دليل على الاعتناء به ودوام ملاحظته.
ب- حملهم على تجديد شكر الله تعالى وتكبيره وحمده على كثرة نعمه.
وأقول: قد تكون الحكمة أيضا من ذلك، هو إشعارهم بفضل الله العظيم عليهم، وأنه- ﵎ لم يعطهم ما يرضيهم فحسب بل أعطاهم الزيادة تفضلا وامتنانا، فهم رضوا وكبّروا لما علموا أنهم ربع أهل الجنة ثم جاءت الزيادة مرتين بعدها، وهذا أدعى للفرحة وأحرى بالشكر والامتنان للمنعم، ودافع للإنسان في تصور مقدار النعمة، وفيه أيضا حب النبي ﷺ لأن ينقل أصحابه من فرحة إلى فرحة أعظم إلى فرحة عظمى.
الفائدة الثالثة:
وهي فوائد متفرقة:
١- مشروعية التكبير عند سماع المسلم ما يفرحه خاصة في أمور الدين، لما ورد في رواية مسلم: «أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟» قال: فكبّرنا.
٢- حسن تربية النبي ﷺ لأصحابه ﵃، فمع أن البشرى كانت من النبي ﷺ ، إلا أنهم قد توجهوا لله بالشكر والحمد، ومظهره في الحديث تكبيرهم ﵃.
٣- بيان مدى قدر الأدب الجم الذي تجمل به النبيّ ﷺ مع ربه- ﵎ حيث قال: «إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة» .
٤- كرامة الجنة على ربها، إذ جعلها دار كل نفس مؤمنة، وحرمها على كل نفس غير مؤمنة، في مقابل هوان الدنيا على ربها، إذ جعلها دارا للمؤمنين والكافرين.
٥- كثرة أهل الشرك جدّا مقارنة بالمؤمنين لقوله ﷺ : «وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأبيض» .
١٢- عاداتها بالنيات عبادات:
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وفي بضع أحدكم صدقة» . قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرا» . من حديث رواه مسلم «١» .
وعن سعد بن أبي وقّاص أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله
стр. 282
إلّا أجرت عليها حتّى ما تجعل في فم امرأتك» . رواه مسلم «١» ، كما روى الشيخان عن أبي مسعود الأنصاريّ عن النّبيّ ﷺ قال: «إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة» «٢» .
هذه من منن الله العظيمة على أفراد هذه الأمة إذ جعل لهم من أعمالهم الدنيوية التي يقومون بها بالليل والنهار- وهم مضطرون إليها ولا ينفكون عنها- جعل لهم فيها أجرا وثوابا إذ هم قاموا بها إيمانا واحتسابا، تقربا إلى الله وطلبا لفضله ومرضاته، ومن تلك الأعمال النفقة على الأهل وإطعام الزوجة اللقمة في فمها، وحتى معاشرتها لقضاء الوطر.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
عظيم منة الله- على هذه الأمة، ومظاهر ذلك:
١- أن الله جعل ما يفعله العبد ويقوم به من العادات كالإنفاق على الأهل والولدان، وما يتلذذ به كمضاجعة الزوجة وإطعامها اللقمة في فمها، جعل منها أعمالا يؤجر عليها العبد وتكون في ميزان أعماله يوم القيامة عبادات، قال الإمام النووي: (إن الحظ إذا وافق الحق لا يقدح في ثوابه؛ لأن وضع اللقمة في فم الزوجة يقع غالبا في حال المداعبة، ولشهوة النفس في ذلك مدخل ظاهر ومع ذلك إذا وجد القصد في تلك الحالة إلى ابتغاء الثواب حصل له بفضل الله) «٣» .
٢- مكّن الله- عبده المؤمن أن يكون دائما متصلا به مستحضرا ثوابه ورؤيته له، وذلك بأن شرع له أن يبتغي وجهه الكريم في كل عمل يقوم به سواء كان هذا العمل فيه مجاهدة أو كان لذة للنفس.
٣- إرادة الله- الشرعية أن يغتنم العبد كل وقته بما يفيده وينفعه في الآخرة، فلا يضيع على نفسه شيئا من عمره هباء، لقدرته على أن يكون كل عمله بأجر وثواب، ويتفرع عليه عظيم قدر وقت المؤمن إذ يمكنه أن يستثمره كله في طاعته .
стр. 283
٤- يسّر- لكل مسلم أبوابا من خير كثيرة، ضمن بها لكل عبد ألا يعدم عملا صالحا له فيه الأجر والثواب، فمن منا يعجز أن ينوي بنومه ليلا التقوّي للعبادة وأداء صلاة الفجر في جماعة المسلمين وكذلك إذا أكل وشرب، ومن منا يعجز أن يجامع زوجته بنية إنجاب الذرية الصالحة التي تقوم بأمر الدين وهكذا.
ويتبين من ذلك أن الكثير منا مغبون يضيع عليه حسنات كثيرة لعدم استحضار النية عند قيامه بعاداته.
٥- كرمه- حيث يقبل- مع غناه عن العباد وافتقارهم إليه- القليل ويثيبهم عليه، ودليله قوله ﷺ : «إذا أنفق المسلم نفقة» . قال ابن حجر ﵀: «وحذف المقدار من قوله: (إذا أنفق) لإرادة التعميم ليشمل الكثير والقليل» «١» .
وأقول: إن تنكير كلمة «نفقة» يفيد التحقير أي أدنى نفقة. كما أن من كرمه- أنه هو الذي رزق العباد ثم إذا هم أنفقوها فيما يحبونه ويتلذذون به باحتساب ونية أثابهم على ذلك.
الفائدة الثانية:
من شروط قبول العبادة واستحقاق العباد الأجر والثواب عليها أن يبتغي العبد بها وجه الله أي يطلب بها ثواب الله ورضاه والتقرب إليه، وأن يقصد بالقيام بها طلب الأجر، وهو المقصود من قوله ﷺ : «وهو يحتسبها» ، ولكن كيف يحتسب العبد النفقة على أهله، قال الإمام النووي: (وطريقه في الاحتساب أن يتذكر أنه يجب عليه الإنفاق على الزوجة وأولاده وغيرهم ممن تجب نفقته على حسب أحوالهم واختلاف العلماء فيهم وأن غيرهم ممن ينفق عليه مندوب إلى الإنفاق عليهم فينفق بنية أداء ما أمر به وقد أمر بالإحسان إليهم) «٢» .
الفائدة الثالثة:
كل عمل يستطيع كسبه من الحرام فيعدل عنه إلى الحلال والمشروع من الدين فإن له فيه أجرا، لقوله ﷺ : «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟! فكذلك إذا وضعها في الحلال» ، فالرجل الذي يستطيع أن يكسب عيشه من حرام فعفّ عنه والتمس رزقا حلالا كان له في ذلك أجر.
стр. 284
ثالثا: تفضيل مدينته ومسجده على سائر البقاع سوى (مكة)
أ- تفضيل مدينته ﷺ :
لا شك أن من أعظم دلائل إكرام الله- لنبيه ﷺ أن أوجب لمدينته غاية التعظيم، وعدد مظاهر هذا التعظيم ونوّعه ليدلل على منتهى تكريم صاحبها ﷺ .
ومن أوجه ذلك أن جعلها الله حرما وبارك في صاعها ومدّها ولعن من آذى محدثا أو أحدث فيها ورغب في شد الرحال إلى مسجدها، وجعل فيه من دون مساجد الأرض روضة من رياض الجنة وتوعد من أراد بأهلها سوآ، فماذا بقي لهذه البلدة المباركة من أمر لم يعظّم شرعا أو لم يبارك فيه، وما كان ذلك إلا لوفور بركة من أقام ومات فيها ﷺ ورفيع منزلته عند الله- ﵎ كما سنرى إن شاء الله..
١- مدينته حرم وثبوت اللعنة على من أحدث فيها حدثا:
عن عليّ ﵁ قال: ما عندنا شيء إلّا كتاب الله وهذه الصّحيفة عن النّبيّ ﷺ : «المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا، من أحدث فيها حدثا، أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل» . [رواه البخاري] «١» .
وقد بدأت بتحريم الله لها لأنه أبلغ مظاهر الاعتناء بها فهي حرم، مثل مكة المكرمة، تأخذ نفس أحكامها فلا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها ولا يحمل السلاح فيها لقتال، قال صاحب تحفة الأحوذي ما نصه: (وفيه دليل على أن المدينة حرم كحرم مكة، وفي هذا أحاديث كثيرة مروية في الصحيحين وغيرهما قال الشوكاني: استدلّ بما في هذه الأحاديث- من تحريم شجر المدينة وخبطه وعضده وتحريم صيدها وتنفيره- الشافعيّ ومالك وأحمد والهادي وجمهور أهل العلم على أن للمدينة حرما كحرم مكة محرم صيده وشجره، قال الشافعي ومالك: فإن قتل صيدا أو قطع شجرا فلا ضمان؛ لأنه ليس بمحل للنسك فأشبه الحمى، وقال ابن أبي ذئب وابن أبي ليلى: يجب فيه الجزاء كحرم مكة، وبه قال بعض المالكية، وهو ظاهر قوله: كما حرّم إبراهيم مكة) «٢» . انتهى.
стр. 285
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
كذب من ادعى أن النبي ﷺ قد خص عليّا- ﵁ بأمور من هذا الدين لم يطلع عليها أحد غيره، ودليله قول علي ﵁: (ما عندنا شيء إلا كتاب الله وهذه الصحيفة) ، والمنفي هنا شيء اختصوا به عن الناس، ودليله أيضا ما رواه مسلم، قال أبو الطّفيل عامر بن واثلة: كنت عند عليّ بن أبي طالب فأتاه رجل فقال: ما كان النّبيّ ﷺ يسرّ إليك؟ قال: فغضب، وقال: ما كان النّبيّ ﷺ يسرّ إليّ شيئا يكتمه النّاس غير أنّه قد حدّثني بكلمات أربع قال: فقال: ما هنّ يا أمير المؤمنين؟ قال: قال: «لعن الله من لعن والده، ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثا، ولعن الله من غيّر منار الأرض» «١» .
قال الإمام ابن حجر- رحمه الله تعالى: (في الحديث رد لما تدعيه الشيعة بأنه كان عند علي وآل بيته من النبي ﷺ أمور كثيرة أعلمه بها سرّا تشتمل على كثير من قواعد الدين وأمور الأمارة) «٢» .
وقال الإمام النووي في شرح مسلم: (هذا تصريح من علي ﵁ بإبطال ما تزعمه الشيعة والرافضة ويخترعونه من قولهم: إن عليّا ﵁ أوصى إليه النبيّ ﷺ بأمور كثيرة من أسرار العلم وقواعد الدين وكنوز الشريعة وأنه ﷺ خص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم، وهذه دعاوى باطلة واختراعات فاسدة لا أصل لها ويكفي في إبطالها قول علي ﵁ . انتهى كلام النووي ﵀ «٣» .
وأقول: بل يكفي في إبطالها أنها تقدح في أمانة النبي ﷺ حاشا لله- في تبليغ رسالة ربه، قال تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ [المائدة: ٦٧] ، واختصاص أحد دون الناس بأمر من أمور الدين ينفي امتثال النبي ﷺ لأمر ربه .
