الفائدة الرّابعة:
جواز التعريض، وأن فيه مندوحة عن الكذب، لقول السائل:
(فاكسنيها) ، ثم قال لما عتب عليه الصحابة، في رواية عند البخاري: (والله ما سألته لألبسها إنما سألته لتكون كفني) ، فجعل السائل الكفن للميت، بمثابة الكساء للحي، ولكن السامع يفهم من قوله: (فاكسنيها) أنه يريد لباسها في الدنيا، ولكن على المسلم أن يحذر التوسع في التعريض؛ لأنه يجر إلى صريح الكذب كما أن السامعين لا يصدقون حديث من يتوسع في التعريض ويتهمونه بالكذب والمسلم يجب أن ينزّه عرضه عن هذا الاتهام الشنيع.
الفائدة الخامسة:
جواز التصرف في الهدية بإهداء أو بيع أو هبة، أو غير ذلك من التصرفات الجائزة شرعا، وذلك أن الرجل بمجرد قبوله للهدية، فقد امتلكها، ولا يشترط في تصرفه فيها، الرجوع إلى المهدي، وعلى المهدي ألا يجد في نفسه حرجا من تصرف المهدى إليه، ويتفرع عليه خطأ من يقول: الهدية لا تهدى، ودلائل ذلك من السنة كثيرة، وقد ورد أن النبي ﷺ إذا جاءته الهدية قسمها بينه وبين أهل الصّفّة.
٣- بذل غاية جهده ﷺ لشكر الله- -
عن عائشة ﵂: (أن نبيّ الله ﷺ كان يقوم من اللّيل حتّى تنفطّر قدماه. فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال:
«أفلا أحبّ أن أكون عبدا شكورا!» ، فلمّا كثر لحمه صلّى جالسا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثمّ ركع) «١» .
الشّاهد في الحديث:
أن النبي ﷺ كان يصلي الليل حتى تتشقق قدماه وتتورم من طول القيام، ولما سئل عن سبب هذا الاجتهاد، أعلم السائل أنه يفعل ذلك شكرا لله على ما تفضل به عليه ﷺ .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
جواز الاجتهاد في العبادة، ولو أضرت بالبدن لقول عائشة: (كان يقوم من الليل حتى تنفطر قدماه) .
الفائدة الثانية:
ما كان عليه الصحابة من التفكر في آيات القرآن الكريم والسؤال عن
стр. 352
معانيها وكيفية التوفيق بين معاني الآيات وما يخالف ظاهرها، لأن عائشة لما ظنت أن النبي ﷺ يجتهد طلبا لمغفرة ذنبه، وأن هذا يتعارض مع قوله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: ٢] ، سألت النبي عن أسباب هذا الاجتهاد.
الفائدة الثّالثة:
حث جميع أفراد الأمة على الاجتهاد في العبادة تأسيا بنبي الأمة ﷺ .
الفائدة الرّابعة:
شكر الله على آلائه وأفضاله يكون باللسان والجوارح، كالصلاة وبقية العبادات والطاعات، قال تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [سبأ: ١٣] .
الفائدة الخامسة:
فضل مقام العبودية لله حيث ذكر النبي ﷺ هذه الصفة المحمودة، في سياق القيام بشكر الله على نعمة لم يشاركه فيها أحد من الأولين والآخرين، وهي نعمة مغفرة ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال ﷺ : «أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا» ، ولم يقل نبيّا أو رسولا شكورا.
الفائدة السّادسة:
اعتراف النبي ﷺ بأن ما منّ الله به عليه من نعم عظيمة وآلاء جسيمة، إنما هي محض فضل من الله- وليس عن استحقاق منه، لأن شكر الآخر يكون مقابل أفضاله التي لا يقابلها استحقاق أو حتى معروف، وهذا منتهى الأدب مع مقام الرب- ﵎.
الفائدة السّابعة:
اعتراف النبي ﷺ بأن كل ما قدمه لدين الله- من جهاد ودعوة وصبر وهداية للأمة، لا يوازي نعم الله عليه، فقام الليل وأجهد نفسه وبدنه بالصلاة، حتى أضرها، شكرا لله واعترافا بحقه وفضله، وهذا أيضا نوع آخر من أنواع الأدب النبوي، ويتفرع على ذلك الفائدة التالية.
الفائدة الثّامنة:
على جميع الأمة، خاصة العلماء وأهل الصلاح والخير، ألا يظنوا أن ما قدموه لدين الله من أعمال، ولو كانت عظيمة، قد أدوا بها شكر المنعم ﵎، بل عليهم كلما منّ الله عليهم من نعم في الدين، من توفيق في مجال هداية الناس، وإرشادهم إلى أعمال الخير والبر، أن يستحدثوا عملا يشكرون الله به، وأنه كلما وفقهم الله، كلما شعروا بالتقصير في حق المنعم المتفضل، وليعلم العبد أنه إذا رأى لنفسه فضلا، فقد ضل الطريق ونسي المنعم وعمل لنفسه، وكيف يرى لنفسه فضلا على أعمال قليلة، ولم ير النبي ﷺ لنفسه فضلا على أعمال عظيمة.
الفائدة التّاسعة:
على العبد أن يستثمر أوقات نشاطه وقوته وفراغه، في أنواع
стр. 353
الطاعات المختلفة، قبل أن يحال بينه وبينها بمرض أو شغل أو موت، فالنبي ﷺ اجتهد غاية الاجتهاد في صلاة الليل، ثم لم يستطع بعد ذلك أن يصلي واقفا، فصلى جالسا، فالمسلم إذا حدث له ما حدث للنبي ﷺ لن يندم لأنه استغل وقته وقوته في طاعة الله على الوجه الأكمل، وضمن الأجر الكامل في حالة مرضه، كما لو كان في حال قوته، والذي يقصر في حال شبابه، سيكون تقصيره أكبر في حال كبره.
تنبيه:
لا يجوز للمصلي في صلاة الفريضة، أن ينتقل من الهيئة الأصلية للفرض، إلى الهيئة التي هي أخف منها، إلا إذا عجز عن أداء الهيئة الأصلية للركن، وذلك في كل ركن من أركان الصلاة، فعلى سبيل المثال: إذا تعذر على المصلي أن يقف أثناء قراءة الفاتحة، مع استطاعته أن يركع ولو بمشقة محتملة، فعليه أن يجلس بدل القيام، ولكن إذا أراد أن يركع فعليه أن يقوم، ثم يركع، ولا يجزئه أن يميل جسده بالركوع وهو جالس، وهكذا إذا كان يستطيع القيام ولا يستطيع الركوع، فيلزمه القيام، فإذا أراد أن يركع فليجلس للركوع.
وقد يكون هذا التنبيه خارج الموضوع، ولكني أردت ذكره لوقوع كثير من المصلين فيه، وهو يبطل الصلاة، وذكّرني به ما ورد في حديث الباب أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع.
٤- تواضعه ﷺ
كان ﷺ جمّ التواضع، لين الجانب رقيق القلب، لا يعرف من بين أصحابه حيث لم يميز نفسه بزي معين، ولا بحرس خاص، ولا بقصر مشيد يسكنه هو وأهله، كان يأكل مع الخادم، ويمسح على رأس اليتيم ويقف طويلا في الطريق ليسمع شكوى امرأة مظلومة، وأعظم علامات تواضعه أنه لم يغضب لنفسه ولو مرة واحدة، وأقدم لك أخي القارئ مثالين لتواضعه ﷺ :
المثال الأول:
قال أنس بن مالك ﵁: (إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت) «١» .
الشّاهد في الحديث:
على تواضعه ﷺ ظاهر: فكأن النبي ﷺ كان يترك نفسه للأمة تأخذه وتذهب به حيث أرادت ليقضي لها ﷺ حاجتها، دون أدنى معارضة منه ﷺ أو
стр. 354
تضجّر وهو الرسول المصطفى والنبي المجتبى، وهو الذي يتلقى وحي السماء في أي ساعة من ليل أو نهار.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في التعليق على هذا الحديث كلاما يشرح الصدر ويثلج النفس، بين به غاية البيان ما بلغه النبي ﷺ من التواضع وخفض الجناح لكل أفراد هذه الأمة، قال ﵀ ما نصه: (والمقصود من الأخذ باليد لازمه وهو الرفق والانقياد. وقد اشتمل على أنواع من المبالغة في التواضع لذكره المرأة دون الرجل والأمة دون الحرة وحيث عمم بلفظ الإماء أيّ أمة كانت، وبقوله: حيث شاءت، أي من الأمكنة، والتعبير بالأخذ باليد إشارة إلى غاية التصرف حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة والتمست منه مساعدتها في تلك الحاجة، وهذا دال على مزيد تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكبر ﷺ «١» .
المثال الثاني:
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرّجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع. فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمّد أتانا رسولك فزعم لنا أنّك تزعم أنّ الله أرسلك. قال:
«صدق» ، قال: فمن خلق السّماء؟ قال: «الله» . قال: فمن خلق الأرض؟ قال: «الله» .
قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: «الله» . قال: فبالّذي خلق السّماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك؟ قال: «نعم» . قال: وزعم رسولك أنّ علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا. قال: «صدق» . قال: فبالّذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: «نعم» . قال: وزعم رسولك أنّ علينا زكاة في أموالنا. قال: «صدق» . قال:
فبالّذي أرسلك. آلله أمرك بهذا؟ قال: «نعم» . قال: وزعم رسولك أنّ علينا صوم شهر رمضان في سنتنا. قال: «صدق» . قال: فبالّذي أرسلك. آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم.
قال: وزعم رسولك أنّ علينا حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا: قال: «صدق» . قال: ثمّ ولىّ. قال: والّذي بعثك بالحقّ لا أزيد عليهنّ، ولا أنقص منهنّ. فقال النّبيّ ﷺ : «لئن صدق ليدخلنّ الجنّة» «٢» .
الشّاهد في الحديث:
أبلغ شاهد في الحديث على تواضع النبي ﷺ : هو أن ضماما ﵁ لما دخل عليه وهو متكئ بين أصحابه لم يعرفه حتى اضطر للسؤال عنه، بقوله: (أيكم محمد؟) فلو أن النبي ﷺ قد خص نفسه بمكان معين في المجلس، أو بزيّ
стр. 355
نفيس يختلف عن لباس القوم، أو وقف على رأسه ﷺ حرس، أو اتخذ كرسيا يجلس عليه كالملوك أو الأمراء، ما اضطر الصحابي ليسأل عنه ولعرفه بمجرد نظرة واحدة على أهل المسجد، وقد ذكر ابن حجر دليلا آخر على تواضعه وعدم كبره ﷺ حيث قال: (وفيه ما كان رسول الله ﷺ عليه من ترك التكبر؛ لقوله: بين ظهرانيهم- أي بينهم- وزيد لفظ الظهر ليدل على أن ظهرا منهم قدامه وظهرا وراءه فهو محفوف بهم من جانبيه) «١» . كما أن كفار مكة قد أثبتوا لنا تواضعه ﷺ من حيث أرادوا أن يذموه ويقيموا الحجة على عدم نبوته، قال تعالى: وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً [الفرقان: ٧] . وهذا إقرار منهم بتواضعه ﷺ وأنه لا يريد أن يتفضل على أصحابه، فكان يمشي في الأسواق، يبيع ويشتري، ولا يترفع عن ذلك، بالرغم أن له أصحابا يكفونه ذلك وزيادة، ومع أن مرادهم من هذا القول هو نقض نبوته، ولكنهم زكّوة من حيث لا يعلمون.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في النبي ﷺ :
١- بلاغته وحكمته في رد سؤال الأعرابي: حيث إن الأعرابي لما ناداه بقوله: (يا ابن عبد المطلب) ، ولم يراع منزلة النبوة، أجابه النبي ﷺ بقوله: «قد أجبتك» ، وقال ابن حجر ﵀: (وقد قيل: إنما لم يقل له: نعم؛ لأنه لم يخاطبه بما يليق بمنزلته من التعظيم مع قوله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور: ٦٣] . والعذر عنه- إن قلنا: إنه قدم مسلما- أنه لم يبلغه النهي وكانت فيه بقية من جفاء الأعراب) «٢» .
وأقول: وهذا يدل على حكمته التي تقتضي أن يكون لكل مقام مقال، فكان هذا الرد لفتا لانتباه الصحابة وتعليما لهم بجفاء مسلك الأعرابي.
