[وقال] (١): [من الكامل]
ما زلتُ أسمعُ بالصَّديقِ ولا أرى … معناهُ يوجَدُ لاسمِه تصديقا (٢)
فكأنَّه العنقاءُ يُعرَفُ إسْمُها … والجسمُ لستَ ترى له تحقيقا
وقال أيضًا: [من البسيط]
وسائلٍ كيفَ حالي قلتُ غيَّرَها … حَوْلٌ (٣) [يحولُ] (٤) عليه لم يدُمْ حالُ
وحال أهلوهُ عن حين يظنُّ بهم … فما أظنُّ بهم خيرًا وقد حالوا
واستوطنَ الناسُ قلبي من رجائهِمُ … وللمطامعِ بعدَ الموتِ تَرحالُ
وقال [من مجزوء الكامل]:
يا مَنْ يرومُ صديقَ صِدْ … قٍ بعد ما فسدَ الأنامُ
ذهبَ الصديقُ فصارَ حِلْـ … ـمًا بعدما ذهبَ الكلامُ
فتعزَّ عن ما فاتَ مِنْـ … ـهُ فليس يوجدُ والسلامُ
وقال: [من الطويل]
عليكَ بصَوْنِ النَّفسِ في كل حالةٍ … فلن يَعدَمَ الذكرَ الجميلَ مصونُ
ولا تَسْتكِنْ للحادثاتِ إذا عَرَتْ … فَبعْدَ حَراكِ الحادثاتِ سكونُ
فكلُّ الَّذي قد قدَّرَ اللهُ كائنٌ … وما لَمْ يُقَدِّرْهُ فليسَ يكونُ
وقال: [من السريع]
يا مَنْ طِلابُ الرِّزقِ أعياهُ … ففيهِ مَغْداهُ ومَسْراهُ
عَدِّ عن الحرصِ وكُنْ واثقًا … أنَّ الَّذي يرزقُكَ الله
لا تخشَ تضييعَكَ من مُنعمٍ … عمَّتْ جميعَ الخلقِ نُعْماهُ
لو لم يكُنْ رزقُ الفتى جاريًا … ما شقَّ ذو العرشِ له فاهُ
لكنَّهُ والعمرُ قد قُدِرا … كلاهما لا يتعدَّاهُ
стр. 9137
وقال: [من البسيط]
لمَّا رأيتُ سُلُوِّي غيرَ مُتَّجِهٍ … وأنَّ عَزْمَ اصطباري عاد مفلولا
دخلتُ بالرَّغمِ منِّي تحتَ طاعتكُمْ … ليقضيَ اللهُ أمرًا كان مفعولا
وفيها تُوفِّي
هزارسب بن تنكيز بن عياض
أبو كاليجار، تاج الملوك، الكردي، قد ذكرنا بعض أحواله.
وقال محمد بن الصابئ: في يوم الأربعاء حادي عشرين رمضان تُوفِّي في منصرفه عن الباب باب السلطان من أصبهان إلى خوزستان بموضع يعرف بفرندةَ (١)، وكان قد تجبَّر وتكبَّر وتسلَّط وتفرعن، وتزوَّج بأخت السلطان، وأخذها في وقته هذا، واستصحبها معه، ووقفتُ على كتاب منه في هذا المعنى إلى الوزير أبي العلاء يقول: كتابي هذا أطال الله بقاء سيدنا الوزير الأجل، فلك الدين ولي الدولة من العسكر المنصور من أعمال الري، يوم الثلاثاء سادس رجب، وقد تيسَّر لي من الوصول إلى الخدمة السلطانية ما استقامت به الأحوال، وتضاعف لي به زيادة الإقبال، وبلَّغني أقصى البغية والآمال، وكل ذلك من بركات مشاركته، معدودٌ في ميامن صحبته ومخالصته، ولَعمري إنه -أدام الله عُلوَّه- الصديقُ الأصدقُ، والشفيقُ الأشفقُ الأوفقُ، ويتشوَّف إلى معرفة أخبارنا، ويتشوَّق إلى علم أحوالنا وآثارنا، وقد أوعزت في هذه المكاتبة بحالي، كأنه مشاهدٌ، والحاضر يرى ما لا يراه الغائب، لأنه شاهد .. وذكر كلامًا يدلُّ على الكبر والجبروت، وأنَّ أخت السلطان عادت إلى الريِّ وأنه مرض بعلة الذَّرَب، وقام في الليلة التي مات فيها ألفين وأربع مئة مجلس.
قال المصنف ﵀: وهذا بعيدٌ، وكأنه في مدة مرضه أقام هذه المجالس.
السنة الثالثة والستون وأربع مئة
فيها كانت الوقعة العظيمة بين ألب أرسلان وملك الروم، كان ألب أرسلان قد سار من هَمَذان في ذي القعدة سنة اثنتين وستين، فلمَّا قارب أرْحبِش ومنازكرد (٢) من بلد
стр. 9138
أخلاط فتحهما، وقتل وسبى، وبعث بين يديه الإفشين في سرية، وكان أريسغي زوج أخت السلطان معه جماعة من النَّاوكية، وكان السلطان يطلبهم، فساروا منحازين إلى البلاد التي للروم، خائفين من السلطان، ورحل السلطان إلى بلد ميَّافارقين، فخرج إلى خدمته نصر بن مروان وهو خائفٌ منه، وكان الوزير نظام الملك قد مضى إليه، وخرج به السلطان فقرَّبه، وخلع عليه، وقسط عليه مئة ألف دينار للجند، وأخرج للسلطان من الإقامات شيئًا كثيرًا أخذه من الرعية قرَّره عليه، وقال: ما لنا إلى أموال الفلاحين حاجة. فحمل الإقامات مِنْ خاصَّته، وفتح حصن السويداء وحصونًا كثيرة، وكان الغُزُّ يبقرون بطون النساء، ويقتلون من الأسارى من يضعف عن المشي معهم، وشرع جماعة من الغلمان إلى حرَّان ونواحيها فنهبوها، وهرب الناس إلى حصن الرافقة، ونزل السلطان الرُّها وقاتله أهلُها، وطمَّ الخندق بالأشجار وغيرها، وكانوا قد بذلوا أول ما نزل خمسين ألف دينار وينصرف عنهم، فرضي، وفتر القتال عنهم، فقالوا: لا نُعطيك المال حتَّى تعدم آلات الحرب وتُحرقها، فأمر بكسرها وتحريقها، فلمَّا فعل ذلك رجعوا، وكان عنده رسول من الملك، وهو الواسطة بينهما، فاغتاظ السلطان، وتقدَّم بمسك الرسول وقتله، فقال نظام الملك: هذا لم تجْرِ به عادة، ولا أُحِبُّ أن تُسنَّ سنةٌ لا يُعرَفُ باطنُها ويَقْبُح ظاهرها. ولطف به حتَّى أفرج عن الرسول، وأعطاه جواب كتبه وصرفه، ورحل في الحادي عشر من ربيع الآخر طالبًا للفرات، لحالين: أحدهما تأخُّر خبر الإفشين، والثاني تقاعد مَنْ بقي معه من العراقيين عسكر طُغْرُلْبَك عن القتال، وخبَتْ نفوسهم لتأخُّر أرزاقهم، ولمَّا انصرف عن الرُّها استخرج أهلُها القتلى وقطعوا رؤوسهم ليحملوها إلى ملك الروم، وأحرقوا جثثهم، وصالح أهلَ حران على مال، ونزل السلطان على الفرات رابع عشر ربيع الآخر، ولم يخرج إليه محمود صاحب حلب، فغاظه ذلك، وعبر الفرات، وأخربتِ العساكرُ بلد حلب ونهبوها، ووصلوا إلى القريتين من أعمال حمص، ونهبوا بني كلاب، وعادوا بغنائم عظيمة، وهربت العرب إلى البرية، وراسل محمودَ، وطلب منه الحضور، فامتنع، وحمل إليه الأموال التي قسطها على بلاده، فقال: ما أعرف لامتناعك من قصدِ خدمتي، مع إقامتك الخطبة لي، واتصال مكاتبتك وجهًا، وقد علمتَ إحساني إلى كلِّ
стр. 9139
مَنْ حضر عندي من ملوك الأطراف، فأرسل محمودُ والدتَه وولدَه بخدمة قليلة، فزاد غيظُ السلطان، واتفق أن الخليفة بعث لمحمود الخِلَع التي طلبها لمَّا خطب للقائم مع نقيب النقباء، منها الفَرَجيةُ، والعمامةُ، وفرسٌ بمركب ثقيل، ولواءٌ. ولوالدته فرسين وثيابًا، ولبني عمه خيلًا وثيابًا. وخرج محمود والتقى النقيب، فسلَّم عليه عن الخليفة، فنزل وقبَّل الأرض، ولبس الخِلَع، وركب الفرس، ودخل إلى حلب، وأقام النقيب يومين لم يرَ من محمود فيهما ما ظنَّ، فركب إليه، قال محمود: أنا أُطيعكم، وهذا السلطان على بُعدٍ، وطلبتُ حراستي وحراسةَ بلادي، فأمَّا البلاد فقد شاهدتُ خرابَها ونهبَها، وأنا مطالبٌ بالخروج إليه والأموال التي تُفقرني، ومهدَّدٌ بالحصار والبوار، وهذا كتاب السلطان عندي بالإعفاء من دَوْس البساط. فقال النقيب: هاتِ الكتاب لأمضيَ إليه. فأعطاه إيَّاه، فخرج إليه وكان نازلًا على الفندق، فلمَّا وصل بعث إليه السلطان بفرس النُّوبة، وأكرمه واستدعاه، وبلَّغه عن الخليفة ما حمله إليه، فقام وقَبَّل الأرض، وشكر ودعا، وقال له: ما الَّذي أخرجك؟ فقال: جئتُ لأُخرج محمودًا إلى خدمتك، فأَخْرَجَ إليَّ هذا الكتاب. فقال: صحيح، أنا كتبتُه تطييبًا لقلبه مع بُعدي عنه، فأمَّا إذا قرُبتُ منه فما أقنع بهذا، وأيُّ عذرٍ لنا إذا كان منتميًا إلينا وقد عصى علينا ونصب المجانيق ليستعدَّ للحصار! وأيُّ حرمةٍ تبقى لنا عند الملوك؟! ويجب أن ترجع إليه وتضمن له عني كلَّ ما نريد. قال النقيب: فقلت: سمعًا وطاعة. وثقُلَ عليه ما بعث له الخليفة، فقال بعض الحُجَّاب: ما فعل هذا إلَّا بأمرِك، فسكن، واجتمعتُ بنظام الملك، وقلت: محمود يخدم بعشرين ألف دينار للسلطان، وخمسةِ آلاف دينار لك، ويدفعُ باللقاء إلى حين عود السلطان من دمشق، وعدتُ إلى حلب، وأخبرتُ محمودًا فقال: أمَّا المالُ فما عندي حَبَّة، وأما الخروج فلا سبيل إليه. ونزل السلطان على حلب يوم الأحد لليلةٍ بقيَتْ من جمادى الآخر، فقاتلهم، فذَلُّوا، فأرسل إليه محمود يطلب الموادعة، وخرج إليه في الليل، وسارت معه والدتُه، فأخذت بيده ودفعته إلى السلطان، وقالت: هذا ولدي قد سلَّمتُه إليك، فاحكم فيه بما ترى. فتلقَّاه بما أحبَّ وأكرمه، وقال: عُدْ إلى قلعتك، وترجع إلينا في غد لنُظهِرَ من إكرامنا ما تستحِقُّه. فرجع إلى القلعة، وعاد من الغد، فتلقَّاه نظام الملك والحُجَّاب والخواصُّ، ولم يتخلف غير
стр. 9140
السلطان، ودخل على السلطان، فخلع عليه الخِلَعَ الجليلة، وأعطاه الخيل بمراكب الذهب والفضة والكوسات والأعلام، وعتَبَه، فقال محمود: واللهِ ما كُنْتُ إلا على نية تَلَقِّيك حتَّى حَنقت منك، فعلم السلطانُ مَنْ فعل ذلك، فكاشر وأشار إلى ابن خان الَّذي قتل أخاه على صور، وعلم، فهرب إلى دمشق، ثم عاد إلى السلطان، فرضي عنه، وتقدَّم السلطان إلى محمود وأيتكين السليماني بالمضيِّ إلى دمشق وإقامة الخطبة للقائم، وبينما هم على ذلك إذ وردت رُسل ملك الروم بردٍّ مَنيح وأُرحبش ومنازكِرْد إليه، وبحمل الهدية، وجاءه خبرُ الإفشين وعَوْدُه سالمًا، وضجر السلطان من المقام بحلب، فكرَّ راجعًا، فقطع الفرات، وهلك أكثر الدواب، وعاد رسول الروم مستبشرًا إلى صاحبه، فقوَّى ذلك عزمَ ملكِ الروم على اتِّباعه وحربه.
