Полный текст (1 457 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَأَجَازَهُ «١» الْفَرَّاءُ «٢» ، وَحَكَاهُ عَنْهُ مَكِّيٌّ «٣» .
وَقِيلَ «٤» : الْمُرَادُ نوح ﵇.
الحواشي
(١) ويروى (اختاره) .(٢) تقدمت ترجمته في ص «٨٤» رقم «٣» .(٣) تقدمت ترجمته في ص «٦٧» رقم «٧» .(٤) وهو قول أكثر المفسرين كما هو الظاهر المتبادر حيث تقدم مرجعه.стр. 107
الْفَصْلُ الثَّامِنُ فِي إِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى خَلْقَهُ بِصَلَاتِهِ عَلَيْهِ وَوِلَايَتِهِ لَهُ وَرَفْعِهِ الْعَذَابَ بِسَبَبِهِ
قال الله تَعَالَى: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ» «١» :
أَيْ مَا كُنْتَ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ وَبَقِيَ فيها من بقي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ نَزَلَ:
«وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» «٢» وهذا مثل قوله: «لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا» «٣» الآية.
وقوله تعالى: «وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ» «٤» الآية.
الحواشي
(١) الأنفال(٣٣) .(٢) الأنفال(٣٣) .(٣) الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً» من سورة الفتح(٢٥) .(٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا» من سورة الفتح(٢٥) .стр. 108
فَلَمَّا هَاجَرَ الْمُؤْمِنُونَ نَزَلَتْ: «وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ» «١» .
وَهَذَا مِنْ أَبْيَنِ مَا يُظْهِرُ مَكَانَتَهُ ﷺ ، وَدَرْأَتِهِ «٢» الْعَذَابَ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ بِسَبَبِ كَوْنِهِ ثُمَّ كَوْنِ أَصْحَابِهِ بَعْدَهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَلَمَّا خَلَتْ مَكَّةُ مِنْهُمْ عَذَّبَهُمُ اللَّهُ «٣» بِتَسْلِيطِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، وَغَلَبَتِهِمْ إِيَّاهُمْ، وَحَكَّمَ فيهم سيوفهم، وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم. وفي الآية أيضا تأويل آخر:
عن أبي موسى «٤» قَالَ «٥» : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ أَمَانَيْنِ لِأُمَّتِي: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» .. فاذا مضيت تركت فيكم الاستغفار» .
الحواشي
(١) وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» . من سورة الانفال(٣٤) .(٢) درأته- دفعه وفي نسخة (درأبه) وهو تصحيف.(٣) وفي نسخة لفظ الجلالة محذوف.(٤) أبو موسى الأشعري: الصحابي المشهور، واسمه عامر بن قيس، وقيل الحارث أحد الحكمين، توفي بمكة أو بالكوفة سنة أربع وأربعين، أو اثنين وخمسين ومائة، ونسبته إلى أشعر لقب لأبي القبيلة المعروفة باليمن، لقب به لأنه ولد وعليه شعر.(٥) انفرد الترمذي بإخراجه من بين الستة ذكره في التفسير، وقال غريب وإسماعيل بن ابراهيم يضعف في الحديث. اهـ. ويقويه أنه رواه ابن أبي حاتم. عن ابن عباس، ﵄ موقوفا، وأبو الشيخ نحوه عن أبي هريرة، ﵁ موقوفا أيضا.стр. 109
وَنَحْوٌ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» «١» .
قال ﷺ : «أَنَا أَمَانٌ لِأَصْحَابِي» «٢» ..
قِيلَ: مِنَ الْبِدَعِ.
وَقِيلَ: مِنَ الِاخْتِلَافِ وَالْفِتَنِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: الرَّسُولُ ﷺ هُوَ الْأَمَانُ الْأَعْظَمُ مَا عَاشَ. وَمَا دَامَتْ سُنَّتُهُ بَاقِيَةً فَهُوَ بَاقٍ، فَإِذَا أُمِيتَتْ سُنَّتُهُ فانتظروا الْبَلَاءَ وَالْفِتَنَ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ» «٣» الْآيَةَ.
أَبَانَ اللَّهُ تَعَالَى فَضْلَ نَبِيِّهِ ﷺ بِصَلَاتِهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ بِصَلَاةِ ملائكته. وأمر عباده بالصلاة والتسليم عليه.
وحكى أَبُو بَكْرِ «٤» بْنُ فُورَكٍ: أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ تأول قوله
الحواشي
(١) من سورة الأنبياء رقم(١٠٦) .(٢) وفي لفظ، أنا أمنة لأصحابي، وهو حديث صحيح رواه مسلم عن سعيد بن بردة عن أبيه عن أبي موسى ﵁.(٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً» الأحزاب «٥٦» .(٤) هو محمد بن الحسن الأصبهاني. الإمام الجليل، والبحر الذي لا يجارى فقها، ونحوا، وأصولا، وكلاما، مع جلالة وورع زائد، وقد امتحن في الدين، وجرت له مناظرات أدت الى عزله، ومات مسموما، شهيدا في الطريق لما عاد من غزنة، سنة ست وأربعمائة، ونقل إلى نيسابور، ودفن فيها. وقبره يزار، ويستجاب عنده الدعاء وهو شافعي المذهب. قال التلمساني: انتهى إلى أن يكلمه الملك في اليقظة.стр. 110
قَوْلَهُ ﷺ : «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» عَلَى هَذَا، أَيْ: فِي صَلَاةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيَّ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَأَمْرِهِ الْأُمَّةَ بِذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. «١» «وَالصَّلَاةُ» مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَمِنَّا لَهُ دُعَاءٌ، وَمِنَ اللَّهِ رَحْمَةٌ.
وَقِيلَ: «يُصَلُّونَ» يُبَارِكُونَ، وَقَدْ فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ عَلِمَ الصَّلَاةَ عليه بين لفظ «الصلاة» و «البركة» . وَسَنَذْكُرُ حُكْمَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
وَذِكْرَ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ «٢» في تفسير حروف «كهيعص» «٣» أَنَّ «الْكَافَ» مِنْ كَافٍ، أَيْ كِفَايَةِ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ قَالَ تَعَالَى:
«أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ» «٤» ..
«وَالْهَاءَ» هِدَايَتُهُ لَهُ، قَالَ: «وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً» «٥» .
الحواشي
(١) واعلم أن قوله: (وقد حكى) الى قوله (إلى يوم القيامة) لم يثبت في الأصل الذي هو بخط المؤلف وإنما ثبت في الأصل المروي عن أبي العباس الغرفي.(٢) أي من المفسرين.(٣) مريم رقم(١) .(٤) وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ» من سورة الزمر رقم(٣٦) .(٥) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً» الفتح رقم(٢) .стр. 111
«والياء» تأييده، قال: «أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ» «١» .
«وَالْعَيْنَ» عِصْمَتُهُ لَهُ، قَالَ: «وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» «٢» .
«وَالصَّادَ» صَلَاتُهُ عَلَيْهِ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ» «٣» .
وَقَالَ تَعَالَى: «وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ» «٤» أَيْ وَلِيُّهُ.
«وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ» .
قِيلَ: الْأَنْبِيَاءُ.
وَقِيلَ: الْمَلَائِكَةُ.
وَقِيلَ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ.
وَقِيلَ: علي، ﵃ أجمعين.
وقيل: المؤمنون ... على ظاهره.
الحواشي
(١) «وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» الأنفال(٢٦) .(٢) «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ... » من سورة المائدة(٣) ... يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً» الاحزاب(٥٦) .(٤) (إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا ... ) التحريم رقم(٤) .стр. 112
الفصل التاسع في ما تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ الْفَتْحِ مِنْ كَرَامَاتِهِ ﷺ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً» «١» إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: «يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» «٢» .
تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ مِنْ فَضْلِهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَكَرِيمِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَنِعْمَتِهِ لَدَيْهِ، ما يقصد الْوَصْفُ عَنْ الِانْتِهَاءِ إِلَيْهِ.