٢- سعة صدره ﷺ عند تعليم الأمة والحرص على تأليف قلب السائل خاصة إذا كان حديث عهد بالإسلام، يتبين ذلك من:
أ- لم يوجه النبي ﷺ الأعرابي بوجوب مراعاة مقام النبوة عند مخاطبته ﷺ فلم يعنفه بل قبل منه قوله: (أيكم محمد؟) وقوله: (يا ابن عبد المطلب) .
стр. 356
ب- لم يجد ﷺ حرجا في نفسه من قول الأعرابي: (إني سائلك فمشدد عليك في المسألة) ، بالرغم أن الطلب بهذه الصيغة يوجب الحرج والأعرابي علم ذلك لقوله: (فلا تجد عليّ في نفسك) - أي لا تغضب- بل العجيب أن يكون رد النبي ﷺ على سؤال الأعرابي بأجمل رد وهو قوله: «سل عما بدا لك» ، والأعرابي فعلا قد شدد في المسألة عندما استحلفه في كل سؤال، فكان يقول في كل مرة: (أنشدك بالله) .
٣- عموم رسالته ﷺ إلى الناس كلهم جميعا لما ورد في الحديث: (أسألك بربك وربّ من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟، فقال: «اللهم نعم» ، بل إنه ﷺ أرسل إلى الثقلين الإنس والجن لقوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] .
٤- عدم علم النبي ﷺ بأمور الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، ودليله قوله ﷺ في ضمام لما أقسم ألا يزيد ولا ينقص قال: «لئن صدق ليدخلنّ الجنّة» ، كما ورد في رواية مسلم.
الفائدة الثانية:
في مناقب الصحابي ضمام بن ثعلبة ﵁:
١- رجاحة عقله ﵁ يتبين ذلك من:
أ- أنه قدّم الاعتذار بين يدي مسألته فقال: (إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد عليّ في نفسك) ، فعلم أنه لن يصل إلى بغيته إلا بالاعتذار كما علم أن مثل هذا التشديد يسبب للنبي ﷺ حرجا في نفسه.
ب- قسمه على النبي ﷺ في كل سؤال أن يصدقه عما يسأل عنه، وما ذلك إلا لعلمه بعظيم أمر القسم بالله العظيم قال ابن حجر ﵀: (وكرر القسم في كل مسألة تأكيدا وتقريرا للأمر) «١» . وإن كان الأليق مع مقام النبوة ترك مثل ذلك.
ج- كما أن من رجاحة عقله أنه ما عرّف بنفسه واسم قبيلته إلا بعد أن أقر بالإيمان، لظنه أن التعريف بنفسه قبل هذه المرحلة لن يكون له شأن، بل قد ينسى بعد كل هذا الحوار، وانظر إلى رجل آمن لتوه كيف يعلم وظيفة الأنبياء والتي تنحصر في التبليغ عن ربهم وأنهم لا يأتون بشيء من عندهم وهذا أبلغ في قبول ما يأمر به الأنبياء، قال ضمام: (آمنت بما جئت به من ربك) .
٢- حكمته في السؤال: وذلك أنه قبل أن يسأل النبي ﷺ ذكّره بالله- عن طريق أخذ الإقرار منه ﷺ بأن الله هو الخالق للكائنات
стр. 357
العظيمة، حتى إذا سأله بالذي خلق هذه الكائنات اطمأن إلى صدقه فيما يقول، فقد ورد في الحديث: (قال: فمن خلق السماء؟. قال: «الله» ، قال: فمن خلق الأرض؟. قال:
«الله» ، قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟. قال: «الله» ، قال فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك؟. قال: «نعم» ) .
وتدبر ما ذكره النووي نقلا عن بعض أهل العلم قوله: (هذا من حسن سؤال هذا الرجل وملاحة سياقته وتربيته؛ فإنه سأل أولا عن صانع المخلوقات من هو؟ ثم أقسم عليه به أن يصدقه في كونه رسولا للصانع؟ ثم لما وقف على رسالته وعلمها أقسم عليه بحق مرسله، وهذا ترتيب يفتقر إلى عقل رصين) «١» .
فإن قال قائل: كيف يجرؤ أن يسلك مثل هذا المسلك مع النبي ﷺ ؟
الجواب: على فرض أنه قد جاء مسلما إلى النبي ﷺ فيعذر بأنه قريب عهد بالإسلام وأنه لم يصله وجوب تعظيم النبي ﷺ والتأدب معه في المسألة، وعدم مناداته باسمه.
٣- بلاغته ﵁ حيث إنه لما أراد أن يعبر عن إيجاد السماوات والأرض استخدم مادة (خلق) ، ولما أراد أن يعبر عن الجبال استخدم مادة (نصب) ، قال ضمام ﵁: (فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال) . وكذلك انظر إلى بلاغته ﵁ في قوله:
(أنشدك بالله: آلله أمرك) .
٤- اجتهاده في طلب الحق وإبلاغه، ويتبين ذلك من:
أ- تحمله مشقة السفر لطلب علو السند، فالبرغم أنه سمع من رسول رسول ﷺ ، إلا أنه رحل إلى المدينة ليسمع مشافهة من النبي ﷺ ، قال ابن حجر ﵀: (واستنبط منه الحاكم ﵀ أصل طلب علو الإسناد لأنه سمع ذلك من الرسول وآمن وصدق، ولكنه أراد أن يسمع ذلك من رسول الله ﷺ مشافهة) «٢» .
ب- تحمله بين يدي رسول الله ﷺ مسؤولية إبلاغ قومه أمر الإسلام قال: (آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي من قومي) .
الفائدة الثّالثة:
وجوب قيام الإمام بإرسال الرسل إلى الأمصار للدعوة إلى الله- ونشر دين الإسلام، ودليله أن النبي ﷺ قد أرسل رسله إلى بني سعد بن بكر، كما
стр. 358
يؤخذ منه أيضا قبول خبر الواحد في العقائد والعبادات، فالرسول ﷺ ما كان يرسل الرسل اثنين اثنين.
الفائدة الرّابعة:
امتثال الصحابة لأمر الله ورسوله حيث إنهم لما نهوا عن سؤال النبي ﷺ لغير ضرورة انتهوا عن ذلك مع أن قلوبهم تتشوق للسماع من النبي ﷺ ، ودليله: أنه كان يعجبهم أن يأتي الأعرابي ليسأل، قال أنس ﵁: (نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع) .
٥- حياؤه ﷺ :
عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: (كان النّبيّ ﷺ أشدّ حياء من العذراء في خدرها، وإذا كره شيئا عرف في وجهه) «١» .
الشّاهد في الحديث:
قول أبي سعيد الخدري: (كان النبي ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها) .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
شدة حياء النبي ﷺ وعلامات شدة هذا الحياء:
١- أنه زاد على حياء العذراء، وهي المرأة التي لم يسبق لها الزواج، ويبدو أن الحياء كان صفة ملازمة للعذراء، وتتأكد هذه الصفة وتزيد إذا دخل عليها أحد هذا الخدر، والخدر كما عرفه الإمام النووي: (ستر يجعل للبكر جنب البيت) «٢» . ولذلك قيد الراوي حياء المرأة بحال كونها في خدرها لتعظيم هذا الحياء، والذي زاد حياء النبي ﷺ عليه.
٢- أنه إذا سمع شيئا يكرهه ويخدش حياءه، تغير لون وجهه، فعرف أصحابه أنه يكره هذا الشيء.
ويتفرع عليه: علمنا بكمال خلق النبي ﷺ حيث أعطي كل ذلك الحياء الذي لا يأتي إلا بخير، كما ورد عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: مرّ النّبيّ ﷺ على رجل وهو يعاتب أخاه في الحياء، يقول: إنّك لتستحيي حتّى كأنّه يقول: قد أضرّ بك. فقال
стр. 359
رسول الله ﷺ : «دعه، فإنّ الحياء من الإيمان» «١» .
الفائدة الثانية:
كان حياء النبي ﷺ كله محمودا؛ لأن حياءه ﷺ لم يمنعه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن بيان كل ما شرع الله- أبلغ بيان، فكان يسأل هل على المرأة من غسل؟ فلا يمنعه شدة حيائه أن يجيب، فعن أمّ سلمة ﵂ قالت: جاءت أمّ سليم إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إنّ الله لا يستحيي من الحقّ. فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال النّبيّ ﷺ : «إذا رأت الماء» ، فغطّت أمّ سلمة، تعني: وجهها، وقالت: يا رسول الله أو تحتلم المرأة؟ قال: «نعم. تربت يمينك، فبم يشبهها ولدها؟!» «٢» .
الفائدة الثّالثة:
ما يجب أن تكون عليه العذراء، من حياء وعفة، وحفظ للسمع والبصر، ولو يعلم الراوي أحدا أشد حياء من العذراء لوصف به الرسول ﷺ .
ويتفرع عليه: ذمّ ما وصلت إليه مجتمعاتنا من خلع بعض العذارى لبرقع الحياء، حتى إنك لا تعلم العذراء من غيرها، استوى الكثير منهن في اللباس ومظاهر الزينة ومجالات الاهتمام وأسلوب الحديث والتجرؤ على مخاطبة الرجال، ولو لم يكونوا محارم، قلّ أن ترى عذراء يتغير لون وجهها إذا سمعت ما يخدش حياءها، بل تجدها اليوم تزاحم الرجال في كل مكان فإنا لله وإنا إليه راجعون.
الفائدة الرّابعة:
خطأ من يعتقد أن الحياء خصلة للنساء فقط، وأن الرجل يذم إذا اتصف بها، ودليله أن النبي ﷺ كان حييّا بل فاق حياؤه حياء المرأة، ليس أي امرأة، ولكن أشد أصناف المرأة حياء؛ وهي العذراء، وقد ذكر النبي ﷺ حياء موسى ﵇ في سياق مدحه لهذه الصفة، فعن أبي هريرة ﵁ قال: (كان موسى ﵇ رجلا حييّا، قال:
فكان لا يرى متجرّدا. قال: فقال بنو إسرائيل: إنّه آدر. قال: فاغتسل عند مويه، فوضع ثوبه على حجر، فانطلق الحجر يسعى، واتّبعه بعصاه يضربه، ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتّى وقف على ملإ من بني إسرائيل) «٣» .
стр. 360
ويتفرع عليه: خطأ من يقول: (لا حياء في الدين) بين يدي سؤاله عن أمر من أمور الدين، ولكن الصحيح أن يقول: (إن الله لا يستحي من الحق) ، سمعته من الشيخ/ العثيمين ﵀.
الفائدة الخامسة:
من علامات حياء الرجل أن يتغير وجهه، أو يتلون إذا سمع ما يخدش الحياء، وكذب من يدعي لنفسه الحياء ووجهه لا يتغير إذا سمع الكلام البذيء الفاضح، والأدهى والأمرّ، أن يتناقل الرجال، وهم في الحقيقة أنصاف رجال، أو قل: أشباه رجال النكات والطرائف الفاضحة بكل وقاحة، ويضحكون حتى التمايل، أهؤلاء رجال؟
٦- حسن توكله ﷺ وثقته بالله تعالى
عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة قيل نجد، فأدركنا رسول الله ﷺ في واد كثير العضاه «١» ، فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة، فعلّق سيفه بغصن من أغصانها. قال: وتفرّق النّاس في الوادي يستظلّون بالشّجر. قال: فقال رسول الله ﷺ : «إنّ رجلا أتاني وأنا نائم، فأخذ السّيف، فاستيقظت وهو قائم على رأسي، فلم أشعر إلّا والسّيف صلتا «٢» في يده. فقال لي: من يمنعك منّي؟ قال: قلت: الله. ثمّ قال في الثّانية: من يمنعك منّي؟ قال: قلت: الله» . قال: «فشام السّيف، فها هو ذا جالس» . ثمّ لم يعرض له رسول الله ﷺ «٣» .
الشّاهد في الحديث:
قول الراوي: «فقال لي: من يمنعك مني قال: قلت: الله، ثم.
قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: قلت: الله» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
١- حسن ثقته ﷺ بربه، ووجه ذلك:
أ- أنه ﷺ علق سيفه بغصن شجرة ثم نام، ولولا حسن ثقته بوعد الله، بكفايته وعصمته من الناس، لطلب حراسة عليه من الجيش أثناء نومه ﷺ ، قال تعالى: وَاللَّهُ
стр. 361
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧] .
ب- أنه ﷺ لما استيقظ ووجد الأعرابي قد سل سيفه يهدده بالقتل، والنبي ﷺ ليس معه شيء يدافع به عن نفسه، والأعرابي يقول له: (ما يمنعك مني؟) ، أي: من يحميك مني؟، أو من يحول بيني وبين قتلك، لم يزد النبي ﷺ عن قوله «الله» ، وهذا يدل على عظيم تعلق قلبه ﷺ بربه، ويقينه أن أمر الأعرابي بيد الله وحده، فالله سبحانه قادر على أن يشل يد الأعرابي، بل قادر على أن يقتل الأعرابي في مكانه، أو أن يهديه إلى الحق.
وأقول: كلنا نثق بالله- ونعلم أنه يرانا ويسمعنا في كل أحوالنا وفي جميع أقوالنا، ولكن من منا إذا تعرض لما تعرض له الرسول ﷺ لا يجزع ولا يخاف، ولا يقول إلا (الله) .
٢- شجاعته ﷺ حيث إنه لما استيقظ، ووجد السيف مسلطا عليه، لم تتحرك له ساكنة، ولم تظهر عليه أي من علامات الخوف كطلب النجدة، أو الرعشة، أو التوسل إلى الرجل حتى يتركه، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (وفي الحديث فرط شجاعة النبي ﷺ وقوة يقينه وصبره على الأذى وحلمه عن الجهال) «١» .
٣- حبه ﷺ للعفو والصفح عمن أراد إيذاءه، ورد في الحديث: (فها هو ذا جالس ثم لم يعرض له رسول الله ﷺ ، ومعنى (ثم لم يعرض له) ، أي لم يعاقبه على ما فعل، قال ابن حجر: (فمنّ عليه لشدة رغبة النبي ﷺ في استئلاف الكفار ليدخلوا في الإسلام) .
٤- تمام عناية الله بنبيه ﷺ ، فقد حماه من كل من أراد إيذاءه وقتله ﷺ ، وصدق الله حيث قال: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ [الطور: ٤٨] .
الفائدة الثانية:
من فوائد الثبات وحسن الثقة بالله، تخويف الأعداء وإلقاء الرعب في قلوبهم، بل ويجعلهم على يقين أننا على الحق وهم على الباطل، فهذا الرجل في الحديث الذي معنا، وقد تمكن من سل السيف على النبي ﷺ ، ما الذي جعله يغمد سيفه ويجلس دون أدنى إيذاء للنبي ﷺ ، أليس رؤيته لشجاعة النبي ﷺ وقوة يقينه بالله تعالى؟ قال الحافظ ابن حجر: (وكأن الأعرابي لما شاهد ذلك الثبات العظيم وعرف أنه حيل بينه وبين النبي علم تحقق صدقه وأنه لن يصل إليه، فألقى السلاح وأمكنه من نفسه) .
يتفرع عليه، وجوب أن يرى أعداؤنا منا اليوم ثقتنا الكاملة بالله وتمسكنا بديننا، حتى
стр. 362
ولو كنا ضعاف العدة، فهذا النبي ﷺ قد رد الله عنه كيد عدوه، بثقته بالله وحده وبدون أي أسباب أخرى مادية.
الفائدة الثّالثة:
إيثار الصحابة ﵃ النبيّ ﷺ على أنفسهم حيث ورد في إحدى روايات البخاري: (فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي ﷺ ، وهذا يدل على عظيم حبهم للنبي ﷺ وامتثالهم للتوجيهات الربانية لهم، مثل قوله تعالى: ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ [التوبة: ١٢] .
الفائدة الرّابعة:
ومن شواهد حسن ثقته ﷺ بالله- ما رواه البخاري، عن ابن عبّاس: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ قالها إبراهيم- ﵇ حين ألقي في النّار، وقالها محمّد ﷺ حين قالوا: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) .
٧- حسن تعليمه ﷺ أمّته
عن أنس بن مالك ﵁ قال: (بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابيّ فقام يبول في المسجد. فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مه، مه. قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزرموه دعوه» ، فتركوه حتّى بال، ثمّ إنّ رسول الله ﷺ دعاه، فقال له: «إنّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنّما هي لذكر الله- والصّلاة وقراءة القرآن» ، أو كما قال رسول الله ﷺ قال: فأمر رجلا من القوم، فجاء بدلو من ماء فشنّه «١» عليه) «٢» .
الشّاهد في الحديث:
قوله ﷺ لمن بال في المسجد: «إنّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنّما هي لذكر الله- والصّلاة وقراءة القرآن» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
١- حسن تعليمه ﷺ : ويتبين ذلك من:
أ- أنه ﷺ لم ينهر الأعرابي، ولم يوجه له أدنى عتاب لعدم علم الأعرابي باداب
стр. 363
المساجد، وإنما نصحه ﷺ بمنتهى الرفق واللين، قال ﷺ : «إنّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنّما هي لذكر الله- » .
ب- ومن حسن تعليمه الجميل، أنه ﷺ لم يأمر الأعرابي أن ينظف مكان النجاسة في المسجد، مع أنه أولى الناس بهذا الأمر، لأن الأعرابي قد يظن أن النبي ﷺ أراد أن يعاقبه على ذلك، قال أنس: (فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه) ، وهذا والله غاية الرفق واللين.
ج- لم يتعجل النبي ﷺ توجيه النصح للأعرابي وهو يقضي حاجته، بل انتظر حتى ينتهي، ليكون الأعرابي أوعى لقول النبي ﷺ ، قال الراوي: (ثم إن رسول الله ﷺ دعاه) .
د- فصّل النبي ﷺ في نصحه تفصيلا بليغا حيث ذكر أولا وجوب تنزيه المساجد عن النجاسات والقاذورات، ثم ذكر الحكمة من بناء المساجد وكيفية إعمارها، وقد ذكر تنزيه المساجد أولا من النجاسات لأسباب، منها: حاجة الأعرابي الماسة لمعرفة هذا الحكم، وذكره أولا يكون أدعى لحفظه، كما أن الحكمة العظمى من بناء المساجد، وهي إقامة الصلاة، من أهم شروط صحتها: طهارة المكان، فطهارة المكان عمل يأتي قبل إقامة الصلاة، ومن حسن التعليم أيضا أن تأتي النصيحة خالية من التطويل الممل والاختصار المخل، وقد كانت كذلك، ولله الحمد.
وتخيل أخي القارئ، لو أن هذه الواقعة حدثت في وقتنا الحاضر من رجل حديث عهد بالإسلام، ماذا سيفعل به أهل المسجد؟ قد يفتكون به ويتهمونه بالكفر والزندقة، مع أنهم ليسوا بأحرص من النبي ﷺ على طهارة المسجد ونظافته.
٢- حكمته ﷺ حيث قال لأصحابه: «لا تزرموه دعوه» ، أي لا تقطعوا عليه بوله؛ لأن قطع البول سيضرّ جسمانيّا بالأعرابي، وقد يزيد من رقعة المكان الذي أصابته النجاسة، خاصة إذا قطعها وهو مضطرب.
٣- موافقة أقواله ﷺ مع أفعاله، وهو الركن الأساسي في القدوة الحسنة، فقد أمر النبي ﷺ أصحابه ﵃ بالرفق في الأمر ورغّبهم في ذلك، فقد روى مسلم بإسناده عن عائشة زوج النّبيّ ﷺ أنّ رسول الله ﷺ قال: «يا عائشة، إنّ الله رفيق يحبّ الرّفق ويعطي على الرّفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه» .
وعند مسلم أيضا، أن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «من حرم الرّفق
стр. 364
حرم الخير، أو من يحرم الرّفق يحرم الخير» . فتطابق قوله ﷺ مع فعله، كما فعل مع الأعرابي في حديث الباب.
ومن أعظم أسباب افتقاد الأمة للقدوة في وقتنا الحاضر، ذلك الاختلاف الكبير بين ما يقوله الداعية وبين ما يفعله، ولكن على الناس ألاتضع كل أخطائها وزلاتها على هذه الشماعة؛ لأننا مأمورون أولا باتباع قدوتنا وهو النبي ﷺ والدين حجة على الجميع، ولا أحد حجة على هذا الدين، فهذه حجة من يريد التكاسل والتفريط في الدين، أما من عنده غيرة على هذا الدين وفي قلبه حب لله ورسوله وحرص على فعل الطاعات وترك المنكرات، فلا يبحث عن الأعذار ولا يبالي إن وجد القدوة في الناس أو لا.
الفائدة الثّانية:
وجوب أن يحرص المسلمون على نظافة وطهارة المساجد، كلّ قدر استطاعته، وليعلم كل مسلم أن تنظيف المساجد من أنواع القربات، فلا ينبغي أن يحرم المسلم نفسه من هذه القربة، ولا يشترط أن يكون خادما للمسجد حتى يقوم بها، بل يكفي كلما دخل أو خرج من المسجد أن يتفقد حال المسجد ويلتقط ما استطاع من قاذورات وغيرها.
الفائدة الثّالثة:
على المسلم أن يحرص على أداء الصلوات في جماعة المسجد، وأن يكثر من ذكر الله وقراءة القرآن في المسجد؛ لأن هذه الأعمال هي المقصودة من بناء المساجد، قال ﷺ : «إنما هي لذكر الله- والصلاة وقراءة القرآن» .
الفائدة الرّابعة:
لم يقتصر حسن تعليم الرسول ﷺ لأصحابه على طريقة النصح والإرشاد، ولكن تعدى حسن التعليم ليشمل اختيار الوقت المناسب للموعظة، ويأتي ذلك بعدم توجيه المواعظ والإرشاد في كل وقت وفي كل مناسبة، حتى لا يشعر الإنسان بالملل والسامة، فعن ابن مسعود ﵁ قال: (كان النّبيّ ﷺ يتخوّلنا بالموعظة في الأيّام كراهة السّامة «١» علينا) «٢» .
وهذا يدل أيضا على عظيم حكمته ﷺ حيث وازن بين مصالح المواعظ وبين مفاسد الكراهة والسامة.
стр. 365
٨- حرصه ﷺ على تبليغ الدعوة:
عن أنس ﵁ قال: (كان غلام يهوديّ يخدم النّبيّ ﷺ فمرض، فأتاه النّبيّ ﷺ يعوده فقعد عند رأسه، فقال له: «أسلم» ، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم فأسلم، فخرج النّبيّ ﷺ وهو يقول: «الحمد لله الّذي أنقذه من النّار» «١» .
الشّاهد في الحديث:
أن النبي ﷺ يذهب بنفسه إلى غلام يهودي، يدعوه إلى الإسلام، وهذا يدل على شدة حرصه ﷺ على استنقاذ أمة الدعوة من النار، وحرصه على دخول الناس في دين الله- أفرادا وجماعات.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
بيان ما كان عليه النبي ﷺ من تواضع لا يساميه فيه أحد، فهو مع عظيم منزلته وعلو شأنه وكثير شغله، لا يستنكف أن يعود غلاما يهوديّا غير مسلم، يعمل عنده خادما، أيّ تواضع هذا؟ وأي حب هذا على عمل الخير والمسابقة في مرضاة الله- ؟
الفائدة الثّانية:
على المسلمين ألا يستقلوا أي عمل من أعمال الخير، وإن قل في نظرهم، خاصة في مجال الدعوة إلى الله- لأن النبي ﷺ حرص على زيارة هذا الغلام الخادم اليهودي، ودعاه إلى الإسلام ولم يقل في نفسه كما يقول أمثالنا: (وما عسى أن ينفع الله الإسلام بهذا الغلام إن أسلم) ، أو يقول: هناك أمور كثيرة أعظم من زيارة هذا الغلام ودعوته إلى الإيمان، بل كانت زيارة مباركة طيبة، كان من عظيم بركتها، أن أنقذ الله بها نفسا من النار.
الفائدة الثّالثة:
علي الداعي إلى الله- أن يستغل الظروف والأحوال الملائمة للناس لدعوتهم إلى الله، كالمرض مثلا، والذي يشعر فيه الإنسان بالضعف والحاجة إلى الله- ولكن دون أن يظهر الداعي للمدعو أنه يستغل هذا الوقت بالذات لدعوته لأنه ضعيف، فقد يحرج هذا الشعور المريض، ويجعله لا يتقبل الحق، انظر
стр. 366
ماذا قال النبي ﷺ للغلام، قال له: «أسلم» ، وانظر إلى يوسف ﵇ كيف استغل حاجة صاحبيه في السجن لتأويل رؤيتهما، فدعاهما إلى الإيمان ونفّرهما غاية التنفير من الشرك بالله، دون أن يشعرهما أنهما في حاجة إليه، وأنهما مضطران إلى سماع قوله إلى النهاية، حتى يسمعا تأويله لرؤيتهما، وهذا من فقه الدعوة إلى الله- .
