس على طبقاتهم، وخرج من الخليفة توقيعٌ يدلُّ على الابتهاج بمورده والتقريظ له، وحمل إليه أطعمةً وفواكه. وفي ذي القَعدة ورد أبو علي شادل بن محمد التاجر متقدم بعض اليمن هاربًا من مكة لدخول أصحاب الصُّليحي إليها، وقد قطع عليه الطريق، وكان لمَّا انهزم من اليمن دخل مكة وبها شَكَّر بن أبي الفتوح الحسني أميرًا، فاستنجده، فوعد شَكَّر ومَنَّاه، وأعطاه وأخذ منه عشرين ألف دينار على أن يُفرِّقها فيمن يسير معه، ولم يُقدِمْ شَكَّر على ذلك؛ لعجزه عن معاونة الصُّليحي، وأقام أبو علي قانعًا بسلامته، ومات شَكَّر ليلة الخميس ثالث شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين، وطلب مكانَه ابنُ عمه يحيى بن عبد الله بن جعفر الحسني، واستولى على دور شَكَّر بالبرقة وبينها وبين مكة خمسة فراسخ، واستدعى جماعةً من بني عمه ليستوثق منهم، فتربَّصوا عليه، وبلغهم وفاةُ شَكَّر، فتصوَّروا أنه أراد قبضهم، وأرادوا أن يكون الأمرُ فيهم فاجتمعوا في خمسة وأربعين فارسًا، وقصدوا بَرقة وبها يحيى، فانهزم وقُتل، فدخلوا مكة واستولوا عليها، وكان لشَكَّر عبد يقال له: محيا، فجمع العبيد، وفرَّق فيهم المال، وقصد مكة، فانهزم ابنُ أبي الطيب منها، وقصدوا أعمال الصُّلَيحي، فقوَّاهم بالمال والرجال، وساروا إلى مكة، وكان لمحيا منجِّمٌ، فقال له: لا تخرج اليوم ولا غدًا. فخرج وقاتل، فهزموه، ومضى في جماعة قليلة، ودخل الأشرافُ مكة، ومعهم بنو هذيل، وكان لهم عند شَكَّر ثأر، فقتلوا من العبيد مَقتلةً كبيرة، ونهبوا، والتجأ ابن شادل إلى البيت الحرام، واجتمع ببني هذيل، وذمَّ منهم بين قوم منهم، وضمن لهم مالًا، وحملوه إلى داره، وكان الصُّلَيحي قد قرَّر مع الأشراف حملَه إليه، وعلم، فهرب مع قوم من العرب، فقطع عليه الطريق، فدخل الكوفة عريانًا، فكساه ابن كروشان الهاشمي، وأقرضه ما

стр. 9046

استعان به على المسير إلى بغداد، ونزل إلى باب المراتب، ومعه ستة من أولاده، وعاد محيا إلى الينبع، وملك مكة والأشراف. وفي يوم السبت تاسع عشر (١) ذي الحجة جلس الخليفة واستدعى ابنَ جَهير، ووصل إليه، وخلع عليه لحاف سقلاطون، ودَرَّاعة مُصْمَت، وعمامةَ قصب مُذْهَبة حراقية، وأُعطي دَواةً من الصندل مُحلَّاةً، وخاطبه بالجميل، واحتفل له في جلوسه مثلَ ما يحتفل الملوك، وحمل على بغلة بمركب مُحلَّى، وقُرئ عهدُه بالوزارة قائمًا، وأول ما فتح الدَّواة [كتب] (٢) بمئة دينار صدقة، وكان في عهده بعد حمد الله تعالى والصلاة على سيدنا محمد ﷺ : وبعد، فإن أمير المؤمنين حين عَدِمَ الكُفاة بحضرته، المُرْتضين لخدمته، وتحقَّق ما عليه ابنُ جَهير من صحة الدين، وخلوص المعتقد واليقين، وما يأوي إليه من الكفاية والعفاف، والتنزُّه عن كل ما يُذمّ من الخلال ويُعاف، وكملت فيه الأوصاف، والأدوات التي جمعت بين كل سجية رضية، وصفة مرضية استوجبت أناتَه، أفضل مراتب الخُلصاء، وأوجه منازل الأصفياء، فقلَّده الوزارة، وخصَّه من الطَّول ما يُعلي منارَه، وعوَّل عليه في الوساطة بينه وبين رعيته، وخاصته وعامته، وأمره بتقوى الله، وذكر ما يُذكر في العهود، ولُقِّب فخرَ الدولة شرفَ الوزراء. وفي ذي الحجة كثرت الأراجيف بموت طُغْرُلْبَك بأرمية، واختلط الناس ببغداد، ثم ورد الخبر بأنه عُوفي، واستدعى السفن إلى تكريت؛ لتنزل في الماء إلى بغداد. وفيها تُوفِّي إبراهيم بن العباس (٣) ابن الحسن بن العباس بن الحسن بن الحسين بن أبي الجِنّ، أبو الحسين، القاضي، الشريف، مستخص الدولة، ولي القضاء والخطابة بدمشق في أيام المستنصر نيابةً عن قاضي القضاة أبي محمد القاسم بن عبد العزيز بن محمد بن النعمان.

стр. 9047

ولد إبراهيم سنة أربع وتسعين وثلاث مئة في المُحرَّم، وتوفي يوم السبت تاسع عشرين شعبان (١) ودُفن بالباب الصغير، قرأ القرآن بحرف أبي عمرو بن العلاء، وسمع الحديث [من أبي عبد الله بن أبي كامل -قال الحافظ ابن عساكر: بالإجازة- وروى عنه ابنه أبو القاسم علي بن إبراهيم شيخ الحافظ ابن عساكر]، وكان فاضلًا جوادًا عفيفًا نزهًا. [وفيها تُوفِّي] ثِمال بن صالح أبو علوان، ولقبُه مُعِزّ الدولة [ويعرف بابن] صاحب حلب ابن الزَّوقلية الكلابي، كان شجاعًا جوادًا حليمًا، أغنى أهل حلب بماله، وعمَّهم بحلمه ونواله، وكان محسنًا إلى القبائل وجميع الناس [وقد ذكرنا أن صاحب مصر عزله عن حلب وردَّه، فذكرنا أنه فتح أحد الحصنين إمَّا عِمَّ وإمَّا حصن أَرْتَاح]. وبلغ من حلمه أنَّ فَرَّاشًا كان يصبُّ عليه يومًا [ماءً] من إبريق في طست، فغفل الفرَّاش، فأصابت بلبلة الإبريق ثنيته، فوقعت في الطَّست، فلم يقُلْ شيئًا، وعفا عنه، وقد مدحه ابن أبي حصينة بقصائد فقال: [من الوافر] وَسَنَّ العَدلَ في حَلَبٍ فأَخلَتْ … بِحُسنِ العَدلِ بُقعَتُها البِقاعا حليمٌ عن جرائِمِنا إليهِ … وحَتّى عَن ثَنِيَّتِهِ انقِلاعا مكارِمُ ما اهتدى فيها بِخَلقٍ … ولَكِن رُكِّبَت فيهِ طِباعا إذا فَعَلَ الكَريمُ [بلا قياسٍ] (٢) … فعالًا كان ما فعلَ ابتِداعا وكان ملجأَ القُصَّاد والعلماء والفقراء. وفي ذي القعدة ورد الخبر بوفاة أبي علوان ثِمال بن صالح أمير بني كلاب وأمير حلب]، وقام أخوه عطية مقامه.

стр. 9048

[وفيها تُوفِّي الحسن بن مشير أبو علي، الكناني، الدمشقي، قال الحافظ ابن عساكر (١): أقام بجامع دمشق خمسين سنة يقرأ القرآن احتسابًا، وتوفي في ذي القعدة، ودُفن بالباب الصغير، سمع أبا محمد بن أبي نصر وغيره، وروى عنه نجا بن أحمد العطار وغيره، وكان صالحًا ثقةً]. [وفيها تُوفِّي] سُبُكْتِكين التركي أبو منصور، ابن تمام الدولة، ولي دمشق من قِبَل المستنصر سنة اثنتين وخمسين، وتوفِّي بها في ربيع الأول، وكان صالحًا عفيفًا، سمع الحديث ورواه، وكان إذا قُرئ عليه الحديث يقول القارئ: أنبأنا العادل الأمير الصالح أبو منصور التركي. [وفيها تُوفِّي] عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن (٢) أبو الفضل، الرازي، المقرئ، العجلي، [ذكره الأئمة، فقال عبد الغفار الفارسي في "تاريخ نيسابور"]: كان إمامًا في كلِّ فنٍّ، جوَّالًا في طلب العلم، زاهدًا، عابدًا، ورعًا، يأوي إلى المساجد الخراب في أطراف البلد ويطلب الخلوة، فإذا عُرِفَ في مسجد انتقل إلى آخر، وما كان يقبل بِرَّ أحد، وكانت وفاته بنيسابور -وقيل: بكرمان- وكان يقول: إن هذه الأوراق تحلُّ منا محلَّ الأولاد. ومن شعره [من السريع]: يا موتُ ما أجفاكَ من زائرٍ … تنزلُ بالمرءِ على رغمِهِ وتأخذُ العذراءَ من خِدْرِها … وتسلبُ الواحدَ من أمِّهِ