الفائدة الثانية:
التهديد الشديد والوعيد الأكيد لمن أحدث في المدينة حدثا أو آوى محدثا؛ لأن من فعل ذلك فقد استحق لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، قال الإمام النووي
стр. 286
في شرح مسلم نقلا عن القاضي عياض: (معناه من أتى فيها إثما أو آوى من أتاه وضمه عليه وحماه) «١» ، كما نقل عنه قوله: (واستدلوا بهذا على أن ذلك من الكبائر؛ لأن اللعنة لا تكون إلا في كبيرة، ومعناها: أن الله يلعنه وكذا يلعنه الملائكة والناس أجمعون وهذا مبالغة في إبعاده عن رحمة الله تعالى فإن اللعن في اللغة الطرد والإبعاد قالوا: والمراد باللعن هنا العذاب الذي يستحقه على ذنبه والطرد عن الجنة أول الأمر وليست هي كلعنة الكفار الذين يبعدون من رحمة الله تعالى كل الإبعاد) «٢» .
وقال صاحب تحفة الأحوذي: (فمن أحدث أي أظهر في المدينة حدثا وهو الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعناه ولا معروف في السنة) ، كما ذكر ﵀ أن معنى آوى أي: أجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتصّ منه «٣» .
وذكر الإمام ابن حجر نقلا عن ابن بطال قوله: (دل الحديث على أن من أحدث حدثا أو آوى محدثا في غير المدينة أنه غير متوعد بمثل ما توعّد به من فعل ذلك بالمدينة وإن كان قد علم أن من آوى أهل المعاصي أنه يشاركهم في الإثم فإن من رضي فعل قوم وعملهم التحق بهم، ولكن خصّت المدينة بالذكر لشرفها ولكونها مهبط الوحي وموطن الرسول ﷺ ومنها انتشر الدين في أقطار الأرض فكان لها بذلك مزيد فضل على غيرها) «٤» .
الفائدة الثالثة:
أقوال العلماء في معنى قوله ﷺ : «لا يقبل منه صرف ولا عدل» . ذكر العلماء أقوالا كثيرة في المعنى، ذكر النووي ﵀ طرفا منها حيث قال: (الصرف:
الفريضة، والعدل: النافلة، الصرف: التوبة والعدل: الفدية، وقيل: الصرف: الشفاعة والعدل الفدية) «٥» .
ولكن هل معنى عدم القبول هنا هو عدم الإجزاء، أي ترد عليه مثلا صلاة الفريضة والنافلة كأنه لم يصلها؟ نقل النووي عن القاضي قوله: (المعنى: لا تقبل فريضته ولا نافلته قبول رضا وإن قبلت قبول إجزاء، وقيل: يكون القبول هنا بمعنى تكفير الذنب بهما) «٦» .
الفائدة الرابعة:
التحذير كل التحذير من فعل المعاصي وارتكاب الآثام وإحداث البدع
стр. 287
في مدينة النبي ﷺ ، ويخشى على من فعل ذلك وأصر عليه من سوء العاقبة. ويؤخذ من الحديث أيضا أن من فعل ذلك بالمدينة فقد أغضب النبي ﷺ أشد المغاضبة؛ إذ لم يعظم مدينته ولم يعرف قدرها ولم يرع حرمتها وحرمة ساكنها ﷺ ويكفيه ذنبا أنه قد أشاع المعاصي والمنكرات في مكان أشاع فيه النبي ﷺ الهداية للعالمين، بل يكفيه وزرا أنه يعصي الله- في مكان قد يكون النبي ﷺ جلس فيه أو مشى عليه ولو مرة واحدة والأدهى من ذلك أن يكون نزل عليه الوحي فيه.
الفائدة الخامسة:
بيان أن الذنوب تتعاظم في قبحها وآثامها باختلاف المكان والزمان التي ارتكبت فيه، قال تعالى فيمن باشر شيئا من ذلك في البلد الحرام: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [الحج: من الآية ٢٥] ، وقال في حق الأشهر الحرم: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
[التوبة: ٣٦] ، وفي الحديث الذي معنا: «من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» .
٢- حرمة أهلها:
عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ : «من أراد أهل هذه البلدة بسوء- يعني المدينة- أذابه الله كما يذوب الملح في الماء» . [رواه مسلم] «١» .
وهذا تهديد شديد لمن أراد أهل المدينة بسوء فإن النبي ﷺ قد أخبر أن الله- سينتقم منه، وأن الله لن يمهله حتى يتمكن من مراده، وقد ذكر العلماء عدة أقوال في معنى الحديث، منها:
١- من أراد المدينة في الدنيا بسوء فإنه لن يمهله، بل سيذهب سلطانه عن قرب، كما وقع لمسلم بن عقبة وغيره فإنه عوجل عن قرب فهلك في منصرفه عنها.
٢- من أرادها في حياة النبي ﷺ كفي المسلمون أمره واضمحلّ كيده كما يضمحل الرصاص في النار، حيث ورد في رواية مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: «ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلّا أذابه الله في النّار ذوب الرّصاص أو ذوب الملح في
стр. 288
الماء» «١» . ذكر القول الأول الإمام ابن حجر، والثاني الإمام النووي- رحمهما الله تعالى- «٢» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
عظيم حرمة أهل المدينة حيث إن النبي ﷺ قد توعد من أرادهم بسوء أن الله لن يمهلهم، وهذا التهديد لا يختص بزمن حياة النبي ﷺ ، كما لا يختص بالانتقام في الدنيا فحسب بل ينسحب قطعا على كل الأزمان، وأن الانتقام يحدث في الدنيا والآخرة.
ويتفرع على ذلك وجوب حب أهل المدينة وتوقيرهم وعدم النيل منهم.
الفائدة الثانية:
إرادة الله الكونية بحفظ المدينة وأهلها من كيد الكائدين، ويتفرع على ذلك التحذير كل التحذير من إرادة المدينة وأهلها بأدنى سوء.
الفائدة الثالثة:
الترغيب والحث على سكناها وملازمة أرضها، وهذا عام في جميع الأحاديث التي وردت في فضل المدينة ومسجدها.
٣- بركة المدينة:
عن أنس ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «اللهمّ اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكّة من البركة» . رواه البخاري «٣» ، وعند مسلم: عن عبّاد بن تميم، عن عمّه عبد الله بن زيد بن عاصم: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ إبراهيم حرّم مكّة ودعا لأهلها، وإنّي حرّمت المدينة كما حرّم إبراهيم مكّة، وإنّي دعوت في صاعها ومدّها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكّة» «٤» .
وهذا الحديث من جملة فضائل هذه البقعة المباركة الطيبة، ويتمثل هذا الفضل في بركة مدّها وصاعها، فإن كان في صاع مكة ومدّها البركة، ففي صاع المدينة ومدّها ضعف تلك البركة.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
ما المقصود بالبركة- التي دعا بها النبي ﷺ في المد والصاع؟ قال الإمام النووي ﵀: (الظاهر أن البركة حصلت في نفس المكيل بحيث يكفى المدّ فيها من لا
стр. 289
يكفيه في غيرها، وهذا أمر محسوس عند من سكنها) «١» . ومعلوم أن البركة هي الزيادة والنماء وكثرة الخير في الشيء وهذا كله حصل- إن شاء الله- بدعوة النبي ﷺ .
تنبيه:
إن قال قائل: ذهبت إلى المدينة فلم ألحظ هذه البركة في الطعام والشراب فما السبب؟ قلت: اعلم أن البركة في الطعام والشراب بل وفي الأجواء قد حدثت قطعا استجابة من الله- ﵎ لدعاء النبي ﷺ ، لكن ليس من لازم ذلك أن تحصل البركة لكل أحد وفي كل وقت، فقد يمنع تلك البركة ارتكاب المسلم لبعض المعاصي أو عدم يقينه بالله- أو إعراضه عن سنة النبي ﷺ ، أو يكون المانع لحدوث البركة عدم حل الطعام: إما لحرمته في نفسه أو حرمة المال الذي اشتري به. ولذلك فإن على كل من لم يلمس تلك البركة أن يتهم نفسه ويراجع حاله وماله.
الفائدة الثانية:
ليس في الحديث ما يدل على عموم أفضلية المدينة على بيت الله الحرام؛ لأنه لا يلزم من حصول الأفضلية للمفضول في شيء من الأشياء ثبوت الأفضلية له على الإطلاق، كما أفاد الإمام ابن حجر ﵀ ولكن ما نقطع به أن بركة الصاع والمد في المدينة ضعف بركة الصاع والمد في مكة، وهذا شرف عظيم للمدينة، تمتاز به على جميع بقاع الأرض، وفي هذا أبلغ الحث على سكناها.
الفائدة الثالثة:
ثبوت بركة مد وصاع مكة؛ لقوله ﷺ : «اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة» ، ولكن تأتي مكة في المرتبة الثانية من حيث البركة، وأقول: هذا التضعيف في بركة المدينة عن مكة، هو في أمر مخصوص من أمور الدنيا، وهو الصاع والمد، فلا يلزم أن يكون التضعيف يشمل أمور الآخرة أيضا، فعلى سبيل المثال فإن الصلاة في المسجد الحرام يتضاعف أجرها عن الصلاة في المسجد النبوي الشريف، على صاحبه الصلاة والسلام.
الفائدة الرابعة:
حث المسلم على أن يدعو ببركة صاعه ومده (أي طعامه وشرابه) وإن لم يكن من ساكني البقعتين الشريفتين؛ لثبوت إمكانية حلول البركة فيهما، كما حدث في صاع ومد مكة والمدينة، وبقدر إخلاص العبد في الدعاء واستقامته على الصراط، بقدر حدوث تلك البركة، وكما تحدث البركة في مأكل الإنسان ومشربه فقد تنزع تلك البركة جزئيّا أو كليّا؛ فليحذر المسلم من ذلك، وما يحدث الآن في أغلب الأقطار الإسلامية من غلاء الطعام والشراب لهو أكبر شاهد على نزع البركة
стр. 290
٤- حفظها من الدجال والطاعون:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطّاعون ولا الدّجّال» . [رواه البخاري] «١» .
وعن أبي بكرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «لا يدخل المدينة رعب المسيح الدّجّال لها يومئذ سبعة أبواب على كلّ باب ملكان» . [رواه البخاري] «٢» .
النقب:
هو الطريق الذي يسلكه الناس وقال ابن وهب: المراد به مدخل المدينة، وقيل: أبوابها، وأصل النقب: الطريق بين الجبلين. ذكره ابن حجر في الفتح «٣» .
وهذا أيضا من الفضائل العظيمة للمدينة على صاحبها الصلاة والسلام، ويشترك معها في عدم دخول الدجال مكة المكرمة لما رواه البخاري من حديث أنس: «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة» «٤» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
عظيم منزلة النبي ﷺ عند ربه- ؛ إذ حفظ له مدينته وساكنيها من شرين عظيمين:
يتمثل الأول في وباء شرّه مستطير، وهو الطاعون، قال الإمام ابن حجر ﵀:
(قال ﷺ : «ولكن عافيتك أوسع لي» . فكان منع دخول الطاعون المدينة من خصائص المدينة ولوازم دعاء النبي ﷺ لها بالصحة. وقال آخر: هذا من المعجزات المحمدية؛ لأن الأطباء من أولهم إلى آخرهم عجزوا أن يدفعوا الطاعون عن بلد بل عن قرية، وقد امتنع الطاعون عن المدينة هذه الدهور الطويلة. قلت: وهو كلام صحيح) . انتهى كلامه ﵀ «٥» .