الفائدة الرّابعة:
جواز استخدام اليهودي مع مراعاة الضوابط الشرعية التي تحكم هذا الاستخدام، والتي من أعظمها، عدم اطلاعه على أعراض المسلمين، وعدم إفشاء الأسرار إليه، وعدم حبه، وضرورة دعوته إلى الإسلام، وإنكار ما هو عليه من الكفر، وأزيد واحدة، أن نعدل فيه ونقسط إليه، حتى لا نكون سببا في تنفيره من الإسلام، وتشويه صورة الدين عنده، وهذا يحدث كثيرا في هذا الزمان، ومما عمت به البلوى في زماننا هذا، أن يكون بعض المسلمين ممن يقتدى بهم، صورة سيئة في معاملاتهم وسلوكهم، خاصة في النواحي المادية، مما ينفر منهم العاملين لديهم، خاصة الخدم والمستخدمين.
الفائدة الخامسة:
صحة إسلام الصبي المميّز، ولولا صحة إسلامه، ما دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام وقال: «الحمد لله الذي أنقذه من النار» ، وهذا القول من النبي ﷺ دليل على صحة إسلام الصبي، ولكن ليس بدليل قطعي، أن الصبي لو مات على الكفر دخل النار، ويمكن أن يحمل قول النبي ﷺ : «إن الله أنقذه من النار» إذا ما استمر على كفره. والخلاف في دخول أولاد الكافرين النار أو الجنة خلاف مشهور بين العلماء.
الفائدة السّادسة:
ما كان عليه اليهود، من تعظيم أمر النبي ﷺ واعتقادهم صحة دينه ولو خالفوه؛ لأن أبا الغلام أمر ابنه بإجابة أمر النبي ﷺ وبدا خوفه على غلامه وهو مريض من أن يخالف أمر النبي، وتدبر ماذا قال الأب لابنه: أطع أبا القاسم، ولم يقل له: (أسلم) ، مما يشعر أن مراد الأب هو طاعة الرسول ﵇ وعدم مخالفته، كما أنه ذكر الرسول بكنيته، ولم يذكره باسمه، وهذا أيضا من التوقير.
الفائدة السّابعة:
قد يكون من ملاطفة المريض عند زيارته، القعود عند رأسه، لإشعاره بالقرب منه، وهذا أدعى لإسماعه والسماع منه.
الفائدة الثّامنة:
الثناء على الله- بما هو أهله، خاصة عند زول النعم ورفع النقم، لقوله ﷺ «الحمد لله الذي أنقذه من النار» .
стр. 367
أقول: إن حرص النبي ﷺ على تبليغ رسالة ربه وحزنه الشديد على من أعرض وأبى قد بلغ مبلغا عجيبا، أذكر منه- على عجالة- آية واحدة في كتاب الله- توضح المراد.
قال تعالى: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف:
٦] ، وباخع نفسك أي: مهلكها غمّا وأسفا، هذا ما كان يجده النبي ﷺ من الحزن الشديد والأسف العظيم على رد الناس دعوته، فلقد أوشك هذا الحزن أن يقتله، وهذا ليس من باب المبالغة، لأنه كلام الله- ﵎، فهل نتصور أحدا يوشك أن يقتله الحزن على عدم إيمان الغير ولو كان أقرب الناس إليه كأبيه أو ولده، هذا هو الفارق بيننا وبين النبي ﷺ فنلمح في هذا الحزن رقة قلب، ونصحا للناس كلهم جميعا، قريبهم وبعيدهم، من عرف منهم ومن جهل، ونلمح فيه أيضا حبّا في نشر دين الله- وغيرة على محارم الله، وقياما بوظيفته على أتم وأكمل وجه، بل تكليف نفسه أكثر مما كلف به وأمر.
قال الشيخ السعدي- ﵀ في شرح الآية: (لما كان النبي ﷺ حريصا على هداية الخلق ساعيا في ذلك أعظم السعي فكان ﷺ يفرح ويسرّ بهداية المهتدين ويحزن ويأسف على المكاذبين الضالين شفقة منه ﷺ ورحمة بهم، فأرشده الله ألايشغل نفسه بالأسف على هؤلاء الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، كما قال في الآية الآخرى: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٣] ، وقال: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ «١» [فاطر: ٨] .
٩- خوفه وتقواه ﷺ من الله- -
عن عائشة زوج النّبيّ ﷺ أنّها قالت: (كان النّبيّ ﷺ إذا عصفت الرّيح قال: «اللهمّ إنيّ أسألك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما فيها وشرّ ما أرسلت به» . قالت: وإذا تخيّلت السّماء تغيّر لونه وخرج ودخل، وأقبل، وأدبر فإذا مطرت سرّي عنه، فعرفت ذلك في وجهه. قالت عائشة: فسألته. فقال: «لعلّه يا عائشة كما قال قوم عاد: فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا» «٢» [الأحقاف: ٢٤] )
стр. 368
الشّاهد في الحديث:
أن النبي ﷺ كان إذا رأى في السماء سحابة فيها رعد وبرق، تغير وجهه من الخوف، خشية أن يكون فيها عذاب من الله من جنس ما أصاب قوم عاد، لأنهم لما رأوا السحاب في السماء ظنوه سيأتي بالمطر والرحمة، فإذا هي ريح فيها عذاب أليم، قال تعالى: فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ [الأحقاف: ٢٤] .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
على المسلم أن يكون دائما على خوف من آيات الله، التي قد تأتي بالعذاب، وعليه ألا يألف تلك الآيات، فيذهب عنه الخوف إذا ما تكررت، لأن عائشة ﵂ أعلمتنا، أن النبي ﷺ كلما رأى السحاب تغير وجهه، قالت: (وإذا تخيلت السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر) .
ويتفرع على ذلك:
خطأ من يطلق على السحاب والريح، والخسوف والكسوف، والزلازل والبراكين، ظواهر طبيعية، يريد بذلك أن يذهب من قلوب الناس الخوف من الله إذا رأوا تلك الآيات، وألا يجعلهم يتوبون إلى الله ويستغفرونه كلما رأوها. فالنبي ﷺ كان يخاف إذا رأى تلك الآيات، لدرجة أن الخوف يظهر على وجهه، وعلى حركاته التي لا تهدأ، كالمضطرب الوجل، وإذا ذهبت ظهر ذلك أيضا على وجهه، قالت عائشة: (فإذا أمطرت سرى عنه) .
الفائدة الثانية:
وجوب التضرع والابتهال إلى الله- إذا رأى المسلم آية قد يكون فيها عذاب، قالت عائشة: (إذا عصفت قال: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت إليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به» .
ويتفرع على ذلك:
١- عجيب قدرة الله- إذ خلق آيات قد تأتي بالخير تارة، وبالشر تارة، ولا يكون ذلك إلا بأمره- وبمقتضى الحكمة البالغة، فانظر إلى الريح، التي قد تأتي بالخير، قال تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ [فاطر: ٩] ، وقد تأتي بالشر، قال تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا
стр. 369
عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ [القمر: ١٩] .
٢- ما أوتيه النبي ﷺ من جوامع الكلم في الدعاء، وأن هذا كان مسلكه دائما ﷺ حيث جمع كل ما تأتي به الريح من أمور نافعة في قوله: «خيرها وخير ما فيها» ، وجمع كل ما تأتي به الريح من مضار ودمار في قوله: «من شرها وشر ما فيها» وعليه فإن الأحب إلى الله في الدعاء: الإجمال لا التفصيل.
١٠- رحمته وشفقته ﷺ :
بلغت رحمة النبي ﷺ مبلغا عجيبا في الكمال والسعة، حيث شملت تلك الرحمة كل الناس؛ الضعيف منهم والقوي، السيد منهم والعبد، القريب منهم والبعيد، الصاحب منهم والعدو، بل امتدت تلك الرحمة لتشمل الجن والبهائم، والأعجب من ذلك كله أنها شملت جذع الشجرة الذي كان ﷺ يخطب عليه الجمعة، حيث نزل من على المنبر يهدهده ويضمه إليه حتى سكت عنه الأنين، ولا غرابة من ذلك فالذي أوجد في قلبه كل تلك الرحمات هو الله الخالق البارئ، يصدق ذلك قوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ الآية [آل عمران: ١٥٩] .
وذرني أخي الكريم أضع بين يديك تلك الصفة العجيبة في المواقف المختلفة على نحو ما سترى:
أ- شفقته ﷺ بالأطفال:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قبّل رسول الله ﷺ الحسن بن عليّ وعنده الأقرع بن حابس التّميميّ جالسا، فقال الأقرع: إنّ لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحدا. فنظر إليه رسول الله ﷺ ثمّ قال: «من لا يرحم لا يرحم» «١» .
الشّاهد في الحديث:
قول النبي ﷺ : «من لا يرحم لا يرحم» . وجاء هذا القول في سياق الرد على من لا يقبل أولاده.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
عظيم شفقة النبي ﷺ بالأطفال، ومن مظاهر تلك الشفقة:
стр. 370
١- قيام النبي ﷺ بتقبيل الحسن بن علي، ﵄..
٢- إنكار النبي ﷺ على الأقرع بن حابس التميمي ﵁ والذي لم يقبل أحدا من أولاده العشرة، بقوله: «من لا يرحم لا يرحم» ، ونخلص من هذه المقولة الشهيرة بعدة أمور منها:
أ- تهديد النبي ﷺ لكل من لا يرحم الأطفال بأنه لا يرحم، ولم يقيد النبي ﷺ عدم الرحمة بزمن معين أو مجال معين، وإطلاق عدم الرحمة وعدم تقييدها يدل على إرادة زيادة التخويف.
ب- وجوب إحاطة الأولاد بكل أنواع الرحمة، فالأمر لا يقتصر على التقبيل وحده، لأن النبي ﷺ وسع نطاق الرحمة ليشمل كل أنواعها ومظاهرها، وإن كان مجال الحديث كان أصلا على التقبيل، فعلى الوالدين بذل كل عمل يكون من شأنه رحمة الأولاد.
ويتفرع على ذلك: تحريم ما يشق على الأولاد، كالضرب المبرح والحرمان من الطعام والشراب، وغير ذلك من مظاهر القسوة، ويجب أن يتبع الوالدان أسلوبا للتربية يخلو من العنف والشدة.
وتدبر أخي القارئ إذا كان النبي ﷺ قد اعتبر عدم تقبيل الأولاد من عدم الرحمة، التي تستوجب العقوبة، والتقبيل شيء يسير جدّا، مقارنة بما هو أعظم من ذلك، فماذا ستكون عقوبة من وقع في أمور أخرى كالإهمال في التربية وعدم الأمر بالصلاة والصيام، وترك الأولاد لقرناء السوء في الشوارع، وإدخال القنوات الفضائية في البيوت بدون رقابة، وغير ذلك كثير.
ج- أن النبي ﷺ كان أرحم بالولد من والده حيث أوصى الوالد بالولد.
د- بيان أن العقوبة من جنس العمل، فمن لا يرحم لا يرحم، كما جعل الله تعالى الثواب من جنس العمل الصالح، مثال ذلك ما رواه عثمان بن عفّان ﵁ قال عند قول النّاس فيه حين بنى مسجد الرّسول ﷺ : إنّكم أكثرتم، وإنّي سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «من بنى مسجدا» - قال بكير: حسبت أنّه قال.: «يبتغي به وجه الله، بنى الله له مثله في الجنّة» «١» ، وهذا منتهى العدل من الشارع الحكيم.
стр. 371
هـ- فيه موازنة من الشارع الحكيم حيث أوصى الأولاد بحسن معاملة الوالدين، ورتب العقوبة على العقوق، وفي المقابل أوصى الآباء برحمة الأولاد والشفقة عليهم والعدل في المعاملة والعطية.
ولكن انظر أخي القارئ إلى كمال وجمال الشرع الذي سنه الحكيم الخبير، لما كان عقوق الأولاد للآباء أكثر تكرارا، وأعظم صورة وأشد وقعا على الآباء، الذين هم سبب وجود الأبناء، تكرر الوعيد الشديد والتهديد العظيم في القرآن والسنة على عقوق الوالدين، ولما كان عقوق الآباء للأولاد، أقل تكرارا وأخف صورة، والآباء هم الأصل والأبناء هم الفرع، لم يأت تهديد الآباء كتهديد الأبناء لا من حيث تغليظ العقوبة ولا من حيث تعدد مرات ذكرها، لعدم الحاجة إلى ذلك.
