← Сира

Сира · id 23645

الشفا بتعريف حقوق المصطفى - محذوف الأسانيد

القاضي عياض

Полный текст (1 457 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

عَنْ أَنَسٍ «١» قَالَ: «مَا شَمَمْتُ عَنْبَرًا قَطُّ، وَلَا مِسْكًا، وَلَا شَيْئًا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ رسول الله ﷺ » «٢» . وعن جَابِرِ «٣» بْنِ سَمُرَةَ: «أَنَّهُ ﷺ مَسَحَ خَدَّهُ، قَالَ: فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا وريحا، كأنما أخرجها من جونة عَطَّارٍ» «٤» . قَالَ غَيْرُهُ: مَسَّهَا بِطِيبٍ أَوْ لَمْ يَمَسَّهَا، يُصَافِحُ الْمُصَافِحَ فَيَظَلُّ يَوْمَهُ يَجِدُ رِيحَهَا. وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ الصَّبِيِّ فَيُعْرَفُ مِنْ بَيْنِ الصِّبْيَانِ بِرِيحِهَا - «وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في دار أنس «٥» على نطع «٦» . فَعَرِقَ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ بِقَارُورَةٍ تَجْمَعُ فِيهَا عَرَقَهُ، فَسَأَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: نَجْعَلُهُ فِي طِيبِنَا وَهُوَ من أطيب الطيب.» «٧» .

стр. 142

وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ عَنْ جَابِرٍ «١» : «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَمُرُّ فِي طَرِيقٍ فَيَتْبَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا عَرَفَ أنّه سلكه، من طيبه» . وذكر إسحق «٢» بْنُ رَاهْوَيْهِ: أَنَّ تِلْكَ كَانَتْ رَائِحَتُهُ بِلَا طيب ﷺ . روى المزني «٣» ، والحربي «٤» . عن جابر «٥» ﵁ قال: «أَرْدَفَنِي النَّبِيُّ ﷺ خَلْفَهُ، فَالْتَقَمْتُ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ بِفَمِي، فَكَانَ يَنِمُّ «٦» عَلَيَّ مِسْكًا» . وَقَدْ حَكَى بَعْضُ الْمُعْتَنِينَ بِأَخْبَارِهِ وَشَمَائِلِهِ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَغَوَّطَ، انْشَقَّتِ الأرض فابتلعت غائطه وبوله، وفاحت

стр. 143

لِذَلِكَ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، ﷺ «١» . وَأَسْنَدَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ «٢» ، كَاتِبُ الْوَاقِدِيِّ «٣» فِي هَذَا «٤» خَبَرًا، عَنْ عَائِشَةَ «٥» ﵂: «أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّكَ تَأْتِي الْخَلَاءَ فَلَا نَرَى مِنْكَ شَيْئًا من الأذى، فقال: يا عائشة، أو ما عَلِمْتِ أَنَّ الْأَرْضَ تَبْتَلِعُ «٦» مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَلَا يُرَى مِنْهُ شَيْءٌ «٧» ؟!» . وَهَذَا الْخَبَرُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا فَقَدْ قَالَ قَوْمٌ من أهل العلم بطهارة هذين الْحَدَثَيْنِ مِنْهُ ﷺ . وَهُوَ قول بعض أصحاب الشافعي «٨» .

стр. 144

حكاه الإمام أبو نصر بن الصَّبَّاغِ «١» فِي شَامِلِهِ. وَقَدْ حَكَى الْقَوْلَيْنِ عَنِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَابِقٍ الْمَالِكِيُّ «٢» فِي كِتَابِهِ «الْبَدِيعُ» فِي فُرُوعِ الْمَالِكِيَّةِ، وَتَخْرِيجُ مَا لَمْ يَقَعْ لَهُمْ مِنْهَا عَلَى مَذْهَبِهِمْ مِنْ تَفَارِيعِ الشَّافِعِيَّةِ. وَشَاهِدُ هَذَا: أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ شَيْءٌ يُكْرَهُ وَلَا غَيْرُ طَيِّبٍ ... وَمِنْهُ حَدِيثُ «٣» عَلِيٍّ «٤» ﵁: «غَسَّلْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ مَا يَكُونُ مِنَ الْمَيِّتِ، فَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا فَقُلْتُ: طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا. قَالَ: وَسَطَعَتْ مِنْهُ رِيحٌ طَيِّبَةٌ، لَمْ نَجِدْ مِثْلَهَا قَطُّ» . وَمِثْلُهُ قَالَ» أَبُو بَكْرٍ «٦» ﵁ حِينَ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ ، بعد موته.