стр. 9049

وقال: [من الطويل] أخي إنَّ صِرْفَ الحادثاتِ عجيبُ … ومَنْ أيقظَتْهُ الواعظاتُ لبيبُ وإنَّ الليالي مُفنياتٌ نفوسَنا … وكلٌّ عليه للفناءِ رقيبُ وإنَّ مصيباتِ الزمانِ كثيرةٌ … لكلِّ امرئٍ منها أُخيَّ نصيبُ طوى الدهرُ أترابي فبادوا وفارقوا … وما أحدٌ منهم إليَّ يؤوبُ ومَنْ رُزِقَ العمرَ الطَّويلَ تُصيبهُ … مصائبُ في أشكالِهِ وتَنوبُ إذا ما مضى القرنُ الذي أنتَ منهمُ … وخُلِّفْتَ في قرنٍ فأنتَ غريبُ وإنَّ امرأ قد سارَ تسعين حجَّةً … إلى مَنْهلٍ من ورْدِهِ لَقريبُ [وفيها تُوفِّي] محمد بن سلامة (١) ابن جعفر بن علي بن حكمون، أبو عبد الله، القاضي، القُضاعي، سمع الحديث، وولي القضاء بمصر، وصنَّف الكتب، منها كتاب "الشهاب"، وكتاب "دستور الحكم، ومأثور معاني الكلم"، وكتاب تاريخ، وغير ذلك، وكانت وفاته بمصر في ذي القعدة. وقال فارس بن الحسين الذُّهلي يمدح كتاب "الشهاب": [من البسيط] إنَّ الشهابَ كتابٌ يُستضاءُ بهِ … في العلمِ والحلمِ والآدابِ والحِكَمِ سقى القضاعيَّ غيثٌ كلَّما لمعَتْ … هذي المصابيح في الأوراقِ والكَلمِ [وفيها تُوفِّي] مَنيع بن وثَّاب أبو الزِّمام، [النُّميري] أمير بني نمير، والي حَرَّان والرقة [وقد ذكرنا طرفًا من أخباره مفرَّقًا في الكتاب] كانت وفاته بعلَّة الصرع ليلة الخميس لخمسٍ خلَون من جمادى الآخرة، وكان جوادًا سمحًا (٢).

стр. 9050

السنة الخامسة والخمسون وأربع مئة فيها في يوم الجمعة سابع المُحرَّم وصل السلطان، وعزم الخليفة على لقائه، فاستعفى من ذلك، فأُعفي، فخرج إليه الوزير ابن جَهير من الغد، وتلقَّاه عميدُ الملك، وأوصله إلى السلطان، فخدمه وأدَّى إليه عن الخليفة رسالةً تتضمَّن السرورَ بسلامته وعافيته، والأُنسَ بقُربه، وحمل إليه فَرَجيَّةً وعمامةً وثيابًا وفرسًا من مراكبه، فعضد حتى قام، وقبَّل الأرض، وطرح العميد الفَرَجيَّة على كتفيه، ودخل من الغد دار المملكة في زَبْزَبٍ بعثه إليه الخليفة، وكان مرض بأرمية وثَقُل عليه، فشغب العسكر، فأُجلِسَ على مضض، وأدخلَ وجوههم إليه، وأوصى إن حدث به الموت أن يُنصِّبوا مكانه سليمان ابن أخيه داود، وهو حينئذ صغير بأصبهان، والسلطان متزوِّجٌ بوالدته، وأن يرجعوا إلى رأي عميد الملك من غير مخالفةٍ ولا عدولٍ عنه، وقَرَّظه (١) ومدحه، فأجابوا بالسمع والطاعة، إلا أردم الحاجب، فإنه قال: ما أخدم (٢) أحدًا بعدك، وأمضي إلى ألب أرسلان ابن أخيك داود، وأنزل عليه، وسار من وقته إلى خراسان، وكان من رأي عميد الملك ومشورته ليتمَّ له الاستبداد بالأمور، ويستولي على الملك، وقالت الجماعة: قد نزل الثلج وما لنا طاقةٌ بالمسير إلى بغداد، ونريد أن نستقر في بيوتنا. فقال: اذهبوا. وجاء إلى بغداد ومعه عميد الملك، وبرشق الحاجب، والأمير علي بن الملك أبي كاليجار وأبو كاليجار هزارسب- وبدر بن مهلهل، وغيرهم. و [فيها] سار [السلطان طُغْرُلْبَك إلى بغداد] فصادفوا عقبةً عظيمة قد طمَّها الثلج، ولا بُدَّ من قَطْعِها، فحُمِلَ السلطانُ في مِحفَّة على أعناق الرجال، ومات معظم الناس والدواب، ولمَّا دخل السلطان (٣) بغداد نزل العسكر في الجانب الغربي، وأخرجوا الناس من دورهم، وأوقدوا أخشاب السقوف للبرد العظيم، وتعرَّضوا لحريم الناس، وقطعوا الطرقات، وأخذوا عمائم الناس، وجاء قوم من الأتراك فصعدوا إلى أسطحة حمامات بنهر القراطيس ونهر طابق، فقلعوا الجامات، واطَّلعوا على النساء [منها]،

стр. 9051

ثم نزلوا وهجموا عليهنَّ، وأخذوا مَنْ أرادوا منهنَّ، وخرج الباقون عُراةً إلى الطريق، واجتمع الناس وخلَّصوهنَّ من أيديهم، وجاء عميد الملك إلى دار الخلافة، وخدم عن السلطان، فأوصله [الخليفة] إليه، وخاطبه بالجميل ولاطفه، وأعطاه عِدَّة قطع ثيابًا؛ تشريفًا له، وطلب الحمية، وحمل خاتم السلطان وكان ذهبًا وفضةً وماسًا، وزنُه درهمان وحبتان، وقال: هذه الجهة الكريمة. ولزم مطالبًا لها، وبات في الديوان، وتردَّدت رسائلُ إلى الخليفة، فكان الجواب: إنك يا منصور بن محمد كنت تذكر أنَّ الغرضَ من الوصلة التشرُّفُ بها، والذكرُ الجميل لركن الدين فيها، وكُنَّا نقول: إننا ما نمتنع من ذلك إلا خوفًا من المطالبة بالتسليم، وجرى ما قد علمتَه، ثم أخرَجَنا ابنُ المحلبان، وقرَّر معكم قبل العقد ما أخذ به خطَّك، وأنه إن كان يومًا ما طالبه باجتماع كان ذلك في دار الخلافة، ولم يسمِّ لقراح الجهةَ منها، فقال عميد الملك: كلُّ هذا صحيح، والسلطان مقيمٌ عليه، وعازمٌ على الانتقال إلى هذه الدار العزيزة حيث ما استقرَّ، فليُفْرِدْ له ولِحُجَّابه وخواصِّه وغلمانه مواضعَ يسكنونها، فما يُمكِنُه بُعْدُهم عنه، وقطع بذلك الجهة، وجرت مراسلاتٌ استقرَّ انتقالُها إلى دار المملكة، وعلى أن لا يخرج من بغداد مع ركن الدين، ولا ينتقل معه في أسفاره، وأحضر قاضي القضاة حتى استحلفه على الاجتهاد في ذلك، وانصرف عميد الملك. وفي المُحرَّم تُوفِّي سعيد بن مروان صاحب آمد، وكان أخوه نصر بميَّافارقين، ويقال: إنَّ نصرًا أخاه اتفق مع أبي الفرج الخازن على أن يسقي سعيدًا السُّمَّ، فسقاه، فلمَّا شربه أحسَّ [به]، فقال لأصحابه: اقتلوا هذا الكلب، فقد سقاني السُّمَّ. فقتلوه، ولم يظفر نصر من آمد بطائل، وكان السعيد له ولد صغير اسمه مسكويه، فأجلسوه مكان أبيه، وانحرف أهل البلاد على نصر وسَبُّوه، ونفروا منه. وفي صفر حَملَ الخليفةُ إلى السلطان مئةَ ألف دينار ومئةً وخمسين ألف درهم وأربعة آلاف ثوب من أجناس مختلفة، وكلُّ ذلك منسوبٌ إلى المهر [مهر بنت الخليفة، ومحسوبٌ منه؛ لأن السلطان خطبها وتزوجها]. وفي ليلة الاثنين خامس عشر صفر زُفَّتِ السيدةُ ابنةُ الخليفة إلى السلطان، ونُصِبَ لها من دجلة إلى دار المملكة سُرادقُ، ودخلت فجلست على سريرٍ مُلبَّسٍ بالذهب،