وأمَّا حديث الإفشين فإنَّ أريسغي هرب من السلطان ومعه طائفة من الناوكية يريد القسطنطينية، وجاء إلى دربند وعليه قلعةٌ فيها امرأة يقال لها: مريم، فسألها أن تُمكِّنَه من العبور، فلم تفعل ذلك، وكان الملك لمَّا بلَغه خبرُ أريسغي بعث ميخائيل لقتاله ظنًّا منه أنَّه عدوٌّ، فلمَّا قَرُبَ منه ميخائيل أرسل إليه: ما جئت لأحاربكم، وإنما جئتُ ملتجئًا إليكم من السلطان. فقال: كذبتَ. فقال: لو كان هذا صحيحًا ما أخربتَ بلادنا ونهبتَ وقتلتَ. فحلف له، فلم يُصدِّقه، واقتتلوا، فنُصِرَ أريسغي على الروم، فقتل منهم خلقًا عظيمًا، وأمر ميخائيل وقطع عليه سبعين قنطارًا ذهبًا، وقَرُبَ الإفشين منهم، فقال لميخائيل: القصة كذا وكذا، وأنا أُطلِقُك ولا آخذُ منك شيئًا، وتجيروني من الإفشين. وعلم سِرَّه فأمَّنه، وسارا جميعًا إلى الملك، وقال: بيننا وبينك هدنةٌ، ولمَّا دخلتُ بلادك ما تعرَّضتُ لأحد، وهؤلاء اللاوكية أعداءُ السلطان، وقد نهبوا بلادَك وأخربوها، ويجب أن تُسلِّمهم إلينا، وإلَّا أخربتُ بلادكَ ولا هدنةَ بيننا. فقال الملك: كلُّ ما ذكرتَه صحيح، ولكن عادتُنا من لجأ إلينا أن لا نُسلِّمه. فرجع الإفشين فدرس الروم كأن لم يكن، فلم يَسْلَم منه إلَّا حصن منيع وبلد كبير، ووصل إلى درب مريم، ووقع الثلج، فأقام حتَّى ارتفع، وسار إلى خِلاط ومعه من الغنائم ما لم يغنَمْه أحد، وكتب إلى السلطان بذلك، وسار السلطان إلى الوزير، فجاءه خبرُ ملك الروم أنَّه قد
стр. 9141
تجهَّز في العساكر الكثيرة، وأنه قاصد بلاد الإسلام، وكان السلطان في قليل من العسكر؛ لأنهم عادوا جافلين من الشام، وتلك الجَفلة استهلكت أموالهم ودوابَّهم، فطلبوا مَنْ ألزمهم، وبقي السلطان في أربعة آلاف غلام، ولم يرَ الرجوعَ لجميع العساكر فتكون هزيمة، فأنفذ بخاتون الشقيرية مع نظام الملك والأثقال إلى هَمَذان، وأمره بجمع العساكر وإنفاذها إليه، وقال لوجوه عسكره الذين بقوا معه: أنا صابرٌ صبرَ المحتسبين، وصائرٌ في هذه الغزاة مصير المخاطرين، فإن نصرني الله فذاك ظنِّي في الله تعالى، وإن تكُنِ الأخرى فأنا أعهد إليكم لولدي ملك شاه أن تسمعوه وتطيعوه وتقيموه مقامي. فقالوا: سمعًا وطاعة. وبقي جريدةٌ (١) مع العسكر الَّذي ذكرنا، ومع كلِّ غلام فرسٌ يركبه، وآخر بجنبه، وسار قاصدًا ملك الروم، وأرسل أحدَ الحُجَّاب الذين كانوا معه في جماعة من الغلمان مقدمةً له، فصادف عند خِلاط صليبًا تحته مُقدَّم الروم في عشرة آلاف، فحاربهم، فنُصِرَ عليهم، وأسر المُقدَّم، وكان من الروس، وأخذ منه الصليب، وبعث إلى السلطان بذلك، فاستبشر وقال: هذا أمارة النصر. وأرسل بالصليب إلى هَمَذان، وجَدَع أنف المقدَّم، ثم أمر بأن يحمل إلى الخليفة، ووصل ملك الروم إلى منازكِرد فأخذها بالأمان، وقصد ناحية السلطان في موضع يعرف بالرَّهوة بين خِلاط ومنازكِرد لخمس بَقِينَ من ذي القعدة، فبعث إليه السلطان بأن يرجع إلى بلاده ويتمِّم الصلح الَّذي توسَّطه الخليفة، فقال: لا أرجع -وكان يوم الأربعاء- وأقام السلطان إلى نهار الجمعة، وجمع وقتَ الصلاة أصحابَه، وقال: إلى متى نحن في نقص وهم في زيادة؟ أريد أن أطرح نفسي عليهم في هذه الساعة التي جميع المسلمين يدعون لنا على المنابر، فإن نُصِرْنا عليهم وإلّا مضينا شهداءَ إلى الجنّة، فمن أحبَّ أن يتبعني فليتبَعْ، ومن أحبَّ أن ينصرف فلينصرِفْ مصاحبًا، فما ها هنا اليوم سلطان، وإنما أنا واحد منكم، وقد فتحنا على المسلمين ما كانوا عنه في غناء. فقالوا: أيها السلطان، نحن عبيدك، ومهما فعلتَ تبعناك.
стр. 9142
وكان قد اجتمع إليه عشرةُ آلاف من الأكراد، وإنما اعتماده بعبد الله تعالى على الأربعة آلاف الذين كانوا معه، وملكُ الروم في مئة ألف مقاتل، ومئة ألف نَقَّاب، ومئة ألف روزجاري (١)، ومئة ألف صانع، وأربع مئة عجلة يجرُّها ثمان مئة جاموس عليها نعال ومسامير، وألفا عجلة عليها السلاح والمجانيق، وآلة الزحف، وكان في عسكره خمسة وثلاثون ألف بطريق، ومعه منجنيق يمدُّه ألف رجل ومئتا رجل، ووزن حجره عشرة قناطير، وكل حلقة منه مئتا رطل بالشامي، وكان في خزانته ألف ألف دينار ومئة ألف ثوب إبريسم، ومن السُّروج الذهب والمناطق والمصاغات مثلُ ذلك، وكان قد أقطع البطارقةَ البلاد، مصر والشام وخراسان والري والعراق، واستثنى بغداد، وقال: لا تتعرَّضوا لذلك الشيخ الصالح فإنه صديقُنا -يعني الخليفة- وكان عزمُه يُشتي بالعراق ويصيف بالعجم، واستناب في القسطنطينية من يقوم مَقامه، وعزم على خراب بلاد الإسلام، فلمَّا كان يوم الجمعة وقت الصلاة -وقد شاور السلطانُ أصحابَه- قام قائمًا، ورمى القوس والنُّشَّاب من يده، وشدَّ ذنب فرسه بيده، وأخذ الدبوس، وفعل أصحابُه كذلك، وبغتوا الروم وصاحوا صيحةً واحدةً ارتجَّت لها الجبال، وكبَّروا، وصاروا في وسط الروم، فقاتلوهم، وما لَحِقَ الملكُ يركبُ فرسَه، وما ظنَّ أنهم يقدموا عليه، فنصر الله المسلمين عليهم فانهزموا، وتبعهم السلطانُ بقيةَ نهار الجمعة وليلةَ السبت يقتل ويأسر، فلم ينجُ منهم إلا القليل، وغنموا جميعَ ما كان معهم، ورجع السلطان إلى مكانه، فدخل عليه الكوهراني فقال: إنَّ أحد غلماني قد أسرَ ملك الروم، وكان هذا غلامي قد عُرِضَ على نظام الملك فاحتقره وأسقطه، فكلَّمتُه فيه، فقال مستهزئًا به: لعلَّه يجيئنا بملك الروم أسيرًا. فأجرى الله تعالى أسر ملك الروم على يده، واستبعد السلطانُ ذلك وأرسل خادمًا يقال له: شاذي كان قد أرسله له، فلمَّا رآه عرفه، فرجع وأخبر السلطان، فأمر بإنزاله في خيمة، ووكل به، واستدعى الغلامَ وسأله: كيف أسرْتَه؟ فقال: رأيتُ فارسًا وعلى رأسه صلبان، وحولَه جماعةٌ من الخدم الصَّقالبة، فحملتُ عليه لأطعنه، فقال لي واحدٌ منهم: لا تفعَلْ، فهذا الملك. فأحسنَ السلطانُ إليه، وخلع عليه، وجعله من خواصِّه، فقال: أريد بشارة غزنة، فأعطاه إيَّاها.
стр. 9143
ثم إنَّ السلطان أحضر الملك -واسمه أرمانوس- وضربه ثلاث مقرعات، ورفسه برجله ووبَّخه، وقال: ألم أُرسِلْ إليك رُسُلَ الخليفة أطال الله بقاءه في إمضاء الهدنة، فأبيتَ؟ ألم أُرسِلْ إليك مع الإفشين أطلبْ أعدائي، فمنعتَهم؟ ألم تغدِرْ بي وقد حلفتَ لي؟ ألم أبعَثْ إليك بالأمس أسألْكَ الرجوع، فقلتَ: قد أنفقتُ الأموال، وجمعتُ العساكر الكثيرة حتَّى وصلتُ إلى ها هنا، وظفرتُ بما طلبتُ، فكيف أرجع إلى أن أفعل ببلاد المسلمين مثل ما فعلوا ببلادي؟ وكيف رأيتَ أثر البغي؟ -وكان قد جُعِلَ في رجليه قيدين وفي عنقه غِلًّا- فقال: أيها السلطان، قد جمعتُ العساكر من سائر الأجناس، وأنفقتُ الأموال لآخذ بلادك، ولم يكن النصرُ إلَّا لك، وبلادي ووقوفي على هذه الحال بين يديك بعد هذا، فدَعْني من التوبيخ والتعنيف، وافعَلْ ما تُريده. فقال له السلطان: فلو كان الظَّفرُ لك ما كنتَ تفعلُ بي؟ قال: القبيح. فقال: آهٍ، صدق وَاللهِ، ولو قال غيرَ هذا لَكَذَب، هذا رجلٌ عاقلٌ جَلْدٌ، لا يجوز أن يُقتل. ثم قال له: وما تظنُّ الآنَ أن أفعلَ بك؟ قال: أحد ثلاثة أقسام، أما الأول فقتلي، والثاني: إشهاري في بلادك التي تحدَّثتُ بقصدها، وأما الثالث فلا فائدة في ذِكْرِه، فإنك لا تفعلُه. قال: وما هو؟ قال: العفو عني، وقبول الأموال والهدنة، واصطناعي وردِّي إلى ملكي مملوكًا لك وبعض أسفهسلاريتك، ونائبك في الروم، فإنَّ قتْلَكَ لي لا يُفيدك، هم يقيمون غيري. فقال له السلطان: ما نويتُ إلَّا العفوَ عنك، فاشترِ نفسك. فقال: يقول السلطان ما يشاء. فقال: عشرة آلاف ألف دينار. فقال: واللهِ إنك تستحقُّ ملك الروم إذ وهبتَ لي نفسي، ولكن قد أنفقتُ أموال الروم واستهلكتُها منذ وُلِّيتُ عليهم في تجريد العساكر والحروب، وأفقرتُ القوم. ولم يزلِ الخطابُ يتردَّد إلى أن استقرَّ الأمر على ألف ألف وخمس مئة ألف دينار، وفي الهدنة على ثلاث مئة ألف دينار وستين ألف دينار في كلِّ سنة، وأن يُنفذ من عساكر الروم ما تدعو الحاجة إليه، وذكر أشياء. فقال: إذا مننتَ عليَّ عَجّلْ سراحي قبل أن يُنصِّبَ الرومُ ملكًا غيري، فيفوتُ المقصودُ، ولا أقدر على الوصول إليهم، فلا يحصل شيء مما شرطتَه عليَّ. فقال السلطان: أُريد أن تعود أنطاكية والرُّها ومنبج ومنازكِرْد، فإنها أُخذت من المسلمين عن قرب، وتُفرِّج عن أسارى المسلمين. فقال: أمَّا البلادُ فإن وصلتُ سالمًا إلى بلادي أنفذتُ إليهم بالعساكر
стр. 9144
وحاصرتُهم وأخذتُها منهم وسلَّمتُها إليك، فأما القوم فلا يسمعون مني، وأمَّا أسارى المسلمين فالسمع والطاعة، إذا وصلتُ سرَّحتهم وفعلتُ معهم الجميل. فأمر السلطان بفَكِّ قيوده وغلِّه، ثم قال: أعطوه قدحًا ليسقينيه، فظنَّه له، فأراد أن يشربه، فمُنع وأُمر بأن يخدم السلطان ويناوله القدح، فأومأ إلى تقبيل الأرض، وناول السلطانَ القدح فشربه، وجَزَّ شعرَه، وجَعلَ وجهَه على الأرض، وقال: إذا خدمتَ الملوكَ فافعل كذا.
وإنما فعل السلطان ذلك لسبب اقتضاه، وهو أنَّ السلطان لمَّا كان بالري وعزم على غزو الروم، فقال لفرامرز بن كاكويه: هو ذا، أمْضي إلى قتال ملك الروم، وآخذه أسيرًا، وأُوقِفُه على رأسي ساقيًا. فحقَّقَ الله قولَه، واشترى جماعةً من البطارقة، واستوهبَ آخرين، فلمَّا كان من الغد أحضره السلطان وقد نصب له سريره ودَسْتَه الَّذي أُخذ منه، فأجلسه عليه، وخلع عليه قَباءَه وقَلَنْسوته، وألبسه إيَّاهما بيده، وقال له: قد اصطنعتُكَ، وقنعتُ بأمانتك، وأنا أسيِّرُك إلى بلادك، وأردُّك إلى ملكك. فقبَّل الأرضَ، وكان لمَّا بعث الخليفةُ ابنَ المحلبان إليه أمر بكشف رأسه، وشدِّ وسطه، وأن يُقبِّل الأرض بين يديه، فقال له السلطان: ألستَ الفاعلَ بابن المحلبان رسول الخليفة كذا وكذا؟ فقُمِ الآن واكشِفْ رأسَكَ، وشُدَّ وسطَكَ، وأومئ إلى ناحية الخليفة، وقَبِّلِ الأرض. ففعل، فقال السلطان: إذا كُنْتُ أنا وأنا أقلُّ الملوك الذين في طاعته فعلتُ بِكَ ما فعلتُ وأنا في شرذمةٍ من جندي وقد حشدتَ دين النصرانية، فكيف لو كتبَ الخليفةُ إلى ملوك الأرض يأمرهم فيكَ بأمر؟ وعقد له السلطان رايةً فيها مكتوب: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. وأنفذ معه حاجبين ومئة غلام، فوصلوا به إلى القسطنطينية، وركب معه وشيَّعه قَدْرَ فرسخ، فأراد أن يترجَّل، فمنعه السلطان وحلف عليه، وضمَّه إليه، وتعانقا، وعاد السلطان عنه (١).