стр. 145

- وَمِنْهُ شُرْبُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ «١» دَمَهُ، يَوْمَ أُحُدٍ، وَمَصُّهُ إِيَّاهُ، وَتَسْوِيغُهُ ﷺ ذَلِكَ لَهُ وَقَوْلُهُ لَهُ: «لَنْ تُصِيبَهُ النَّارُ» «٢» ، - وَمِثْلُهُ «٣» شُرْبُ عَبْدِ اللَّهِ «٤» بْنِ الزُّبَيْرِ دم حجامته، فقال له ﵇: «وَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ، وَوَيْلٌ لَهُمْ مِنْكَ» وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ؛ وَقَدْ رُوِيَ نَحْوٌ مَنْ هَذَا عَنْهُ فِي امْرَأَةٍ شَرِبَتْ بَوْلَهُ، فَقَالَ لَهَا: «لَنْ تَشْتَكِي وَجَعَ بَطْنِكِ أَبَدًا.» «٥» - وَلَمْ يَأْمُرْ وَاحِدًا مِنْهُمْ بِغَسْلِ فَمٍ، ولا نهاه عن عود. وَحَدِيثُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، الَّتِي شَرِبَتْ بَوْلَهُ صَحِيحٌ، ألزم

стр. 146

الدَّارَقُطْنِيُّ «١» مُسْلِمًا «٢» ، وَالْبُخَارِيَّ «٣» ، إِخْرَاجَهُ فِي الصَّحِيحِ. وَاسْمُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ «بَرَكَةُ» «٤» ، وَاخْتُلِفَ فِي نَسَبِهَا، وَقِيلَ: هِيَ أُمُّ أَيْمَنَ «٥» ، وَكَانَتْ تَخْدِمُ النَّبِيَّ ﷺ . قالت: وكان للنبي ﷺ قَدَحٌ مِنْ عِيدَانٍ «٦» ، يُوضَعُ تَحْتَ سَرِيرِهِ، يَبُولُ فِيهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَبَالَ فِيهِ لَيْلَةً، ثُمَّ افْتَقَدَهُ، فَلَمْ يَجِدْ

стр. 147

فِيهِ شَيْئًا. فَسَأَلَ بَرَكَةَ عَنْهُ، فَقَالَتْ: قُمْتُ، وَأَنَا عَطْشَانَةٌ، فَشَرِبْتُهُ وَأَنَا لَا أَعْلَمُ» رَوَى حديثها ابن جريج «١» وغيره «٢» . وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ وُلِدَ مَخْتُونًا، مَقْطُوعَ السُّرَّةِ «٣» ؛ وَرُوِيَ عَنْ أُمِّهِ آمنة «٤» أنها قالت: وَلَدْتُهُ نَظِيفًا، مَا بِهِ قَذَرٌ «٥» . وَعَنْ «٦» عَائِشَةَ «٧» ﵂: مَا رَأَيْتُ فَرْجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَطُّ، وَعَنْ عَلِيٍّ «٨» ﵁: أَوْصَانِي النَّبِيُّ ﷺ لَا يُغَسِّلُهُ غَيْرِي «فَإِنَّهُ لَا يَرَى أَحَدٌ عَوْرَتِي إِلَّا طُمِسَتْ عَيْنَاهُ» «٩» وفي حديث

стр. 148

عِكْرِمَةَ «١» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «٢» ﵄ «أنه ﷺ ، نَامَ حَتَّى سُمِعَ لَهُ غَطِيطٌ «٣» ، فَقَامَ فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» «٤» . قَالَ عِكْرِمَةُ: لِأَنَّهُ ﷺ كان محفوظا.

стр. 149

الفصل الرابع وفور عقله وفصاحة لسانه وقوة حواسه ﷺ أما وُفُورُ عَقْلِهِ، وَذَكَاءُ لُبِّهِ، وَقُوَّةُ حَوَاسِّهِ، وَفَصَاحَةُ لِسَانِهِ، وَاعْتِدَالُ حَرَكَاتِهِ، وَحُسْنُ شَمَائِلِهِ، فَلَا مِرْيَةَ «١» أَنَّهُ كَانَ أَعْقَلَ النَّاسِ وَأَذْكَاهُمْ. - وَمَنْ تَأَمَّلَ تَدْبِيرَهُ أَمْرَ بَوَاطِنِ الْخَلْقِ، وَظَوَاهِرِهِمْ، وَسِيَاسَةِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، مَعَ عَجِيبِ شَمَائِلِهِ وَبَدِيعِ سِيَرِهِ، فَضْلًا عَمَّا أَفَاضَهُ مِنَ الْعِلْمِ، وَقَرَّرَهُ مِنَ الشَّرْعِ، دُونَ تَعَلُّمٍ سَبَقَ، وَلَا مُمَارَسَةٍ تَقَدَّمَتْ، وَلَا مُطَالَعَةٍ لِلْكُتُبِ مِنْهُ، لَمْ يَمْتَرِ فِي رُجْحَانِ عقله، وثقوب «٢» فهمه، لأول بديهة.

стр. 150

- وهذا لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْرِيرِهِ لِتَحَقُّقِهِ. وَقَدْ قَالَ وَهْبُ «١» بْنُ مُنَبِّهٍ: قَرَأْتُ فِي أَحَدٍ وَسَبْعِينَ كِتَابًا، فَوَجَدْتُ فِي جَمِيعِهَا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، أَرْجَحُ النَّاسِ عَقْلًا، وَأَفْضَلُهُمْ رَأْيًا. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فَوَجَدْتُ فِي جَمِيعِهَا، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُعْطِ جَمِيعَ النَّاسِ مِنْ بَدْءِ الدُّنْيَا إِلَى انْقِضَائِهَا، مِنَ الْعَقْلِ فِي جَنْبِ عَقْلِهِ ﷺ ، إِلَّا كَحَبَّةِ رَمْلٍ مِنْ بَيْنِ رِمَالِ الدُّنْيَا. وَقَالَ «٢» مُجَاهِدٌ «٣» : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِذَا قَامَ فِي «٤» الصَّلَاةِ يَرَى مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ. وَبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ» » . وفي الموطّأ «٦» عنه ﵊: «إنّي لأراكم من وراء ظهري» «٧» .

