الخيرية، والتي نصت عليها الآية الكريمة، وهي أنهم أنفع الناس للناس بما يقومون به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبما استقر في نفوسهم من الإيمان بالله- ، قال- تعالى-: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠] .
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
في الآية بيان فضل النبي ﷺ على هذه الأمة، قال الإمام ابن كثير ﵀: (وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد ﷺ ، فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبي قبله ولا رسول من الرسل، فالعمل على منهاجه وسبيله يقوم بالقليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه) . انتهى «١» .
الفائدة الثانية:
بيان فضل الإيمان بالله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث إن الآية لما أخبرت أن أمة محمد ﷺ هي خير الأمم، أتت بوصفين هما بمثابة القيد لهذه الخيرية، لذا قال الإمام ابن كثير ﵀: (فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح، ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله: كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة: ٧٩] ؛ ولهذا لما مدح تعالى هذه الأمة بهذه الصفات شرع في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم، فقال تعالى:
وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ. انتهى «٢» .
ويتفرع على هذه عدة أمور؛ منها:
أ- هذه الخيرية لا تثبت لكل أمة الإسلام على مر العصور بنفس القوة، وإنما تقوى وتضعف على حسب ما تقوم به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله.
ب- لا ينبغي لأحد أن يتباهى بهذه الآية ويفرح بها إلا إذا اتصف بهاتين الصفتين، وإلا كانت الآية حجة عليه.
ج- الحث على التمسك بهاتين الصفتين لتحقيق الخيرية التي منّ الله- بها على هذه الأمة.
الفائدة الثالثة:
لا ينبغي أبدا لأحد من المسلمين أن يظن أن أي أمة (غير أمة الإسلام)
стр. 247
هي خير من أمتنا أو أن ما عندها هو خير مما عندنا- مما يتصل بأمور العقيدة والشريعة وما يتفرع منهما وما ينبغي عليهما-؛ لأن في ذلك تكذيبا لصريح القرآن الكريم، فلو قال قائل: إن هذه الخيرية قد نزعت منا لتقصيرنا في فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قلت له: بحمد الله لم تنزع منا لأن معنا أصل الإيمان بالله ورسوله، وهذا الأصل لا يشاركنا فيه أحد ألبتة في كل أنحاء المعمورة.
الفائدة الرابعة:
في الآية دليل واضح على أن الصحابة ﵃ كانوا أفضل من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وآمن بالله، فمنهم نتعلم وبهم نقتدي؛ لأن الآية الكريمة قيدت الخيرية بالإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وورد في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان، عن عمران بن حصين- ﵄ قال: قال النّبيّ ﷺ : «خيركم قرني ثمّ الّذين يلونهم ثمّ الّذين يلونهم» . قال عمران:
لا أدري أذكر النّبيّ ﷺ بعد قرنين أو ثلاثة «١» .
الفائدة الخامسة:
إرادة الله- الشرعية أن تكون هذه الأمة هي خير الأمم، ولذلك يجب على هذه الأمة أن تأخذ بكل أسباب العزة والقوة والتقدم المحمود تحقيقا لإرادة الله- .
الفائدة السادسة:
يجب على كل مؤمن أن يربي نفسه على أن يكون نفعه متعديا لغيره وألا يقتصر على نفسه، تعلمنا ذلك من أمر الله لنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من أعظم أبواب إيصال الخير إلى الغير.
الفائدة السابعة:
تختلف الأمم في الأفضلية والخيرية اختلافا بينا بحسب تفاضل أنبيائها وكتبها وشرائعها، ولما كان نبينا ﷺ هو خير الأنبياء، وكتابنا القرآن الكريم هو خير الكتب وشريعة الإسلام هي أفضل الشرائع وأكملها، كانت هذه الأمة هي خير أمة أخرجت للناس.
٣- أمة وسط شاهدة على بقية الأمم:
قال تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: ١٤٣] .
стр. 248
قال الشيخ السعدي ﵀ في قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً، أي: (عدلا خيارا) ، وما عدا الوسط فأطراف داخلة تحت الخطر، فجعل الله هذه الأمة وسطا في كل أمور الدين، وسطا في الأنبياء بين من غلا فيهم كالنصارى، وبين من جفاهم كاليهود، بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك، ووسطا في الشريعة لا تشديدات اليهود وآصارهم ولا تهاون النصارى، وفي باب الطهارة والمطاعم لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم ولا يطهرهم الماء من النجاسات وقد حرّمت عليهم طيبات عقوبة لهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئا، ولا يحرمون شيئا، بل أباحوا ما دب ودرج) .
انتهى «١» .
وقال الإمام ابن كثير ﵀: (إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيم ﵇ واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع يعترفون لكم بالفضل، والوسط هنا الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسبا ودارا، أي خيرها، وكان رسول الله ﷺ وسطا في قومه أي أشرفهم نسبا، ومنه الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات وهي العصر كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله هذه الأمة وسطا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب كما قال تعالى: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨] . انتهى «٢» .
وقال الإمام القرطبي ﵀: (ووسط الوادي خير موضع فيه وأكثره كلأ وماء، ولما كان الوسط مجانبا للغلو والتقصير كان محمودا، أي أن هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم) .
وفيما قاله علماؤنا ﵏ الكفاية وزيادة لبيان ما منّ الله- به على هذه الأمة من فضائل لا تحصى، سواء كان ذلك في العقائد أم في الشرائع، وكذا حفظها من الزيغ والضلال، وضمان عدم اجتماعها على الباطل، كما سيأتي في الفوائد.
وخلاصة القول: أن الله- ما امتن منة على أمة من الأمم إلا امتن علينا بأحسن ما يكون من جنس هذه النعمة، فعلى سبيل المثال امتن على الأمم السابقة بإرسال الرسل وإنزال الكتب وتشريع الشرائع، ولكن خصّنا دون الأمم السابقة بأفضل أنبيائه وأشرف كتبه وأحكم شرائعه، فضلا عما أولاه لنا من نعم كثيرة وآلاء جسيمة لم يكن لأمة من قبلنا ما يناظرها أو حتى يقاربها، وقد
стр. 249
بينت طرفا من هذه النعم في هذا الفصل من الكتاب، فلله الحمد كله وإليه يرجع الفضل كله.
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
في الآية دليل على أن الإجماع حجة شرعية، قال الشيخ السعدي ﵀: (وفي الآية دليل على أن إجماع هذه الأمة حجة قاطعة، وأنهم معصومون عن الخطأ، لإطلاق قوله: وَسَطاً، فلو قدر اتفاقهم على الخطأ لم يكونوا وسطا إلا في بعض الأمور، وقوله: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ، يقتضي أنهم إذا شهدوا على حكم أن الله أحله أو حرمه أو أوجبه فإنها معصومة في ذلك) «١» .
الفائدة الثانية:
أن أمة الإسلام، أمة المصطفى ﷺ ، تعلو على جميع الأمم، ولا تعلو عليها أي أمة، حيث إنها تشهد على جميع الأمم وتقبل شهادتها عند ربها- ويدخل بهذه الشهادة طوائف كثيرة النار، وفي المقابل لا تشهد عليها أي أمة من الأمم.
ويتفرع عليه وجوب أن تعتز هذه الأمة بنفسها وأن تعتقد اعتقادا جازما أنها عالية- بفضل الله- على جميع الأمم.
الفائدة الثالثة:
وجوب توفر شرط العدالة في كل من يشهد أو يحكم بين الناس، لأن الله- لما أراد تفضيل هذه الأمة بالشهادة على الأمم السابقة، جعلها أمة وسطا لتكون شهادتها مقبولة، قال تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ، فاللام في لِتَكُونُوا هي لام التعليل، ويتفرع على تلك الفائدة الفائدة التالية.
الفائدة الرابعة:
حرمان أهل البدع والزيغ والضلال- من أمة الإسلام- من الشهادة على الأمم السابقة، وذلك لعدم توفر شروط الوسطية فيهم ولوقوعهم إما في الغلو أو التقصير، كما أنهم يحرمون من الشهادة على الذين ماتوا في الدنيا من أهل القبلة.
الفائدة الخامسة:
هي منقبة عظيمة لهذه الأمة حيث إن الأنبياء هم أفضل الخلق وأحبهم إلى الله- وأعلى الناس شأنا وقدرا، يحتاجون إلى عموم هذه الأمة للشهادة لإثبات قيامهم بتبليغ أممهم، وكفى بذلك شرفا لهذه الأمة، روى البخاري في صحيحه: عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله ﷺ : «يدعى نوح يوم القيامة فيقول:
لبّيك وسعديك يا ربّ، فيقول: هل بلّغت؟ فيقول: نعم. فيقال لأمّته: هل بلّغكم؟ فيقولون:
ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمّد وأمّته، فتشهدون أنّه قد بلّغ وَيَكُونَ
стр. 250
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً، فذلك قوله- جلّ ذكره-: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً. والوسط العدل «١» . كما يتفرع على ذلك أيضا علم الأنبياء كلهم جميعا بأن أمة نبينا محمد ﷺ أمة عادلة مقبولة شهادتها عند الله- ولولا ذلك ما طلبوا- صلوات الله عليهم جميعا- شهادتها، وهي منقبة أخرى، تختلف عن سابقتها، فتدبر.
الفائدة السادسة:
يقين هذه الأمة بكل ما جاء في القرآن العظيم من الأخبار الغيبية سواء الماضية أو المستقبلية، وقد بلغ هذا اليقين بالغيب درجة المشاهدة، ودليله أن أحدا من هذه الأمة المحمدية لم يعاصر نوحا أو غيره من الرسل- ﵊ ولكننا علمنا ما دار بينهم وبين أقوامهم من القرآن العظيم، فصدقنا القرآن وآمنا بما جاء به من هذه الأمور الغيبية وشهدنا بها أمام رب العزة كأننا شاهدناها وعاصرناها، ولولا هذا اليقين ما رضي الله- بتلك الشهادة.
الفائدة السابعة:
قبول الله- لشهادة هذه الأمة، لا يقتصر على شهادتها على بقية الأمم يوم القيامة، بل تعدى ذلك، فقد قبل الله- شهادتها على من مات من المؤمنين في الدنيا، ودليله ما رواه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: مرّ بجنازة فأثني عليها خيرا، فقال نبيّ الله ﷺ : «وجبت وجبت وجبت» . ومرّ بجنازة فأثني عليها شرّا، فقال نبيّ الله ﷺ : «وجبت وجبت وجبت» . قال عمر: فدى لك أبي وأمّي، مرّ بجنازة فأثني عليها خير فقلت: «وجبت وجبت وجبت» . ومرّ بجنازة فأثني عليها شرّ فقلت: «وجبت وجبت وجبت» . فقال رسول الله ﷺ : «من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنّة، ومن أثنيتم عليه شرّا وجبت له النّار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض» «٢» .
٤- أمة لا تجتمع على ضلالة:
قال تعالى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً [النساء: ١١٥] .
عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمّتي قائمة
стр. 251
بأمر الله لا يضرّهم من خذلهم أو خالفهم حتّى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على النّاس» . رواه مسلم «١» .
الشاهد في الحديث:
أن النبي قد حكم أنه لن يخلو قرن من القرون، ولا أمة من الأمم من طائفة مقيمة على الحق، أي متمسكون بكتاب الله وسنة نبيهم ﷺ ، ولذلك يستحيل أن تجتمع هذه الأمة على الضلالة لأن اجتماعهم على ضلالة معناه أن تكون هذه الفئة الصالحة القائمة بأمر الله غير موجودة، أو غرّها اجتماع السواد الأعظم من الناس على منكر، فمالت إليهم، وهذا أيضا ينافي الحديث، ولذلك فاجتماع الأمة على أمر من الأمور، أو حكم من الأحكام، دليل قطعي على أن هذا الأمر هدى وليس بضلالة، حيث إن الفئة الصالحة، لا يمكن أن تقر أو ترضى بالباطل، فالأمر المجمع عليه من الأمة حق، وهذه الأمة لا تجتمع على باطل، وهي حكمة عظيمة من الله- ، لأنها لو اجتمعت على باطل، فقد يستقر هذا الباطل إلى يوم القيامة، ويندثر الحق الذي هو ضد هذا الباطل، وحيث إنه لا نبي سيأتي بعد، يكون في استقرار الباطل واندثار الحق مفسدة عظيمة، وتكمن المفسدة، في أن الناس يبحثون عن الحق فلا يجدونه، ولذلك تكون لهم حجة على الله- ، وهذا ينافي حكمة الله من إرسال الرسل وإنزال الكتب، قال تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥] .
