← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 9171–9210 · переход к 9176.

стр. 9171

ولآل حمدانَ الفخارُ بأسرِهِ … وأجلُّهُ لبني أبي الهيجاءِ الفائضينَ على العُفاةِ نوالهُمْ … والناهضينَ بناهضِ الأعباءِ وعَلَوتُمُ حتَّى لَقال عدوُّكمْ … أَمُلوكُ أرضٍ أم نجومُ سماءِ فلتفتخِرْ بكمُ ربيعةُ بل بنو … عدنانَ طُرًّا بل بنو حوَّاءِ إنَّ المحامدَ في المحافلِ رتبةٌ … ما حُرِّمَتْ إلَّا على البخلاءِ فتمَلَّ من وشيِ القريضِ مَلابِسًا … طرَّزتَها بجلالةٍ وعلاءِ لو كان للعربِ القديمةِ مثلُها … لم تحمدِ المصنوعَ في صنعاءِ إنِّي عقلتُ ركائبي ووسائلي … في حضرةٍ مسكونةِ الأفناءِ مأهولةِ الأرجاءِ بالنِّعَمِ التي … ما كُدِّرَت بالمنِّ والإرجاءِ شُفِعَتْ مواهبُها الجِسامُ بعزَّةٍ … كَفَلَت بإعدائي على أعدائي عبد الصمد بن علي (١) ابن محمد [بن الحسن بن] (٢) الفضل بن المأمون، أبو الغنائم، الهاشمي، وُلِدَ ببغداد في جمادى الأولى سنة أربع وسبعين وثلاث مئة، وتُوفي في سابع عشر شوال، ودُفن بباب حرب، وكان صالحًا ثقة. عبد الكريم بن هَوازِن (٣) ابن عبد الملك بن طلحة بن محمد، أبو القاسم، القُشيري، وأمه سُلَمية، ولد سنة ست وسبعين وثلاث مئة في ربيع الأول، ومات أبوه وهو طفل، فنشأ وقرأ الأدب والعربية، وكان يميل على أبناء الدنيا، فدخل على أبي علي الدقاق، فأعجبه حالُه، فصحبه، فجذبه عن ذلك، وتفقَّه على بكر بن محمد الطُّوسي، وأخذ علم الكلام عن ابن فُورك، وصنف "التفسير الكبير" و"الرسالة"، وكان يحبُّ الصوفية وأهل الدين

стр. 9172

والطريقة، عظيمًا عند أهل نيسابور، يعِظُ ويتكلَّم بكلام الصوفية، وخرج إلى الحج، وقدم بغداد، وكانت وفاته في رجب -وقيل: في ربيع الآخر- بنيسابور، ودُفن بالمدرسة إلى جانب شيخه أبي علي الدقاق، وصلَّى عليه أكبر أولاده عبد الله، ولم يقرب أحد من أولادِه وأهلِه الزاويةَ التي كان يجلس عليها ويصنِّف ويتعبَّد بعد موته؛ احترامًا وتعظيمًا له، وكان قد أهدى له بعضُ أصحابه فرسًا فركبه عشرين سنة لم يركب غيره، فلمَّا مات أقام الفرسُ أسبوعًا لا يأكل ولا يشرب حتَّى مات، فكان بينه وبين وفاته ستة أيام، ومن شعره: [من البسيط] الدهرُ ساومني عمري فقلتُ لهُ … لا يعب عمري بالدنيا وما فيها ثم اشتراه تفاريقًا بلا ثمنٍ … تَبَّتْ يدا صفقةٍ قد خاب شاريها وكان ثقةً، حسنَ الوعظ، مليحَ الإشارة، يعرف الأصولَ على مذهب الأشعري، والفروعَ على مذهب الشافعي ﵁. ولمَّا قدم بغداد عقد مجلس التذكير، فروى عن النبي ﷺ : "السفر قطعة من العذاب" (١) الحديث. فقام إليه سائلٌ فقال: لِمَ سمَّاه النبيُّ ﷺ قطعةً من العذاب؟ فأجاب بديهًا: لأنه سببٌ لفراق الأحباب. فصاح الناس وماجوا، ولم يقدر على إتمام المجلس، فنزل. وجلس بنيسابور ليلةَ نصف شعبان، فقرأ القارئ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] فقال: نعم، وعندنا مفاتح الغيب. ومن شعره: [من البسيط] قالوا تَهنَّ بيومِ العيدِ قلتُ لَهُمْ … لي كلَّ يومٍ بِلُقيا سيِّدي عيدُ الوقتُ روحٌ وعيدٌ إن شهدْتُهُمُ … وإن فقدتُهُمُ نَوْحٌ وتعديدُ وقال أيضًا: [من السريع] إنْ نابَكَ الدهرُ بمكروهِهِ … فقُل بتهوينِ تخاويفِهِ فعَنْ قريبٍ ينجلي غمُّهُ … وتنقضي كلُّ تصاريفِهِ

стр. 9173

وكان للقشيريِّ (١) من الولد: عبد الله، وعبد الواحد، وعبد الرحمن، وعبد الرحيم، وعبيد الله، وعبد المنعم، أثنى عليهم ابنُ السمعاني (٢)، ووصفهم بالعلم والحديث وصحبة المشايخ. علي بن الحسين (٣) ابن علي بن الفضل، أبو منصور، الكاتب، الشاعر، فمن شعره: [من المتقارب] تُفيضُ نفوسٌ بأوصابِها … وتكتُمُ عُوَّادَها ما بها [وما أنْصَفَتْ مهجةٌ تشتكي … هواها إلى غير أحبابِها] (٤) وكم ناحلٍ بين تلك الخيا … م تحسِبُه بعضَ أطنابِها وقال: [من الخفيف] النَّجاءَ النَّجاءَ من أرضِ نجدِ … قبلَ أن يعلقَ الغرامُ بوجدِ كم خليٍّ غدا إليها وأمسى … وهو يهوى بعلوةٍ وبهندِ وقال: [من البسيط] أُكلِّفُ القلبَ أن يهوى وأُلزِمُهُ … صبرًا وذلك جمعٌ بين أضدادِ وأكتمُ الرَّكبَ أوطاري وأسألُهُ … حاجاتِ نفسي لقد أتعبتُ رُوَّادي هل مدلجٌ عندهُ من مُبكرٍ خبرٌ … وكيفَ يعلمُ حال الرائحِ الغادي فإن رويتُ أحاديثَ الذين مضَوا … فعن نسيمِ الصَّبا والبرقِ إسنادي وقال أيضًا: [من البسيط] إيهٍ أحاديثُ نعمانٍ وساكِنُهُ … إنَّ الحديثَ عن الأحبابِ أسمارُ أُفتِّشُ الريحَ عنكمْ كُلَّما نفحَتْ … من نحو أرضكم نكباءُ معطارُ وقال: [من الكامل]

стр. 9174

ما مرَّ ذو شجَنٍ يُكتِّمِهُ … إلَّا أقول متيَّمٌ مثلي وعهودُهُم بالرَّملِ قد نُقضَتْ … وكذاك ما يُبنى على الرَّملِ مَنْ يطَّلِعْ شرفًا فيُطلعُني … هل روَّحَ الرُّعيانُ بالإبلِ أم قعقعت عَمَدُ الخيامِ أمِ ارْ … تَفَعَتْ قِبابُهمُ على البُزْلِ (١) أم غرَّد الحادي بقافيةٍ … منها غرابُ البَينِ يستملي وكانت وفاته في صفر، ركب دابته فتردَّى في بئر فمات هو والدابة، وكان عاقلًا ثقة. قاروت بك بن داود ابن ميكائيل أخو ألب أرسلان. قد ذكرنا أخباره مفرَّقةً، فإن ملك شاه أسره وحمله إلى هَمَذان. قال محمد بن الصابئ: لمَّا حُمِلَ إلى هَمَذان جُعِلَ في خركاه، ودخل عليه الحداد وهو يصلِّي، ففرغ من صلاته، ومدَّ رجليه، فقيَّده، فقال بعض الحاضرين: سبحان الله، لقد ملك هذا الرجل ملكًا عظيمًا؛ كرمان ثم عثمان ثم فارس، وكان يتمنَّى هلاكَ أخيه، ويتصوَّر ملك الدنيا بعدَه، وكان هلاكُه مقرونًا بهلاكه، وكذاك قُتُلْمِش مع عمه طُغْرُلْبَك فإنه كان ينظر في النجوم، ويُحقِّق القطع الَّذي مات عمُّه فيه في الوقت، وتصوَّر أنَّه يملك من بعدِه، فكان هلاكُه مقرونًا بهلاكه، وركب السلطان يوم الأربعاء ثالث شعبان إلى هَمَذان، وتقدَّم إلى سعد الدولة الكوهراني بالإشراف على قتله، وتولَّى خَنْقَه رجلٌ أعورُ أرمنيٌّ من أصاغر الحواشي بوتر القوس، بعد أن بذل التوبة من النظر في ملك، وتسليم أموالِه وبلادِه وقلاعِه، والرضا بالمقام في مسجد، والاعتقال والإبقاء على نفسه، ثم جمع ملك شاه أولاده وصهره ابن إبراهيم ينَّال، ثم كحلوا بين يدي ملك شاه، وقدم ولدُه سلطان شاه إسحاق أولًا وهو أكبرهم وأنجبُهم، وهو حين بَقَل وجهُه (٢)، فأخذ أخوتَه الصغار واحدًا واحدًا، وجعل يضمُّه إليه ويُقبِّله ويقول: هذا قضاءُ الله تعالى، فلا تجزعوا، فإنَّ الموتَ يأتي على جميع الناس. وكحل

стр. 9175

وكحلوا، وملك شاه حاضر، ومات منهم اثنان، وبقي سلطان شاه [وابن كازشاه] (١) ثم تتبع الباقين فكحلهم. وقد ذُكِرَ في مقتله وجهٌ آخر: قيل: لمَّا عرف ملك شاه مكان عمه قاروت بك سار يطلبه، وبعث في طلبه مَنْ يحضره، فلمَّا لاح القوم نزل ملك شاه على تلٍّ واستدعى مَأكولًا، وأحضر مسلمَ بن قريش وابنَ مَزْيَد وابن وَرَّام وأكلوا، وركب ملك شاه، وجاؤوا بعمِّه فأُنزِلَ عن الفرس، وأُخذت قَلنسوة من رأسه، وقيل له: قَبِّلِ الأرض، فلم يفعل، وتقدَّم السلطانُ إليه وعانقه من ظهر الفرس، وقال له: يا عمّ، قد سِرْتَ من مكان بعيد، فاركَبْ وسِرْ معنا. وسار ملك شاه وسلَّمه إلى ساوتكين، وجاء به فأنزله في خيمته، وبعث قاروت بك إلى ملك شاه يقول: لا تقلع هذا البيت بقتلي، وتسمع من الكتاب في أمري. يعني نظام الملك، وافعل معي ما يليق بالأتراك، وأنا أُعطيك مثل ما خرج عن يدك منذ مات أبوك، وأنا أمضي إلى الشام أو الحجاز وأسلم إليك جميعَ بلادي. فلم يلتفِتْ، وحُمِلَ في الليل إلى هَمَذان يوم الخميس المذكور على حمل تبن، واعتُقِلَ في دار أبي هاشم الجعفري، وبعد أيام جاء ملك شاه إلى الدار فجلس وبعث إليه أحد القفجاقية -ويعرف ببغرسلان- فلمَّا رآه عرف ما جاء به، فسأله التوقُّف، ثم قام فصلَّى أربع ركعات، وتقدَّم إليه ليطرح وتر القوس في حلقه ويخنقه، فدافعه ساعةً، ثم قوي عليه فخنقه، وحُمِلَ في الليل فدُفن عند إبراهيم ينَال، وكحل أولاده -وكانوا خمسة- وكلُّ ذلك بتدبير نظام الملك وإشارته، ولمَّا علمتِ العساكرُ بذلك شغبوا ولعنوا نظام الملك في وجهه، ولعنوا ملك شاه، وانعزلوا عنه ناحيةً وقالوا: ما هكذا أوصى ألب أرسلان، وكان قد أوصى لقاروت بك بكرمان وفارس، وعيَّن له مالًا، وأن يُزوَّج بخاتون الشقيرية، وكان أكثر العساكر مائلًا إلى قاروت بك، ومدُّوا أيديهم إلى البلاد، ونزعوا الطاعة، وخاف ملك شاه فانعزل عنهم، فقال له نظام الملك: إمَّا أن تدبِّر الأحوال أنت أو أنا؟ فقال: بل أنت. فاستمالهم بالمال والإقطاع، فسكنوا وفي القلوب ما فيها.