стр. 151

وَنَحْوُهُ عَنْ أَنَسٍ «١» فِي الصَّحِيحَيْنِ «٢» . وَعَنْ عَائِشَةَ «٣» مِثْلُهُ «٤» قَالَتْ: «زِيَادَةٌ زَادَهُ اللَّهُ إِيَّاهَا فِي حَجَّتِهِ» وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «٥» : «إِنِّي لَأَنْظُرُ مِنْ «٦» وَرَائِي كَمَا أَنْظُرُ مِنْ «٧» بَيْنِ يَدَيَّ» . وَفِي أُخْرَى «٨» : «إِنِّي لَأُبْصِرُ مِنْ قَفَايَ كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ» . وَحَكَى بَقِيُّ «٩» بْنُ مَخْلَدٍ عن عائشة «١٠» : «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرَى فِي الظُّلْمَةِ كَمَا يَرَى فِي الضَّوْءِ» «١١» . - وَالْأَخْبَارُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ فِي رُؤْيَتِهِ ﷺ الملائكة «١٢»

стр. 152

والشياطين «١» . - ورفع له النجاشي «٢» حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ «٣» . - وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ «٤» حِينَ وَصَفَهُ لِقُرَيْشٍ. - وَالْكَعْبَةِ حِينَ «٥» بَنَى مَسْجِدَهُ «٦» ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ «٧» ﷺ أَنَّهُ: «كَانَ يَرَى فِي الثُّرَيَّا أَحَدَ عَشَرَ نَجْمًا.» - وَهَذِهِ كلها محمولة على رؤية العين.

стр. 153

وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ «١» حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ «٢» إِلَى رَدِّهَا إِلَى الْعِلْمِ. - وَالظَّوَاهِرُ تُخَالِفُهُ، وَلَا إِحَالَةَ «٣» فِي ذَلِكَ، وَهِيَ مِنْ خَوَاصِّ الأنبياء وخصالهم. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «٤» عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «لما تجلّى الله لِمُوسَى ﵇، كَانَ يُبْصِرُ النَّمْلَةَ عَلَى الصَّفَا، فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، مَسِيرَةَ عَشَرَةِ فَرَاسِخَ» «٥» . وَلَا يَبْعُدُ عَلَى هَذَا، أَنْ يَخْتَصَّ نَبِيُّنَا ﷺ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ، بَعْدَ الْإِسْرَاءِ وَالْحُظْوَةِ، بِمَا رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى. وَقَدْ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ «٦» بِأَنَّهُ صَرَعَ رُكَانَةَ «٧» ، أَشَدَّ أهل وقته

стр. 154

وَكَانَ دَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ «١» . وَصَارَعَ أَبَا رُكَانَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ «٢» ، وَكَانَ شَدِيدًا، وَعَاوَدَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يَصْرَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقال «٣» أبو هريره» : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَشْيِهِ، كَأَنَّمَا الْأَرْضُ تُطْوَى لَهُ؛ إِنَّا لَنُجْهِدُ أَنْفُسَنَا، وَهُوَ غير مكترث؛ وفي صفته ﵊ أَنَّ ضَحِكَهُ كَانَ تَبَسُّمًا، إِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ مَعًا، وَإِذَا مَشَى مَشَى تَقَلُّعًا، «٥» كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ من صبب «٦» .

стр. 155

الفصل الخامس فصاحة لسانه وبلاغته ﷺ وَأَمَّا فَصَاحَةُ اللِّسَانِ، وَبَلَاغَةُ الْقَوْلِ، فَقَدْ كَانَ ﷺ مِنْ ذَلِكَ بِالْمَحَلِّ الْأَفْضَلِ، وَالْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يُجْهَلُ، سَلَاسَةَ طَبْعٍ، وَبَرَاعَةَ مَنْزَعٍ، وَإِيجَازَ مَقْطَعٍ، وَنَصَاعَةَ لَفْظٍ، وَجَزَالَةَ قَوْلٍ، وَصِحَّةَ مَعَانٍ، وَقِلَّةَ تَكَلُّفٍ. - أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَخُصَّ بِبَدَائِعِ الْحِكَمِ، وَعِلْمِ أَلْسِنَةِ الْعَرَبِ، فكان يُخَاطِبُ كُلَّ أُمَّةٍ مِنْهَا بِلِسَانِهَا، وَيُحَاوِرُهَا بِلُغَتِهَا، وَيُبَارِيهَا فِي مَنْزَعِ بَلَاغَتِهَا، حَتَّى كَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَسْأَلُونَهُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ عَنْ شرح كلامه، وتفسير قوله. - من تَأَمَّلَ حَدِيثَهُ، وَسِيَرَهُ، عَلِمَ ذَلِكَ وَتَحَقَّقَهُ. - وَلَيْسَ كَلَامُهُ مَعَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ، وَأَهْلِ الْحِجَازِ، وَنَجْدٍ،