وعدم اجتماع الأمة على ضلالة من أكبر نعم الله عليها، حيث ضمنت به الأمة عدة أمور من أهمها:
١- إضافة أصل أصيل تستند إليه الأمة بعد كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ألا وهو (الإجماع) ، وهو أصل تحتاج إليه أمة سيبقى شرعها صالحا إلى يوم القيامة، كل يوم يظهر من الأمور والمصالح ما يحتاج إلى الإفتاء والاجتهاد، فما أجمعت عليه الأمة أنه معروف فهو معروف، وما أجمعت عليه أنه منكر فهو منكر، ولا شك أن هذا من باب التوسعة عليها؛ لأنه كلما زادت مصادر التشريع كان ذلك من أوجه مظاهر رحمة الله بالعباد.
٢- ألّا ترتد الأمة على أعقابها بعد نبيها ﷺ ؛ لأن ارتدادها يعني أنها قد اجتمعت على ضلالة وهذا محال.
٣- ضمنت الأمة بهذا الأصل ألا يندثر شيء من أمور دينها ولو كان من المكملات
стр. 252
المحسنات؛ لأنه لو اندثرت سنة من السنن وسكتت الأمة على هذا الاندثار سواء بعدم الدعوة لهذه السنة أم عدم العمل بها لتحقق فيها الاجتماع على باطل، والأمة معصومة من ذلك.
وقد بين الشيخ السعدي المسألة بيانا جميلا، حيث قال ما نصه: (وقد استدل بهذه الآية الكريمة، على أن إجماع هذه الأمة حجة، وأنها معصومة من الخطأ، ووجه ذلك أن الله توعد من خالف سبيل المؤمنين بالخذلان والنار، وسَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ مفرد مضاف، يشمل سائر ما المؤمنون عليه من العقائد والأعمال، فإذا اتفقوا على إيجاب شيء، أو استحبابه، أو تحريمه أو كراهته، أو إباحته- فهذا سبيلهم، فمن خالفهم في شيء من ذلك بعد انعقاد إجماعهم عليه، فقد اتبع غير سبيلهم. ويدل على ذلك قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠] ، ووجه الدلالة:
أن الله تعالى أخبر أن المؤمنين من هذه الأمة لا يأمرون إلا بالمعروف، فإذا اتفقوا على إيجاب شيء أو استحبابه، فهو مما أمروا به، فيتعين بنص الآية أن يكون معروفا، ولا شيء بعد المعروف غير المنكر، وكذلك إذا اتفقوا على النهي عن شيء، فهو مما نهوا عنه، فلا يكون إلا منكرا، ومثل ذلك قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣] . فأخبر تعالى أن هذه الأمة جعلها الله وسطا، أي عدلا خيارا؛ ليكونوا شهداء على الناس، أي: في كل شيء، فإذا شهدوا على حكم بأن الله أمر به أو نهى عنه أو أباحه، فإن شهادتهم معصومة، لكونهم عالمين بما شهدوا به، عادلين في شهادتهم، فلو كان الأمر بخلاف ذلك لم يكونوا عادلين في شهادتهم، ولا عالمين بها، ومثل ذلك قوله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: ٥٩] ، يفهم منها أن ما لم يتنازعوا فيه، بل اتفقوا عليه، أنهم غير مأمورين برده إلى الكتاب والسنة، وذلك لا يكون إلا موافقا للكتاب والسنة، فلا يكون مخالفا، فهذه الأدلة ونحوها تفيد القطع، أن إجماع هذه الأمة حجة قاطعة) «١» .
ويجب التنبه إلى أن حديث «لا تجتمع أمتي على ضلالة» والذي يتداوله الكثير من الناس، حديث ضعيف، والحمد لله أن هدى الله أهل العلم أن في آية وحديث الباب دليلين على حجية الإجماع، وأنه حجة في التشريع بعد الكتاب والسنة، ولا عبرة للمخالف.
стр. 253
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
تحريم أن يقول الإنسان: هلك الناس، سواء بقصد الإخبار أو بقصد الدعاء، فكيف يحكم أحد على الأمة بالهلاك، وفيها تلك الفئة، وهو بذلك يكون كالمكذب بخبر النبي بوجودها في كل القرون، أو كيف يدعو عليها بالهلاك؟ وفيها الفئة التي زكاها خير البرية، يصدق ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا قال الرّجل: هلك النّاس، فهو أهلكهم» . رواه مسلم «١» .
الفائدة الثانية:
في الحديث بشرى عظيمة لهذه الأمة، وهو وجود الخير والعلم والحق فيها، حتى يأتي أمر الله، وقد يضعف هذا الحق في بعض الأوقات، ولكنه موجود، يقوى في أكثر الأوقات.
الفائدة الثالثة:
في الحديث تكذيب من ادعى، أنه ترك الحق لعدم وجود النصير أو القائم على الحق، كما أنه حجة على من يتساهل في أمور دينه، لعدم وجود من يعلّمه ويرشده ويفتيه، ولا يشترط وجود هذه الفئة بأشخاصها في كل بلد أو قطر، بل يكفي أن علمها موجود بوسائل مسموعة أو مرئية أو مكتوبة. فلا حجة لأحد والحمد لله، ولكن بعض الناس قد اعتادوا على التساهل في أمور دينهم، بعكس حرصهم على أمور دنياهم.
الفائدة الرابعة:
المقصود من قوله: «حتى يأتي أمر الله» ، هي الريح التي تأتي قرب يوم القيامة، فتأخذ روح كل مؤمن ومؤمنة، كما ذكر الإمام النووي في شرحه صحيح مسلم «٢» .
الفائدة الخامسة:
في الحديث حث لأهل العلم والخير على الصبر وتحمل أذى الناس، وعليهم أن يعلموا أنهم سيجدون مشقة في دعوتهم لقوله: «لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم» ، فأثبت الحديث أنه سيوجد في الأمة من يخالف أهل الحق فلا يوافقهم، ويخذلهم فلا ينصرهم، وقد يزداد الأمر إلى إقامة كل حجة لدحض الحق الذي مع هذه الفئة، وإشاعة كل شبهة لفضّ الناس من حولهم، وقد يزداد الأمر إلى نصرة أعدائهم عليهم.
الفائدة السادسة:
كما أن في الحديث تسلية لهذه الفئة، ففيه بشرى عظيمة لهم، أنه سيأتي أمر الله وهم ظاهرون على الحق.
стр. 254
الفائدة السابعة:
اختلف العلماء في هذه الفئة، فقيل: هم أهل الحديث، وقيل: هم أهل الجهاد، وقيل: هم العلماء، وقيل: هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، وأرى أن المقصود من هذه الفئة هم هؤلاء جميعا لأن الدين لا يقوم إلا بهم مجتمعين، وكل منهم على ثغر من ثغور الإسلام.
٥- أمة يعلّمها الروح الأمين:
عن عمر بن الخطّاب قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثّياب شديد سواد الشّعر، لا يرى عليه أثر السّفر، ولا يعرفه منّا أحد، حتّى جلس إلى النّبيّ ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفّيه على فخذيه وقال: «يا محمّد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : الإسلام أن تشهد ألاإله إلا الله وأنّ محمّدا رسول الله ﷺ ، وتقيم الصّلاة، وتؤتي الزّكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلا» . قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدّقه. قال: فأخبرني عن الإيمان، قال:
«أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه» . قال: صدقت.
قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: «أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك» . قال:
فأخبرني عن السّاعة، قال: «ما المسئول عنها بأعلم من السّائل» . قال: فأخبرني عن أمارتها، قال: «أن تلد الأمة ربّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشّاء يتطاولون في البنيان» . قال:
ثمّ انطلق فلبثت مليّا، ثمّ قال لي: «يا عمر أتدري من السّائل؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنّه جبريل، أتاكم يعلّمكم دينكم» . رواه مسلم «١» .
الشاهد في الحديث:
أن جبريل ﵇، وهو أمين وحي السماء، وهو- بالإجماع- أفضل الملائكة وأعظمها، ولذلك اختصه الله- بأعظم الوظائف وأجلّ المهام، وهي تبليغ الوحي للرسل صلوات الله وسلامه عليهم جميعا، وقد وصفه الله- في القرآن بصفات عظيمة فقال في حقه: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء: ١٩٣] ، وقال: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير: ٢٠] ، وقال: ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى [النجم ٦] ، أقول: الشاهد أن هذا الملك العظيم، جاء يعلم هذه الأمة أمر دينها، ففي الحديث قوله ﷺ : «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» ، وهذا غاية اعتناء المولى- بهذه الأمة.
стр. 255
[فوائد الحديث]
وفي الحديث فوائد عظيمة قد يطول المجال في ذكرها، فهي تحتاج إلى كتاب منفصل، لاشتماله على كل أصول الدين، وسنقتصر على بعض الفوائد إجمالا وهي:
الفائدة الأولى:
الأدب الذي ينبغي أن يكون عليه المتعلم مع العالم، في قوله: (فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه) ، وكذلك إعلام المتعلّم من حوله بتصديقه للعالم، لقوله: (فعجبنا له يسأله ويصدقه) .
الفائدة الثانية: ما ذكر من أصول الإيمان في هذا الحديث
كان على سبيل الإجمال؛ لأن المقام لا يتسع لأكثر من ذلك، وقد بين القرآن الكريم والسنة النبوية هذه الأصول أبلغ بيان، فمن ذلك:
١- الإيمان بالله
، هو أن نؤمن بأن الله واحد لا شريك له، ولا ند له، لم يلد، ولم يولد، له الخلق والأمر، وله الأسماء الحسنى والصفات العليا، وأن له من كل صفة أتمها وأجملها، وأن نؤمن بهذه الصفات من غير تأويل ولا تحريف ولا تعطيل، ونؤمن أن الله هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وأن كل ما يحكم به وفق الحكمة البالغة، حكمة في صورة الأمر وحكمة في غايته، وأنه لا يشاركه أحد في ملكه ولا في حكمه، ولا في أمره، كما ذكرت في عدة مواضع من هذا الكتاب.
٢- الإيمان بالملائكة
، يتوجب أن نعتقد أنهم مخلوقون من نور، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، لأنهم مجبولون على الطاعة، منهم الموكل بالوحي كجبريل ﵇، ومنهم الموكل بالنفخ في الصور كإسرافيل، ومنهم الموكل بالمطر وإحياء النبات بإذن الله، وهو ميكائيل، ومنهم الموكل بجهنم، وهو مالك، ومنهم الموكل بالجنة، ومنهم القائمون بعبادة الله، بين قيام وركوع وسجود، لا يملون ولا يفترون ولا يتقدمون بين يدي الله- ، قال تعالى: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم: ٦٤] ، كما نعتقد أن عددهم لا يعلمه إلا الله بل لا يمكن أن يستوعب عددهم بشر، لما ثبت في صحيح البخاري في حديث الإسراء قوله: ﷺ «فرفع لي البيت المعمور فسألت جبريل فقال: هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه» .
ومن الأدب مع الله، ألانسمي أي ملك باسم، لم يصل إلينا من طريق ثابت معصوم، كما يسمي بعض الناس ملك الموت بعزرائيل.
стр. 256
٣- أما الإيمان بالكتب
، فيستلزم أن نؤمن أنها كلها من عند الله- ، إيمانا مجملا، وأن نؤمن بالقرآن إيمانا مفصلا، بكل ما جاء فيه، وأن كل أخباره صدق، وكل أوامره عدل، قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ- رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥] ، وأنه أفضل الكتب، وهو المهيمن عليها، قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [المائدة: ٤٨] ، وأنه محفوظ بحفظ الله- له، لم يدخله زيادة، ولم يطرأ عليه نقصان، إلى يوم القيامة، قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩] .
٤- أما الإيمان بالرسل
فنؤمن بأنهم خير العباد وأتقاهم، وأحبهم إلى الله، وأن لهم من التبجيل ما ليس لأحد غيرهم، وكل من عداهم فهو دونهم، وأنهم جميعا أدوا الأمانة، وبلغوا الرسالة على الوجه الأكمل، نؤمن بهم جميعا على وجه الإجمال، ونؤمن بالمذكورين في القرآن على وجه التفصيل، ونؤمن أن الله- فاوت بين منازلهم، قال- تعالى- تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ [البقرة: ٢٥٣] ، وأن أفضلهم هم أولو العزم من الرسل، وقد ذكروا في موضعين من القرآن الكريم، قال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً [الأحزاب: ٧] ، وقال- عز من قائل- في الموضع الآخر: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ [الشورى: ١٣] .
ونعتقد أن رسولنا محمدا ﷺ ، هو أفضلهم وإمامهم، ثم يليه في المنزلة، إبراهيم ثم موسى، واختلف العلماء في أفضلية نوح وعيسى- عليهم جميعا الصلاة والسلام-، وقد ذكر ذلك فضيلة الشيخ/ محمد العثيمين- رحمه الله تعالى.
٥- كما نؤمن باليوم الآخر
، الذي يبعث فيه المولى- الخلائق جميعا، من قبورهم ليحاسبهم على ما قدموا، ونؤمن بنصب الصراط على ظهراني جهنم، وبإقامة الموازين القسط، ونشر الكتب، ونؤمن بالشفاعة العظمى، لنبينا ﷺ ونؤمن بلوائه المعقود والكوثر، ونؤمن بأن الموت يأتي، على هيئة كبش أملح، يذبح بين الجنة والنار فيقال لأهل الجنة وأهل النار: خلود فلا موت، ونؤمن أنه لن يخلد في النار أحد من أهل القبلة، ما دام لم يأت بما يناقض الشهادتين، ونؤمن أن للقرآن شفاعة، وللأنبياء شفاعة، وللصوم شفاعة، وللمؤمنين شفاعة.
٦- أما الإيمان بالقدر خيره وشره
، فنؤمن فيه بأن الله علم كل شيء أزلا، وهو علم لم يسبقه جهل، ولا يلحقه نسيان، ونؤمن بتقدير الله لكل شيء، وكتابته لكل ما سيكون،
стр. 257
لما صح في صحيح البخاري من حديث عمران بن حصين وفيه عن النبي «كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذّكر كلّ شيء وخلق السّماوات والأرض» «١» ، كما نؤمن أن ما أخطأ الإنسان ما كان ليصيبه، وما أصابه ما كان ليخطئه، ونؤمن أن الله بكتابته وعلمه كل شيء ما ظلم أحدا، لقوله تعالى في محكم التنزيل: وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦] .
تنبيه هام:
التعرض لأي من أصول الإيمان، باستهزاء أو غمز أو لمز أو تشكيك أو طعن أو إثارة الشبهات حوله، لغرض التكذيب أو غيره، يخرج فاعلها عن دائرة الإيمان، قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ [التوبة: ٦٥، ٦٦] .
الفائدة الثالثة:
بيان بما أوتيه النبيّ من جوامع الكلم، وذلك في قوله عن تعريف الإحسان: «أن تعبد الله كأنّك تراه» . فبدلا من أن يقول: تعبد الله بإخلاص وتذلّل وخشوع ورهبة، وأن تقوم بأداء جميع أركان العبادات، على الوجه الأكمل، وأن تنتقي من الأعمال أحسنها، وأن تشعر في نفسك عند العبادة بالتقصير، فتكون متقلبا بين الخوف والرجاء، بدلا من أن يقول ذلك وغيره كثير، قال: ( «كأنك تراه» ، فالمسلم إذا استقر في نفسه، أنه يرى الله في عبادته أتى بما ذكر، بل أتى بكل ما هو الأكمل والأحسن في كل عبادة، وهذا هو المطلوب من كل مؤمن، قال تعالى: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الزمر: ٥٥] .
الفائدة الرابعة:
كل عيب أو نقص في العبادة، يرجع إلى خلل في تحقيق العبد لرؤيته لله، وبقدر ما تحقق للعبد من ذلك، بقدر ما تأتي العبادة على أحسن وجه.
الفائدة الخامسة:
السؤال عن الساعة، هكذا مجردا، في قوله: «فأخبرني عن الساعة» .
يحتمل أن يكون عن وقتها، أو عن أماراتها، أو ما يقع فيها من أهوال عظام، ولكن النبي ﷺ فهم أن السائل يريد وقتها، وكان هذا الفهم صحيحا؛ لأن جبريل ﵇، لما سمع إجابة النبي بنفي علم وقت قيام الساعة، ما راجعه وقال له: ما عن وقتها سألتك، وهذا يدل على فراسة وذكاء النبي ﷺ ، في فهم ماهية السؤال، ولكن لما أجاب بعدم العلم، أتى جبريل ﵇ بسؤال آخر، وهذا يدل على أن السائل يجب عليه أن يسأل
стр. 258
أولا عن عظائم الأمور، أي الأهم فالمهم، فلا شك أن علم وقت الساعة أعظم فائدة من العلم بأماراتها، لأننا إذا علمنا متى الساعة كنا في غنى عن معرفة أماراتها.
الفائدة السادسة:
في الحديث ما يجب أن يكون عليه العالم من عدم الإجابة بغير علم، وألا يستحي أن يقول: لا أعلم، فإنها بلا شك نصف العلم، كما يقولون.
الفائدة السابعة:
في الحديث أدب المتعلم وحسن إجابته لمعلمه، وأن يرد العلم إلى الله، خاصة إذا أدرك أن العالم يريد أن يعلمه شيئا لا يعرفه، كل ذلك من إجابة عمر ﵁ للرسول ﷺ ، لما قال له: «أتدري من السائل؟» ، قال: الله ورسوله أعلم. ولم يقل: هو رجل لا نعرفه جميعا، أو أن الغموض يكتنف شخصيته، فهو لا يبدو عليه أثر السفر، ومع ذلك فهو ليس من أهل المدينة. وهذا أدب جم.
الفائدة الثامنة:
لا يجوز للمسئول، بعد وفاة النبي ﷺ ، أن يقول إذا سئل عن المسألة:
(الله ورسوله أعلم) ؛ لأن النبي بعد وفاته، قد انقطع عن أمور الدنيا، وما يستجد بها، بل قد يكون من الكذب أن يقال: الله ورسوله أعلم، وما زلنا نسمع أهل العلم بعد الفتاوى يقولون: (الله أعلم) .
الفائدة التاسعة:
من أفضل أساليب التعليم، إلقاء العلم على هيئة سؤال وإجابة، ليكون أوعى للسامع من اختلاط المعلومات لو ألقيت عليه سردا، وكذلك يكون أكثر تشوقا لها، وأن يعمل عقله قبل سماع الإجابة، وأن يوازن بين ما في خاطره والإجابة الصحيحة، والشاهد لذلك أن جبريل لما جاء يعلم الأمة دينها، استخدم أسلوب السؤال والجواب، ولو كانت هناك طريقة أفضل لاتبعها جبريل ﵇.
الفائدة العاشرة:
لفظة الإسلام، تدل على أعمال الجوارح، كالصلاة والزكاة والصوم والحج، أما الإيمان فيختص بأعمال القلوب، وأنهما لو اجتمعا في نص واحد اختلفا في المعنى، يصدق ذلك قوله تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤] .
أما إذا ورد أحد اللفظين في النص، فيشمل عمل القلب وعمل الجوارح معا، لذلك قالوا عن لفظي الإيمان والإسلام: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.
الفائدة الحادية عشرة:
قد يتمثل الملك بصورة إنسان، وهي هيئة شريفة، ولا يتمثل بصورة وضيعة، لأنه لم يأت دليل صحيح على ذلك، ويكون هذا من باب تشريف الله لهم،
стр. 259
أما الشيطان فيأتي على صورة شريفة، كما ثبت في الحديث الذي رواه أبو هريرة، وفيه أن الشيطان كان يأتيه كل ليلة على صورة رجل فقير، يريد أن يأخذ من مال الصدقة، كما أنه قد يأتي على صورة وضيعة كالكلب، كما ثبت في صحيح مسلم: عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قام أحدكم يصلّي فإنّه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرّحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرّحل، فإنّه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود» . قلت: يا أبا ذرّ ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟! قال: يا ابن أخي سألت رسول الله ﷺ كما سألتني، فقال: «الكلب الأسود شيطان» «١» .
٦- أمة تصلي عليها الملائكة وتستغفر لها:
قال تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ [غافر: ٧] .
الشاهد في الآية الكريمة:
قوله تعالى: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ. صلاة حملة العرش ومن حوله على المؤمنين نعمة عظيمة امتن الله بها على عموم هذه الأمة. أمة محمد ﷺ ، قال الإمام ابن كثير: (قيض الله تعالى ملائكته المقربين أن يدعوا للمؤمنين بظهر الغيب، كما ثبت في صحيح مسلم: «إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال:
الملك آمين ولك بمثله» ) «٢» .
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
عظيم اعتناء الله- بهذه الأمة ويظهر ذلك من الأمور التالية:
١- ورود الآية بصيغة الجملة الاسمية التي تفيد الثبوت.
٢- أن الملائكة الذين قيدهم الله- بالاستغفار للمؤمنين هم من أفضل الملائكة، فهم حملة العرش ومن حوله.
٣- عدم تقييد استغفار الملائكة للمؤمنين بزمن معين أو هيئة معينة أو إتيان نوافل الأعمال، ولكن هي صلاة دائمة مستمرة، تدرك المؤمن أثناء حياته وبعد مماته، شريطة
стр. 260
اتباعه سبيل الله- وملازمته للتوبة. وأذكّر نفسي والقارئ الكريم أن هذا الاعتناء من الله- لهذه الأمة ما كان إلا لانتسابها إلى النبي ﷺ .
الفائدة الثانية:
عظيم قدر عرش الرحمن إذ جعل له حملة من الملائكة يحملونه وآخرين يحفونه.
الفائدة الثالثة:
إثبات أن للملائكة وظائف خلقوا من أجلها، فملائكة تحمل العرش، وملائكة سيارة، وملائكة حفظة، بالإضافة إلى من هو موكل بالنفخ وآخر بالقطر وآخر بقبض الأرواح، وأعظمهم مطلقا الموكل بالوحي وهو جبريل ﷺ . ويتفرع عليه عظيم قدرة الله- وبديع تصريفه لأمور ملكوته الواسع، كما يتفرع عليه، أن من حسن تصرف الوالي، أو من ينوب عنه، أن يقسم المهام والوظائف بين رعيته حتى يسهل مراقبتهم والتأكد من إتقانهم لعملهم فضلا عن إنجازها، ألم تسمع لقوله تعالى ممتنا على رسوله سليمان ﵇: وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ [ص: ٣٧، ٣٨] .
الفائدة الرابعة:
فضل التسبيح للرب- ﵎ والإيمان به، ودليله أن الله لما ذكر حملة العرش في سياق مدحهم وإظهار علو شأنهم ذكر لهم صفتين هما: التسبيح والإيمان به، ولو كان عندهم من الصفات ما هو أعظم من ذلك لنصّت عليه الآية من باب أولى.
كما يؤخذ من الآية أن الإيمان بالله والتسبيح بحمده صفتان متلازمتان لا ينفكان عن العبد. ويتفرع عليه حث الأمة على الإيمان الصادق بالله- وكثرة التسبيح له .
الفائدة الخامسة:
وجوب حب الملائكة الكرام البررة والامتنان لهم، ذكر ابن كثير عن مطرف بن عبد الله: (وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة ووجدنا أغشّ عباد الله لعباد الله الشيطان) «١» .