ثم حكى ملك الروم وقال: العادة الجارية أن الملك الخارج من القسطنطينية إذا أراد الخروج إلى حرب دخل البِيعة الكبرى، واستشفع بصليب ذهب بها مُرصَّعٍ باليواقيت. قال: فدخلتُ البِيعة لمَّا عزمتُ على هذه السَّفرة، واستشفعت إليه، وإذا بالصليب قد زال عن موضعه إلى القبلة الإسلامية، فعجبتُ من ذلك، وسوَّيتُه إلى
стр. 9145
المشرق، وأتيتُه من الغد، وإذا به قد مال إلى القبلة، وأمرتُ بشدِّه بالسلاسل، ثم دخلتُ إليه في اليوم الثالث، وإذا به قد مال إلى القبلة، فتطيرتُ وعلمتُ أني مغلوب، ثم غلبني الهوى والطمع، فسِرْتُ إلى بلاد الإسلام، فكان مني ما كان.
وقال أبو يعلى بن القلانسي: إن عسكر صاحب الروم كان ستَّ مئة ألف من الروم وسائر الطوائف، وإنَّ عسكر السلطان كان أربعَ مئة ألف مقاتل من الأتراك وجميع الطوائف، والذي ذُكِرَ أنَّه كان مع السلطان أربعةُ آلاف مملوك هو الأصحُّ؛ لِما ذكرنا من أن العساكر تفرَّقت عنه، ثم كتب السلطان إلى الخليفة بشرح ما جرى، وبعث بعمامة ملك الروم والصليب وما أُخذ من الروم، وذلك في ثالث عشرين ذي الحجَّة، فقُرئت الكتب في بيت النوبة، وسُرَّ الخليفةُ والمسلمون، وزُيِّنت بغداد تزيينًا لم تُزيَّن مثلُه، وعُملت القباب، وكان فتحًا عظيمًا لم يكُنْ في الإسلام مثلُه، وعاد السلطان إلى الري وهَمَذان.
وفيها ملكت الفرنج جزيرة صقلية، وسببه أنَّه كان بها والٍ يقال له: ابن البعباع، فبعث إليه صاحب مصر يطلب منه المال، وكان عاجزًا عمَّا طلب منه، فبعث إلى الفرنج، ففتح لهم الباب -أي البلد- فدخلوا فقتلوا وملكوا الجزيرة.
وفي هذه السنة ظهر أتْسِز بن أوق مقدَّم الأتراك الغز، وفتح الرملة والبيت المقدس، وضايق دمشق، وواصل الغارات عليها، وأخرب الشام.
وفيها تُوفِّي
أحمد بن علي (١)
ابن ثابت بن أحمد بن مهدي، أبو بكر، الخطيب، البغدادي، ولد يوم الخميس لِستٍّ بَقِين من جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين وثلاث مئة -وقيل: سنة اثنتين وتسعين- بدَرْزيجان قريةٍ أسفل بغداد، وكان أبوه خطيبها، ونشأ ببغداد، وأول ما سمع الحديث سنة ثلاث وأربع مئة وله إحدى عشرة سنة، وقرأ القرآن، وتفقَّه على أبي
стр. 9146
الطيب الطبري، وأكثرَ من سماع الحديث ببغداد، ورحل إلى البصرة، ثم إلى نيسابور وأصبهان وهَمَذان والجبال، ثم عاد إلى بغداد، وخرج إلى الشام فسمع بدمشق وصور، ووصل إلى مكة، فسمع بها من القاضي القضاعي، وقرأ صحيح البخاري على كريمة بنت أحمد المروزية في خمسة أيام، ورجع إلى بغداد، وتقرَّب إلى الوزير رئيس الرؤساء ابن المسلمة، وكان قد أظهر بعضُ اليهود كتابًا، وادَّعى أنَّه كتاب رسول الله ﷺ بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادات الصحابة ﵃، فقال الخطيب: هذا الكتاب مُزوَّر. فقال له الوزير: من أين هذا؟ قال: فيه شهادة سعد بن معاذ ومعاوية، وسعد مات يوم الخندق قبل خيبر، ومعاوية أسلم يوم الفتح سنة ثمان، وخيبر كانت سنة سبع. فأعجب الوزيرَ ذلك.
ولمَّا دخل البساسيري بغداد استتر الخطيب، وخرج إلى الشام، وأقام بدمشق
وصور وحلب وطرابلس، ثم عاد إلى بغداد سنة اثنتين وستين، فأقام بها سنة، ثم تُوفِّي.
وصنَّف الكتب في فنون. وقيل: إنه صنَّف ستة وخمسين كتابًا ليس فيها أكبر من التاريخ، فمن مصنفاته: "التاريخ" مئة وستة أجزاء، و"شرف أصحاب الحديث"، و"الجامع لأخلاق الراوي والسامع"، و"الكفاية في معرفة أصول الرواية"، و"المتَّفِق والمُفترِق"، و"السابق واللاحق"، و"تلخيص المتشابه في الرسم"، و"تالي التلخيص"، و"الفصل والوصل"، و"المكمل في بيان المهمل"، و"الفقيه والمتفقِّه"، و"غُنية المقتبس"، و"الأسماء المبهمة"، و"الصواب في التسمية بفاتحة الكتاب"، و"الجهر بالبسملة"، و"رفع الارتياب"، و"الفنون (١) " و"التبيين [لأسماء المدلِّسين (٢)] "، و"تمييز المزيد" و"من وافق اسمُه اسمَ أبيه"، و"من حدَّث فنسي"، و"رواية الآباء عن الأبناء" و"العلم بالكتابة، و"الحيل" و"الرحلة"، و"الرواة عن مالك"، و"الاحتجاج للشافعي" و"التفصيل لمبهم المراسيل"، و"اقتضاء العلم والعمل"، و"القول في علوم النجوم"،
стр. 9147
و"روايات الصحابة عن التابعين"، أو"صلاة التسابيح"، و"روايات الستة من التابعين" (١)، و"مسند نُعيم بن همار (٢) "، و"النهي عن صوم يوم الشك"، و"الإجادة للمعدوم والمجهول"، و"البخلاء" و"الأسماء المتواطئة"، و"النِّكَاح بغير ولي"، و"الوضوء من مسِّ الذَّكَر" و"الرواة عن شعبة" و"الجمع والتفريق"، و"أخبار الطفيليين"، و"الدلائل والشواهد"، و"القضاء باليمين والشاهد"، و"المُوضِح"، و"القنوت".
واتَّفقوا على أنَّه تُوفِّي يوم الاثنين سابع ذي الحجة في حجرةٍ كان يسكنها بدرب السلسلة جوار النظامية، وحمل تابوتَه أبو إسحاق الشيرازي من المدرسة النظامية إلى الجسر، وعبر به إلى الجانب الغربي، واجتاز به في الكَرْخ، وحمل إلى جامع المنصور، وحضر الأماثل والفقهاء والخلق الكثير، وصلَّى عليه أبو الحسين بن المهتدي، ودُفن إلى جانب بشر الحافي، وكان أحمد بن علي الطُّرَيثيثي قد حفر هناك قبرًا لنفسه، وكان يمضي إليه كلَّ يوم ويختم فيه القرآن عدة سنين، فلمَّا مات الخطيب أرادوا دفنه فيه، فمنعهم وقال: هذا قبرٌ أنا حفرتُه وختمتُ فيه القرآن عدة ختمات. وكان أبو سعد الصوفي حاضرًا فقال: يا شيخ، لو كان بشر في الحياة دخلتَ أنت والخطيب عليه أيُّكما كان يقعد إلى جانبه؟ فقال: الخطيب. فقال: فكذا ينبغي أن يكون في حالة الموت. فسكت.
وقيل: إن الطُّرَيثيثي كان غائبًا، فلمَّا حضر أراد نبْشَه، فقيل له: لا يَحسُن. فتركه.
وكان الخطيب يقول: شربتُ من ماء زمزم على نية أن أدخل بغداد وأروي بها التاريخ، وأُدفن إلى جانب بشر الحافي، وقد رزقني الله تعالى دخولها وروايةَ التاريخ بها، وأنا أرجو الثالثة. فدُفنَ إلى جانب بشر، وأوصى أن يُتصدَّق بجميع ما كان عليه من الثياب.
стр. 9148
سمع خلقًا كثيرًا، وروى عنه جمٌّ غفير، وذكره أرباب السِّير، فقال ابن السمعاني في "الذيل": هو إمامُ هذه الصنعة وعالمُها، ومن به ظهرت معالمُها، وأحيى رسومَها، ونشر علومَها.
وقال ابن عساكر: هو أحد الأئمة المشهورين والمصنِّفين المذكورين، والحفَّاظ المبرِّزين، ومَنْ به ختم ديوان المحدثين، وكان يذهب مذهب الأشعري، ولمَّا عاد من دمشق إلى بغداد وقع له جزءٌ فيه سماع القائم بأمر الله، فحمل الجزء، ومضى إلى باب الحجرة، وسأل أن يؤذَن له في قراءته، فقال الخليفة: هذا رجلٌ كبير السنِّ في الحديث، وليس له إلى السماع حاجة، ولعلَّ له حاجةً أراد أن يتوصل إليها، فسألوه فقال: حاجتي أن أُملي بجامع المنصور -وكانت الحنابلة قد منعته- فأذِن له، وحضر النقيب الكامل مجلسه، وأملى بالجامع.
وقال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي ﵀: من نظر في مصنَّفاته عرف قَدْرَ الرجل وما هُيِّئ له مما لا يتهيَّأ لمن كان أحفظَ منه كالدارقطني وغيره.
وقد روي عن أبي الحسين بن الطيوري أنَّه قال: أكثرُ كتب الخطيب مستفادةٌ من كتب الصوري ابتدأ بها.
قال الشيخ أبو الفرج: وقد يضع الإنسان طريقًا فيسلك، وما قصَّر الخطيب على كل حال، وكان حريصًا على علم الحديث، وكان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه، وكان حسنَ القراءة، فصيحَ اللهجة، عارفًا بالأدب، يقول الشعر الحسن، وكان قديمًا على مذهب الإمام أحمد رحمة الله عليه، فمال إليه أصحابه لمَّا رأوا ميله إلى المبتدعة وآذوه، فانتقل إلى مذهب الإمام الشافعي ﵁، وتعصَّب في تصانيفه عليهم، ورمز إلى ذمِّهم، وصرَّح بقدر ما أمكنه، فقال في ترجمة الإمام أحمد رحمة الله عليه: إمام المحدِّثين، ولم يذكره بالفقه، ونسبه إلى الصبوة، فقال في ترجمة حسين الكرابيسي: أيش نعمل بهذا الصبي إن قلنا: لفظنا بالقرآن مخلوق؟ قال: بدعة. وإن قلنا: غير مخلوق؟ قال: بدعة. ثم قدح في أصحابه مهما أمكن، ودسَّ في ذمِّهم دسائس عجيبة، من ذلك أنَّه ذكر مُهنَّا بن يحيى -وكان من أصحاب الإمام أحمد بن حنبل ﵁ فقال: قال الدارقطني: مُهنَّا ثقة نبيل. ثم حكى عن أبي الفتح الأزدي أنَّه قال: مُهنَّا منكر الحديث. وهو يعلم أن الأزديَّ مطعونٌ فيه عند
стр. 9149
الكلِّ وأول من ضعَّفه هو. قال: حدثني أبو النجيب عبد الغفار الأرموي قال: رأيتُ أهل الموصل يوهنون أبا الفتح الأزدي ولا يعدُّونه شيئًا. قال الخطيب: وحدثني محمد بن صدقة الموصلي قال: قدم أبو الفتح الأزدي بغداد على ابن بُوَيه، فوضع له حديثًا: أنَّ جبريل كان ينزل على النبي ﷺ في صورنا، فأعطاه دراهم.
قال الشيخ أبو الفرج: أفلا يستحي الخطيب أن يقابل قولَ الدارقطني في مُهنَّا بهذا ثم لا يُبيِّن ضعفَ الأزدي؟ فما الَّذي وثَّقه في الطعن في مهنَّا وضعَّفه في غيره؟ وهذا يُنبئ عن عصبيَّةٍ وقلةِ دين.
ومال الخطيب على الحسن بن علي التميمي وأبي عبد الله بن بطة، وأبي علي بن المذهب، وكان في الخطيب شيئان؛ أحدهما الجريُ على عادة عوام المحدِّثين في الجرح والتعديل، فإنهم يجرحون بما ليس [يجرح] (١) لقلة فهمهم. والثاني: التَّعَصُّبُ على مَذهبِ الإمام أحمد ﵁ وعلى أصحابه، وذكر في كتاب "الجهر بالبسملة" أحاديثَ يعلم أنها لا تصحُّ، وكذا في كتاب "القنوت"، وذكر في مسألة صوم يوم الغيم وتحريمه حديثًا يعلم أنَّه موضوع، واحتجَّ به، ولم يذكر عِلَّته، وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنَّه قال: "من روى حديثًا عني وهو يرى أنَّه كذب، فهو أحد الكذَّابين" (٢).
وقال إسماعيل بن أبي الفضل القُومِسي وكان من كبار الحُفَّاظ، صدوقًا، له معرفة حسنة بالرجال والمتون، عزيز الديانة: ثلاثةٌ من الحُفَّاظ لا أُحِبُّهم لشدة تعصبهم وقلَّة إنصافهم: الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، وأبو نُعيم الأصفهاني، وأبو بكر الخطيب.
ولقد صدق إسماعيل؛ فإن الحاكم كان متشيعًا، والآخران أشعريان متعصِّبان للأشاعرة والمتكلِّمين، وما يليق هذا بأصحاب الحديث؛ لأن الحديث جاء في ذمِّ الكلام، وقد أكَّد الإمام الشافعيُّ ﵁ في هذا حين قال: رأي في أصحاب الكلام أن يُركبوا على البغال، ويُطاف بهم في القبائل.