- فَابْتَدَأَ ﷻ بِإِعْلَامِهِ بِمَا قَضَاهُ لَهُ مِنَ الْقَضَاءِ الْبَيِّنِ، بِظُهُورِهِ وَغَلَبَتِهِ عَلَى عَدُوِّهِ، وَعُلُوِّ كَلِمَتِهِ وَشَرِيعَتِهِ، وَأَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ، غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِمَا كَانَ، وَمَا يَكُونُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ غُفْرَانَ مَا وَقَعَ، وَمَا لَمْ يَقَعْ.. أَيْ أَنَّكَ مَغْفُورٌ لك..
الحواشي
(١) سورة الفتح رقم (١- ١٠) .(٢) سورة الفتح رقم (١- ١٠) .стр. 113
وَقَالَ مَكِّيٌّ»
: جَعَلَ اللَّهُ الْمِنَّةَ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ، وَكُلٌّ مِنْ عِنْدِهِ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، مِنَّةً بَعْدَ مِنَّةٍ، وَفَضْلًا بَعْدَ فَضْلٍ..
ثُمَّ قَالَ تعالى: «وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ» «٢» .
قِيلَ: بِخُضُوعِ مَنْ تَكَبَّرَ لك «٣» .
وَقِيلَ: بِفَتْحِ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ.
وَقِيلَ: يَرْفَعُ ذِكْرَكَ فِي الدُّنْيَا، وَيَنْصُرُكَ، وَيَغْفِرُ لَكَ، فَأَعْلَمَهُ بِتَمَامِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ، بِخُضُوعِ مُتَكَبِّرِي عَدُوِّهِ لَهُ، وَفَتْحِ أَهَمِّ «٤» الْبِلَادِ عَلَيْهِ، وَأَحَبِّهَا لَهُ. وَرَفْعِ ذِكْرِهِ، وَهِدَايَتِهِ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، الْمُبَلِّغَ الْجَنَّةَ وَالسَّعَادَةَ، وَنَصْرِهِ النَّصْرَ الْعَزِيزَ، وَمِنَّتِهِ عَلَى أُمَّتِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالسَّكِينَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، الَّتِي جَعَلَهَا فِي قُلُوبِهِمْ، وَبِشَارَتِهِمْ بِمَا لَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ «٥» بَعْدُ، وَفَوْزِهِمُ الْعَظِيمِ، وَالْعَفْوِ عنهم، والستر
الحواشي
(١) تقدمت ترجمته في ص(٦٧) رقم(٧) .(٢) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً» الفتح(٢) .(٣) وفي نسخة (عليك) .(٤) وفي نسخة (أسنى) البلاد.(٥) وفي نسخة بحذف كلمتي (عند ربهم) .стр. 114
لِذُنُوبِهِمْ، وَهَلَاكِ عَدُوِّهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَعْنِهِمْ وَبُعْدِهِمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَسُوءِ مُنْقَلَبِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: «إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً» الآية. فعدّ محاسنه وخصائصه، من شهادته على أمته لنفسه بتبليغه الرسالة لهم.
وقيل: شَاهِدًا لَهُمْ بِالتَّوْحِيدِ.
«وَمُبَشِّرًا» لِأُمَّتِهِ بِالثَّوَابِ.
وَقِيلَ: بالمغفرة.
«ونذيرا» منذرا عدوه بالعذاب.
وقيل: محذرا من الضلالات، ليؤمن بالله، ثم به، مَنْ سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنَى.
«وَيُعَزِّرُوهُ» «١» أي يجلّونه.
وَقِيلَ: يَنْصُرُونَهُ.
وَقِيلَ: يُبَالِغُونَ فِي تَعْظِيمِهِ.
«وَيُوَقِّرُوهُ» «٢» أي يعظمونه.
الحواشي
(١) من قوله تعالى: «لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا» الفتح رقم(٩) .(٢) من قوله تعالى: «لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا» الفتح رقم(٩) .стр. 115
وقرأه بعضهم «١» «ويعززوه» «٢» بزائين مِنَ الْعِزِّ.
وَالْأَكْثَرُ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا فِي حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ .
ثُمَّ قال «وتسبّحوه» فَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ «٣» : جُمِعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ السُّورَةِ نِعَمٌ مُخْتَلِفَةٌ:
- مِنَ الْفَتْحِ الْمُبِينِ: وَهُوَ مِنْ أَعْلَامِ «٤» الْإِجَابَةِ.
- وَالْمَغْفِرَةِ: وَهِيَ مِنْ أَعْلَامِ الْمَحَبَّةِ.
- وَتَمَامِ النِّعْمَةِ: وَهِيَ مِنْ أَعْلَامِ الِاخْتِصَاصِ.
- وَالْهِدَايَةِ: وَهِيَ مِنْ أَعْلَامِ الْوِلَايَةِ.
فَالْمَغْفِرَةُ تَبْرِئَةٌ «٥» مِنَ الْعُيُوبِ.
وَتَمَامُ النِّعْمَةِ إِبْلَاغُ الدَّرَجَةِ الْكَامِلَةِ.
وَالْهِدَايَةُ وَهِيَ الدَّعْوَةُ إِلَى الْمُشَاهَدَةِ.
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ «٦» : مِنْ تَمَامِ نِعْمَتِهِ عليه أن جعله حبيبه،
الحواشي
(١) أي من قراء الشواذ. وقد نسب الى ابن عباس ﵄ ... وقراءة الجمهور (يعزروه) .(٢) الفتح(٩) .(٣) تقدمت ترجمته في ص «٦٣» رقم «٦» .(٤) أعلام: علامات.(٥) وفي نسخة (تنزيه) .(٦) تقدمت ترجمته في ص «٥٥» رقم «٦» .стр. 116
وَأَقْسَمَ بِحَيَاتِهِ، وَنَسَخَ بِهِ شَرَائِعَ غَيْرِهِ، وَعَرَّجَ بِهِ إِلَى الْمَحَلِّ الْأَعْلَى، وَحَفِظَهُ فِي الْمِعْرَاجِ حَتَّى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، وَبَعَثَهُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، وَأَحَلَّ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ الْغَنَائِمَ، وَجَعَلَهُ شَفِيعًا مُشَفَّعًا وَسَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ، وَقَرَنَ ذِكْرَهُ بِذِكْرِهِ وَرِضَاهُ بِرِضَاهُ، وَجَعَلَهُ أَحَدَ رُكْنَيِ التوحيد.
ثم قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ» «١» يَعْنِي بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ «٢» .
أَيْ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ببيعتهم إياك.
«يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» يريد عند البيعة.
قيل: قوة الله.
الحواشي
(١) « ... يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً» الفتح رقم(١٠) .(٢) بيعة الرضوان كانت بالحديبية، وسميت بها لقوله تَعَالَى: «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» ، وهي شجرة سمرة وعضاه، وقعت تحتها البيعة وبقيت إلى زمن عمر رضي الله تعالى، وكانوا ألفا وأربعمائة أو خمسمائة، والمبايعة كانت على أن لا يفروا، أو على الموت، ولا مخالفة بينهما، ولم يتخلف منهم عن البيعة غير الجد بن قيس وعثمان رضي الله تعالى عنه لأن النبي ﷺ كان بعثه لقريش ليخبرهم أنهم لم يقدموا لحرب، وإنما جاؤوا زوارا للبيت، فبايع النبي ﷺ عنه وقال: «هذه يد عثمان» وكان وقع الإرجاف بقتله» .стр. 117
وَقِيلَ: ثَوَابُهُ.
وَقِيلَ: مِنَّتُهُ.
وَقِيلَ: عَقْدُهُ «١» .
وَهَذِهِ استعارات وَتَجْنِيسٌ «٢» فِي الْكَلَامِ. وَتَأْكِيدٌ لِعَقْدِ بَيْعَتِهِمْ إِيَّاهُ، وَعِظَمِ شَأْنِ الْمُبَايِعِ ﷺ .
وَقَدْ يَكُونُ مِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ، وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى» «٣» .
وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ «٤» فِي بَابِ الْمَجَازِ، وَهَذَا «٥» فِي بَابِ الْحَقِيقَةِ.
لِأَنَّ الْقَاتِلَ وَالرَّامِيَ بِالْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ، وَهُوَ خَالِقُ فِعْلِهِ، وَرَمْيِهِ، وَقُدْرَتِهِ عليه، ومشيئته «٦» ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي قُدْرَةِ الْبَشَرِ تَوْصِيلُ تِلْكَ الرَّمْيَةِ حَيْثُ وَصَلَتْ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ من لم تملأ عينه، وكذلك قتل الملائكة لهم حقيقة.
الحواشي
(١) وفي نسخة (عفوه) وهو تصحيف.(٢) تجنيس: المقصود هنا: تفنن في الكلام ولم يرد به الجناس الصناعى وهو اتفاق اللفظ واختلاف المعنى.(٣) « ... وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» الأنفال «١٧» .(٤) يعني «إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ» .(٥) أي «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ»(٦) وفي نسخة «ومسببه» وهو الأحسن لأن الأولى ليس لها سبب ظاهر.стр. 118
وقد قيل في هذه الآية الْأُخْرَى «١» : إِنَّهَا عَلَى الْمَجَازِ الْعَرَبِيِّ «٢» ، وَمُقَابَلَةِ اللَّفْظِ وَمُنَاسَبَتِهِ.
أَيْ مَا قَتَلْتُمُوهُمْ، وَمَا رَمَيْتَهُمْ أَنْتَ إِذْ رَمَيْتَ وُجُوهَهُمْ بِالْحَصْبَاءِ، وَالتُّرَابِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى قُلُوبَهُمْ بِالْجَزَعِ، أَيْ: أَنَّ مَنْفَعَةَ الرَّمْيِ كَانَتْ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ، فَهُوَ الْقَاتِلُ، وَالرَّامِي، بالمعنى، وأنت بالاسم.
الحواشي
(١) أي الاخيرة. وهي قوله تعالى «فلم تقتلوهم» .(٢) أي اللغوي.стр. 119
الفصل العاشر في ما أَظْهَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ مِنْ كرامته عليه ومكانته عنده وما خصّه به من ذلك سوى ما تقدّم
- من ذلك ما قصه «١» تعالى، من قصة الإسراء، في سورة «سبحان» «٢» و «النجم» «٣» ، وَمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ الْقِصَّةُ، مِنْ عَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ، وقربه، ومشاهدته ما شاهد من العبائب..
- ومن ذلك، عصمته من الناس» .
«وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» «٤» .
الحواشي
(١) وفي نسخة «ما نصه» .(٢) «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» : الاسراء رقم «١» .(٣) والمراد هنا قوله تعالى: «وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى، عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى، ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى» سورة النجم «١٣- ١٨» .(٤) «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ» المائدة رقم «٦٧» .стр. 120
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا» «١» الْآيَةَ.
وَقَوْلِهِ: «إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ» «٢» .
- وما دفع اللَّهُ بِهِ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، مِنْ أَذَاهُمْ بَعْدَ تَحَرِّيِهِمْ «٣» لَهُلْكِهِ، وَخُلُوصِهِمْ نَجِيًّا «٤» فِي أَمْرِهِ، وَالْأَخْذِ عَلَى أَبْصَارِهِمْ عِنْدَ خُرُوجِهِ عَلَيْهِمْ، وذهو لهم عَنْ طَلَبِهِ فِي الْغَارِ، وَمَا ظَهَرَ فِي ذلك من الآيات، وَنُزُولِ السَّكِينَةِ عَلَيْهِ، وَقِصَّةِ «سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ» «٥» ، حسبما ذَكَرَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالسِّيَرِ»
، فِي قِصَّةِ الْغَارِ، وحديث الهجرة «٧» .
الحواشي
(١) «لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ» الأنفال رقم «٣٠» .(٢) «إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» التوبة «٤٠»(٣) وفي نسخة «تحزبهم» .(٤) مصدر أو وصف أريد به معنى الجمع ومعناه: متناجين متشاورين.(٥) سراقة بن مالك هو: الصحابي الحجازي رضي الله تعالى عنه، كانت هذه القصة قيل إسلامه، وأسلم في غزوة الطائف، بعد فتح مكة، ومات في سنة أربع وعشرين هـ، وكان شاعرا.(٦) السير: جمع سيرة بمعنى الطريقة والخصلة، ثم خص بغزوات النبي ﷺ ، وأسفاره المفردة بالتدوين.(٧) الهجرة: الانتقال من دار لأخرى، وهي هنا للعهد، أي هجرته ﷺ إلى المدينة المنورة.стр. 121
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: «إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» «١» .
أعلمه الله تعالى بما أعطاه.
و «الكوثر» حَوْضُهُ
وَقِيلَ: نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ
وَقِيلَ: الْخَيْرُ الْكَثِيرُ «٢»
وَقِيلَ: الشَّفَاعَةُ
وَقِيلَ: الْمُعْجِزَاتُ الْكَثِيرَةُ
وَقِيلَ: النُّبُوَّةُ
وَقِيلَ: الْمَعْرِفَةُ.
ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ عَدُوَّهُ، وَرَدَّ عَلَيْهِ قَوْلَهُ.
فَقَالَ تَعَالَى: «إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» «٣» .
أي عدوّك، ومبغضك.
الحواشي
(١) سورة الكوثر «١- ٣» .(٢) وهو الأظهر لا أنه الحق.. وهو قول سعيد بن جبير.(٣) سورة الكوثر رقم «٣» .стр. 122
و «الْأَبْتَرُ» : الْحَقِيرُ الذَّلِيلُ، أَوِ الْمُفْرَدُ الْوَحِيدُ أَوِ الَّذِي لَا خَيْرَ فِيهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: «وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ» «١» .
قيل «٢» : «السَّبْعُ الْمَثَانِي» السُّوَرُ الطِّوَالُ الْأُوَلُ.
«وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ» أُمُّ الْقُرْآنِ.
وَقِيلَ «٣» : «السَّبْعُ الْمَثَانِي» أُمُّ الْقُرْآنِ.
«وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ» سَائِرُهُ.
وَقِيلَ: «السَّبْعُ الْمَثَانِي» مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ، وَبُشْرَى وَإِنْذَارٍ، وضرب، وَإِعْدَادِ نِعَمٍ.
وَآتَيْنَاكَ نَبَأَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.
وَقِيلَ: سُمِّيَتْ أُمُّ الْقُرْآنِ «مَثَانِيَ» لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ «٤» .
وَقِيلَ: بَلِ اللَّهُ تَعَالَى اسْتَثْنَاهَا لِمُحَمَّدٍ ﷺ وَذَخَرَهَا لَهُ، دون الأنبياء.
الحواشي
(١) الحجر رقم «٨٧» .(٢) وهو المحكي عن ابن عمر وابن مسعود والمنقول عن ابن عباس.(٣) وهو المحكي عن عمر وعلي والحسن البصري.(٤) ركعة: أي صلاة تسمية للشيء باسم جزئه.стр. 123
وَسُمِّيَ الْقُرْآنُ «مَثَانِيَ» لِأَنَّ الْقَصَصَ تُثْنَى فِيهِ.
وَقِيلَ «١» : «السَّبْعُ الْمَثَانِي» أَكْرَمْنَاكَ بِسَبْعِ كَرَامَاتٍ، الْهَدْيُ، وَالنُّبُوَّةُ، وَالرَّحْمَةُ، وَالشَّفَاعَةُ، وَالْوِلَايَةُ، وَالتَّعْظِيمُ، وَالسَّكِينَةُ.
وَقَالَ تعالى: «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ» «٢» الآية.
وقال تعالى: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً» «٣» .
وقال تعالى: «قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً» «٤» الآية.
قال القاضي «٥» : فَهَذِهِ مِنْ خَصَائِصِهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: «وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ» «٦» .