الفائدة السادسة:
استحباب التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وذكر محاسنه العظيمة وآلائه الجسمية بين يدي الدعاء، لقول الملائكة قبل دعائها: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً وأن يكون التوسل مناسبا للدعاء.
стр. 261
الفائدة السابعة:
إثبات أن صفتي الرحمة والعلم هما أوسع الصفات وأعظمها لقول الملائكة: وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً، ولم يرد هذا الوصف لغيرهما من الصفات.
الفائدة الثامنة:
جمعت الآية الكريمة بين الترغيب والترهيب، فالترغيب بمقتضى صفة الرحمة، والترهيب بمقتضى صفة العلم، فحقيق بالعبد إذا علم أن الله مطلع على كل أفعاله وأقواله وحركاته وسكناته أن يخشى الله ويتقيه، وحقيق به أيضا إذا علم أن رحمة الله وسعت كل شيء ألايقنط من رحمة الله تعالى مهما بلغت ذنوبه وآثامه.
قال الإمام ابن كثير: (أي رحمتك تسع ذنوبهم وخطاياهم وعلمك محيط بجميع أعمالهم وأقوالهم) «١» .
وأضيف فأقول: إن علم الله الواسع لا يحيط بأعمال العباد وأفعالهم فحسب، بل هو محيط بكل ما يطلق عليه لفظ شيء في هذا الكون.
الفائدة التاسعة:
من صفات المؤمن الملازمة له والتي لا تنفك عنه صفة التوبة والاتباع، ودليله أن الآية ذكرت أولا أن الملائكة تستغفر للذين آمنوا، ثم لما ذكرت صفات المؤمنين المستغفر لهم قالت: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ، وأقول: أخشى ألا ينال أصحاب البدع في الدين بركة هذا الدعاء بشؤم ابتداعهم وانحرافهم عن سبيل الله ورسوله ﷺ .
الفائدة العاشرة:
مشروعية أن يدعو المؤمن لأخيه بظهر الغيب، وأن الله- يقبل ذلك لدعاء الملائكة للمؤمنين.
الفائدة الحادية عشرة:
من أساليب البلاغة التي يتميز بها القرآن الكريم والتي تزيده حسنا على حسن، الإجمال ثم التفصيل، فأجملت الآية صيغة الدعاء وصفة من يشملهم الدعاء، ثم فصّلت الأمرين، فنصت على ما يقال في الدعاء وصفة المدعو لهم. قال تعالى:
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ.
الفائدة الثانية عشرة:
وجوب أن يعلم كل مؤمن أن الفوز بالجنة والوقاية من عذاب الجحيم، إنما هو محض فضل من الله- ﵎، فلو كان العبد يستحق ذلك بعمله، ما دعت الملائكة للتائبين والمتبعين بالنجاة من عذاب الجحيم، ولاستحقت لهم الجنة بعملهم دون الحاجة إلى فضل الله ورحمته. ويتفرع عليه أن العبد يجب عليه أن يلازم الدعاء بالفوز بالجنة والنجاة من النار، بناء على علمه أنه لا يستحق ذلك إلا بفضل الله،
стр. 262
وأن عمله وحده مهما عظم لن يدخله الجنة.
كما يتفرع عليه أن عذاب الجحيم من الأمور العظيمة التي يجب أن نستعيذ منها، حيث إن الملائكة لما استغفرت للمؤمنين بكلمات معدودة ضمت للدعاء الوقاية من عذاب الجحيم.
الفائدة الثالثة عشرة:
دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة، حيث اقتصر دعاء الملائكة على الاستغفار دون طلب الثواب، وعلى الوقاية من العذاب دون طلب الجنة. وقد يكون من حكمة الملائكة الدعاء بالوقاية من الجحيم، لأن العبد إذا ضمن عدم دخول النار فسيدخل الجنة، لأنه ليس بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، ولو أن الملائكة دعت بدخول المؤمنين الجنة فلا يغني ذلك عن دخول البعض منهم النار أولا ثم الجنة، كما نتعلم من دعاء الملائكة للمؤمنين أن الله يجب الإجمال في الدعاء لا التفصيل، وهذا مثال آخر لصلاة الملائكة على المسلمين.
عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «الملائكة تصلّي على أحدكم ما دام في مصلّاة الّذي صلّى فيه، ما لم يحدث، تقول: اللهم اغفر له، اللهمّ ارحمه» . رواه البخاري «١» .
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ «الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه» .
شروط صلاة الملائكة:
الشرط الأول:
صلاة الفريضة في المسجد وأعتقد أن هذا هو مذهب الإمام البخاري حيث بوب بقوله: (باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة) .
الشرط الثاني:
البقاء في المسجد بنية انتظار صلاة أخرى، لما ورد في إحدى روايات البخاري: «ما دامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة» «٢» . قال الإمام ابن حجر ﵀: (ويؤخذ من قوله: في مصلاه الذي صلى فيه، أن ذلك مقيد بمن صلى ثم انتظر صلاة أخرى، وبتقييد الصلاة الأولى بأنها مجزئة) «٣» .
стр. 263
الشرط الثالث:
عدم الإحداث، وهو حدث الفرج، أي: خروج ريح، وفي الفتح:
(ويؤخذ منه أن اجتناب حدث اليد واللسان من باب أولى) .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
عظيم فضل هذه الأمة؛ إذ قيد الله- لها ملائكة تصلي عليها في أحوال وأوقات محددة، قال الإمام ابن حجر: (المراد بالملائكة الحفظة أو السيارة أو أعم من ذلك) «١» . وأظنه أعم من ذلك لعدم ورود تحديد في الحديث لنوع هؤلاء الملائكة.
الفائدة الثانية:
الصلاة من الملائكة هي الدعاء للمسلمين بالمغفرة والرحمة، ودليله أن النبي ﷺ ذكر أن الملائكة تصلي، ثم ذكر آخر الحديث نص ما تقول: «اللهم اغفر له اللهم ارحمه» .
ويؤخذ منه أيضا أن هناك فرقا بين المغفرة والرحمة، لأن الملائكة تدعو بالأمرين.
الفائدة الثالثة:
فضل التزام المصلّي للمصلّى الذي صلى فيه، وفضل محافظة المصلي على وضوئه، وكذا انتظار الصلاة بعد الصلاة في نفس المصلى.
الفائدة الرابعة:
الحدث في المسجد، هيئة مكروهة لا تليق بحال المصلّي وتتأذى منها الملائكة، ودليله أن صلاة الملائكة على المصلي تنقطع بها، ولما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله، عن النّبيّ ﷺ قال: «من أكل من هذه البقلة الثّوم، وقال مرّة: من أكل البصل والثّوم والكرّاث فلا يقربنّ مسجدنا فإنّ الملائكة تتأذّى ممّا يتأذّى منه بنو آدم» «٢» ولا شك أن ابن آدم يتأذى من الحدث ورائحته. قال ابن حجر: (يدل الحديث على أن الحدث يبطل صلاة الملائكة ولو استمر جالسا، وفيه دليل على أن الحدث في المسجد أشد من النخامة لما تقدم من أن لها كفارة ولم يذكر لهذا كفارة بل عومل صاحبه بحرمان استغفار الملائكة) «٣» .
٧- اختصاصها بيوم الجمعة والذي فيه ساعة إجابة:
عن أبي هريرة ﵁ أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «نحن الآخرون السّابقون يوم القيامة بيد أنّهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثمّ هذا يومهم الّذي فرض عليهم فاختلفوا فيه
стр. 264
فهدانا الله؛ فالنّاس لنا فيه تبع، اليهود غدا والنّصارى بعد غد» . متفق عليه «١» .
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ : «فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله» .
هذه مزية أخرى عظيمة امتن الله بها على هذه الأمة الفاضلة المفضلة (أي الفاضلة في نفسها المفضلة على غيرها) ، وهو اختصاصها بيوم الجمعة الذي تكثر فيه الخيرات والتي من أعظمها:
١- وجود ساعة يستجاب فيها دعاء المسلم، لما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة قال:
قال أبو القاسم ﷺ : «إنّ في الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم قائم يصلّي يسأل الله خيرا إلّا أعطاه إيّاه» وقال بيده: يقلّلها يزهّدها «٢» .
٢- مغفرة الذنوب والآثام ما بين الجمعة والجمعة، لمن حضر صلاة الجمعة لما روى البخاري عن سلمان الفارسيّ قال: قال النّبيّ ﷺ : «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهّر ما استطاع من طهر ويدّهن من دهنه أو يمسّ من طيب بيته ثمّ يخرج، فلا يفرّق بين اثنين، ثمّ يصلّي ما كتب له، ثمّ ينصت إذا تكلّم الإمام: إلّا غفر له ما بينه وبين الجمعة الآخرى» «٣» .
وعند مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من توضّأ فأحسن الوضوء ثمّ أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيّام، ومن مسّ الحصى فقد لغا» «٤» ، وقد وضّح الحديثان شروط تكفير السيئات وهي:
أ- الغسل مع استخدام ما يطهر البدن.
ب- التطيب.
ج- حضور صلاة الجمعة، لقوله ﷺ : «ثم راح» ، والإنصات إلى خطبة الجمعة، لقوله: «ثم إذا خرج الإمام أنصت» .
د- عدم التفريق بين المصلين، لقوله ﷺ : «فلم يفرق بين اثنين» ، وهذا يشمل التفريق للمرور أو الجلوس، إلا إذا كان هناك فرجة يريد أن يسدها.
هـ- صلاة ما تيسر من النوافل، وأقلّها ركعتان تحية المسجد.
٣- ترتيب الأجر العظيم لمن ذهب إلى الجمعة في الساعة الأولى؛ لما رواه البخاري عن
стр. 265
أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثمّ راح فكأنّما قرّب بدنة، ومن راح في السّاعة الثّانية فكأنّما قرّب بقرة، ومن راح في السّاعة الثّالثة فكأنّما قرّب كبشا أقرن، ومن راح في السّاعة الرّابعة فكأنّما قرّب دجاجة، ومن راح في السّاعة الخامسة فكأنّما قرّب بيضة. فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذّكر» «١» . وهذا بلا شك ثواب عظيم على عمل قليل، متيسر لكل مؤمن أن يناله كل جمعة، فلله الحمد والمنة.
بعض فوائد حديث الباب:
الفائدة الأولى:
عناية الله- بهذه الأمة، يتبين من:
١- أن الله- جعلها آخر الأمم زمانا في الدنيا، وأعظم الأمم منزلة في الآخرة، ولا تخفى الفضائل المتنوعة لكون هذه الأمة آخر الأمم زمانا في الدنيا، فهي شاهدة على جميع الأمم، وشريعتها وكتابها لا ينسخان إلى يوم القيامة، وكل الأمم مأمورة أن تدخل في دينها، ولا تأتي أمة تستعلي عليها، وغير ذلك كثير قال ابن حجر ﵀:
(والمراد أن هذه الأمة وإن تأخر وجودها في الدنيا عن الأمم الماضية فهي سابقة لهم في الآخرة بأنهم أول من يحشر وأول من يحاسب وأول من يقضى بينهم وأول من يدخل الجنة) «٢» .
٢- هدايتها ليوم الجمعة دون غيرها من الأمم لقوله ﷺ : «فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله فغدا لليهود وبعد غد للنصارى» . وقال صاحب الفتح: (وفيه بيان واضح لمزيد فضل هذه الأمة على الأمم السابقة زادها الله تعالى) «٣» .
٣- تمييز هذه الأمة عن الأمم السابقة، وذلك بتمسكها بما افترضه الله عليها، واستحالة اجتماعها على الباطل، ودليله أن الله افترض على اليهود يوم الجمعة فضلوا عنه وبدلوه بيوم السبت، وافترضه على النصارى فضلوا عنه وبدلوه بيوم الأحد، فاجتمعت الأمتان على ضلالة واحدة، وهي تبديل يوم الجمعة، وتعظيمهم يوما لم يؤمروا بتعظيمه مع حرمانهم من بركاته وفضائله.