стр. 9150
وقد صنَّف الشيخ جمال الدين بن الجوزي ﵀ كتابًا سمَّاه "السهم المصيب في بيان تعصيب أبي بكر الخطيب" بيَّن فيه أغراضَه ودقائقَه وتعصُّبَه وبوائقَه، وأنه صرح بذمِّ الإمام أحمد رحمة الله عليه، فقال: وهم أحمد في مواضع، وذكر ما يدلُّ على أن الخطيب هو الواهم، وقد بسط الخطيب القول في ذمِّ أصحاب الإمام أحمد رحمة الله عليه، وقد أُجيب عن جميع ما ذكره وردَّ عليه.
وقال محمد بن طاهر المقدسي: لمَّا هرب الخطيب من بغداد عند دخول البساسيري إليها قدم دمشق، فصحبه حدَثٌ صبيحُ الوجه، فكان يختلف إليه، فتكلَّم الناس فيه وأكثروا، وبلغ والي المدينة، وكان من قِبَل المصريين شيعيًّا، فهجم عليه، فرأى الصبيَّ عنده وهما في خلوة، فقال للخطيب: قد أمر الوالي بقتلك، وقد رحمتُكَ، وما لي فيك حيلة، إلا أنني إذا خرجتُ بك أمر على دار الشريف بن أبي الجِنّ العلوي فادخل داره؛ فإني لا أقدر على الدخول خلفك. وخرج، فمرَّ به على دار الشريف، فوثب الخطيب فصار في الدهليز، وعلم الوالي، فأرسل إلى الشريف يطلبه منه، فقال الشريف: قد علمتَ اعتقادي فيه ومن أمثاله، وليس هو من أهل مذهبي، وقد استجار بي، وما في قتله مصلحة؛ فإن له بالعراق صيتًا وذكرًا، فإن قتلتَه قتلوا من أصحابنا عدة، وأخربوا مشاهدنا. قال: فيُخرَجُ من البلد. فأخرجوه، فمضى إلى صور، واشتدَّ غرامه بذلك الصبي، فقال فيه الأشعار، فمن شعره: [من البسيط]
تَغَيَّبَ الناسُ عن عيني سوى قمرٍ … حسبي من الناس طُرًّا ذلِكَ القمرُ
محلُّه في فؤادي قد تملَّكَهُ … وحازَ روحي فما لي عنهُ مُصْطَبرُ
أردتُ تقبيلَهُ يومًا مخالسةً … فصارَ في خاطري من خدِّهِ أثَرُ
وكم حليمٍ رآهُ ظنَّهُ ملَكًا … وراجعَ الفِكْرَ فيه أنَّهُ بشَرُ
وقال فيه أيضًا: [من الكامل]
بات الحبيبُ وكم لهُ من ليلةٍ … فيها أقامَ إلى الصَّباحِ مُعانِقي
ثمَّ الصباحُ أتى ففرَّقَ بيننا … ولَقَلَّما يصفو سرورُ العاشِقِ
وقال فيه أيضًا: [من البسيط]
الخمرُ والوردُ حقٌّ ليسَ أجحدُهُ … إذ ناسبا مَنْ بدا منه بلايايَ
стр. 9151
فالخمرُ من طيبِ ريحٍ الحُبِّ قد شَرُفَتْ … والوردُ أضحى يُحاكي خدَّ مولايَ
وقال أيضًا: [من البسيط]
بالله أقسمُ أيمانًا مُغلَّظةً … ما مثلُ حبِّي مشى في سائرِ النَّاسِ
إذا بدا يتثنَّى خِلْتَهُ قمرًا … من فوق غصنٍ مديد الفَرْعِ ميَّاسِ
شربتُ من لَحْظهِ خمرًا سكرتُ بها … زادت على نعت خمرِ الكأسِ والطاسِ
فأورثَتْ مُهجتي من حُبِّه دنفًا … وعظَّمَتْ حال أفكاري ووسواسي
ومن هذا قولُه وإخبارُه عن نفسه فكيف يُقبَلُ جرحُه وتعديلُه؟ وإنما العصبية ذهبت بالدين.
ومن شعره: [من الوافر]
لَعمرُكَ ما شجاني رسمُ دارٍ … وقفتُ بها ولا ذِكْرُ المغاني
ولا أثرُ الخيامِ أراقَ دمعي … لأجلِ تذَكُّري عهدَ الغواني
ولا ملَكَ الهوى يومًا قيادي … ولا عاصَيتُهُ فثنى عِناني
عرفتُ فِعاله بذَوي التَّصابي … وما يَلْقَون من ذُلِّ الهَوانِ
فلم أُطْمِعْهُ فيَّ وكَمْ قتيلٍ … لهُ في الناسِ ما يُحصى وعانِ (١)
طلبتُ أخًا صحيحَ الودِّ محضًا … سليمَ الغَيبِ مأمونَ اللسانِ
فلم أعرِفْ من الإخوانِ إلَّا … نفاقًا في التباعدِ والتَّداني
وعالمُ دهرِنا لا خيرَ فيه … ترى صُورًا تروقُ بلا معاني
ووصفُ جميعِهم هذا فما إِنْ … أقولُ سوى فلانٍ أو فلانِ
ولمَّا لم أجِدْ حرًّا يواتي … على ما نابَ من نوبِ الزمانِ
صبرتُ تكرُّمًا لقِراعِ دهري … ولم أجزَعْ لما منهُ دهاني
ولم أكُ في الشدائدِ مستكينًا … أقولُ لها ألا كُفِّي كفاني
ولكني صليبُ العُودِ عَوْدٌ … ربيطُ الجأشِ مجتمعُ الجَنانِ
أبيُّ النَّفسِ لا أختارُ رزقًا … يجيءُ بغير سيفي أوسناني
لَعِزٌّ في لظى باغيه يثوي … ألذُّ من المذلَّةِ في الجنانِ
стр. 9152
ومَنْ طلبَ المعالي وابتغاها … أدارَ لها رحى الحربِ العوانِ (١)
وكان للخطيب شيءٌ من المال، فكتب إلى القائم بالله: إذا مِتُّ كان مالي لبيت المال، وأنا أستأذن أن أُفرِّقه على من شئت، فأذِنَ له، وكان مئتي دينار، ففرَّقه في أصحاب الحديث، ووقف كتبه على المسلمين، وسلَّمها إلى أبي الفضل بن خيرون، فكان يُعيرها، ثم صارت إلى ابنه الفضل، فاحترقت في داره.
قال ابن طاهر: جاء جماعةٌ من الحنابلة يوم الجمعة إلى حلقة الخطيب بجامع المنصور، فناولوا حدَثًا صبيح الوجه دينارًا، وقالوا له: قِفْ بإزائه ساعةً وناولْه هذه الرُّقعة. فناوله الصبيُّ إيَّاها، وإذا فيها: بحقِّ الَّذي أعزَّ المعتزلة بابن أبي دؤاد، والجهمية بجهم بن صفوان، والكرامية بابن كرام، وأعزَّ بك الأشاعرة، قل لنا: أيش مذهبك؟ وكان الخطيب في أول أمره يتنسَّك ويتَّبع السنة ولا يتعرَّض لغير الحديث، وكان الحنابلة تعتقد فيه، فلمَّا خالط المتكلمينَ وأهلَ الباع مالوا عليه، وكانوا يعطون السَّقاءَ قطعة يوم الجمعة، فكان يقف من بعيد بإزائه، ويُميل نصفَ القِرْبة وبين يديه أجزاء، فيبلُّ الجميع فتتلف، وكانوا يُطيِّنون عليه باب داره في الليل، فربما احتاج إلى الغُسل لصلاة الفجر فتفوتُه، وقد قدح في جماعة من الأئمة، فقال: كان مالكٌ قليلَ الحفظ، والحسنُ البصريُّ وابنُ سيرين يقولان بالقدر، ومالك بن دينار ضعيف، ولم يثبت من لسانه إلا القليل.
[وفيها تُوفِّي]
حسان بن سعيد (٢)
ابن حسان بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن مَنيع بن خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، المخزومي، أبو علي، [المَنيعي] من أهل مرو الرُّوذ، كان في أول عمره يتشاغل بالدهقنة وخدمة الملوك، ثم عنَّ له فانقطع إلى الله تعالى والعبادة وسماع
стр. 9153
الحديث والتقلُّل من الدنيا، فكان يصوم النهار ويقوم الليل، وبنى المساجد والقناطر والجوامع، وكانت الملوك تزوره وتتبرَّك به.
ووقع في بلده غلاءٌ، فكان ينصب القدور فلا يُمنَع من طعامه أحدٌ، ويتصدَّق في السر، ويكسو كلَّ سنة خلقًا كثيرًا، ويزوِّج الأرامل واليتامى، ويمشي من بيته إلى المسجد، وكان بعيدًا عن بيته، ويلبس الغليظ من الثياب، ويصلي على قطعة لبد، ويقعد على التراب، وأغنى فقراء مرو ونيسابور وبلده، وأنفق أمواله في أبواب البر، وما زال به التقلُّل والمجاهدة حتَّى مرض بنيسابور مرضًا شديدًا، فحُمِل إلى مرو الرُّوذ، فتوفي بها.
[وفيها تُوفي]
علي بن [يوسف بن] عبد الله (١)
أبو الحسن، الجُويني، ويعرف بشيخ الحجاز، كان زاهدًا، عابدًا، وهو عمُّ أبي المعالي المتكلم.
[وفيها توفِّيت]
كريمة بنت أحمد (٢)
ابن محمد بن أبي حاتم المروزية، من أهل كُشْميهَن، قرية من قرى مرو، وكانت عالمةً، فاضلةً، صالحةً، زاهدةً، عابدةً، قدمت مكة، فأقامت بها حتَّى ماتت.
[وفيها توفِّي]
محمد بن علي (٣)
ابن محمد بن حُباب، أبو عبد الله، [ويُعرف بابن الدُّرزي]، الصُّوري، الشاعر، كان فصيحًا، تُوفِّي بطرابلس وقد نَيَّف على السبعين، ومن شعره: [من مجزوء الكامل]
стр. 9154
صَبٌّ جفاهُ حَبيبُهُ … فحلا له تعذيبُهُ
فالنارُ تُضرَمُ في الجوا … نحِ والسَّقام (١) يُذيبُه
حتَّى بكاهُ لِما دها … هـ (٢) بعيدُهُ وقريبُه
وتآمروا في طِبِّه … كيما يخِفَّ لهيبُهُ
[فأتى الطبيبَ وما دَرَوا … أن الطبيبَ حبيبُهُ] (٣)
محمد بن علي
ابن الحسن بن الدجاجي، أبو الغنائم، القاضي، سمع الكثير، وكان له مالٌ فافتقر، فجمع له المُحدِّثون شيئًا وأتوا به إليه، فقال: وافضيحتاه، آخذُ على حديث رسول الله ﷺ أجرة؛ لا واللهِ. وبكى ولم يقبله (٤)، وتوفِّي في سلخ شعبان، ودُفن بمقابر الخيزران يوم الجمعة غُرَّة رمضان، [سمع أبا طاهر المخلص وغيره]، وكان صحيح السماع صدوقًا، [وروى عنه مشايخ مشايخنا].
محمد بن وشاح بن عبد الله (٥)
أبو علي، ولد سنة تسع وسبعين وثلاث مئة، وكان كاتبًا لنقيب النقباء الكامل، كان فاضلًا، تُوفِّي في رجب عن أربع وثمانين سنة، ودُفِنَ عند جامع المنصور، ومن شعره: [من الطويل]
حملتُ العصا لا الضعفُ أوجَبَ حَمْلَها … عليَّ ولا أنِّي تحنَّيتُ من كِبَرْ
ولكنَّني ألزمتُ نفسي بحملِها … لِأُعلِمَها أنَّ المقيمَ على السَّفرْ
انتهى تاريخ الخطيب أبي بكر في هذه السنة، ومن السنة الرابعة والستين وأربع مئة ذيَّل عليه أبو سعيد عبد الكريم بن منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد السمعاني.
стр. 9155
السنة الرابعة والستون وأريع مئة
فيها استولى الناوكية الذين هربوا من ألب أرسلان إلى الشام، وكان أمير الجيوش بدر قد استمالهم، فجاؤوا فنزلوا الشام، وطردوا العرب الذين كانوا قد استولوا على بدر، ونهبوا الشام، وطلبوا من بدر المال وهو مقيم بعكَّا، فقال: ما عندي مال، وما سلَّطتُكم على العرب إلَّا أنكم تقنعون بنهبهم، وما أقطعتكم من الشام. فقالوا: نحن أخذنا البلاد بسيوفنا. ثم جاؤوا فنزلوا طبرية، واقتسموا البلاد، وأخذوا غلالها، فراسل بدرٌ العربَ بالرجوع إلى الشام، وأنه معهم بنفسه وماله، فاجتمع من العرب خلقٌ عظيم، وقربوا من طبرية، وعرف الناوكية كثرتهم، فكرهوا لقاءهم، فساروا إليهم، فكبسوهم، وأسروا وقتلوا ما شاؤوا، وعادوا إلى طبرية، ونزلوا من بعد طرابلس، فراسلهم محمود بن الزَّوقلية بأن يعودوا إليه، وبذل لهم العطاء، فجاؤوه، وكان عمه عطية قد استنجد بطريق أنطاكية وبني كلاب على محمود، وقصد حلبَ، فنهب ظاهرها، وجاء الخبر بأسر ملك الروم، فعاد عسكر أنطاكية، وارتبط محمود من التركمان نحو ألف غلام، وسار الباقون إلى الشام، فنزلوا على حصن نعمان بالبلقاء، وفيه ذخائر العرب وأموالهم، وهو معقلهم، ولم يكن عليه لأحد طاعة، وهو عزُّ العرب، فاحتالوا عليه وملكوه، وملك التركمانُ الشام بأسره، وجاؤوا إلى الرملة وهي خراب ليس بها أحد، ولا لسوقها أبواب، فجلبوا إليها الفلاحين وعمروها، وضمنوا أجر السلطان عن الزيتون الموجود بثلاثين ألف دينار، وقرَّروا قسم البلاد على النصف، فقيل: إنهم باعوا من الزيتون في هذه الرّقعة بثلاث مئة ألف دينار، وأعطوا التركمان منها ثلاثين ألف دينار، وأخذوا الباقي.