стр. 9176

محمد بن أحمد (١) ابن محمد بن عمر بن الحسن بن عبيد بن عمرو بن خالد بن الرُّفَيل، أبو جعفر، ابن المُسْلِمة، القرشي، ولد سنة خمس وسبعين وثلاث مئة، وسمع الكثير، وكانت وفاته ليلة السبت سابع جمادى الأولى، وصُلِّي عليه بجامع الرُّصافة، ودفن بمقابر الخيزران، وكان يومًا مشهودًا. وقال محمد بن طاهر: جاءه بعض طلبة الحديث وهو محموم ومعه جزء ليقرأه عليه، قال: اذهب، فإذا عُوفيتَ فتعال واقرأ. فقال: أيها الشيخ إذًا أموتُ ولا أسمعه عليك. فقال له الشيح: بل يُخشى أن يتطاول بك المرض، فإذا بَرِئتَ كُنْتُ أنا قد متُّ. فكان كما قال، وأسمعه الجزء. وكان صحيحَ السماع، واسعَ الرواية، نبيلًا ثقةً صالحًا. محمد بن أحمد (٢) ابن محمد، أبو البركات، البغدادي، ويُعرف بابن قَفَرْجَل، البزاز، كان كثيرَ الصدقات والعطايا، واسمعَ المال، خلَّف عشرين ألف دينار، وكانت وفاته يوم الجمعة ثالث جمادى الآخرة، ودُفن قريبًا من معروف الكَرْخي رحمة الله عليه، وكان ثقة. محمد بن داود ابن ميكائيل بن سلجوق، ألب أرسلان لقبٌ له. قد ذكرنا سيرته، ونذكر الآن سبب قتله؛ قال أرباب السير: في ربيع الأول أرجف بقتل السلطان، فنودي في حريم دار الخلافة بالتوعُّد لمن يُرجف بذلك، ثم قويت الأخبار بصحته، وكان شمس الملك تِكين بن طغان صاحب سمرقند وبخارى وما وراء النهر قد تزوَّج أخت السلطان، ثم قيل: إنه قتلها؛ لأنها أطمعَتْ أخاها في البلاد، ثم إن السلطان تزوَّج أخت شمس

стр. 9177

الملك، وكان إلياس وملك شاه قد عبرا إلى تِكين ليقاتلوه، فنُصر عليهم ونهبهم، وكان في جملة النهب طَستٌ من ذهب مُرصَّع، ولما عاد إلياس وملك شاه وقطعا جيحون إلى ناحية خراسان وقال تِكين لأخت السلطان: أنتِ أطمعتيهم في العبور، فيقال: إنه رفسها فماتت، وبلغ ألب أرسلان فقصده وبعث وحلف أنَّه ما فعل، ثم زوَّجه تِكين أختَه، ولمَّا عاد من كسرة ملك الروم دخل بها ومال إليها ووجد ذلك الطَّست الذهب نهب من ملك شاه في الجهاز، فقال في نفسه: ما أنفذ هذا الطَّست إلا تقريعًا لي، وإذكارًا بكسرة ولدي، ثم عزم على العبور إليه، فجمع العساكر العظيمة، ويقال: إنه عبر في مئتي ألف فارس وراجل، وعمل جسرًا عظيمًا في الزوارق، وعبر في أربعة وعشرين يومًا، وذلك في صفر، واستباح عسكرُه الحريم، ونَهبت مُقدَّمته سواد بخارى، ومرَّت مُقدَّمتُه بقلعة يقال لها: نيرون، وبها رجلٌ خُوارَزمي -اسمه يوسف- فحاصروه، ثم استنزلوه، وحُمِلَ بين غلامين تركيين، كلُّ واحد منهما قد أخذ بيده إلى بين يدي السلطان، فلمَّا رآه شتمه ووافقه على أفعال قبيحة كانت منه، وتقدم إلى باب يضرب له أربعةُ أوتاد وتُشدُّ أطرافُه إليها قِتلةً يعرفونها، فقال له يوسف: مُخنَّثٌ مثلي يُقتل هذه القِتْلة. فاحتدَّ السلطان، وأخذ القوس والنُّشَّاب، وقال للغلامين: خَلِّيا عنه. فخلَّياه، ورماه بسهم فأخطأه، ولم يُخطئ له سهم قبلَه، وعدا يوسف عليه فضربه بسكين كانت معه في خاصرته، ووقع سعد الدولة الكوهراني على وجهه، وبرك يوسف عليه فضربه بسكين كانت معه. وقيل: إنه كان واقفًا، فجرحه يوسف جراحاتٍ ما أثَّرت فيه، ونهض السلطان إلى خيمة أخرى، ولَحِقَ يوسفَ فرَّاشٌ أرمنيٌّ، فضرب رأسَه بالمَرْزُبة فقتله، وقُطِّعَ قِطَعًا، وتقدم بإحضار قلبه ومرارته، فأُحضِرا، فكانا عظيمين، وشُدَّت الجراحة، وعاد إلى جيحون، فتُوفِّي يوم السبت عاشر ربيع الأول بعد أن أوصى في العسكر بملك شاه وبنظام الملك وطاعته، وأن يعطي إلياس ولدَه ما كان لداود والده وخمس مئة ألف دينار، وللأمير قاروت بك أعمال فارس وشيراز ومالًا عيَّنه، وأن يزوَّج بخاتون الشقيرية زوجته، وتكون القلعة وما فيها والأعمال الجبلية والفراتية وما كان بيد طُغْرُلْبَك عمه لملك شاه، فمن رضي أقرَّ على ذلك، وإلا قوتل.

стр. 9178

وقال ابن القلانسي: في هذه السنة وردت الأخبار باستشهاد السلطان ألب أرسلان بنهر جيحون بيد من اغتاله من الباطنية المتزيين بزي الزهَّاد والمتصوفة، وليس كما ذكر ابن القلانسي، والمشهور ما ذكرنا، وكُتمت وفاتُه حتَّى عبروا جيحون في ثلاثة أيام، ثم جلس ملك شاه على السرير، وخلع عليه الخِلَع التي بعث بها إليه الخليفة مع عميد الدولة ابن جَهير إلى أصفهان، فقال له نظام الملك: أيها السلطان، تكلَّم -وعلى رأسه الأمراء- فقال: الأكبرُ منكم أبي، والأوسطُ أخي، والأصغرُ ولدي. ووعدهم الجميل، فدَعَوا له وأطاعوه، وأنفق فيهم سبع مئة ألف دينار برأي نظام الملك، وساروا إلى مرو، ودفن السلطان بها إلى جانب والده، وأقام ابنه إلياس ببَلْخ ولم يجتمع بهم. وقال نظام الملك: لمَّا قطعنا النهر رأى السلطان في المنام كأنَّ إنسانًا جرحه في خاصرته وضربه بسكين، فأصبح يتألَّم من المكان، فكانت الجراحة فيه من الغد. وقال سعد الدولة الكوهراني: لمَّا أيِس السلطانُ من نفسه قال: ما من وجهٍ قصدْتُه أو عدوٍّ أردْتُه إلا كُنْتُ مستعينًا عليه بالله، قويَّ النفس بنصره وعونه، إلا هذا الوجه، فإني شُغِلتُ بجمع العساكر، وشاهدتُ منها ما قَويَتْ به نفسي، ووقع تعويلي عليه، ولا أتصوَّر أنَّ أحدًا يقف بين يديَّ، ولقد ركبتُ أولَ أمس، ووقعتُ على تل، فأحسستُ بالأرض ترتجُّ من تحتي لعِظَم العسكر، وقلت في نفسي: ما في الدنيا سلطانٌ مثلي، ولا اجتمع لأحد ما اجتمع لي، وتخيَّلتُ أني آخذ ابنَ طبغاج وبلادَه وجميعَ ما وراء النهر، ولم يخطر لي ربي ببال، فلحقني ما لحقني من الجواب. وقال ابن الصابئ: وكان لمَّا عبر النهر وبَلَغَ أهلَ بخارى عبورُه، وتقدَّمت سراياه، فاجتاحت الأعمال، ونهبت الأموال، واستباحت الحريم، وهربوا إلى سمرقند، واجتمع الصالحون والزُّهَّاد والعلماء والوُعَّاظ في الجامع وخلق كثير، وصاموا وصلُّوا أيامًا، وفيهم من لم يفطر ليلًا، وأخذوا في الابتهال إلى الله تعالى، والشكوى من السلطان والدعاء عليه، والتعجيل لدفعه عنهم، فكان من أمره ما كان، فكان ملكه ثمان

стр. 9179

عشرة سنة، منها بعد موت عمَّه طُغْرُلبَك إحدى عشرة سنة، ولم يقدم بغداد، وجلس الوزير فخر الدولة ابن جَهير للعزاء في صحن السلام يوم الأحد ثامن جمادى الأولى، وخرج في يوم الثلاثاء الثالث توقيعُ الخليفة يتضمَّن الجزع على ألب أرسلان، ويشكره على خدمتِه وسعيِه في مصالح المسلمين، وجهادِه في سبيل الله، وكسرِه الروم، وأمنِه الطرقات، وضبطِه العساكر، وعدَّد أفعاله الجميلة، وغُلِّقت أسواق بغداد، وأقامت خاتون العزاء في دار الخليفة، وجزَّت شعورَ جواريها وأرادت حينئذ جزَّ شعورِها، فمنعها الخليفة، وجلست على التراب، ثم أقامها الخليفة من العزاء بعد سبعة أيام. محمد بن علي (١) ابن محمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله، أبو الحسين، الهاشمي، ويعرف بابن الغَريق، ولد يوم الثلاثاء غرة ذي القعدة سنة سبعين وثلاث مئة، وسمع الحديث، وقرأ القرآن، وكان حسنَ الصوت به، وخطب الناس، وله من العمر ست عشرة سنة، وولي القضاء سنة تسع وأربع مئة، وأقام يخطب بجامعي المنصور والمهتدي ستًّا وسبعين سنة، وشهد ستين سنة وقضى ستًّا وخمسين سنة، وتُوفي يوم الأربعاء سلخ ذي القعدة، ودُفِنَ يوم الخميس غرَّة ذي الحجة عند جامع المنصور ناحية القبة الخضراء، وقد جاوز التسعين، وشهده خلق عظيم. وقال أبو بكر ابن الحاضنة: رأيتُ في المنام كأنَّ القيامة قد قامت، وقد أُدخلتُ الجنَّة، وإذا ببغلة مُسرجةٍ ملجمةٍ في يد غلام، فقلت: لمن هذه؟ قال: للشريف أبي الحسين بن الغريق. فلمَّا أصبحنا، وإذا به قد مات في تلك الليلة. ورؤي الشريف في المنام فقيل له: ما فعلَ اللهُ بك؟ فقال: غفر لي بطول تهجُّدي. وكان ثقةً، صالحًا، صائمًا، قائمًا، عابدًا، مجتهدًا، خاشعًا، كثيرَ البكاء عند الذِّكر، رقيقَ القلب، عزيزَ العقل والفضل، زاهدًا، وكان يُسمى زاهد بني هاشم، ورحل الناس إليه لعلوِّ إسناده، فكانوا يقصدونه من البلاد، وكان قد أصابه صممٌ في آخر عمره، فكان هو يقرأ على الناس، وذهبت إحدى عينيه ﵀.

стр. 9180

السنة السادسة والستون وأربع مئة فيها في المُحرَّم ورد الخبر إلى بغداد بأن عساكر غَزنة خرجوا وتعرَّضوا لبلاد ملك شاه، وخرج إليهم إلياس بن ألب أرسلان أخو ملك شاه، فقاتلهم، واستأمن إليه سبعُ مئةٍ منهم، وانهزموا إلى غَزنة، وأوغل خلفهم، وكان سلطان غَزنة إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سُبُكْتِكين، وعاد إلياس من الوقعة إلى بَلْخ، فمات بعدها بثلاثة أيام، وكفي ملكَ شاه أمرَ الغزنوية، وأمرَ أخيه إلياس، وسُرَّ بوفاته؛ لأنه كان منحرفًا على ملك شاه، وفي نيته الخلاف عليه، فقال له نظام الملك: لا تظهر الشماتة به، واقعُدْ في العزاء. ففعل، وأظهر الحزن عليه. وفي ثاني صفر جلس الخليفةُ، وولدُ ولدِه عدةُ الدين قائمٌ على رأسه وله ثماني عشرة سنة، وأوصل إليه سعدَ الدولة الكوهراني والجماعةَ الحاضرين وأعطاه عهد ملك شاه بالسلطنة، وندب عميدُ الدولة ابنَ جَهير إلى الخروج بالخِلَع إلى ملك شاه إلى الري، وندب معه مسعودًا الخادم، وسار يوم الثلاثاء سابع عشر صفر، وتقدَّم سعد الدولة الكوهراني. وفيها سار بدر الجمالي أمير الجيوش من عكا إلى مصر ومعه عبد الله ابن صاحب مصر باستدعاء المستنصر بعد قتل ابن حمدان، وتغلُّب يلدكز التركي، ووصل إلى دمياط وبها ابن المُدبِّر، وكان قد هرب منه فقتله وصلبه، ودخل إلى مصر بعد أن اتَّفق مع يلدكز، وتحالفا وتعاهدا، ثم قبض على يلدكز وأهانه وعذَّبه، وطالبه بالمال فلم يظفر بسوى اثني عشر ألف دينار، وكان له من الأموال والجواهر شيءٌ عظيم، إلَّا أنَّه لم يقرَبْه، فقتله أمير الجيوش، وهرب يلدكز إلى الشام، وانتزع أمير الجيوش الشرقية من أيدي لواتة، وقتل منهم مقتلةً عظيمةً، وأسر أمراءهم، وأخذ منهم أموالًا جمةً، وعمر الريف، فرخصت الأسعار، ورجعت إلى عاداتها القديمة، وأخذ الإسكندرية وسلَّمها إلى القاضي ابن المحترق، وأصلح سودان الصعيد واستدعاهم (١) إليه، وجاءه منهم الكثير، وصلحت الحال لهلاك الأضداد، ورُفعت الفتن، وانفرد أمير الجيوش بالأمر.