стр. 156

كَكَلَامِهِ مَعَ «ذِي الْمِشْعَارِ «١» الْهَمَدَانِيِّ» «وَطِهْفَةَ «٢» النَّهْدِيِّ» و «قطن بن «٣» حارثة العليمي» و «الأشعث «٤» بن قيس» و «وائل بْنِ حُجْرٍ «٥» الْكِنْدِيِّ» وَغَيْرِهِمْ، مِنْ أَقْيَالِ «٦» حَضْرَمَوْتَ، وَمُلُوكِ الْيَمَنِ. - وَانْظُرْ كِتَابَهُ إِلَى هَمَدَانَ: (إِنَّ لكم فراعها «٧» ، ووهاطها «٨»

стр. 157

وَعَزَازَهَا «١» تَأْكُلُونَ عِلَافَهَا «٢» ، وَتَرْعَوْنَ عَفَاءَهَا «٣» ، لَنَا مِنْ دِفْئِهِمْ «٤» ، وَصِرَامِهِمْ «٥» مَا سَلَّمُوا «٦» بِالْمِيثَاقِ «٧» وَالْأَمَانَةِ، وَلَهُمْ من الصدقة الثلب «٨» والناب «٩» ، والفصيل «١٠» ، والفارض «١١» الداجن «١٢» ، وَالْكَبْشُ الْحَوَارِيُّ «١٣» ، وَعَلَيْهِمْ فِيهَا الصَّالِغُ «١٤» وَالْقَارِحُ «١٥» ... وَقَوْلُهُ لنهد «١٦» : «اللهم بارك لهم في محضها» «١٧» ،

стр. 158

وَمَخْضِهَا «١» ، وَمَذْقِهَا «٢» ، وَابْعَثْ رَاعِيَهَا فِي الدَّثْرِ «٣» ، وَافْجُرْ لَهُ الثَّمَدَ «٤» وَبَارِكْ لَهُمْ فِي الْمَالِ وَالْوَلَدِ. مَنْ أَقَامَ الصَّلَاةَ كَانَ مُسْلِمًا، وَمَنْ آتَى الزَّكَاةَ كَانَ مُحْسِنًا، وَمَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَانَ مُخْلِصًا، لَكُمْ يَا بني نهد ودائع» الشريك، وَوَضَائِعُ «٦» الْمُلْكِ، لَا تُلْطِطْ «٧» فِي الزَّكَاةِ، وَلَا تُلْحِدْ «٨» فِي الْحَيَاةِ، وَلَا تَتَثَاقَلْ عَنِ الصَّلَاةِ. وَكَتَبَ لَهُمْ: فِي الْوَظِيفَةِ الْفَرِيضَةِ «٩» ، وَلَكُمُ الْفَارِضُ وَالْفَرِيشُ «١٠» ، وَذُو الْعِنَانِ «١١» الرَّكُوبُ، وَالْفَلُوُّ «١٢» الضَّبِيسُ «١٣» ، لَا يمنع

стр. 159

سَرْحُكُمْ «١» ، وَلَا يُعْضَدُ «٢» طَلْحُكُمْ «٣» ، وَلَا يُحْبَسُ دَرُّكُمْ «٤» ، مَا لَمْ تُضْمِرُوا الرِّمَاقَ «٥» ، وَتَأْكُلُوا الرِّبَاقَ «٦» . مَنْ أَقَرَّ فَلَهُ الْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ، وَالذِّمَّةِ، وَمَنْ أَبَى فَعَلَيْهِ الرَّبْوَةُ «٧» . وَمِنْ كِتَابِهِ لِوَائِلِ بْنِ حُجْرٍ «٨» : «إلى الأقيال العباهلة «٩» ، والأرواع «١٠» الْمَشَابِيبِ «١١» . وَفِيهِ: فِي التِّيعَةِ «١٢» شَاةٌ، لَا مُقَوَّرَةُ «١٣» الألياط «١٤» ،

стр. 160

ولا ضناك «١» ، وأنطوا «٢» الثبجة «٣» . وَفِي السُّيُوبُ «٤» الْخُمُسُ. وَمَنْ زَنَى مِمْ «٥» بِكْرٍ فَاصْقَعُوهُ «٦» مِائَةً، وَاسْتَوْفِضُوهُ «٧» عَامًا، وَمَنْ زَنَى مِمْ ثيب فضرّجوه «٨» بِالْأَضَامِيمِ «٩» وَلَا تَوْصِيمَ ١» فِي الدِّينِ، وَلَا عَمَةَ «١١» فِي فَرَائِضِ اللَّهِ. وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَوَائِلُ بْنُ «١٢» حُجْرٍ يَتَرَفَّلُ «١٣» عَلَى الْأَقْيَالِ ... أَيْنَ هَذَا مِنْ كِتَابِهِ لِأَنَسٍ «١٤» فِي الصَّدَقَةِ الْمَشْهُورِ، لَمَّا كَانَ كَلَامُ هَؤُلَاءِ عَلَى هَذَا الْحَدِّ، وَبَلَاغَتُهُمْ عَلَى هَذَا النَّمَطِ، وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِمْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ، استعملها معهم، ليبين للناس ما نزّل