ذكر ما يتعلق بمصر:
اجتمعَ مَنْ بقي من المشارقة إلى القاهرة، وتولَّى ابنُ المغربي مكاتبةَ الأمير والأصحاب وإفسادَهم على ابن حمدان، وجمع الجموع، وتفلَّت من ابن حمدان كلُّ من كان يستعين به، وقوي أمر المستنصر، وضعُفَ أمرُ ابن حمدان، وكان مُقدَّم المشارقة يلدكور، ومضى ابن حمدان إلى الإسكندرية، وأخذ أهله وأمواله، ومضى
стр. 9156
هاربًا إلى العرب، فنزل عليهم، ثم أخذ لواتة وسِنْبِس وغيرهم من العرب، وقصد العسكر المصري، وطرح نفسه عليهم وقاتلهم، فهزموه، وقتلوا ممَّن كان معه ألوفًا. وقيل: كان ذلك سنة ثلاث وستين في شوال، فلما أيقن بالهلاك نشر شعر أخته وزوجته بين يدي العرب، فعادوا على المشارقة فهزموهم، وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا.
ذكر ما جرى لملك الروم أرمانوس:
لمَّا جرى عليه ما جرى سبق خبرُه إلى القسطنطينية، فوثب ميخائيل على المملكة، وقبض على والدته زوجة أرمانوس، ولها منه ابن وبنتٌ، فحلق رأسها، وألبسها الصوف، وأدخلها الدير، ووصل أرمانوس إلى دوقية، وحصل في قلعتها، وعرف الخبر، فلبس الصوف، وأظهر الزهد في الملك، وراسل ميخائيل يقول: قد فعلتُ في جميع العساكر وإنفاق الأموال والإعزاز لدين النصرانية ما فعلتُ، ولم آلُ جهدًا، ولا غُلِبتُ من قوةٍ، ولا من ضعفٍ لرأي، وقد كان من قضاء الله وقدره في نصر الإسلام وأهله ما لا قدرة لأحد فيه، ولا في ردِّه ودفعه، ولمَّا حصلتُ في يد هذا الرجل تكرَّم الكرمَ الَّذي لم أظُنَّه، وقرَّر عليَّ مال الهدنة، ومَن عليَّ وأطلقني، وصَعِدْتُ إلى الحصن زاهدًا في الملك، ولبستُ الصوف، وحمدتُ الله إذ حصلتَ في المكان الَّذي أنت أحقُّ به من غيرك، ويجب عليَّ أن أُعرفك حال هذا السلطان وما فيه من الفضل والإحسان، فإن قبلتَ قولي كُنْتُ الواسطةَ بينكما في حفظ دين النصرانية، وإن خالفتَ فأنت أعلم، وتؤدِّي المال الَّذي قرَّره عليَّ، وتُخلِّص رقبتي من أمانة فيها. فأجابه باستصواب رأيه، واعتذر بأن الحروب أنفدت الأموال، وهو يحمل ما قرَّر عليه من مال فكاكه مع مال الهدنة أولًا أولًا إلى أن تُوفِّيه، فأنفذ أرمانوس إلى السلطان بذلك، وأنفذ أموالًا كانت في حصن دوقيه نحو مئتي ألف دينار، من جملتها طَسْتٌ وإبريق وطبق من ذهب مُرصَّع بالجواهر، تبلغ قيمته سبعين ألف دينار، وحلف بالإنجيل أنَّه ما أمكنه حمل أكثر من هذا، ولا امتدَّت يدُه إلى غيره، وأعطى الحاجِبَين اللَّذين سارا في خدمته والغلمان ما جازاهم به، واعتذر إليهم، ووصل ذلك إلى السلطان، وأجابه بما سأل، ورضي بتأخير المال مع مال الهدنة، ثم بعث ميخائيل بعد انفصال الغلمان عن أرمانوس إليه يقول: إن كنتَ قد ترهَّبت عن حقيقة فيجب أن تنتقل إلى بعض البِيَع
стр. 9157
وتُخلِّي عن الحصن لأرتب فيه من يحفظه. فتنكر أرمانوس وقال: كأنه ما قنع لي بزوال الملك وحصولي في الحصن حتَّى ينافسني فيه، فرمى فيه بالصوف، واقترض أموال التجار الذين كانوا في الحصن، وجمع إليه عسكرًا من الأرمن، وقصد سنحاريبَ ملكَ الأرمن، فبعث إليه يقول: إن كنتَ جئتني ضيفًا خدمتُك، أما محاربة ميخائيل فلا قدرة لي عليها. فقال: ما جئتُكَ إلا ضيفًا. فخرج إليه وتلقَّاه، وقبض عليه، وأخذ أمواله، وكانت ثمانين قنطارًا، وتقدَّم بسَمْلهِ وحبْسِه، وكان مع أرمانوس ألوفٌ من الروم والأرمن، فاستخدمهم سنحاريب، وسار إلى قُونية والبلاد فملكها، واستولى على معظم الروم، وسار إلى ملطية فنزل عليها، وصادر أهلَها وأخذ أموالهم، وراسل السلطانَ، فوعد أن يُنجده بنفسه.
وفي صفر ورد رسولُ صاحب مكة بإقامة الدعوة العباسية بمكة والمدينة.
بعث الخليفةُ إلى السلطان الخِلعَ والهدايا، وكان السلطانُ قد سأل الخليفةَ أن يُزوَّج الأمير عُدَّةُ الدين من ابنته خاتون الشقيرية، فأجابه الخليفة، وكتب وكالة لعميد الدولة عن الأمير عُدَّةِ الدين.
وفي ربيع الأول ورد الوزير أبو العلاء من عند السلطان وعليه خِلَعٌ سلطانية، ولُقِّب وزيرُ الوزراء، ومعه توقيعٌ بنصف إقطاع الوزير ابن جَهير تنكُّرًا من السلطان عليه، وأن يكون أبو العلاء نائبًا ببغداد عن السلطان، وكان ذلك بتدبير نظام الملك، وبلغ الخليفة، فثقل عليه، ولم يأمر بتلقِّيه، فدخل وحده، وقبَّل عتبة باب النُّوبي وانصرف، ووصل بعده بثلاثة أيام سعد الدولة الكوهراني برسالة من السلطان في معنى فخر الدولة والعتب عليه، ويسأل الميل إلى أبي العلاء الوزير، والتقاه حاشية الخليفة والوزير، ونزل بباب النُّوبي، وقبَّل العتبة، وسأل الحضور فأُذِنَ له، فدخل معه الوزيرُ ابنُ جَهير [وكان معه رسالة لا يحضرها ابن جَهير، فلم يفعل الخليفة] (١)، ودفع كتاب السلطان إلى الخليفة، ولم يؤدِّ الرسالة، وكتبها في ورقة وأعطاها الخليفة، فوقف الخليفةُ على المُلَطّف وقال: كذب كاتبُه، لعنه الله. وقيل: إنه يضمن أن الوزير ذكر السلطان بقُبح، ثم انصرف سعد الدولة، خرج توقيع الخليفة إليه: قد عرفنا ضيق صدر عضد الدولة بتأخير رسلنا إليه، وانتظارهم بالري الانتظار الَّذي ثَقُل عليه،
стр. 9158
ونُسِبَ ذلك إلى الوزير بقول الأعداء والحُسَّاد، وواللهِ العظيم إن الأمر لم يجرِ على ذلك، ولا كان التأخُّر إلا بسبب ثوب نسيج يصلح للتشريف أبطأ الصُّنَّاعُ (١) في عمله، ويجب أن يكتب إليه ويُعلِمه حقيقة الحال؛ ليزول من خاطره ما خامر نفسَه، ما أوقعه فيه أعداء الوزير قبَّحهم الله تعالى.
وفي جمادى الآخرة خرج ابنُ أبي عمامة الواعظ يومًا، فرأى مغنِّيةً خارجةً من دور بعض الأتراك ومعها عود، فقطع أوتارَه، فعادت إلى التركي وشكَتْه، فأرسل غلمانه إلى داره، فهرب إلى الحريم، ودخل على ابن أبي موسى الهاشمي مُتقدِّمِ الحنابلة وشكا إليه، فقام ابنُ أبي موسى وجمع الحنابلة، وأدخلوا معهم أبا إسحاق الشيرازي وأصحابه، ودخلوا جامع القصر، واستغاثوا وطالبو بإزالة المنكرات وخراب المواخير، فتقدم الخليفةُ بتتبع الفواسد وإراقة الأنبذة ونحو ذلك، وطلبوا [صرْفَ سعد النجمي عن الحسبة، فصُرف، وطلبوا] (٢) ضَرْب دراهمَ يتعامل بها الناس، فأرسل الخليفة يقول: ارجعوا إلى منازلكم، ونحنُ نُكاتب عضد الدولة بما سألتم، فلطم ابنُ أبي موسى رأسه وصاح: ليَبْكِ على الإسلام من كان باكيًا، زالت الرِّبقة (٣)، وبطلت طاعتُنا لهذا الإمام. وقام قاصٌّ يُعرف بابن أبي عفانة، فقال: يا معشر المسلمين، هذا الشريف يلطم وينوح على الإسلام فبادروا إليه، واجتمعوا عليه، فمن قائل: ليس هذا الإمام بخير من عثمان بن عفان. وآخر يقول: هذه الأموال التي في يده لنا. وآخر يقول: ما له في رقابنا بيعة، وأكثر من ذلك. وأمروا المكديين والغَوغاء أن يتحدَّثوا على الطرق بذلك وشاع، وانخرقت هيبةُ الخلافة (٤)، وكان الوزير يرى قمعهم بالهيبة، والخلبفةُ يجري في ذلك على عادته في الصبر والرفق، ثم استدعى أبا إسحاق الشيرازي إلى باب العزبة وعَتَبه، فانصرف إلى داره، وتفرَّق جمعُه، وأما ابنُ أبي موسى وأصحابُه فأقاموا بالجامع، وقالوا: ما نبرح حتَّى يتمَّ الفعل، وإلا فهذا دفع. فغاظ الوزيرَ ذلك، وأرسل إلى سعد الدولة الكوهراني وقال: اقبِضْ على هؤلاء المفتنين. فقبض على بعضهم ونكَّل بهم،
стр. 9159
وتفرَّق الباقون، وبعث الوزير إلى الجامع فضرب مَنْ فيه بالدبابيس وأخرجهم، وأغلق أبواب الجامع، ورفع كراسيَّ القُصَّاص، فهربوا، وهُدِّد أبو إسحاق فخاف وعزم على الخروج إلى باب السلطان بخراسان، فأعاده الوزير إلى داره، وسكَّنه الخليفةُ، وأقام ابنُ أبي موسى في منزله لا يخرج منه، فلمَّا طال عليه الأمر عاد إلى عادته في التدريس، وقامت الهيبة، وفي هذا الوقت وقع الموت (١) في الدواب والغنم، فلم يبقَ منها شيء، ونام راع في طريق خراسان عند القطيع، ثم انتبه فوجد الغنم موتى بأسرها، وكانت خمس مئة رأس، فأخذه سعد الدولة الكوهراني فصلبه برجله، وأضرم فيه النار وهو حيٌّ، فاحترق، فسُمِّي (٢) سعدُ الدولة الشَّوَّاءَ، وقامت له هيبةٌ لم تقُمْ لغيره.
وفي هذا الوقت قدمت فاخرة بنت نور الدولة بن مَزْيَد بغداد، فطرحَتْ نفسَها في دار الخلافة مستجيرةً من مسلم بن قريش، فإنه كان قبض على أخيه إبراهيم زوجِها، فبعث الخليفة إليه رسولًا في معناه، فقال: هذا الغلام سعى في دمي، وفعل ما يقتضي الاستظهار عليه، وأنا نازلٌ إلى الباب العزيز، وذاكرٌ أفعاله معي، فإذا أمرتَ بعد ذلك بأمر امتثلته. وخرجت فاخِرةُ (٣) إلى نور الدولة أبيها، ومطر العراق مطرًا فيه برَدٌ وبندقُ طين، مثلُ بيض العصفور، له رائحة طيبة.
وفي شعبان أخذ أصحاب السلطان الأنبار من مسلم بن قريش؛ لأنَّ السلطان تنكَّر له وأخذ منه حربى فأعطاها لخاتون زوجة الخليفة، وكتب بإدخال اليد في هِيت وعانة والسن والبَوازيج (٤) وأعمال الموصل ممَّا كان في يد مسلم، وأن يبقى في يده ما كان في زمن أبيه أيام ركن الدين طُغْرُلبَك.
وفيها عقد للأمير عدة الدين على ابنة السلطان ألب أرسلان بنيسابور، وجلس السلطان على سرير الملك ونظام الملك بين يديه قائم، وحضر عميد الدولة وكيلًا عن عُدَّةِ الدين، ووضع له كرسيَّ فضة فجلس عليه، وحضر الملوك والأمراء والرسل على
стр. 9160
اختلاف طبقاتهم، وكان نظام الملك وكيلًا عن السلطان، وقال السلطان للقُضاة والعدول: اشهدوا أني قد وكلت الحسن الطوسي في هذه الوصلة. وقال عميد الدولة: وأعلموني بذلك. فقلت: الآن قد قبلتُ هذا النِّكَاح، ورضيتُ به عن الأمير عدة الدين موكِّلي، لمَّا تواصلت رغبات (١) السلطان إلى أمير المؤمنين في هذا الأمر، فرأى أن يُشَرِّفَه بإيصال حبل النبوة بحبله، وأخذ السلطان من جانبه طبقًا فيه حبٌّ منظوم، ومن جانبه الآخر كذلك، فنثرهما على الناس، ثم أخرج من بَنْد قَبائه ثلاث سبانج (٢) فيها جواهر، فرمى بها إلى عميد الدولة، وقال: هذه برسمك لمَّا لم يمدَّ يدَه إلى الحب، فأقام عميد الملك فقبله وقال: قد قبلتُه، وأُحبُّ أن أُضيفه إلى هذا النثار فنثر. فقال عميد الدولة: وقُمْنا ويدي في يد نظام الملك، فلمَّا بَعُدْنا عن عين السلطان قبَّل رأسي وقال: لو جاز أن تستحي يومًا من الأيام لاستحييتَ مني اليوم يا هذا، ألم أسألك أن تتحمل وتجعل الرغبة منك إلى السلطان في ابنته فلم تقبل؟ وكان قد قرَّر معي هذا فقلت: أنت الَّذي رغبت وطلبت. قال: ثم أحضرني السلطان وهو في حجرة وحده، ودخل معي نظام الملك، وإذا بين يديه أطباق ذهب فيها سُكَّر، وعلى كلِّ طبق قرطاس كبير فيه جوهر -على عادتهم- ودنانير، وقال: احملوها معه، فما أمكن مخالفته. فلمَّا خرجتُ وقفتُ على باب الحجرة فرَّقتُها على الحاضرين، ونثرتُ من عندي ذهبًا وثيابًا تبلغ قيمتُه ألف دينار وسبع مئة دينار.