стр. 9181

وفيها تغيرت نية نظام الملك على الخليفة فأقطع بعض ضياعه للغُزِّ، وكان الأعداء قد سعوا بينه وبين الوزير ابن جَهير، فلمَّا اجتمع ولدُه عميدُ الدولة بنظام الملك اعتذر إليه مما نقل عن أبيه، وحلف له فصدَّقه، وصلح الحال، وأعطى الخليفة للغُزِّ مالًا أرضاهم به، ولم يتعرَّضوا لضياعه، وتوفِّيت خاتون الشقيرية بأصفهان، وكانت زوجة ألب أرسلان، وخلَّفَت أموالًا لا تُحصى. وفيها في صفر هرب سلطان شاه إسحاق بن قاروت بك وأخذ أَخَويهِ المسمولين من هَمَذان، ومَضَيا إلى كرمان وقد سَلِمَ عليهما قطعةٌ صالحةٌ من نَظَرَيهِما، وكان السلطان قد سار إلى خراسان بعد موت أخيه إلياس ليرتب أمورها، وكانت قد خلصت له، وكان سلطان شاه قد التمس جاريةً تتولَّى خدمته، وأخرى لأخيه الَّذي تنضَّر معه، واستأذن السلطانَ في ذلك، فأذن له، وسُلِّمت الجاريتان إليهما، فتركاهما في الحجرة التي كانا فيها، وقصدا أن يخلو المكان ولا يدخل عليهما أحد من الموكلين إلا بإذن؛ احتشامًا للجاريتين، وأخذا في التدبير مع بعض الموكَلين للهرب، فأجابوا، وبعث إلى كرمان يستدعي خيلًا وثيابًا، وجاءته الخيل، وكمن في خراب البلد، وجاء إليه الموكَلون به، وأعلموه بوصول الخيل في مكان عيَّنوه، فكتَّف الجاريتين، وجعلهما في بيت مظلم، وأغلق عليهما الباب، وفتح الموكلون سقفًا من البيت، واستاقوه وأخاه ونزلا وركبا الخيل، ولم يظهر خبرهما حتَّى تعالى النهار، ولم يتبَعْهما أحدٌ، ومضيا إلى كرمان، فحصلا في قلعة لأبيهما، وسُرَّ الناسُ بهما. وفيها وردت كتب أتْسِز التركماني [مقدَّم الناوكية بفتوح البيت المقدس سنة خمس وستين وإقامة الخطبة العباسية، وأن أتْسِز أحسن إليهم وببلد المصرية ولم يقاتلهم وقال: حرم الله، لا أقاتله، وإنما أريد إقامة الدعوة الإمامية العباسية والسلطانية. فأجابوه، وكانت الغرارة عندهم قد بلغت سبعين دينارًا، وكان به نائب المصري وكان تركيًّا، فراسل أتْسِز التركماني] (١) وقال: أنا منكم، وما أقمتُ على الامتناع إلا وفاءً لمن كُنْتُ خادمًا له وعبدًا، وقد فعلمتُ ما يجب عليَّ، فإن أمَّنتني على نفسي ومالي

стр. 9182

سلَّمتُ إليكَ البلد، ونزلتُ إليكَ، وأقمتُ معك. فأمَّنه، وحلف له، وأقطعه ضياعًا اقترحها، وفتح الباب ودخل، ونودي في البلد بالأمان، وكانت فيه أموالٌ عظيمةٌ فلم يتعرَّض لها، وأقام من يحفظ الناس، فجاءهم ما لم يكونوا يظنُّونه، وأقام الدعوة للقائم والسلطان، وفتح الحصون المتعلقة به. وفي جمادى الأولى ورد الخبر بحصول سلطان شاه بن قاروت بك وأخيه بكرمان بردشير حصن أبيه وأقام مقام أبيه، واجتمعت الكلمة عليه، وشغَب الجند على نظام الملك، وطالبوه بالأموال، حتَّى فرغت الخزائن. وفي جمادى الأولى قَدِمَ الحاجب أتكين السليماني إلى بغداد، وقد طاب قلبُ الخليفة عليه، فأمره بالخروج إلى الفورح ليصلحه. ذكر زيادة الماء في دجلة: في جمادى الأولى زادت دجلةُ زيادة عظيمة لم يُعهَد مثلُها، وأمر الخليفة العوام بالخروج مع الحاجب أيتكين إلى عمل الفورح، فخرجوا وإذا بالماء قد أقبل مثل الجبال، فرجع أيتكين والناس، وجمع الزواريق، وجعل رحله فيها ورحل أصحابه، وأراد العبور إلى الجانب الغربي ليهرب، فجاءت في الليل ريحٌ شديدةٌ وسيلٌ عظيم، وطفح الماء في البرية على الحريم، وأخرب أسوار المحال، ونبع الماء من أسفل، وجاء من فوق، وقلع الطوابيق من دار الخليفة ودور الناس، ونبعت الآبار والبلاليع، ووقع بعض الدور على بعض، فصارت تلالًا عالية، وآثارًا عافية، وصبَّح الماء دار الخليفة ففعل بها مثل ذلك، وأهلك من الأموال تحت الهدم والسكان الكثير، وهرب الناس إلى [الجانب الغربي و] التلال العالية، وافتضح الناس (١). وكانت قبائل العرب نازلة بين الزَّابَين فغشيهم الماء من الزاب الأعلى، فاجتمعت الجمال، وعجَّت واشتبكت حتَّى صارت كالجبل، وتلقَّت الماء بصدورها، وصَعِدَ عليها مَنْ لَحِق من الرجال والنساء، وهربت العرب على خيولها في البرية يطلبون

стр. 9183

الروابي [والتلول]، وأخذ الماءُ الحِلَل ومَنْ فيها، وبقيت الجمال ومَنْ عليها يومًا وليلةً على حالها، فسَلِمَ البعضُ، وأخذ الماءُ البعضَ [، وهلكت الأموال والنفوس وحِللُ بني شيبان والأكراد وغيرهم، وجاء الماء من نواحي أمثال الجبال]، واجتمع ماء الزَّابَين وتامِرَّا، وانكسر الفورح، وعلا على دار الخليفة، وصار كالبحر، ثم جاء من ناحية الجانب الغربي من الفرات [والتقى الماءان، ووصل الخبر أنَّ الماء ورد] (١) من البرية إلى سنجار فهدم سورها (٢)، وكان من حجارة، وأخذ باب البلد، فَدَحَى به نحوًا من أربعة فراسخ، ووصل في البرية إلى تكريت، و [إنَّهم] مُطِروا في سنجار والموصل ثمانين يومًا لم يروا فيها شمسًا، [وغرقت ضياعُ بغداد]، وزاد الماء حتَّى بلغ ثلاثًا وعشرين ذراعًا. وقيل: [إنه بلغ] ثلاثين [ذراعًا]، وجاء على وجه (٣) الماء من الأبواب والأخشاب والحشرات (٤) شيءٌ كثير، وجاء أتلٌّ، من التراب على وجه الماء [وعليه سبعٌ ونُمورٌ واقفين]، وغرق الجانب الغربي [وقبر أحمد]، وخرج الموتى من القبور في التوابيت على رأس الماء من عند قبر الإمام أحمد رحمة الله عليه والمشهد وباب أبرز، ووقعت الخانات والمنازل، وخرج النساء حاسرات، وجاء المطر من فوق، والنبع من أسفل، [فكان كما قال الله تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١١ - ١٢]. وأصبحت دار الحْليفة وبغداد تلالًا، وخرج الماء من تحت سرير الخليفة، فنهض إلى الباب فلم يجد طريقًا، فحملته الخُدَّام على ظهورهم إلى روشن التاج ومعه عُدَّةُ [الدين] (٥)، وخرج جواريُّ الخليفة مُبرِّزات [مهتَّكات، وعَبَرْنَ إلى الجانب الغربي، والخدم أيضًا]، ولم يبقَ عند الخليفة إلا نفرٌ يسير.

стр. 9184

وأقيمت السفن تحت التاج، وحُطَّ فيها ما خفَّ حَمْلُه، والباقي تلف، ولبس الخليفةُ البردة، وأخذ بيده القضيب، ووقف بين يدي الله تعالى يبكي ويصلِّي ويتضرَّع، ولم يأكل طعامًا أيامًا ولياليًا، وأما الوزير فخر الدولة فدخل عليه الماء إلى داره بباب عمورية، فركب فرسًا، وخاض الماء إلى أن وصل إلى حجرة الخليفة واستأذن فيما يفعل، فقيل له: اطلب النجاة لنفسك قبل أن لا تقدر عليها. فمضى إلى الطيار على باب الغرفة فنزل فيه، وجاء إنسان [إلى الوزير] ومعه ولد ولد الوزير (١)، فقال [له]: يا مولانا، معي ولد ولدك. فقال: أيش أعمل به، احتفِظْ به إن أمكنك حِفْظُه. [وبعث بأهله إلى الجانب الغربي]. وقال الوزير: كنت صائمًا يوم الاثنين، وجاء وقتُ الإفطار وأنا وحدي، وقد هرب الغلمان والحاشية والأهل، فبِتُّ وما أفطرتُ، وأصبحتُ يوم الثلاثاء فرميتُ نفسي في الطيار، فلما كان [آخر النهار] وقت المغرب أحضر لي بعضُ الملَّاحين ثلاثةَ أرغفة يابسة وسُكُرُّجَة (٢) فيها خَلٌّ، فأكلتُ منها، واستلقيتُ على بارية في الطيار لم تسعني، وقعد مَنْ بقي من الناس في السفن. ووقعت جميع الدور والمنازل التي من جانب بغداد الشرقي، وانهدمت مئة ألف دار وأكثر، وبقيت بغداد مَلَقَةً (٣) واحدة، وانهدم سورُها، [فكان الإنسان يقف في الصحراء فيرى التاج]، وأقبل إنسان يخوض في الماء وعلى كتفه ولدان له صغيران، [فما زال يخوض بهما]، فلمَّا أعى رمى بهما ونجا بنفسه. [وقال ابن الصابئ]: وخصَّ [هذا] الغرق أماكن الفساد (٤) والخمور والقمار والخواطي [مثل درب القيّار ونحوه] وتشقَّقت الأرض [فصارت مثل الخنادق]، ونبع منها الماء الأسود، وكان ماءَ سخطٍ وعقوبة، ونُهبت خزائنُ الخليفة وما كان في الخانات، ولم يؤاخذ أحد، وأقيمت

стр. 9185

الجمعة دفعتين في الطيَّار، ودخل الماء من شبابيك المارستان العضدي فهدمه، ووقعت الجوامع والمساجد، وكان الماء في الجامع قامة، ولمَّا نقص الماء ضرب الوزير والناسُ الخِيم، وعمل الخدم أكواخًا من القصب وأقاموا فيها، وبلغت أجرة الرُّوزجاري في اليوم خمسة قراريط، وأُخرج الناسُ من تحت الهدم، وعلا الناس ببغداد الذل والصغار، وكانوا يمشون على التّلال كالنمل، ثم فسد الهواء، ونتن البلد، وعفنت الغلال، فمات مَنْ بقي إلا القليل، [وصارت بغداد عبرةً للمعتبرين، وفكرةً للمتفكِّرين]، واستكثر الناس من زرع البطيخ والخيار والقِثَّاء، ففسد جميعُه ودوَّد، فكان الناس إذا مرَّ على القراح سدَّ أنفه، [وحصر الناس ما غرموه، فعُلم أنه ماء سخط وعذاب كالطوفان] والعجبُ أنَّ المواضع التي أسفل [من] بغداد [مثل واسط والبصرة] كانت تغرق بدون هذه الزيادة، فما وصل إليها الغرق ولم يتجاوز بغداد، فاستدلُّوا على أنه ماء سخط، وفاض جيحون حتى طفح على وجه الأرض أربعة فراسخ -وقيل: عشرة- وتعذَّر الصُّنَّاعُ ببغداد، حتى إن النساء كُنَّ يضرِبْنَ اللَّبِن، وهبَّتْ عقب ذلك ريخ سوداءُ فرمت النخل، وكان الماء قد غطى رؤوس النخل. وفي رجب ورد مؤيد الملك أبو بكر بن نظام الملك إلى بغداد، فلم يخرج أحدٌ لتلقِّيه من كثرة الطين، فشقَّ عليه ذلك، وظن أنه تهاون به، فنزل بباب المراتب، وكان قد تزوَّج بابنة أبي القاسم بن رضوان البَيع، وأغلق بابَه ولم يُعطِ أحدًا طريقًا، وبلغ الخليفةَ، فاستُدعي إلى بيت النُّوبة وخُلِعَ عليه، وقيل له: قد علمتَ العذر في ترك تلقّيك من كثرة الطين والخراب ولم تعرفنا، واعتذر إليه الوزير، وأصبح الوزير فقصده إلى النظامية وعاد. وفي شوال ورد رسول نظام الدين بن مروان من ميَّافارقين ومعه رسول ملك الروم، ومعه كتابان إلى الخليفة والوزير مكتوبان بالذهب بالسرياني، وتحت كل سطر تفسيره بالعربي يتضمَّن المسأَلة لهما في الوساطة بينه وبين ملك شاه في الهدنة. وفيها بنى حسان بن مسمار الكلبي قلعة صرخد، وكتب على بابها: وأمر بعمارة هذا الحصن المبارك الأميرُ الأجلُّ مُقدَّم أمر العرب عز الدين فخر الدولة عُدَّةُ أمير المؤمنين، يعني المستنصر؛ لأنه كان في خدمته، وذكر اسمه ونسبه.