أما الشر الثاني الذي حمى الله منه مدينة خليله ﷺ ، فهو شرّ الدجال، وهو بلا شك شرّ غائب منتظر، روى البخاري في صحيحه: قال ابن عمر- ﵄: قام رسول الله ﷺ في النّاس فأثنى على الله بما هو أهله ثمّ ذكر الدّجّال فقال: «إنّي
стр. 291
لأنذركموه، وما من نبيّ إلّا أنذره قومه، لقد أنذر نوح قومه، ولكنّي أقول لكم فيه قولا لم يقله نبيّ لقومه: تعلمون أنّه أعور، وأنّ الله ليس بأعور» «١» .
الفائدة الثانية:
عظيم قدرة الله سبحانه، ويتبين ذلك من:
١- حفظه- المدينة من دخول الطاعون، وهو وباء عظيم، لا يرى بالعين ولا يحس بالحواس، بملائكة يحرسونها، وكأن الملائكة- وهو الواقع- ستراه وترده عن دخول البلدة الطيبة، وتدبر أخي القارئ ما أودع الله في ملائكته من قدرة عجيبة في مقاومة الطاعون ورده، مع عجز العلم الحديث عن أن يقضي على هذا الوباء الخطير، فضلا عن أن يضع له مصلا يقي البلاد والعباد شره.
٢- مع ما أوتيه الدجال من قدرات عظيمة تفتن كل أحد- إلا المؤمن- إلا أنه يعجز عن دخول مكة والمدينة مع حرصه على ذلك؛ لما رواه البخاري من حديث أنس وفيه:
«فيجد الملائكة يحرسونها فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله» «٢» .
وكان من الممكن واليسير على الله- أن يمنع الطاعون والدجال عن دخول المدينة دون حراسة الملائكة لها، ولكن أراد الله- أن يظهر للعباد فضل المدينة؛ فكرّمها بتقييد الملائكة على أبوابها وأنقابها.
الفائدة الثالثة:
ما الحكمة من عدم دخول الطاعون المدينة ودعاء النبي ﷺ بذلك؟.
قال ابن حجر- ﵀ كلاما جميلا نصه: (الحكمة في ذلك أنه ﷺ لما دخل المدينة كان في قلة من أصحابه عددا ومددا وكانت المدينة وبئة كما سبق من حديث عائشة، ثم خيّر النبي ﷺ في أمرين يحصل بكل منها الأجر الجزيل، فاختار الحمّى حينئذ لقلة الموت بها غالبا بخلاف الطاعون، ثم لما احتاج إلى جهاد الكفار وأذن له في القتال كانت قضية استمرار الحمى أن تضعف أجساد الذين يحتاجون إلى التقوية لأجل الجهاد فدعا بنقل الحمى من المدينة إلى الجحفة فعادت المدينة أصحّ بلاد الله) «٣» . وأضاف ﵀: (ثم استمر ذلك بالمدينة تمييزا لها عن غيرها لتحقق إجابة دعوته وظهور هذه المعجزة العظيمة بتصديق خبره هذه المدة المتطاولة) «٤» .
الفائدة الرابعة:
وجوب الإيمان بظهور الدجال وما معه من آيات عظيمة وقدرات
стр. 292
خارقة، والتي منها أنه سيجوب البلاد كلها إلا المدينة ومكة؛ لرواية مسلم التي ذكرتها آنفا.
الفائدة الخامسة:
لم يقتصر الأمر على حفظ المدينة من وباء الطاعون، بل تعدى الأمر إلى تنقية أجوائها ببركة دعاء النبي ﷺ والذي ورد في حديث عائشة ﵂، الذي رواه البخاري وفيه: فلمّا رأى رسول الله ﷺ ما لقوا قال: «اللهمّ حبّب إلينا المدينة كحبّنا مكّة أو أشدّ، اللهمّ صحّحها وبارك لنا في صاعها ومدّها، وانقل حمّاها إلى الجحفة» «١» .
٥- فيها روضة من رياض الجنة:
عن أبي هريرة ﵁، عن النّبيّ ﷺ قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنّة، ومنبري على حوضي» . [رواه البخاري] «٢» .
هذه هي أعظم خصوصيات المسجد النبوي الشريف- والذي تضم المدينة أرجاءه- وهو أن فيه روضة من رياض الجنة، فمن أراد أن يجلس في الجنة ويعاينها ويشم رائحتها الزكية، قبل أن يراها عيانا يوم القيامة- إن شاء الله تعالى- فلا يسعه إلا أن يشد الرحال إلى هذه البلدة المباركة، ويلتزم المكان الذي بين منبره وبيته ﷺ .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
الحث على ملازمة الروضة الشريفة وكثرة الصلاة والذكر فيها ووجوب حبها وتعظيمها لشرفها على بقية البقاع، وهذا لا يتأتى- لمن هو خارج المدينة- إلا بشد الرحال إليها.
الفائدة الثانية:
منة الله العظيمة على نبيه ﷺ ؛ إذ جعل ما بين المكانين الذي كان ﷺ كثيرا ما يتردد بينهما روضة من رياض الجنة، وهذا يدلل أيضا على شرف وبركة البقعتين الطاهرتين البيوت والمنبر، وأعتقد أن ذلك كان ببركة كثرة ملازمة النبي ﷺ لها وبتلاوته فيهما آيات الله والحكمة، كما أن فيها امتنان الله العظيم على أمة الإسلام، إذ جعل لها بقعة مباركة في مسجد مبارك في بلد مبارك يتصبرون بها عن رؤية ودخول الجنة، بل ويتشوقون بكثرة ملازمتها إلى الجنة ونعيمها ولذاتها التي لا تحول ولا تزول.
الفائدة الثالثة:
ما المقصود بقوله ﷺ : «روضة من رياض الجنة» . ذكر ابن حجر-
стр. 293
رحمه الله- أقوال العلماء فقال: (أي: كروضة من رياض الجنة في نزول الرحمة وحصول السعادة، بما يحصل من ملازمة حلق الذكر لا سيما في عهده ﷺ فيكون تشبيها بغير أداة «١» ، أو المعنى: أن العبادة فيها تؤدي إلى الجنة فيكون مجازا، أو على ظاهره وأن المراد أنه روضة حقيقية بأن ينتقل هذا الموضع بعينه في الآخرة إلى الجنة، هذا محصل ما أوله العلماء في هذا الحديث وهي على ترتيبها هذا في القوة) . انتهى كلامه ﵀ «٢» .
وأعتقد- والعلم عند الله- أن القول الأخير هو المتعين لسببين:
السبب الأول:
أنه يفهم من قول النبي ﷺ : «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» أنها مزية خاصة لتلك البقعة دون سائر البقاع، ولو قلنا بالقول الأول والثاني لاشتركت جميع البقاع التي يكثر فيها حلق العلم والذكر.
كما أن قوله: إن العبادة فيه تؤدي إلى الجنة كلام مردود حيث إن العبادة في كل مكان تؤدي إلى الجنة، خاصة أنه لم يرد تضعيف ثواب العبادة في الروضة عن غيرها من أورقة المسجد النبوي.
السبب الثاني:
أن القول الأول احتاج إلى تقدير أداة تشبيه والقول الثاني أنزل المعنى منزلة المجاز، وحيث لا ضرورة إلى التقدير أو الذهاب إلى المجاز فلا يصير إليهما، فكلما استطعنا أن ننزل كلام الوحي منزلة الحقيقة بلا تشبيه ولا مجاز كان ذلك هو الأولى والأصوب خاصة إذا كانت هناك أسباب تدعو إلى ذلك وقد ذكرتها.
الفائدة الرابعة:
اعتناء الله- بمنبر رسوله ﷺ ، ودليله أنه سيكون معه يوم القيامة وموضعه على حوضه ﷺ ، قال الإمام ابن حجر- رحمه الله تعالى- في شرحه لقوله ﷺ : ( «ومنبري على حوضي» : أي ينقل يوم القيامة فينصب على الحوض، وقال الأكثر: منبره بعينه الذي قال هذه المقالة وهو فوقه، وقيل: المراد: المنبر الذي يوضع له يوم القيامة والأول أظهر) «٣» . وهو الذي مال إليه القاضي عياض حيث نقل عنه الإمام النووي ﵀ قوله: (قال أكثر العلماء: المراد: منبره بعينه الذي كان في الدنيا قال: وهذا هو الأظهر) «٤» .
стр. 294
٦- علوها على بقية القرى:
عن أبي هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون: يثرب، وهي المدينة تنفي النّاس كما ينفي الكير خبث الحديد» . [رواه البخاري] «١» .
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ : «أمرت بقرية تأكل القرى» ، وقوله: «تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد» ، أما الكير فمعناه كما رجح ابن حجر: حانوت الحداد والصائغ ومجمل المعنى كما ذكر ابن حجر: (أنها لا تترك فيها من في قلبه دغل بل تميزه عن القلوب الصادقة وتخرجه كما يميز الحداد رديء الحديد من جيده) «٢» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
بيان فضل المدينة وعلوها على بقية المدن والقرى، يتبين ذلك من:
١- أن الله- هو الذي أمر النبي ﷺ بالهجرة إلى المدينة وملازمة سكناها وأنه- ﵎ هو الذي اختارها له مقاما في حياته وبعد مماته ﷺ ، ودليله: «أمرت بقرية» ، فالآمر بلا شك هو الله- .
٢- كونها تأكل القرى، أي تغلبهم، وقال ابن حجر: (كنّى بالأكل عن الغلبة؛ لأن الآكل غالب على المأكول. وقيل: معناه: يفتح أهلها القرى فيأكلون أموالهم ويسبون ذراريهم) «٣» .
وأعتقد أن قوله ﷺ : «تأكل القرى» يحتمل معنى آخر وقد يكون هو الأوجه، وهو أن المدينة تغلب بقية المدن في الفضل والبركة في صاعها ومدها واشتياق الناس إليها وحبهم لها وهو مشهود جدّا إلى يومنا هذا، وهو ما نوه إلى بعضه المنير في الحاشية بقوله: (يحتمل أن يكون المراد بأكلها القرى غلبة فضلها على فضل غيرها، ومعناها أن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى تكاد تكون عدما) «٤» . ويتوجب الجمع بين القولين وعدم رد أحدهما حيث إن اللفظ يحتملهما والنصوص الشرعية تؤيدهما.
٣- قدرتها على إخراج الكافرين والمنافقين خارج حدودها، فكأنها تطّلع على قلوب الناس فتميزها فتخرج الرديء، وليس هذا لمدينة أخرى سواها، ولكن هل هذا النفي على
стр. 295
مدار الزمن منذ أن قال النبي ﷺ هذه المقولة إلى قيام الساعة أم أنها تنقطع مدة من الزمان؟.
فيه رأيان للعلماء، رجح الإمام النووي الرأي الثاني وهو أن هذه المقولة تختص بزمن حياته ﷺ وقبل قيام الساعة، وحجته في ذلك قصة الأعرابي فإنه ﷺ ذكر هذا الحديث معللا به خروج الأعرابي، وما ورد في أحداث آخر الزمان عندما ينزل الدجال فترجف المدينة بأهلها فلا يبقى منافق ولا كافر إلا خرج إليه، وقال: وأما بين ذلك فلا.
٤- كره النبي ﷺ أن يسميها أحد باسم لا يليق بها فلا شك أن قوله ﷺ : «يقولون:
يثرب وهي المدينة» جاء في سياق الذم لمن يطلق على المدينة يثرب. قال الإمام ابن حجر ﵀: (أي أن بعض المنافقين يسميها يثرب، واسمها الذي يليق بها المدينة، وفهم بعض العلماء من هذا كراهة تسمية المدينة يثرب وقالوا: ما وقع في القرآن إنما هو حكاية عن قول غير المؤمنين) «١» . ونقل- ﵀ عن عيسى بن دينار قوله: (سبب هذه الكراهة؛ لأن يثرب إما من التثريب الذي هو التوبيخ والملامة أو من الثرب وهو الفساد وكلاهما مستقبح) «٢» .