стр. 9052

ودخل السلطان فقبَّل الأرضَ بين يديها، وخدمها، ودعا للخليفة، وخرج من غير أن يجلس، وما قامت له، ولا كشفت البرقع عن وجهها ولا أبصرَتْه، وخرج السلطان إلى صحن الدار والحواشي يرقصون فرحًا، ويغنُّون بالتركية، وبعث إليها مع أرسلان خاتون عقدين فاخرين وخسروانيَّ ذهب، وقطعةَ ياقوت حمراء كبيرة، ودخل من الغد فقبَّل الأرضَ وخدمها، وجلس على سرير فضة مقابلها ساعةً، ثم خرج وأنفذ إليها جواهر مُثمَنةً، وفَرَجيةَ نسيج مكلَّلةً بالحبِّ، ومحبقةً منسوجة بالحَبِّ، وما زال كلَّ يوم يفعل ذلك يخدم ويبعث التحف، وظهر منه سرورٌ عظيم، ومن الخليفة تألمٌ كبير، وخلع السلطانُ في بكرة ذلك اليوم على عميد الملك في دار المملكة، وحمل على فرس بمركب ذهب، وأعطاه سيفًا مُحلًّى، وزاد في ألقابه حيث حصلت [له] الوصلة بسفارته، وخلع على جميع الأمراء والحاشية، وواصل عمل السِّماط أيامًا. وفيها دخل الصُّليحي إلى مكة، واستعمل الجميلَ مع أهلها، وأظهر العدل والإحسان والأمن، وطابت قلوبُ الناس، ورخصت الأسعار، وكثُرت له الأدعية، وكان شابًّا أشقرَ اللحية، أزرقَ العينين، وليس باليمن أزرقَ أشقرَ [غيره] (١)، وكان متواضعًا، إذا جاز على جَمْعٍ سلَّم عليهم بيده، وكان فَطِنًا، قَلَّ أن يُخبِر بشيء إلا ويَصِحَّ، وكسا البيتَ ثيابَ بياض، وردع (٢) بني شيبة عن قبيح أفعالهم، وردَّ إلى البيت من الحُليِّ ما كان بنو أبي الطيب الحسنيون أخذوه لمَّا ملكوا بعد شَكَّر، وكانوا قد غيَّروا البيت والميزاب، ودخل البيت ومعه زوجته، ويقال لها: الحُرَّة، وكانت حُرَّةً كاسمها، مدبِّرةً مستوليةً عليه وعلى اليمن، وكان يُخطَبُ لها على المنابر، يُخطَبُ لها بعد المستنصر والصُّليحي، فيقال: اللهمَّ وأدِمْ أيام الحُرَّة الكاملةِ السديدة، كافلةِ أمير المؤمنين. وكانت لها صدقاتٌ كثيرة، وكرَمٌ فائض، وعدلٌ وافر. وأقام الصُّليحي إلى يوم عاشوراء، وراسله الحسنيُّون، وكانوا قد بَعُدوا عن مكة: اخرُجْ من بلدنا ورتِّبْ منا من نختاره. فرتَّب محمد بن أبي هاشم في الإمارة، ورجع إلى اليمن، ومحمد [بن أبي هاشم] صهر شَكَّر على ابنته، وأمَّره على الجماعة، وأصلح

стр. 9053

بين العشائر (١)، واستخدم له العساكر، وأعطاه مالًا وخمسين فرسًا وسلاحًا، وكان الصُّليحي يركب على فرس [له] يُسمى الملك، قيمته ألف دينار، وعلى رأسه مئة وعشرون قصبة ملبَّسة بالذهب والفضة، وإذا ركبت الحرة ركبت في مئتي جاريةٍ مزيَّناتٍ بالحُليِّ والجواهر، وبين يديها الجنائب، بمراكب الذهب المُرصَّعة. وقيل: إنه أقام بمكة إلى ربيع الأول، فوقع في أصحابه الوباء، فمات منهم سبعُ مئة رجل، ثم عاد إلى اليمن؛ لأن العلويين تجمَّعوا عليه، ولم يبقَ معه (٢) إلا نفر يسير، فسار إلى اليمن، وأقام محمد بن أبي هاشم [بمكة] نائبًا عنه، فقصده بنو سليمان الحسنيُّون مع حمزة بن أبي وهَّاس (٣)، فلم يكن لهم به طاقة، فحاربهم، وخرج من مكة، فتبعوه، [فرجع] فضرب واحدًا منهم ضربةً بالسيف، فقطع ذراعه وفرسه وجسده، ووصل إلى الأرض، فدُهشوا، ورجعوا عنه، وكان تحته فرس يُسمَّى دنانير، لا يَكِلُّ [ولا يَمَلّ]، وليس له [في] الدنيا نظير (٤)، ومضى إلى وادي الينبع (٥)، وقطع الطريق عن مكة والقافلة، ونهب بنو سليمان مكة، ومنع الصُّليحي الحجَّ من اليمن، فغَلَتِ الأسعار، وزادت البلية. وفيها ورد الخبر بمسير الأمير ألب أرسلان بن داود من بلخ إلى نيسابور لمَّا كثُرَ الإرجاف بموت السلطان. وفي يوم الخميس تاسع ربيع الأول حضر عميد الملك إلى ديوان الخليفة، واستأذن للسلطان ولابنة أخيه أرسلان خاتون زوجة الخليفة بالمسير إلى الري يستزيرها مدة ستة أشهر، فأذن للسلطان، ولم يأذن لخاتون، وكانت شاكِيةً اطِّراحَهُ لها، فإنه لم يقربها منذ اتصل بها، وخرج السلطان من الغد، وهو عليلٌ ثقيل مأيوس من سلامته، واستصحب معه السيدة ابنة الخليفة بعد امتناعٍ شديد، فغلظ عليها، وألزمها ولم يتبعها

стр. 9054

من دار الخلافة سوى ثلاث نسوة برسم خدمتها، ولحق الخليفةَ ووالدتَها من ذلك أمرٌ عظيم، وأظهر الحزن الكثير، وكان من فعل عميد الملك ووضعه، ومضى هزارسب إلى الأهواز بعد أن أقام على باب السلطان سنتين. و [فيها] وقع بمصر وباء عظيم كان يخرج [منها] في كل يوم ألف جنازة، وتوفي فيه ابنُ المُدَبَّر الوزير، وكان [ابن المُدَبَّر] قد نظر في وزارة مصر في ربيع الأول. وفي يوم الأحد عاشر [شهر] ربيع الآخر خُتِنَ الأميرُ عُدَّةُ الدين أبو القاسم. وفي ليلة الاثنين لخمسٍ بَقِين منه انقضَّ ببغداد كوكبٌ عظيمٌ كبير، وفي صبيحته كان ريحٌ وسحابٌ ورعدٌ وبرق، فلحق قافلةً عظيمةً عند قبر الإمام أحمد ﵁ منه صاعقةٌ أحرقت واحدًا منها، ولم يتغيَّر لونُ جلده، وإنما نزعوا قميص المحترق، فوجدوه قد صار هباءً منثورًا. وفي ربيع الآخر قدم أمير الجيوش بدر إلى دمشق واليًا عليها، ونزل بالمِزَّة ومعه القاضي الشريف أبو الحسين بن يحيى بن زيد الحسني الزيدي ناظرًا في أعمالها، فأقام بها بدر فلم يستقِمْ له مع أهلها حالٌ، وحاربهم وحاربوه، فهرب منها في رجب سنة سبع وخمسين [وأربع مئة]. وفيها عصى أنوشروان على السلطان وانهزم، فلحقه أيتكين، فأخذه أسيرًا، وحمله إلى الري، فقال له: دعني أزور قبر والدتي. فأذِنَ له، فلما دخل استجار بالقبر، وقال: لا أخرج. فلازمه أيتكين، وكتب إلى السلطان وهو بهَمَذان يخبره، فبعث مَنْ قيَّده وأخرجه من التربة، وحمله إلى بعض القلاع، وبينها وبين الري بضعة عشر فرسخًا، فحبسه. وفيه ورد الأمير أبو القاسم سليمان بن أخي السلطان ووالدته من أصبهان إلى الري، وكان السلطان قد جعل إليه ولاية العهد وأوصى إلى عسكره. وفيها كانت بين قاروت بك بن داود وبين فضلويه الشونكاري [وقعة] (١) على فرسخين من شيراز، وانهزم فضلويه إلى فسا، وكان قد مال إليه طائفةٌ من الديلم، فقتلهم، وغنم أموال فضلويه.

стр. 9055

وكان فضلويه في عشرين ألفًا من الديلم وغيرهم، وكان قاروت بك في أربعة آلاف تركي، وكان الديلم قد حلفوا لقاروت بك وغدروا به، فأسر منهم جماعةً، وسأل القضاةَ والفقهاءَ، وقال: هؤلاء حلفوا لي وغدروا وقصدوا قتلي. فأفتَوه بقتلهم، فضرب رقابهم على نهر يسمى العمري، فكانت دماؤهم فيه مثل الماء تجري. ويقال: كانوا سبع مئة رجل، ونظف البلاد من الديلم، ومضى فضلويه إلى فسا، ولمَّا بلغ الديلم ما فعل قاروت بك مالوا كلُّهم إلى فضلويه وأطاعوه، وكان قاروت بك عادلًا منصفًا جوادًا، وكان يخطب للخليفة، وبعده لعمِّه طُغْرُلْبَك، ثم لنفسه. وفي جمادى الآخرة ورد الخبر بدخول نصر بن مروان آمد وملكه إيَّاها، مضافًا إليها ميَّافارقين. ذكر السبب: لمَّا مات سعيد أخو نصر مسمومًا أَقام أهلُ آمد ابنَه مكانَه، وكان صغيرًا، وقام بأمره أبو علي بن البغل القاضي، وخطب له، واستدنى أميرًا من الغُزِّ -كان بتلك الديار ومعه جماعة- إلى آمد، وتقوَّى بهم خوفًا من نصر، فراسل نصر زوجةَ أخيه والدةَ الصبي المتآمر، وأطمعها في تزويجه بها، وبذل لها مالًا، فأجابته، وتوافقا على القبض على القاضي، فدخل القاضي يومًا على ولدها على عادته، فقبضت عليه، ووثب أهلُ البلد إلى دار القاضي ونهبوها، وكان فيها شيء كثير للتجار في الأمصار وودائع، وبعثت إلى نصر، فجاء وقَرُب من آمد، وعلم بَرَّجان أميرُ الغُرِّ، فهرب، فوقع به قوم من بني تميم، فأسروه، وجاء نصر إلى باب الهُوَّة ففُتحت له، وحصل في القصر، وأحضر وجوه البلد وطيَّب قلوبهم، وقرَّر على القاضي نيِّفًا وثلاثين ألف دينار، واعتقله على أدائها، وجاء بنو تميم ببرجان، فابتاعه منهم، وبعث به إلى ماردين فأُرمي من أعلى سورها فهلك. وفي جمادى الآخرة ورد كتاب من الشرق بأن عميد الملك برز من الريِّ إلى قلعة كَرْدُكْوه يحاصر قُتُلْمِش ابن عم السلطان، وهو الآن مقيمٌ بحيِّها في عشرة آلاف مقاتل غير الحشو والرجَّالة، والقلعة ممتنعة جدًّا، لا يمكن الوصول إليها إلا بنفاد الزاد والماء، وليس فيها عينٌ، وإنما يشربون من ماء المطر يجتمع في الصهاريج، فإن نفد سلَّموا، وإلَّا فلا سبيل عليها، وكان قد شرع في الصلح وأجاب إلى النزول، غير أنه اقترح اقتراحاتٍ، منها أن السلطان يحلف له بالطلاق على الحفظ والحراسة، وأن لا