وفي هذا الوقت عاد التركمان الناوكية من الرملة إلى دمشق وحصروها، وأخربوا الضياع، وكان بها ابن منزو الكتامي ضامنُها، فصالحهم على خمسين ألف دينار، وأعطاهم ثلاثة وعشرين ألفًا، وسلَّم أخاه رهينةً على باقيها، ورحلوا إلى عكا، فنهبت التركمان وبها بدر الجمالي، فحصروه، وكان متقدِّمُهم يقال له: قزلي، فسكن إليه جماعةٌ من بني كلب وأمرائهم من بني القرمطي، وخالطوه وقاربوه، واتفق أن قزلي مات على حصار عكا، فنهبت التركمان مَنْ قرُبَ منهم من العرب، وأجفل الباقون، وسار قريب لقزلي من الرملة إلى عكا وحصرها، وأخرب سوادَها وسوادَ صور
стр. 9161
وغيرها، وكان بدر الجمالي تأتيه الميرة في المراكب في البحر، فما كان يبالي في الحصار، فلمَّا يئسوا منه ساروا إلى مصر، ووصلوا بِلْبيس، وشنُّوا الغارات على أعمال مصر، فلم يجدوا ما يأكلون ولا ما تأكل خيلُهم، فعادوا. وقيل: إن جماعة منهم وصلوا إلى وادي القرى وتيماء، ووصل منهم سبعة عشر غلامًا إلى المدينة، وزاروا (١) قبرَ النبي ﷺ .
وفي ذي الحجة ورد رجلٌ من مصر ذُكِرَ أنَّه خرج منها في شعبان، وصاحبُها قد قبع بالقاهرة ومعه يلدكور في نحو خمس مئة غلام من المشارقة، وألفي رجل من السودان، وهو منهمك على الشرب، فإذا قيل له: ذهبت البلاد والدولة والأموال، يقول: أمسِكوا عن هذا، فإن عندي كتب ملاحم بجميع ما يجري، وإنَّ كلَّ ما خرج عن يدي يرجع إليها.
وقصد ابنُ حمدان مصر، واستقرَّ أن يكون هو الناظر في البلاد من غير تعرُّض للدولة ولا معارضة، فأقام أيامًا على ذلك، ثم ارتاب بأسد الدولة يلدكور وحذَّره، فخرج من القاهرة كالمُجفل، ومضى عسكرُه إلى مصر فنهبوها.
وفيها بعث الخليفةُ أبا طالب الحسن بن محمد أخا طرَّاد الزينبي إلى محمد بن أبي هاشم أمير مكة بمال وخِلَع، وقال له: غَيِّر في الأذان "حيَّ على خير العمل" فامتنع، فناظره مناظرة طويلة، فقال له ابن أبي هاشم: قد أذَّن [عليٌّ] أميرُ المؤمنين بهذا؟ فقال أخو النقيب: ما صحَّ عنه، وإنما عبد الله بن عمر بن الخطاب رُويَ عنه أنَّه أذَّن به في بعض أسفاره، وما أنت وابن عمر، فأُسقِطَ من الأذان.
وفيها تُوفِّي
سعيد بن نصر الدولة
ابن مروان، كان بآمِد، ولمَّا اجتاز نظام الملك بها خرج إليه فقيَّده وبعث به إلى الهياج، وكان أخوه نظام الملك قد أعطى نظام الدين (٢) مالًا حتَّى نصره عليه، فكتب سعيد إلى أخيه يستعطفه ويرقِّقه ويحلف له، فاستدعاه إلى ميَّافارقين، وأحسنَ إليه
стр. 9162
وأطلقه، وكان ينادمه ويشربان وينامان (١)، فجاء خادم له في بعض الليالي فقال: قد أمكنتكَ الفرصةُ من أخيك نظام الدين، هو نائمٌ سكران، قُمْ فاقْتُلْه، وخُذِ البلاد، واسم الخادم فرُّوخ، فقال له: ويلكَ يكون أخي ابن عجب، وأنا ابن الفضلونية [وأغدر به، لا واللهِ لا كان ذلك أبدًا، والفضلونية] (٢) بنت فضلون بن منوجهر صاحب أرَّان وأرمينية، وعجب جارية، ثم انتبه نظام الدين وتحادثا، وأقطعه آمِد، فأُخرجَ وأقام بها، وندم نظام الدين على تسليم آمِد إليه، فاستدعى جاريةً وواعدها على قتله لِما يُذكر إن شاء الله تعالى.
وذُكِرَ في "تاريخ ميَّافارقين" أن السلطان لمَّا اجتاز بديار بكر يريد منازكَرد لقتال ملك الروم خرج إليه أبو الحسن سعيد بن مروان وخدمه، وكان مستوحشًا من أخيه نظام الدين، فلمَّا وصل السلطان إلى ميَّافارقين خاف منه نظام الدين، فدخل إليه نظام الملك إلى القصر، فسأله عن أخيه سعيد، فاخبره أنَّه قد التجأ إلى السلطان، وفي نفس السلطان أن ينصره، وقدَّم لنظام الملك من الجواهر والأموال والتُّحف شيئًا كثيرًا، وخرج أخواتُ نظام الدين وبناتُه وزوجتُه، فمسكوا بذيل نظام الملك وقالوا: قد استجرنا بالله وبك. فقال: واللهِ لأُخرجَنَّه من عندكم أميرًا، ولأُعيدنَّه سلطانًا. ثم خرج نظام الدين مع نظام الملك إلى السلطان، وقدَّم له من الأموال والجواهر ما ملأ عينه، فقال له نظام الملك: إن الحريم قد تمسكن بي في عوده إليهم كما تريد، فقال السلطان: قد حلفتُ لأخيه سعيد، فقال: دعني وإيَّاه. وركب السلطان إلى الصيد، وبعث نظام الملك إلى سعيد فقيَّده وحمله على بغل إلى الهياج، فاعتقل فيه، وعاد السلطان من الصيد، فخلع على نظام الدين خلع السلطنة، وردَّه إلى ميَّافارقين، وقال له نظام الملك: ضمنتُ لأهلك أني أُعيدك إليهم سلطانًا، وما لنا غير سلطان واحد، ولكن أنت سلطان الأمراء. ولقَّبه بذلك، وعاد إلى ميَّافارقين، ومضى السلطان، وطالت مدة سعيد في الحبس، فكتب إلى أخيه نظام الدين يستعطفه، فأطلقه كما
стр. 9163
ذكرنا، وأعطاه آمِد، ثم ندم، فاستدعى جاريةً حسناء ودفع إليها منديلًا وقال: إذا كان أخي معك في ذلك الوقت فادفعي إليه هذا المنديل، ووعدها أن يتزوجها، وبعث بها إلى سعيد، فشغف بها شغفًا عظيمًا، فلمَّا كان معها في بعض الليالي ناولَتْه المنديل، فمسح به مذاكيره، فسقطت ومات، وعادت آمِدُ إلى نظام الدين، ولم يبقَ له منازع، وحصل أخوتُه وبنو عمه تحت حكمه.
عبد الله بن محمد
ابن عثمان بن الحسين بن قندس، أبو طالب، القاضي، أمين الدولة، الحاكم على طرابلس والمتولِّي عليها، كان عظيمَ الصدقة، كثيرَ المراعاة للعلويين، تفرَّد بذلك في زمانه، ولم يُدانيه أحدٌ من أقرانه، توفي في النصف من رجب، وتولَّى مكانه أبو الحسن بن أحمد الملقب بجلال الملك، ورمَّ البلد أحسن رَمّ.
وبلغه عن قوم من العلويين وابن الماسكي أحد وزراء المصريين، وكان قد هرب إلى طرابلس [أنهم] (١) قد حالفوا أبا الفتح عمَّه عليه، فنفاهم ونفى عمه، وقد مدحه أبو الفتيان القاضي بن عثمان، ورثاه وعزَّى جلال الملك فقال: [من الكامل]
ذُدْ بالعَزاءِ الهَمَّ في طَلِباتِهِ … لا تُسخِطَنَّ اللهَ في مَرضاتِهِ
لكَ مِن سَدادِكَ مُخبِرٌ بَلْ مُذكِرٌ … أَنَّ الزَّمانَ جَرى على عاداتِهِ
صَدَعَ القُلوبَ بما أتى مُستَيقنًا … أن لا يُذَمَّ وَأنتَ مِنْ حَسَناتِهِ
فَبَكاهُ ثَغرٌ كانَ عِصمَةَ أهلِهِ … ومَعاذَ قاصِدِهِ وعزَّ وُلاتِهِ
أَجناهُ رَبُّ العَرشِ غَرسَ فَعالِهِ … وقضى لهُ بالخُلدِ في جَنَّاتِهِ
صبرًا جلال الملكِ تحمَدُ غِبَّ ما … خُوِّلتَهُ فالصبرُ من آلاتِهِ
لا تُشعِرَنَّ الدهرَ أنَّكَ جازعٌ … من فِعلِهِ فيَلَجَّ في غَدراتِهِ
فلأنتَ مَجدُ مُلوكِ دهرِكَ فَليَعُدْ … عن قولِهِ من قال مَجدُ قضاتِهِ
ولقَد عَلِمنا أنَّ بَينَكُمُ الَّذي … لا تَرحَلُ العَلياءُ عن حُجُراتِهِ
стр. 9164
وافاكَ مِنّي ذا الكلامُ مُعَزِّيًا … بل راغبًا في الصَّفحِ عن زلَّاتِهِ
قولٌ أتى عن عِلَّةٍ وفجيعةٍ … فاقبَلْهُ مستورًا على عِلَّاتِهِ
من أبيات
وكان أمين الدولة سخيًّا، شجاعًا، [حكيمًا] (١) حليمًا.
عَتيق بن علي بن داود (٢)
أبو بكر، الصِّقِلِّي، الزاهد، صنَّف كتابًا في الزهد سمَّاه "دليل القاصدين" في اثني عشر مجلدًا، وكان سيدًا فاضلًا ثقة.
محمد بن أحمد (٣)
ابن محمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله، أبو الحسين، الهاشمي، خطيب جامع المنصور ببغداد، ولد سنة أربع وثمانين وثلاث مئة، وقرأ القرآن، وسمع الحديث الكثير، وشهد عند القضاة فقبلوا شهادته، وكان يلبس القلانس الطِّوال، وتسمى الدنيات، وتُوفِّي يوم الثلاثاء رابع عشر جمادى الأولى، وصلَّى عليه النقيب أبو الفوارس في جامع المنصور، ودُفِنَ قريبًا من بشر الحافي، وكان صالحًا صدوقًا ثقةً.
السنة الخامسة والستون وأربع مئة
في المُحرَّم قتلَ مسلم بن قريش أبا جابر بن صقلاب كاتِبَه خنقًا بين يديه وشروين الحاجب، ورمى بهما في بئر، وكان قد اطَّلع لهما على مكاتبات إلى السلطان في حقِّه، وأنه يقبض عليه، ويقيم شروين وشحنة من أصحاب السلطان مقامه؛ وأنه يجمع المال، ويطرد العرب عن العراق.
стр. 9165
وقيل: إنما كتب إلى السلطان بجهل مسلم وحُمقه، وفساد عقله، وسوء تدبيره، وإيحاشه العشيرة والحواشي وإبعادهم، ولمَّا قبض مسلم على أخيه إبراهيم واعتقله في قلعة سنجار، وأراد التوجُّه إلى باب السلطان، استحضر المستحفظ بإبراهيم ووصَّاه، فترك ابنُ صقلاب يدَه على فَخذِ مسلم، وقال للمستحفظ: إن جاءك رأس هذا الأمير فلا تُفرِجْ عن إبراهيم حتَّى تراني. ولمَّا انقضى المجلس دخل المستحفظ على مسلم وقال: أيها الأمير، قد سمعتَ ما قال فلان، فأيُّ شيءٍ ترسم أنت؟ فقال: هذا رجل أحمق جاهل لا تلتفِتْ إلى قوله، واحفظ إبراهيم إلى أن أعود من خراسان، فإن هلكتُ أو اعتُقِلتُ فالأمير بعدي إبراهيم، وأطلِقْه ولا تنتظِرْ به شيئًا.
