٧- ذكر محاسن هذه المرأة، والثناء عليها أبلغ الثناء حيث قال ﷺ : «لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم» .
الفائدة الثانية:
في مناقب المرأة:
١- أعظم ما فيها هي توبتها النصوح، وعلامتها: أنها قد جاءت من تلقاء نفسها تخبر أنها قد أصابت حدّا، وتريد إقامة الحد عليها، وقد بين الرسول ﷺ قدر تلك التوبة بأنها تكفي سبعين رجلا من أهل المدينة.
يتفرع على ذلك: أن التوبة تتفاوت درجاتها، بحسب ما يجده العبد من ندم على ما اقترف، وعزم على عدم العودة، وترك كل الأسباب التي قد تؤدي للعودة إلى المعصية.
٢- خوفها من الله- مع فقهها حيث أرادت أن تجمع بين كفارتين للكبيرة، وهما إقامة الحد مع التوبة، وإن كانت واحدة لتكفي، ولكنها أرادت أن تكون على يقين كامل أنها ستقابل ربها، وليس في صفحتها أدنى مسائلة عن هذه الكبيرة.
٣- أدبها وعفة لسانها حيث لم تذكر مسمى الكبيرة التي وقعت فيها، لأن التعريض يكفي، فكان كل ما قالته: (يا نبي الله أصبت حدّا فأقمه علي) .
هـ- شفقته ﷺ بمن سبه النبيّ أو دعا عليه:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كانت عند أمّ سليم يتيمة؛ وهي أمّ أنس، فرأى رسول الله ﷺ اليتيمة فقال: «آنت هيه؟ لقد كبرت، لاكبر سنّك!» ، فرجعت اليتيمة إلى أمّ سليم تبكي فقالت أمّ سليم: ما لك يا بنيّة؟ قالت الجارية: دعا عليّ نبيّ الله ﷺ ألايكبر سنّي، فالآن لا يكبر سنّي أبدا، أو قالت: قرني. فخرجت أمّ سليم مستعجلة تلوث خمارها حتّى لقيت رسول الله ﷺ فقال لها رسول الله ﷺ : «ما لك يا أمّ سليم؟» فقالت يا نبيّ الله: أدعوت على يتيمتي؟ قال: «وما ذاك يا أمّ سليم؟» قالت: زعمت أنّك دعوت أن لا يكبر سنّها ولا يكبر قرنها. قال: فضحك رسول الله ﷺ ثمّ قال: «يا أمّ سليم أما تعلمين أنّ شرطي على ربيّ أنّي اشترطت على ربيّ. فقلت: إنّما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر فأيّما أحد دعوت عليه من أمّتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهورا، وزكاة، وقربة يقرّبه بها منه يوم القيامة؟!» «١» .
الشّاهد في الحديث:
قول النبي ﷺ «أني اشترطت على ربي فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما
стр. 387
يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
١- عظيم رحمته وشفقته ﷺ على كل أفراد أمته، حتى عمت تلك الرحمة، كل مسلم دعا النبي عليه أو سبه، قال الإمام النووي ﵀: (هذه الأحاديث مبينة ما كان عليه ﷺ من الشفقة على أمته والاعتناء بمصالحهم والاحتياط لهم والرغبة في كل ما ينفعهم) «١» .
انتهى.
والغريب ألاينسى النبي ﷺ مثل هذا الأمر، أي مصير من وجه إليه السب أو اللعن، بل يحمل همه ويدعو الله- ، ويشترط عليه أن يجعل السب أو اللعن الذي توجه به إلى أحد من أصحابه زكاة وقربة يوم القيامة، قربة ممن؟ من الله، ﵎..
وإن تعجب أخي المسلم، فالأعجب بحق، أن يشترط النبي ﷺ أن ينقلب دعاؤه وسبه للمسلم، زكاة وقربة، وكان من المفترض أن يشترط، ألا يؤاخذ الله- بسبه ودعائه أحدا، وفي هذا الكفاية، ولكن أن يشترط أن ينقلب الأمر من سب إلى زكاة، ومن لعن إلى قربة، فهذا هو الأعجب بحق.
وأظن أن النبي ﷺ قد اشترط هذا الشرط الأكمل والأتم، تعويضا لما نال الصحابي الذي سبه من حزن وأسى، وليكون ﷺ الرؤف الرحيم بهذه الأمة، لمن دعا له، أو دعا عليه، وليس بأهل لهذه الدعوة على حد سواء، قال جل في علاه: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] .
٢- عظيم حب الله- لنبيه ﷺ ويتجلى ذلك في قوله «إني اشترطت على ربي» ، كما يتجلى في استجابة المولى- لما اشترطه نبيه ﷺ .
٣- تواضعه ﷺ وقد علمنا ذلك من قوله: «إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر» ، وهذا حجة على الذين يريدون أن يرفعوا النبي ﷺ فوق منزلة البشر، في حين أنه ﷺ يثبت لنفسه البشرية في أقل الأمور وهما الرضى والغضب، ولم يقل
стр. 388
النبي ﷺ «إني أرضى وأغضب» ولكن قيد المسألة ببشريته ﷺ لأن الله- يرضى ويغضب، وليس رضى الرب وغضبه كرضى البشر وغضبهم؛ فرضى الرب وغضبه موافق للحكمة والحق أبدا، وأما رضى البشر وغضبهم، فقد لا يوافق الحكمة والصواب ولو مرة واحدة، لذلك قال ﷺ : «فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل» .
ودعاء النبي ﷺ على من ليس أهلا للدعاء عليه، لا يطعن في النبي ﷺ لأنه مأمور بالحكم بالظاهر، ولا يعلم الضمائر والسرائر، كما أننا ضمنا أن هذه الدعوة ستقع زكاة وقربة.