стр. 9056

يُطالب بجريرة فعله، ومنها أن يتزوج بأخت الأمير سليمان، ومنها أن يُفرد بولاية جليلة، فقيل: أما التوثقة فمبذولة، لكن تشتمل على الأيمان المعهودة، وأما الولاية فيُجاب إليها، وأما التعيين على التزويج والحلف بالطلاق، فمن يتجاسر على السلطان بهذا؟ [فقال قُتُلْمِش: فإن لم تجسروا على السلطان بهذا] (١) فكيف أُسلِّم أنا نفسي إليكم بغير توثقة يطيب بها قلبي. فتوقف الأمرُ بهذا السبب، ووردت الأخبار بأنَّ ألب أرسلان بن داود كان يجدد الأراجيف بالسلطان، قد جمع عسكره وجنده ومقدار عسكره الذين في صحبته عشرون ألفًا وعشرة آلاف راجل، وسار طالبًا الري، فلمَّا تحقَّق عافيةَ السلطان ووصولَه إلى الري عاد إلى خراسان ولم يُحدِثْ حدَثًا، وكان قد سار في عساكر عظيمة، وهيبة جليلة، وعدل شامل. وفي شعبان كانت بأنطاكية واللاذقية وطرابلس وصور وعكا والشام وطرف من الروم زلازلُ عظيمةٌ هدمت الحصون والأسوار. وفيه نزل محمود بن شبل الدولة بن صالح على حلب، وحَصَرَ عَمَّهُ عطية بها، وقُتِلَ ليلة النصف من شعبان عليها مَنيعٌ بن [مُقلّد بن] (٢) كامل بحجر المنجنيق، ورحل محمود عنها ولم يظفر بطائل. وفي رمضان قُتل محمود بن محمود بن ثِمال الأخرم أميرُ بني خفاجة في سرداب -بمكان يُقال له: الجامعين- غيلةً، والذي قتله رجب بن مَنيع، كان أميرًا قبله، وسليمان ابن أخيه، وكان الأخرم مُطرحًا لأمر بني خفاجة، مُدِلًّا عليهم، مُعرِضًا عنهم، مُتهاونًا بهم، مانعًا لهم عن الغارات، مستقصيًا عليهم في الإقطاعات، فلمَّا أدركت الغلات في هذه السنة أنفذ إلى بغداد، فاستدعى نجدةً من العجم استوفى بهم مال السلطان المقرَّر عليهم عن سقي الفرات، فأنفذ إليه نحوًا من خمسين فارسًا، وسار بهم إلى الجامعين، وقرَّر على بني خالد عن نواحيهم نحو ألفي دينار، وأخذ رهائنهم على الوفاء بها، وفعل بالباقين كذلك، فاجتمعوا إلى رجب بن منيع، وقد كان محمود صالحه واستحلفه ومكَّنه من النزول معه والقُرب، فشكَوا إليه ما يُلاقون، ووافق ذلك

стр. 9057

ما كان في قلبه، فاستحلف جماعةً منهم، ودخل سليمان ابن أخي رجب معهم، وضمن لهم اغتيالَه، ونزل محمود إلى سردابٍ يتبرَّد فيه، فجاء رجب وسليمان ابن أخيه، فدخل جابرٌ حاجبُ محمود، وكان وافقهم، فعرَّفه بحضورهم، فقال: هذا وقت القيلولة، تقعدون في الخيمة حتى أخرج. فهجموا عليه، فقام وقال: ويلَكم، إنه دمٌ لا يُضاع. ومسكه جابر حتى قتلوه، وقطع سليمانُ رأسَه، وتركه في كمِّه، ودخل على حظيَّة (١) محمود فافترشها قهرًا، والرأس يَشْخُبُ دمًا في كمِّه، وأخذها إلى قلعة سفانا، وكان يركب الفاحشة، فضجرت منه، وقالت: لا حياة بعد محمود، وألقت بنفسها من أعلى، فهلكت، وهرب بدر بن محمود إلى بغداد، وقُتِلَ صالحُ بن محمود مع أبيه. وفي يوم الجمعة ثامن شهر رمضان توفي السلطان طُغْرُلبك بالري، ووصل [الخبر] إلى بغداد من جهة السيدة ابنة الخليفة في الرابع والعشرين منه، وذكرت أن حاله ثقُلَت، فحُمِلَ من الموضع الذي كان فيه بقصران إلى الري، فلمَّا نزل الدارَ مات، وتولَّت زوجتُه أم سليمان التي كانت زوجة أخيه داود، وفروخ الخاتوني أمره في غسله ودفنه [وكتموا خبره، وسنذكره في ترجمته] فكان بين زفاف السيدة إليه وبين وفاته ستةَ أشهر وثلاثةً وعشرين يومًا. وفيها كثرت غارات العرب على بغداد حتى أخذوا ثياب الناس من باب بغداد، وقدم رجب بن منيع أمير بني خفاجة فنزل بالنجمي واستُدعي إلى بيت النُّوبة خامس ذي القعدة، فخلع عليه طاق سقلاطون، وفَرَجيَّةَ ديباج مُذهَبة، وعمامةً بيضاءَ مُذْهَبة، وكتب عهده على ما وليه من سقي الفرات، وعاد إلى بلده، ولمَّا تُوفِّي السلطان كاتب الخليفةُ أصحاب الأطراف مسلم بن قريش أمير العقيليين ودُبيس بن مَزْيَد أمير الأسديين وأبا كاليجار هزارسب وأبا الفتح وأبا النجم ابني ورَّام وبدر بن مهلهل أمراء الأكراد كتبًا تتضمن إعلامهم بما يتجدَّد، واستدعاءَهم إلى الباب فيشاوروا فيما يفعل، وخصَّ مسلمًا بخُلعةٍ بعث بها إليه، وروسل العميد أبو سعيد القايني، وأشعر بالحال، واستدعى إبراهيم وأمر له ما يعتمده ويعول عليه في تسكين البلاد والخدمة، فرهَّب الحضورَ وقال: قد ظهر من الإشاعة لهذا الخبر وتسريح الركابية إلى أصحاب الأطراف

стр. 9058

بالاستدعاء إلى ما أوحشني، وقد كان الرأيُ أن يكتم هذا الأمر حتى تَسْلَم البلادُ من الغارات، وتنحسمَ عنها مواد الأطماع، إلى أن يُحكَم تدبيرُها، وأنا فما أحضر إلى الدار العزيزة إلا بعد الأمان الذي أسكن إليه، ومع ذلك فما ورد إليَّ في هذا الأمر ما أُعوِّل عليه، وإذا صحَّ عندي فأنا غلامُ عميد الملك، وإذا ورد إليَّ كتابُه بأمر امتثلتُه، وجمع العجم إليه، وكان نازلًا بقصر عيسى، وابتدأ بعمل سورٍ على بابه يتحصَّن به، وأعدَّ فيه الغلّات والسلاح، وعبَّأ على السطوح الحصا الذي حرزه في الزواريق من عُكْبَرا، وأطلق يده بالتواقيع للعرب بالنواحي، ولم يقطع ضرب الطبل من دار المملكة، وأظهر قلة الثقة بهذا الخبر، وجلس الوزير ابن جَهير للعزاء في صحن السلام يوم الثلاثاء السادس والعشرين من رمضان. وفي مثل هذا اليوم كان دخول السلطان بغداد سنة سبع وأربعين وأربع مئة، فكانت مدة ملكه العراق سبعَ سنين وأحد عشر شهرًا واثني عشر يومًا، وثقُلَ على الخليفة ما فعله أبو سعيد، وتقدَّم بأن يكتب له الأمان الذي التمسه، وعلَّم عليه بخطِّه، فحضَرَ بعد مخاطبةٍ طويلة، وصعد إلى باب العزبة، وخدم ودعا، وعاد من وقته، ولم يحضر موضع التعزية، وخدم، فطرح أصحابه الخلع على الملَّاحين سرورًا بسلامته، وتقدَّم إلى الخطباء من الديوان بقطع خطبة السلطان، فقُطعت يوم الجمعة لليلةٍ بقيت من رمضان. وفي شوال قتل سليمان قاتل الأخرم، وكان قد اعترض قافلةً شاميةً وطلب منها خفارةً، فمنعه ابن بطن الحق الكعبي، وقال: هذه خفارة أبي وجدِّي. وتنازعا، فضربه بحربة، وقتله، وهرب بنو كعب خوفًا من رجب بن منيع، فقال رجب: أنا ولي هذا الدم، وقد وهبتُه. وكان بين قتل محمود وسليمان أقلَّ من شهر. وفيه ورد الخبر بوفاة السلطان، ولا بُدَّ من الاجتماع ليُقرِّر ما يفعل، فسار صدقةُ إلى الأهواز، فلمَّا حصل في دار هزارسب قبض عليه واعتقله، وكان الليث بن صدقة في بعض الطريق ومعه معظم خزانة أبيه، فهرب ودخل بغداد بعد أن نزل على دُبيس، ونزل الخرابة في الحِلَّة، وسأل الديوان، فكاتبه هزارسب في معنى أبيه والتلطُّفِ في خلاصه، فكُتِبَتْ له الكتب، وكُتب إلى أبي عبد الله المردوسي -وكان عند دُبيس- بالمُضيِّ إلى هزارسب في هذا المعنى، فعاد وقال: أولينا لنحقِّق الأمر.