وهذا مسلك الكتاب والسنة في جميع الأقضية وأضرب لذلك مثالا آخر، فأقول في قضية لعان الزوجين، لما كان الزوج غالبا هو الصادق ويندر منه اتهام زوجته بالزنا كذبا، قال تعالى: وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ [النور: ٧] ولما كانت المرأة في الغالب هي الكاذبة لدفع تهمة الزنا عن نفسها وكذلك دفع حد الرجم، قال تعالى: وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [النور: ٩] ، فألزم الله- غضبه للمرأة الكاذبة، ولعنته للرجل الكاذب، ومعلوم أن الغضب أشد من اللعن، لذلك اختص الله اليهود بالغضب.
الفائدة الثانية:
لم تقتصر مظاهر شفقة النبي ﷺ على الحث على تقبيل الأولاد، وعموم الرحمة، بل تعدى الأمر إلى ملاعبتهم وإدخال السرور عليهم وحملهم إذا تطلب الأمر ولو في الصلاة. فعن أنس بن مالك ﵁ قال: إن كان النّبيّ ﷺ ليخالطنا حتّى يقول لأخ لي صغير: «يا أبا عمير ما فعل النّغير» «١» .
وأيضا: روى أبو قتادة الأنصاري ﵁ (أنّ رسول الله ﷺ كان يصليّ وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها) «٢» .
стр. 372
الفائدة الثّالثة:
وجوب التراحم بين الناس كلهم جميعا، لقول النبي ﷺ : «من لا يرحم لا يرحم» ، وإن جاءت هذه المقالة بمناسبة عدم رحمة الوالد ولده، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لذلك لم يقل النبي ﷺ «من لا يرحم ولده لا يرحم» ، ولكن قال: من لا يرحم لا يرحم، بحذف المفعول، وذلك يدل على وجوب تعميم الرحمة بالمخلوقات كلها وبقدر ما يرحم المسلم غيره، بقدر ما ينال من رحمة الله، وفي المقابل بقدر ما يبخل المسلم برحمته على غيره، بقدر ما يحرم من رحمة الله- فالرحمة من صفات الرب- جل في علاه- واسم من أسمائه الحسنى، فيا حظه السعيد من تمثل بهذه الصفة! ويا شقاء من خلا من تلك الصفة! وجعل بينه وبينها سدّا منيعا، وظن أن ذلك من الرجولة والفحولة، وأن الرحمة من الليونة والأنوثة.
ويتفرع عليه: ذم جفاء القلب وغلظته، لأن هذا القلب ليس بمحل لرحمة الناس، كما يتفرع عليه مدح رقة القلب ورحمته، لأن هذا القلب هو المحل القابل لرحمة الناس.
الفائدة الرّابعة:
بيان ما أوتيه النبي ﷺ من جوامع الكلم حيث استفدنا كل المعاني السابقة، وما خفي علينا كان أكثر، من جملة تكونت من اسم موصول وحرف نفي وفعل مضارع، ومع تكرار الحرف مرتين والفعل مرتين، أحدهما بني للمعلوم والآخر للمجهول، لا تشعر بسماعه الأذن بأي تكلف أو نكارة، بل تشعر بمنتهى الراحة والتجانس، ولا تزداد بتكرار هذا القول إلا حبّا له واشتياقا لتكراره، إنه كلام النبوة.
ب- شفقته ﷺ بالخدم:
عن المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذرّ وعليه حلّة، وعلى غلامه مثلها فسألته عن ذلك قال: فذكر أنّه سابّ رجلا على عهد رسول الله ﷺ فعيّره بأمّه قال: فأتى الرّجل النّبيّ ﷺ فذكر ذلك له. فقال النّبيّ ﷺ : «إنّك امرؤ فيك جاهليّة؛ إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يديه، فليطعمه ممّا يأكل، وليلبسه ممّا يلبس، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم، فإن كلّفتموهم فأعينوهم عليه» «١» .
الشّاهد في الحديث:
قول النبي ﷺ : «ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم» .
стр. 373
[بعض فوائد الحديث]
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
١- حرصه ﷺ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو كان الملام أرفع قدرا من الملوم فيه، فأبو ذر الغفاري ﵁ من الناحية الاجتماعية، على الأقل، أرفع قدرا من غلامه، ومع ذلك لامه النبي ﷺ لوما شديدا، بأن أثبت له صفة من صفات الجاهلية، وهذا ليس بالأمر اليسير عند صحابي جليل مثل أبي ذر ﵁.
٢- رفقه وعدله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما رفقه فيتمثل في قوله ﷺ :
«يا أبا ذر» ، فناداه بأحب الأسماء إليه، وهي كنيته، وأما عدله ﷺ فيتمثل في:
أ- أنه ذكر لأبي ذر ﵁ ما فعله قبل أن يوجه إليه العتاب، فقال له: «أعيرته بأمه» .
ب- لم يصف ﷺ أبا ذر بالجاهلية المطلقة لوقوعه في أمر من أمور الجاهلية، ولكنه ﷺ أثبت له فقط أن فيه جاهلية، أي خصلة من خصال الجاهلية، وهو التعيير بالأم. كما أنه ﷺ لم يزد في نهيه عن المنكر على كلمات معدودات.
والرفق والعدل، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خصلتان حرم منهما كثير ممن يتصدّون لهذا العمل في وقتنا الحاضر.
٣- حرصه ﷺ على تعليم الأمة وإرشادها، واستغلال كل مناسبة لبيان الحق في كل مسألة حيث حوّل القضية من قضية خاصة، إلى قضية عامة، فوجه الخطاب إلى الأمة بأسرها إلى قيام الساعة، فقال ﷺ : «إخوانكم خولكم ... » إلى آخر الحديث.
٤- شفقته ﷺ بالخدم، وهو أظهر وأعظم ما في الحديث، قال ﷺ : «إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم؛ فإن كلفتموهم فأعينوهم» ، ومن مظاهر الشفقة في هذا التوجيه النبوي الرفيع:
أ- جعل النبي ﷺ الإخوان هم الخول، (أي الخدم) ، وكان من المفترض أن يقول: (خولكم إخوانكم) ، أي اتخذوا الخدم كالإخوان وأنزلوهم هذه المنزلة، ولكنه ﷺ قلب الأمر، وقال: «إخوانكم خولكم» ؛ ليستقر في قلب المسلم أن الخادم هو في الحقيقة أخ له، لا أنه بمنزلة الأخ، لذلك قال ﷺ : «فمن كان أخوه تحت يده» ، وهذه العبارة تؤكد المعنى الذي ذكرته. فالمسلم إذا تيقن أن الذي تحت يده هو أخوه على الحقيقة فكيف سيعامله.
стр. 374
ب- في قوله ﷺ : «جعلهم الله تحت أيديكم» ، بالغ الحثّ على حسن المعاملة والرفق معهم في الأمر كله، إذ كيف يعامل المسلم، من جعله الله تحت يده، أيجترئ أن يظلمه أو يبخسه أو يحقره، كلا والله، لأنه قطعا سيخاف من القوي المتين، فالذي وضعه في هذه المكانة لا محالة سيسأل عنه، وتدبر أخي القارئ لماذا لم يقل النبي ﷺ ، جعلهم الفقر تحت أيديكم أو (جعلتهم ظروفهم) ، أو (جعلهم قدرهم) ، ولكن أتى ﷺ بلفظ (الجلالة) ليشعر المسلم بخطورة الأمر وعظم المسئولية، لعظم السائل عنها. كما أن قوله ﷺ : «جعلهم الله تحت أيديكم» ، يشعر أن الأمر فتنة واختبار من الله للمخدوم، أيحسن أو يسيء، يصدّق ذلك قوله تعالى: وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً [الفرقان: ٢٠] .
ج- الأمر بإكرام الخدم، وإطعامهم وإلباسهم من جنس ما يأكل ويلبس المخدوم، لقوله ﷺ : «فمن كان أخوه تحت يديه فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس» ، وهذا الأمر لا يقصد به المساواة في المأكل والملبس، وإنما المقصود من جنس ما يأكل ومن جنس ما يلبس، وهو التبعيض الذي دلت عليه (من) ، ذكره ابن حجر في الفتح، وقال: (فالمراد المواساة لا المساواة) «١» . ويدل على ذلك أن أبا هريرة ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يجلسه معه، فليناوله لقمة أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين، فإنّه ولي علاجه» «٢» .
د- تحريم تكليف الخدم ما يغلبهم، أي ما يشق عليهم فعله، فإن حدث ذلك، فقد وجبت إعانتهم بما يزيل عنهم المشقة، فقد ورد في إحدى روايات البخاري «ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم» ، والأصل في النهي التحريم إن لم يصرفه صارف للكراهية، وقد انعدم الصارف هنا.
والحاصل:
أن هذا التوجيه النبوي الرفيع، قد جمع فأوعى كل العلاقة التي تربط الخادم بالمخدوم حيث حدد منزلة الخادم من المخدوم، فهو أخ له، وحدد من الذي قدّر على الخادم هذا الأمر، إنه الله جل في علاه، ونوع المأكل والملبس الذي يلبسه الخادم، فهو من جنس
стр. 375
ما يأكل ويلبس المخدوم، وحدود الأعمال التي يقومون بها، وهي كل ما يطيقون ويستطيعون، وإذا تطلب الأمر تكليفهم بأعمال شاقة، فقد وجب إعانتهم، إما بالنفس أو بتوفير آلة لهم تيسر عليهم العمل، أو ندب عامل يساعدهم حتى ينتهي العمل الشاق، ودليله أن الحديث لم يحدد كيفية الإعانة فيدخل فيها كل وسيلة من شأنها رفع المشقة، فإن قال قائل: هناك أمور في العلاقة بين الخادم والمخدوم لم يحددها أو يتطرق إليها الحديث، قلت: تلك الأمور يجب معالجتها في نطاق قوله ﷺ : «إخوانكم خولكم» ، فهل يوجد من هو أرحم بالأخ من أخيه.
وأقول لإخواني المسلمين: معاملة الأجير بالحسنى، ابتغاء أجر الله- ومحبة اتباع سنة الحبيب، ﷺ لا تظهر ولا تكون إلا إذا أساء الخادم أو الأجير، فهنا يظهر التسامح والعفو والإحسان، قال تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: ١٣٤] ، فهل يكظم الإنسان غيظه ويعفو إلا إذا حدث له ما يغضبه، ولن يبلغ المسلم منزلة الإحسان إلا إذا تقيد بهذه الآية الكريمة، كظم للغيظ ثم عفو ثم إحسان.
هـ- ما أوتيه النبيّ ﷺ من جوامع الكلم حيث ذكر الملام والملوم فيه والملام بسببه، في كلمتين «أعيرته بأمه» .
الفائدة الثانية:
في مناقب أبي ذر ﵁:
١- أمانته ﵁ في نقل العلم، ولو كان فيه شيء يجرحه، من حيث الفعل الذي فعله، واللوم الذي وجّه له، فلم يكتم شيئا، وهذا يدل على قدر أمانة وصدق الصحابة جميعا.
٢- همته العالية في اتباع السنة ويتبين ذلك من:
أ- أخذه بالأتم والأكمل من أمر الرسول ﷺ فلم يلبس الخادم شيئا مشابها لما يلبسه، بل ألبسه من جنس ما يلبس ولو كان هذا الأمر معتادا لما سأله المعرور بن سويد عن سبب ارتداء خادمه نفس الحلة.
ب- استمرار معاملته للخادم على نفس النهج منذ أن كلمه النبي ﷺ إلى أن سأله التابعي المعرور بن سويد، وهذا يدل على همة عالية، وتمسكهم بسنة المصطفى ﷺ ليس في
стр. 376
حياته فقط ولكن بعد موته أيضا.
وإذا كان هذا سلوك أبي ذر ﵁ مع خادمه، في الملبس، الذي يفضّل الكثير منا أن يتميز به عن خادمه، فكيف كان مسلكه ﵁، في مأكله ومشربه ومعاملته مع الخادم، وإذا كان هذا هو مسلك الصحابة في اتباع السنة مع الخادم، فكيف كان اتباعهم السنة فيما هو أعظم من ذلك، كأمور العقيدة والعبادات.
وأظن أن أخذ أبي ذر بالأتم والأكمل في معاملة الخادم، كان على سبيل التوبة إلى الله- لما بدر منه في عهد النبي ﷺ .