الفائدة الثانية:
يقين الصحابة، باستجابة المولى- لكل دعوات النبي ﷺ على المسلمين، سواء كان المدعوّ عليه، أهلا لهذه الدعوة أم لا ونلمح ذلك فيما يلي:
١- بكاء اليتيمة، لما سمعت دعاء النبي ﷺ عليها ألايكبر سنها، والدليل على اعتقادها استجابة دعوة النبي ﷺ قولها: (فالآن لا يكبر سني أبدا) ، فبدأت بقولها:
(الآن) ، أي من وقتها، وليس من اليوم أو الغد، وهذا شعور منها أن الاستجابة من الله فورية، وختمت قولها بلفظ (أبدا) ، لينفي أي أمل لديها أن تكبر؛ إذ كلمة «أبدا» تستوعب كل المستقبل.
٢- خوف أم سليم الشديد من دعاء النبي ﷺ ، وشواهده خروجها مستعجلة في حال ربطها الخمار، ولم تنتظر أن تصلح لباسها كاملا قبل الهم بالخروج من البيت، ورد في الحديث: (فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها) ، بالإضافة إلى ظهور الفزع على وجهها عند مقابلة النبي ﷺ ففي الحديث: فقال لها رسول الله ﷺ : (مالك يا أم سليم) ، وتأمل أخي المسلم، كيف قابل النبي ﷺ فزع أم سليم، بالضحك قبل أن يبين لها ما اشترط على ربه، وذلك حتى يذهب ما تجده من حزن وخوف، وتستطيع أن تستوعب ما تسمعه من النبي ﷺ .
الفائدة الثّالثة:
أدب الصحابة الجم، مع النبي ﷺ يتبين ذلك مما يلي:
١- كان هم اليتيمة الوحيد لما رجعت إلى أم سليم، أن النبي ﷺ قد دعا عليها، ولم تشغل نفسها، هل هي تستحق الدعاء عليها أم لا؟ لذلك لم يكن في كلامها مع أم سليم- ﵂ أي من مظاهر الشكوى أو الاعتراض، وأقول: إنها لم تشغل نفسها بسبب الدعاء أو تعترض، لأنها تثق ثقة مطلقة بعدل النبي ﷺ وأنه لا ينطق عن الهوى، وأن
стр. 389
شكواها أو اعتراضها قد يزيد الأمر، وهي تريد أن تنجو وتسلم لا أن تهلك وتتردى.
وأسوق هذا الدرس المستفاد، لكل من يعترض على حكم الله ورسوله، ويناقشه، يريد رده بسوء أدب، أقول له: تعلّم من جارية يتيمة حديثة السن، واعلم أن اعتراضك وسوء أدبك في مناقشتك لأحكام الله ورسوله، لن يغير من الأمر شيئا، اقتنعت أم لم تقتنع، ويكفيك أن تسأل على عدم امتثالك، فلا تضم إليه السؤال عن عدم أدبك، وهو سؤال يوردك المهالك لا محالة، وهو أعظم من السؤال عن المعصية نفسها.
وتدبر أخي القارئ، حال جارية تسمع بأذنيها الدعاء عليها، وهي تتيقن أن الدعاء مستجاب ولا بد، وتعود إلى بيتها في حال البكاء والخوف، فماذا تقول في حق من دعا عليها؟ أيحملها خوفها أو حالتها النفسية السيئة أو شدة بكائها أن تنسى مكانة النبي ﷺ لا والله، قالت اليتيمة: (دعا عليّ نبي الله ﷺ ، هكذا منتهى الأدب.
٢- قول أم سليم- ﵂ للنبي ﷺ : (زعمت أنك دعوت ألايكبر سنها) ، فهي أيضا قد راعت عظيم الأدب في كلامها، مع خوفها الشديد على يتيمتها، حيث قالت: (زعمت) ، ولم تقل: (قالت) ؛ لأنها تعلم من حال النبي ﷺ حسن خلقه وشفقته ورحمته، وأن الدعاء على أصحابه ليس من شيمته ولا من عاداته، قال الإمام النووي- ﵀.: (وإنما كان يقع هذا منه في النادر والشاذ من الأوقات، ولم يكن ﷺ فاحشا ولا متفحشا ولا لعانا ولا منتقما لنفسه) «١» .
وشفقته ﷺ بالحيوان
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سافرتم في الخصب «٢» فأعطوا الإبل حظّها من الأرض، وإذا سافرتم في السّنة «٣» فأسرعوا عليها السّير، وإذا عرّستم «٤» باللّيل، فاجتنبوا الطّريق، فإنّها مأوى الهوامّ باللّيل» «٥» .
الشّاهد في الحديث:
قوله ﷺ : «إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا سافرتم في
стр. 390
السنة، فأسرعوا عليها السير» ، ومن أوجه الرفق بالحيوان التي أمرنا بها الحديث الأمور التالية:
الأمر الأول:
المسافر في حال كثرة العشب والمرعى، عليه أن يقلل السير ليعطي الإبل، أو أي مركوب الفرصة لتأخذ حظها من المرعى، وفي حال القحط وهو قلة المرعى، على المسافر أن يجتهد في السير ليصل إلى غايته قبل أن يلحق الضرر والإعياء بالدواب من قلة المرعى.
الأمر الثاني:
كما أن المسافر إذا أراد التعريس، فعليه أن يجتنب صدر الطريق حيث تمشي فيه الدواب والسباع وغيرها من الحيوانات، تلتمس فيه طعامها مما يسقط من السالكين من طعام أو شراب.
الأمر الثالث:
يدل مفهوم الحديث على تحريم تعذيب الحيوان، كمن يتخذه هدفا يصوب عليه، ومن يحبسه بلا طعام ولا شراب، ومن يصطاده ليس بغرض الأكل بل لغرض التسلية، بل وصل بنا الأمر أن نترك الأطفال بل الشباب، يلعبون بهم أحياء ويعذبونهم حتى الموت، ونسينا ما ورد في الصحيح عن ابن عمر ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال:
«دخلت امرأة النّار في هرّة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض» [رواه البخاري] «١» .
ومن دلائل الرفق بالحيوان، الحديث الذي يرويه شدّاد بن أوس قال: (ثنتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله كتب الإحسان على كلّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبح، وليحدّ أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته» «٢» .
١١- زهده ﷺ في الدنيا:
عن عائشة ﵂ أنّها قالت لعروة: ابن أختي «٣» إن كنّا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلّة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار. فقلت: ما كان يعيشكم؟
قالت: الأسودان؛ التّمر والماء، إلّا أنّه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار كان لهم
стр. 391
منائح، وكانوا يمنحون رسول الله ﷺ من أبياتهم فيسقيناه) «١» .