الفائدة الثانية:
عظيم فضل يوم الجمعة، وأنه اليوم الفاضل على سائر الأيام منذ أن خلق الله آدم ﵇، وأدلة ذلك:
стр. 266
١- أن الله خلق فيه آدم ﵇، فعند مسلم، أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «خير يوم طلعت عليه الشّمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنّة، وفيه أخرج منها» «١» .
٢- هو اليوم الذي فرضه الله- على جميع الأمم، لما ورد عند البخاري: «ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم» .
٣- هو أول أيام الأسبوع، لقوله ﷺ : «فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا، والنصارى بعد غد» . هذا بالإضافة إلى ما ذكرته آنفا من بركة هذا اليوم العظيم.
تنبيه: يعتقد بعض الناس أن يوم عرفة لو صادف يوم جمعة لعدلت هذه الحجة سبعين حجة، وهذا الاعتقاد غير صحيح، ويجب تنبيه الناس على خطأ هذا المعتقد، ولكن يمكن أن يقال: إن الدعاء في مثل هذا اليوم أرجى للقبول لمصادفته يوم عرفة ولوجود ساعة إجابة يوم الجمعة.
الفائدة الثالثة:
الهداية من الله وحده لقوله ﷺ : «فهدانا الله» ، ويتفرع عليه وجوب طلب الهداية من الله، وأن المسلم يجب أن يكون دائما على حذر؛ لأن الأمر ليس بيده، وإنما هو بيد الله وحده.
٨- لها ساعة إجابة كل ليلة:
عن الأغرّ أبي مسلم يرويه عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ :
«إنّ الله يمهل حتّى إذا ذهب ثلث اللّيل الأوّل نزل إلى السّماء الدّنيا فيقول: هل من مستغفر؟
هل من تائب؟ هل من سائل؟ هل من داع؟ حتّى ينفجر الفجر» . رواه مسلم «٢» .
وعند البخاري عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «ينزل ربّنا- ﵎ كلّ ليلة إلى السّماء الدّنيا حين يبقى ثلث اللّيل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟» «٣» .
وتلك منة أخرى امتن بها الله- ﵎ على هذه الأمة، بأن جعل في كل ليلة وقتا يتفضل به على عباده المؤمنين، فيغفر للمستغفر، ويعطي السائل، ويجيب الداعي،
стр. 267
وهي تختلف عن ساعة الإجابة التي في يوم الجمعة، حيث إنها تتكرر كل ليلة، وليست مرة واحدة في الأسبوع، بالإضافة إلى أن وقتها معلوم بالتحديد وهو الثلث الأخير من الليل، كما يدل الحديث على أن ساعة الإجابة في الليل أطول من ساعة يوم الجمعة حيث جعلها الله من بداية ثلث الليل الآخر إلى طلوع الفجر.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
رحمة الله ومنته العظيمة على هذه الأمة ويتبين ذلك من:
١- جعل- وقتا معلوما يستجيب فيه لكل من دعاه واستغفره.
٢- هو- الذي ينادي العباد ويدعوهم إليه، مع أنه هو الغني عنهم من كل وجه، وهم الفقراء إليه في كل أمر، وهل سمعنا ملكا من ملوك الأرض، مهما بلغت تقواه وغناه وفضله يفتح أبوابه كل يوم وينادي رعاياه متحبّبا إليهم ومرغّبا لهم في الإقبال عليه.
٣- من أعظم مظاهر رحمته- أن جعل النداء لعموم عباده، العاصي منهم والطائع، المدبر منهم والمقبل، وكان المفترض- على حسب عقولنا ومداركنا- أن ينادي في هذه الساعة الفاضلة على خيرة العباد دون سواهم ولكن الرب الكريم الودود الغفور أبى أن يمنعنا فضل ما عنده بسوء ما عندنا، فقضى أن تعم رحمته وبركاته الجميع، أرأيتم ملكا من ملوك الدنيا يدعو من أساء إليه ويعلمه بعفوه عنه إذا هو رجع إليه وانتهى عما سلف؟!
الفائدة الثانية:
كرمه وجوده وغناه- إذ وعد كل من سأله أن يعطيه ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي ذر ﵁ وفيه: «يا عبادي لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي: لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كلّ إنسان مسألته ما نقص ذلك ممّا عندي إلّا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر» «١» .
الفائدة الثالثة:
سوء أدب من يقضي مثل هذا الوقت الفضيل في معصية الله- ، فكيف يتجرأ عبد أن يعصي الله في وقت ينادي فيه الله- على العباد عارضا عليهم التوبة والاستغفار وإجابة الدعاء، كما يؤخذ من الحديث أيضا أن
стр. 268
الذي يعتاد أن ينام في مثل هذا الوقت كل ليلة مغبون.
الفائدة الرابعة:
حبّ الله- أن يسأله العبد ويتضرع إليه وأن يظهر فقره وحاجته بين يدي مولاه وخالقه، لقوله تعالى: (من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟) ، ولولا حب الله- أن ينشغل العباد بالسؤال والدعاء، ما حثهم على ذلك في أفضل الساعات.
الفائدة الخامسة:
أن من المقاصد العظيمة لهذا الدين الحنيف، تربية أفراد الأمة على ترك المألوف وكذا عدم الإكثار من لذات النفس وشهواتها المباحة، ودليله من الحديث أن الفضل العظيم الذي بشّر به الحديث الشريف لن يناله إلا من ترك فراشه في أجمل أوقات الليل وهو الثلث الأخير منه، خاصة في أوقات البرد القارص.
وفي الحديث أيضا أن العبد إذا أراد أن يرتقي الدرجات لا يجب عليه فقط أن يترك المحرمات والمكروهات ولكن يجب عليه أن يترك بعض حظوظ النفس، وأدلة ذلك كثيرة في الكتاب والسنة.
الفائدة السادسة:
بعض الفوائد التي نصّ عليها الإمام ابن حجر ﵀ حيث قال:
(وفي الحديث من الفوائد تفضيل صلاة آخر الليل على أوله وتفضيل تأخير الوتر، لكن ذلك في حق من طمع أن ينتبه وأن آخر الليل أفضل للدعاء والاستغفار؛ ويشهد له قوله:
وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ، وأن الدعاء في ذلك الوقت مجاب، ولا يعترض على ذلك بتخلفه عن بعض الداعين لأن سبب التخلف وقوع الخلل في شرط من شروط الدعاء كالاحتراز في المطعم والمشرب والملبس أو الاستعجال الداعي أو بأن يكون الدعاء بإثم أو قطيعة رحم أو تحصل الإجابة ويتأخر وجود المطلوب لمصلحة العبد أو لأمر يريده الله) «١» .
٩- التخفيف الشرعي ورفع الأغلال التي كانت على الأمم السابقة:
قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [البقرة: ٢٨٦] .
شاهد على التخفيف في العبادات:
عن عائشة ﵂ زوج النّبيّ ﷺ قالت: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره
стр. 269
حتّى إذا كنّا بالبيداء- أو بذات الجيش- انقطع عقد لي فأقام رسول الله ﷺ على التماسه وأقام النّاس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأتى النّاس إلى أبي بكر الصّدّيق، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله ﷺ وبالنّاس وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والنّاس وليسوا على ماء وليس معهم ماء! قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي ولا يمنعني من التّحرّك إلّا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فقام رسول الله ﷺ حتّى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التّيمّم فتيمّموا فقال أسيد بن حضير: ما هي بأوّل بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الّذي كنت عليه فإذا العقد تحته) «١» .
الشاهد في الحديث:
أن الرسول ﷺ ومعه أصحابه عندما أرادوا الصلاة، وقد افتقدوا الماء، لحبس عائشة ﵂ الجيش بفقدها عقدها، لم يحمّلهم الله ما لا يطيقون، فلم يأمرهم أن يبحثوا عن الماء بجهد الأنفس، ولم يأمرهم أن يتوضئوا بالماء المخصص للشرب، بل أنزل عليهم آية التيمم.
ولا شك أن الله قد خفف عن الأمة التكليف بمشروعية التيمم، فلا شك أن التيمم أيسر وأخف على المكلف من الوضوء، من حيث عدد الأعضاء التي يجب غسلها، وعدد مرات الغسل، كما أن هيئة التيمم أخف من حيث عدم الحاجة إلى تشمير الذراعين وخلع الخف، واستخدام الماء الذي قد يكون باردا أو ساخنا جدّا.
وقد تكون الحكمة في التخفيف، أن فقد الماء- غالبا- ليس من كسب المكلف، فلا وجه لزيادة التكليف عليه، كما أن فقد الماء فيه عسر ومشقة لعدم استغناء الناس عنه، فعوض المشرع هذا العسر بتيسير التيمم.
وفي النهاية فإننا ننظر إلى الأمر على أنه منحة من الله- وأن الله قد أراد بهذا التخفيف رحمة العباد، وإظهار فضل هذه الأمة، وإكرام نبيها غاية الإكرام، بالتوسعة على أمته والامتنان عليها من كل وجه.
وفي الحديث فوائد منها:
الفائدة الأولى:
تعظيم الصحابة لمقام النبوة، فلم يجمعوا بين النبي ﷺ والناس في لفظ
стр. 270
واحد، فذكروه أولا ثم عطفوا بالناس، حتى ولو كانوا مشتركين في الأمر المخبر عنه، ففي الحديث: (فأقام الرسول ﷺ على التماسه وأقام الناس معه) ، وفيه: (ألا ترى ما فعلت عائشة؟ أقامت برسول الله وبالناس) ، وكذا قول أبي بكر معاتبا عائشة: (حبست رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء) ، وأحسب أن ذلك أثر التربية الربانية للصحابة، قال تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور: ٦٣] .
الفائدة الثانية:
مناقب عائشة ﵂:
١- حبس النبيّ ﷺ الناس لالتماس عقدها، مع علم النبي أنه ليس ثمة ماء، وهذا فيه تطييب لخاطرها، وإزالة الحزن عن نفسها بفقد عقدها، وقد يكون أيضا من باب المحافظة على المال، وقد بينت ذلك في التعليق على حديث الإفك.
٢- نوم النبي ﷺ واضعا رأسه الشريفة على فخذها، وهي منقبة عظيمة لمن تدبرها؛ لأنه يشعر بعظيم حبه لها.
٣- إيثارها راحة النبي وعدم إزعاجه في نومه، على التحرك للنجاة من إيلام أبيها، فقدمت راحة الرسول على ألم جسدها، قالت: (فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يطعنني بيده في خاصرتي ولا يمنعني من التحرك إلا مكان الرسول على فخذي) .
٤- بركة عائشة ﵂، والبركة هي كثرة الخير وعموم نفعه، حيث إنها كانت السبب المباشر في نزول آية التيمم، بعد أن حبست الرسول والناس معه وليسوا على ماء، ولك أن تتصور مدى أهمية هذه البركة العظيمة، التي انتفع بها عموم المسلمين إلى يوم القيامة، وقد لمح الصحابي الجليل، أسيد بن حضير، عظيم هذه البركة، بمجرد نزول آية التيمم فقال:
«ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر» ، وهذا تصريح منه بفضل أبي بكر وابنته وأهل بيته على الأمة.
وقد ورد عند البخاري: «فو الله ما نزل بك من أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين فيه خيرا» «١» . وهذا غاية إكرام الله لها.
الفائدة الثالثة:
لا يجب على المسلم، إذا كان في سفر وليس معه ماء، أن يتعجل السفر مخافة أن تتدركه الصلاة، وله أن يتوقف في السفر لكل أمر مباح، ولو للتنزه؛ لأن النبي ﷺ حبس الناس في عقد، ولم تكن آية التيمم قد نزلت بعد، فالتيمم مشروع لكل من
стр. 271
فقد الماء، ولو لم يكن لضرورة.
الفائدة الرابعة:
جواز أن يذكر الرجل أخاه في غيبته، بفعل يعتقد أنه أساء به للناس، ولا يعتبر ذلك غيبة ما دام ملتزما في كلامه حدود الله وأن يكون لا يريد به طعنا في الشخص وإنما يريد به الشكاية، ونلحظ أيضا أن هذا الكلام قيل لأبيها وليس لأحد غريب عنها، قالت: (فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة) .