стр. 9059

وفي يوم السبت منتصف شوال وكل بالعميد القايني في دار الخلافة. ذكر السبب: كان مكاشفًا للخليفة، مُطَّرِحًا أمرَه، ولمَّا مات السلطان لم يُقلِعْ عن ذلك، وأدخل يده في الإقطاعات والأسباب الخليفتية، وتوقع منه الرجوع فلم يفعل، وطُولِعَ الخليفةُ بأنَّ عنده من الارتفاع جملة، ودخل رجل من بني عقيل، فاستجار بحريم الطاهري، فبعث وأخذه وكان معه مال، فأرسل إليه الخليفة: قد كنتَ تنظر في هذا البلد من قِبَلِ مَلِكٍ مضى لسبيله، فإما أن ترفع يدك وتسكن آمنًا، وإلا فاخرج من هذا البلد. فدافعَ وغالطَ، وأقام في الديوان من ينظر في البلد، وهرب العجم إلى دار العميد، فأحضر الخليفةُ القضاةَ والفقهاءَ، وأرسل إليهم: ما تقولون فيمن عصى الإمام، ومرق عن طاعته، وأبدى صفحة مخالفته؟ فأفتَوا بقتاله وجهاده، وبلغه ذلك، وشاع انحلال أمر عميد الملك، فأرسل يعتذر، واستقرَّ أن يحضر بيت النُّوبة ليحلف عن ما حصل في يده من الارتفاع، ويرجع إلى داره بحريم الخلافة لعمل الحساب، وأحيط بالسور الذي عمله، وحفظوه من الهرب، فخاف، فعبر إلى بيت النُّوبة، واستحلفه قاضي القضاة، فأقرَّ بثلاثين ألف دينار وست مئة كُرٍّ غلَّةً، فقال القاضي: أين هذا المال؟ حاضرٌ أم مفرَّقٌ في السواد؟ ففطن، فقال: مُفرَّق. فقال: إذا أحضرتَه شهدنا عليك. وطالبَه أقوامٌ بأموال، فاعتُقل حتى تحرَّر أمرُه. وقيل: إنه قيل له: امْضِ إلى دارك بدرب الدواب، واعمل الحساب. فخاف، وقال: ما أخرج من هذه الدار العزيزة. وطُولِعَ الخليفةُ، فقال: يكون في الديوان، ومعه خادم وجماعة، ثم قُرئ على المنابر توقيعٌ من الخليفة برفع الضرائب والمكوس، وكُتِبَ على أبواب الجوامع. ذِكْرُ ما جرى في أصحاب الأطراف: قد ذكرنا أنَّ الخليفة كاتبهم بالاستدعاء، وخَصَّ مسلمَ بنَ قريش بخِلعة، فوصل إلى تكريت، ورام أعذار العرب معه، فلم يفعلوا، وطلب كلٌّ منهم مُناه، وأطمع جماعةً منهم، فاتَّبعوه، وراسل أبا علي بن موسك وأبا الحسن بن عيسكان بن غيمي الأكرادَ بأرض إرْبِل وبلادها، وموَّه عليهما، وقال: إنني منحدرٌ إلى بغداد، وإنَّ الخليفة يُؤمِّرني على العراق، ويستنيبني في البلاد. ولبس الخلعة المنفذة إليه بالموصل، فعبر

стр. 9060

إليه، وانحدر في جملته، واتَّفق أنَّ الوزير ابنَ جَهير وجد غلامين لمسلم من الغُزِّ، ومعهما ملطفات إلى الغُزِّ والعجم الذين ببغداد، وإلى الرمش الحاجب يعدهم بالمال والبلاد، فقبض عليهما، وكان مسلم قد بعث أخاه إبراهيم إلى أوانا يستخرج ارتفاعها، فجهَّز الوزير الرمشَ في مئتي غلام، ومحمد بن منصور ومهاوش بن مجلي في نحو خمسين فارسًا إلى أوانا للإيقاع بأخي مسلم، وبلغه، فانهزم، وكوتب للأطراف بالمبادرة، فأمَّا ابنا ورَّام فقَدِما في عدةٍ قوية، ونزلا ظاهر الحريم، وتوقَّف دُبيس، ثم قدم، وراسل مسلمٌ والي تكريت بتسليم القلعة، فقال: حتى يخرج الشتاء؛ فإنَّ طريق خراسان لا ينسلك اليوم من الثلج. فحاصره، فكبسه في الليل، وقتل جماعةً من أصحابه، وأخذ خيلَهم، وأخذ فرسًا لمسلم يُعرف ببيت العرجاء كان وُعِدَ به، وعاد إلى القلعة، وانتشرت البوادي في السواد، وأرجف بأن مسلمًا يدخل بغداد ويجلس في دار المملكة، ويحاصر دار الخليفة وينهبها، فانزعج الخليفة والناس، وعبر الرمشُ الحاجبُ والغُزُّ والغلمانُ إلى الحاجب الغربي، وخلَعَ الخليفةُ على العرب والترك، وبذل المال، وورد كتاب هزارسب إلى الأهواز يذكر أنه يخدم الخليفة بمئة ألف دينار إن وُسِمَ بميسم الملك، فكتب إليه: هذا الأمر لا يمكن إلَّا في السلجوقية، ويجب أن تتشاغل بقاروت بك الذي هو بقُربك -وقد استولى على البلاد- حتى تدفعه، ويكون لك بعد ذلك حديث. وكان قاروت بك قد كتب إليه يأمره بالدخولِ في طاعته، وإقامةِ الخطبة والسِّكَّةِ له بخوزستان والبصرة، وتلك النواحي، ويتهدَّده إن لم يفعل، وجاءت رسل مسلم إلى الديوان برسالة مضمونها: ما أعلمُ سببَ هذه الجموع والعساكر والخِلَع وإنفاق الأموال، فإن كان لأجلي فما شققتُ عصًا، ولا خرجتُ عن طاعة، ولا انحدرتُ إلا بكتبك أيها الوزير واستدعائك وإنفاذك إليَّ الخلعة، وإني لبستُها بالموصل متشرفًا بها، فلما انحدرتُ وقربتُ من الخدمة ذمَّيتَ أفعالي، وقبَّحتَ أحوالي، وجمعتَ العساكر عليَّ، فإن كان قُربي قد كُرِه فأنتم استدعيتموني وما لي ذنبٌ في ورودي، وأما تصرُّفي في البلاد فما فعلتُ منكرًا، هذه بنو أسد بلادُهم ما زالتْ في أيديهم مدةَ أيام السلطان طُغْرُلْبَك، وقد استجدُّوا اليد في أعمال واسط، وكذا بدر بن مهلهل وهزارسب وابن ورَّام -وعدَّدَ أمراء الأطراف- وأما نحن جماعةَ بني عقيل فما