стр. 161

إليهم، وليحدث الناس بما يعلمون ... وَكَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ «١» عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ «٢» : «فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْطِيَةُ، وَالْيَدَ السُّفْلَى هِيَ الْمُنْطَاةُ» . قَالَ: فَكَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلُغَتِنَا. وَقَوْلُهُ «٣» فِي حَدِيثِ الْعَامِرِيِّ «٤» : حِينَ سَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «سل عَنْكَ» أَيْ سَلْ عَمَّا شِئْتَ. وَهِيَ لُغَةُ بَنِي عَامِرٍ ... - وَأَمَّا كَلَامُهُ الْمُعْتَادُ، وَفَصَاحَتُهُ الْمَعْلُومَةُ، وَجَوَامِعُ كَلِمِهِ، وَحِكَمُهُ الْمَأْثُورَةُ، فَقَدْ أَلَّفَ النَّاسُ فِيهَا الدَّوَاوِينَ، وَجُمِعَتْ فِي أَلْفَاظِهَا، وَمَعَانِيهَا الْكُتُبُ. وَمِنْهَا مَا لَا يُوَازَى فَصَاحَةً، وَلَا يُبَارَى بلاغة. كقوله «٥» : «المسلمون تتكافؤ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى من سواهم» .

стр. 162

وقوله «١» : «الناس كأسنان المشط» ، - «المرء مع من أحبّ» «٢» ، - «لا خَيْرَ فِي صُحْبَةِ مَنْ لَا يَرَى لَكَ ما ترى له» «٣» ، - «والناس معادن» «٤» ، - «ما هلك امرؤ عرف قدره» «٥» ، - «المستشار مؤتمن وهو بالخيار ما لم يتكلم» «٦» ، - «رحم اللَّهُ عَبْدًا قَالَ خَيْرًا فَغَنِمَ، أَوْ سَكَتَ فسلم» «٧» ، وقوله: «أسلم تسلم.. أسلم يؤتك الله أجرك مرتين..» «٨»

стр. 163

- «إنّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَجَالِسَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أحاسنكم أخلاقا، الموطؤون أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ.» «١» وَقَوْلُهُ: «لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِمَا لَا يَعْنِيهِ وَيَبْخَلُ بِمَا لَا يُغْنِيهِ» «٢» وَقَوْلُهُ: «ذُو الْوَجْهَيْنِ لَا يَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا» «٣» وَنَهْيُهُ «٤» عَنْ «قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَمَنْعٍ وَهَاتٍ، وَعُقُوقِ الْأُمَّهَاتِ ووأد البنات.» وقوله: «إتق الله حيث كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بخلق حسن.» «٥» - «خير الأمور أوساطها.» «٦» وَقَوْلُهُ «٧» : «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا، عَسَى أَنْ يكون بغيضك يوما ما» .

стр. 164

وَقَوْلِهِ «١» : «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَقَوْلُهُ «٢» فِي بَعْضِ دُعَائِهِ «٣» : «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عندك، تهدي بها قلبي، تجمع بِهَا أَمْرِي، وَتَلُمُّ بِهَا شَعَثِي «٤» ، وَتُصْلِحُ بِهَا غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وَتُلْهِمُنِي بِهَا رُشْدِي، وَتَرُدُّ بِهَا أُلْفَتِي، وَتَعْصِمُنِي بِهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ؛ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْفَوْزَ عِنْدَ الْقَضَاءِ، وَنُزُلَ الشُّهَدَاءِ، وَعَيْشَ السُّعَدَاءِ، وَالنَّصْرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ ... » إِلَى مَا رَوَتْهُ الْكَافَّةُ «٥» عَنِ الْكَافَّةِ، مِنْ مَقَامَاتِهِ، وَمُحَاضَرَاتِهِ، وَخُطَبِهِ، وَأَدْعِيَتِهِ، وَمُخَاطَبَاتِهِ وَعُهُودِهِ، مِمَّا لَا خِلَافَ أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ ذَلِكَ مَرْتَبَةً «٦» لَا يُقَاسُ بِهَا غَيْرُهُ، وحاز فيها سبقا لا يقدر قدره؛

стр. 165

- وَقَدْ جَمَعْتُ مِنْ كَلِمَاتِهِ، الَّتِي لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهَا، وَلَا قَدَرَ أَحَدٌ أَنْ يُفْرِغَ فِي قالبه عليها. كقوله «١» : «حمي الوطيس» ، «مات حتف أنفه» » ، «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» «٣» ، «السعيد من وعظ بغيره» «٤» ، وفي أخواتها ما يُدْرِكُ النَّاظِرُ الْعَجَبَ فِي مُضَمَّنِهَا، وَيَذْهَبُ بِهِ الفكر في أواني حِكَمِهَا. وَقَدْ قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ «٥» : مَا رَأَيْنَا الذي هو أفصح منك..