стр. 9186

قال محمد بن [هلال] الصابئ: ورد إلى مكة إنسان أعجميّ يعرف بسلا (١) من جهة السلطان جلال الدولة ملك شاه، ودخلها وهو على بغلة بمركب ذهب، وعلى رأسه عمامةٌ سوداء، وبين يديه الطبول والبوقات، ومعه للبيت كسوة ديباج أصفر، عليها اسم محمود بن سُبُكْتِكين وهي من استعماله، وكانت مودعةً في نيسابور مثل ذلك العهد عند إنسان يُعرف بأبي القاسم الدهقان البيع (٢)، فأخذها الوزير نظام الملك، وأنفذها (٣) مع المذكور، وكان قد ورد قبله إنسان من فارس يُعرف بأبي النضير الإسْتراباذي، وصادف في المسجد الحرام مواضع قد تهدَّمت، فأطلق ثلاثين ألف دينار أنفق بعضها [فيها]، وأخذَ الباقي ابنُ أبي هاشم، وأجرى الماء من عرفات إلى مكة في قني كانت عملتها زُبيدة غابت وخربت، ووجد البيت عُريانًا منذ سنين، فكساه ثيابًا بِيضًا من عمل الهند كانت معه لذلك، وفضض الميزاب وقال: لو علمتُ أني إذا عملتُه ذهبًا يسلم لَعَمِلتُه. وتصدَّق في الحرمين بمال جزيل، وأعطى فقراء مكة والمدينة جرايةً لمدة سنة. وقيل: كان ذلك من سلطان شاه بن قاروت بك المفلت من همَذان نذرًا لله أن يفعل ذلك في مقابلة سلامة نظره بعد الكحل (٤) وإفلاته من الحبس وسلامة أَخَوَيهِ من الكحل، وجعلت الكسوة التي جاءت من خراسان فوقها، وحمل السلارُ إلى ابن أبي هاشم المال المقرَّرَ له ولأصحابه على السلطان [فملأ قلبه وعينه]، وفرَّق في العبيد مالًا، وأخذ من الحاجّ الذين تبعوه دنانير دفعها إلى ابن أبي هاشم والعبيد تطيبةً لقلوبهم (٥)؛ لأن السلار أكرمهم وحملهم وأُلزِمَ كلفتَهم [ومؤنتهم]. وورد رسولان من مصر فقبَّحا على ابن أبي هاشم خطبته للخليفة والسلطان، فصادفاه وقد ملأ السلار عينَه وقلبَه مما حمل إليه [من خراسان]، فلم يلتفت إليهما [وأقصاهما].

стр. 9187

وفيها تُوفِّي إبراهيم بن محمد (١) ابن محمد بن أحمد بن علي بن الحسين بن علي بن حمزة بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، أبو علي، الكوفي، سمع الحديث، وقرأ اللغة والأدب، وقدم دمشق ومعه أولاده عدنان وعمار وعمر ومعد، فأقاموا بدمشق مدة، ثم ساروا إلى مصر فأقاموا بها، وأكرمه المستنصر ووصله، فلمَّا أراد العَوْدَ إلى الشام وصله بخمسة آلاف دينار، ثم عاد إلى دمشق فمرض مدة ثم بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أشتهي أن أموت بالكوفة. فقيل له: الشام مبارك. فقال: ما مقصودي بموتي في الكوفة إلا حتى إذا نُشرت يوم القيامة وأُخرجَتْ رأسي من القبر أن أرى أولاد عمي وأهلي ووجوهًا أعرفها فعوفي، وعاد إلى الكوفة، فتُوفي بها في شوال. وكان شاعرًا، فمن شعره: [من الرجز] راخٍ لها زمامَها والأنْسُعا (٢) … وَرُف بها من العُلى ما شسعا (٣) وارحَلْ بها مُغتربًا عن العِدا … تُوطِئْكَ من أرض العِدا مُتَّسَعا يا رائدَ الظَعنِ بأكنافِ الحمى … بلِّغ سلامي إن وصلْتَ لعلعا (٤) وحَيِّ حيًّا (٥) بأثيلات (٦) النَّقا (٧) … عهدتُ فيهِ قمرًا مُبَرْقَعا كانَ وقوعي في يديهِ وَلَعا … وأولُ العِشْقِ يكون وَلَعا مَنْ بمنًى وأين جيرانُ مِنى … كانت ثلاثًا لا تكونُ أربعا

стр. 9188

سلبتموني كَبِدًا صحيحةً … أمسِ فردُّوها عليَّ قِطَعا ارتجِعوا في ليلةً بحاجرٍ (١) … إنْ ثمَّ في الفائتِ أن يُرتَجعا وغفلةً سرقتُها من زمني … بلعلعٍ سقى الغمامُ لَعْلَعا (٢) أنا ابنُ ساداتِ قُريش وابنُ مَنْ … لم يُبْقِ في قوس الفخار مَنْزَعا وابنُ علي والحسينِ وهما … أَبرُّ من طاف ولبَّى وسعى نحن بنو زيد وما زاحَمَنا … في المجد إلَّا مَنْ غدا مُدَفَّعا طابَتْ أصولُ مجدِنا في هاشمٍ … وطال فيها عُودُنا وفَرَّعا أحمد بن محمد بن عقَيل (٣) الشَّهرَزوري، أبو العباس، سمع الحديث [الكثير] (٤)، وكان أديبًا فصيحًا شاعرًا، وتُوفِّي ببيت المقدس في ذي القعدة، ومن شعره: [من البسيط] وما ثناكَ عن الزَّوراتِ لي ملَلٌ … ولا نبا بِكَ إكثارٌ وإقلالُ لكن سمعتَ من الواشين فيَّ ولم … تدرِ الهوى والهوى أدناه قَتَالُ سألتُ طَيفَكَ عن تلفيقِ إفكهِمُ … فقال معتذرًا لا كان ما قالوا سعى الوُشاةُ لقطع الودِّ بينكُما … وللمودَّاتِ بين الناسِ آجالُ عبد الله بن محمد (٥) ابن سعيد بن سنان، أبو محمد، الخَفاجي، الشاعر، الحلبي، الفصيح، الفاضل، قرأ الأدب على أبي العلاء المعري وغيرِه، وسمع الحديث وبرع في فنِّه، ومدح الأكابر، وتُوفِّي بقلعة أعزاز من أعمال حلب، فمن شعره: [من الطويل] أيا راكبًا مالتْ به نشوة الكرى … كما اهتز من مَرّ الرياحِ لواءُ تحمَّلْ إلى الحيِّ المقيمِ رسالةً … من الغيبِ ما فيها عليكَ عناءُ

стр. 9189

تحيةَ مَنْ لا يملكُ الصبرَ عنهمُ … ولا تنقضي أنفاسُهُ الصُّعداءُ عَهِنتُكمُ مأوى الغريبِ وأهلَهُ … فما بينكم لولا التقى الغُرباءُ تؤمُّكمُ آمالُ قومٍ صواديًا (١) … فما تَنثني إلَّا وهُنَّ رِواءُ فما لكمُ لا أوحشَ اللهُ منكمُ … مواطنَ فيها بالذِّمامِ وفاءُ وقال أيضًا: [من الطويل] أناخَ عليَّ الهمُّ من كلِّ جانبٍ … بياضَ عِذاري (٢) في سوادِ المطالبِ وما ساءني فَقْدُ الشبابِ وإنَّما … بكيتُ على شطرٍ من العُمرِ ذاهبِ وما راعني شيبُ الذَّوائبِ بعدَهُ … وعندي همومٌ قبل شيبِ الذَوائبِ ولكنَّهُ وافى وما أطلقَ الصِّبا … عِناني ولا قَضَّى الشَّبابُ مآربي وما كنتُ من أصحابِهِ غيرَ أنَّهُ … وَفَى لِيَ لَمَّا خانَني كُلّ صاحِبِ بكَى النَّاسُ أطلال الدِّيارِ ولَيتَني … وجَدتُ ديارًا للدّموعِ السَّواكِبِ أَأَحبابَنا هل تسمعونَ على النَّوى … تحيَّةَ عان أو شَكيَّةَ عائب وما أنا بالمُشتاقِ إذ قلتُ بيننا … صدورُ العوالي أو طِوالُ السَّباسبِ (٣) فما لِقلوبِ العاشقينَ مَزِيَّةٌ … إذا نَظَرَتْ أَفكارُها في العواقِبِ وقال: [من الطويل] سقى بانة الجَرْعاءَ من بطنِ تُوضحٍ … وللناسِ في سُقيا الدِّيارِ مذاهبُ نسيمٌ كأنفاسِ الخُزامى صقيلةٌ … بريحِ النَّعامى (٤) قبلَتْها السحائبُ [وقال: من الطويل] رمَتْ بالحمى أبصارَها مطمئنةً … فلمَّا بَدَتْ نجدٌ وهبَّت جَنوبُها بخِلْنا عليها بالبُرى (٥) فتقطَّعَتْ … وقَلَّ لنجدٍ أن تقرَّ قلوبُها

стр. 9190

وقال: [من الكامل] يا إخوَتي وإذا صَدَقتُ فأنتمُ … من إخوَةِ الأيامِ لا مِنْ إخوَتي بُعدًا لآمالي التي علَّقتُها … بكمُ فحارَت في السبيلِ وَضَلَّتِ أأغيبُ عن حلبٍ ثلاثةَ أشهرِ … لم تكتبوا فيها إليَّ بلفظةِ حتَّى كأنِّي قد جَنيتُ عليكُمُ … ما أستَحِق به عظيمَ الجفوةِ وقال: [من الكامل] ومُهوِّنِ للوَجْدِ يَحسَبُ أنَّها … يوم العُذَيبِ مَدامعٌ وخُدودُ سَلْ بانةَ الوادي فليسَ يفوتُها … خبرٌ يطول به الجوى (١) ويزيدُ وانشُد معي ضوءَ الصباحِ وقُلْ لهُ … كشف تستَطيلُ بكَ اللَّيالي السُّودُ وإذا هبَطتَ الواديينِ وفيهما … دِمَنٌ (٢) حُبِسنَ على البِلى وعُهودُ فاخدَع فُؤادي في الخَليطِ لَعَلَّهُ … يَهفو على آثارِهِم وَيعودُ أصَبابةٌ بالجزعِ بعدَ سويقَةٍ … شُغلٌ لعَمرُكَ يا أُمَيمُ جديدُ وعلى الثَّنيَّةِ مِن تَبالةَ موعدٌ … عقَمَتْ به الآمالُ وهي وَلودُ قومٌ يَلوحُ لَهُم على علمائِهِم … قبلَ اللِّقاءِ دَلائلٌ وشُهودُ فاللامِعاتُ أَسنَّةٌ وأسرَّةٌ … والمائِساتُ ذوابِلٌ وَقُدودُ هبُّوا إلى المجد الرَّفيعِ فأحرَزوا … قصَباتِهِ وبَنو الزَّمانِ رُقودُ إن لَمْ يَكُنْ بيني وبينَكَ نسبةٌ … قَرُبَتْ فإنِّي منكُمُ معدودُ وقال يمدح أهل البيت الشريف عليهم الصلاة والسلام: [من الكامل] يا أُمَّةَ كفرَتْ (٣) وفي أفواهِها الْـ … ـــــقرآنُ فيه ضلالُها ورشادها أَعَلَى المنابرِ تلعنون نسيبَهُ (٤) … وبسيفِهِ نُصِبَتْ لكم أعوادُها تلكَ الضغائنُ بينكم بدريَّة … قُتِلَ الحسينُ وما خَبَتْ أحقادُها