стр. 9061

زِلْنا في أيام السلطان مدفوعين، عن (١) إقطاعاتنا خائفين، وغيرُنا يأكل بلادنا، من غير أن حدَّثْنا نفوسَنا باستضافة ما لم يكن لنا، فإن دفعتموني عمَّا كان لآبائي وأجدادي، فمن بُغيَ عليه لينصُرنَّه الله، وإن أُجريتُ بجري غيري فليرجع كلُّ واحدٍ من هؤلاء الأمراء إلى مكانه، وإني جارٍ في الطاعة مجراهم، وخادمُ الدار العزيزة. فثَقُلَ على دُبَيس والجماعة قولُه؛ لكونه تعرَّض لما مدُّوا أيديهم إليه، وطالعوا الخليفة، فكان الجواب: لو كان باطنُ ما أورده كظاهره ما أُنكِرَ عليه، ولكنه قد أبطن العصيان، وظهرت أماراتُ الفساد منه، وما لَهُ عندنا جوابٌ عن رسالة، ولا ها هنا غيرُ دفعه ومحاربته. وتقدّم إلى الجماعة بدفعه عن هذه البلاد والعبور إلى النجمي والنزول على الرملة، فأجابوا بالسمع والطاعة، وأرسلوا إلى أعمالهم يحشدون الرجال من العرب والديلم وغيرهم، وقال الوزير للمرسل: قد جئتم برسالة ظاهرها الطاعة، وأفعالُكم تنافيها، وما كُوتِبتُم إلا كما كُوتِبَ غيرُكم، ولتكونوا في الخدمة طائعين، وقد ظهر منكم ضدُّ ذلك، فإن كنتم صادقين فابعثوا بعبس بن عيسى، فإنه وجهُ عشيرتكم، ومُقدَّمُ أمرائكم، لنقرِّر معه قاعدةً يجري الأمرُ عليها. وبينما الناسُ على هذا وصل مسلم إلى أجمة الريادة، وهي على ثلاثة فراسخ من بغداد، فعبر الحاجب ودُبيس وبنو ورَّام وبدر بن مهلهل والغلمان إلى الجانب الغربي، ونزلوا بالنجمي وباب الشام وباب التبن، وجاء بعبس من عند مسلم، فأورد ما أورده الرسل أولًا، وقال: أنا على الطاعة إن أُعطيتُ … أماكن سمَّاها استوعبَتِ العراق، فأُعطي بعضَها، فلم يقنع، وعاد إليه رسولُه، واختلفت الأمراء على الخليفة، وتقدم إلى دُبَيس بتولِّي حربه، فامتنع وقال: أحتاج إلى صاحب [جيش] (٢) يندبه الخليفة معي، تسيرُ الجماعةُ تحت رايته، ويكون معه من المال ما يعطيه لمن يبينُ بين يديه، وورد ولد دُبَيس من واسط، ومعه جماعةٌ من العرب الأسدية والديلم والأتراك الواسطية والبغدادية، وورد رجب بن مَنيع في جماعة من بني خفاجة ومن بلد بدر بن

стр. 9062

مهلهل، وأُقيمت له الإقامات، وأُعطوا المال والخِلَع، وطابت قلوبُهم، وندب لهم من خدم الخليفة موفق الخادم الخاص، وضُرِبَتْ له النُّوبة بالنجمي، وعقد له الخليفة لواء أبيض بيده، وفيه كتائب سود، ولقَّبه أمينَ الدولة، وسار في خدمة الأتراك والأمراء المذكورين والعساكر، فخيَّم بقطيعة الدقيق، وثار العوام، وطلب أهلُ كلِّ محلَّةٍ منجوقًا يقاتلون بين يديه، وغلقوا الأسواق، ولبسوا السلاح، ودقُّوا بالدبادب، وواصلوا الخروج إلى العسكر، وجاء جماعةٌ من العرب إلى بعض القرى، وعلم بهم العسكر، فخرج إليهم جماعةٌ فقتلوا منهم جماعة، وأخذوا خيلهم، وجاء رسول مسلم يعتذر ويقول: أنا العبد الجاني، ومهما أُمِرتُ به امتثلتُه من غير مخالفة ولا مراجعة، وجرى ما انتهى إلى من يخرج إليه، ويتوسَّط الحال، ويقرر القواعد التي يزول معها الخلاف. وفيها وردت الأخبار من الري أن عميد الملك طالب السيدة بنت الخليفة بالجواهر التي كانت للسلطان عندها، وذكر لها قيمةً عظيمةً، فأنكرت أن يكون عندها شيء، فأدخل يدَه في إقطاعها هناك. وفيها ثار أهل هَمَذان على العميد، فقتلوه وقتلوا معه جماعةً سبعَ مئة رجل من أصحاب السلطان والشِّحْنة (١)، وجلسوا يشربون الخمر على القتلى، ويضربون بالطبول مدةً، ويؤمِّرون من شاؤوا، وذلك لمَّا صحَّ عندهم أن السلطان مات. وفيها قصد قُتُلْمِش الريَّ ومعه خمسون ألفًا من التركمان، فدفعه عميد الملك عنها. وفيها تُوفِّي السلطان طُغْرُلْبَك (٢) واسمه محمد بن ميكائيل بن سلجوق، أبو طالب، [وقد ذكرنا طرفًا من أخباره]، قدم بغداد سنة سبع وأربعين، وخلع عليه القائم، وخاطبه بملك المشرق والمغرب، وهو أول ملوك السلجوقية، وهو الذي بنى لهم الدولة، وردَّ ملك بني العباس بعد أن

стр. 9063

استولى البساسيري على القائم وأخرجه إلى الحديثة، وكان شجاعًا جوادًا حليمًا، عصى (١) عليه جماعةٌ، فعفا عنهم ولم يؤاخذهم، وكتب بعضُ خواصِّه إلى أبي كاليجار بن بويه كتابًا يذكر فيه سوء سيرته فوقَّع على الكتاب، ولم يقُلْ شيئًا، وكان عميد الملك قد استولى عليه، وتُوفِّي بالري يوم الجمعة ثامن رمضان، وكانت مدة ملكه خمسًا وعشرين سنة، وقيل: ثلاثين سنة، وعمره سبعون سنة، وقيل: جاوز الثمانين، [وقيل: في عشر الثمانين] والأول أصح. قال عميد الملك: قال لي السلطان: رأيتُ في منامي كأني رُفِعتُ إلى السماء وأنا في ضباب، لا أدري ولا أبصر ساعةً، وإني أَشَمُّ رائحة الطيب، فنُوديتُ: أنتَ بقرب الباري ، فسَلْ حوائجك، فقلت في نفسي: ما من شيء أحبُّ إليَّ من طول العمر، فقيل لي: تعيش سبعين سنة، وانتبهتُ. قال عميد الملك: فجلستُ فحسبتُ عمره، وإذا به سبعون سنة. وكانت قد توالت عليه أمراض مختلفة، وواصلته حمى ملازمة، وأخرى مناوبة، وما كان يحتمي، ولا يشرب دواءً، فآل به الأمر إلى سقوط القوة، فكان يرعف دائمًا، فحُمِلَ من المخيم إلى دار السلطنة في مِحفَّةٍ فمات بها [في التاريخ المذكور] فغسَّلَتْه زوجتُه أم سليمان، وفرُّوخ الخادم، وكفَّنته ودفنته. وكان عميد الملك يحاصر قُتُلْمِش في قلعة كَرْدكوه، فأرسلوا إليه، وأقام الناس يوم السبت والأحد وهم يظنون أنه في عافية، والأمور على حالها، والطبل يُضرَبُ على رأسه (٢)، واستحلف ابنابجيل الحُجَّاب والخليفاتية ومن كان عنده لسليمان بن داود الذي نصَّ عليه السلطان، وكنيته أبو القاسم، ولقبه مشيد الدولة، وسار الرسول إلى عميد العراق آخر نهار الجمعة، ووصل إليه يوم الاثنين ضحوة، والمسافة نيِّفٌ وستون فرسخًا، فجمع العساكر وغيرهم، وعرَّفهم الخبر، وقال: أنتم تعلمون أني وإياكم عند ذلك السلطان، وقد مضى لسبيله، وكان عهد إليَّ وإليكم في معنى ولد أخيه، وأنا قانعٌ بثوبٍ ألبسه، وفرسٍ أركبه، وأعيش فيما بينكم، فإن ساعدتموني فعلتُ معكم ما يوفي

стр. 9064

على أعمالكم وآمالكم. فقالوا: نحن عبيدك، وجميعُ ما تدبِّره فما نخرج عنه. فجمع ما في العسكرين من مال ودوابَّ وثيابٍ وغيره، فأعطاهم إيَّاه، حتى الدَّواة التي كانت بين يديه، ولم يُبْقِ له سوى فرسٍ يركبه، وسار إلى الري، وهم معه، فوصلها يوم السبت سادس عشر رمضان، ودخل دار السلطنة، وجاء إلى المكان الذي فيه تابوت السلطان، فبكى وحزن حزنًا كبيرًا، وأراد الأمراءُ والحُجَّاب تمزيقَ ثيابهم، فقال: قد فات وقتُه، والصواب التشاغلُ بغيره، وأجلس سليمانَ على التخت، وجدَّد له الأيمان، وحطَّ من القلعة سبع مئة ألف دينار وستة عشرة ألف ثوب من الأنواع، وسلاحًا يساوي مئتي ألف دينار، وفرَّق الكلَّ، فدعوا له وشكروه، وقال لهم: ما ثَمَّ مَنْ يُخاف من منازعته إلا ألب أرسلان صاحب خراسان، وأنا أراسله وأقول: قد عرفتَ ما كان من وصية السلطان في مُضيِّ الأمير سليمان، وهو منك وإليك، وبضعة من جسمك، فإن طمحت إلى البلاد، فقد انحلَّ من الأعمال ما يوازي هذه البلاد -مثل خُوارَزم ونيسابور وغيرها- فهو لك، وإن كنت تريد المال فنحن نبعث إليك من هذه القلعة ما ترضى به، ونقيم الدعوة لك بعد سليمان، وتجتمع الكلمة، وتكون الدعوتان واحدة، والبلادُ محروسة، والدماءُ محقونة، وان أبيتَ وحاولتَ غيرَ ما رتبه السلطان فقد أعذرنا، ونحن نقصدك قبل أن تقصدنا، ويحكم الله بيننا وبينك. وقيل: إن عميد الملك كتب كتابًا بخطِّه إلى ألب أرسلان أبرق فيه وأرعد، وخوَّف وهدَّد، فكان سببًا لمنيته، وكان السلطان قد اعتقل أنوشروان ابن امرأته في قلعة الري، فلمَّا قويَ مرضُ السلطان عاهده والي القلعة أن يُطلِقَه إن حدث بالسلطان حَدَث، فلما مات السلطان طالبه بما وعده به، فلم يفعل، وكتب إلى عميد الملك بسببه، فخاف عميدُ الملك منه، فلم يأذَنْ بإطلاقه، وكان في عقل أنوشروان لُوثةٌ، فاستدعى الموالي، وجلسا يلعبان بالشطرنج في الحجرة التي هو معتقَلٌ فيها، فوثب عليه فقتله، وثار أهل القلعة، وأحاطوا بالحجرة، فخاف على الجارية التي كانت له وكان يُحبُّها، فقال لها: اطَّلعي من هذه الرَّوزنة إلى الصحراء، وانظري من تحت القلعة. فاطَّلعت، فدفعها ورمى بها إلى الأرض لتهلك قبله، فدخل الريح في ثوبها، فحملها إلى ناحية