الحواشي
(١) أي عن الإمام جعفر الصادق.(٢) «..... لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» النحل رقم «٤٤» .(٣) «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» سبأ رقم «٢٨» .(٤) «الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» الأعراف رقم «١٥٨» .(٥) تقدمت ترجمته في أول الكتاب.(٦) «.... فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» إبراهيم رقم «٤» .стр. 124
فَخَصَّهُمْ بِقَوْمِهِمْ، وَبَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى الخلق.
كَمَا قَالَ ﷺ : «بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ» «١» .
وَقَالَ تَعَالَى: «النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ» «٢» .
قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: «أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» أَيْ:
مَا أَنْفَذَهُ فِيهِمْ مِنْ أَمْرٍ، فَهُوَ مَاضٍ عَلَيْهِمْ، كَمَا يَمْضِي حُكْمُ السَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ.
وَقِيلَ: اتِّبَاعُ أَمْرِهِ أَوْلَى مِنَ اتِّبَاعِ رَأْيِ النَّفْسِ. «وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ» أَيْ: هُنَّ فِي الْحُرْمَةِ كَالْأُمَّهَاتِ، حُرِّمَ نِكَاحُهُنَّ عَلَيْهِمْ بَعْدَهُ تَكْرِمَةً له وخصوصية، ولأنهن له أزواج في الجنة «٣» ...
وقد قرىء «٤» : «وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ» وَلَا يُقْرَأُ بِهِ الْآنَ «٥» ،
الحواشي
(١) كما تقدم.(٢) «..... وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً» الأحزاب رقم «٦» .(٣) وفي نسخة «في الآخرة» .(٤) أي في الشواذ، قيل: وهي قراءة مجاهد ونسبت أيضا إلى أبي بن كعب أيضا.(٥) إذ أركان القراءة هي المطابقة الرسمية، والموافقة للعربية، والنقل المتواتر الاجماعية، والأخيرة عمدة.стр. 125
لِمُخَالَفَتِهِ الْمُصْحَفَ «١» ..
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ»
الآية «٢» . «وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً»
«٣» .
قِيلَ: «فَضْلُهُ الْعَظِيمُ» بِالنُّبُوَّةِ.
وَقِيلَ: بِمَا سَبَقَ لَهُ فِي الْأَزَلِ.
وَأَشَارَ الْوَاسِطِيُّ «٤» إِلَى أَنَّهَا إِشَارَةٌ إِلَى احْتِمَالِ الرُّؤْيَةِ الَّتِي لَمْ يَحْتَمِلْهَا موسى ﵇.
الحواشي
(١) المراد بالمصحف الإمام الذي نسخه عثمان ﵁ وهو ما عليه بقية المصاحف إلى يوم الدين.(٢) «وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً» النساء رقم «١١٣» .(٣) النساء رقم «١١٣» .(٤) تقدمت ترجمته في ص «٩١» رقم «٤» .стр. 126
الْبَابُ الثَّانِي فِي تَكْمِيلِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ الْمَحَاسِنَ خَلْقًا وَخُلُقًا وَقِرَانِهِ جَمِيعَ الْفَضَائِلِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ فِيهِ نَسَقًا
وَفِيهِ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ فَصْلًا
الحواشي
(١) وقد ورد بيان العدد الصحيح لهذه الفصول في مقدمة المؤلف في العدد الأول.стр. 127
مُقَدِّمَةُ الْبَابِ الثَّانِي
اعْلَمْ أَيُّهَا الْمُحِبُّ لِهَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ، الْبَاحِثُ عَنْ تَفَاصِيلِ جُمَلِ قَدْرِهِ العظيم، أنّ خصال الجمال «١» وَالْكَمَالِ فِي الْبَشَرِ نَوْعَانِ:
- ضَرُورِيٌّ دُنْيَوِيٌّ ... اقْتَضَتْهُ الجبلّة «٢» وضرورة الحياة الدنيا- مكتسب دِينِيٌّ ... وَهُوَ مَا يُحْمَدُ فَاعِلُهُ وَيُقَرِّبُ إِلَى الله زلفى «٣»
ثم هي على فنين أيضا:
أ- منها ما يتخلص «٤» لأحد الوصفين:
ب- وَمِنْهَا مَا يَتَمَازَجُ وَيَتَدَاخَلُ.
فَأَمَّا الضَّرُورِيُّ الْمَحْضُ: فَمَا لَيْسَ لِلْمَرْءِ فِيهِ اخْتِيَارٌ، وَلَا اكْتِسَابٌ، مِثْلُ مَا كَانَ فِي جِبِلَّتِهِ مِنْ كَمَالِ خلقته، وجمال صورته، وقوة عقله،
الحواشي
(١) وفي نسخة «الجلال» .(٢) الجبلة: الخلقة التي خلق عليها.(٣) زلفى: قربة.(٤) يتخلص: يتمحض.стр. 128
وَصِحَّةِ فَهْمِهِ، وَفَصَاحَةِ لِسَانِهِ، وَقُوَّةِ حَوَاسِّهِ وَأَعْضَائِهِ، وَاعْتِدَالِ حَرَكَاتِهِ، وَشَرَفِ نَسَبِهِ، وَعِزَّةِ قَوْمِهِ، وَكَرَمِ أَرْضِهِ.
وَيَلْحَقُ بِهِ: مَا تَدْعُوهُ ضَرُورَةُ حَيَاتِهِ إِلَيْهِ مِنْ غِذَائِهِ، وَنَوْمِهِ، وَمَلْبَسِهِ، وَمَسْكَنِهِ، وَمَنْكَحِهِ، وَمَالِهِ وَجَاهِهِ.
وَقَدْ تَلْحَقُ هَذِهِ الْخِصَالُ الْآخِرَةُ «١» بِالْأُخْرَوِيَّةِ، إِذَا قَصَدَ بِهَا التَّقْوَى، وَمَعُونَةِ الْبَدَنِ عَلَى سُلُوكِ طَرِيقِهَا، وَكَانَتْ عَلَى حُدُودِ الضَّرُورَةِ، وَقَوَاعِدِ «٢» الشَّرِيعَةِ.
وَأَمَّا الْمُكْتَسَبَةُ الْأُخْرَوِيَّةُ: فَسَائِرُ الْأَخْلَاقِ الْعَلِيَّةِ، وَالْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ: الدِّينِ- وَالْعِلْمِ- وَالْحِلْمِ- والصبر- والشكر- والعدل- وَالزُّهْدِ- وَالتَّوَاضُعِ- وَالْعَفْوِ- وَالْعِفَّةِ- وَالْجُودِ- وَالشَّجَاعَةِ- وَالْحَيَاءِ- وَالْمُرُوءَةِ- وَالصَّمْتِ- وَالتُّؤَدَةِ- وَالْوَقَارِ- وَالرَّحْمَةِ- وَحُسْنِ الْأَدَبِ وَالْمُعَاشَرَةِ ... وَأَخَوَاتِهَا «٣» ، وَهِيَ الَّتِي جِمَاعُهَا (حُسْنُ الْخُلُقِ) .
الحواشي
(١) أي الأخيرة المتعلقة بالأمور العادية الواقعة في الأحوال الدنيوية.(٢) وفي نسخة (وقوانين) .(٣) من الأخلاق المفصله في كتب الإحياء والعوارف والرسالة.стр. 129
- وَقَدْ يَكُونُ مِنْ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ، مَا هُوَ فِي الْغَرِيزَةِ «١» ، وَأَصْلِ الْجِبِلَّةِ لِبَعْضِ النَّاسِ؛ وَبَعْضُهُمْ لَا تَكُونُ فِيهِ فَيَكْتَسِبُهَا، وَلَكِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مِنْ أُصُولِهَا فِي أَصْلِ الْجِبِلَّةِ شُعْبَةٌ ... كَمَا سَنُبَيِّنُهُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى-
- وَتَكُونُ هَذِهِ الْأَخْلَاقُ دُنْيَوِيَّةٌ، إِذَا لَمْ يُرِدْ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ، وَالدَّارَ الْآخِرَةَ. وَلَكِنَّهَا كُلُّهَا مَحَاسِنُ، وَفَضَائِلُ، بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِ الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ، وَإِنِ اختلفوا في موجب حسنها، وتفضيلها ...