وفيها كانت تَوبَةُ أبي الوفاء بن عقيل، وكان قد قرأ على ابن الفراء وبرع، وكان فيه ذكاء وحِدَّة وجرأة، فقصد ابن الوليد المعتزلي سرًّا، وقرأ عليه الكلام ومذهب الاعتزال ومذهب الأوائل، واعتلَّ، فأودع كتبه وقال: إن أنا مِتُّ فأحرِقوها بعدي. فوقف المُودع فرأى فيها تعظيمَ المعتزلة والترحُّم على الحلَّاج، وأشياءَ تخالف الدين، وأنه يجوز أن يكون لله ولد على وجه التحنُّن والتعطُّف والشفقة والتربية، وما أشبه ذلك، فحمل الكتب إلى ابن أبي موسى إمام الحنابلة، فطلبوه ليقتلوه، فهرب إلى الحريم الخليفتي، وشرع في استِسْلالِ سخامْ الحنابلة، فاستتبَّ له ذلك واستتيب، وأخذ خطُّه، وأشهد عليه، وأقرَّ في الديوان بما كتبه على نفسه، وانصلحت الحال، ولم يحضر ابنُ أبي موسى الديوان لأجل التكبُّر عليه للأمر الَّذي جرى منه لأجل المواخير، وانصرف ابنُ عقيل من الديوان إلى ابن أبي موسى بدرب الدوابِّ فصالحه، وتقدَّم ابنُ أبي موسى إلى معالي الَّذي أودعه ابنُ عقيل كُتبَه بأن يُسلِّمها إليه، فسلَّمها إليه، فغسلها، وقيل: إنه لم يغسلها، وطهرت بعد موته، وكان الوزير ابنُ جَهير يتعصَّب له، ولولا ذلك لقُتِل، ونسخة ما كتب به خطه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يقول علي بن عقيل بن محمد: إنَّني أبرأُ إلى الله من مذهب المبتدعة للاعتزال وغيره، ومن صحبة أربابه وتعظيم أصحابه، والترحُّم على أسلافهم، والتكثُّر بأخلاقهم، وما كُتِبَ علَّقتُه ووُجد بخطي من مذاهبهم وضلالاتهم،
стр. 9166
فأنا بريءٌ منه، تائبٌ إلى الله تعالى ممَّا كتبتُه، وإنَّه لا يحِلُّ كتابتُه، ولا قراءتُه، ولا اعتقادُه، وإنني علقتُ مسألة الليل في جملة ذلك، وإن قومًا قالوا: هو أجسام سود، وقلت: الصحائح ما سمعته من الشيخ أبي علي -يعني ابن الوليد- وأنه قال: هو عدم، ولا يُسمَّى جسمًا ولا شيئًا أصلًا، واعتقدتُ أنا ذلك، وأنا تائبٌ إلى الله تعالى منه، واعتقدتُ في الحلَّاج أنَّه من أهل الدين والزهد والكرامات، وصنَّفتُ في ذلك جزءًا نصرتُه فيه، وأنا تائبٌ إلى الله منه، وأنه قُتِلَ بإجماع فقهاء عصره، وأصابوا في ذلك، وأخطأ هو، ومع ذلك فإنني أستغفر الله تعالى منه وأتوب إليه من مخالطة المبتدعة ومكاثرتهم والتعظيم لهم؛ فإن ذلك كُلَّه حرام، ولا يحِلُّ لمسلم فِعْلُه؛ لقول النبي ﷺ : "مَنْ عظَّم صاحبَ بدعةٍ فقد أعان على هدمِ الإسلام" (١).
وقد كان الشريف أبو جعفر ومن معه من الشيوخ والأتباع سادتي وإخواني -حرسهم الله تعالى- مصيبين في الإنكار عليَّ لما شاهدوه في الكتب التي أبرأُ إلى الله منها وهي بخطي، وإنَّني مخطئٌ غيرُ مصيب، ومتى حفظ علي ما ينافي هذا الخط وهذا الإقرار فلإمام المسلمين مكافأتي على ذلك بما يوجبه الشرع من ردعٍ ونكالٍ وإبعادٍ وغيرِ ذلك، وأشهدتُ اللهَ تعالى وملائكته وأولو العلم على ذلك، غير مُجْبَر ولا مُكْرَه، وباطني وظاهري في ذلك سواء، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥] وكتب في يوم الأربعاء عاشر المُحرَّم سنة خمس وستين وأربع مئة (٢).
وفيها قُتِلَ السلطان ألب أرسلان، وأُقيم ولدُه ملك شاه مَقامَه، وكانت وفاته في ربيع الأول، واشتغل ولده بما طرأ عليه من الحوادث، فلما كان يوم الخميس ثامن رجب وردت كتبه إلى الخليفة في إقامة الخطبة له، فأُقيمت على المنابر.
وفي سلخ رجب خرجت خاتون زوجة الخليفة إلى الري، وشيَّعها عميد الدولة ابن الوزير والخدم إلى النهروان.
стр. 9167
وفي شعبان ورد كتاب [نظام الملك إلى الوزير ابن جَهير بوقعةٍ كانت بين] (١) السلطان ملك شاه وعمه أبي الحارث قاروت بك بأعمال هَمَذان يوم الأربعاء سادس شعبان، وأُسِرَ قاروت بك وأولادُه سلطان شاه وغيرهُ.
ذكر السبب:
لمَّا توفي السلطان كان أخوه قاروت بك بكرمان سار إليها من عمان، فحمل على نفسه وخاطر بها، وركب في البحر في الشتاء، وخاف [من أن يسبقه إلى الري] وظَنَّ أنَّ العسكر تستأمن إليه، وعزم على نزوله على التركمان، وكانوا بين الري وهَمَذان، وكان معه عسكر يسير ألفا فارس وأربعة آلاف راجل، وبلغ السلطان ونظام الملك فأخذا من قلعة الري خمس مئة ألف دينار وخمسة آلاف ثوب وسلاحًا، وخرجا من الري، فسبقاه إلى التركمان، وفرَّقا الأموال فيهم، ووصل قاروت بك بعدها بيومين، وقد فاته ما حسبه في التركمان، وكان مع ملك شاه عسكر كبير من التركمان والعرب والأكراد والغلمان، واقتتلوا، فحمل قاروت بك على الميمنة فطحنها، واستأمن أكثرُ أهلها إليه، ثم حمل على المسيرة فكسرها والسلطان والنظام في القلب، فحملا عليه، فاندقَّ هاربًا، وأسر سلطان شاه إسحاق وأخويه وأولاد قاروت بك، فلمَّا كان من الغد جاء سواديٌّ فقال للسلطان: عمُّكَ في القرية الفلانية مع ولدٍ له، فابعث معي من يأخذه. فسار السلطان بنفسه، وقدَّم بين يديه جماعةً من خواضه، فأخذه ساوتكين، وحُمِلَ إلى خيمة وقُيِّد.
وقيل: إنهم لمَّا جاؤوا به ركب السلطان ووقف، وجيء به إليه ماشيًا، فأومأ إلى الأرض، وقبَّل يد السلطان، فقال له: يا عم، كيف أنتَ من بَغْيِك؟! أما تستحي من هذا الفعل؟ أنت ما قعدت لأخيك في عزاء، ولم تنفذ إلى قبره ثوبًا تطرحه عليه، والغرباء قد حزنوا عليه، وأنت أخوه اطَّرحتَ وصيتَه، وأظهرتَ الشماتةَ [به]، والسرورَ بموته، لكن لقَّاكَ اللهُ سوءَ فعلك. فقال: واللهِ ما أردتُ قصدَك، ولكنَ عسكرك (٢) كاتبوني ليلًا ونهارًا بالتعجيل، فجئتُ لأمرٍ قضاهُ الله تعالى وأرادهُ فيَّ.
стр. 9168
وحُمِلَ إلى هَمَذان مُقيَّدًا؛ خوفًا لا يتمُّ في العسكر بسببه أمر، فلمَّا كان يوم الأربعاء ثالث شعبان قُتِلَ، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
ثم إن العسكر بسطوا ألسنتهم في نظام الملك، ومدُّوا أيديهم إلى الأعمال، فقال للسلطان: قد فسد الأمر، فإمَّا [أن] تُدبِّره أنت أو أنا. فقال: لا، بل أنت من غير أن أعترض (١) عليك. وحلف له، وخلع عليه خِلَع الملك، وأعطاه الخيل بمراكب الذهب، ودَواةً فيها ألف دينار، وعلمًا على رأسه طلعةٌ فيها ألف دينار، ووقع له ببلدة طوس، ولقَّبه أتابك، ومعناه: الأمير الوالد، فشرع في تقرر الأمور، وظهر منه من الشجاعة والشهامة والصبر والمداراة والاحتمال ما لم يظنَّ به، حتَّى إنَّ المرأةَ الضعيفةَ كانت تقف له فيقف لها ويخاطبها، وجاءت امرأةٌ يومًا إلى حاجب له برقعة فلم يرفعها إليه، فقال له: إنما استخدمتُكَ لأجل الشيخ الضعيف، والمرأة الضعيفة اللَّذين لم يصِلا إليَّ، فإذا كنتَ لا توصلُ إليَّ أمرَهما فلا حاجة لي إليك.
وكان إذا خرج العسكر نادى مناديه: من أخذ علاقةَ تبنٍ أو بيضةً بغير ثمنها كان دمُه في مقابلها.
وفي يوم الجمعة مستهلَّ شعبان قتل أسدُ الدولة يلدِكز ناصرُ الدولة ابنَ حمدان وأخوتَه؛ فخر العرب، وتاج المعالي، ومحمود بن ذبيان أمير بني سِنْبس، والأمير شاور ابن أخي ابن المدبر كاتب ابن حمدان، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
وفي شعبان خلع السلطان على نظام الملك فَرَجيةً طميم، وعمامة بُنية مُذْهَبة، وأعطاه علمًا، ودَواةً، وعشرين ألف دينار، ومئةَ ثوب ديباج أطلس، وخيمةً كبيرةً، وقلعة من قلاع خراسان مضافًا إلى طوس.
وفيها تُوفِّي
أحمد بن الحسن
ابن عبد الودود بن المهتدي بالله، سمع الحديث، وكان فاضلًا صدوقًا ثقة، تُوفِّي ببغداد يوم الأربعاء رابع عشر شوال (٢).
стр. 9169
[وفيها توفِّي
الحسن بن الحسين بن حمدان (١)
أبو محمد، الثعالبي، الأمير، ناصر الدولة، ذو المجدين، قد ذُكِرَ تنقُّلُ الزمانِ به، وآل أمره إلى أن اتفق مع يلدِكز التركي، وزوَّجَه يلدِكْز ابنته، ولقَّبَ ابنُ حمدان نفسَه سلطان الجيوش، واتَّفقا اتفاقًا كليًّا، وتحالفا، وأمِنَ أحدُهما إلى الآخر، ودخل ناصر الدولة إلى مصر، وكانا يتزاوران، فاتَّفق أنَّ ابنَ حمدان خرج يومًا إلى أعمال مصر على طمأنينة مرتبًا للمراكب والعساكر، فركب يلدِكْز يوم الجمعة مُستهلَّ رمضان في خمسين فارسًا، وكان له غلام يقال له: أبو منصور كُمْشتِكين، ويلقب حسام الدولة، وكان يثِقُ به، فقال له: أريد أن أُطلعك على أمر لم أرَ له أهلًا غيرك. قال: وما هو؟ قال: قد علمتَ ما فعل ابنُ حمدان بالمسلمين من سفك الدماء والغلاء والجلاء، وقد عزمتُ على قتله، فهل فيك موافقة ومشاركة وأريح الإسلام منه؟ فقال: نعم، ولكن أخاف أن يفلت فتتبرَّأ مني. قال: لا. وقصدوا ابنَ حمدان قبل أن يلحقه أصحابه، واستأذنوا عليه فأذِنَ لهم، فدخلوا والفرَّاشون ينفضون البسط ليقعد عليها وهو يتمشَّى في صحن الدار، ومشى يلدكز معه، ثم تأخَّر عنه وضربه بيافروت (٢) كان معه في خاصرته، وضربه كُمُشْتِكين فقطع رجليه، فصاح: فعلتموها. فحزُّوا رأسَه، وكان محمود بن ذبيان أمير بني سِنْبِس في خزانة الشراب، فدخلوا فقتلوه، ثم خرجوا (٣) إلى دار فيها فخر العرب بن حمدان قد شرب دواءً وعنده الأمير شاور، فقتلوهما وخرجوا إلى خيمة تاج المعالي بن حمدان أخي ناصر الدولة، وكان على عزم المسير إلى الصعيد، فهرب إلى خراب مقارب بخيمته فكمَن فيه، فرآه بعض العبيد فأعطاه معضدة فيها مئة دينار، وقال: اكتم عليَّ، فأخذها وجاء إلى يلدكْز فنَمَّ عليه، فدخل فقتله، وانهزم ابنُ أخي [ابن] (٤) المدبر في زي المكديين، فأخذ وكان قد تزوَّج إحدى بنات
стр. 9170
نزار ولد صاحب مصر، فقطع ذكره وتركه في فمه، ثم قتل وقطَّع ابنَ حمدان قِطَعًا، وأنفذ كلَّ قطعة إلى بلد من بلاد الشام وغيرها، وجاؤوا إلى القصر ومعهم الرؤوس، وراسلوا الخليفة، وقالوا: قد قتلنا عدوَّك وعدوَّنا، من أخرب البلاد، وقتل العباد، وهدم مجدك، ونريد الأموال. فقال: أما المال فما ترك ابنُ حمدان عندي مالًا، وأما ابنُ حمدان فما كان عدوِّي، وإنما كانت الشحناء بينك وبينه يا يلدكز، فملكت الدنيا بينكما، وإني ما اخترتُ ما فعلته من قتله ولا رضيتُه، وستعلم غِبَّ الغدر ونقض العهد.