стр. 166

فَقَالَ: «وَمَا يَمْنَعُنِي؟!! وَإِنَّمَا أُنْزِلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِي، لسان عربي مبين» . وقال مرة أخرى «١» : «أنا أفصح العرب، بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ وَنَشَأْتُ فِي بَنِي سَعْدٍ» . فَجُمِعَ لَهُ بِذَلِكَ، ﷺ قُوَّةُ عَارِضَةِ «٢» الْبَادِيَةِ وَجَزَالَتُهَا «٣» ، وَنَصَاعَةُ «٤» أَلْفَاظِ الْحَاضِرَةِ وَرَوْنَقُ «٥» كَلَامِهَا، إِلَى التَّأْيِيدِ الْإِلَهِيِّ الَّذِي مَدَدُهُ الْوَحْيُ الَّذِي لَا يُحِيطُ بِعِلْمِهِ بَشَرِيٌّ «٦» . وَقَالَتْ أُمُّ مَعْبَدٍ «٧» فِي وَصْفِهَا لَهُ: «حُلْوُ المنطق، فصل «٨» ، لا نزر «٩» ، ولا هذر «١٠»

стр. 167

كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتٌ «١» نُظِمْنَ. وَكَانَ جَهِيرَ الصَّوْتِ «٢» ، حسن النغمة. ﷺ .

стр. 168

الْفَصْلُ السَّادِسُ شَرَفُ نَسَبِهِ وَكَرَمُ بَلَدِهِ وَمَنْشَئِهِ ﷺ وأما شرف نسبه، وكرم بلده، ومنشئه فمها لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِقَامَةِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ، وَلَا بَيَانِ مُشْكِلٍ، وَلَا خَفِيٍّ مِنْهُ. فَإِنَّهُ نُخْبَةُ بَنِي هَاشِمٍ، وَسُلَالَةُ قُرَيْشٍ وَصَمِيمُهَا، وَأَشْرَفُ الْعَرَبِ وَأَعَزُّهُمْ نَفَرًا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَمِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، مِنْ أَكْرَمِ بِلَادِ اللَّهِ عَلَى الله، وعلى عباده. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «١» ﵁: أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ قَرْنًا فقرنا، حتى كنت في القرن الذي كنت منه» «٢» .

стр. 169

وَعَنِ الْعَبَّاسِ «١» ﵁ قَالَ: قَالَ النبي ﷺ : «٢» «إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم ومن خَيْرِ قَرْنِهِمْ، ثُمَّ تَخَيَّرَ الْقَبَائِلَ، فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِ قَبِيلَةٍ، ثُمَّ تَخَيَّرَ الْبُيُوتَ، فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِ بُيُوتِهِمْ. فَأَنَا خَيْرُهُمْ نَفْسًا، وَخَيْرُهُمْ بَيْتًا» . وعن وائلة «٣» بن الأصقع ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بَنِي كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ «٤» : وَهَذَا حَدِيثٌ صحيح «٥» .

стр. 170

وَفِي حَدِيثٍ عَنِ ابْنِ «١» عُمَرَ ﵄: رواه الطبراني «٢» أَنَّهُ ﷺ قَالَ «٣» : «إِنَّ الله اخْتَارَ خَلْقَهُ، فَاخْتَارَ مِنْهُمْ بَنِي آدَمَ، ثُمَّ اخْتَارَ بَنِي آدَمَ، فَاخْتَارَ مِنْهُمُ الْعَرَبَ، ثُمَّ اختار العرب، فَاخْتَارَ مِنْهُمْ بَنِي هَاشِمٍ، ثُمَّ اخْتَارَ بَنِي هَاشِمٍ فَاخْتَارَنِي مِنْهُمْ. فَلَمْ أَزَلْ خِيَارًا مِنْ خِيَارٍ. أَلَا مَنْ أَحَبَّ الْعَرَبِ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَ الْعَرَبَ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ.» وَعَنِ ابْنِ «٤» عَبَّاسٍ «٥» : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، كَانَتْ رُوحُهُ نُورًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى، قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، يُسَبِّحُ ذَلِكَ النُّورُ وَتُسَبِّحُ الْمَلَائِكَةُ بِتَسْبِيحِهِ، فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ أَلْقَى ذَلِكَ النُّورَ فِي صُلْبِهِ.

стр. 171

فقال رسول ﷺ : «فَأَهْبَطَنِي اللَّهُ إِلَى الْأَرْضِ فِي صُلْبِ آدَمَ، وَجَعَلَنِي فِي صُلْبِ نُوحٍ، وَقَذَفَ بِي فِي صُلْبِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ تَعَالَى يَنْقُلُنِي مِنَ الْأَصْلَابِ الكريمة، والأرحام الطاهرة، حتى أخرجني من أَبَوَيَّ ... لَمْ يَلْتَقِيَا عَلَى سِفَاحٍ قَطُّ» . وَيَشْهَدُ بصحة هَذَا الْخَبَرِ شِعْرُ الْعَبَّاسِ «١» ، الْمَشْهُورُ فِي مَدْحِ النبي ﷺ ... ***