الفائدة الثانية:
من السنة اختيار الأسماء الحسنة، وكراهية الأسماء المشتقة من معان رديئة أو مستقبحة، وأن هذا ليس مختصّا بأسماء الأشخاص بل ينسحب إلى أسماء البلدان، كما أن من السنة تغيير الأسماء المستقبحة وحث الناس على عدم استخدامها.
الفائدة الثالثة:
ليس من لازم قوله ﷺ : «تنفي الناس» أن يكون كل من خرج من المدينة يكون في قلبه شيء اقتضى أن المدينة قد أخرجته، قال الإمام ابن حجر ﵀: (إنما هو في خاص من الناس ومن الزمان بدليل قوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ، والمنافق خبيث بلا شك وقد خرج من المدينة بعد النبي ﷺ معاذ وأبو عبيدة وابن مسعود وطائفة، ثم علي وطلحة والزبير وعمار وآخرون، وهم من أطيب الخلق فدل على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس ووقت دون وقت) «٣» .
الفائدة الرابعة:
بيان أن لله مشيئة كونية وهي نافذة في العباد لا محالة، دليله أن أهل النفاق والزيغ قضت مشيئة الله الكونية أن يخرجوا من المدينة سواء من أراد ذلك أو لم يرد؛ لأن الحديث دل على أن جميعهم سيخرجون منها.
стр. 296
تنبيه هام: لا يفهم من هذا الثناء على المدينة- على صاحبها الصلاة والسلام- وذكر فضائلها ومحاسنها، أنها أفضل من مكة- بلد الله الحرام- أو أنني أريد أن أحبب الناس فيها فحسب، كلا والله، فإن هذا ليس من قصدي، ولكن المقام مقام ذكر المدينة وما ورد فيها، أما بلد الله الحرام فحقها عظيم جدّا يكاد الناس فعلا في غنى عن تذكيرهم به، وأقول على عجل: إنه يكفيها شرفا وعزّا أن فيها بيت الله الحرام قبلة الناس قديما وحديثا، البلدة التي يعظمها الناس جميعا، حتى في زمن الجاهلية، ومن هذا الذي يسعه ألايتوجه إليها بقلبه وبدنه في يومه وليلته خمس مرات، ذكرها الله- في القرآن في عدة مواضع في سياق المدح والتشريف والثناء الحسن، كما ذكر لها- عدة أسماء للدلالة على شريف قدرها، كما استجاب الله- لدعوة إبراهيم ﷺ لها، فجعل القلوب تهوي إليها من مشارق الأرض ومغاربها، ووالله ما تزداد القلوب بزيارتها ورؤيتها إلا شوقا وحنينا إليها، وأقول: إن فيها مزية فوق هذا وذاك لا تشاركها فيها بلدة أخرى أبدا، وهي أن قصدها للحج والعمرة فريضة على كل مسلم ومسلمة، ويستحيل أن تنعقد هذه الفريضة أو تسقط على القادر إلا بالذهاب إليها والمشي في أرضها المباركة زادها الله تشريفا وتعظيما، علاوة على أن فيها الماء المبارك- زمزم- والمقام المبارك- مقام إبراهيم- والحجر المبارك- الحجر الأسود، والمشعر الحرام. فالسعيد السعيد الذي جمع في قلبه حب المدينتين والشوق إليهما، والشقيّ من خلا قلبه من حبهما وزهد في العيش فيهما، وأما من حب إحداهما دون الآخرى فهو المحروم حقّا.
كما يحسن التنبيه إلى أن ما يردده البعض وينسبه إلى النبي ﷺ : «من حج ولم يزرني فقد جفاني، ومن جفاني دخل النار» هو حديث موضوع لا أصل له «١» .
٧- الأجر العظيم على سكناها والتحذير من الرغبة عنها:
قال عثمان بن حكيم: حدّثني عامر بن سعد، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ :
«إنّي أحرّم ما بين لابتي المدينة، أن يقطع عضاهها، أو يقتل صيدها» . وقال: «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها إلّا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلّا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة» . [رواه مسلم] «٢» .
стр. 297
وعند البخاري عن عبد الله بن الزّبير، عن سفيان بن أبي زهير ﵁ أنّه قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تفتح اليمن فيأتي قوم يبسّون فيتحمّلون بأهلهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتفتح الشّأم فيأتي قوم يبسّون فيتحمّلون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتفتح العراق فيأتي قوم يبسّون فيتحمّلون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» «١» .
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ : «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» ، وقوله: «ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة» .
معاني بعض الكلمات: اللأواء: الشدة والجوع، الجهد: المشقة، يبسون: يسوقون دوابهم للرحيل من المدينة. قال النووي: (الصواب أن معناه الإخبار عمن خرج من المدينة متحملا بأهله باسّا في سيره مسرعا إلى الرخاء والأمصار المفتتحة) «٢» .
بعض فوائد الحديثين:
الفائدة الأولى:
الحث على سكنى المدينة وملازمتها، يتبين ذلك من:
١- قوله ﷺ : «والمدينة خير» . وكرر هذا الحث في حديث البخاري ثلاث مرات؛ ليتأكد المعنى.
ومواطن الخيرية في الإقامة في المدينة لا تخفى وهي كل ما ذكر في هذا الفصل من الكتاب وغير ذلك، قال ابن حجر ﵀: (والحال أن الإقامة في المدينة خير لهم لأنها حرم الرسول وجواره ومهبط الوحي ومنزل البركات) «٣» . وهذه الخيرية- ولله الحمد- دائمة إلى يوم القيامة لم تعدم بعد وفاة النبي ﷺ ، والدليل على ذلك أن الأحاديث التي ذكرت في هذا الفصل لم تقيد خيرية المدينة بزمن دون زمن، نقل النووى عن القاضي عياض قوله: (قيل: هو مختص بمدة حياته ﷺ وقال آخرون: هو عام أبدا، وهذا أصح) «٤» .
٢- ذم من تركها وفضّل عليها غيرها من القرى لقوله ﷺ : «لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه» .
стр. 298
وقوله ﷺ : «لو كانوا يعلمون» ، فوصف الذين يرغبون عنها ويفضلون الرخاء بعدم العلم، وفي هذا أعظم الذم والتقبيح لفعلهم، قال ابن حجر ﵀: (فيه تجهيل لمن فارقها وآثر عليها غيرها، وقال: أي ليتهم كانوا من أهل العلم تغليظا وتشديدا) «١» . كما أنه نقل عن الطيبي «٢» موضع الذم بقوله: (نكّر الحديث قوما ووصفهم بكونهم يبسون ثم أكد بقوله: «لو كانوا يعلمون» ؛ لأنه يشعر بأنهم ممن ركن إلى الحظوظ البهيمية والحطام الفاني وأعرضوا عن الإقامة في جوار الرسول ﷺ ولذلك كرر قوما ووصفهم في كل قرينة بقوله: «يبسّون» استحضارا لتلك الهيئة القبيحة) «٣» .
٣- في الحديث أبلغ الحث، بل هو المنتهى في الحث، على سكنى المدينة حيث إن النبي ﷺ قد وعد أهلها وعدا عظيما وبشرهم بشرى فيها غاية الحبور والسرور لهم، من تحققت في حقه فقد فاز فوزا عظيما، ألا وهي شفاعته وشهادته ﷺ لأهلها يوم القيامة،
[مسائل]
وهناك بعض المسائل يجب توضيحها وهي:
المسألة الأولى:
رجّح القاضي عياض أن (أو) في قوله ﷺ : «كنت له شفيعا أو شهيدا» ليست للشك من الرواة لاتفاق روايات كثيرة بإثبات (أو) ، وقال نقلا عن بعض شيوخه:
(فإما أن يكون أعلم بهذه الجملة هكذا وإما أن يكون (أو) للتقسيم ويكون شهيدا لبعض أهل المدينة وشفيعا لبقيتهم، إما شفيعا للعاصين وشهيدا للمطيعين، وإما شهيدا لمن مات في حياته وشفيعا لمن مات بعده) «٤» .
المسألة الثانية:
يشترط لثبوت شفاعة النبي ﷺ وشهادته لأهل المدينة أن يصبروا على ما قد يعانونه في المدينة من شدة وجوع وجهد، صبر مع الإيمان والاحتساب، صبر دون ضجر ولا شكوى؛ لقوله ﷺ : «ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة» .
المسألة الثالثة:
يحرم قطعا شفاعة النبي ﷺ أهل البدع الذين يحدثون في دين الله ما ليس منه، ودليله ما ورد عند الشيخين عن أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعد يقول:
стр. 299
سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «أنا فرطكم على الحوض، فمن ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدا، ليرد عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني ثمّ يحال بيني وبينهم» . قال أبو حازم:
فسمعني النّعمان بن أبي عيّاش وأنا أحدّثهم هذا، فقال: هكذا سمعت سهلا؟ فقلت:
نعم. قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدريّ لسمعته يزيد فيه قال: «إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن بدّل بعدي» «١» .
الفائدة الثالثة:
وهي فوائد متفرقة، نذكرها مختصرة على عجل:
١- إثبات أن للنبي ﷺ شفاعات وشهادات خاصة يوم القيامة، كشفاعته في عمه أبي طالب، وأهل بيته الطاهرين الميامين، وفي هذا الحديث شفاعته وشهادته لأهل المدينة خاصة، وهي مزية عظيمة لهم قال الإمام النووي: (وتكون هذه الشفاعة لأهل المدينة بزيادة الدرجات أو تخفيف الحساب أو بما شاء الله من ذلك أو بإكرامهم يوم القيامة بأنواع الكرامات كإيوائهم إلى ظل العرش أو كونهم في روح وعلى منابر أو الإسراع بهم إلى الجنة أو غير ذلك من خصوص الكرامات الواردة لبعضهم دون بعض) «٢» .
يتفرع على ذلك أن نعلم أنه ليس المقصود من الشفاعة إخراج من دخل النار من المسلمين وإدخالهم الجنة، بل هي شفاعات كثيرة امتن الله بها على صفوته من خلقه محمد ﷺ .
٢- في رواية البخاري معجزة ظاهرة للنبي ﷺ ، وهي إعلامه بالغيب الذي أطلعه الله عليه، حيث ذكر ﷺ فتح اليمن ثم الشام ثم العراق وقد فتحت بنفس الترتيب الذي ورد بالحديث. كما ذكر ﷺ تفرّق الناس في هذه البلاد وهجرتهم إليها طلبا للسعة والرخاء وقد وقع أيضا.
٣- في هذا الحديث بيان فضل المدينة على اليمن والشام والعراق، قال الإمام ابن حجر: (وفي هذا الحديث فضل المدينة على البلاد المذكورة وهو أمر مجمع عليه، وفيه دليل أن بعض البقاع أفضل من بعض، ولم يختلف العلماء أن للمدينة فضلا على غيرها وإنما اختلفوا في الأفضلية بينها وبين غيرها) «٣» . يقصد بذلك مكة- شرفها الله-.
стр. 300
٤- في الحديث ذم الجهل والحث على العلم الشرعي؛ لأن الذين فضلوا الرخاء وسعة العيش على سكنى المدينة إنما كان لجهلهم بفضل المدينة وكذلك جهلهم بما ينفعهم في الدنيا والآخرة.