الشّاهد في الحديث:
قول عائشة ﵂: (إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار) .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
زهده ﷺ في الدنيا، ومن علامات هذا الزهد:
أ- مرور الشهرين: (ثلاثة أهلة) على جميع بيوت النبي ﷺ لا يوقد نار لنضج لحم أو طبخ إدام.
ب- اعتماد النبي ﷺ وأهل بيته على أكل الأسودين التمر والماء: والغريب أن ابن حجر «٢» ﵀ ذكر أن شبع أهل بيت النبي ﷺ من الأسودين، يمثل الحالة الثانية لهم بعد أن فتح الله عليه قريظة وغيرها، فماذا كانت الحالة الأولى للنبي ﷺ ؟.
ج- لم يكن زهد النبي ﷺ مقتصرا على الطعام والشراب بل تعدى ذلك ليشمل:
فراشه ﷺ : لحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: (فدخلت على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على حصير، فجلست، فأدنى عليه إزاره، وليس عليه غيره وإذا الحصير قد أثر في جنبه) «٣» .
متاعه بالبيت: ورد في الحديث المشار إليه أعلاه قول عمر ﵁: (وإذا أفيق معلق) ، والأفيق: هو الجلد الذي لم يتم دباغه.
لباسه: أوردت في باب إيثاره وجوده ﷺ واقعة المرأة التي نسجت بردة للنبي ﷺ وفيه: (فأخذها النبي ﷺ محتاجا إليها) .
والأغرب من كل ما ذكر، أن النبي ﷺ ما كان يزهد في متاع الدنيا من لباس وغذاء وفراش فقط، بل كان يكره أي شيء يذكّره بالدنيا، روت عائشة ﵂ قالت:
كان لنا ستر فيه تمثال طائر، وكان الدّاخل إذا دخل استقبله، فقال لي رسول الله ﷺ : حوّلي هذا، فإنّي كلّما دخلت، فرأيته ذكرت الدّنيا «٤» .
стр. 392
فكأنه ﷺ أراد ألايكون له أدنى تعلق بالدنيا، حتى ولو كان مجرد تذكر عارض يطرأ ثم يذهب، وعلة ذلك أن ينشغل قلبه وعقله ﷺ بالآخرة في كل أوقاته وأحواله.
الفائدة الثانية:
هذا الحديث من دلائل نبوته ﷺ حيث ألزم نفسه ونساءه هذا الزهد، ولما تمالأن عليه ليزيد النفقة أبى، ونزل القرآن يؤدب أمهات المؤمنين ﵅ بالأدب الرباني، قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا [الأحزاب: ٢٨] .
فخير النبي ﷺ أزواجه في البقاء معه، أو التسريح الجميل، فاخترن جميعهن الله ورسوله.
ويجب على المكاذبين لنبوته أن يتأملوا هذا الزهد، أفرأيتم إن لم يكن نبيّا، قد علم من نفسه أنه يكذب على الله، فكيف يضيع آخرته بكذبه على الله (حاشا لله) ، ويضيع الدنيا بهذا الزهد والتقشف، في الأكل والشرب والملبس والفراش الخشن، مع قدرته على أن يتنعم بأحسن ما فيها، ولا يخفى على أحد تقديم أصحابه وحبهم له، فو الله لو طلب أولادهم وما عندهم من مأكل ومشرب، لقدموا ذلك له فرحين مختارين سباقين، أيخفى على أحد أنهم تركوا كل ذلك، وهاجروا من مكة إلى المدينة لله ورسوله، أيفعلون ذلك وهم في شك من أمره؟ وهل يفعل ذلك هو (يضيع الدنيا والآخرة) وهو أرجح الناس عقلا وأصدقهم قولا وأكثرهم أمانة، باتفاق أهل عصره قبل البعثة النبوية، ولماذا ترضى الزوجات بهذا الضيق في العيش، والمرأة ما تتزوج من رئيس القوم إلا للجاه والسلطان والمال ومتاع الدنيا.
وكيف يتحقق ذلك لنساء النبي، وكل واحدة منهن تعيش في غرفة واحدة، ومعها في القسمة نساء كثيرات، كان فيهن ذوات الحسب والنسب، بل تأتي المرأة وتهب نفسها لرسول الله، مختارة تتمنى أن يوافق، وقد جاوز الخمسين من عمره، في أي شيء كانت تفكر عندما فعلت ذلك؟! وماذا كانت تأمل أن يقدم لها من الدنيا؟! بل إن الله حرم عليهن أن يتزوجن بعده أبدا، بل إنه ﷺ لا يورث فما تركه كان صدقة، والله ما كانت تفكر إلا في شرف الانتساب لبيت النبوة، وتكون أمّا للمؤمنين، تذكر في الكتاب المبين، وليست واقعة زيد بن حارثة، ببعيدة عنا، وهو الذي- كما أشرنا- فضّل الخدمة عنده على الحرية مع أبيه وعشيرته، أيستطيع رجل أن يخدع زوجاته وخدمه في كل أموره طيلة حياته، وهم الذين يطلعون على ما لا يطلع عليه سواهم، ويرون ما لا يراه سواهم، فضلا عن أصحابه الكثر،
стр. 393
والله، إن ذلك لمن دلائل نبوته ﷺ ولكن الظالمين بايات الله يجحدون.
الفائدة الثّالثة:
الزهد في الدنيا أولى وأحب إلى الله- من الترف، ولو كان المسلم قادرا على الترف، لأن النبي ﷺ اختار الدنيا على الآخرة، وما برّر ذلك بقلة المال ولكن برره بقوله: «يا ابن الخطاب أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا» .
١٢- شدته ﷺ في الحق
عن عائشة ﵂ أنّ قريشا أهمّهم شأن المرأة المخزوميّة الّتي سرقت فقالوا:
ومن يكلّم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلّا أسامة بن زيد حبّ رسول الله ﷺ فكلّمه أسامة. فقال رسول الله ﷺ : «أتشفع في حدّ من حدود الله؟» ، ثمّ قام فاختطب ثمّ قال: «إنّما أهلك الّذين قبلكم أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشّريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضّعيف أقاموا عليه الحدّ، وايم الله لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدها» «١» . [متفق عليه] .