стр. 172

الفصل السّابع حالته ﷺ في الضروريات وَأَمَّا مَا تَدْعُو ضَرُورَةُ الْحَيَاةِ إِلَيْهِ، مِمَّا فصلناه فعلى ثلاثة أضرب: - ضَرْبُ الْفَضْلِ فِي قِلَّتِهِ. - وَضَرْبُ الْفَضْلِ فِي كثرته. - وضرب تختلف الأحوال فيه ... أ- فَأَمَّا مَا التَّمَدُّحُ وَالْكَمَالُ بِقِلَّتِهِ، اتِّفَاقًا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، عَادَةً وَشَرِيعَةً، كَالْغِذَاءِ، وَالنَّوْمِ ... وَلَمْ تَزَلِ الْعَرَبُ وَالْحُكَمَاءُ تَتَمَادَحُ بِقِلَّتِهِمَا، وَتَذُمُّ بِكَثْرَتِهِمَا لِأَنَّ كَثْرَةَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ دَلِيلٌ عَلَى النَّهَمِ وَالْحِرْصِ. وَالشَّرَهِ وَغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ مُسَبِّبٌ لِمَضَارِّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، جَالِبٌ لِأَدْوَاءِ الْجَسَدِ،

стр. 173

وَخَثَارَةِ «١» النَّفْسِ، وَامْتِلَاءِ الدِّمَاغِ. وَقِلَّتُهُ، دَلِيلٌ عَلَى الْقَنَاعَةِ وَمِلْكُ النَّفْسِ. وَقَمْعُ الشَّهْوَةِ مُسَبِّبٌ لِلصِّحَّةِ، وَصَفَاءِ الْخَاطِرِ، وَحِدَّةِ الذِّهْنِ. كَمَا أَنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ دَلِيلٌ عَلَى الْفُسُولَةِ «٢» وَالضَّعْفِ، وَعَدَمِ الذَّكَاءِ وَالْفِطْنَةِ مُسَبِّبٌ لِلْكَسَلِ، وَعَادَةِ الْعَجْزِ، وَتَضْيِيعِ الْعُمْرِ فِي غَيْرِ نَفْعٍ، وَقَسَاوَةِ الْقَلْبِ، وَغَفْلَتِهِ وَمَوْتِهِ. وَالشَّاهِدُ عَلَى هَذَا: مَا يُعْلَمُ ضَرُورَةً، وَيُوجَدُ مُشَاهَدَةً، وَيُنْقَلُ مُتَوَاتِرًا، مِنْ كَلَامِ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ، والحكماء السالفين، وَأَشْعَارِ الْعَرَبِ وَأَخْبَارِهَا وَصَحِيحِ الْحَدِيثِ، وَآثَارِ مَنْ سَلَفَ وَخَلَفَ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِشْهَادِ عليه، وإنما تركنا ذكره هنا. اخْتِصَارًا، وَاقْتِصَارًا عَلَى اشْتِهَارِ الْعِلْمِ بِهِ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَخَذَ مِنْ هَذَيْنِ الْفَنَّيْنِ بِالْأَقَلِّ ... هَذَا مَا لَا يُدْفَعُ مِنْ سِيرَتِهِ، وَهُوَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ، وَحَضَّ عَلَيْهِ، لَا سِيَّمَا بِارْتِبَاطِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ.

стр. 174

عن المقدام بن «١» معدي كرب ﵁: أَنَّ» رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ. حَسْبُ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ» فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ، فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» . وَلِأَنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ «٣» : بِقِلَّةِ الطَّعَامِ يُمْلَكُ سَهَرُ اللَّيْلِ. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا تَأْكُلُوا كَثِيرًا، فَتَشْرَبُوا كَثِيرًا، فَتَرْقُدُوا كَثِيرًا، فَتَخْسَرُوا كَثِيرًا. وَقَدْ رُوِيَ «٤» عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ: «كَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ مَا كَانَ عَلَى ضفف» أي كثرة الأيدي.

стр. 175

وعن عائشة «١» ﵂: لم «٢» يمتليء جَوْفُ النَّبِيِّ ﷺ شِبَعًا قَطُّ، وَأَنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ لَا يَسْأَلُهُمْ طَعَامًا وَلَا يَتَشَهَّاهُ، إِنْ أَطْعَمُوهُ أَكَلَ، وَمَا أَطْعَمُوهُ قَبِلَ، وَمَا سَقَوْهُ شَرِبَ ... - وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِحَدِيثِ بَرِيرَةَ «٣» وَقَوْلِهِ «٤» : «أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ «٥» فِيهَا لَحْمٌ» . - إِذْ لَعَلَّ سَبَبَ سُؤَالِهِ ظَنُّهُ ﷺ اعْتِقَادَهُمْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ، فَأَرَادَ بَيَانَ سُنَّتِهِ، إِذْ رَآهُمْ لَمْ يُقَدِّمُوهُ إِلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَأْثِرُونَ عَلَيْهِ بِهِ، فَصَدَقَ عَلَيْهِمْ ظَنُّهُ، وَبَيَّنَ لَهُمْ مَا جَهِلُوهُ مِنْ أَمْرِهِ بِقَوْلِهِ: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ» . وَفِي حِكْمَةِ لقمان «٦» ﵇: يا بني إذا امتلأت المعدة