الفائدة الثّالثة:
لفت النبي ﷺ انتباهنا وعلمنا أن الله- هو مقدّر كل شيء، فهو الذي قدّر الغنى والفقر، وهو الذي جعل الناس يتفاوتون في معايشهم بين مالك ومملوك، وبين خادم ومخدوم، قال ﷺ : «جعلهم الله تحت أيديكم» ، وإذا كان الأمر من الله بحكمته وتقديره، وجب علينا الرضى والتسليم، قال تعالى: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا [الزخرف:
٣٢] .
الفائدة الرّابعة:
المعاصي والمخالفات الشرعية من خصال الجاهلية، وبقدر ما عند المسلم من المعاصي والمخالفات، بقدر ما يكون فيه من أمر الجاهلية، قال النبي ﷺ لأبي ذر:
«إنك امرؤ فيك جاهلية» ، ولكن لا ينبغي أن يوصف المسلم بأنه جاهلي، طالما معه أصل الإيمان ولم يأت بما يناقضه ويخرجه من دائرة الإسلام، لأن الله- أخرجنا بالإسلام من مطلق الجاهلية.
ج- شفقته ﷺ بعموم المسلمين:
المثال الأول:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «تضمّن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلّا جهادا في سبيلي، وإيمانا بي، وتصديقا برسلي، فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنّة، أو أرجعه إلى مسكنه الّذي خرج منه نائلا ما نال من أجر، أو غنيمة، والّذي نفس محمّد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلّا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم، لونه لون دم، وريحه مسك، والّذي نفس محمّد بيده لولا أن يشقّ على المسلمين ما قعدت خلاف سريّة تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة [فيتبعوني] ، ويشقّ عليهم أنّ يتخلّفوا عنّي، والّذي نفس محمّد بيده، لوددت أنّي أغزو في سبيل الله فأقتل، ثمّ أغزو فأقتل،
стр. 377
ثمّ أغزو فأقتل» «١» . رواه مسلم وروى البخاري بعضه.
الشّاهد في الحديث:
قوله ﷺ : «لولا أن يشقّ على المسلمين ما قعدت خلاف سريّة تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعة، فأحملهم ولا يجدون سعة فيتبعوني» ، فالنبي ﷺ يود ويحب أن يخرج في كل غزوة وسرية ولا يتخلف أبدا عن الجهاد، ولكن هناك فئة من المسلمين ليس عندهم مؤنة ليخرجوا للجهاد، وليس عند النبي مؤنة تكفيهم، فستضطر هذه الفئة أن تتخلف عن الخروج، وستشعر بالحرج الشديد لعدم الخروج وعدم الصحبة، لذلك أشفق عليهم النبي ﷺ ورأف بحالهم وقعد خلف السرايا.
وفي الحديث فوائد جمة تظهر في الفوائد التالية:
الفائدة الأولى:
حرص النبي ﷺ على أعمال الخير والتقرب إلى ربه- «لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلف سرية» ، وقوله: «لوددت أن أغزو في سبيل الله» .
الفائدة الثانية:
عظم أمر الجهاد في سبيل الله وجزيل ثوابه، حتى إن النبي يقسم بربه أنه يود أن يخرج في كل سرية لولا إيثار رفع الحرج عن بعض أفراد الأمة.
الفائدة الثالثة:
قد يريد المسلم عمل خير يبتغي به وجه الله- ولكن يحال بينه وبين هذا العمل، لسبب خارج عنه، مثل عدم وجود المئونة، ومن هذا نعلم خطأ من يقول: (لو علم الله فيه خيرا ليسّر له ما نوى) ، أو الحكم على الله أنه ييسر لمن أراد الخير لا محالة. والحديث حجة في ذلك حيث قال: «ولا يجدون سعة» .
الفائدة الرابعة:
في الحديث ما يثبت أن النبي عبد من عباد الله، يفتقر إلى الله فيما يفتقر إليه كل العباد، مثل الرزق والصحة وطلب جلب النفع ودفع الضر، إلا أنه فضّل على الأنبياء وجميع الناس بما ورد في الكتاب والسنة، وذلك أنه ﷺ لم يجد ما يحمل عليه الفقراء ممن أراد الخروج في سبيل الله، مما اضطره إلى القعود خلف السرية، ولو كان يقدر على رزقهم لرزقهم، حتى لا يتخلف هو عن الغزو، فعلمنا أن هذه الأمور لله وحده لا يشاركه فيها أحد، حتى أحب الخلق إليه وهو النبي ﷺ ، وتجد مصداق ذلك في قوله تعالى: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ: ٢٤] .
стр. 378
فعلى عموم المسلمين أن يعلموا أن الرزق والإحياء والموت والنفع والضر والشفاء وغير ذلك لله وحده، ولا يطلبونه من أحد إلا الله- فإذا كان هذا هو حال الرسول ﷺ لا يملك من أمر الرزق شيئا، فمن باب أولى من هو دونه.
الفائدة الخامسة:
أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، فهؤلاء لم يخرجوا لعدم الاستطاعة، ومع عدم خروجهم لم يتوجه إليهم اللوم أو العتاب، بل قعد الرسول خلف السرية تطييبا لخاطرهم.
الفائدة السادسة:
هل الذي يقعد خلف السرية لعذر له أجر أم لا؟ نعم له أجر، لحديث أنس بن مالك ﵁ أنّ رسول الله ﷺ رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: «إنّ بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلّا كانوا معكم» . قالوا: يا رسول الله: وهم بالمدينة؟! قال: «وهم بالمدينة، حبسهم العذر» «١» . رواه البخاري.
فالمؤمن بالنية الصالحة الخالصة يأخذ أجر القائم الصائم المجاهد في سبيل الله، إذا كان له عذر، والله يعلم الصادق من غيره. وهذا من عظيم فضل الله على هذه الأمة.
الفائدة السابعة: [شروط الفوز بأجر الجهاد]
يشترط لضمان حصول المجاهد على أجر الجهاد، ثلاثة شروط:
[الشرط] الأول: النية الخالصة
التي لا تشوبها شائبة، مثل الرياء، والسمعة، والحمية قال: «لا يخرجه إلا جهادا في سبيل» .
[الشرط] الثاني: الإيمان بالله
فهو الذي دفعه للخروج يحتسب الأجر والثواب من الله.
[الشرط] الثالث: التصديق برسل الله
، ويتضمن الإيمان بكل ما جاء به الرسل من أوامر ونواه، والتصديق بما أبلغونا عن أجر وثواب الخروج في سبيل الله، وهذا هو الذي دفعهم للخروج، وهذا ينطبق على جميع الأعمال التي نتقرب بها إلى الله، فيشترط فيها الإخلاص والتصديق والمتابعة والاحتساب؛ لحديث عمر بن الخطّاب ﵁، قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّما الأعمال بالنّيّات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» «٢» .
الفائدة الثامنة:
قوله: «حق على الله» ، أوجبه هو على نفسه، أن يكافئ المجاهد في
стр. 379
سبيله بإحدى الثلاثة على الأقل، إما الجنة في حال موته في سبيل الله، وإما الأجر في حال عدم النصر في المعركة، وإما الغنيمة والأجر في حال النصر، وهذا من البركة العظيمة للجهاد ألايخرج منه المسلم صفر اليدين.
الفائدة التاسعة:
في الحديث عظيم حب الصحابة للنبي ﷺ إذ يشق عليهم أن يخرج الرسول في الغزو، ويتخلفوا عنه، ويبدو من الحديث أن تلك المشقة كانت عظيمة، ولولا ذلك ما قعد النبي خلف سرية، وهذا من تربية القرآن للصحابة إذ قال تعالى: ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة: ١٢٠] .
الفائدة العاشرة:
في الحديث أن للخروج في سبيل الله شروطا حتى يتكفل الله بالثواب، «لا يخرجه إلا جهادا في سبيلي» ، وقال: «ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة» ، فاشترط أن يكون لله وإن كان جرحا يسيرا.
ولما كانت النيات لا يعلمها إلا الله، فلا يحق لنا أن نحكم لأحد أنه مات شهيدا حيث إننا- إن فعلنا ذلك- فقد حكمنا له بأعلى الدرجات في الفردوس الأعلى، كما أننا زكينا عمله أبلغ تزكية حيث جعلناه كله لله، وهذا منهيّ عنه لقوله تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى [النجم: ٣] . وقوله ﷺ : «والله أعلم بمن يكلم في سبيله» ، وهذا ما حمل البخاريّ أن يبوب في صحيحه باب: [لا يقال فلان شهيد] ، وأتى بهذا الحديث آنف الذكر.
الفائدة الحادية عشرة:
يستثنى من ذلك- أي حكمنا بالشهادة على أحد من المسلمين بعينه- من حكم له الله أو رسوله ﷺ أنه مات شهيدا أو سيموت شهيدا، كعمر بن الخطاب ﵁ وغيره من الصحابة كثير، كما يستثنى من ذلك أيضا، أن تحكم على جماعة من المسلمين قاتلوا في سبيل الله أنهم شهداء، دون تعيين أحد بعينه، ويجب على المسلمين ألايحملهم حبّهم لإمام معين جاهد في سبيل الله، فيما يظهر لنا، ألايلتزموا بالسنة فيحكموا له بالشهادة فيقال: الإمام الشهيد، ويشهد لذلك الحديث الذي أوردناه في باب:
إعلامه بكثير من أمور الغيب، والذي ورد فيه أن النبي ﷺ حكم على أحد المقاتلين المجاهدين- فيما يرى الناس- أنه من أهل النار، بالرغم أن الصحابة قد أثنوا عليه أبلغ
стр. 380
الثناء، لشجاعته وإقدامه وقتله الكثير من الكفار.
الفائدة الثانية عشرة:
في الحديث التفات واضح حيث بدأ النبي ﷺ الحديث بكلامه فقال: «تضمن الله لمن خرج» ، ثم حدث التفات في النص، فجاءت فقرة معترضة في الحديث من كلام الله- كأنه حديث قدسي فقال: «لا يخرجه إلا جهادا في سبيلي وإيمانا بي وتصديقا برسلي» ، ثم أكمل النبي الحديث من لفظه فقال: «والذي نفس محمد بيده» ، وهذا يحدث في القرآن كما يحدث في السنة، قال تعالى: وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ [لقمان: ١٣] . ثم حدث التفات في الآية التي تليها، وكانت من كلام الله- فقال: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ [لقمان: ١٤] ، ثم أكمل لقمان النصح لابنه في بقية الآيات، وأرى أن لقمان قد أوصى ابنه بالوالدين إحسانا، ولكن لما كان شأن الإحسان إلى الوالدين عظيما، التفت الخطاب وكان الكلام من الله- وهذا من شاكلة الحديث الذي مضى، فلما كان أمر النية والإخلاص عظيما في الجهاد ورد ذكره من كلام الله- .
فالحاصل:
أن الالتفات في الكلام، يشد انبتاه السامع مع التأكيد على عظيم الكلام الذي تم فيه الالتفات، ولا يشترط في الالتفات أن يتغير شخص المتكلم، فقد يحدث ويكون المتكلم واحدا، وذلك بتغيير الضمير من المخاطب إلى الغائب، وهذا كثير جدّا في القرآن الكريم.
الفائدة الثالثة عشرة: [في أقسام الشهداء وأحكامهم]
[أقسام الشهداء]
ينبني على ذلك أن الشهداء ثلاثة أقسام:
[القسم] الأول: شهيد الدنيا والآخرة
، وهو الذي قاتل لتكون كلمة الله هي العليا بإخلاص ونية.
[القسم] والثاني: شهيد الدنيا دون الآخرة
، وهو الذي يموت سمعة ورياء.
[القسم] والثالث: شهيد الآخرة دون الدنيا
وقد عدّهم النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «الشهداء: الغرق، والمطعون، والمبطون، والهدم» «١» .
وأحكام الشهداء على النحو التالي:
[الحكم] الأول:
لا يغسل ولا يكفن في الدنيا ويدخل الجنة بحول الله.
و [الحكم] الثاني:
لا يغسل ولا يكفن في الدنيا، وأمره في الآخرة إلى الله- إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
стр. 381
و [الحكم] الثالث:
يغسل ويكفن ويصلّى عليه، وفي الآخرة يرجى له الجنة بشهادته.
الفائدة الرابعة عشرة:
في الحديث أن على الإمام أن يرفق بالأمة، وأنه إذا تعارضت المصالح بدأ بأهمها وعليه أن يسعى في إزالة ما يكره المسلمون وما يشق عليهم. ونأخذ منه أيضا أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، والمفسدة هنا المشقة التي يتكبدها المسلمون بخروج الرسول ﷺ ، والمصلحة التي أخّرت هي الخروج في سبيل الله.