الشّاهد في الحديث:
قول النبي ﷺ : «أتشفع في حدّ من حدود الله؟» ، وقوله: «لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدها» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
١- شدته ﷺ في الحق يتبين من رده ﷺ شفاعة أسامة بن زيد ﵁ حبّه وابن حبّه، وقال ﷺ مقولته المشهورة: «أتشفع في حدّ من حدود الله؟» ، وقد ورد عند مسلم: (فكلمه فيها أسامة بن زيد فتلون وجه رسول الله ﷺ ، فمع أن الشافع هو رجل من أحب الناس للنبي ﷺ اختاره الصحابة بعناية لهذه المهمة، ولكن الأمر لم يختلف عنده ﷺ كما ظن الصحابة فلم ينظر النبي ﷺ إلى من هو الشافع، ولكن نظر إلى المشفوع فيه، وهو حد من حدود الله. وفي هذا دليل على تعظيم النبي ﷺ لحدود الله، وهكذا يجب أن يكون جميع الناس حكاما ومحكومين.
стр. 394
٢- مساواته ﷺ في إقامة الحدود بين الناس، شريفهم ووضيعهم حيث رد ﷺ شفاعة أسامة بن زيد في امرأة شريفة (قرشية مخزومية) وزاد على ذلك، فقال ﷺ : «وايم الله لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدها» ، ونقف عند هذه المقولة العظيمة بتأمل فنقول:
أ- بدأها النبي ﷺ بالقسم فقال: «وايم الله» ليزيدنا اهتماما بالمقولة، ونعلم أنها ليست على سبيل المبالغة، بل هي والله الحقيقة التي لا يماري فيها أحد.
ب- عظيم شرف فاطمة ﵂ حيث مثل بها النبي ﷺ لبيان مساواته بين الحد المتعلق بالضعيف، والحد المتعلق بالشريف، ولو كان هناك أشرف منها، أو أحب إليه منها، لضرب النبي ﷺ به المثل، ومعلوم للجميع حب النبي ﷺ لفاطمة، ﵍، فعن المسور بن مخرمة أنّ رسول الله ﷺ قال: «فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني» «١» .
ج- وتأمل- أخي القارئ- كيف نسب النبي ﷺ فاطمة إليه، ليعظم شأنها ويبين شدته في الحق، فقال: (فاطمة بنت محمد) ، ولم يقل: (فاطمة ابنتي) ، ليذكرنا بشرفها وقربها منه ﷺ ثم قال في إحدى روايات البخاري: «لقطع محمد يدها» ، ولم يقل: (لقطعت يدها) ، بصيغة المبني للمجهول، ليعلمنا أن القطع سيكون بأمره، وأن محمدا الذي هو أبو فاطمة، لن تأخذه الشفقة والحنان الذي يأخذ الوالد بابنته.
٣- حرصه ﷺ على تعليم الأمة حيث قام ﷺ خطيبا في الناس، عشية يوم أن كلمه أسامة بن زيد، وقال: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد» ، فحول ﷺ المسألة من مسألة خاصة إلى مسألة عامة، وعلّم الصحابة الحكمة في رده لشفاعة أسامة بن زيد، وبيّن بذلك مغبة التفرقة في إقامة الحدود على أساس الشرف والنسب.
الفائدة الثانية:
يتفاوت حب النبي ﷺ لأصحابه، وقد علم الصحابة ذلك، لذا اختاروا أسامة بن زيد ﵁ ليشفع في المرأة المخزومية وقالوا: (ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ ، وهي منقبة عظيمة لأسامة ﵁.
الفائدة الثّالثة:
حرص الصحابة على الخير والاستغفار على الفور مما قد يقعون فيه من زلات، وعلمهم أن استغفار الرسول ﷺ لهم ليس كاستغفارهم لأنفسهم، لما ورد أن أسامة قال: (استغفر لي يا رسول الله) ، وكان هذا منهم امتثالا لقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ
стр. 395
رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [النساء: ٦٤] .
الفائدة الرّابعة:
علم الصحابة ﵃ بشدة النبي ﷺ في الحق يتبين ذلك من أمرين:
الأمر الأول:
قول عائشة ﵂: (إن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية) ، أي: أقلقهم ولولا علمهم بشدته ﷺ ما أقلقهم أمر المرأة.
الأمر الثاني:
بحثهم عن أحد يستطيع أن يفاتح النبي ﷺ يكون مقربا منه جدّا، قالت عائشة: (فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟) .
١٣- شجاعته ﷺ :
عن أنس ﵁ قال: كان النّبيّ ﷺ أحسن النّاس، وأشجع النّاس، ولقد فزع أهل المدينة ليلة فخرجوا نحو الصّوت، فاستقبلهم النّبيّ ﷺ وقد استبرأ الخبر وهو على فرس لأبي طلحة عري، وفي عنقه السّيف، وهو يقول: «لم تراعوا، لم تراعوا» ثمّ قال: «وجدناه بحرا، أو قال: إنّه لبحر» «١» .
الشّاهد في الحديث:
قول أنس ﵁: (كان النبي ﷺ أحسن الناس وأشجع الناس) .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
كمال شجاعته ﷺ ويتبين ذلك من:
١- قول أنس ﵁: (كان النبي ﷺ أحسن الناس وأشجع الناس) ، أي: إن أنسّا لم ير في حياته، مع ما سمعه من سير الأولين، ومع ما شاهده من حروب وغزوات، من هو أشجع من النبي ﷺ .
ولكن لماذا وصف أنس النبي ﷺ هنا بقوله: (أحسن الناس) مع أن سياق الحديث عن الشجاعة، وأعتقد أنه قال ذلك، إما لكونه كان يحب أن يمدح النبي ﷺ كلما سنحت له الفرصة، أو أنه كان ﵁ يرى أن من لوازم كونه ﷺ أحسن الناس، أن يكون أشجعهم، وأن الجبان لا يمكن أن يكون محمودا، أو في مصافّ من يحمد من الناس.