стр. 9191

ضُرِبَتْ لهم يوم الظُّنونِ صوارمٌ … يومَ السقيفةِ كُسِّرَتْ أغمادُها وقال: [من الرمل] أتُرى طيفُكُمُ لمَّا سرى … أخذَ النَّومَ وأعطى السهرا يا عيونًا بالغضا راقدةً … حرَّم اللهُ عليكُنَّ الكَرى لو عدلتُنَّ تساهَمْنا جَوًى … مِثْلَما كُنَّا اشتركنا نظرا سَلْ فروعَ البانِ عن قلبي فقَد … وهِمَ البارقُ فيما ذَكَرا قال في الرَّبْعِ وما أحسَبُهُ … فارقَ الأظعانَ حتى انفطَرا ما على البارق مِن سُقيا الحمى … أَحرَامٌ عِندَهُ أن يُمطَرا وإذا ما فاتَهُ ريُّكُمُ … لا سَقَى (١) الله الغَضَا والسمُرا حبَّذا فيكَ حديث باطنٌ … فطِنَ الدَّمعُ به فانتشرا دونَ نَيلِ الضَّيمِ نفسٌ حُرَّة … والمطايا والفَيافي والسُّرى أيُّها القاعدُ عن زهرتِهِ … ما يَروعُ السَّيفُ حتَّى يُشهرا شُنَّها فهْيَ على عِلَّاتِها … تُلبسُ الحيَّ عجاجًا (٢) أكدَرا قد رَجَوناك فشَمِّرْ جاهِدًا … إنَّما يُدركُها مَن شَمَّرا وقال يرثي أهله وأصدقاءه: [من الخفيف] طَلَبُ الأَمنِ في الزَّمانِ عَسيرُ … وَحَديثُ المُنى خِداع وَزُورُ تبدَهُ الحازِمَ الخُطوبُ فإن … قُدِّر أَبدَتْ ما أَغفَلَ التَّقديرُ وإذا قتَّرَ البَخيلُ فَللأَيَّامِ … في طَيِّ عُمرِهِ تَبذيرُ لا تَظُنَّ الفَقيدَ أَفرَدَهُ البَيـ … ـنُ فَقَد أَعجَلَ المُقيمَ المسيرُ سَلْ بغَمدانَ أينَ ساكنُهُ سيـ … ـفٌ وَقُل لِلنُّعمانِ أَين السَّديرُ عَدَلَ الدَّهرُ فيهمُ قِسمةَ الـ … جورِ فَلا عامِرٌ ولا مَعمورُ إنَّ في جانِبِ المُقطَّمِ مَهجو … رًا ومِنْ أَجلِهِ تُزارُ القُبورُ ومُقيمًا على المَعَرَّةِ تَطويـ … ـــه اللَّيالي وَذِكرُهُ مَنشورُ

стр. 9192

عُصبةٌ كُنتُ أدَّعي لهم الودَّ … فصبري لُؤمٌ عَلَيهم كَثيرُ وَحياتي عُذرٌ فَهل لوِقائي … أجلٌ عاجِل وَعُمرٌ قصيرُ يا أيُّها الظَّاعِنونَ لا زال لِلْغيـ … ـث رَواحٌ عَلَيكُمُ وبُكورُ لستُ أرضى بالدَّمع فيكُم فهل … يملِكُ ريَّ البُحورِ إلَّا البُحورُ قد رأينا ديارَكم وعليها … أثَرٌ من عُفاتِكُم مَهجورُ وسَألنا أَطلالها فأَجابَتْ … ومِنَ الصَّمتِ واعظٌ ونَذيرُ عَرَصات كأنَّهنَّ ليالٍ … فارَقَتْها عِندَ الكَمال البُدورُ بأن ذُلُّ الأسى عليها فلِلغيـ … ثِ بُكاءٌ وللنَّسيمِ زَفيرُ ذَكَّرَتنا عُهودَكُم بَعدَما طا … لَتْ لَيالٍ من بعدها وشهورُ عجبًا كيف لم نَمُتْ في مَغانيـ … ـــــها أَسًى ما القلوبُ إلَّا صخورُ يا دِيارَ الأَحبابِ غَيَّرَكِ الدَّهـ … رُ فكانَت بَعدَ الأمور أمورُ أَينَ أيَّامُنا بِظِلِّكِ والشَّمـ … لُ جَميعٌ والعيشُ غَضٌّ نضيرُ نشوَةٌ أَعقبَتْ خُمارًا مِنَ الهمِّ … ولَكن قد يفرقُ المَخمورُ وزَمانٌ مضى فَما عُرِفَ … الأوَّلُ إلَّا بما جَناهُ الأخيرُ يا نُجومَ العُلى وما في الـ … ـــلَيلِ مِن بَعدكُم نُجومٌ تَغورُ وَعَفا الجودُ والكَريمُ بَخيلٌ … في المُلِمَّاتِ والغَني الفَقيرُ وتَساوى الوَرى فَلَم يبقَ مَشكو … رٌ على مِنَّةٍ ولا مَعذورُ لا يُجاوركُمُ الصَّعيدُ بسوءٍ … فَهْوَ لِلنَّازِلينَ بِئسَ المجيرُ وسَقاكُم من السَّحابِ صَناعُ الـ … ـكَفِّ يُسدي في رَوضةٍ ويُنيرُ كُل غَنَّاء يقلعُ الغَيثُ عنها … وَلَها أعينٌ مِن النُّورِ حُورُ عارِضٌ مُغضِبٌ على المَحلِ لا يخْـ … ـطُرُ إلّا وَسَيفُه مَشهورُ أشرَقَت فيه للشَّقيقِ خُدود … وأضاءَتْ مِنَ الأَقاحي (١) ثُغورُ عَمَّ مَعروفُهُ ففي كُلِّ وادٍ … مِن أَياديهِ رَوضَةٌ وَغديرُ وعلى الرَّغمِ أن يَجودَ عليكُم … واهبٌ بالنَّوالِ منكُم جَديرُ

стр. 9193

ما أرى الشِّعرَ كافيًا في مراثيـ … ـكُم ولكنْ قد يَنفُثُ المَصدورُ وإذا ما أطَلْتُ فيه ولم يُشْـ … فِ غليلًا فكلُّهُ تقصيرُ وقال: [من الطويل] خَلِيليَّ بُثَّا ما أَملَّتْ علَيكُما … دُموعي فإنِّي ما أُريدُ الهوى سِرّا سَقى اللهُ أيامًا من الدَّهرِ لم تَشِبْ … بِهِم كأنَّا ما عرفنا بها الدَّهرا ويا طَرفُ قد حذَّرتُكَ النَّظرَةَ التي … خَلَستَ فما راعيتَ نهيًا ولا أمرا ويا قلبُ قد أَردَاكَ من قَبلُ مَرَّةً … فَوَيحَكَ لِم طاوَعْتَهُ مرَّةً أخرى وقال أيضًا: [من الرجز] أمَّا الزَّمانُ فمُوجِزٌ في وَعْظِهِ … متعمِّد الإسهابِ في إيجازِهِ لا تُخدَعَنَّ فَما حقيقةُ أمرِهِ … عِندَ النُّهى إلَّا كَمِثلِ مَجازِهِ كم مَوعدٍ منهُ تَعَلَّقَ طامِعٌ … سَفَهًا فَحال الموتُ دون نجازِهِ مَن كانَ مُقتَنِعًا فقد وَجَدَ الغِنى … في شامِهِ وعراقِهِ وحجازِهِ وقال أيضًا: [من الكامل] استغفِرِ الملكَ القَديمَ وعُذْ بِهِ … مِن شَرِّ غاوٍ (١) في الحُطامِ مُنافِسِ واصنع جَميلًا لا يَضيعُ صَنيعُهُ … واسمح بقُوتِكَ للضعيفِ البائسِ لا تركَنَنَّ إلى المراءِ فإنَّهُ … سَبَبٌ لِكُل تنافُرٍ وتشاوسِ واقنَع فَفي عَيشِ القناعةِ نعمَةٌ … لا تبتغي كَفَّ الزَّمانِ الخالِسِ ضلَّتْ بنو غَطْفانَ فيه فقُتِّلَتْ … ساداتُها غَضَبًا لِلَطمةِ داحسِ والحارِثُ البَكرِيُّ قامَ إلى الوَغى … مِنْ بَعدِ ما أمضى عَزيمةَ جالِسِ ألِفَ البَخيلُ مَكاسَهُ في مالِهِ … والعمرُ أُنْفِقَ مِنهُ غيرُ مُماكِسِ عاذَتْ بَنو حوَّاءَ مِن إبليس في … الدُّنيا وَكَم فيها فُنونُ أبالِس دَرَسوا العُلومَ لِيَملِكوا بِجدالِهِمْ … فيها صُدورَ مَراتِبٍ وَمَجالس وتزَهَّدوا حتَّى أصابوا فُرصةً … في أخذِ مالِ مَساجِدٍ وَمدارسِ (٢)

стр. 9194

إيوانُ كسرى صارَ مرتَعَ ثُلَّةٍ … وديارُهُ أضحَتْ مُناخَ عرائِسِ والحِيرةُ البَيضاءُ بُدِّلَ أنسُها … قَدَرٌ أطاعَتهُ مدائنُ فارِسِ يا عَقلُ مثلُكَ في اللَّطائفِ مَنهجٌ … فإذا عَثَرتَ فلا لَعًا للنَّاعِسِ أمَّا النُّجومُ فقَد تضمَّن شأنَها … جَهلُ اللَّبيبِ وبُعدُ نَيلِ اللَّامِسِ عمري لقَد ذَهبَ الذين تَفكَّروا … فيها وَما ظَفِروا بِغَيرِ وساوسِ ما قَولُ بَطليموسَ فيها حُجَّةً … عندي ولا المَرويُّ عن رُسطالِسِ حارَ الأنامُ فلا دَلالةُ ناظِرٍ … تَشفي العُقولَ ولا إمارَةُ قابِسِ لا تَحفَلَنَّ بما حَوَتْهُ صَحائِفٌ … لَهُمُ كان وُجِدَتْ بخَطٍّ دارِسِ فالمَينُ رُكِّبَ في طبائعَ أربَعٍ … والصِّدقُ عُدَّ مِنَ القَبيلِ الخامِسِ هيهاتَ ما شَرَفُ الأصولِ بنافعٍ … حتَّى تكونَ ذَوائِبٌ كمغارِسِ لا تَفخرنَّ وإن فَخَرْتَ فبِالتُّقى … ناضِلْ وفي بَذلِ المكارِمِ نافِسِ سُبحانَ من نظمَ النُّجومَ قلائدًا … في جُنحِ داجية الظلامِ الدامسِ وقال أيضًا: [من الكامل] يا ناقُ إن أثرى العُذَيبُ ورَوَّضا … فلنا ديونٌ بالأسِنَّةِ تقتضي قد ماطلَ القدرُ الجموحُ بوَعدهِ … فيها وآنَ لُمُغمَدٍ أن ينتضى وقال أيضًا: [من الكامل] وبِجانِبِ العَلَمَينِ شاكٍ سرَّهُ … أنَّى رَعَيتُ لهُ النُجومَ وغَمَّضا ومُرَنَّحٍ فَطِنَ النَّسيمُ بِوَجْدِهِ … فَرَوى لهُ خبرَ العُذَيبِ مُعرِّضا وسَلِ البريق وقَد أقامَ بحاجِرٍ … إن كان أضمَرَ أن يَمُرَّ على الغضا وقال أيضًا: [من المتقارب] دَعوها تُناضِلُ بالأَذرُعِ … فأينَ العواصمُ من لَعلَعِ ومدُّوا أَزِمَّتَها بالحَنينِ … فلولا الصَّبابَةُ لم تَتبَعِ ويا سَعد هلْ لَكَ في وَقفَةٍ … على الدَّارِ تَسْعَدُ فيما تعي كتَمتُ الغَرامَ ولكنْ أتيتُ … بحُكمِ الصَّبابَة مِن مَدمَعي وأُقسِمُ أنِّي أهواكُم … وليسَ اليَمينُ على المُدَّعي

стр. 9195

وقال: [من الكامل] في كلِّ يوم نَشْطَةٌ ووَثاقُ … فَمَتى يَكونُ لدائِها إفراقُ تَشكو صَداها والدُّموعُ مَناهِلٌ … ووَجى المَناسِمُ والخُدودُ طِراقُ وقال يعاتب محمود صاحب حلب: [من لخفيف] قَدْ قَنِعنا من وصلِكُم بالخيالِ … ورضينا من وعدِكُم بالمِطالِ وصَبَرنا على مِلالِكُم الزا … ئدِ عن كلِّ مذهبٍ في المِلالِ ورأينا ديارَكُم فلقينا … كل رسمٍ بالٍ بجسيم بالي دارساتٍ وناحلين كما يُفْـ … ـرَقُ بين العُشَّاقِ والأطلالِ خَبِّرونا عن الكرى واسمعوا … منَّا حديثَ الغرامِ والبَلبالِ حفظَ اللهُ معشرًا ضيَّعوا العهَ … ـــــد وحالوا في سائر الأحوالِ ثَقَّلَ الناسُ في الطِّلابِ وخفَّفْـ … ـتُ بجُهدي عليكَ من أثقالي وأراني كل يومٍ إلى خلَـ … ـفٍ كأني خرجتُ في الخيالِ ما اتَّفَقْنا إلا على صحبةِ الدَّهـ … ــــرِ ولكن بدا لكم وبدا لي وقال أيضًا: [من البسيط] نشدتُكَ الله هلْ أُنسيتَ ليلَتنا … على الثنيَّةِ دونَ السَّفحِ والعلمِ لولا عَقابيلُ وَجدِ قلتُ وُدَّهمُ … كخُلَّبِ البَرقِ لم يُمطِر ولم يَدُمِ وبانَةُ السفحِ تُغريني بذِكرِهمُ … وجدًا فيا ليتَها بانَتْ كَعَهدِهِمِ آهًا لِقلبِكَ مِن نجدٍ وساكِنِهِ … لقد عَلِقتَ بِشعبٍ غيرِ مُلتَئمِ يا طالبَ العِزِّ من خفضٍ ومن دَعَةٍ … ما يُدرَكُ المَجدُ بين الشاءِ والنَّعَمِ قال أيضًا: [من الخفيف] ما على أحسنِكُم لو أحسَنا … إنَّما نطلب شيئًا هيِّنا قد شَجانا اليَأسُ مِن بُعدكمُ … فَغَدونا بأحاديثِ المُنى لا وَسِحرٌ بينَ أجفانِكُمُ … فتَنَ الحُب بهِ من فتَنا وحَديثٍ من مواعيدِكُم … تحسُدُ العَينُ عليهِ الأذُنا ما رَحَلتُ العيسَ عنْ أرضِكُمُ … فَرَأَتْ عينايَ شَيئًا حَسَنا