الفائدة الخامسة:
جواز أن يؤدب الرجل ابنته ولو كانت متزوجة، بل لو كان زوجها من أهل الفضل، ولا يعدّ ذلك تعديا على حق الزوج، وله أن يستخدم في التأديب، ما يؤلم قولا وفعلا، قالت: (فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يطعنني بيده في خاصرتي) .
الفائدة السادسة:
قضت حكمة الله، ، أن يربط نزول آيات التشريع، بأسباب ومناسبات، وهذا هو الغالب، وحديث الباب حجة في ذلك، حيث جعل الله ضياع العقد سببا لتأخر الركب مع عدم وجود الماء، لتنزل آية التيمم.
الفائدة السابعة:
الحث على رد الخير لأهله، والاعتراف لأهل المعروف بصنيعهم الجميل، وجواز أن ينسب الخير لمن باشره أو تحقق على يديه، لقول أسيد بن حضير: (ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر) ، وفيه نسبة الفعل إلى من كان سببا فيه، لقولهم في حق عائشة: (ألا ترى ما صنعت عائشة) ، ويتضح من تلك الفائدة، تكلف من لا ينسب أي فعل لأحد من الناس، إلا يتعقبه بقوله: (بعد الله) ، أو ما شابه ذلك، فيقول: (أرجو من الله ثم منك) ، حتى إيصال النفع أو دفع الضر عن أحد، يمكن أن ينسبه الإنسان إلى نفسه، إذا كان سببا فيه، دون أن يعلق الأمر بالله، لما رواه البخاري: عن أبي سعيد الخدريّ أنّ رسول الله ﷺ ذكر عنده عمّه أبو طالب فقال: «لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار، يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه» «١» ، ولم يقل: تنفعه شفاعتي بعد الله.
الفائدة الثامنة:
من الحكمة استخدام كل من اللين والشدة، حسب متطلب الحال، وليس من الحكمة أن يكون الرجل لينا دوما، أو شديدا في كل حال، فلكل مقام مقال، فها هو أبو بكر الصديق، الرجل الأسيف، يعنف الزوجة الحبيبة للنبي ﷺ بلسانه وبيده في حال نوم النبي ﷺ على فخذها، وقد بينت ذلك في أكثر من موضع، لحاجة الناس إلى هذا السلوك القويم.
стр. 272
شاهد على التخفيف في المخالفات: عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله تجاوز لأمّتي ما حدّثت به أنفسها ما لم يتكلّموا أو يعملوا به» . رواه مسلم «١» .
وهذا شاهد آخر على إرادة الله- التخفيف على هذه الأمة، ولكن في مجال المخالفات الشرعية حيث لم يؤاخذها على حديث النفس والوسوسة.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
عظيم شأن النبي ﷺ عند ربه- ﵎، ودليله من الحديث قوله: «إن الله تجاوز لي» ، فكان هذا التجاوز إكراما له ﷺ في أمته، ويتفرع عليه علمنا بكبير فضل النبي ﷺ على أمته، إذ ببركته حدث هذا التجاوز عن الوسوسة.
الفائدة الثانية:
رحمة الله- ﵎ بهذه الأمة، إذ اختصّها عن سائر الأمم بالتجاوز عن الوسوسة وحديث النفس، والدليل قوله ﷺ : «إن الله تجاوز لي عن أمتي» ، ولو حدث ذلك لكل الأمم السابقة ما ذكره النبي ﷺ على سبيل امتنان الله عليه.
كما أن وجه الرحمة في هذا التجاوز أن حديث النفس والوسوسة من الأمور التي يصعب على الإنسان- إلا من رحم ربي- أن ينفك عنها، وهي ملازمه للإنسان في كل وقت، والمؤاخذة عليها تسبب قطعا الحرج الذي وعد الله أن يرفعه عن هذه الأمة بدليل قوله تعالى: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨] .
الفائدة الثالثة:
ما هي الوسوسة التي تجاوز الله عنها لهذه الأمة؟
قال الإمام ابن حجر ﵀: (والمراد نفي الحرج عما يقع في النفس حتى يقع العمل بالجوارح أو القول باللسان على وفق ذلك، والمراد بالوسوسة تردد الشيء في النفس من غير أن يطمئن إليه ويستقر عنده، ولهذا فرق العلماء بين الهم والعزم) «٢» .
وقال الإمام النووي ﵀ ما نصه: (فأما الهم الذي لا يكتب فهي الخواطر التي لا توطن النفس عليها ولا يصحبها عقد ولا نية ولا عزم) «٣» ، كما قال ﵀: (وقد تظاهرت نصوص الشرع بالمؤاخذة بعزم القلب المستقر ومن ذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور: ١٩] ، وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات: ١٢] ،
стр. 273
والآيات في هذا كثيرة، وقد تظاهرت نصوص الشرع والإجماع على تحريم الحسد واحتقار المسلمين وإرادة المكروه بهم وغير ذلك من أعمال القلوب وعزمها) . انتهى «١» .
والخلاصة أن هناك ثلاث حالات:
الحالة الأولى:
رجل خطر على باله المعصية، فدفعها احتسابا للأجر وخوفا من الله- ، فلم تستقر في قلبه، فهذا له أجر المجاهدة وليس عليه شيء قطعا، وإن دفعها دون احتساب ولا خوف وإنما لحاجة في نفسه فليس له أجر على أحد قولي العلماء، وليس عليه إثم.
الحالة الثانية:
رجل راودته المعصية وعزم على فعلها، ولكن حال دونها ودونه شيء خارج عن إرادته، فعليه إثم قطعا، ولكن إثم عزم النية على المعصية، وليس إثم المعصية ذاتها؛ لكونه لم يعملها. ذكر معناه الإمام النووي في شرح الحديث.
الحالة الثالثة:
رجل خطرت على باله المعصية وعزم على فعلها وباشرها فعلا فعليه إثمان؛ إثم العزم وإثم المعصية نفسها، ذكره النووي أيضا.
الفائدة الرابعة:
إذا كان الشرع الحنيف لم يوجّه اللوم والعتاب إلى من وسوست له نفسه بالسيئة ولم يعزم على فعلها، فهل يستوي هو ومن لم يهم بالمعصية أصلا ولم توسوس له نفسه؟
الإجابة: إنهما لا يستويان مثلا. ودليله أن الأصل لحوق الإثم على من همّ بالمعصية أو وسوست له بها نفسه، ولكن رفع هذا الإثم عن هذه الأمة إكراما لرسولها ﷺ ، فإن كان التجاوز عن الهم قد رفع إلا أن ذمه موجود في الشرع، حيث إن التجاوز لا يكون إلا عن شيء مذموم، ومن جهة أخرى فإن القلب الذي انشغل بالطاعات والذكر وكذا المباحات طول الوقت ليس كالقلب الذي غفل بعض الوقت عن الطاعات بالانشغال بالوسوسة وحديث النفس بالمعصية.
١٠- ترتيب الأجور العظيمة على الأعمال القليلة:
عن أبي هريرة: أنّ فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدّثور بالدّرجات العلى والنّعيم المقيم!!. فقال: «وما ذاك؟» قالوا: يصلّون كما نصلّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدّقون ولا نتصدّق، ويعتقون ولا نعتق. فقال رسول الله ﷺ : «أفلا أعلّمكم شيئا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم، إلّا من صنع مثل ما صنعتم؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «تسبّحون وتكبّرون وتحمدون دبر
стр. 274
كلّ صلاة ثلاثا وثلاثين مرّة» . قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله. فقال رسول الله ﷺ : «ذلك فضل الله يؤته من يشاء» «١» . [رواه مسلم] .
الشاهد في الحديث:
أن الصادق المصدوق- ﵊، أبلغ الفقراء أن الذي يسبح ويحمد ويكبر بعد كل صلاة ثلاثا وثلاثين إلا التكبير أربعا وثلاثين، يدرك بها قائلها فضل من سبقه بأعمال عظيمة، كالحج والعمرة والجهاد والصدقة، وهو ما يسمى بختم الصلاة، والذي لا يستغرق عشر دقائق، إذا كان بروية وتفكر وبقلب حاضر، فهل أدركنا عظيم فضل الله على هذه الأمة، هل هناك مشقة على أي أحد أن يلزم هذا الذكر السهل الميسر، لينال أجر الحاج المعتمر المجاهد في سبيل الله، والله، إن هذا لهو الفضل المبين على أمة محمد ﷺ .
والعجيب أننا نرى بعض الناس لا يحافظون على هذا الذكر، بالرغم من ثوابه، فينتهون من الصلاة، وكأنهم كانوا في سجن طويل، يبادرون بالخروج من المسجد، كأن الخارج أولا، هو المقدم عند الله، فيضيعون على أنفسهم ما يثقّل موازينهم ويرفع درجاتهم، ويفوّتون عليهم إدراك من سبقهم من أهل العزائم والأموال الكثيرة.
في الحديث فوائد منها:
الفائدة الأولى:
تطبيق شرع الله- في أمة من الأمم، لا يمنع أن يكون فيها فقراء، فالعهد النبوي رغم أنه خير القرون، فما زال فيه فقراء وأغنياء، ولم يؤمر الأغنياء أن يوزعوا جميع أموالهم بينهم وبين الفقراء، حتى يستوون في المعيشة، وهذه سنة الله في الكون أن يبتلي عبدا بالفقر، ليرى هل يصبر أم يجزع؟ هل يرضى بقضاء الله وقدره؟ أم يقول: لم جعلني الله فقيرا وغيري غنيا، ما حكمته في ذلك؟ أما كان الله يستطيع أن يغني الجميع؟ هل سيتمنى أن تزول نعمة أخيه الغني إن لم ينتفع بها؟!، مصداق ذلك قوله تعالى:
وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً [الفرقان: ٢٠] ، فمن صبر على البلاء، وسلم بالقضاء، فله الأجر الكامل، والله إنه أجر لا يوازي مصيبته، بل يفوقه كثيرا، ألم تسمع لقوله تعالى: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [الزمر: ١٠] .
стр. 275
ولا يحسب الأغنياء أنهم قد سلموا من الامتحان والاختبار، كيف ذلك؟ والله يقول:
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: ٣٥] ، ومن أعظم الخير وفرة المال، الذي يسعد صاحبه، في الدنيا والآخرة، فالغنيّ مبتلى في هذا المال، أيخرج زكاته أم يبخل بها؟ ألم يعلم أن هذا القدر المفروض في ماله ليس من حقه، بل هو حق للفقير، قدّره الله وشرعه، كيف يستحل العبد مالا ليس له، ويعيب على السارق الذي يسرق البيضة، ألم يعلم أن الله هو الذي استقرضه هذا المال؟ ويقع أولا في يديه الكريمتين قبل أن يقع في يد الفقير؟ ألم يعلم أن الله تعطيه بكل جزء سبعمائة جزء ويضاعف بعد ذلك لمن يشاء؟ ألم يعلم أن الذي أعطاه قادر على أن يسلبه ما أعطاه؟ ألم يعلم الغني ماذا فعل الله بقارون، الذي أوتي من المال، ما إنّ مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، أين هو الآن؟ خسفت به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، لم يكن مطلوبا منه إلا أن يشكر مسدي النعمة ويخرج زكاتها، هل تراه الآن يصبر على ما هو فيه من العذاب، مسليا ومصبرا نفسه بتنعمه في الدنيا؟ كلا والله، نسي ما كان من نعمة، مع أول غمسة في العذاب، والغنيّ لم يبتل فقط بإخراج الزكاة، بل ابتلي بأكثر من ذلك، ابتلي بمرض الكبر والعجب، وتعلّق أنظار الفقراء به، لحاجتهم له، وترفّع نظره عنهم لغناه بما عنده، ابتلاه الله بالخادم في المنزل، والسائق في السيارة، والفقير عند باب المسجد، والمسكين على قارعة الطريق، هل عطف عليهم؟ هل تواضع لهم؟ هل اهتم بهمومهم، هل قضى لهم حوائجهم، كل ذلك فتنة؟ يسأل عنها الغنيّ يوم القيام لذلك فالفقير والغني في الابتلاء سواء.