٢- أنه ﷺ ذهب وحده ليستطلع الخبر الذي أفزعه وأفزع أهل المدينة، وما ذهب وحده
стр. 396
صلى الله عليه وسلم ليستطلع الخبر من بعيد ثم يأتي أهل المدينة، ولكن ليعالج الأمر، ودليله أنه ﷺ كان متقلدا سيفه في عنقه. والغريب في هذا الأمر، هو فارق التوقيت الزمني بين خروج النبي ﷺ وخروج أصحابه لاستجلاء الأمر، هو خرج واستطلع الأمر وعاد، والصحابة ما زالوا في طريقهم صوب الصوت، وفارق التوقيت يدل على فارق الشجاعة والإقدام، وما عساه ﷺ أن يفعل وحده إذا وجد ما يحتاج إلى منازلة، هل كان ﷺ سيقاتل وحده؟ نعم ألم تسمع لقوله تعالى: لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ [النساء: ٨٤] .
فلا غرابة إذن، ولو لم يكن ﷺ قادرا وحده على معالجة الأمر لاستنفر غيره معه.
الفائدة الثانية:
ما يجب أن يكون عليه القائد، من شجاعة وإقدام، وتضحية بالنفس من أجل من خلفه، وأن يكون هو صمام الأمن لهم، الذي يهدئهم ويربط على قلوبهم، وألا يؤثر نفسه على نفوسهم في المخاطر، قال ﷺ لأصحابه: «لم تراعوا لم تراعوا ثم قال: وجدناه بحرا» ، أي: لا تخافوا ولا تفزعوا.
الفائدة الثّالثة:
الشجاعة خلق محمود في الناس ولولا ذلك ما أثنى أنس ﵁ على النبي ﷺ بهذه الصفة، ويتفرع عليه: أن الجبن وصف مشين في المرء، وأقول: إن الشجاعة خلق وسط بين خلقين مذمومين هما الجبن والتهور.
١٤- صبره ﷺ
أ- صبره ﷺ على أذى المسلمين:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجرانيّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيّ فجبذه بردائه جبذه شديدة حتّى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثّرت بها حاشية البرد من شدّة جبذته، ثمّ قال: يا محمّد مر لي من مال الله الّذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ثمّ ضحك، ثمّ أمر له بعطاء) «١» .
الشّاهد في الحديث:
أن النبي ﷺ تعرض لأذى شديد من الأعرابي، سأذكره مفصلا، إن شاء الله ومع ذلك صبر بل وأحسن إلى من آذاه.
بعض فوائد الحديث:
стр. 397
الفائدة الأولى:
صبر الرسول ﷺ لما يتعرض إليه من أذى، سواء من الكفار، أو المنافقين، أو المسلمين، وتحمل ذلك الأذى في سبيل تألف قلوب الناس، واستمالتهم إلى الإسلام، امتثالا للتوجيه الرباني، في قوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ [آل عمران: ١٥٩] ، وسنستعرض أوجه الأذى الذي تعرض إليه الرسول ﷺ من الأعرابي، ليتبين لنا مدى صبر النبي ﷺ وهو الكريم العزيز على ربه.
١- جاء الأعرابي للرسول ﷺ من خلفه، وهذا من سوء الأدب، مع مقام النبوة.
٢- جبذه جبذة شديدة من ردائه، أثرت على عنقه ﷺ .
٣- لم يناد على الرسول بقوله: يا رسول الله، بل وجه إليه الخطاب مباشرة باسمه، فقال: يا محمد، وهذا منهي عنه، لقوله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور: ٦٣] .
٤- لم يراع الأدب في الخطاب حيث كلمه من الخلف، وأمره بالعطاء أمرا لا تلطف فيه، ثم ذكر للرسول ﷺ أن المال الذي عنده لا حق له فيه، لأنه مال الله، قال الأعرابي:
(مر لي من مال الله الذي عندك) . وهذا منتهى سوء الأدب، ويخالف ما أمرنا به من آداب في الآية التي ذكرتها آنفا.
الفائدة الثانية:
جميل صبر النبي ﷺ على الأذى، وعدم رد الإساءة بمثلها، بل كان الرد، بما هو أحسن، وليس بالحسن، امتثالا لقوله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ [المؤمنون: ٩٦] ، ويتمثل الرد الأحسن للنبي ﷺ في أنه ضحك للأعرابي، مع أن الأعرابي كان غاية أمله العطاء، وليس التبسط معه، ثم أمر له بالعطاء، فلم يمنع الرسول ﷺ أن يعطي جميل ما عنده، بسوء ما عند الأعرابي، قال أصدق القائلين: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] .
الفائدة الثّالثة:
ما ينبغي أن يكون عليه الأمراء والرؤساء وأهل العلم وأهل الحسبة، من صبر على أذى الناس، وغلظة قولهم في بعض الأوقات، وألا يحملوا في قلوبهم شيئا لمن آذاهم حيث ضحك النبي ﷺ للأعرابي، لإعلامه وإعلامنا، أنه لم يحمل له في قلبه شيئا.
ب- صبره ﷺ على أذى الكفار:
عنّ عائشة ﵂ زوج النّبيّ ﷺ أنّها قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله:
стр. 398
هل أتى عليك يوم كان أشدّ من يوم أحد؟ فقال: «لقد لقيت من قومك وكان أشدّ ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت، وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلّا بقرن الثّعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلّتني فنظرت، فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إنّ الله- قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم قال: فناداني ملك الجبال، وسلّم عليّ ثمّ قال: يا محمّد إنّ الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربّك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا» «١» .
الشّاهد في الحديث:
أن النبي ﷺ قد لاقى أذى شديدا من قومه فاحتمل ذلك وصبر عليه، ولم يتعجل هلاك قومه، ولم يدع عليهم بالاستئصال، بل رجا أن يخرج الله من أصلابهم من يوحد الله ولا يشرك به شيئا.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في شمائل النبي ﷺ :
١- عظيم ما لاقاه النبي ﷺ من أذى في سبيل الدعوة إلى الله تعالى حيث إنه اضطر إلى الذهاب إلى الطائف، بعد موت خديجة ﵂ وموت عمه أبي طالب، رجاء أن يجد فيها من يؤويه وينصره ويمنعه من الكفار، فردوا عليه بأقبح رد، بل أنهم أغروا به سفهاءهم فأدموا قدمه ﷺ فرجع من الطائف مهموما، ولم يفق إلا في قرن الثعالب «٢» ، السيل الصغير حاليا، وكان هذا اليوم عند الرسول ﷺ أشد من يوم أحد.