٥- في الحديث الحث على الصبر في سبيل الله، وأن تحمل الشدة والجهد مع الاحتساب قد يكون خيرا للمسلم من سعة العيش، فليس السعة والرخاء محمودين دائما، كما يؤخذ من الحديث مشروعية أن يضر العبد بدنه ابتغاء مرضاة الله- وطلبا لثواب الآخرة، ودليله أيضا أن قدم النبي ﷺ كانت تتشقق وتتورم وهو قائم يصلي بالليل.
٦- سعة علم الله- واطلاعه على القلوب والضمائر، حيث علم من الذي يدع المدينة رغبة عنها وزهدا فيها، وهو عمل قلبي قطعا، كما يؤخذ من الحديث قدرته- وحبه للمدينة، حيث أبدلها عن كل من رغب عنها من هو خير منه، كما نتعلم من الحديث أن حبه- للشيء لا يستلزم خلوّه وتصفيته من كل ما يكدّره وينغصه، فالله- يحب المدينة ومع ذلك فإن فيها الشدة والجهد.
إليك أخي القارئ شاهدا على عمل الصحابة بهذا الحديث:
روى مسلم: عن أبي سعيد مولى المهريّ: أنّه جاء أبا سعيد الخدريّ ليالي الحرّة فاستشاره في الجلاء من المدينة، وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله، وأخبره ألاصبر له على جهد المدينة ولأوائها، فقال له: ويحك، لا آمرك بذلك، إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يصبر أحد على لأوائها فيموت إلّا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة إذا كان مسلما» «١» .
بعد استعراض هذه الفضائل الكريمة لمدينة سيد الأنام ﷺ ومسجده، نعلم يقينا فضل الحبيب ﷺ ومنزلته العالية الرفيعة عند ربه إذ أحاط مدينته ومسجده بكل أنواع التشريف والتكريم، ولا يفوتني أن أذكر أجلّ وأحسن ما في المدينة وهي أنها تشرفت بوجود البقعة المباركة التي ضمت الجسد الشريف الطاهر للنبي ﷺ ، فحقيق بها أن ترفع عقيرتها بين مدن الأرض كلها جميعا، وقد أورد النووي ﵀ قول القاضي عياض ونصه: (أجمعوا على أن موضع قبره ﷺ أفضل بقاع الأرض، وأن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض، واختلفوا في أفضلهما ما عدا موضع قبره ﷺ «٢» .
стр. 301
ب- تفضيل مسجده ﷺ :
حبا الله- المسجد النبوي الشريف، على صاحبه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، بخصال لم يشاركه فيها مسجد سوى المسجد الحرام كما سيأتي تفصيلا.
١- الترغيب في شد الرحال إليه:
عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «لا تشدّ الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد:
المسجد الحرام، ومسجد الرّسول ﷺ ، ومسجد الأقصى» «١» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
الحث على شد الرحال- أي السفر- إلى المساجد الثلاثة المذكورة وأن هذه المساجد هي مساجد مفضلة عن بقية مساجد الأرض، ولها من التعظيم ما ليس لغيرها، قال ابن حجر ﵀: (في هذا الحديث فضيلة هذه المساجد ومزيّتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء ولأن الأول قبلة الناس وإليه حجهم، والثاني كان قبلة الأمم السالفة، والثالث أسّس على التقوى) . انتهى «٢» .
ويشير الحافظ ابن حجر بقوله: (أسس على التقوى) إلى ما ورد عند مسلم، عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن قال: مرّ بي عبد الرّحمن بن أبي سعيد الخدريّ قال: قلت له: كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الّذي أسّس على التّقوى؟ قال: قال أبي: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه فقلت: يا رسول الله أيّ المسجدين الّذي أسّس على التّقوى؟ قال: فأخذ كفّا من حصباء فضرب به الأرض، ثمّ قال: «هو مسجدكم هذا» لمسجد المدينة «٣» .
الفائدة الثانية:
هل شد الرحال إلى غير هذه البقاع- من مسجد وغيره- محرم شرعا؟، فيه نزاع كبير بين العلماء ليس هذا موضع سرده، ولكن الأرجح من أقوال العلماء أن معنى الحديث: أنه لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه إلا الثلاثة المذكورة، ويا بنى على ذلك أمران: الأول: جواز السفر إلى أي بقعة في الأرض لغرض التجارة وصلة الرحم، وطلب العلم وغير ذلك من المباحات أو المندوبات، الثاني: أنه لا يجوز السفر إلى أي مسجد من
стр. 302
مساجد الأرض للصلاة فيه طلبا للثواب والأجر إلا تلك المساجد المفضلة.
الفائدة الثالثة:
وهي إذا نذر المسلم أن يصلي في غير تلك المساجد هل يلزمه الوفاء بالنذر؟
قال ابن حجر ﵀: (واستدلّ به على أن من نذر إتيان غير هذه المساجد الثلاثة لصلاة أو غيرها لم يلزمه غيرها لأنها لا فضل لبعضها على بعض فتكفي صلاته في أي مسجد كان) «١» .
ولكن إذا نذر الرجل أن يصلي في المسجد الأقصى هل يمكنه أن يعدل إلى الصلاة في المسجد النبوي ويجزئه ذلك؟ نعم يجزئه لأن الصلاة في المسجد النبوي أعظم ثوابا من أجر الصلاة في المسجد الأقصى، أما إذا نذر الصلاة في المسجد الحرام فلا تجزئه الصلاة في المسجد النبوي، ومن باب أولى في المسجد الأقصى، وذلك على رأي من يقول: إن ثواب الصلاة في المسجد الحرام أعظم من ثوابها في المسجد النبوي، روى مسلم، عن ابن عبّاس أنّه قال: إنّ امرأة اشتكت شكوى فقالت: إن شفاني الله لآخرجنّ فلأصلّينّ في بيت المقدس، فبرأت ثمّ تجهّزت تريد الخروج، فجاءت ميمونة زوج النّبيّ ﷺ تسلّم عليها فأخبرتها ذلك، فقالت: اجلسي فكلي ما صنعت وصليّ في مسجد الرّسول ﷺ فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلّا مسجد الكعبة» «٢» .
٢- مضاعفة أجر الصلاة فيه .
عن أبي هريرة ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلّا المسجد الحرام» «٣» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
الحث على كثرة الصلاة في المسجد الحرام وكذلك المسجد النبوي لتضعيف أجر الصلاة فيهما، وفيه أيضا أبلغ الحث على شد الرحال إليهما للحصول على هذا الثواب العظيم.
الفائدة الثانية:
هل ثواب الصلاة في المسجد النبوي يعم جميع المسجد بعد التوسعات
стр. 303
أم موضع المسجد الذي كان في زمانه ﷺ ؟ قال الإمام النووي- ﵀: (ينبغي أن يحرص المصلي على الصلاة في الموضع الذي كان في زمانه ﷺ دون ما زيد فيه بعده لأن التضعيف إنما ورد في مسجده بخلاف مسجد مكة فإنه يشمل جميع مكة) . انتهى «١» . وإن صح استنتاج النووي- ﵀ فيكون حجة لمن فضّل مكة على المدينة مطلقا.
الفائدة الثالثة:
هل الاستثناء في قوله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» . يدل على أفضلية الصلاة في أحدهما على الآخر أو مساواة الثواب فيهما؟ الصحيح- والله أعلم- أن الصلاة في مكة تفضل الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ ؛ للأحاديث التي وردت في تضعيف الصلاة في المسجد الحرام إلى مائة ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد النبوي.
قال الإمام النووي: (اختلف العلماء في المراد بهذا الاستثناء على حسب اختلافهم في مكة والمدينة أيتهما أفضل؟ ومذهب الشافعي وجماهير العلماء: أن مكة أفضل من المدينة، وأن مسجد مكة أفضل من مسجد المدينة فعند الشافعي والجمهور أن معنى الاستثناء: إلا المسجد الحرام فإن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في مسجدي، وأما مالك وطائفة فمعنى الاستثناء عندهم: إلا المسجد الحرام فإن الصلاة في مسجدي، تفضله بدون الألف) «٢» .
الفائدة الرابعة:
قال الإمام ابن حجر: (ثم إن التضعيف المذكور يرجع إلى الثواب ولا يتعدى إلى الإجزاء باتفاق العلماء كما نقله النووي وغيره فلو كان عليه صلاتان فصلى في أحد المسجدين صلاة لم تجزه إلا عن واحدة والله أعلم) «٣» .
الفائدة الخامسة:
هل التضعيف ينسحب إلى صلاة النفل؟ قال الإمام النووي: (واعلم أن مذهبنا أنه لا يختص هذا التفضيل بالصلاة في هذين المسجدين بالفريضة بل يعم الفرض والنفل جميعا، وبه قال مطرّف من أصحاب مالك «٤» ، وقال الطحاوي «٥» : يختص بالفرض، وهذا مخالف إطلاق هذه الأحاديث الصحيحة) «٦» .
стр. 304
رابعا: التوسعة عليه ﷺ :
١- في عدد الزوجات:
قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الأحزاب: ٥٠] .
هذا الخطاب الرباني ورد في القرآن الكريم في سياق ذكر منة الله تعالى على عبده وحبيبه وصفيّه من خلقه وخليله ﷺ فيما أحل الله تعالى له من أصناف النساء. وفي هذه الأصناف ما يشترك في بعض مفرداته عموم الأمة، وفيه ما لا يباح إلا له ﷺ ، بالإضافة إلى عدم الاقتصار على أربع نسوة كعموم المسلمين، وقد اخترت اسم الباب «التوسعة عليه ﷺ » ؛ لأن الامتنان من الله على عباده لا يكون عن تضييق في الأمر بل يكون عن توسعة، كما أن ما خص الله- على نبيه في أمور الزواج قد سماه العلماء- ﵏ توسعة، كما سيأتي ذكره- إن شاء الله- في الفوائد.
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
أصناف النساء اللاتي أحل الله- لنبيه ﷺ الزواج منهن:
١- الأزواج اللاتي أعطاهن النبي ﷺ أجورهن.
٢- ما ملكت يمينه ﷺ من سبي الكفار عبيدا أو أحرارا.
٣- بنات عمه ﷺ وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته اللَّاتِي هاجَرْنَ معه ﷺ .
قال الشيخ السعدي- ﵀: (قيد لحلّ هؤلاء للرسول ﷺ ، كما هو الصواب من القولين في تفسير هذه الآية، وأما غيره ﷺ فقد علم أن هذا قيد لغير الصحة) «١» . وقال القرطبي: «لا يحل لك منهن إلا من هاجر إلى المدينة ومن لم يهاجر (أي من بنات عمك وبنات خالك) لم يكمل، ومن لم يكمل لم يصلح للنبي ﷺ الذى كمل وشرف وعظم ﷺ » .
فقد أباح الله لرسوله ﷺ أن يتزوج من بنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات
стр. 305
خالاته ولكن بشرط الهجرة وهذه مكافأة لقريباته المؤمنات؛ لما لحق بهن من الأذى.
٥- الواهبة نفسها للنبي ﷺ وسيأتي الكلام عليها تفصيلا- إن شاء الله تعالى.
الفائدة الثانية:
كما خص الله- نبيه في إحلال صنفين من النساء دون سائر الأمة، خصه أيضا بأمر عظيم، وهو عدم تقييده ﷺ في الزواج بعدد معين من النساء الحرائر.