стр. 9196

هل لنا نحوَكُم مِن عودَةٍ … ومنَ التَّعليلِ قولي هلْ لنا ولَعمري لو وجدنا راحةً … من هواكم ما طلبنا (١) شَجَنا يا نديميَّ على ذِكرِهِمُ … وحديثُ الشَّوقِ قد أسكَرنا بين عذري وضميري عربٌ … يأمنُ الخائفُ فيهم ما جنى كلَّما شَنَّتْ عليهم غارةً … أغمدوا البيضَ وسلُّوا الأعيُنا وقال: [من مجزوء الكامل] يا منفذًا ماء الجفو … نِ (٢) وكنتُ أُنفِقُهُ عليه إنْ لم تكُنْ عيني فأنـ … تَ أعَزُّ مَنْ نظرَتْ إليه عبد العزيز بن أحمد (٣) ابن محمد بن علي بن سليمان، أبو محمد، الكَتَّاني، الصوفي، الحافظ، الدمشقي، أحد الرحَّالين في طلب العلم، ولد في رجب سنة سبع وثمانين وثلاث مئة، تُوفِّي في جمادى الآخرة، وكان من المكثرين من الحديث كتابة وسماعًا مع الصدق والأمانة والسلامة. محمد بن إبراهيم (٤) ابن علي بن إبراهيم، أبو بكر، العطَّار، الحافظ، الأصفهاني، كان عظيم الشأن ببلده، عارفًا بالرجال والمتون، وكان إمامًا ثقة. محمد بن محمد (٥) أبو عبد الله، الطالقاني، الصوفي، سافر إلى البلاد، وسمع الكثير، وسكن صور إلى أن مات بها في ذي القعدة عن ثمانين سنة.

стр. 9197

ومن رواياته عن أبي عبد الرحمن السُّلمي (١)، عن محمد بن عبد الله الرازي، عن أبي الحسين النُّوري قال: رأيتُ غلامًا جميلًا ببغداد، فنظرتُ إليه، ثم أردت أن أُكرِّر النظر، فقلت: تلبسون النِّعال الصَّرارة، وتمشون في الطرقات؟ فقال الغلام: أحسنتَ! أتُجمِّشُ (٢) بالعلم؟ ثم أنشأ يقول: [من الطويل] تأمَّل بعينِ الحقِّ إنْ كنتَ ناظرًا … إلى صفةٍ فيها بدائعُ فاطرِ ولا تُغطِ حظَّ النَّفس فيها لِما بِها … وكُنْ ناظرا بالحقِّ قُدرةَ قادرِ محمد بن عبيد الله (٣) ابن أحمد بن أبي الرعد الحنفي، قاضي عُكْبَرا، تُوفِّي بها يوم الجمعة ثالث ربيع الآخر، وكان ثقةً. الماوردية البصرية (٤) كانت زاهدةً عابدةً صالحة، تجمع إليها النساء فتعظهُنَّ وتؤدِّبهنَّ، قاربت ثمانين سنة، أقامت منها خمسين لا تفطر بالنهار ولا تنام بالليل، ولا تأكل خبزًا ولا رطبًا ولا تمرًا، وإنما تُطحن لها الباقِلَاء فتتقوَّت بها، وكانت وفاتُها بالبصرة، ولم يبقَ بالبلد إلا من شهد جنازتها، ودُفنت بظاهر البصرة عند قبور الصالحين. السنة السابعة والستون وأربع مئة فيها في صفر مرض القائمُ بأمر الله مرضًا شديدًا، وانتفخ حلقُه، وامتنع من الفَصْد، فقصد الوزيرُ فخرُ الدولة بابَ الحجرة ليلًا، وحلف بالأيمان المغلَّظة أنه لا يبرح حتى يقع الفَصْد، فأذن في إحضار الطبيب، وافتصد فصلح، وانزعج الناس في الدار

стр. 9198

والحريم، ونقلوا أموالهم إلى الجانب الغربي، وارتجَّ البلد، ولمَّا تفضَّل الله تعالى بالعافية فرح الناس واطمأنُّوا (١)، فقال الشريف بن البياضي: [من البسيط] إن كان أرجَفَ مَنْ في قلبهِ مَرَضُ … بما تكادُ لهُ الأرواحُ تنفطِرُ ففي السَّلامةِ ممَا يرجفونَ بهِ … حلاوةٌ ثمَّ في أفواههم صَبِرُ وما يضرُّ أميرَ المؤمنين إذا … أمسى سليمًا من لأواءِ ما ذكروا قد أرجفوا برسولِ اللهِ في أُحدٍ … فلم يكُنْ منهم نفعٌ ولا ضَرَرُ واللهِ لو علموا ما في سلامتِهِ … لقاسموه على الأرواح إن قَدَروا لكنَّهم شربوا في ظلِّ دولتِهِ … خمرَ السُّرورِ فقالوا ذاك إذ سكِروا عفوًا وصفحًا أميرَ المؤمنين لهم … في جنب عفوكَ أجرامٌ لها خطَرُ فإن عفوتَ فأهلُ العفو أنتَ وإنْ … أبيتَ ذلك فالأقدارُ تنتظِرُ وفي صفر عاد الغرق إلى بغداد، ومطرت السماء مطرًا متداركًا، وأكثر البنيان لم يكن، فقعد الناس على التُّلول والماء يأتيهم من فوق ومن تحت، ومات خلقٌ كثير، ووقع الوباء في الدنيا، فمات بالرحبة عشرةُ آلاف، ومات معظم أهل خراسان والبصرة وواسط، وهبَّتْ ريح سوداء فرمَتْ معظمَ النخل ببغداد وواسط والبصرة. وفي ربيع الأول فتح شكلي أمير التركمان عكَّا، وسببه أنه كان بها عند أمير الجيوش بدر الجمالي رجل يُعرف بابن شتحا، وكان رفيع المنزلة عند أمير الجيوش، يثقُ به في أموره، ولمَّا خرج إلى مصر أخذه معه، فلمَّا حصل لأمير الجيوش المالُ والجواهرُ بعث بذلك مع ابن شتحا إلى عكَّا في البحر، ليكون فيها مع أمواله وذخائره التي بها، فكُسِر بهما المركب، فغرق ما كان معه، وكان معه في المركب جماعةٌ من أهل عكَّا، فقال: ما بقي لنا وجهٌ عند أمير الجيوش، فهل لكم في أمر توافقوني عليه يكون فيه السلامة؟ فقالوا: نفعل. وكان أمير الجيوش قد أخذ معه إلى مصر رهائن من عكَّا ستين نفسًا من خيارهم، فقال لهم ابن شتحا: إن أمير الجيوش قتلهم. فقابلوه على فِعله، فلطم أهلُهم، وأقاموا المآتم، ووافقوه بالحصار، فكتب ابن شتحا إلى شكلي -وكان

стр. 9199

قريبًا منهم وقد أهلك أهل البلد بالحصار- فقال: تعالَ في الليل لنفتحَ لك الباب. فجاء بعسكره، وفتحوا له الباب، فدخل فقبض على فارس الدولة النائب عن بدر وابن أبي الليث القاضي وعمال بدر، فضرب رقابهم، واستولى على أموال بدر وذخائره، وقبض على ابنه وزوجته وابنته، وأحضر أبا يعلى بن الأقساسي وقال: أليس بدرٌ زوَّجني هذه -يعني ابنته- وأنت شاهد عليه؟ قال: بلى. فأحضر القاضي والشهودَ وزوَّجها منه، ودخل بها في ليلته، وأخرج أبا يعلى من عكَّا بعد ذلك؛ لأنه صاحبُ بدر. وقويَ البلدُ، واستفحل أمرُه، وبعث إليه أتْسِز التركي صاحب القدس والرملة، وكان متقدمًا على جميع الترك والناوكية بالشام، فقال: ابعَثْ لي زوجةَ بدر وابنَه ونصفَ ما أخذتَ من المال. فامتنع عليه، وخاطبه بما لم يكن خاطبه به من قبل، وصاهر ابن منزو صاحب دمشق على أخته، وراسل بني كلب، وتقوَّى بهم واستحلفهم، وأخذ رهائنهم، وأعطاهم رهائنه، وكان مسمار أحدُ مُقدَّميهم معه. وفي هذا الوقت وردت الأخبار أن ملك شاه عبر جَيحون لياخذ بثأر أبيه، وأنه حاصر ترمِذ، وأخذ ولبس خِلْعة الخليفة عليها، وأنه وقعت قطعة من السور وصل إليها النقَّابون وأحرقوها، ودخل العسكر، ونهبوا البلد، وقتلوا خلقًا كثيرًا، وأسروا طغاتكين أخا شمس الملك بن طمغاج خان صاحب بخارى وسمرقند، وأنَّ شمس الملك بعث إلى السطان يلتمس الصلح، فأجابه وصالحه، وعاد السلطان إلى مرو وهو على عزم الوصول إلى بغداد، وأنَّ شمس الملك بعث للسلطان خيلًا وثيابًا وطيبًا وألطافًا، وبعث إليه السلطان أيضًا عِوَضَ هديته، ووصلت كتب السلطان إلى بغداد بذلك، وتُوفِّي بدر بن مهلهل بن أبي الشوك الكردي، وكان في خدمة السلطان على تِرمِذ، فمات بها، ورتَّب نظام الملك ابنه نصر بن بدر مكانه. وفي جمادى الأولى تُوفِّي محمود بن الزَّوقلية صاحب حلب، ورتَّبها لولده نصر مكانه. وفي جمادى الآخرة ورد عميد الدولة إلى العراق، وهو كان السبب في صلح ملكشاه، وصلح شمس الملك صاحب ما وراء النهر، وكان ملكشاه يقول: لولا عميد الدولة [ما صالحتُه حتى أنزل على سمرقند، وكان عميد الدولة] (١) عاقلًا مدبرًا، ولمَّا

стр. 9200

قدم بغداد خرج الخليفة والخدم والخواصُّ والحُجَّاب لاستقباله، وبعث إليه رسالة جميلةً أنبأت عن جميل الرأي فيه، فقويَتْ نفسه، وانشرح صدرُه، وخرج معظم أهل بغداد الخواص والعوام سرورًا بوروده وسلامته؛ لأنه كان محسنًا إليهم. وفي رجب توفي القائم بأمر الله، وولي عُدَّةُ الدين [بن] الذخيرة، وسنذكره إن شاء الله تعالى. الباب السابع والعشرون في خلافة المقتدي [بأمر] الله واسمه عبد الله بن ذخيرة الدين أبي العباس محمد بن عبد الله الإمام القائم بالله، وكان يُلقَّب قبل الخلافة بعُدَّة الدين، ويكنى أبا القاسم، ولم يكن أبوه أبو العباس يلي الخلافة؛ لأنه مات في حياة أبيه القائم، ومولد المقتدي يوم الأربعاء ثامن جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وأربع مئة، وأمُّه أم ولد أرمينية تُسمى أرجوان وتُدعى قرَّةُ العين، أدركَتْ خلافتَه وخلافةَ ابنه وابنِ ابنه، وكان الذخيرة قد بقي من أولاد القائم ولم يبقَ له سواه، فتوفِّي، فاستشعر الناس انقراض الدولة لعدم ولد البيت القادري وأنَّ من سواهم من الأسرة مخالطٌ العوام من البلد، وجار مجرى السوقة، وأن ذلك ينفر قلوب العامة عن المتولي، فحفظ الله هذا البيت بأن كان الذخيرة قد ألمَّ بجاريته أرجوان، ومات وهي حامل، وتشوَّف الناس إلى حملها، فولدت عدة الدين المقتدي بعد موت أبيه بخمسة أشهر، فوقعت البشائر، ولم يزل جده القائم ضنينًا به حدبًا عليه، فلما كانت نوبة البساسيري كان لعدة الدين دون أربع سنين، فسيَّره أهلُه، وحملوه إلى أبي الغنائم بن المحلبان، فسار به إلى الجزيرة، وتنقَّل به وبأمه [وببنت القائم، ثم ردَّهم إلى بغداد لمَّا عاد القائم، ولمّا كبر ذُكر على المنابر، ولمَّا احتضر القائم كتب كتابًا بالعهد] (١) ولم يزل منذ حين بلوغه إلى أن ولي الخلافة على الستر والسلامة والعفة والصيانة، وحفِظَ اللهُ به هذا البيت، وظهرت كراماته؛ فإن ملكشاه تغيَّر عليه، وأمره بالخروج من بغداد، فقال: أمهلني عشرة أيام. فمات ملكشاه سرعة.