стр. 176

نَامَتِ الْفِكْرَةُ، وَخَرِسَتِ الْحِكْمَةُ، وَقَعَدَتِ الْأَعْضَاءُ عَنِ الْعِبَادَةِ. وَقَالَ سَحْنُونُ «١» : لَا يَصْلُحُ الْعِلْمُ لِمَنْ يَأْكُلُ حَتَّى يَشْبَعَ. وَفِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ «٢» قَوْلُهُ ﷺ : «أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا» «وَالِاتِّكَاءُ» : هُوَ التَّمَكُّنُ لِلْأَكْلِ، وَالتَّقَعْدُدُ «٣» فِي الْجُلُوسِ لَهُ كَالْمُتَرَبِّعِ، وَشِبْهِهِ مِنْ تَمَكُّنِ الْجَلْسَاتِ، الَّتِي يَعْتَمِدُ فِيهَا الْجَالِسُ عَلَى مَا تَحْتَهُ ... وَالْجَالِسُ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ يَسْتَدْعِي الْأَكْلَ وَيَسْتَكْثِرُ مِنْهُ. - وَالنَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا كَانَ جُلُوسُهُ لِلْأَكْلِ جُلُوسَ الْمُسْتَوْفِزِ مُقْعِيًا «٤» وَيَقُولُ «٥» : «إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ» . وَلَيْسَ مَعْنَى الْحَدِيثِ فِي الِاتِّكَاءِ الْمَيْلُ عَلَى شِقٍّ عِنْدَ المحققين.

стр. 177

- وَكَذَلِكَ نَوْمُهُ ﷺ كَانَ قَلِيلًا. شَهِدَتْ بِذَلِكَ الْآثَارُ الصَّحِيحَةُ. وَمَعَ ذَلِكَ فقد قَالَ ﷺ : «إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» «١» . - وَكَانَ نَوْمُهُ عَلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ اسْتِظْهَارًا عَلَى قِلَّةِ النَّوْمِ، لِأَنَّهُ على الجانب الأيسر أهنأ لهدوء القلب، وما يتعلق به من الأعضاء الباطنة حِينَئِذٍ لِمَيْلِهَا إِلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ، فَيَسْتَدْعِي ذَلِكَ الِاسْتِثْقَالَ فِيهِ وَالطُّولَ. وَإِذَا نَامَ النَّائِمُ عَلَى الْأَيْمَنِ تَعَلَّقَ الْقَلْبُ وَقَلِقَ، فَأَسْرَعَ الْإِفَاقَةَ، وَلَمْ يغمره الاستغراق.

стр. 178

الفصل الثامن زواجه ﷺ وما يتعلّق به أَمَّا النِّكَاحُ. فَمُتَّفَقٌ فِيهِ شَرْعًا وَعَادَةً. فَإِنَّهُ دَلِيلُ الْكَمَالِ وَصِحَّةِ الذُّكُورِيَّةِ، وَلَمْ يَزَلِ التَّفَاخُرُ بِكَثْرَتِهِ عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَالتَّمَادُحُ بِهِ سِيرَةٌ مَاضِيَةٌ. وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَسُنَّةٌ مَأْثُورَةٌ. وَقَدْ قَالَ ابن «١» عباس «٢» ﵄: أفضل هذه الأمة أكثرها نساء ... مشيرا إِلَيْهِ ﷺ . وَقَدْ قَالَ ﷺ «٣» : «تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا، فَإِنِّي مباه بكم

стр. 179

الأمم «١» ، وَنَهَى عَنِ التَّبَتُّلِ «٢» . مَعَ مَا فِيهِ مِنْ قَمْعِ الشَّهْوَةِ، وَغَضِّ الْبَصَرِ، اللَّذَيْنِ نَبَّهَ عَلَيْهِمَا ﷺ . بِقَوْلِهِ «٣» : «مَنْ كَانَ ذَا طَوْلٍ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ» . - حَتَّى لَمْ يَرَهُ الْعُلَمَاءُ مِمَّا يَقْدَحُ فِي الزُّهْدِ. قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «٤» : قَدْ حُبِّبْنَ إِلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، فَكَيْفَ يُزْهَدُ فيهن؟!! ولابن عيينه «٥» نحوه ... وَقَدْ كَانَ زُهَّادُ الصَّحَابَةِ «٦» ﵃ كثيري الزوجات والسراري، كثيري النكاح.

стр. 180

وَحُكِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ «١» ، وَالْحَسَنِ «٢» ، وَابْنِ عُمَرَ «٣» ، وَغَيْرِهِمْ غَيْرُ شَيْءٍ ... وَقَدْ كَرِهَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ عَزَبًا. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ النِّكَاحُ، وَكَثْرَتُهُ مِنَ الْفَضَائِلِ، وَهَذَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا «٤» ﵇ قَدْ أَثْنَى الله تعالى عَلَيْهِ بِالْعَجْزِ عَمَّا تَعُدُّهُ فَضِيلَةً!!!. - وَهَذَا عِيسَى «٥» بن مَرْيَمَ- ﵇ تَبَتَّلَ مِنَ النِّسَاءِ ... وَلَوْ كان كما قررته لنكح ...
следующие страницы →