٢- مظاهر عظيم اعتناء الله- بنبيه ﷺ :
أ- أن الله- أرسل سحابة تظل نبيه ﷺ وعلمنا أن السحابة أرسلت خصيصا له، من قوله ﷺ «فإذا أنا بسحابة قد أظلتني» ، فإذا هنا تدل على المفاجأة، مما يدل على أن
стр. 399
السحابة لم تكن في السماء وما كان يدل على تكونها شيء، بالإضافة إلى قوله ﷺ قد أظلتني، ولم يقل: أظلت المكان، لإشعارنا أنها جاءت لتظله هو لا غيره.
ب- غضب الله العظيم لما قاله أهل الطائف للرسول ﷺ لقول جبريل ﵇: «قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك» ، ومما يدل على أن غضب الرب جاء لتوجيه خطاب لا ينبغي أن يتوجّه به إلى النبي ﷺ أن جبريل ﵇ قد استخدم كاف المخاطبة في قوله: «قول قومك لك» ، وفي قوله: «وما ردوا عليك» ، ومما يدل على حدوث الغضب إرسال جبريل ﵇ ومعه ملك الجبال.
ج- إرادة الله- التسرية عن رسوله ﷺ عما لاقاه من قومه، وإعلامه أن أهل الأرض، إذا آذوه وعاندوه وعادوه، فإن الله القوي العزيز، هو مؤيده وناصره، وكذا ملائكته الكرام، ويتجلى ذلك في إرسال جبريل، أعظم الملائكة، ومعه ملك الجبال، ﵉، ونلمح في الإرسال ما يلي:
كان من الممكن إرسال ملك الجبال وحده، للرسول ﷺ لإنفاذ أمره في قومه، ولكن الله- أراد إظهار حفاوته برسوله ﷺ خاصة في هذا الموقف الصعب، فأرسل جبريل، يعرّف النبيّ ﷺ بملك الجبال، قبل حديث ملك الجبال معه، وهذا منتهى التكريم.
تلطف ملك الجبال في الحديث مع رسول الله ﷺ إذ قاله له: «وقد بعثني ربك» ولم يقل له: (وقد بعثني ربي) ، وقد يكون ذلك من باب الأدب أيضا، وهو أن يضيف لفظ الرب ﵎ إلى الأعلى منزلة، وهو الرسول ﷺ .
من عظيم إكرام الله- لنبيه ﷺ أن أمر ملك الجبال بالذهاب إلى الرسول ﷺ فيأتمر بأمره، وينفذ له ما يشاء في قومه، وكأنّ هذا تفويض مفتوح من الله- لملك الجبال أن يفعل ما يأمره به النبي ﷺ حتى دون الرجوع إلى الله، قبل تنفيذ الأمر، وتدبّر قول ملك الجبال: «لتأمرني بأمرك فما شئت» ، ولم يكتف بقوله:
(لتأمرني) ، وكان في ذلك الكفاية.
ويتفرع على ذلك: علم الله- حكمة النبي ﷺ وإلا ما أمر ملك الجبال بطاعته طاعة مطلقة.
د- حقق الله- رجاء رسوله ﷺ أبلغ تحقيق، بأن أخرج من أصلاب
стр. 400
من آذوه وكفروا به، من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا.
الفائدة الثّانية:
عظيم شفقة النبي ﷺ بأمته، وأنه لم ينتقم لنفسه منهم، بل غلب عليه جانب الرحمة، مع أن ملك الجبال قد عرض عليه أمرا واحدا وهو الإهلاك، وإذا تدبرت رد النبي ﷺ : «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا» ، رأيت فيه:
١- أدبه الجم مع ملك الجبال، مع أنه دونه في المنزلة حيث إن كل ما قاله له ردّا على عرضه أن يهلك من آذوه: «بل أرجو» ، ولم يقل له: (لا تفعل) ، أو (دعني وشأنهم) ، بل ذكر أدنى حرف يفيد الإضراب عن قوله، وهو «بل» . ثم ذكر له السبب الداعي إلى عدم قبوله مبدأ الإهلاك، وهذا أيضا من الأدب الجم.
٢- أدبه مع الله، خالقه ومولاه، ويتمثل في:
أ- قوله ﷺ : «أرجو» ، فإذا كان أمر الهداية، بيد الله وحده، فليس للعبد إلا الرجاء.
ب- إعلانه أن خروج الذرية الصالحة، من أصلاب الرجال، إنما هو بأمر الله وتوفيقه حيث ذكر أن فاعل «يخرج» ، هو الله قال ﷺ «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم» ، فلم ينسب لنفسه شيئا.
٣- كما أنه لم يذكر نفسه أيضا لما ذكر عقيدة من يأمل أن الله سيخرجهم من أصلاب الكفار، فقال «من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا» .
الفائدة الثالثة:
عظيم قدرة الله- في خلقه، تتمثل في خلق ملك واحد، يوكل إليه أمر الجبال كلها، وهي من أعظم مخلوقات هذا الكون الفسيح، ونعلم منه أيضا، بالغ حكمة الله- في تدبير ملكه الواسع، بأن جعل لكل قسم من أقسام ملكه، ملكا ينفّذ أمر الله في هذا الكون، ليس هذا من باب عجز الله، في القيام بذلك وحده- حاشا لله- بل لإظهار حكمته وقوته وعظمته، فالملائكة لا تفعل شيئا إلا بإذنه وأمره، قال تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: ٢٥٥] ، فهو- القائم بنفسه على كل ما خلق وذرأ، بما في ذلك ملائكته الكرام الذين وكلوا بأمور عظيمة.