الحواشي
(١) السجية والطبع.стр. 130
الفصل الأوّل
قال القاضي»
: إذا كانت خصال الكمال، والجلال.
مَا ذَكَرْنَاهُ- وَرَأَيْنَا «٢» الْوَاحِدَ مِنَّا يَتَشَرَّفُ «٣» بِوَاحِدَةٍ منها، أو اثنتين- إِنِ اتَّفَقَتْ «٤» لَهُ فِي كُلِّ عَصْرٍ-، إِمَّا مِنْ نَسَبٍ، أَوْ جَمَالٍ، أَوْ قُوَّةٍ، أَوْ حِلْمٍ، أَوْ شَجَاعَةٍ، أَوْ سَمَاحَةٍ، حَتَّى يَعْظُمَ قَدْرُهُ، وَيُضْرَبَ بِاسْمِهِ الْأَمْثَالُ، وَيَتَقَرَّرَ لَهُ بِالْوَصْفِ بذلك في القلوب أثرة «٥» عظيمة، وَهُوَ مُنْذُ عُصُورٍ خَوَالٍ «٦» ، رِمَمٌ «٧» بَوَالٍ «٨» .
- فَمَا ظَنُّكَ بِعَظِيمِ قَدْرِ مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ كُلُّ هذه الخصال، إلى مالا
الحواشي
(١) تقدمت ترجمته في مقدمة التحقيق.(٢) وفي نسخة «ووجدنا» .(٣) وفي نسخة «يشرف» .(٤) وفي نسخة «اتفقتا» .(٥) أثرة: مكرمة.(٦) خوال «خال» وهو الخالي أي: السالف.(٧) رمم: بكسر الراء وقد يضم، ج رمة أو رميم وهي العظام وأجزاء البدن البالية.(٨) بوال: ج بالية، وبال، وهي تأكيد لكلمة رمم.стр. 131
يأخذه عدّ، وَلَا يُعَبِّرُ عَنْهُ مَقَالٌ، وَلَا يُنَالُ بِكَسْبٍ، وَلَا حِيلَةٍ، إِلَّا بِتَخْصِيصِ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ، مِنْ فضيلة النبوة، والخلة، والمحبة، والاصطفاء، وَالرُّؤْيَةِ، وَالْقُرْبِ، وَالدُّنُوِّ، وَالْوَحْيِ، وَالشَّفَاعَةِ، وَالْوَسِيلَةِ، وَالْفَضِيلَةِ، وَالدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ، وَالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ، وَالْبُرَاقِ، وَالْمِعْرَاجِ، وَالْبَعْثِ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، وَالصَّلَاةِ بِالْأَنْبِيَاءِ، وَالشَّهَادَةِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْأُمَمِ، وَسِيَادَةِ وَلَدِ آدَمَ، وَلِوَاءِ الْحَمْدِ، وَالْبِشَارَةِ، وَالنِّذَارَةِ، وَالْمَكَانَةِ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ، وَالطَّاعَةِ ثمّ «١» ، والأمانة، والهداية، ورحمة للعالمين، وإعطاء الرضى وَالسُّؤْلِ، وَالْكَوْثَرِ، وَسَمَاعِ الْقَوْلِ، وَإِتْمَامِ النِّعْمَةِ، وَالْعَفْوِ عما تقدم وتأخر، وشرح الصدر، ووضع الوزر، وَرَفْعِ الذِّكْرِ، وَعِزَّةِ النَّصْرِ، وَنُزُولِ السَّكِينَةِ، وَالتَّأْيِيدِ بِالْمَلَائِكَةِ، وَإِيتَاءِ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، وَالسَّبْعِ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَتَزْكِيَةِ الْأُمَّةِ، وَالدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ، وَصَلَاةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمَلَائِكَةِ، وَالْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاهُ اللَّهُ، وَوَضْعِ الْإِصْرِ وَالْأَغْلَالِ عَنْهُمْ، وَالْقَسَمِ بِاسْمِهِ، وَإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ، وَتَكْلِيمِ الْجَمَادَاتِ وَالْعُجْمِ، وَإِحْيَاءِ
الحواشي
(١) ثم: بمعنى هناك.стр. 132
الْمَوْتَى، وَإِسْمَاعِ الصُّمِّ، وَنَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَتَكْثِيرِ الْقَلِيلِ، وَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ، وَرَدِّ الشَّمْسِ، وَقَلْبِ الْأَعْيَانِ، وَالنَّصْرِ بِالرُّعْبِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى الْغَيْبِ، وَظِلِّ الْغَمَامِ، وَتَسْبِيحِ الْحَصَا، وَإِبْرَاءِ الْآلَامِ، وَالْعِصْمَةِ مِنَ النَّاسِ ...
- إِلَى مَا لَا يَحْوِيهِ مُحْتَفِلٌ «١» ، ولا يحيط بعلمه إلّا ما نحه ذَلِكَ، وَمُفَضِّلُهُ بِهِ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ.
- إِلَى مَا أَعَدَّ لَهُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، مِنْ مَنَازِلِ الْكَرَامَةِ، وَدَرَجَاتِ الْقُدْسِ، وَمَرَاتِبِ السَّعَادَةِ، وَالْحُسْنَى، وَالزِّيَادَةِ الَّتِي تَقِفُ دُونَهَا الْعُقُولُ، وَيَحَارُ دُونَ إدراكها الوهم «٢» ...
الحواشي
(١) محتفل: أي مهتم، بمعنى أن من اهتم بجميع هذه الصفات وأمثالها لا يمكنه الإحاطة بها.(٢) الوهم: قوة يدرك بها الجزئيات المحققة وغيرها.стр. 133
الْفَصْلُ الثَّانِي صِفَاتُهُ الْخِلْقِيَّةُ ﷺ
إِنْ قُلْتَ- أَكْرَمَكَ اللَّهُ-: لَا خَفَاءَ عَلَى الْقَطْعِ بِالْجُمْلَةِ، أَنَّهُ ﷺ أَعْلَى النَّاسِ قَدْرًا، وَأَعْظَمُهُمْ مَحِلًّا، وَأَكْمَلُهُمْ محاسن وفضلا، وقد ذهبت فِي تَفَاصِيلِ خِصَالِ الْكَمَالِ مَذْهَبًا جَمِيلًا، شَوَّقَنِي إِلَى أَنْ أَقِفَ عَلَيْهَا مِنْ أَوْصَافِهِ ﷺ تَفْصِيلًا.
فَاعْلَمْ- نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبِي وَقَلَبَكَ، وَضَاعَفَ فِي هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ حُبِّي وَحُبَّكَ-، أَنَّكَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَى خِصَالِ الكمال، التي هي غير مكتسبة-، وفي جبلّة الخلقه، وجدته ﷺ حَائِزًا لِجَمِيعِهَا، مُحِيطًا بِشَتَاتِ مَحَاسِنِهَا، دُونَ خِلَافٍ بَيْنِ نَقَلَةِ الْأَخْبَارِ «١» لِذَلِكَ؛ بَلْ قَدْ بَلَغَ بعضها مبلغ القطع.