قال الإمام ابن كثير- ﵀: (قال أبي بن كعب ومجاهد والحسن وقتادة وابن جرير في قوله: قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ [الأحزاب: ٥٠] ؛ أي: من حصرهم- أي رجال الأمة في أربع نسوة حرائر وما شاؤا من الإماء واشتراط الولي والمهر والشهود عليهم وهم الأمة، وقد رخصنا لك- أي للنبي ﷺ فلم نوجب عليك شيئا منه: لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) «١» .
الفائدة الثالثة:
يظهر من تلك الآية الكريمة حبّ الله- لنبيه ﷺ وعظيم اعتنائه- ﵎ به حتى في شئون الزواج ومعاملة الزوجات، وظهر ذلك في الأمور التالية:
١- نزول القرآن الكريم- وهو كلام الحق- ﵎ بذكر الأصناف التي يحل للنبي ﷺ الزواج منهن، وإذا تدبر المؤمن مثل هذا الأمر وأمعن فيه مع سابق علمه بعظيم كلام الله ، علم يقينا أن هذا أمر عظيم واعتناء بالغ بالنبي ﷺ فاق الوصف والتصور.
٢- إرادة الله- التوسعة على نبيه ﷺ ، وقد كانت تلك التوسعة على نحو عجيب، حيث شملت عدد الزوجات وأصنافهن وعدم وجوب القسمة وعدم اشتراط الولي والمهر والشهود، وأسأل: هل كان يمكن أن تكون التوسعة أكثر من ذلك؟ قال الشيخ السعدي- ﵀: (وأبحنا لك أيها النبي ما لم نبح لهم ووسّعنا عليك ما لم نوسع على غيرك) «٢» .
٣- إرادة الله- رفع الحرج عن نبيه ﷺ ، فقد نصت الآية الكريمة على أن الحكمة في اختصاص النبي ﷺ بهذه الأحكام دون سائر الأمة هو لرفع الحرج عنه؛
стр. 306
قال- تعالى-: لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ [الأحزاب: ٥٠] ، قال الشيخ السعدي- ﵀: وهذا من زيادة اعتناء الله تعالى برسوله ﷺ .
وقال صاحب المنتخب: «وما رخصنا لك فيه دونهم لئلا يكون عليك ضيق فيما شرعناه لك، وكان الله غفورا لذنوب عباده رحيما بالتوسعة عليهم» .
٢- في عدم وجوب القسمة لنسائه:
إذا كان الله- قد ألزم المؤمنين كلهم جميعا بوجوب العدل في القسمة بين النساء، ومن لم يستطع ذلك فلا يحل له الزواج بأكثر من واحدة كما قال تعالى-: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا [النّساء: ٣] ، فإن الله ﵎ لم يوجب أصلا على نبيه ﷺ القسمة بالسوية بين نسائه- ﵅ جميعا-، بل جعل هذه القسمة موكولة إليه ﷺ كما سيأتي في الفوائد.
وإذا قالت امرأة من أصحاب العقول التي تنتسب إلى التقدمية والتحررية: كيف ترضى امرأة أن تتزوج بدون مهر وبدون اشتراط القسمة؟ قلت لها: من علمت قدر النبي ﷺ وما سينالها في الدنيا والآخرة بالارتباط به ﷺ لتمنت أن تكون عنده ملك يمين أو أسيرة أو خادمة تمسح له نعله أو تخيط له ثوبه، ويكفيها أن تمتع نظرها برؤية وجهه الجميل ﷺ ، ولها بعد ذلك أن ترفع عقيرتها بين الملكات والأميرات وذوات الأحساب والأنساب وصاحبات الجمال والمال وتتعالى عليهن بشرف مسح نعليه ﷺ ، ألم تر أن زيد بن ثابت ﵁ قد اختار العبودية عند رسول الله ﷺ على الحرية عند أبيه وأهله وذويه؟!
قال تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً [الأحزاب: ٥١] .
قال الإمام القرطبي- ﵀: (وأصح ما قيل في تفسير الآية: التوسعة على النبي ﷺ في ترك القسم، فكان لا يجب عليه القسم بين زوجاته) ، ونقل- ﵀ عن ابن العربي قوله: (والمعنى المراد: هو أن النبي ﷺ كان مخيرا في أزواجه إن شاء أن يقسم قسم، وإن شاء أن يترك القسم ترك. فخص النبي ﷺ بأن جعل الأمر إليه لكنه كان يقسم من قبل نفسه دون أن يفرض ذلك عليه تطييبا لنفوسهن وصونا لهن عن أقوال الغيرة التي
стр. 307
تؤدي إلى ما لا ينبغي «١» .
وقال الشيخ السعدي- ﵀: (وهذا من توسعة الله على رسوله ورحمته به، أن أباح له ترك القسم بين زوجاته على وجه الوجوب وأنه إن فعل ذلك فهو تبرع منه، ومع ذلك فقد كان ﷺ يجتهد في القسم بينهن في كل شيء) «٢» .
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
بينت الآية الكريمة الحكمة من عدم وجوب القسمة بين الزوجات في حق النبي ﷺ ، قال تعالى: ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ [الأحزاب: ٥١] ، قال صاحب المنتخب: (تؤخر من تشاء منهن في القسم وتدني إليك من تشاء، ومن طلبت ممن أخرت قسمها فلا مؤاخذة عليك، ذلك التفويض إلى مشيئتك أقرب إلى سرورهن وبعد الحزن عنهن، ويرضين كلهن بما آتيتهن) .
وقال الشيخ السعدي- ﵀ كلاما مشابها لذلك فقال ما نصه: (تلك التوسعة عليك وكون الأمر راجعا إليك وبيدك، وكون ما جاء منك إليهن تبرعا منك أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَ
[الأحزاب: ٥١] لعلمهن أنك لم تترك واجبا ولم تفرط في حق لازم) «٣» .
الفائدة الثانية:
هل عدم وجوب القسمة بين الزوجات على النبي ﷺ في الواهبات أنفسهن أم في جميع النساء؟ الصحيح- والله أعلم- أنها في كل النساء، والدليل على ذلك ما رواه مسلم عن معاذة العدويّة، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يستأذننا إذا كان في يوم المرأة منّا بعد ما نزلت: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ [الأحزاب: ٥١] ، فقالت لها معاذة: فما كنت تقولين لرسول الله ﷺ إذا استأذنك؟ قالت: كنت أقول: إن كان ذاك إليّ لم أوثر أحدا على نفسي «٤» . قال الإمام ابن كثير- ﵀: (اختار ابن جرير أن الآية عامة في الواهبات وفي النساء اللاتي عنده أنه مخير فيهن إن شاء قسم وإن شاء لم يقسم، وهذا الذي اختاره حسن جيد وفيه جمع بين الأحاديث) «٥» .
стр. 308
الفائدة الثالثة:
إرادة الله- إعلاء شأن النبي ﷺ بين زوجاته وأن يشعرهن بمنته عليهن وأن يظهر للناس عدله ﷺ قال الإمام ابن كثير- ﵀ في شرح الآية: (إن تقسم لهن اختيارا منك لا أنه على سبيل الوجوب فرحن بذلك واستبشرن به، وحملن جميلك في ذلك، واعترفن بمنتك عليهن في قسمتك لهن وتسويتك بينهن، وإنصافك لهن وعدلك فيهن) «١» .
فإن قال قائل: إن كان عدم إيجاب القسمة بين النساء له كل تلك المميزات فلماذا أوجب الله- ﵎ علينا القسمة؟
قلت له: لا يستوي نبي الأمة مع رجالها في هذا، فالنبي ﷺ معصوم من الظلم والجور وإضرار الناس، وهذه العصمة له وحده ﷺ دون الأمة.
٣- في جواز أن تهب المرأة نفسها للنبي ﷺ :
قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الأحزاب: ٥٠] قال الإمام ابن كثير- ﵀: (ويحل لك- أيها النبي- المرأة المؤمنة إن وهبت نفسها لك أن تتزوجها بغير مهر إن شئت ذلك) «٢» .
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
إثبات أن الله- ﵎ لم يسارع في إرضاء النبي ﷺ في الأمور الشرعية فحسب، مثل اتجاه القبلة وعدم تخليد أحد من أمته في النار، وغيره كثير، ولكنّ الله- ﵎ سارع أيضا في إرضاء نبيه ﷺ في الأمور الحياتية الخاصة به، فقد أباح له أن يتزوج المرأة الواهبة نفسها له ﷺ بغير مهر، روى الشيخان عن عائشة- ﵂ قالت: (كنت أغار على اللّاتي وهبن أنفسهنّ لرسول الله ﷺ وأقول:
أتهب المرأة نفسها؟ فلمّا أنزل الله تعالى تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ [الأحزاب: ٥١] ، قلت: ما أرى ربّك إلّا يسارع في هواك) «٣» .
стр. 309
قال الشيخ السعدي- ﵀: (قال كثير من المفسرين: إن هذا خاص بالواهبات له أن يرجي من يشاء، ويؤوي من يشاء، أي إن شاء قبل من وهبت نفسها له وإن شاء لم يقبلها) «١» .
وهذا هو وجه المسارعة في إرضائه ﷺ والذي قصدته أم المؤمنين عائشة- ﵂. ونلحظ في حديث أم المؤمنين- ﵂ بعض الأمور منها:
١- مدى غيرة عائشة- ﵂ على النبي ﷺ وهي غيرة تدل على فرط حبها له ﷺ ، قال الحافظ ابن حجر- ﵀: (حمل عائشة على هذا التقبيح الغيرة التي طبعت عليها النساء، وإلا فقد علمت أن الله أباح لنبيه ذلك، وأن جميع النساء لو ملّكن له رقّهن لكان قليلا» «٢» .
وتدبر أخي القارئ هذه الجملة الأخيرة من كلامه- ﵀ لتعلم كيف عرف العلماء قدر النبي ﷺ فبلغوا الغاية المستطاعة في إجلاله وتوقيره، ولا يوفيه قدره إلا الله .
٢- دلال عائشة- ﵂ على النبي ﷺ ، حيث قالت له: «ما أرى ربك إلا يسارع في هواك» . قال الحافظ ابن حجر- ﵀: «هذا القول أبرزه الدلال والغيرة، وهو من نوع قولها في حديث الإفك: ما أحمدكما ولا أحمد إلا الله. وإلا فإضافة الهوى إلى النبي ﷺ لا يحمل على ظاهره؛ لأنه لا ينطق عن الهوى ولا يقول الهوى، ولو قالت: (إلى مرضاتك) لكان أليق، ولكن الغيرة يغتفر لأجلها إطلاق مثل ذلك» «٣» .
٣- في الحديث دليل على أن اللائي وهبن أنفسهن للنبي ﷺ كثيرات لما ورد في الحديث: «كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهن» ، ولكن هناك خلاف بين العلماء هل تزوج النبي ﷺ منهن أم لا؟
الفائدة الثانية:
لم يكن واجبا على النبي ﷺ شرعا ولا عقلا- قبول كل من وهبت نفسها للنبي ﷺ ، ولكن الله- ﵎ أخبرنا أن قبول النبي ﷺ بالزواج بالمرأة الواهبة نفسها أمر يردّ إلى مشيئته، قال تعالى: إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها [الأحزاب: ٥٠] .