الفائدة الرابعة:
جواز أن يقول العبد: (أنا) ، وليس في ذلك حرج، شريطة أن لا يقولها زهوا أو تكبرا، لورود النهي عن ذلك، كما أنه من التكلف أن يقول المسلم: (أنا
стр. 401
وأعوذ بالله من كلمة أنا) ، ودليله من الحديث، قول ملك الجبال: «وأنا ملك الجبال» وقوله ﷺ في حديث الشفاعة: «أنا سيد الناس يوم القيامة» «١» .
ج- صبره ﷺ على أقدار الله المؤلمة
المثال الأول:
عن أنس ﵁ قال: (لمّا ثقل النّبيّ ﷺ جعل يتغشّاه، فقالت فاطمة- ﵍ واكرب أباه. فقال لها: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» . فلمّا مات قالت:
يا أبتاه أجاب ربّا دعاه، يا أبتاه من جنّة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، فلمّا دفن قالت فاطمة- ﵍ يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التّراب؟) «٢» .
الشّاهد في الحديث:
أن النبي ﷺ لما حضرته الوفاة ثقلت عليه سكرات الموت، وكان يغشى عليه ثم يفيق، حتى قالت فاطمة واصفة ما كان يلقاه ﷺ من الشدة: (واكرب أباه) ومع ذلك لم يقل ﷺ كلمة تدل على التضجر وعدم الصبر.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
إرادة الله- الخير بالنبي ﷺ وذلك أنه يضاعف عليه شدة الألم، سواء في المرض أو في سكرات الموت، ليضاعف له الأجر يوم القيامة، فعن عبد الله قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك. فقلت: يا رسول الله إنّك لتوعك وعكا شديدا! قال: «أجل، إنّي أوعك كما يوعك رجلان منكم» . قلت: ذلك أنّ لك أجرين؟ قال: «أجل، ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى، شوكة فما فوقها إلّا كفّر الله بها سيئاته كما تحطّ الشّجرة ورقها» «٣» .
يتفرع على ذلك: أن نعلم أن من مقتضيات حكمة الله- ربط الأسباب بالمسببات، فربط الأجر بالعمل، حتى مع الأنبياء وهم أحب الخلق إليه، وكان من الممكن أن يجازي الأنبياء بالأجر العظيم دون أن يضاعف عليهم شدة المرض وشدة سكرات الموت، فعلى المسلم أن يصبر ويسترجع في كل ما يلاقيه في دنياه، من مصائب وكرب وفتن
стр. 402
وأمراض، فلعل الله- يريد أن يرفع درجته في الآخرة، وقد بينت ذلك في أكثر من موضع.
الفائدة الثانية:
ما يجب أن يكون عليه المسلم من حسن الظن بالله عند الموت، وأن يغلّب الرجاء على الخوف، لقول النبي ﷺ : «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» ، وعلى المسلم أن يتذكر في ذلك الوقت، ما ورد عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «قال الله: أنا عند ظنّ عبدي بي» «١» .
الفائدة الثّالثة:
تعظيم الرسول ﷺ في نفوس الصحابة ﵃ حيث قالت فاطمة ﵍ لأنس ﵁: (يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب) ، فبرغم أن هذا الأمر ضروري، بل هي سنة النبي ﷺ عند الدفن، إلا أنها استعظمت أن يقوم الصحابة بفعل يخالف في ظاهره المحبة والتعظيم، الذي ينبغي أن يسلكه كل أحد مع النبي ﷺ في حياته ومماته، وقد تكون استعظمت أيضا، أن قيام الصحابة بإحثاء التراب، هو إعلان أن هذا آخر عهدهم في الدنيا بالنبي ﷺ .
وإذا تدبرت أخي القارئ، حال الصحابة مع رسولنا الكريم ﷺ عرفت أوجه تقصيرنا معه، سواء في الحب أو التعظيم أو الشوق إليه. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
الفائدة الرّابعة:
جواز نعي الميت بما هو أهله، وليس هذا من النياحة، لقول فاطمة، ﵂: (يا أبتاه أجاب ربّا دعاه يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه يا أبتاه إلى جبريل ننعاه) .
ولكن ينبغي على المسلم، ألايذكر في نعيه لميت، أنه في جنة الفردوس، أو أنه مغفور له، أو يشهد أن الله قد أكرمه، لما ورد أن امرأة من الأنصار قالت تنعي عثمان بن مظعون: (رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك، لقد أكرمك الله فقال النبي ﷺ : «ما يدريك أن الله قد أكرمه؟» فقالت المرأة: بأبي أنت يا رسول الله فمن يكرمه الله؟! فقال لها النبي ﷺ : «أما هو فقد جاءه اليقين والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري، وأنا رسول الله ما يفعل بي» ، فقالت المرأة: فو الله لا أزكي أحدا بعده أبدا) «٢» ، وهذا القول من الرسول ﷺ على نفسه قبل أن يوحى إليه أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
стр. 403
المثال الثاني:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القين، وكان ظئرا لإبراهيم فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبّله وشمّه، ثمّ دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان. فقال له عبد الرّحمن بن عوف ﵁: وأنت يا رسول الله. فقال: يا ابن عوف إنّها رحمة. ثمّ أتبعها بأخرى فقال ﷺ : «إنّ العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلّا ما يرضى ربّنا وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» «١» .
الشّاهد في الحديث:
أن النبي ﷺ أصابه مثل ما يصيب الناس، من أقدار الله المؤلمة، كالمرض والجوع وفراق الأحباب، وما أصابه في هذا الحديث، هو موت الولد، المحبب إلى الوالد، خاصة إذا لم يكن عنده غيره، فصبر صبرا جميلا، وهو الصبر الذي لا نياحة فيه، ولا شكوى ولا جزع ولا اعتراض على قضاء الله وقدره.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية
١- رقة قلب الرسول ﷺ ويتمثل ذلك في:
أ- تقبيل وشم ابنه وقت مرضه.
ب- بكاؤه لما رأى إبراهيم يجود بنفسه، أي يحتضر.
ج- حزن قلبه، لما مات ابنه إبراهيم وأعلم أصحابه بهذا الحزن، فقال ﷺ : «وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» .