وأعود فأقول: مازالت الأمة فيها الفقير والغني، والرسول قد أوصى معاذا عندما ذهب إلى اليمن فقال له في حديث البخاري: «فأخبرهم أنّ الله قد فرض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإيّاك وكرائم أموالهم، واتّق دعوة المظلوم، فإنّه ليس بينه وبين الله حجاب» «١» .
أي لا يأخذ من أموالهم إلا حق الفقير وهو الزكاة، فالإسلام لا يعرف الشيوعية ولا الاشتراكية ولا التأميم ولا مصادرة الأموال، بل إن تعظيم الشرع لحرمة المال قد وصل إلى أن قرن الله- بين القتل وأكل أموال الناس بالباطل، كأنهما في الإثم سواء، ومعلوم من الدين حرمة القتل وشناعة عقوبته. قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا
стр. 276
تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً [النساء: ٢٩] .
فهل نتعلم هذا الدرس العظيم، ونعلم أن الغنى والفقر من الله لا محالة اختبارا وامتحانا، وأن الغنى الحقيقي يوم القيامة، وأن الفقر الحقيقي يوم تقوم الساعة، قال تعالى:
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ [الواقعة: ١- ٣] ، فالخفض والرفع الحقيقي في الآخرة، وليس في الدنيا، فالسعيد فيها من رفع، والشقيّ فيها من خفض.
الفائدة الثانية:
وهي منقبة عظيمة لفقراء الصحابة، فللفقراء في كل بلد مطالب وهموم بل ولهم آمال، ومن آمالهم زيادة قدر الصدقات الممنوحة لهم، لتخفف عنهم عوز الحاجة، وتضمن لهم المعيشة الهنية والعيشة السوية، وقد يذهبون إلى الحاكم، يشتكون إليه ما فيه الأغنياء من ترف ورغد، بل قد يثور الفقراء على الأغنياء، كما حدث قبل الثورة البلشفية في روسيا، فهل حدث هذا من فقراء العصر النبوي؟ لا، إنهم لم ينظروا إلى الأغنياء، يريدون ما عندهم، ما فكروا إلا في أمر واحد، وهو أن الأغنياء لهم فضائل أموال يتصدقون بها، ويحجون بها، ويجهزون بها المجاهدين، وليس عندهم- أي الفقراء- ما ينفقونه في سبيل الله، فتكون للأغنياء أجور عظيمة، والفقراء محرومون منها، فكيف المخرج وما السبيل؟ يريدون فضل الله في الآخرة، وانظر إلى قولهم في آخر الحديث:
(سمع إخواننا أهل الأموال) وهم صادقون في قولهم: إن الأغنياء إخوان لهم.
الفائدة الثالثة:
في الحديث مناقب عظيمة لأهل الأموال من الصحابة ﵃ منها:
١- بيان مدى حرصهم على فضائل الأعمال، كالصدقة والعتق، وكذا الحج والعمرة والجهاد، كما ثبت في رواية عند مسلم، مع همتهم العالية في بقية العبادات، كالصوم والصلاة.
٢- أنهم لم يستكثروا ما هم فيه من الخير الحاصل لهم، من الصدقة والحج والجهاد، بل سارعوا إلى مشاركة الفقراء في ذكر ختم الصلاة، فلم يقولوا: هذه عبادة الفقراء حتى يدركوا ما نحن فيه من فضل، ولم يقولوا: كفى ما نحن فيه من خير؟ بل سارعوا إلى الزيادة، وحرصوا على الريادة، فانظر كيف ربّى النبيّ الأغنياء والفقراء، على حد سواء، فلا حسد ولا غل عند الفقراء، ولا تكبر ولا ترفع عند الأغنياء.
الفائدة الرابعة:
التوفيق للطاعات والقربات، محض فضل من الله ، حيث
стр. 277
قال النبي: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» ، فعلى المسلم ألا يرى لنفسه فضلا في أداء الطاعات، ويجب عليه أن يقرّ ويعترف أنها من توفيق الله- ، يتفرع على ذلك وجوب شكرها، ولزوم سؤال الله أن يحفظها ويديمها.
الفائدة الخامسة:
وقد يؤخذ من الحديث، أن الغني الشاكر، المؤدي حق الله في المال، أفضل من الفقير الصابر المحتسب، إذا استووا في بقية الطاعات، وذلك للأسباب التالية:
١- قال الفقراء للنبي: (ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم) ، فأقر النبي هذه المقولة، ولو كان فيها خطأ لبينه، حيث إن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز في حقه ﷺ .
٢- قال النبي ﷺ للفقراء عندما علّمهم ذكر ختم الصلاة: «تدركون به من سبقكم» فعلمنا أن الأغنياء قد سبقوا الفقراء بالأعمال الزائدة غير المتاحة للفقراء.
٣- إذا استوى الفقراء والأغنياء في الطاعات، زاد الأغنياء أعمالا لا يستطيع الفقراء أداءها، ولما أخبر الفقراء النبيّ بأن إخوانهم من الأغنياء عملوا بذكر ختم الصلاة، رد النبي بأن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وهذا يوحي بأن الله تفضل على الأغنياء إن شاركوا الفقراء في كل الطاعات، وزادوا بأعمال الصدقات.
الفائدة السادسة:
كثير من الناس مغبون في ذكر ختم الصلاة، فمنهم من لا يحافظ عليه أصلا وغبنه واضح، ومنهم من يحافظ عليه وهو مغبون أيضا، كيف ذلك؟ أقول: يقوله بلا تدبر ولا تفكر ولا استحضار للقلب، ينظر يمينا وشمالا ويطالع في كل أحد أمامه، إذا رأيت حركة يديه في العد تعجبت، وإذا سمعت نطقه بها ذهلت، لا تسمع منه إلا حرف السين من قوله (سبحان الله) ، أبهذه الطريقة يعطينا الله الأجر العظيم، الذي رتبه على هذا الذكر؟! مهلا مهلا في التسبيح، عليك بالتدبر.
فإذا قلت: (سبحان الله) يجب أن تستحضر تنزيهه سبحانه عن كل ما لا يليق به من صفات النقص، ومشابهة المخلوقين، وأنت تقول: (الحمد لله) يجب أن تستشعر الثناء عليه، بصفات الكمال والجمال والإجلال، وهو أهل لكل ذلك وزيادة، وإذا قلت: (الله أكبر) تستشعر أنه أكبر فعلا، أكبر في صفاته وفي أسمائه، أكبر في ذاته، أكبر في مخلوقاته الدالة على عظمته وكبريائه، هو أكبر في نفوسنا من كل شيء، فلا نقدم عليه شيئا، بل لا نساويه بشيء، أكبر لأنه الذي خلق، ورزق وأحيا وأمات، أكبر لأنه تفرد بالأسماء الحسنى
стр. 278
والصفات العليا، له من كل صفة أتمّها، ومن كل اسم أكمله، فإذا ختمنا الصلاة على هذا النحو، رجونا الثواب وأملنا العطاء، والله- أغنى الأغنياء عن القلب اللاهي، واللسان الذي يتحرك ولا يدري ما يقول، ومن غناه أنه لا يقبل من الأعمال إلا أحسنها، ومن النيات إلا أصدقها.
والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدّا، تحتاج إلى مؤلّف خاص، ولعدم الإطالة سأورد طائفة منها، دون تعليق، ليتذكر القارئ كم حبا الله- هذه الأمة العظيمة من نعم كثيرة.
الحديث الأول:
عن أبي هريرة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من قال: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير، في يوم مئة مرّة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة، ومحيت عنه مئة سيّئة، وكانت له حرزا من الشّيطان يومه ذلك حتّى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل ممّا جاء به إلّا أحد عمل أكثر من ذلك» «١» .
الحديث الثاني:
عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ قال: «من غدا إلى المسجد وراح أعدّ الله له نزله من الجنّة كلّما غدا أو راح» «٢» .
الحديث الثالث:
عن البراء قال: جاء رجل من بني النّبيت- قبيل من الأنصار- فقال:
أشهد ألاإله إلّا الله، وأنّك عبده ورسوله، ثمّ تقدّم فقاتل حتّى قتل، فقال النّبيّ ﷺ :
«عمل هذا يسيرا وأجر كثيرا» . [رواه مسلم] «٣» .
الحديث الرابع:
عن أبي هريرة أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «أرأيتم لو أنّ نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كلّ يوم خمسا، ما تقول ذلك يبقي من درنه؟» قالوا: لا يبقي من درنه شيئا.
قال: «فذلك مثل الصّلوات الخمس يمحو الله به الخطايا» «٤» .
الحديث الخامس:
عن سعد بن أبي وقّاص، عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «من قال حين يسمع المؤذّن: أشهد ألاإله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّدا عبده ورسوله، رضيت
стр. 279
بالله ربّا، وبمحمّد رسولا، وبالإسلام دينا غفر له ذنبه» «١» .
الحديث السادس:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنّه سمع النّبيّ ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثل ما يقول، ثمّ صلّوا عليّ فإنّه من صلّى عليّ صلاة صلّى الله عليه بها عشرا، ثمّ سلوا الله لي الوسيلة، فإنّها منزلة في الجنّة لا تنبغي إلّا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلّت له الشّفاعة» . [رواه مسلم] «٢» .
الحديث السابع:
عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أنّه أخبره أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إنّما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشّمس، أوتي أهل التّوراة التّوراة فعملوا حتّى إذا انتصف النّهار عجزوا، فأعطوا قيراطا قيراطا، ثمّ أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا إلى صلاة العصر ثمّ عجزوا، فأعطوا قيراطا قيراطا، ثمّ أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشّمس فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتابين: أي ربّنا، أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطا قيراطا، ونحن كنّا أكثر عملا! قال: قال الله : هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا. قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء» «٣» .
الحديث الثامن:
عن أبي مسعود الأنصاريّ قال: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله. فقال رسول الله ﷺ : «لك بها يوم القيامة سبع مئة ناقة كلّها مخطومة» . [رواه مسلم] «٤» .
الحديث التاسع:
عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من اتّبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا، وكان معه حتّى يصلّى عليها ويفرغ من دفنها، فإنّه يرجع من الأجر بقيراطين، كلّ قيراط مثل أحد، ومن صلّى عليها ثمّ رجع قبل أن تدفن فإنّه يرجع بقيراط» «٥» .
الحديث العاشر:
عن سهل بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف حدّثه عن أبيه عن جدّه أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من سأل الله الشّهادة بصدق بلّغه الله منازل الشّهداء وإن مات على فراشه» . [رواه مسلم] «٦» .
стр. 280
١١- أكثر أتباع الرسل وأكثر أهل الجنة:
عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله قال: كنّا مع النّبيّ في قبّة فقال: «أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنّة؟» قلنا: نعم. قال: «أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنّة؟» قلنا: نعم.
قال: «أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنّة؟» قلنا: نعم. قال: «والّذي نفس محمّد بيده إنّي لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنّة، وذلك أنّ الجنّة لا يدخلها إلّا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشّرك إلّا كالشّعرة البيضاء في جلد الثّور الأسود أو كالشّعرة السّوداء في جلد الثّور الأحمر» . [متفق عليه] «١» .
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
عظيم منة الله- على هذه الأمة، إذ جعلها نصف أهل الجنة، وفي بعض الروايات في غير الصحيحين، «ثلثي أهل الجنة» «٢» ، وهي منة تكون في المقام الأول لنبي هذه الأمة ﷺ .
الفائدة الثانية:
بيان ما كان عليه النبي ﷺ من الحكمة والحب لأصحابه، يتبين ذلك من:
١- زفّ النبيّ ﷺ البشرى لأصحابه ﵃ بصيغة الاستفهام مرتين وذلك لإرادة تقرير البشارة، ذكره ابن التين، وأقول: قد يكون الحكمة من ذكر البشرى على صيغة الاستفهام رغبة النبي ﷺ في إشعار أصحابه بفضلهم وإدلالهم، وأن الله- إكراما لهم سيعطيهم في الآخرة ما يرضيهم فقال: «أترضون» وما كان ذلك المعنى الجميل ليصل إليهم لو أنه ﷺ قال: «إنكم ثلث أهل الجنة» .