الفائدة الثالثة:
عظيم قدر النبي ﷺ في نظر النساء وتمني الزواج منه ﷺ ، ولو تنازلن
стр. 310
عن أعظم حقوقهن المالية والأدبية، فالحق المالي وهو المهر، والتي تتباهى به كل امرأة وتعرف قدرها عند من خطبها، والحق الأدبي أن تكون هي المطلوبة وليست الطالبة، ولكن الأمر يختلف إذا كان الرجل المراد الزواج منه هو خير البرية أجمعين، المبعوث رحمة للعالمين، سيد الأولين والآخرين، ألم تر إلى الحسيبة النسيبة خديجة- ﵂ ذات الجاه والمال، المطلوبة من كل رجال قريش، قد طلبت الزواج من النبي ﷺ ، الذي كان يعمل في مالها وتجارتها، ومتى كان ذلك؟ قبل البعثة وليس بعدها، وقد كافأها الله على صنيعها بما لم يكافئ أحدا قبلها ولا بعدها، حيث كافأها أن أخلص لها النبي ﷺ خمسة وعشرين عاما لم تشاركها فيه امرأة أخرى.
الفائدة الرابعة:
تحريم الزواج بدون مهر على كل رجال الأمة؛ لقوله- تعالى-:
خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب: ٥٠] ، قال الإمام ابن كثير- ﵀: (قال عكرمة: أي لا تحل الموهوبة لغيرك، ولو أن امرأة وهبت نفسها لرجل لم تحل له حتى يعطيها شيئا، وقال: لو أن امرأة فوضت نفسها إلى رجل فإنه متى دخل بها وجب عليه مهر مثلها، أما هو ﷺ ، فإنه لا يجب عليه للمفوّضة شيء ولو دخل بها؛ لأن له أن يتزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود كما في قصة زينب بنت جحش- ﵂ «١» .
٤- الإذن له بالزواج وهو محرم:
عن ابن عبّاس- ﵄: (أنّ النّبيّ ﷺ تزوّج ميمونة وهو محرم) «٢» .
стр. 311
خامسا: فضل رؤيته ﷺ
١- رؤيته في اليقظة:
يفتح لمن رآه، ومن رأى من رآه، ومن رأى من رأى من رآه:
عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتي على النّاس زمان يبعث منهم البعث، فيقولون: انظروا هل تجدون فيكم أحدا من أصحاب النّبيّ ﷺ ؟ فيوجد الرّجل فيفتح لهم به، ثمّ يبعث البعث الثّاني، فيقولون: هل فيهم من رأى أصحاب النّبيّ ﷺ ؟ فيفتح لهم به، ثمّ يبعث البعث الثّالث، فيقال: انظروا هل ترون فيهم من رأى من رأى أصحاب النّبيّ ﷺ ؟ ثمّ يكون البعث الرّابع فيقال: انظروا هل ترون فيهم أحدا رأى من رأى أحدا رأى أصحاب النّبيّ ﷺ ؟ فيوجد الرّجل فيفتح لهم به» «١» .
وعند البخاري عن أبي سعيد الخدريّ- ﵃ عن النّبيّ ﷺ قال: «يأتي زمان يغزو فئام من النّاس فيقال: فيكم من صحب النّبيّ ﷺ ؟ فيقال: نعم، فيفتح عليه، ثمّ يأتي زمان فيقال: فيكم من صحب أصحاب النّبيّ ﷺ ؟ فيقال: نعم، فيفتح، ثمّ يأتي زمان فيقال: فيكم من صحب صاحب أصحاب النّبيّ ﷺ فيقال: نعم، فيفتح لهم» «٢» .
هذا الحديث يبين بجلاء- لمن تدبره وتمعن فيه- المكانة العالية الرفيعة للنبي ﷺ عند ربه، والتي لم ولن يصل إليها أحد من الأولين والآخرين، لا نبي مرسل ولا ملك مقرب، فالحديث يخبر أن طائفة من المؤمنين- بعد النبي ﷺ تغزو في سبيل الله، فيسألون هل فيكم من صحب النبي ﷺ ؟ فإذا وجد فيهم صحابي واحد يفتح لهم ويغلبون عدوهم- بإذن الله- وهكذا يتكرر الأمر في عصر التابعين، وعصر تابعي التابعين، هكذا في رواية البخاري، أما رواية مسلم فأثبتت عصرا رابعا، وأسأل الله أن يمكنني من إظهار بعض هذا الفضل الذي خصّ به نبيه ﷺ في هذا الحديث.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في فضائل النبي ﷺ .
١- إخباره ﷺ بوحي من ربه- ﵎ أن الغزو في سبيل الله لن يتوقف بموته ﷺ ، بل سيستمر خاصة في القرون الثلاثة المفضلة.
стр. 312
٢- إخباره ﷺ أن هذا الغزو سيكون فيه الغلبة والفتح للفئة المسلمة، أي أنه ﷺ أخبر بوقوع المعارك ونتائجها.
٣- عظيم بركة رؤية النبي ﷺ وصحبته ويتضح ذلك من:
أ- الفتح والنصر يكون لوجود أحد رأى أو صحب النبي ﷺ ولو كانت هذه الصحبة للحظة واحدة أو تحققت الرؤية لفترة قصيرة ولم يحدث فيها سلام أو كلام، ودليله أن المنادي لم يشترط فترة معينة للرؤية أو الصحبة، فدل ذلك أن هذا الفتح يحدث لمن كان له أدنى رؤية أو صحبة للنبي ﷺ فتدبر.
ب- لم تقتصر بركة الرؤية والفتح لمجرد الصحبة على عصر الصحابة بل امتد ذلك إلى ثلاثة عصور، أي أن فضل النبي ﷺ قد امتد، وبركته قد انتقلت من عصر إلى عصر، فمن عظيم بركته ﷺ أن من رآه من عصر الصحابة تكون له بركة تنفع- بإذن الله- من يراه في عصر التابعين وهكذا. وتدبّر أخي القارئ قوله ﷺ على لسان المنادي: «هل ترون فيهم أحدا رأى من رأى أحدا رأى أصحاب النبي ﷺ ؟» .
يتفرع على هذا حض الناس- في القرون المفضلة- في سائر الأمصار على رؤية الصحابة والتابعين وتابعيهم والحرص على ملازمتهم والأخذ عنهم والجهاد معهم.
ج- بيان أن الصحبة وحدها مجردة لا يعدلها شيء أبدا من الطاعات الكبيرة والقربات الكثيرة، ودليله أن المنادي لا يسأل عن عبّاد لهم طاعات معينة أو قربات مخصوصة يستحقون عليها الفتح، ولكن يسأل فقط عمّن رأى أو صحب، فهذه الخصلة تكفي عما سواها، مع ملاحظة أنه قد يكون من الناس في الغزو من له من الطاعات والقربات أكثر ممن له مجرد الرؤية، ولكن كما قلنا: الرؤية لا يعدلها شيء، فتقدّم على كل شيء.
د- لم يكن الفتح بسبب وجود فئة في الغزو صحبت النبي ﷺ ، إنما العجيب أن يكون الفتح والنصر وإكرام الجيش كله، لوجود ولو رجل واحد، وتدبر أخي القارئ قوله ﷺ :
«فيوجد الرجل فيفتح لهم به» .
الفائدة الثانية:
الحديث بشرى سارة من النبي ﷺ لكل من غزا في سبيل الله في تلك العصور الثلاثة المفضلة، كما أن فيه حثّا لهم على الغزو والجهاد.
الفائدة الثالثة:
للصحابة والتابعين وتابعي التابعين- ﵃ شرف عظيم يميزهم عن بقية الناس كلهم جميعا، كما يؤخذ من الحديث فضل تلك الأزمان؛ لأن الزمن
стр. 313
يشرف بمن يعيش فيه ويعمره بالطاعات والقربات.
٢- رؤيته في المنام:
عن أبي هريرة قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثّل الشّيطان بي» «١» . قال أبو عبد الله: قال ابن سيرين: إذا رآه في صورته.
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ : «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة» ، وعند الشيخين أيضا: «من رآني فقد رأى الحق» «٢» .
أولا: بعض أقوال العلماء في قوله ﷺ : «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة» .
قال الإمام ابن حجر- ﵀ ما نصه: «والحاصل من الأجوبة ستة:
أحدهما: أنه على التشبيه والتمثيل، ودل عليه قوله في الرواية الآخرى: «فكأنما رآني في اليقظة» .
ثانيها: أن معناها سيرى في اليقظة تأويلها بطريق الحقيقة أو التعبير.
ثالثهما: أنه خاص بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه.
رابعها: أنه يراه في المرآة التي كانت له إن أمكنه ذلك وهذا من أبعد المحال.
خامسا: أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية، لا مطلق من يراه حينئذ ممن لم يره في المنام.
سادسا: أنه يراه في الدنيا حقيقة ويخاطبه، وفيه ما تقدم من الإشكال» . انتهى «٣» .
ويقصد الإمام ابن حجر بالإشكال الوارد على الرأي السادس، ما قاله في موضع آخر:
«ويعكر عليه أن جمعا جمّا رأوه ﷺ في المنام ثم لم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة، وخبر الصادق لا يختلف» «٤» .
وأعتقد- والله أعلم- أن المقصود بقوله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني» «٥» . أنها رؤية حقيقية كرؤيته ﷺ في اليقظة سواء بسواء؛ وذلك لأن الأصل هو عدم التأويل
стр. 314
والإيمان بما يقتضيه ظاهر النص، وأما الاعتراض الذي أورده الإمام ابن حجر نقلا عن القرطبي- رحمهما الله- حيث ذكر: «أن إثبات ظاهر النص يستلزم أنه لا يراه رائيان في آن واحد، وأن يحيا الآن ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه، ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى من قبره فيه شيء فيزار مجرد القبر، ويسلم على غائب لأنه جائز أن يرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره» «١» .
أقول: إن هذا الاعتراض في غير محله ألبتة. وذلك لأنه اعتراض عقلي بحث لا يستند على أي دليل شرعي، كما أن الرؤيا من الأمور التي لا يقاس عليها أمور الشهادة أبدا، خاصة إذا كانت تتعلق بالنبي ﷺ فقد تكون معجزة من معجزاته ﷺ ، فيكون من سوء المسلك أن نردها لشبهة عقلية، أما كان ﷺ يصلي بالناس إماما صلاة الكسوف- وهي صلاة جهرية-، ويكلم ربه في آن واحد، كما جاء في الصحيح، وقد أوردته في باب «يرى ما لا يراه أحد» .
ثانيا: بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في فضائل النبي ﷺ :
١- رؤيته ﷺ في المنام لا تستوي مع رؤية غيره من البشر، حيث ذكر الإمام ابن حجر أن الشيخين رويا: «فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي» «٢» ، وقوله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي» «٣» . أما غيره ﷺ فقد يتمثل به الشيطان في المنام.
٢- رؤيته ﷺ في المنام تنطوي على بشرى عظيمة، وهي رؤيته في اليقظة، لقوله ﷺ : «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة» «٤» ولا شك أنها من المبشرات العظيمة التي تفرح القلوب وتثلج الصدور، كما أنها مبشرة ببشرى أخرى لازمة وهي دخول الجنة، حيث لا مكان لرؤيته ﷺ بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى إلا في الجنة.
الفائدة الثانية:
كيف يعلم المسلم أن الذي رآه في المنام هو النبي ﷺ ؟
ذكر الإمام ابن حجر- ﵀ ما نصه: «كان محمد- يعني ابن سيرين- إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي ﷺ قال: صف لي الذي رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها، قال: لم
стр. 315
تره» «١» . وسنده جيد. انتهى.