стр. 9201

ذكر بيعته: جلس بعد وفاة جدِّه (١) يوم الجمعة ثالث شعبان في دار الشجرة وعليه قميص أبيض وعمامة بيضاء لطيفة وطرحة قصب دُرِّية، ودخل الوزير فخر الدولة وعميد الدولة ومؤيد الملك بن نظام الملك، والنقيبان طرَّاد والعلوي وقاضي القضاة الدامغاني ودُبيس وأبو طالب الزينبي وابن جردة ووجوه الأشراف والعدول والأعيان وأبو إسحاق الشيرازي وابن الصباغ وأبو محمد التميمي، وأول من بايعه الشريف أبو جعفر بن أبي موسى مُقدَّم الحنابلة. قال أبو جعفر: لمَّا بايعتُه أنشدتُه: [من الطويل] إذا سيِّدٌ منا مضى قام سيِّدٌ (٢) ثم أُرتِجَ عليَّ، فقال المقتدي: قَؤولٌ بما قال الرِّجالُ فعولُ وكان الشريف قد بايعه قبل هذا عند غسل القائم، ولُقب بالمقتدي بأمر الله، وعمره يومئذ تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وأيام، وكان من رجالات بني العباس، له همة عالية، وشجاعة وهيبة، وكان حسن الهيئة والوجه، ضخم الجسم. وفي شعبان أمر الوزير فخر الدولة المحتسب بنفي المفسدات من حريم دار الخلافة، وبيعِ دورهِنَّ، ومنع الناس أن يدخلوا الحمامات بغير مَيازِر، وأخرب أبراج الحمام والهوادي (٣)، ومنع من اللعب بالطيور لأجل الاطلاع على الناس، ومنع الحمَّامين من إجراء ماءِ الحمَّامات إلى دجلة، وأمرهم بحفر آبار يجتمع فيها الماء، ونهى الملَّاحين أن يحملوا الرجال والنساء في السفن مجتمعين (٤). وفي شعبان ورد الخبر بقتل ملكشاه عقَتَه كوهر خاتون، وكانت زوجة أريسغي التركي، وكانت قد انصرفت من العسكر قاصدةً أذريبجان النازوكية المترددين إلى بلاد

стр. 9202

الروم، وكان نظام الملك قد استقرض للسلطان منها خمسين ألف دينار، فجاء لوداعها، فنَمَتْ عليه وتهدَّدته، وأظهرت أنها تقصد النازوكية، [والمقابلة ما عوملت به من القبيح] (١) وكانت عند قتل قاروت بك قد انصرفت من الري مستوحشة، ونهبت ما به من أعمال بنيسابور، وعاد نظام الملك إلى ملكشاه وأخبره بما أظهرت وما قد عزمت عليه، فبعث وراءها مئتي غلام، وأمرهم بقتلها، فساروا خلفها وقد رحلت مرحلتين أو ثلاثًا ولم تعلم بهم، وكانت في عسكر كثير، فجاء منهم سبعة غلمان، فهجموا عليها السُّرادق، وقتلوها عَجِلين بعد أن جرحت منهم ونكأت فيهم، ووقعت عليها جارية من جواريها تفديها بنفسها، فجُرحت عدة جراحات، وجاء باقي الغلمان وحفظوا خيمتها ومالها، وحملوا الجميع إلى ملكشاه، وسأل عن الجارية المجروحة، فأخبروه خبرها، فاصطفاها لنفسه لِما بلغه من نصحها ومحافظتها على عهد سيدتها. وفي رمضان خرج عميد الدولة ابنُ جَهير إلى ملكشاه لأجل البيعة للمقتدي، وحمل معه ثمان مئة ثوب منوعة وخمسة عشر ألف دينار. وقيل: إنه بعث له عشرة آلاف أخرى. وفي رمضان التقى أتْسِز التركماني صاحب القدس بشكلي في الساحل، فهزمه، فجاء شكلي منهزمًا إلى رفنية، ونزل أتْسِز فحاصر دمشق. ومن العجائب أنه في شوَّال وقع ببغداد حريقٌ من الجانبين، أكلت النار البلد في ساعة واحدة، وأول ما وقع بدكان خباز بنهر مُعلَّى، فأتت على السوق جميعه، ثم وقعت في مطبخ الخليفة، ثم في باب الأزج، ثم وقعت في باب البصرة والكَرخ ونهر طابق والمحال الغربية، فصارت بغداد تلولًا كما جرى عليها في الغرق. وورد الخبر من واسط بأنها احترقت في ذلك الوقت أيضًا، فكان في كتاب ابن قاضيها إلى قاضي القضاة الدامغاني يقول فيه: وإن النار أحرقت البزَّازين والنخَّاسين ودار القاضي الوالد وغيره، حتى أتت على ما فيها من ثياب وقماش وذهب وفضة وحنطة وشعير وخزانة الحكم والسجلات، وخرج القاضي عريانًا بعد أن أشرفنا على الهلاك، وافتقر الناس وجلسوا على الطرقات.

стр. 9203

وفي عيد الأضحى يوم الخميس أو يوم الجمعة قُطعت الخطبة [العباسية من مكة، وأعيدت الخطبة المصرية، وكانت مدة الخطبة] (١) بها أربع سنين وخمسة أشهر؛ لأنها أقيمت يوم الجمعة حادي عشر رجب سنة ثلاث وستين وأربع مئة، وقُطِعت يوم الجمعة في هذه السنة. ذكر السبب في ذلك: لمَّا استولى بدر أمير الجيوش على الديار المصرية والصعيد ولم يبقَ له ما يشغله، راسل ابنَ أبي هاشم في الخطبة، فلم يلتفِتْ، فعدل عنه إلى أعيان بني عمه، وقال: أنتم أولى منه، فلم يلتفتوا، فراسلهم ثاني مرة وقال: الحُجَّة التي كان يحتجُّ بها قد زالت، وهي وفاةُ ألب أرسلان وخليفةِ بغداد، ولم يبقَ في رقبته عهد، وهذه الدولة التي نحن فيها لكم ومنكم، وقد فعلتم ما لا ينغسل إلا بالرجوع، فإن أبيتم كاتَبْنا بني عمكم الأشراف، أخرجناكم من البلد، وقوَّيناهم بالمال والرجال. فاجتمعوا [وبعث لهم المال واجتمعوا] (٢) فاجتمعوا بابن أبي هاشم، وأعادوا عليه ما قال، وقالوا: المصلحة إعادة الخطبة للمصريين، وإلَّا خرج الأمر من أيدينا، وكان الغلاء قد وقع بالحجاز، وقطع عنهم الميرة، فخاف ابنُ أبي هاشم، فقبض المال الذي بعث به أمير الجيوش، وأعاد الخطبة كارهًا غير مختار، وقلعت ألقاب القائم والسلطان من لوح كان على زمزم، وحُطَّت الكسوة الخراسانية، وجُعِلَ مكانها كسوة بيضاء دبيقية، عليها ألقاب المستنصر صاحب مصر. وفيها قَتَل أتْسِز أميرَ التركمان شكلي بطبرية، وأوقع بولد قُتُلْمِش؛ كان شكلي قد كتب إلى ابن قُتُلْمِش التركي -وكان في أطراف الروم- يحثُّه على قصد الشام ليضاف إليه: ابن قتُلْمِش هو ابن عم السلطان ألب أرسلان، وكان في كتاب شكلي إليه: إلى ابن قُتُلْمِش، أنت من السلجوقية وبيت الملك، وإذا أطعناك وكنا في خدمتك تشرَّفنا بك وافتخرنا، وأتْسِز ليس من بيت الملك، ولا نرضى باتباعه وطاعته.

стр. 9204

وهوَّن عليه أمر أتْسِز والشام. قال: وقد جاءتنا من مصر وعودٌ بالأموال إذا كسرناه وأبعدناه عن الشام، فجاءه ابن قُتُلْمِش، فاجتمعا وسارا إلى طبرية، وأظهروا طاعة صاحب مصر، فسار إليهم أتْسِز من القدس، وخرجوا إليه، وساعدهم أهلُها واقتتلوا، فهزمهم أتْسِز، وقتل شكلي ولدَه صبرًا بين يديه، وأطلق أباه؛ لأنه كان شيخًا كبيرًا، ونهب طبرية، وقتل أهلها، وأسر ابنَ قتُلْمِش وأخًا له صغيرًا وابنَ عمه، وكان لابن قُتُلْمِش سبع سراري تركيات مثمنات، فقالت له إحداهنَّ وكانت حاملًا منه: تدعنا يفضحنا الأعداء؟ قال: فما أصنع؟ قالت: اقتلنا جميعًا. فقتلهنَّ. وأسلم ولد شكلي، وجاء إلى عكَّا، فأغلق أهلُها الباب في وجهه وكاتبوا جوهر المدني خادم صاحب مصر وكان مقيمًا بصور، فقدم عليهم، فجاؤوا إليه وسلَّموا إليه البلد، وأعادوا الخطبة لصاحب مصر، ووصل إلى الشام في هذا الشهر ثلاثة آلاف من الغلمان من عسكر ملكشاه إلى أتْسِز كان كاتبهم، وورد -أيضًا- أخ لابن قتُلْمِش -كان في الروم- إلى حلب فحصرها، وكان محمود بن الزَّوقلية قد مات، وملَكَ ابنُه نصر بن محمود، فخرج إليه نصر بأحداث حلب فقاتله ودفعه وقال: أنا نائب السلطان، قد (١) كنتَ مطيعًا للسلطان فارحَلْ عنا. وأرضاه بمال، فرحل ونزل بأرض سلمية، وراسل أتْسِز في مضيِّ (٢) أخيه، فقال أتْسِز: قد راسلتُ السلطان بسببه، وأنا متوقعٌ الجواب، فإن رسم أنفذتُه إليه، وإن رسم شيئًا آخر كان. فقصد ابنُ قُتُلْمِش أنطاكية وكان في قلبه من أحداث حلب، حيث قاتلوه نهبوا أصحابه، وقتلوا منهم جماعة، وحصروا أنطاكية، وقرَّر عليهم عشرين ألف دينار في كل سنة؛ ليحمي سوادَها من الغارات، واتَّفق أنَّ طائفة من التركمان الذين جاؤوا طالبين أتْسِز نزلوا على حلب، وخرج إليهم عدد كثير من أهلها، فسار ابن قُتُلْمِش من باب أنطاكية إلى حلب، فأخذ القافلة، وقطع آنافهم، ونهبهم؛ تشفيًّا بأهل حلب، وقاتل من التركمان مَنْ قاتله، ورجع فأقام على باب أنطاكية للخفارة والحماية.

стр. 9205

وفي أواخر ذي الحجة ورد عميد الدولة ابنُ جَهير من عند ملكشاه، وقد أخذ البيعةَ للمقتدي على السلطان ونظام الملك والحاشية والعسكر عن غير صفاء من نظام الملك ولا تحقيق، بل مغالطة، ودفع لما في قلبه من الوزير فخر الدولة ابن جَهير مما نقل إليه أعداؤه. وفيها تُوفِّي الحسن بن عبد الودود (١) ابن عبد المتكبِّر بن المهتدي، أبو علي، الهاشمي، ولد سنة ثمانين وثلاث مئة، وسمع الحديث الكثير، وقُبِلَتْ شهادتُه عند القضاة، وتُوفِّي في ربيع الآخر، ودُفن عند جامع المنصور، وكان سيدًا صدوقًا. القائم بأمر الله، أميُر المؤمنين (٢) واسمه عبد الله بن أحمد، القادر، وكنيته أبو جعفر، وأمه قطر الندى، أم ولد، رومية، أدركت خلافته، وماتت في سنة اثنتين وخمسين وأربع مئة. ولد القائم يوم الخميس سنة إحدى وتسعين وثلاث مئة، وولي الأمرَ بعد أبيه وعمره إحدى وثلاثون سنة، في ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وأربع مئة. وكان جميلًا، مليحَ الوجه، أبيضَ اللون، مُشربًا حمرة، أبيضَ الرأس واللحية، متدينًا، ورعًا، زاهدًا، عالمًا، في وجهه أثر صفار من قيام الليل، وكان يسرد الصوم، وكان قليل الجماع؛ فلهذا قَلَّ نسلُه، وكان سبب تركه للجماع أنه جامع ليلة جاريةً له وبين يديه تسعة، فرأى صورتَه على الحائط صورةً شنيعةً، فقام عنها وقال: لا عُدتُ إلى مثلها. وامتنع بعدما رجع من الحديثة عن أكل الطيبات، واقتصر وقتَ إفطاره على ثردة، فضعُف، فعمدت جاريةٌ له فصنعت له ثردةً في مرقة دجاجة، فلمَّا رآها قال لها: لا تعودي إلى مثلها. وكان يحبُّ الصالحين ويبرُّهم ويزورهم في الليل، وكان كثير الصدقات، وافر الإحسان.