الحواشي
(١) الأحاديث والآثار.стр. 134
أَمَّا الصُّورَةُ وَجَمَالُهَا، وَتَنَاسُبُ أَعْضَائِهِ فِي حُسْنِهَا، فَقَدْ جَاءَتِ الْآثَارُ الصَّحِيحَةُ، وَالْمَشْهُورَةُ الْكَثِيرَةُ، بِذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ «١» ، وَأَنَسِ «٢» بْنِ مَالِكٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ «٣» ، وَالْبَرَاءِ «٤» بْنِ عَازِبٍ، وَعَائِشَةَ «٥» أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَابْنِ أَبِي «٦» هَالَةَ، وَأَبِي «٧» جُحَيْفَةَ، وَجَابِرِ «٨» بْنِ سَمُرَةَ، وَأُمِّ مَعْبَدٍ «٩» ، وَابْنِ عَبَّاسٍ «١٠» ، وَمُعَرِّضِ بْنِ
الحواشي
(١) علي بن أبي طالب: تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «١» .(٢) أنس بن مالك: تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .(٣) أبو هريرة: تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .(٤) البراء بن عازب. الأنصاري الأوسي، له ولأبيه صحبة، شهد أحدا، وغزا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خمس عشرة غزوة، وسافر معه ثمانية عشر سفرا، توفي في الكوفة سنة ٧٢.(٥) عائشة أم المؤمنين: الصديقة بنت الصديق، تزوجها رسول الله ﷺ ، وهي بنت تسع، ولم يتزوج بكرا غيرها، روت عن النبي ﷺ عشرة ومائتين وألفين من الأحاديث، توفيت في المدينة ودفنت بالبقيع سنة ٥٨ هـ.(٦) ابن أبي هالة: هو هند بن أبي هالة. وهو ابن خديجة أم المؤمنين من زوجها الأول أبي هالة، وهو ربيب النبي ﷺ ، وكان لصغره يتشبع من النظر اليه، ولذا أكثر من وصفه، فاشتهر بهند الوصاف، وسبق بذلك كبار الصحابة، لأنهم كانوا يهابون إطالة النظر اليه ﷺ ، قتل يوم الجمل مع علي ﵁.(٧) أبو جحيفة: مصغرا واسمه وهب بن عبد الله، توفي رسول الله ﷺ ، وهو مراهق، روى له أحمد وغيره توفي سنة ٧٢ هـ..(٨) جابر بن سمرة: بفتح السين وضم الميم، ابن جنادة بن جندب، أبو عبد الله، ابن اخت سعد بن أبي وقاص، توفي بالكوفة سنة ٧٢ هـ.(٩) أم معبد: عاتكة بنت خالد بن منقذ، نزل عليها النبي ﷺ في هجرته، وهي خزاعية كعبية صحابية ولم ينقل لها تاريخ.(١٠) ابن عباس: تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .стр. 135
مُعَيْقِيبٍ «١» ، وَأَبِي الطُّفَيْلِ «٢» ، وَالْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ «٣» ، وَخُرَيْمِ بْنِ فَاتَكٍ «٤» وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ «٥» ، وَغَيْرِهِمْ ﵃.
مِنْ أَنَّهُ ﷺ كَانَ:
أَزْهَرَ «٦» اللَّوْنِ، أَدْعَجَ «٧» ، أَنْجَلَ «٨» ، أَشْكَلَ «٩» ، أهدب الأشفار «١٠» ، أبلج ١»
، أزجّ «١٢» ،
الحواشي
(١) معوض بن معيقيب، بضم الميم وفتح العين وكسر الراء المشددة اليمامي، أي المنسوب إلى اليمامة، روي عنه حديث الطفل الذي نطق بتصديق النبي ﷺ معجزة له، توفي في زمن علي ﵁.(٢) أبو الطفيل: هو عامر بن وائلة الكناني، صحابي له رؤية ورواية، وكان شاعرا مغلقا، ولد في أوائل الهجرة ومات سنة ١١٠ هو هو آخر من مات من الصحابة.(٣) العداء بن خالد: ابن هودة، أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه، وكان حسن السبلة، أي اللحية. وهو الذي اشترى من النبي ﷺ غلاما أو أمة كما روى الترمذي وتأخر الى ما بعد المائة.(٤) خريم بن فاتك: وخريم بالتصغير، شهد بدرا. ومات بالرقة زمن معاوية وروى عنه ابن عساكر.(٥) حكيم بن حزام: ابن أخي خديجة أم المؤمنين، عاش مائة وعشرين سنة. نصفها في الاسلام، وهو الوحيد الذي ولد داخل الكعبة مات سنة ٦٠ هـ بالمدينة.(٦) أزهر اللون- حسنه أو أبيض.(٧) أدعج- شديد سواد الحدقة.(٨) أنجل- واسع شق العين مع حسنها.(٩) أشكل- في بياض عينه قليل حمرة.(١٠) أهدب الأشفار- كثير شعر حروف أجفان عينيه.(١١) أبلج- مشرق الوجه.(١٢) أزج- دقيق شعر الحاجبين طويلهما إلى مؤخر العين مع تقوس.стр. 136
أَقْنَى «١» ، أَفْلَجَ «٢» ، مُدَوَّرَ الْوَجْهِ «٣» ، وَاسِعَ الْجَبِينِ «٤» ، كَثَّ اللِّحْيَةِ تَمْلَأُ صَدْرَهُ، سَوَاءَ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ، وَاسِعَ الصَّدْرِ «٥» ، عَظِيمَ الْمَنْكِبَيْنِ «٦» ، ضَخْمَ الْعِظَامِ، عَبْلَ «٧» الْعَضُدَيْنِ وَالذِّرَاعَيْنِ وَالْأَسَافِلِ، رَحْبَ «٨» الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، سَائِلَ «٩» الْأَطْرَافِ، أَنْوَرَ الْمُتَجَرَّدِ «١٠» ، دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ «١١» ، رَبْعَةَ «١٢» الْقَدِّ، لَيْسَ بالطويل البائن «١٣» ، ولا القصير المتردد، ومع ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ يُمَاشِيهِ أَحَدٌ، يُنْسَبُ إِلَى الطول إلّا طاله ﷺ ، رَجْلَ «١٤» الشَّعْرِ، إِذَا افترّ
الحواشي
(١) أقنى- مرتفع قصبة الأنف مع احديد اب يسير فيها، والمشهور أنه ﷺ كان أشم، والأشم ارتفاع قصبة الأنف مع استواء أعلاه وقد يجمع بينهما بأن ارتفاعها كان يسيرا جدا، من رآه متأملا عرفه أشم، ومن لم يتأمله ظنه أقنى.(٢) أفلج- متباعد ما بين الثنايا، وقلته محمودة.(٣) ولكن إلى الطول أقرب.(٤) الجبين- هو ما اكتنف الجبهة من يمين وشمال.(٥) حسا ومعنى.(٦) المنكب- مجموع عظم العضد والكتف،(٧) العبل- الضخم.(٨) الرحب: الواسع، وهنا حسا ومعنى.(٩) سائل: تام.(١٠) ما تجرد من بدنه أشرق من غيره.(١١) المسربة: خيط الشعر الذي بين الصدر والسرة.(١٢) الربعة: المربوع.(١٣) البائن: المفرط.(١٤) رجل: ما بين الجعودة والسبوطة.стр. 137
ضَاحِكًا افْتَرَّ «١» عَنْ مِثْلِ سَنَا الْبَرْقِ، وَعَنْ مِثْلِ حَبِّ الْغَمَامِ، إِذَا تَكَلَّمَ رُئِيَ كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ ثَنَايَاهُ، أَحَسَنَ النَّاسِ عُنُقًا، لَيْسَ بِمُطَهَّمٍ «٢» وَلَا مُكَلْثَمٍ «٣» ، مُتَمَاسِكَ الْبَدَنِ «٤» ، ضَرْبَ اللَّحْمِ «٥» .
قَالَ الْبَرَاءُ «٦» : مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ «٧» ، في حلة حمراء، أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «٨» .
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ «٩» ﵁: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ، وَإِذَا ضَحِكَ يَتَلَأْلَأُ فِي الْجُدُرِ «١٠» ...