وهذا هو الصحيح- والله أعلم-؛ لأن قوله ﷺ : «ولا يتمثل الشيطان بي» . أي: لا يأتي بصورتي التي يعرفها الناس، وهذا لا يمنع أن يأتي الشيطان ويقذف في قلب الرائي أنه النبي ﷺ ، ولكن بصورة تخالف الصورة التي يعرف بها النبي ﷺ ، فالحديث لا يمنع حدوث مثل هذا، بل أعتقد أنه يجب القول به، لأننا كثيرا ما نسمع من أصحاب البدع والأهواء أنهم رأوا النبي ﷺ وأمرهم بأشياء تخالف ما ورد بالكتاب والسنة، ولا تفسير لذلك- إن صدقوا في دعواهم- أن الذي رأوه هو الشيطان، وأنه لم يأت بالهيئة المعروفة للنبي ﷺ .
ويؤيد ذلك ما ذهب إليه الإمام ابن حجر- ﵀ في شرح بعض الألفاظ التي ورد بها الحديث، فقال- ﵀: قوله: (إن الشيطان لا يتراءى) . فمعناه: لا يستطيع أن يصير مرئيّا بصورتي، كقوله ﷺ : «فإن الشيطان لا يتكونني» . أما قوله: «لا يتمثل بي» ، أي لا يتشبه بي، أما قوله: «في صورتي» ، فمعناه: لا يصير كائنا في مثل صورتي. وقال- ﵀: فالجميع راجع إلى معنى واحد.
والخلاصة: أن على كل مسلم قبل أن يدعي أنه رأى النبي ﷺ أن يعرض ما رأى على أحد أهل العلم- الذين يعلم عنهم الصلاح والتقوى- ليخبروه إن كان ما رأى حقّا أو من الشيطان، حتى لا يقع في الكذب على النبي ﷺ .
الفائدة الثالثة:
ما هي فوائد رؤية النبي ﷺ في المنام؟
قال ابن حجر- ﵀: «ومن فوائد رؤيته ﷺ تسكين شوق الرائي لكونه صادقا في محبته ليعمل على مشاهدته، وإلى ذلك الإشارة بقوله: فسيراني في اليقظة، أي من رآني رؤية، معظما لحرمتي ومشتاقا إلى مشاهدتي، وصل إلى رؤية محبوبه وظفر بكل مطلوبه، ويجوز أن يكون مقصود تلك الرؤيا معنى صورته وهو دينه وشريعته فيعبر بحسب ما يراه الرائي من زيادة ونقصان أو إساءة وإحسان» .
الفائدة الرابعة:
في الحديث دليل على أن الشيطان له قدرة على أن يتمثل في أي صورة أراد، ولكن الله- لم يمكنه من التصور في صورة النبي ﷺ .
والحكمة من ذلك ذكرها الإمام النووي- ﵀ فقد قال ما نصه: «قال القاضي:
стр. 316
قال بعض العلماء: خص الله- تعالى- النبيّ ﷺ بأن رؤية الناس إياه صحيحة، وكلها صدق، ومنع الشيطان أن يتصور في خلقته لئلا يكذب على لسانه في النوم، كما خرق الله- تعالى- العادة للأنبياء- ﵈ بالمعجزة، وكما استحال أن يتصور الشيطان في صورته في اليقظة، ولو وقع لاشتبه الحق بالباطل، ولم يوثق بما جاء به مخافة من هذا التصور، فحماها «١» الله- تعالى- من الشيطان ونزغه ووسوسته وإلقائه وكيده» «٢» . انتهى.
٣- رؤيته بالمال والأهل:
عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «من أشدّ أمّتي لي حبّا ناس يكونون بعدي يودّ أحدهم لو رآني بأهله وماله» «٣» . رواه مسلم.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في شمائل النبي ﷺ .
١- بيان أن مجرد رؤية النبي ﷺ لها فضل عظيم، حيث ذكر الحديث أن رؤيته ﷺ ستكون أعز وأغلى عند بعض أمته من مالهم وأهلهم، بل يقدمون المال والأهل في سبيل تحقيق هذه الرؤية الغالية العزيزة. قال ﷺ : «يود أحدهم لو رآني بأهله وماله» .
٢- بيان فضل النبي ﷺ ومكانته وشرفه عند الله وعند أمته؛ لأننا نقول: إذا كانت رؤيته ﷺ مناما أو يقظة ولأدنى زمن تتحقق فيه الرؤية- تكون عند البعض بالمال والأهل، فما بالنا بصحبته مع نصرته وحبه للصحابي وحب الصحابي له، وهي أمور أعظم قطعا من مجرد الرؤية، فكم ينبغي أن يقدم المسلم لينال كل هذه الأمور مجتمعة؟!.
ويتفرع على هذا أن نتصور عظيم قدر الفضل والمنح والنعم التي تفضل الله بها على الصحابة، إذ اختصهم دون الخلق بصحبة نبيه ﷺ ونصرته ورؤيته دوما وفي كل الأوقات وعلى كل الأحوال، فلم يحظوا بالرؤية فقط التي تكون بالأهل والمال، ولكنهم تكلموا معه وتكلم معهم، وعلّمهم ورباهم، وصلى بهم وسافر معهم ودعا لهم، ومات وهو راض عنهم، بل الأثمن والأغلى أن جلّهم قد لامست يده يد النبي ﷺ وبشرته بشرة النبي ﷺ
стр. 317
وهل بعد هذا الفضل من فضل؟!.
ومن جهة أخرى: يجب علينا أن نحب الصحابة ﵃ ونجلهم ونكبرهم لما كان لهم من هذا الفضل الجزيل.
٣- في الحديث معجزتان من دلائل نبوته ﷺ
الأولى: إخباره ﷺ بأمر من أمور الغيب- التي أطلعه الله عليها- وهو وجود مثل هذه الفئة من أمته ﷺ .
الثانية: وجود مثل هذه الفئة من أمة الإسلام، التي تحب النبي ﷺ مثل هذا الحب دون صحبة أو معاصرة أو حتى رؤية، بحيث يود الرجل منهم لو رأى النبي ﷺ ولو للحظة يقظة أو مناما- مقابل أهله وماله، وهذا الأمر لو تدبره أصحاب العقول السوية لعلموا أنه من أعظم دلائل صدق نبوته ﷺ ، فسبحان من لا يقدر على تهيئة القلوب وتوفيقها لمثل هذا الحب إلا هو- ﵎.
٣- في الحديث دفع شبهات الكفار حول النبي ﷺ ، والتي سجّلها القرآن الكريم عنهم في أكثر من موضع، حيث قالوا- لعنة الله عليهم-: إنه ساحر. فنقول لهم: إذا كان النبي ﷺ وحاشا لله- قد سحر أصحابه فأحبوه ونصروه وضحوا معه بكل غال ونفيس، فمن هذا الذي سحر أتباعه ممن لم يروه ولم يرهم وقد أحبوه كل هذا الحب، وإذا كان أصحابه- ﵃ قد أحبوا النبي ﷺ لأغراض دنيوية، أو لرؤيتهم المعجزات الحسية على يديه، فما بال أتباعه ﷺ الذين لم يروه قد أحبوه مثل هذا الحب، وقد تمنوا أن لو قدموا كل ما لديهم في الدنيا- من المال والأهل- في سبيل رؤيته.
٤- بيان الحب الذي ينبغي أن يستقر في قلب المؤمن للنبي ﷺ ، والذي بموجبه يرضى الله على العبد.
ويتفرع عليه أن على كل مسلم أن يقارن حاله بحال الفئة التي ذكرت بالحديث، فإن وافق حاله حالها فليحمد الله ، وإلا فليفتش في نفسه ويجاهدها حتى يصل إلى تلك المرتبة العليا.
الفائدة الثانية:
في الحديث لفت أنظار الصحابة ﵃ لما هم فيه من نعمة، وحثهم على كثرة مصاحبته ﷺ ونصرته وملازمته، يؤيد ذلك ما رواه مسلم: عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: «والّذي نفس محمّد في يده ليأتينّ على أحدكم يوم ولا يراني،
стр. 318
ثمّ لأن يراني أحبّ إليه من أهله وماله معهم» «١» . قال أبو إسحاق: المعنى فيه عندي: لأن يراني معهم أحبّ إليه من أهله وماله. وهو عندي مقدّم ومؤخّر.
قال الإمام النووي- ﵀ في شرح هذا الحديث ما نصه: «وتقدير الكلام: يأتي على أحدكم يوم لأن يراني فيه لحظة ثم لا يراني بعدها أحب إليه من أهله وماله جميعا. ومقصود الحديث حثّهم على ملازمة مجلسه الكريم ومشاهدته حضرا وسفرا للتأدب بادابه وتعلم الشرائع وحفظها ليبلغوها وإعلامهم أنهم سيندمون على ما فرطوا فيه من مشاهدته وملازمته» .
انتهى «٢» .
الفائدة الثالثة:
إثبات أنه ليس المقصود اتباع سنة النبي ﷺ الظاهرة والباطنة فقط، وإن كان هذا شيئا عظيما في حد ذاته، ولكن ينبغي أن يصحب ذلك حب النبي ﷺ بالقلب، وليس بالعقل وحده، لأن حب الرؤية بالمال والأهل إنما ينم عن حبّ قلبيّ قد تعلق بمحبوبه أشد التعلق، حتى إنه يشتاق لرؤيته ولو للحظة. والذي جمع بين هذا الحب والاتباع خير قطعا من الذي كان معه الاتباع مع قليل من الحب؛ لأن النبي ﷺ إنما ذكر هذه الفئة في الحديث في سياق الثناء عليهم.
الفائدة الرابعة:
وهي متفرقات:
١- شوق المحب إلى رؤية محبوبه تعدّ من أكبر العلامات الدالة على شدة الحب؛ لأن النبي ﷺ استفتح الحديث بقوله: «من أشد أمتي لي حبّا» ، ثم ذكر صفتهم ودليل محبتهم بقوله: «يود أحدهم لو رآني بأهله وماله» ، ولذلك أقول: إن من ادعى الحب دون الشوق إلى الرؤية ففي دعواه شيء.
٢- في الحديث مشروعية الدعاء برؤية النبي ﷺ ، لأنه لا يقدر أن يحقق أماني العبد إلا الله- .
٣- يتفاوت المسلمون تفاوتا بينا في حب النبي ﷺ ، فأعظمهم حبّا من يتمنى أن يرى النبي ﷺ بالمال والأهل، وأدناهم منزلة من لم يفكر في هذا الأمر ولم يشغل باله به.
٤- من الممكن أن يتولد حب الغير في قلب الإنسان من غير رؤيه هذا المحبوب، وقد يصل هذا الحب إلى أعلى درجاته وهو تمني الرؤية بالمال والأهل، ولكن لا يتأتى ذلك إلا
стр. 319
بكثرة القراءة عن المحبوب والتشبه به واتباعه وكثرة ذكره، وتذكر ثواب ذلك في الدنيا والآخرة.
٥- في الحديث إشارة إلى مشروعية أن يقول المسلم بعد انتقال النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى: - فداك أبي وأمي-.
اختم هذا الباب بالتأكيد على أن ما ذكرته من خصائص للنبي ﷺ كانت على سبيل المثال لا الحصر لأن ذكر خصائصه ﷺ يحتاج إلى عدة مؤلفات.
стр. 320
الباب الرابع صفات وجوانب من شخصية الرسول ﷺ
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
أبو طالب عم الرسول ﷺ
لو لم تكن فيه آيات مبيّنة ... لكان منظره ينبيك بالخبر
الصحابي الجليل الشاعر/ عبد الله بن رواحة رضي الله عنه