стр. 9206

ذكر وفاته: وفي يوم الخميس الثامن والعشرين من رجب فُصِدَ القائمُ بأمر الله من ماشرا (١) لحِقَتْه عن أكل كمأة مشوية في جدي وقطايف بدهن الفستق، وأُخرِجَ مئة وخمسون درهمًا دمًا فسكن مابه، وقد كان جسمُه منذ ورد ما ورد من حديث ذلك الماء الغاشم، وفعله ما فعل بالدار والحرم من الغَرَقِ طرق قلبه من المصائب في ذلك والأمراض تتداركه، فلمَّا كان في يوم فَضدِه نام ولم يكن عنده أحد إلى آخر النهار، فانتبه وقد انفجر فِصادُه، وخرج منه دمٌ كثيرٌ، وسقطت قوَّتُه، وانقضَتْ مُدَّتُه، ووقع اليأسُ منه، وانتفخ وجهُه وأطرافُه، وكثُر الإرجافُ به، وظهرت أماراتُ الخوف عليه، ولمَّا أحس القائم بانقراض المُدَّة استدعى الأميرَ عدة الدين وأجلسه بين يديه، وقال له: قد استخدمتُ ابنَ أيوب وابنَ المُسلمة وابن دُرُسْت وابنَ جهير، فما رأيتُ أوفقَ وأصلحَ للدولة من ابن جَهير وولده الصحيح المقاصد المأمون على الدولة والمال، الجيد الرأي والمقال، فلا تعدِلْ عنهما ولا تخالِفْهما. وأوصاه بهما، فقبَّل عدة الدين يده وبكى، وقال: سمعًا وطاعة. وأحضر الدَّواة، وكتب القائمُ رُقعةً بذلك، وقال له: اكتُبْ جوابها بخطِّك بالإجابة والتعويل على عميد الدولة في وزارتك. فكتب، وأُحضِرَ قاضي القضاة والنقيبان من الشهود، أبو محمد ابن أخت قاضي القضاة، وأبو الحسين ابن السبي مؤدِّب الأمير، وأبو الحسين البيضاوي شيخ الشهود، في يوم الأحد تاسع شعبان، وأقاموا في الديوان إلى الليل، ثم استدعوا مع الوزير إلى الحجرة ولم يصِلْ غيرُهم، وكان الخليفة من وراء شُبَّاك مسنده والأمير عدة الدين قائمٌ على رأسه، والقوم يسمعون كلامه ولا يرون شخصه، وأُخرجت رُقعةٌ فقال: اشهدوا بما تضمَّنتِ الرُّقعة التي كتبتُ فيها سطري بخطي. فقالوا: السمع والطاعة. وأُسبِلَت الستارة، وخرج الجماعة، وكان مضمونُ الرُّقعة ولايةُ العهد للأمير عدة الدين، وردَّ الأمر إليه، والتعويلَ عليه، وأن لا يُغيِّر على الخدم وغيرهم شيئًا، وكان في الرُّقعة:

стр. 9207

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: إنَّ أمير المؤمنين بحُكم ما وكَلَه اللهُ إليه من أمور عباده وبلاده، وأوجبَ عليه من صلة طريقه في الإحسان إليه، رأى أن يُفوِّض أمورَ المسلمين والنظرَ في مصالحهم وإسباغَ ظل المعاطفة على أكابرهم إلى الحدِّ الذي يُخلي مشاربهم من الكدر، ويعري ملابِسَهم من ملابس الحَذَر، فكذلك اقتضَتْ عزائمُه الميمونة إحضارَ وزيرِ دولته محمد بن محمد بن جَهير وولدَه محمد، … وذكر الجماعة المُسَمين، وحين مثلوا بين يَدَي سُدَّته، أنعم متبرعًا بمشافهة سلالته [الطاهرة] (١) أبي القاسم عبيد الله بن محمد بن أمير المؤمنين بتولية أمر المسلمين، وتصييره خليفته بعده في العالمين، وذكر ما يقتضي الوصية ويتضمن الإحسان إلى الناس، واتَّفقت وفاتُه يوم الخميس الثالث عشر من شعبان، وجلس الوزير فخر الدولة وولده عميد الدولة في الديوان على الأرض حافِيَين، وقد خرقا ثوبيهما، ونحَّيا عمامتيهما، وطرحا رداءين لطيفين عِوَضَهما، وفعل الناس مثل ذلك، ومنع المقتدي الجواري والخدم من الصراخ واللَّطم، وغُلِّقت الأبواب، وكان القائم قد أوصى بأن يُغسِّله الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي الحنبلي، وأُعْطِي ما كان عنده وعليه، فامتنع ولم يقبل شيئًا. وقال أبو محمد التميمي: ما حسدتُ أحدًا قطُّ إلَّا الشريفَ أبا جعفر في ذلك اليوم، وقد نال مرتبة التدريس والتذكرة والسفارة بين الملوك، وروايةَ الأحاديثِ، والمنزلةَ اللطيفة عند الخاصِّ والعام، فلمَّا كان ذلك اليوم خرج علينا الشريف وقد غسَّل القائم عن وصيةٍ منه بذلك، وأمر له بمال وبما عنده، وأعطاه الأمير عدة الدين جميعَ ذلك فلم يأخذ منه شيئًا، وكان له قيمة، وأخرج منديلًا من كمِّه نشَّف به القائم، وقال: هذا يكون في كفني. ثم خرج علينا ونحن قعود على الأرض كلٌّ منا قد مزَّق ثوبه، وغيَّر حالته على قدر منزلته في الدولة، وهو على حاله لم يغيَّر شيئًا، ومضى إلى مسجده، فعلمتُ أن الرجل هو ذاك. ثم انتقل الوزير والجماعة من الديوان إلى صحن السُّلَّم بعد صلاة الظهر، وجلس المقتدي على كرسيٍّ، ودخل عليه الوزير عميد الدولة والقضاة والأعيان فبايعوه بالخلافة، وبرز المقتدي من وراء السَّيبة (٢) فصلى بالناس العصر، وبعد ساعة حُمِلَ

стр. 9208

تابوت القائم على سكون ووقار من غير صياح ولا عويل، وصُلِّي عليه وكُبِّر أربعًا، ونُقل إلى حجرة كانت برسم جلوسه فدُفِنَ فيها، وجلس الوزير أبو عميد الدولة في صحن السلم ثلاثة أيام، وكان أبو الأغر دُبيس قد استُدعي في مرض القائم فقدم يوم الخميس بكرةً، ومات القائم بعد حضوره، ودخل مع الناس، وبايع المقتدي، وحضر [العزاء] (١) مع الوزير والجماعة، وخرج في اليوم الرابع توقيع التعزية والنهوض من العزاء، وغُلِّقت الأسواق، وعُلِّقت المسوح، وفُرشت بالبواري، وناح النُّواح، ولطم الهاشميات بالحريم ليلًا بالطرف. وعاش القائم خمسًا وسبعين سنة وثمانية أشهر وأربعة وعشرين يومًا، وقيل: أربعًا وسبعين سنة -وأقام في الخلافة أربعًا وأربعين سنة وثمانية أشهر ويومًا- وقيل: وخمسة وعشرين يومًا، وقيل: وثمانية وأربعين سنة -وكان رَبْع القامة، غليظَ المحاسن، في وجهه أثرُ جُدَريٍّ وصفار من أكل الطين. وأُحضِرَ نورُ الدولة ابنُ مَزْيَد إلى الديوان والجنائبُ بين يديه من عند الخليفة، وأُعطيَ لواءً أبيضَ مكتوبًا عليه بسواد، وقميصًا من ثياب القائم التمسه، وامتنع من الخِلَع التي عُرِضَتْ عليه لأجل موت الخليفة، وحزن عليه حزنًا شديدًا، وسار من يومه إلى بلده، وإنما استُدعي إلى بغداد خوفًا من فتنة؛ فإنَّ العيَّارين واللصوص كانوا قد استدانوا على موت القائم لينهبوا دار الخلافة ودُور الناس، فاحترز الوزير فخرُ الدولة، وأقام الغلمان على أبواب دار الخليفة وعلى الدروب، وكانت النفوس خائفةً وَجِلةً، فكان من قضاء الله تعالى من السكون والهيبة ما لم يكن في الحساب، وكأنَّه لم يَمُتْ سلطان، ولا فُقِدَ صاحبُ العصر والزمان، ﵀. عبد الرحمن بن محمد (٢) ابن المُظفَّر بن محمد بن داود، أبو الحسن بن أبي طلحة، الداودي، الحافظ، وُلدَ سنة أربع وسبعين وثلاثة مئة، وسمع الحديث، وقرأ الفقه، ودرَّس، وأفتى ووعظ،

стр. 9209

وصنَّف، وكان له حظٌّ من النظم والنثر، وكان لا يفتر عن ذكر الله، وقع في بلده نهبٌ فامتنع من أكل اللحم سنين. ودخل عليه نظام الملك زائرًا له، فقعد بين يديه فوعظه، فكان من جملة ما قال: إنَّ الله قد سلَّطَكَ على عباده فانظر كيف تُجيبه إذا سألك عنهم، وإنما أنت في أضغاث أحلام، وقد رأيتَ مصارع مَنْ تقدَّمك. فبكى نظام الملك. وكانت وفاة الداودي ببوشنجة. سمع الحديث من أبي الحسن بن الصلت وأبي عمر بن مهدي وخلقٍ كثير. وروى عنه أبو الوقت عبد الأول صحيحَ البخاري، وأنشد أبو الوقت من شعره فيما رواه عنه: [من الخفيف] كان في الاجتماعِ للناس نورٌ … فمضى النورُ وادلهمَّ الظلامُ فسدَ الناسُ والزمانُ جميعًا … فعلى الناس والزمان السلامُ عبد السلام بن أحمد (١) ابن محمد بن عمرو، أبو الغنائم، نقيب الأنصار، ولد سنة سبع وثمانين وثلاث مئة، وسمع الكثير، ولقي الشيوخ، وتُوفِّي في شعبان، ودُفِنَ بمقبرة جامع المنصور. أبو الحسن بن علي (٢) ابن الحسن بن علي بن الطيب، الباخَرْزي، صنَّف "دمية القصر في شعر أهل العصر"، والعماد الكاتب حذا حَذْوَه، فكان الباخَززي فريدَ دهرِه، وله ديوان مشهور، ومن شعره: [من الكامل] قالوا التحى ومحا الإلهُ جمالهُ … وكساهُ ثوبَ مَذَلَّةٍ ومَحاقِ كتبَ الزمانُ على محاسِنِ وجههِ … هذا جزاءُ مُعذِّبِ العُشَّاقِ ومن شعره أيضًا: [من الكامل]

стр. 9210

أقْوَتْ مغانيهم (١) بشطِّ الوادي … فبقيتُ مقتولًا بذاك النادي (٢) وسكرتُ من خمرِ الفراقِ فرقْرَقَتْ (٣) … عيني الدُّموعَ على غناءِ الحادي قالتْ وقد ساءلتُ عنها كلَّ مَنْ … لاقَيتُه من حاضرٍ أو بادي أنا في فؤادك فارمِ طرفَكَ نحوَهُ … تَرَني فقلتُ لها وأينَ فؤادي ومن شعره أيضًا: [من الطويل] أرى حضرةَ السُّلطانِ تقضي عُفاتُها … إلى روض مجدٍ بالسماحِ يجودُ فكم لجباهِ الرَّاغبين لديهِ مِنْ … مجالِ سجودٍ في مساجد جودُ وقال: [من الطويل] زكاةُ رؤوسِ الناسِ في عيدِ فِطْرِهم … بقولِ رسولِ الله صاعٌ من البُرِّ (٤) ورأسُكِ أغلى قيمةً فتصدَّقي … بفيكِ علينا فَهْوَ صاعٌ من الدُّرِّ وقال: [من الطويل] وإنَّ اغترابَ المرءِ من غيرِ فاقةٍ … ولا حاجةٍ يسمو لها لَعجيبُ وحسبُ الفتى ذُلًّا وإنْ أدركَ الغنى … وقد نال ملكًا أن يُقال غريبُ ومن نثره يصف رجلًا: اكتحلَتْ بغرَّتِه الزهراء، واستضاءت بزهرتِه الغَرَّاء. وقال: له هممٌ تنطحُ الجوزاء بالقِمم، ومحلُّ يعصر عنقودَ الثريا تحت القدم. وقال: الكريم مرتجى، إن أساء بأنه يرتجى، وسالزم حاجبَه حتى يقضي من حقي واجبَه، ولا أُفارق حضرتَه حتى يفارق الآسُ خضرتَه. وبلغه عن إنسان تهديد قال: أمَّا تهديدُ فلان وإيعادُه وإبراقُه وإرعادُه فما أولاه بأن ينساني، ويتركَ في الغد لساني، فلستُ بالذي يتضعضع من سنانه، ولا يتقعقع من شنانه، وكيف أُجرب ذُباب السيف على ذُباب الصيف.
следующие страницы →