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ «١١» : وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: كَانَ وَجْهُهُ ﷺ مِثْلَ
الحواشي
(١) : أبدى اسنانه.(٢) المطهم: المدور الوجه، وقيل: هو السمين الفاحش، وقيل المنتفخ الوجه، وقيل النحيف الجسم.(٣) المكلثم: المجتمع لحم وجهه.(٤) متماسك البدن: ليس برهل مسترخ لحمه.(٥) ضرب اللحم: خفيفة ولطيفة لا يابسة وكثيفة.(٦) تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم «٤» .(٧) اللمة: بكسر اللام وتشديد الميم وهي ما طال من شعر الرأس في أحد جانبيه وقيل: ما جاوز من شعره شحمة الاذن وسميت بها لا لمامها بالمتكبين.(٨) كما رواه الشيخان وغيرهما.(٩) تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .(١٠) رواه أحمد والترمذي وابن حبان. ومعنى يتلألأ في الجدر: أي أن نور وجهه الشريف يشرق إشراقا يصل الى الجدران المقابلة كما يكون ذلك من الشمس.(١١) تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم «٨» .стр. 138
السَّيْفِ. فَقَالَ: لَا بَلْ مِثْلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَكَانَ مُسْتَدِيرًا «١» .
وَقَالَتْ «٢» أُمُّ مَعْبَدٍ «٣» فِي بَعْضِ مَا وَصَفَتْهُ بِهِ:
أَجْمَلُ النَّاسِ مِنْ بَعِيدٍ، وَأَحْلَاهُ وَأَحْسَنُهُ مِنْ قَرِيبٍ.
وَفِي حَدِيثِ «٤» ابْنِ أَبِي هَالَةَ «٥» :
يَتَلَأْلَأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُؤَ الْقَمَرِ، ليلة البدر.
وقال»
علي «٧» فِي آخِرِ وَصْفِهِ لَهُ:
مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً «٨» هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ.
يَقُولُ نَاعِتُهُ: لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ ﷺ .
- وَالْأَحَادِيثُ فِي بَسْطِ صِفَتِهِ مشهورة كثيرة فلا نطول بسردها.
الحواشي
(١) كما رواه الشيخان وغيرهما.(٢) أي من رواية البيهقي في دلائله عن أخيها جيشن ابن خالد عنها.(٣) تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٩» .(٤) سيأتي الحديث.(٥) تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم «٦» .(٦) على ما في جامع الترمذي وشمائله.(٧) تقدمت ترجمته في ص «٤» رقم «٤» .(٨) بديهة: مفاجأة من غير روية أي أول وهلة.стр. 139
- وَقَدِ اخْتَصَرْنَا فِي وَصْفِهِ نُكَتَ «١» مَا جَاءَ فِيهَا، وَجُمْلَةً مِمَّا فِيهِ، كِفَايَةٌ فِي الْقَصْدِ إِلَى الْمَطْلُوبِ.
- وَخَتَمْنَا هَذِهِ الْفُصُولَ بِحَدِيثٍ جَامِعٍ لذلك تقف عليه هناك- إن شاء الله تعالى-.
***
الحواشي
(١) النكت. اللطائف والدقائق.стр. 140
الْفَصْلُ الثَّالِثُ نَظَافَتُهُ ﷺ
أما نَظَافَةُ جِسْمِهِ، وَطِيبُ رِيحِهِ وَعَرَقِهِ، وَنَزَاهَتُهُ عَنِ الْأَقْذَارِ، وَعَوْرَاتِ الْجَسَدِ «١» ؛ فَكَانَ قَدْ خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ بِخَصَائِصَ لَمْ تُوجَدْ فِي غَيْرِهِ، ثُمَّ تَمَّمَهَا بِنَظَافَةِ الشَّرْعِ، وَخِصَالِ الْفِطْرَةِ العشر «٢» .
وقال: «بني الدّين على النظافة» «٣» .
الحواشي
(١) عورات: عيوب.(٢) لحديث مسلم عن عائشة ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عشر من الفطرة.. قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الابط، وخلق العانة، وانتقاص الماء ... قال مصعب ابن شيبة راويه: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة ... ) وانتقاص الماء يعني الاستنجاء. وقال المؤلف في شرح مسلم: ولعل العاشرة الختان لأنه مذكور في قوله ﵊: «الفطرة خمس ... » .(٣) هنا الحديث وان قال العراقي في تخريج أحاديث الاحياء لم أجده هكذا بل في الضعفاء لابن حبان من حديث عائشة ﵂ (تنظفوا فإن الاسلام نظيف) . وللطبراني في الأوسط بسند ضعيف من حديث ابن مسعود ﵁ (النظافة تدعو الى الاسلام) هـ فقد روى الرافعي في تاريخه بسنده عن أبي هريرة ﵁ بعض حديث مرفوعا (تنظفوا بكل ما استطعتم فإن الله تعالى بنى الإسلام على النظافة، ولن يدخل الجنة الا كل نظيف) وينصره حديث الترمذي (إن الله نظيف يحب النظافة فنظفوا أفنيتكم) .стр. 141
عَنْ أَنَسٍ «١» قَالَ: «مَا شَمَمْتُ عَنْبَرًا قَطُّ، وَلَا مِسْكًا، وَلَا شَيْئًا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ رسول الله ﷺ » «٢» .
وعن جَابِرِ «٣» بْنِ سَمُرَةَ: «أَنَّهُ ﷺ مَسَحَ خَدَّهُ، قَالَ: فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا وريحا، كأنما أخرجها من جونة عَطَّارٍ» «٤» .
قَالَ غَيْرُهُ: مَسَّهَا بِطِيبٍ أَوْ لَمْ يَمَسَّهَا، يُصَافِحُ الْمُصَافِحَ فَيَظَلُّ يَوْمَهُ يَجِدُ رِيحَهَا. وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ الصَّبِيِّ فَيُعْرَفُ مِنْ بَيْنِ الصِّبْيَانِ بِرِيحِهَا
- «وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في دار أنس «٥» على نطع «٦» . فَعَرِقَ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ بِقَارُورَةٍ تَجْمَعُ فِيهَا عَرَقَهُ، فَسَأَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: نَجْعَلُهُ فِي طِيبِنَا وَهُوَ من أطيب الطيب.» «٧» .
الحواشي
(١) أنس بن مالك تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .(٢) الحديث في مسلم وفي الشمائل.(٣) جابر بن سمرة تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم «٨» .(٤) روى الحديث مسلم وهذا جزء من الحديث.(٥) أنس بن مالك تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .(٦) النطع: البساط.(٧) أخرج الحديث مسلم. وزاد البخاري عليه (نرجو بركته لصبياننا) .стр. 142
وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ عَنْ جَابِرٍ «١» :
«لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَمُرُّ فِي طَرِيقٍ فَيَتْبَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا عَرَفَ أنّه سلكه، من طيبه» .
وذكر إسحق «٢» بْنُ رَاهْوَيْهِ: أَنَّ تِلْكَ كَانَتْ رَائِحَتُهُ بِلَا طيب ﷺ .
روى المزني «٣» ، والحربي «٤» .
عن جابر «٥» ﵁ قال: «أَرْدَفَنِي النَّبِيُّ ﷺ خَلْفَهُ، فَالْتَقَمْتُ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ بِفَمِي، فَكَانَ يَنِمُّ «٦» عَلَيَّ مِسْكًا» .