وأسوق مثالا، يبين كيف كان النبي ﷺ أرفق الناس بأمته وأبعد الناس عما يشق عليها، فأقول: كانت أحب العبادات إلى النبي ﷺ الصلاة، ومع ذلك كان يدخل الصلاة وفي نيته أن يطيل، يتلذذ فيها بالقراءة ومناجاة ربه- ﵎ ومن معه ﷺ من جموع الصحابة ﵃ ولكن كان إذا سمع في تلك الصلاة بكاء صبي، يخفف الصلاة، شفقة على أمه وكراهية المشقة عليها، ويفوّت على نفسه، وعلى بقية أصحابه، الأجر العظيم المترتب على طول الصلاة، شفقة على امرأة واحدة، من منا يفعل ذلك؟ روى أبو قتادة عن النّبيّ ﷺ قال: «إنيّ لأقوم في الصّلاة أريد أن أطوّل فيها فأسمع بكاء الصّبيّ فأتجوّز في صلاتي كراهية أن أشقّ على أمّه» . «١»
الفائدة الخامسة عشرة:
فيه تسلية لمن عزم على الطاعة، وحيل بينه وبينها، فلا يظن بنفسه سوآ، فيقول: لو علم الله في نفسي خيرا وصدقا لوفقني للطاعة، كما لا يظن في الله سوآ فيقول: لم لم يوفقني وأنا ما أردت إلا خيرا؟ فهذا رسول الله ﷺ أعبد الخلق لله، وأخلصهم له نية، يقسم بالله ليود ألا يقعد خلف سرية، ومع ذلك يحال بينه وبين ذلك، والله يقدر على أن يرزقه فيحمل فقراء المسلمين معه، أو يرزق الفقراء، والله- لا تعجزه الأسباب، ولكن شاء الله غير ذلك، وكل مشيئة لله مبنية على الحكمة، التي قد تخفى علينا، فعلى المسلم أن يسلم ويرضى، ولا يتكلف البحث عن حكمة الله في كل شيء، فما بيّنه الله من الحكم حمدناه على ذلك وآمنا بها، وإن كانت على خلاف المعقول بالنسبة للعقول، وما حجب عنا سلمنا به، وأيقنا أن حكمته- بالغة، فالمسلم لا يؤمن لأن عقله اقتنع بالحكمة أو السبب، بل يؤمن لأنه يعلم أن الله هو الذي أمر ونهى، وحكم وقدر في الأمور القدرية والشرعية، وإن لم نفعل ذلك لكنا مؤمنين بعقولنا، وما تمليه علينا أفهامنا فما قبله العقل قبلناه، وما رده رددناه.
стр. 382
والحاصل:
أنه يجب علينا ألا نغتر بمن يحكم عقله في أمور الدين، بل نسلم كما كان يسلم أبو بكر وعمر، فننال ما نالا من الأجر والمثوبة.
المثال الثاني:
عن عائشة ﵂ أنّ رسول الله ﷺ خرج من جوف اللّيل فصلّى في المسجد، فصلّى رجال بصلاته فأصبح النّاس يتحدّثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم فخرج رسول الله ﷺ في اللّيلة الثّانية، فصلّوا بصلاته فأصبح النّاس يذكرون ذلك فكثر أهل المسجد من اللّيلة الثّالثة، فخرج، فصلّوا بصلاته، فلمّا كانت اللّيلة الرّابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ فطفق رجال منهم يقولون: الصّلاة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ حتّى خرج لصلاة الفجر فلمّا قضى الفجر أقبل على النّاس ثمّ تشهّد فقال: «أمّا بعد فإنّه لم يخف عليّ شأنكم اللّيلة ولكنّي خشيت أن تفرض عليكم صلاة اللّيل فتعجزوا عنها» «١» .
الشّاهد في الحديث:
قوله ﷺ : «ولكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
أ- شفقة النبي ﷺ بهذه الأمة حيث ترك صلاة الليل، في المكان الذي خصصه لنفسه، مخافة أن تفرض صلاة الليل على هذه الأمة، ويعجز البعض عن القيام بها فيأثم بتركها.
روت عائشة ﵂ أنّ النّبيّ ﷺ كان يحتجر «٢» حصيرا باللّيل فيصلّي عليه ويبسطه بالنّهار فيجلس عليه «٣» .
ومن الأحاديث التي توضح شفقته ﷺ بهذه الأمة: ما رواه أبو هريرة ﵁ قال:
خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أيّها النّاس قد فرض الله عليكم الحجّ فحجّوا» . فقال رجل: أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتّى قالها ثلاثا. فقال رسول الله ﷺ : «لو قلت: نعم. لوجبت، ولما استطعتم، ثمّ قال: ذروني ما تركتكم، فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم
стр. 383
وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» «١» .
وأيضا عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «لولا أن أشقّ على أمّتي، أو على النّاس لأمرتهم بالسّواك مع كلّ صلاة» «٢» .
ب- حكمته ﷺ ؛ فقد وازن بين مصالح أداء الناس صلاة الليل في المسجد، وهي مصالح عظيمة، منها: تعلق قلوب الناس بالمساجد، وسماع الذكر الحكيم، وزيادة الدرجات بالمشي إلى المساجد، وصلاة الملائكة على من ينتظر تلك الصلاة، وبين مفسدة أن تفرض صلاة الليل على الأمة فيعجز عنها الكثيرون، جزئيّا أو كليّا، فيأثمون على تركها، فدفع ﷺ تلك المفسدة العظيمة بتفويت المصالح المترتبة على صلاة الليل، وهي قاعدة شرعية عظيمة في الشرع وأساسها (أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح) ويمكن أن نستدل بهذا الحديث على صحة القاعدة الشرعية المشار إليها.
والذي يؤكد لنا عظيم حكمته ﷺ أن صلاة التراويح في رمضان، أصبحت من زمن عمر ﵁ تقام في المساجد بلا خوف من فرضها على الأمة فتحققت المصلحة، ودرئت المفسدة، ولله الحمد من قبل ومن بعد.
ج- زهده ﷺ في الدنيا وعدم الالتفات إليها، لما ورد عند البخاري في إحدى روايات الحديث: (كان يحتجر حصيرا بالليل فيصلي عليه ويبسطه بالنهار فيجلس عليه) ، فالأمر كله لم يتعدّ قطعة حصير، تكون له في الصباح فرشا يجلس عليه، وفي الليل يحوط به مكانا فيصلي فيه، والغريب أن قطعة الحصير واحدة للصبح والليل.
د- حسن معاملته ﷺ لأصحابه حيث بيّن في أول لقاء معهم- وهو صلاة الفجر- سبب عدم الخروج إليهم والحكمة من ذلك.
وهكذا يجب أن يكون دأب الحاكم مع رعيته، الاهتمام بهم، يتمثل في قول الراوي:
(فأقبل على الناس) ، وعدم تأجيل ما يحتاج إلى بيان إلى وقت لاحق، حتى لا يكثر الكلام وتخرج الإشاعات، مع الاعتذار إليهم عما قد يسبب حرجا لهم، وشرح حكمة وأسباب ما اتخذه من قرارات قد يراها البعض ضد مصلحتهم، مع الحرص على عدم إنابة غيره، خاصة مع القدرة وأهمية الأمر.
стр. 384
وأعتقد أن سبب عدم خروج النبي ﷺ للصحابة بالليل، ليبين لهم الحكمة من عدم صلاته معهم، أنه أراد أن يحسم القضية تماما مع علمه ﷺ أنهم في أشد الشوق لخروجه، فرؤيتهم له وهو خارج من بيته يزيد أملهم وشوقهم للصلاة خلفه، فالاعتذار إليهم في مثل تلك الحالة من المؤكد أنه سيسبب لهم حزنا خاصة إذا علموا أنه لن يصلي بهم مرة أخرى، فكأن النبي ﷺ رأى أن من الأفضل تركهم بالليل، وهم يعلمون أن هناك عذرا يمنعه من الخروج إليهم، وإن صح هذا الاستنباط، فيكون هذا التصرف دليلا على حكمته وشفقته ﷺ بالأمة.
الفائدة الثانية:
في حرص الصحابة على الخير، ويتمثل ذلك في:
١- اجتماعهم في جوف الليل حتى يصلوا خلف النبي ﷺ .
٢- تحدثهم صباح كل ليلة، بأنهم صلوا القيام بالمسجد، مما كان يزيد عدد المصلين كل ليلة، حتى عجز المسجد بأهله في الليلة الرابعة، وهذا من حرصهم على الخير.
٣- انتظارهم طويلا أمام بيت النبي ﷺ الليلة الرابعة، لعله يخرج إليهم، وورد في بعض روايات البخاري: (فقدوا صوته وظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم) ، وعنده أيضا: (فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب) ، وهذا مسلك أصحاب الهمم العالية في العبادة، ليس كمثل من يعزم على فعل الخير، فيرده أدنى سبب، فيقول:
(قدر الله وما شاء فعل) ، ويقول آخر: (إنما الأعمال بالنيات) ، ويقول ثالث: (نية المرء خير من عمله) ، فليس الأمر بهذه السهولة، أن نطلب الأجر والثواب، دون الرغبة الأكيدة في عمل الخير والحرص عليه وبذل كل الجهد لتحصيله، بل ينبغي الأسى والأسف على فواته، حتى ولو كان الأمر خارج إرادة العبد.
د- شفقته ﷺ بمن ارتكب الكبائر:
عن عمران بن حصين أنّ امرأة من جهينة أتت نبيّ الله ﷺ وهي حبلى من الزّنى فقالت: يا نبيّ الله أصبت حدّا فأقمه عليّ فدعا نبيّ الله ﷺ وليّها فقال: «أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها» ، ففعل، فأمر بها نبيّ الله ﷺ فشكّت عليها ثيابها ثمّ أمر بها، فرجمت ثمّ صلّى عليها، فقال له عمر: تصلّي عليها يا نبيّ الله، وقد زنت؟! فقال: «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله؟!» «١» .
стр. 385
الشّاهد في الحديث:
أن شفقة النبي ﷺ بهذه الأمة لم تقتصر على الأطفال والخدم، وعموم المسلمين، بل تعدت لتشمل من جاء تائبا من أهل الكبائر، وسنرى كيف كان تعامله ﷺ مع هذه الفئة من الناس.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في مظاهر شفقة النبي ﷺ بمن تاب بعد أن ارتكب كبيرة من أكبر الكبائر، وكذا حكمته في التعامل مع الواقعة.
١- لم يوجه النبي ﷺ للمرأة أدنى توبيخ ولم يعنفها، بل لم يلمها على ما فعلت، لأن المرأة قد تابت، فلا ينبغي أن نذكرها بما تكره، لعدم وجود أدنى مصلحة في ذلك، وهذا يدل على بالغ حكمته ﷺ .
٢- لم يسأل المرأة عن اسم الرجل الذي واقعها، وهذا يدل على أن العفو يجب أن يقدم عند الإمام على إقامة الحد، ما لم يبلغه الخبر، كما أن الستر أولى من الفضيحة، وقد يكون الرجل قد تاب أيضا.
ويتفرع على ذلك: وجوب عدم تتبع عورات الناس من باب أولى.
٣- كما أن من حكمته وشفقته ﷺ أيضا، أنه لم يردها وحدها حتى تضع حملها، بل دعا وليها، ليكون مسئولا عنها، تلك الفترة، وأمره بالإحسان إليها، وهو أمر جامع، يتضمن كل أوجه الخير الذي يمكن أن يفعله الولي، وهي في أحوج ما يكون لذلك الإحسان، لاحتمال تعرضها لأذى من قرابتها، وحرمان من النفقة.
٤- حرص النبي ﷺ على حماية الجنين الذي في بطن المرأة، فأجل الحد إلى ما بعد الولادة، وفي ذلك إعلان منه ﷺ بتبرئته، وأنه لا يؤخذ بذنب أمه.
٥- حرص النبي ﷺ على ستر المرأة أثناء إقامة الحد عليها، وعمل ما يضمن ذلك، قال الراوي: (فشكّت عليها ثيابها) ، مع أن المقام نستبعد فيه أن ينظر أحد إلى المرجومة بشهوة، لكن العورات يجب حفظها في كل حال، وفيه لفتة إلى وجوب الستر من باب أولى وأولى في غير هذا الموضع.