стр. 9065

الجبل، فانكسرَتْ يدُها، وسلِمَتْ نفسُها، ثم رمى بنفسه بعدها فتقطَّع، وحُمِلَ في تابوت فدُفن عند أمه، وسار ألب أرسلان من خراسان يريد الري، وسار أخوه سليمان إلى شيراز، وأقام عميد الملك الخطبة لألب أرسلان في ذي القعدة، وبعث رسلًا إليه بالطاعة، وجاء قُتلْمِش فحاصر الريَّ وقاتلوه، وكان في خمسين ألفًا من التركمان، فنهبوا الضياع، وسبوا النساء وقتلوا، وجاءهم الخبر بأنَّ ألب أرسلان قد قَرُب من الري وتقدَّمت مُقدِّماته، فسار قُتُلْمِش يطلبها، وأدركه السلطان، فانهزم قُتُلْمِش، وسنذكره إن شاء الله تعالى. [وذكر محمد بن الصابئ أنه ظهر من أمر السلطان في نزول زُحَل بُرجَ الأسد، وانتفت وفاته في مثل ذلك، فكانت مدة ملكه ثلاثين سنة. قال: فأمَّا عمره فلم يكن محقَّقًا، إلا أني سمعت فيه أقوالًا كثيرةَ الاختلاف فيها، ووقع الإجماع من طريق الظنِّ والتقدير على أنه في عشر الثمانين. وحكى قصة المنام، وأنه لمَّا قيل له: أنت بقُرب الجبَّار فسل لحاجةٍ تُقضى. فقال: أتمنَّى طول العمر. فقيل له: تعيش سبعين سنة. فقلت: ما تكفيني. فقيل: سبعين سنة. وانتبهت، فقيل ذلك ثلاث دفعات. قال الوزير: فسألتُه عن مولده، فقال: في السنة التي خرج فيها الجانُّ الفلاني بما وراء النهر، فحسبتُها فكانت سبعين سنةً كاملة. وفيها تُوفِّي] مسلم بن إبراهيم (١) أبو الفضل، السَّلْمي، البزاز، ويُعرف بالشويطر [ذكره الحافظ ابن عساكر، وقال: سمع الخطيب وغيره، وروى عنه أبو الوحش الضرير] ومن شعره: [من البسيط] ما في زمانِكَ مَنْ ترجو مودَّتَهُ … ولا صديقٌ إذا خان الزمانُ وفي فعِشْ وحيدًا ولا تركَنْ إلى أحدٍ … فقد نصحُتكَ فيما قلتُهُ وكفى

стр. 9066

السنة السادسة والخمسون والأربع مئة فيها في مستهل المُحرَّم استقرَّ أمر مسلم بن قريش، وأُعطي من البلاد ما رضي به، وطلب أن يحضر إلى بيت النُّوبة ليخلع عليه، فأجاب ثم امتنع وتعلَّل، فبعثوا إليه بالخلَع، فلبسها وحلف، وزالت الوحشةُ، واطمأنَّ الناسُ، ورجعت العساكر إلى بلادها، ودخل أبو علي بن موسك وأبو الحسين بن عيسكان إلى الديوان، وخلع عليهما الفَرَجيَّات المُذهَبات والعمائم، وبعث لمسلم اللواء والمركب الذهب وغير ذلك، فلمَّا عاد عميد الملك من حصار قُتُلْمِش بكَرْدكوه نزل قُتُلْمِش من القلعة، وسار إلى التركمان، فنزل عليهم، واستجاش بهم، فنزل إليه أكبرهم، فقوي جأشُه، وانصرف إليه كلُّ مفسد، فسار إلى ساوة ومعه خمسون ألف فارس، وكاتب الأمراء بالاستمالة، فأجابه سُرْخاب بن كامرو، ورحل في الليل هاربًا إليه، وبعث إليه أخاه فجسر على قصد الري، وكان أبو نصر الدِّهِسْتاني الملقب نظام الملك عند قُتُلْمِش معتقلًا، ولمَّا علم عميد الملك ما فعل قُتُلْمِش، وأنَّ ألب أرسلان قد توجَّه من نيسابور يريد الري، كاتبه واستمدَّه، واستخرج أمره فيما يفعل، وأقيمت له الخطبة بالري كما ذكرنا، وجاء قُتُلْمِش حادي عشرين ذي القعدة، فأشرف على الري، فخرج إليه عميد الملك والعسكر، فالتقوا، وقصدهم، وكان في المقدمة الأمير ابنابجيل، فأُسِرَ وأُسِرَ معه جماعةٌ خمسُ مئة غلام، وانهزم عميد الملك، ودخل البلد، وعاد العسكر إلى البلد فضبطوه، وجاء التركمان فحاصروه، وقطعوا الموادعة، وأشرف الناس على خِطَّة صعبة، وأنفد عميد الملك عدة جَمَّازات إلى ألب أرسلان، فجاء جوابه: لا تخرجوا من البلد، فأنا واصلٌ إليكم. وعمل التركمان كلَّ قبيح ومنكر، ووصلت مقدمات ألب أرسلان إلى الدامغان مع الحاجب أردم، فرحل قُتُلْمِش سلخ ذي القعدة بمن معه، وساروا يطلبون العسكر الوارد ليفرغوا منه ويعودوا إلى الري، فصادفوا أردم بمكان يقال له: قرية الملح، فقتلوا جماعةً من أصحابه، وتحصَّن بالقرية، وبعث إلى ألب أرسلان يخبره، وكان على فرسخين منه، فرحل إليه فلحقه، ووقع القتال، واشتدَّ الأمر، وكثرت القتلى، وأنزل الله نصره على ألب أرسلان، فانهزم قُتُلْمِش والتركمان، وركبهم السيف مسيرة أربعة فراسخ، وأُرسِلَ رسول تكين أخو قُتُلْمِش وابن قُتُلْمِش

стр. 9067

الأكبر وعدةٌ من الأكابر، واستخلصوا نظام الدين والأمير ابنابجيل ومن أُسِرَ بباب الري، وغنموا أموالهم وجميع ما كان معهم، وسار ألب أرسلان يطلب الري، وبعث إلى عميد الملك بالخِلَع، ورسم بأن ينقل طُغْرُلْبَك من الدار إلى التربة وينظف الدار لينزل بها، فكان عميد الملك ينزل في دهليز الدار في حجرة، فاستأذن في الانتقال منها، فقال ألب أرسلان: سروري قربُكَ، فكيف تبعُد عنا؟ ولم يأذن له في الانتقال، وأما قُتُلْمِش فإنه أفلتَ من الوقعة، وترك الطريق المسلوك، وتعسَّف الجبال والمضائق، ومرَّ على بعض قلاع السلطان، فأرسل صاحبُ القلعة وراءه، فساق فرسه، فسقط به وداسه، فتقيَّأ الدم ومات، فحُمِل إلى الري يوم الأحد ثالث عشر ذي الحجة، وخرج عميد الملك للقائه، فأكرمه وقرَّبه وأدناه، ونزل إليه ألب أرسلان في دار المملكة، ولازم عميد الملك خدمته طول النهار على عادته مع السلطان، وثقُلَ ذلك على نظام الملك أبي علي الوزير، وشرع عميد الملك في قبض جماعة من حواشي طُغْرُلْبَك وخدَمِه، فجمع منهم خمس مئة ألف دينار، وسببه أن ألب أرسلان عتب عليه فيما أخرجه من مال القلعة، وأطلقه للعساكر، فقال: ما أمكنني غيرُ ما فعلتُه، وأنا أردُّ بمقدار ما أخرجتُ. فصادر الأعيانَ والخُدَّام. وفي يوم الخميس خامس المُحرَّم من هذه السنة عمل السلطان بالري سِماطًا عظيمًا في دار المملكة، ومَدَّ بين يديه السِّماط الذي كان لطُغْرُلْبَك ووزنه ألفا ألف مثقال، وجلس في مرتبة عظيمة، وخلع على جميع الأمراء والحُجَّاب، ولمَّا بلغ خبرُ عميد الملك واستقامةُ أحواله إلى بغداد سأل دُبيس في العميد أبي سعيد والإفراج عنه [فأفرج عنه] (١) في المُحرَّم، فخلع عليه ابنُ جَهير جُبَّة ديباج وعمامةً بيضاء، وانصرف إلى داره، وكان يبدو منه تهدُّدٌ على ما عُومِل به. وفي يوم السبت سابع عشر المُحرَّم قبض ألب أرسلان على عميدِ الملك آخر النهار، واستولى على أعماله وأمواله، وبعث به إلى مرو الرُّوذ فاعتقله بها، وخلع على وزيره نظام الملك أبي علي الحسن بن إسحاق الطوسي في هذا اليوم، وراسل السيدةَ بنت الخليفة بالإذن لها في المسير إلى بغداد، وقيل: إنَّ تعويقها كان من عميد الملك،