٢- أبلغ النبي ﷺ البشرى لأصحابه ﵃، على ثلاث مراحل: الأولى كونهم ربع أهل الجنة، والثانية ثلث أهل الجنة، والثالثة شطر أهل الجنة، والحكمة من ذلك كما قاله الإمام النووي:
أ- أن ذلك أوقع في نفوسهم وأبلغ في إكرامهم، فإن إعطاء الإنسان مرة بعد أخرى
стр. 281
دليل على الاعتناء به ودوام ملاحظته.
ب- حملهم على تجديد شكر الله تعالى وتكبيره وحمده على كثرة نعمه.
وأقول: قد تكون الحكمة أيضا من ذلك، هو إشعارهم بفضل الله العظيم عليهم، وأنه- ﵎ لم يعطهم ما يرضيهم فحسب بل أعطاهم الزيادة تفضلا وامتنانا، فهم رضوا وكبّروا لما علموا أنهم ربع أهل الجنة ثم جاءت الزيادة مرتين بعدها، وهذا أدعى للفرحة وأحرى بالشكر والامتنان للمنعم، ودافع للإنسان في تصور مقدار النعمة، وفيه أيضا حب النبي ﷺ لأن ينقل أصحابه من فرحة إلى فرحة أعظم إلى فرحة عظمى.
الفائدة الثالثة:
وهي فوائد متفرقة:
١- مشروعية التكبير عند سماع المسلم ما يفرحه خاصة في أمور الدين، لما ورد في رواية مسلم: «أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟» قال: فكبّرنا.
٢- حسن تربية النبي ﷺ لأصحابه ﵃، فمع أن البشرى كانت من النبي ﷺ ، إلا أنهم قد توجهوا لله بالشكر والحمد، ومظهره في الحديث تكبيرهم ﵃.
٣- بيان مدى قدر الأدب الجم الذي تجمل به النبيّ ﷺ مع ربه- ﵎ حيث قال: «إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة» .
٤- كرامة الجنة على ربها، إذ جعلها دار كل نفس مؤمنة، وحرمها على كل نفس غير مؤمنة، في مقابل هوان الدنيا على ربها، إذ جعلها دارا للمؤمنين والكافرين.
٥- كثرة أهل الشرك جدّا مقارنة بالمؤمنين لقوله ﷺ : «وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأبيض» .
١٢- عاداتها بالنيات عبادات:
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وفي بضع أحدكم صدقة» . قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرا» . من حديث رواه مسلم «١» .
وعن سعد بن أبي وقّاص أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله
стр. 282
إلّا أجرت عليها حتّى ما تجعل في فم امرأتك» . رواه مسلم «١» ، كما روى الشيخان عن أبي مسعود الأنصاريّ عن النّبيّ ﷺ قال: «إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة» «٢» .
هذه من منن الله العظيمة على أفراد هذه الأمة إذ جعل لهم من أعمالهم الدنيوية التي يقومون بها بالليل والنهار- وهم مضطرون إليها ولا ينفكون عنها- جعل لهم فيها أجرا وثوابا إذ هم قاموا بها إيمانا واحتسابا، تقربا إلى الله وطلبا لفضله ومرضاته، ومن تلك الأعمال النفقة على الأهل وإطعام الزوجة اللقمة في فمها، وحتى معاشرتها لقضاء الوطر.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
عظيم منة الله- على هذه الأمة، ومظاهر ذلك:
١- أن الله جعل ما يفعله العبد ويقوم به من العادات كالإنفاق على الأهل والولدان، وما يتلذذ به كمضاجعة الزوجة وإطعامها اللقمة في فمها، جعل منها أعمالا يؤجر عليها العبد وتكون في ميزان أعماله يوم القيامة عبادات، قال الإمام النووي: (إن الحظ إذا وافق الحق لا يقدح في ثوابه؛ لأن وضع اللقمة في فم الزوجة يقع غالبا في حال المداعبة، ولشهوة النفس في ذلك مدخل ظاهر ومع ذلك إذا وجد القصد في تلك الحالة إلى ابتغاء الثواب حصل له بفضل الله) «٣» .
٢- مكّن الله- عبده المؤمن أن يكون دائما متصلا به مستحضرا ثوابه ورؤيته له، وذلك بأن شرع له أن يبتغي وجهه الكريم في كل عمل يقوم به سواء كان هذا العمل فيه مجاهدة أو كان لذة للنفس.
٣- إرادة الله- الشرعية أن يغتنم العبد كل وقته بما يفيده وينفعه في الآخرة، فلا يضيع على نفسه شيئا من عمره هباء، لقدرته على أن يكون كل عمله بأجر وثواب، ويتفرع عليه عظيم قدر وقت المؤمن إذ يمكنه أن يستثمره كله في طاعته .
стр. 283
٤- يسّر- لكل مسلم أبوابا من خير كثيرة، ضمن بها لكل عبد ألا يعدم عملا صالحا له فيه الأجر والثواب، فمن منا يعجز أن ينوي بنومه ليلا التقوّي للعبادة وأداء صلاة الفجر في جماعة المسلمين وكذلك إذا أكل وشرب، ومن منا يعجز أن يجامع زوجته بنية إنجاب الذرية الصالحة التي تقوم بأمر الدين وهكذا.
ويتبين من ذلك أن الكثير منا مغبون يضيع عليه حسنات كثيرة لعدم استحضار النية عند قيامه بعاداته.
٥- كرمه- حيث يقبل- مع غناه عن العباد وافتقارهم إليه- القليل ويثيبهم عليه، ودليله قوله ﷺ : «إذا أنفق المسلم نفقة» . قال ابن حجر ﵀: «وحذف المقدار من قوله: (إذا أنفق) لإرادة التعميم ليشمل الكثير والقليل» «١» .
وأقول: إن تنكير كلمة «نفقة» يفيد التحقير أي أدنى نفقة. كما أن من كرمه- أنه هو الذي رزق العباد ثم إذا هم أنفقوها فيما يحبونه ويتلذذون به باحتساب ونية أثابهم على ذلك.
الفائدة الثانية:
من شروط قبول العبادة واستحقاق العباد الأجر والثواب عليها أن يبتغي العبد بها وجه الله أي يطلب بها ثواب الله ورضاه والتقرب إليه، وأن يقصد بالقيام بها طلب الأجر، وهو المقصود من قوله ﷺ : «وهو يحتسبها» ، ولكن كيف يحتسب العبد النفقة على أهله، قال الإمام النووي: (وطريقه في الاحتساب أن يتذكر أنه يجب عليه الإنفاق على الزوجة وأولاده وغيرهم ممن تجب نفقته على حسب أحوالهم واختلاف العلماء فيهم وأن غيرهم ممن ينفق عليه مندوب إلى الإنفاق عليهم فينفق بنية أداء ما أمر به وقد أمر بالإحسان إليهم) «٢» .
الفائدة الثالثة:
كل عمل يستطيع كسبه من الحرام فيعدل عنه إلى الحلال والمشروع من الدين فإن له فيه أجرا، لقوله ﷺ : «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟! فكذلك إذا وضعها في الحلال» ، فالرجل الذي يستطيع أن يكسب عيشه من حرام فعفّ عنه والتمس رزقا حلالا كان له في ذلك أجر.
стр. 284
ثالثا: تفضيل مدينته ومسجده على سائر البقاع سوى (مكة)
أ- تفضيل مدينته ﷺ :
لا شك أن من أعظم دلائل إكرام الله- لنبيه ﷺ أن أوجب لمدينته غاية التعظيم، وعدد مظاهر هذا التعظيم ونوّعه ليدلل على منتهى تكريم صاحبها ﷺ .
ومن أوجه ذلك أن جعلها الله حرما وبارك في صاعها ومدّها ولعن من آذى محدثا أو أحدث فيها ورغب في شد الرحال إلى مسجدها، وجعل فيه من دون مساجد الأرض روضة من رياض الجنة وتوعد من أراد بأهلها سوآ، فماذا بقي لهذه البلدة المباركة من أمر لم يعظّم شرعا أو لم يبارك فيه، وما كان ذلك إلا لوفور بركة من أقام ومات فيها ﷺ ورفيع منزلته عند الله- ﵎ كما سنرى إن شاء الله..
١- مدينته حرم وثبوت اللعنة على من أحدث فيها حدثا:
عن عليّ ﵁ قال: ما عندنا شيء إلّا كتاب الله وهذه الصّحيفة عن النّبيّ ﷺ : «المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا، من أحدث فيها حدثا، أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل» . [رواه البخاري] «١» .
وقد بدأت بتحريم الله لها لأنه أبلغ مظاهر الاعتناء بها فهي حرم، مثل مكة المكرمة، تأخذ نفس أحكامها فلا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها ولا يحمل السلاح فيها لقتال، قال صاحب تحفة الأحوذي ما نصه: (وفيه دليل على أن المدينة حرم كحرم مكة، وفي هذا أحاديث كثيرة مروية في الصحيحين وغيرهما قال الشوكاني: استدلّ بما في هذه الأحاديث- من تحريم شجر المدينة وخبطه وعضده وتحريم صيدها وتنفيره- الشافعيّ ومالك وأحمد والهادي وجمهور أهل العلم على أن للمدينة حرما كحرم مكة محرم صيده وشجره، قال الشافعي ومالك: فإن قتل صيدا أو قطع شجرا فلا ضمان؛ لأنه ليس بمحل للنسك فأشبه الحمى، وقال ابن أبي ذئب وابن أبي ليلى: يجب فيه الجزاء كحرم مكة، وبه قال بعض المالكية، وهو ظاهر قوله: كما حرّم إبراهيم مكة) «٢» . انتهى.
стр. 285
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
كذب من ادعى أن النبي ﷺ قد خص عليّا- ﵁ بأمور من هذا الدين لم يطلع عليها أحد غيره، ودليله قول علي ﵁: (ما عندنا شيء إلا كتاب الله وهذه الصحيفة) ، والمنفي هنا شيء اختصوا به عن الناس، ودليله أيضا ما رواه مسلم، قال أبو الطّفيل عامر بن واثلة: كنت عند عليّ بن أبي طالب فأتاه رجل فقال: ما كان النّبيّ ﷺ يسرّ إليك؟ قال: فغضب، وقال: ما كان النّبيّ ﷺ يسرّ إليّ شيئا يكتمه النّاس غير أنّه قد حدّثني بكلمات أربع قال: فقال: ما هنّ يا أمير المؤمنين؟ قال: قال: «لعن الله من لعن والده، ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثا، ولعن الله من غيّر منار الأرض» «١» .
قال الإمام ابن حجر- رحمه الله تعالى: (في الحديث رد لما تدعيه الشيعة بأنه كان عند علي وآل بيته من النبي ﷺ أمور كثيرة أعلمه بها سرّا تشتمل على كثير من قواعد الدين وأمور الأمارة) «٢» .
وقال الإمام النووي في شرح مسلم: (هذا تصريح من علي ﵁ بإبطال ما تزعمه الشيعة والرافضة ويخترعونه من قولهم: إن عليّا ﵁ أوصى إليه النبيّ ﷺ بأمور كثيرة من أسرار العلم وقواعد الدين وكنوز الشريعة وأنه ﷺ خص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم، وهذه دعاوى باطلة واختراعات فاسدة لا أصل لها ويكفي في إبطالها قول علي ﵁ . انتهى كلام النووي ﵀ «٣» .
وأقول: بل يكفي في إبطالها أنها تقدح في أمانة النبي ﷺ حاشا لله- في تبليغ رسالة ربه، قال تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ [المائدة: ٦٧] ، واختصاص أحد دون الناس بأمر من أمور الدين ينفي امتثال النبي ﷺ لأمر ربه .
الفائدة الثانية:
التهديد الشديد والوعيد الأكيد لمن أحدث في المدينة حدثا أو آوى محدثا؛ لأن من فعل ذلك فقد استحق لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، قال الإمام النووي