ثم آل الأمر إلى أن باع المستنصر قطع مرجان وعروضًا، وحمل إليهم مالًا، ولم ينتطِحْ في ذلك غزالان (١)، وزالت أيامُ ابن حمدان، وانقضَتْ كان لم تكن، وكان جوادًا ممدَّحًا، مدحه أبو الفتيان محمد بن حيُّوس بقصائد منها: [من الكامل]
محضُ الإباء وسؤددُ الآباءِ … جَعَلاكَ منفردًا عن الأكفاءِ
ولقد جمعتَ حميةً وتقيةً … ثَنَتا إليكَ عِنانَ كلِّ ثناءِ
الدهرُ في أيام عزِّكَ لا انقضَتْ … متعوِّذٌ (٢) من ظلمةٍ بضياءِ
حُطْتَ الرعيةَ بالرعايةِ رأفةً … فاضَتْ على القُرباءِ والبُعداءِ
وشَمَلْتَها بالعدلِ إحسانًا بها … فجزاكَ عنها اللهُ خيرَ جزاءِ
وإذا مَرَرْتَ على مكانٍ مُجدبٍ … نابَتْ يداك لهُ عنِ الأنواءِ
كَم أزمَةٍ سوداءَ عزَّتْ إذ عَرَتْ … جَلَّيتَها بِنَدى يدٍ بيضاءِ
وكتيبةٍ شَهباءَ مِن ماذِيِّها … لاقيتَها بمَنيَّةٍ دَهماءِ
تلقى الفوارسُ مِنكَ في رَهجِ الوغى … زيدَ الفوارِسِ أو أبا الصهباءِ
إن الأئمَّةَ باصطفائِكَ أُيِّدوا … بموائدِ الراياتِ والآراءِ
وَجَدوكَ في حفظِ التُّراث وَجمعهِ … أقوى الحُماةِ وأوثَقَ الأُمَناءِ
ما زلتَ إذ علَّوا مَكانَكَ مازِجًا … صِدقَ الولاءِ لَهُم بِحُسنِ وَفاءِ
لو كُنتَ قِدْمًا سيفَهم لم يَسْتَثِرْ … أبناءُ هندٍ من بني الزَّهراءِ
أو كنتَ ناصِرَ حَقِّهم فيما مضى … ما حازَهُ ظُلمًا بنو الطُّلقاءِ
стр. 9171
ولآل حمدانَ الفخارُ بأسرِهِ … وأجلُّهُ لبني أبي الهيجاءِ
الفائضينَ على العُفاةِ نوالهُمْ … والناهضينَ بناهضِ الأعباءِ
وعَلَوتُمُ حتَّى لَقال عدوُّكمْ … أَمُلوكُ أرضٍ أم نجومُ سماءِ
فلتفتخِرْ بكمُ ربيعةُ بل بنو … عدنانَ طُرًّا بل بنو حوَّاءِ
إنَّ المحامدَ في المحافلِ رتبةٌ … ما حُرِّمَتْ إلَّا على البخلاءِ
فتمَلَّ من وشيِ القريضِ مَلابِسًا … طرَّزتَها بجلالةٍ وعلاءِ
لو كان للعربِ القديمةِ مثلُها … لم تحمدِ المصنوعَ في صنعاءِ
إنِّي عقلتُ ركائبي ووسائلي … في حضرةٍ مسكونةِ الأفناءِ
مأهولةِ الأرجاءِ بالنِّعَمِ التي … ما كُدِّرَت بالمنِّ والإرجاءِ
شُفِعَتْ مواهبُها الجِسامُ بعزَّةٍ … كَفَلَت بإعدائي على أعدائي
عبد الصمد بن علي (١)
ابن محمد [بن الحسن بن] (٢) الفضل بن المأمون، أبو الغنائم، الهاشمي، وُلِدَ ببغداد في جمادى الأولى سنة أربع وسبعين وثلاث مئة، وتُوفي في سابع عشر شوال، ودُفن بباب حرب، وكان صالحًا ثقة.
عبد الكريم بن هَوازِن (٣)
ابن عبد الملك بن طلحة بن محمد، أبو القاسم، القُشيري، وأمه سُلَمية، ولد سنة ست وسبعين وثلاث مئة في ربيع الأول، ومات أبوه وهو طفل، فنشأ وقرأ الأدب والعربية، وكان يميل على أبناء الدنيا، فدخل على أبي علي الدقاق، فأعجبه حالُه، فصحبه، فجذبه عن ذلك، وتفقَّه على بكر بن محمد الطُّوسي، وأخذ علم الكلام عن ابن فُورك، وصنف "التفسير الكبير" و"الرسالة"، وكان يحبُّ الصوفية وأهل الدين
стр. 9172
والطريقة، عظيمًا عند أهل نيسابور، يعِظُ ويتكلَّم بكلام الصوفية، وخرج إلى الحج، وقدم بغداد، وكانت وفاته في رجب -وقيل: في ربيع الآخر- بنيسابور، ودُفن بالمدرسة إلى جانب شيخه أبي علي الدقاق، وصلَّى عليه أكبر أولاده عبد الله، ولم يقرب أحد من أولادِه وأهلِه الزاويةَ التي كان يجلس عليها ويصنِّف ويتعبَّد بعد موته؛ احترامًا وتعظيمًا له، وكان قد أهدى له بعضُ أصحابه فرسًا فركبه عشرين سنة لم يركب غيره، فلمَّا مات أقام الفرسُ أسبوعًا لا يأكل ولا يشرب حتَّى مات، فكان بينه وبين وفاته ستة أيام، ومن شعره: [من البسيط]
الدهرُ ساومني عمري فقلتُ لهُ … لا يعب عمري بالدنيا وما فيها
ثم اشتراه تفاريقًا بلا ثمنٍ … تَبَّتْ يدا صفقةٍ قد خاب شاريها
وكان ثقةً، حسنَ الوعظ، مليحَ الإشارة، يعرف الأصولَ على مذهب الأشعري، والفروعَ على مذهب الشافعي ﵁.
ولمَّا قدم بغداد عقد مجلس التذكير، فروى عن النبي ﷺ : "السفر قطعة من العذاب" (١) الحديث. فقام إليه سائلٌ فقال: لِمَ سمَّاه النبيُّ ﷺ قطعةً من العذاب؟ فأجاب بديهًا: لأنه سببٌ لفراق الأحباب. فصاح الناس وماجوا، ولم يقدر على إتمام المجلس، فنزل.
وجلس بنيسابور ليلةَ نصف شعبان، فقرأ القارئ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] فقال: نعم، وعندنا مفاتح الغيب.
ومن شعره: [من البسيط]
قالوا تَهنَّ بيومِ العيدِ قلتُ لَهُمْ … لي كلَّ يومٍ بِلُقيا سيِّدي عيدُ
الوقتُ روحٌ وعيدٌ إن شهدْتُهُمُ … وإن فقدتُهُمُ نَوْحٌ وتعديدُ
وقال أيضًا: [من السريع]
إنْ نابَكَ الدهرُ بمكروهِهِ … فقُل بتهوينِ تخاويفِهِ
فعَنْ قريبٍ ينجلي غمُّهُ … وتنقضي كلُّ تصاريفِهِ
стр. 9173
وكان للقشيريِّ (١) من الولد: عبد الله، وعبد الواحد، وعبد الرحمن، وعبد الرحيم، وعبيد الله، وعبد المنعم، أثنى عليهم ابنُ السمعاني (٢)، ووصفهم بالعلم والحديث وصحبة المشايخ.
علي بن الحسين (٣)
ابن علي بن الفضل، أبو منصور، الكاتب، الشاعر، فمن شعره: [من المتقارب]
تُفيضُ نفوسٌ بأوصابِها … وتكتُمُ عُوَّادَها ما بها
[وما أنْصَفَتْ مهجةٌ تشتكي … هواها إلى غير أحبابِها] (٤)
وكم ناحلٍ بين تلك الخيا … م تحسِبُه بعضَ أطنابِها
وقال: [من الخفيف]
النَّجاءَ النَّجاءَ من أرضِ نجدِ … قبلَ أن يعلقَ الغرامُ بوجدِ
كم خليٍّ غدا إليها وأمسى … وهو يهوى بعلوةٍ وبهندِ
وقال: [من البسيط]
أُكلِّفُ القلبَ أن يهوى وأُلزِمُهُ … صبرًا وذلك جمعٌ بين أضدادِ
وأكتمُ الرَّكبَ أوطاري وأسألُهُ … حاجاتِ نفسي لقد أتعبتُ رُوَّادي
هل مدلجٌ عندهُ من مُبكرٍ خبرٌ … وكيفَ يعلمُ حال الرائحِ الغادي
فإن رويتُ أحاديثَ الذين مضَوا … فعن نسيمِ الصَّبا والبرقِ إسنادي
وقال أيضًا: [من البسيط]
إيهٍ أحاديثُ نعمانٍ وساكِنُهُ … إنَّ الحديثَ عن الأحبابِ أسمارُ
أُفتِّشُ الريحَ عنكمْ كُلَّما نفحَتْ … من نحو أرضكم نكباءُ معطارُ
وقال: [من الكامل]
стр. 9174
ما مرَّ ذو شجَنٍ يُكتِّمِهُ … إلَّا أقول متيَّمٌ مثلي
وعهودُهُم بالرَّملِ قد نُقضَتْ … وكذاك ما يُبنى على الرَّملِ
مَنْ يطَّلِعْ شرفًا فيُطلعُني … هل روَّحَ الرُّعيانُ بالإبلِ
أم قعقعت عَمَدُ الخيامِ أمِ ارْ … تَفَعَتْ قِبابُهمُ على البُزْلِ (١)
أم غرَّد الحادي بقافيةٍ … منها غرابُ البَينِ يستملي
وكانت وفاته في صفر، ركب دابته فتردَّى في بئر فمات هو والدابة، وكان عاقلًا ثقة.
قاروت بك بن داود
ابن ميكائيل أخو ألب أرسلان.
قد ذكرنا أخباره مفرَّقةً، فإن ملك شاه أسره وحمله إلى هَمَذان.
قال محمد بن الصابئ: لمَّا حُمِلَ إلى هَمَذان جُعِلَ في خركاه، ودخل عليه الحداد وهو يصلِّي، ففرغ من صلاته، ومدَّ رجليه، فقيَّده، فقال بعض الحاضرين: سبحان الله، لقد ملك هذا الرجل ملكًا عظيمًا؛ كرمان ثم عثمان ثم فارس، وكان يتمنَّى هلاكَ أخيه، ويتصوَّر ملك الدنيا بعدَه، وكان هلاكُه مقرونًا بهلاكه، وكذاك قُتُلْمِش مع عمه طُغْرُلْبَك فإنه كان ينظر في النجوم، ويُحقِّق القطع الَّذي مات عمُّه فيه في الوقت، وتصوَّر أنَّه يملك من بعدِه، فكان هلاكُه مقرونًا بهلاكه، وركب السلطان يوم الأربعاء ثالث شعبان إلى هَمَذان، وتقدَّم إلى سعد الدولة الكوهراني بالإشراف على قتله، وتولَّى خَنْقَه رجلٌ أعورُ أرمنيٌّ من أصاغر الحواشي بوتر القوس، بعد أن بذل التوبة من النظر في ملك، وتسليم أموالِه وبلادِه وقلاعِه، والرضا بالمقام في مسجد، والاعتقال والإبقاء على نفسه، ثم جمع ملك شاه أولاده وصهره ابن إبراهيم ينَّال، ثم كحلوا بين يدي ملك شاه، وقدم ولدُه سلطان شاه إسحاق أولًا وهو أكبرهم وأنجبُهم، وهو حين بَقَل وجهُه (٢)، فأخذ أخوتَه الصغار واحدًا واحدًا، وجعل يضمُّه إليه ويُقبِّله ويقول: هذا قضاءُ الله تعالى، فلا تجزعوا، فإنَّ الموتَ يأتي على جميع الناس. وكحل
стр. 9175
وكحلوا، وملك شاه حاضر، ومات منهم اثنان، وبقي سلطان شاه [وابن كازشاه] (١) ثم تتبع الباقين فكحلهم.
وقد ذُكِرَ في مقتله وجهٌ آخر: قيل: لمَّا عرف ملك شاه مكان عمه قاروت بك سار يطلبه، وبعث في طلبه مَنْ يحضره، فلمَّا لاح القوم نزل ملك شاه على تلٍّ واستدعى مَأكولًا، وأحضر مسلمَ بن قريش وابنَ مَزْيَد وابن وَرَّام وأكلوا، وركب ملك شاه، وجاؤوا بعمِّه فأُنزِلَ عن الفرس، وأُخذت قَلنسوة من رأسه، وقيل له: قَبِّلِ الأرض، فلم يفعل، وتقدَّم السلطانُ إليه وعانقه من ظهر الفرس، وقال له: يا عمّ، قد سِرْتَ من مكان بعيد، فاركَبْ وسِرْ معنا. وسار ملك شاه وسلَّمه إلى ساوتكين، وجاء به فأنزله في خيمته، وبعث قاروت بك إلى ملك شاه يقول: لا تقلع هذا البيت بقتلي، وتسمع من الكتاب في أمري. يعني نظام الملك، وافعل معي ما يليق بالأتراك، وأنا أُعطيك مثل ما خرج عن يدك منذ مات أبوك، وأنا أمضي إلى الشام أو الحجاز وأسلم إليك جميعَ بلادي. فلم يلتفِتْ، وحُمِلَ في الليل إلى هَمَذان يوم الخميس المذكور على حمل تبن، واعتُقِلَ في دار أبي هاشم الجعفري، وبعد أيام جاء ملك شاه إلى الدار فجلس وبعث إليه أحد القفجاقية -ويعرف ببغرسلان- فلمَّا رآه عرف ما جاء به، فسأله التوقُّف، ثم قام فصلَّى أربع ركعات، وتقدَّم إليه ليطرح وتر القوس في حلقه ويخنقه، فدافعه ساعةً، ثم قوي عليه فخنقه، وحُمِلَ في الليل فدُفن عند إبراهيم ينَال، وكحل أولاده -وكانوا خمسة- وكلُّ ذلك بتدبير نظام الملك وإشارته، ولمَّا علمتِ العساكرُ بذلك شغبوا ولعنوا نظام الملك في وجهه، ولعنوا ملك شاه، وانعزلوا عنه ناحيةً وقالوا: ما هكذا أوصى ألب أرسلان، وكان قد أوصى لقاروت بك بكرمان وفارس، وعيَّن له مالًا، وأن يُزوَّج بخاتون الشقيرية، وكان أكثر العساكر مائلًا إلى قاروت بك، ومدُّوا أيديهم إلى البلاد، ونزعوا الطاعة، وخاف ملك شاه فانعزل عنهم، فقال له نظام الملك: إمَّا أن تدبِّر الأحوال أنت أو أنا؟ فقال: بل أنت. فاستمالهم بالمال والإقطاع، فسكنوا وفي القلوب ما فيها.