стр. 9068

فخرجت من وقتها إلى دار المرتضى نقيب العلويين بالري، ثم سارت من عنده إلى ساوة، وبعث إليها خمسة آلاف دينار للنفقة، فامتنعت من قبولها، فقيل لها: هذا قبيح فقبلتها، وقيل لها عن نظام الملك الوزير: إنما قبض على عميد الملك لما فعله في حقِّكِ ونقلكِ إلى الري. وسيَّر في خدمتها جماعةً من الأعيان إلى بغداد، وأنفذ أبا سهل محمد بن هبة الله -ويُعرف بابن الموفق- في صحبتها، والخطاب في إقامة الدعوة لألب أرسلان، وترتيب مَنْ يقوم بالنظر في الحضرة، فتوفي ابن الموفق بالموذقان، فعدل إلى رئيس العِراقَين (١) أبي أحمد النهاوندي، وتقدَّم إليه بالمسير معها، فامتنع، فأُلزِم، فسار مسيرَ مُكْرَهٍ على غير اختيار، وكتب معه كتابًا إلى الخليفة بإقامة الخطبة، ووصلت إلى بغداد في ثالث عشر ربيع الأول، ودخلت ليلًا إلى الدار، وخرج الخدم والحاشية لتلقِّيها، وكانت قد نزلت بالراوودية على نصف فرسخ من بغداد، فخرجت إليها والدتها والخدم والقَهْرمانة، ودخلت ليلًا، وسُرَّ القائمُ بدخولها، وكان قد وصل في خدمتها القاضي أبو عمرو محمد بن عبد الرحمن وأسكين الحاجب، وحضرا بيت النُّوبة، وسأل قاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني أن لا يقعد القاضي أبو عمرو فوقه، فقيل: هذا ضيف، وقد وصل بالجهة، فلا سبيل إلى ذلك. وقام أبو الحاجب وسلَّم إلى الوزير كتابين كانا معه، كتاب إلى الخليفة، وكتاب إلى الوزير، فخرج الجواب يتضمن الشكر للملك عضد الدولة ألب أرسلان، ويفيد بخدمته في شبيه السيدة، فإنه وقع في موقعه، وتقدَّم إلى الخطباء بالخطبة على المنابر، وأقيمت الدعوة يوم الجمعة ثامن عشر ربيع الآخر، وكانت الخطبة على المنابر: اللهمَّ وأصلِحِ السلطانَ المعظَّم شاهنشاه الأعظم ملك العرب والعجم، سيد ملوك الأمم، ضياءَ الدين، غياثَ المسلمين، ظهيرَ الإمام، كهفَ الأنام، عضُدَ الدولة، وتاجَ المِلَّة، أبا شجاع الدين، رسلان محمد بن داود برهان أمير المؤمنين. وصحب هذا القاضي كتبٌ إلى الأطراف إلى: مسلم بن قريش، ودُبيس بن مَزْيَد وابن ورَّام وغيرهم، فأجابوه بالسمع والطاعة، وكان ورد قبل السيدة صاحبٌ لرئيس العِراقَين النهاوندي يُعرف بمظفر، فكتب إلى الديوان والوزير فخر الدولة متضمنةً للخدمة، وأنه قدِمَ مظفرٌ أمامه إلى حين وروده، فتقدم إليه الوزير بتسليم المعاملات وتمكينه من النظر والتصرف الذي يتعلَّق

стр. 9069

به، وتمادت الأيام بوصول رئيس العِراقَين، ثم ورد من أخبر أنه مقيم بهَمَذان، ولا رأيَ له في العراق. وفي هذا الوقت وردت الكتب بأن السلطان ألب أرسلان دخل خلف الأكراد اللوذية، وكانوا يقطعون الطرق، فأوغل خلفهم في الجبال، فظفر بهم، وغنم العسكرُ أموالهم، وأقام بمكانه، وكتب إليه من بغداد بإقامة الخطبة، فسُرَّ سرورًا عظيمًا، وسجد شكرًا لله تعالى، وبعث العميدُ أبا الحسن علي بن عيسى، وأصحَبَه عشرة آلاف دينار ومئتي ثوب إبريسمية أنواعًا، وحوالةً على الناظر ببغداد بعشرة آلاف دينار أخرى وعشرة أفراس وعشر بغلات، ووصل العميد إلى بغداد تاسع جمادى الأولى، والتقاه عميد الدولة بن فخر الدولة بن جَهير، ووصل إلى باب النُّوبي، ونزل وقبَّل العتبة، ثم مضى إلى دار المملكة فنزل بها، وكان معه توقيعٌ لخاتون السفرية لألب أرسلان بما كان من الإقطاع لزوجة طُغْرُلْبَك التي صار إلى السيدة بنت الخليفة، فامتنع الخليفة من الإفراج عنها، وقال: في هذا غضاضة وقباحة، ولهذه في أموال ركن الدين الذي خلفها حقٌّ بحسب هذا القدر منه. فوقع الإمساك حينئذ عنها، وطلب القاضي النقش على السِّكَّة والخِلَع، فنقش اسم ألب أرسلان على السِّكَّة، وأمَّا الخِلَع فتوقَّف أمرُها، واحتجَّ بأن منها صناعاتٍ وآلاتٍ تحتاج إلى مدة طويلة، والخزائن خالية، فإن كان المراد التعجيل نفذنا فَرَجيَّةً وعمامةً ولواءً، وإن أردتم الخِلَعَ السلطانية فأقِمْ يا محمد بن عبد الرحمن -يعني القاضي- حتى تستوي وتُكمل، وهذا أمرٌ مردودٌ إليك، ثم استقرَّ الأمر على ما يُذكر إن شاء الله تعالى. وكان ألب أرسلان قد سأل أن يكاتبه الخليفة بالولد المؤيَّد، فنقشوا على السِّكَّة كما يدعون في الخطبة، ومن جانبٍ اسمَ القائم، وما جرت به العادة، ولقَّب الخليفةُ إلياسَ بن ألب أرسلان الأميرَ، شهابَ الدولة، قطبَ الملة. وملك شاه طريدَه (١) جلال الدولة وجمال الملة. وبِيعَ بواسط دارٌ بدرهم ودانقين ونصف، فاستزاد البائع [المشتريَ] قيراطًا ليتمَّ ذلك درهمًا ونصفًا، فلم يفعل، وسببه استيلاء (٢) الخراب عليها [واتصال ما يقتضي من قبيح الأسباب].

стр. 9070

وقد بيعت دارٌ من نهر طابق ببغداد سنة ثمان وأربعين وأربع مئة بثلاثة (١) قراريط. وفي ربيع الأول شاع ببغداد أنَّ قومًا من الأكراد خرجوا متصيِّدين، فرأوا في البرية خِيمًا سودًا سمعوا منها لطمًا شديدًا، وعويلًا كبيرًا، وقائلًا يقول: قد مات سيدوك ملك الجن، وأيُّ بلدٍ لم يُلْطَمْ عليه فيه، ويُقام المأتم، قُلِعَ من أصله، وأُهلِكَ أهلُه. فخرج النساء العواهر إلى قرب الحَلْبة وباب أبرز يلطِمْنَ ويُمزقْنَ ثيابهنَّ وينشرن شعورهنَّ، ويخمِشْنَ وجوههنَّ، وأقمْنَ ثلاثة أيام على ذلك، [واجتمع إليهنَّ العدد الكثير] (٢). وقال القاضي ابن السماك أنه شاهد رجالًا قد شوَّشوا عمائمهم، وفتقوا جيوبهم لذلك، ثم وردت الأخبار بأن واسطًا وأعمالها وبلاد العراق جميعَها وخوزستان وغيرَها من البلاد على مثل ذلك، وتعدَّى إلى بغداد، وأصعد إلى الموصل وديار بكر وغيرها من الأقطار (٣). ذِكْرُ إنفاذ الخلع إلى ألب أرسلان: لمَّا وقع الفراغ من الخلع سأل العميد الخليفة الجلوسَ العامَّ والمشافهةَ بتقليد ألب أرسلان وتسليم الخلع إلى الرسول بمشهدٍ من الخاصِّ والعام، فجلس يوم الخميس في دار الخلافة في البيت المتصل بالتاج المشرف على دجلة، واستدعى الوزير والقاضي والعميد، وسلَّم إليهم الخلع والعهد على ما جرت به العادة، وشافههم بأنه قد فوَّض الأمور إلى عضد الدولة، وجهَّز معهم الكاملَ نقيبَ العباسيين وأبا محمد التميمي وموفق الخادم الخاص، وخرجوا بذلك، وكان في كتاب الخليفة بعد البسملة: من عبد الله أبي جعفر الإمام القائم بأمر الله أمير المؤمنين إلى الوليد المؤيد شاهنشاه الأعظم، ملك العرب والعجم، سيد ملوك الأمم، ضياء الدين، غياث المسلمين، ملك الإسلام، ظهر الإمام، كنف (٤) الأنام، عضد الدولة القاهرة، وتاج الملة الباهرة، ألب أرسلان، أبي شجاع، محمد بن داود بن ميكائيل، سلطان ديار
следующие страницы →