٦- صلاته ﷺ على المرأة التائبة بعد وفاتها، وقد استعظم عمر ﵁ تلك الصلاة، لأنه يعلم أن صلاته ﷺ سكن ورحمة للمسلمين، في حياتهم وبعد مماتهم، فعلل له النبي ﷺ سبب الصلاة، وهو التوبة النصوح للمرأة.
стр. 386
٧- ذكر محاسن هذه المرأة، والثناء عليها أبلغ الثناء حيث قال ﷺ : «لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم» .
الفائدة الثانية:
في مناقب المرأة:
١- أعظم ما فيها هي توبتها النصوح، وعلامتها: أنها قد جاءت من تلقاء نفسها تخبر أنها قد أصابت حدّا، وتريد إقامة الحد عليها، وقد بين الرسول ﷺ قدر تلك التوبة بأنها تكفي سبعين رجلا من أهل المدينة.
يتفرع على ذلك: أن التوبة تتفاوت درجاتها، بحسب ما يجده العبد من ندم على ما اقترف، وعزم على عدم العودة، وترك كل الأسباب التي قد تؤدي للعودة إلى المعصية.
٢- خوفها من الله- مع فقهها حيث أرادت أن تجمع بين كفارتين للكبيرة، وهما إقامة الحد مع التوبة، وإن كانت واحدة لتكفي، ولكنها أرادت أن تكون على يقين كامل أنها ستقابل ربها، وليس في صفحتها أدنى مسائلة عن هذه الكبيرة.
٣- أدبها وعفة لسانها حيث لم تذكر مسمى الكبيرة التي وقعت فيها، لأن التعريض يكفي، فكان كل ما قالته: (يا نبي الله أصبت حدّا فأقمه علي) .
هـ- شفقته ﷺ بمن سبه النبيّ أو دعا عليه:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كانت عند أمّ سليم يتيمة؛ وهي أمّ أنس، فرأى رسول الله ﷺ اليتيمة فقال: «آنت هيه؟ لقد كبرت، لاكبر سنّك!» ، فرجعت اليتيمة إلى أمّ سليم تبكي فقالت أمّ سليم: ما لك يا بنيّة؟ قالت الجارية: دعا عليّ نبيّ الله ﷺ ألايكبر سنّي، فالآن لا يكبر سنّي أبدا، أو قالت: قرني. فخرجت أمّ سليم مستعجلة تلوث خمارها حتّى لقيت رسول الله ﷺ فقال لها رسول الله ﷺ : «ما لك يا أمّ سليم؟» فقالت يا نبيّ الله: أدعوت على يتيمتي؟ قال: «وما ذاك يا أمّ سليم؟» قالت: زعمت أنّك دعوت أن لا يكبر سنّها ولا يكبر قرنها. قال: فضحك رسول الله ﷺ ثمّ قال: «يا أمّ سليم أما تعلمين أنّ شرطي على ربيّ أنّي اشترطت على ربيّ. فقلت: إنّما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر فأيّما أحد دعوت عليه من أمّتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهورا، وزكاة، وقربة يقرّبه بها منه يوم القيامة؟!» «١» .
الشّاهد في الحديث:
قول النبي ﷺ «أني اشترطت على ربي فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما
стр. 387
يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
١- عظيم رحمته وشفقته ﷺ على كل أفراد أمته، حتى عمت تلك الرحمة، كل مسلم دعا النبي عليه أو سبه، قال الإمام النووي ﵀: (هذه الأحاديث مبينة ما كان عليه ﷺ من الشفقة على أمته والاعتناء بمصالحهم والاحتياط لهم والرغبة في كل ما ينفعهم) «١» .
انتهى.
والغريب ألاينسى النبي ﷺ مثل هذا الأمر، أي مصير من وجه إليه السب أو اللعن، بل يحمل همه ويدعو الله- ، ويشترط عليه أن يجعل السب أو اللعن الذي توجه به إلى أحد من أصحابه زكاة وقربة يوم القيامة، قربة ممن؟ من الله، ﵎..
وإن تعجب أخي المسلم، فالأعجب بحق، أن يشترط النبي ﷺ أن ينقلب دعاؤه وسبه للمسلم، زكاة وقربة، وكان من المفترض أن يشترط، ألا يؤاخذ الله- بسبه ودعائه أحدا، وفي هذا الكفاية، ولكن أن يشترط أن ينقلب الأمر من سب إلى زكاة، ومن لعن إلى قربة، فهذا هو الأعجب بحق.
وأظن أن النبي ﷺ قد اشترط هذا الشرط الأكمل والأتم، تعويضا لما نال الصحابي الذي سبه من حزن وأسى، وليكون ﷺ الرؤف الرحيم بهذه الأمة، لمن دعا له، أو دعا عليه، وليس بأهل لهذه الدعوة على حد سواء، قال جل في علاه: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] .
٢- عظيم حب الله- لنبيه ﷺ ويتجلى ذلك في قوله «إني اشترطت على ربي» ، كما يتجلى في استجابة المولى- لما اشترطه نبيه ﷺ .
٣- تواضعه ﷺ وقد علمنا ذلك من قوله: «إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر» ، وهذا حجة على الذين يريدون أن يرفعوا النبي ﷺ فوق منزلة البشر، في حين أنه ﷺ يثبت لنفسه البشرية في أقل الأمور وهما الرضى والغضب، ولم يقل
стр. 388
النبي ﷺ «إني أرضى وأغضب» ولكن قيد المسألة ببشريته ﷺ لأن الله- يرضى ويغضب، وليس رضى الرب وغضبه كرضى البشر وغضبهم؛ فرضى الرب وغضبه موافق للحكمة والحق أبدا، وأما رضى البشر وغضبهم، فقد لا يوافق الحكمة والصواب ولو مرة واحدة، لذلك قال ﷺ : «فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل» .
ودعاء النبي ﷺ على من ليس أهلا للدعاء عليه، لا يطعن في النبي ﷺ لأنه مأمور بالحكم بالظاهر، ولا يعلم الضمائر والسرائر، كما أننا ضمنا أن هذه الدعوة ستقع زكاة وقربة.
الفائدة الثانية:
يقين الصحابة، باستجابة المولى- لكل دعوات النبي ﷺ على المسلمين، سواء كان المدعوّ عليه، أهلا لهذه الدعوة أم لا ونلمح ذلك فيما يلي:
١- بكاء اليتيمة، لما سمعت دعاء النبي ﷺ عليها ألايكبر سنها، والدليل على اعتقادها استجابة دعوة النبي ﷺ قولها: (فالآن لا يكبر سني أبدا) ، فبدأت بقولها:
(الآن) ، أي من وقتها، وليس من اليوم أو الغد، وهذا شعور منها أن الاستجابة من الله فورية، وختمت قولها بلفظ (أبدا) ، لينفي أي أمل لديها أن تكبر؛ إذ كلمة «أبدا» تستوعب كل المستقبل.
٢- خوف أم سليم الشديد من دعاء النبي ﷺ ، وشواهده خروجها مستعجلة في حال ربطها الخمار، ولم تنتظر أن تصلح لباسها كاملا قبل الهم بالخروج من البيت، ورد في الحديث: (فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها) ، بالإضافة إلى ظهور الفزع على وجهها عند مقابلة النبي ﷺ ففي الحديث: فقال لها رسول الله ﷺ : (مالك يا أم سليم) ، وتأمل أخي المسلم، كيف قابل النبي ﷺ فزع أم سليم، بالضحك قبل أن يبين لها ما اشترط على ربه، وذلك حتى يذهب ما تجده من حزن وخوف، وتستطيع أن تستوعب ما تسمعه من النبي ﷺ .
الفائدة الثّالثة:
أدب الصحابة الجم، مع النبي ﷺ يتبين ذلك مما يلي:
١- كان هم اليتيمة الوحيد لما رجعت إلى أم سليم، أن النبي ﷺ قد دعا عليها، ولم تشغل نفسها، هل هي تستحق الدعاء عليها أم لا؟ لذلك لم يكن في كلامها مع أم سليم- ﵂ أي من مظاهر الشكوى أو الاعتراض، وأقول: إنها لم تشغل نفسها بسبب الدعاء أو تعترض، لأنها تثق ثقة مطلقة بعدل النبي ﷺ وأنه لا ينطق عن الهوى، وأن
стр. 389
شكواها أو اعتراضها قد يزيد الأمر، وهي تريد أن تنجو وتسلم لا أن تهلك وتتردى.
وأسوق هذا الدرس المستفاد، لكل من يعترض على حكم الله ورسوله، ويناقشه، يريد رده بسوء أدب، أقول له: تعلّم من جارية يتيمة حديثة السن، واعلم أن اعتراضك وسوء أدبك في مناقشتك لأحكام الله ورسوله، لن يغير من الأمر شيئا، اقتنعت أم لم تقتنع، ويكفيك أن تسأل على عدم امتثالك، فلا تضم إليه السؤال عن عدم أدبك، وهو سؤال يوردك المهالك لا محالة، وهو أعظم من السؤال عن المعصية نفسها.
وتدبر أخي القارئ، حال جارية تسمع بأذنيها الدعاء عليها، وهي تتيقن أن الدعاء مستجاب ولا بد، وتعود إلى بيتها في حال البكاء والخوف، فماذا تقول في حق من دعا عليها؟ أيحملها خوفها أو حالتها النفسية السيئة أو شدة بكائها أن تنسى مكانة النبي ﷺ لا والله، قالت اليتيمة: (دعا عليّ نبي الله ﷺ ، هكذا منتهى الأدب.
٢- قول أم سليم- ﵂ للنبي ﷺ : (زعمت أنك دعوت ألايكبر سنها) ، فهي أيضا قد راعت عظيم الأدب في كلامها، مع خوفها الشديد على يتيمتها، حيث قالت: (زعمت) ، ولم تقل: (قالت) ؛ لأنها تعلم من حال النبي ﷺ حسن خلقه وشفقته ورحمته، وأن الدعاء على أصحابه ليس من شيمته ولا من عاداته، قال الإمام النووي- ﵀.: (وإنما كان يقع هذا منه في النادر والشاذ من الأوقات، ولم يكن ﷺ فاحشا ولا متفحشا ولا لعانا ولا منتقما لنفسه) «١» .
وشفقته ﷺ بالحيوان
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سافرتم في الخصب «٢» فأعطوا الإبل حظّها من الأرض، وإذا سافرتم في السّنة «٣» فأسرعوا عليها السّير، وإذا عرّستم «٤» باللّيل، فاجتنبوا الطّريق، فإنّها مأوى الهوامّ باللّيل» «٥» .
الشّاهد في الحديث:
قوله ﷺ : «إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا سافرتم في
стр. 390
السنة، فأسرعوا عليها السير» ، ومن أوجه الرفق بالحيوان التي أمرنا بها الحديث الأمور التالية:
الأمر الأول:
المسافر في حال كثرة العشب والمرعى، عليه أن يقلل السير ليعطي الإبل، أو أي مركوب الفرصة لتأخذ حظها من المرعى، وفي حال القحط وهو قلة المرعى، على المسافر أن يجتهد في السير ليصل إلى غايته قبل أن يلحق الضرر والإعياء بالدواب من قلة المرعى.
الأمر الثاني:
كما أن المسافر إذا أراد التعريس، فعليه أن يجتنب صدر الطريق حيث تمشي فيه الدواب والسباع وغيرها من الحيوانات، تلتمس فيه طعامها مما يسقط من السالكين من طعام أو شراب.
الأمر الثالث:
يدل مفهوم الحديث على تحريم تعذيب الحيوان، كمن يتخذه هدفا يصوب عليه، ومن يحبسه بلا طعام ولا شراب، ومن يصطاده ليس بغرض الأكل بل لغرض التسلية، بل وصل بنا الأمر أن نترك الأطفال بل الشباب، يلعبون بهم أحياء ويعذبونهم حتى الموت، ونسينا ما ورد في الصحيح عن ابن عمر ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال:
«دخلت امرأة النّار في هرّة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض» [رواه البخاري] «١» .
ومن دلائل الرفق بالحيوان، الحديث الذي يرويه شدّاد بن أوس قال: (ثنتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله كتب الإحسان على كلّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبح، وليحدّ أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته» «٢» .
١١- زهده ﷺ في الدنيا:
عن عائشة ﵂ أنّها قالت لعروة: ابن أختي «٣» إن كنّا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلّة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار. فقلت: ما كان يعيشكم؟
قالت: الأسودان؛ التّمر والماء، إلّا أنّه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار كان لهم