وَقَدْ حَكَى بَعْضُ الْمُعْتَنِينَ بِأَخْبَارِهِ وَشَمَائِلِهِ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَغَوَّطَ، انْشَقَّتِ الأرض فابتلعت غائطه وبوله، وفاحت
الحواشي
(١) جابر: هو جابر بن عبد الله الصحابي رضي الله تعالى عنهما، شهد المشاهد كلها إلا بدرا، واستغفر له النبي ﷺ خمسا وعشرين مرة لما قضى دين أبيه، روى ألفا وخمسمائة حديث، وهو آخر صحابي مات بالمدينة سنة سبعين وشيء.(٢) وهو إسحق بن إبراهيم بن مخلد التميمي، ويكنى بأبي يعقوب المروزي، الإمام الزاهد الثقة المجتهد، أمير المؤمنين في الحديث، وهو الذي أحيا السنة بالمشرق ما سمع شيئا إلا حفظه، وما حفظ شيئا فنسيه.(٣) المزني: بضم ففتح: أبو إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل المزني الزاهد، كان مجاب الدعوة، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه فيه: لو ناظر الشيطان لغلبه توفي سنة ٢٦٤ هـ.(٤) الحربي: هو إبراهيم بن إسحق الحربي الحنبلي نسبة إلى الحربية محلة من بغداد توفي سنة ١٠٧ هـ.(٥) جابر بن عبد الله: مرت ترجمته آنفا وهذا الحديث رواه ابن عساكر في تاريخه.(٦) ينم: يفوح.стр. 143
لِذَلِكَ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، ﷺ «١» . وَأَسْنَدَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ «٢» ، كَاتِبُ الْوَاقِدِيِّ «٣» فِي هَذَا «٤» خَبَرًا، عَنْ عَائِشَةَ «٥» ﵂:
«أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّكَ تَأْتِي الْخَلَاءَ فَلَا نَرَى مِنْكَ شَيْئًا من الأذى، فقال: يا عائشة، أو ما عَلِمْتِ أَنَّ الْأَرْضَ تَبْتَلِعُ «٦»
مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَلَا يُرَى مِنْهُ شَيْءٌ «٧» ؟!» .
وَهَذَا الْخَبَرُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا فَقَدْ قَالَ قَوْمٌ من أهل العلم بطهارة هذين الْحَدَثَيْنِ مِنْهُ ﷺ .
وَهُوَ قول بعض أصحاب الشافعي «٨» .
الحواشي
(١) ذكره البيهقي عن عائشة ﵂ وقال: إنه موضوع كما سيأتي.(٢) محمد بن سعد: الإمام الكبير الحافظ الثقة، وهو أبو عبد الله، محمد مولى بني هاشم، صاحب الطبقات توفي سنة ٢٠٤ هـ.(٣) الواقدي: ولي القضاء ببغداد للمأمون، وروى عن مالك أحاديث كثيرة، وروى عنه الشافعي وغيره، واستقر الإجماع على ضعفه كما في الميزان توفي سنة ٢١١ هـ.(٤) أي في أن الأرض تبتلع ما يخرج منه وتفوح له رائحة طيبة.(٥) السيدة عائشة: تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .(٦) وفي نسخة (تبلع) .(٧) وهذا الحديث وإن لم يكن مشهورا فقد قال ابن دحية بعد أن أورده: هذا سند ثابت. قيل: وهذا أقوى ما في الباب، وقد أخرجه الدارقطني في الافراد بسند ثابت.(٨) وعليه كثير من الخراسانيين، لكن المعتمد في المذهب خلافه كما ذكره الدلجي. الشافعي: أبو عبد الله محمد بن إدريس القرشي، عالم مكة، يصدق بحقه حديث الرسول ﷺ : عالم مكة يملأ طباق الأرض علما. ولد في غزه سنة ١٥٠ هـ ونشأ وترعرع في مكة، حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وأولع بالعربية من النحو والشعر واللغة، وحفظ موطا مالك بليلة، وأفتى وهو ابن خمس عشرة سنة، رحل إلى اليمن ثم بغداد ثم أقام في مصر وبها توفي سنة ٢٠٤ هـ.стр. 144
حكاه الإمام أبو نصر بن الصَّبَّاغِ «١» فِي شَامِلِهِ.
وَقَدْ حَكَى الْقَوْلَيْنِ عَنِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَابِقٍ الْمَالِكِيُّ «٢» فِي كِتَابِهِ «الْبَدِيعُ» فِي فُرُوعِ الْمَالِكِيَّةِ، وَتَخْرِيجُ مَا لَمْ يَقَعْ لَهُمْ مِنْهَا عَلَى مَذْهَبِهِمْ مِنْ تَفَارِيعِ الشَّافِعِيَّةِ.
وَشَاهِدُ هَذَا: أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ شَيْءٌ يُكْرَهُ وَلَا غَيْرُ طَيِّبٍ ...
وَمِنْهُ حَدِيثُ «٣» عَلِيٍّ «٤» ﵁: «غَسَّلْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ مَا يَكُونُ مِنَ الْمَيِّتِ، فَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا فَقُلْتُ: طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا. قَالَ: وَسَطَعَتْ مِنْهُ رِيحٌ طَيِّبَةٌ، لَمْ نَجِدْ مِثْلَهَا قَطُّ» .
وَمِثْلُهُ قَالَ»
أَبُو بَكْرٍ «٦» ﵁ حِينَ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ ، بعد موته.
الحواشي
(١) أبو نصر بن الصباغ: الإمام البحر عبد السيد بن محمد، انتهت إليه رئاسة الشافعية في عصره، وكان ورعا نقيا زاهدا، توفي سنة ٤٧٧ هـ مكفوف البصر.(٢) أبو بكر بن سابق: العالم الفاضل المقلد لمذهب الإمام مالك.(٣) رواه ابن ماجه وأبو داود في مراسيله والحكيم والبيهقي.(٤) علي بن أبي طالب تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .(٥) رواه البزار عن عمر بسند صحيح، وهو بعض خبر في البخاري.(٦) أبو بكر الصديق: هو عبد الله بن عثمان بن عامر القرشي التيمي، خليفة رسول الله ﷺ ولد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر، وهو أفضل الصحابة على الاطلاق، حارب المرتدين حروبا لا هوادة فيها، وانتصر عليهم، وثبت دعائم الاسلام بعد وفاة النبي ﷺ ، توفي سنة ١٣ هـ وهو ابن ثلاث وستين سنة، ودفن بجانب رسول الله ﷺ .стр. 145
- وَمِنْهُ شُرْبُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ «١» دَمَهُ، يَوْمَ أُحُدٍ، وَمَصُّهُ إِيَّاهُ، وَتَسْوِيغُهُ ﷺ ذَلِكَ لَهُ وَقَوْلُهُ لَهُ: «لَنْ تُصِيبَهُ النَّارُ» «٢» ،
- وَمِثْلُهُ «٣» شُرْبُ عَبْدِ اللَّهِ «٤» بْنِ الزُّبَيْرِ دم حجامته، فقال له ﵇: «وَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ، وَوَيْلٌ لَهُمْ مِنْكَ» وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ؛ وَقَدْ رُوِيَ نَحْوٌ مَنْ هَذَا عَنْهُ فِي امْرَأَةٍ شَرِبَتْ بَوْلَهُ، فَقَالَ لَهَا: «لَنْ تَشْتَكِي وَجَعَ بَطْنِكِ أَبَدًا.» «٥»
- وَلَمْ يَأْمُرْ وَاحِدًا مِنْهُمْ بِغَسْلِ فَمٍ، ولا نهاه عن عود.
وَحَدِيثُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، الَّتِي شَرِبَتْ بَوْلَهُ صَحِيحٌ، ألزم
الحواشي
(١) مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن الأبجر، وهو أبو سعيد الخدري، وهو من كبار الصحابة، شرب دم النبي ﷺ يوم أحد فقال النبي ﷺ : من مس دمه دمي لم يخالطه ذنب، وقتل ﵁ شهيدا في هذه الغزوة.(٢) رواه الطبراني في معجمه الأوسط عن أبي سعيد الخدري، ورواه البيهقي عن عمر بن السائب.(٣) كما رواه الحاكم والبزار، والدارقطني والبيهقي والبغوي، والطبراني وسنده جيد، والعجب من ابن الصلاح أنه قال: هذا حديث لم أجد له أصلا بالكلية وهو في هذه الأصول.(٤) عبد الله بن الزبير: هو عبد الله بن الزبير بن العوام، بضم الزاي والتصغير، وكان أول مولود للمسلمين بعد الهجرة، وكانت ولادته هزيمة لليهود حين أعلنوا أنهم سحروا المسلمين فلن يولد لهم مولود. استخلف بعد وفاة سيدنا معاوية سنة ٦٤ هـ، وحاصره الحجاج عند الكعبة حتى قتل شهيدا سنة ٧٣.(٥) والحديث رواه الحاكم وأقره الذهبي والدارقطني.следующие страницы →