٢- أدبه مع الله- ورؤيته له في كل أحواله حيث إنه ﷺ لم يقل- مع حزنه الشديد- أي كلمة تدل على جزعه وعدم صبره، وبرر ذلك بعدم إرادة قول ما لا يرضي الربّ- قال ﷺ : «ولا نقول إلا ما يرضى ربّنا» .
الفائدة الثانية:
بكاء العين وحزن القلب- عند نزول المصائب- لا يقدح في إيمان العبد وتسليمه بقضاء الله وقدره، وقد استشكل الأمر على الصحابي، عبد الرحمن بن عوف رضي الله عندما رأى بكاء النبي ﷺ وحزنه فقد كان يظن أن البكاء والحزن، لا يناسب مقام النبوة، فقال متعجبا: (وأنت يا رسول الله؟!) ، أي: وأنت يجوز في حقك الحزن
стр. 404
والبكاء، فبين له النبي ﷺ أن هذا من الرحمة قال ﷺ «يا ابن عوف إنها رحمة» .
يتفرع على ذلك: خطأ من يقول: إنني أفرح بكل أقدار الله- ويريد أن يجعل هذا الفرح علامة على حبه لله، فأقول له: لن يكون حبك لله- كحب النبي ﷺ له، ومع ذلك أبدى الحزن والبكاء، ونخشى على من لا يبكي ويحزن، أن يكون قد نزعت الرحمة من قلبه؛ قال تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) [النجم: ٤٣] .
د- صبره ﷺ على أذى المنافقين وأذى المسلمين وأقدر الله المؤلمة:
عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه، فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاة غزاها فخرج سهمي فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه، فسرنا حتّى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرّحيل، فقمت حين آذنوا بالرّحيل فمشيت حتّى جاوزت الجيش فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى الرّحل فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع؛ فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه فأقبل الّذين يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الّذي كنت أركب وهم يحسبون أنّي فيه- وكان النّساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن ولم يغشهنّ اللّحم، وإنّما يأكلن العلقة من الطّعام «١» فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج فاحتملوه، وكنت جارية حديثة السّنّ فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدي بعد ما استمرّ الجيش فجئت منزلهم وليس فيه أحد، فأممت منزلي الّذي كنت به فظننت أنّهم سيفقدونني فيرجعون إليّ. فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطّل السّلميّ ثمّ الذّكوانيّ من وراء الجيش فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني- وكان يراني قبل الحجاب- فاستيقظت باسترجاعه حين أناخ راحلته، فوطئ يدها فركبتها فانطلق يقود بي الرّاحلة حتّى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرّسين في نحر الظّهيرة، فهلك من هلك، وكان الّذي تولّى الإفك عبد الله بن أبيّ، ابن سلول، فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهرا، والنّاس يفيضون من قول أصحاب الإفك ويريا بني في وجعي أنّي لا أرى من النّبيّ ﷺ اللّطف الّذي كنت أرى منه حين أمرض، إنّما يدخل فيسلّم ثمّ يقول «كيف تيكم؟» «٢» لا أشعر بشيء من ذلك حتّى نقهت «٣» فخرجت
стр. 405
أنا وأمّ مسطح قبل المناصع متبرزّنا لا نخرج إلّا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتّخذ الكنف «١» قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرّيّة أو في التّنزّه، فأقبلت أنا وأمّ مسطح بنت أبي رهم نمشي فعثرت في مرطها فقالت: تعس مسطح؛ فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبّين رجلا شهد بدرا؟! فقالت: يا هنتاه ألم تسمعي ما قالوا؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا على مرضي، فلمّا رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ فسلّم فقال:
«كيف تيكم؟» فقلت: ائذن لي إلى أبويّ، قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ فأتيت أبويّ فقلت لأمّي: ما يتحدّث به النّاس؟ فقالت: يا بنيّة هوّني على نفسك الشّأن، فو الله لقلّما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبّها ولها ضرائر إلّا أكثرن عليها، فقلت: سبحان الله! ولقد يتحدّث النّاس بهذا؟! قالت: فبتّ تلك اللّيلة حتّى أصبحت لا يرقا لي دمع «٢» ولا أكتحل بنوم، ثمّ أصبحت فدعا رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب، وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي «٣» يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالّذي يعلم في نفسه من الودّ لهم، فقال أسامة: أهلك يا رسول الله، ولا نعلم والله إلّا خيرا، وأمّا عليّ بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيّق الله عليك والنّساء سواها كثير وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال: «يا بريرة، هل رأيت فيها شيئا يريبك؟» ، فقالت بريرة: لا والّذي بعثك بالحقّ إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها قطّ أكثر من أنّها جارية حديثة السّنّ تنام عن العجين فتأتي الدّاجن فتأكله، فقام رسول الله ﷺ من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبيّ ابن سلول، فقال رسول الله ﷺ : «من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلّا خيرا، وقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلّا معي» ، فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك.
فقام سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحميّة فقال: كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على ذلك، فقام أسيد بن حضير فقال:
كذبت لعمر الله، والله لنقتلنّه فإنّك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيّان الأوس
стр. 406
والخزرج حتّى همّوا ورسول الله ﷺ على المنبر فنزل فخفّضهم حتّى سكتوا وسكت، وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عندي أبواي، وقد بكيت ليلتين ويوما حتّى أظنّ أنّ البكاء فالق كبدي، قالت: فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله ﷺ فجلس ولم يجلس عندي من يوم قيل فيّ ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالت: فتشهّد ثمّ قال: «يا عائشة فإنّه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرّئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثمّ تاب تاب الله عليه» ، فلمّا قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي حتّى ما أحسّ منه قطرة، وقلت لأبي:
أجب عنّي رسول الله ﷺ ، قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ، فقلت لأمّي:
أجيبي عنّي رسول الله ﷺ فيما قال: قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ قالت:
وأنا جارية حديثة السّنّ لا أقرأ كثيرا من القرآن فقلت: إني والله لقد علمت أنّكم سمعتم ما يتحدّث به النّاس ووقر في أنفسكم، وصدّقتم به، ولئن قلت لكم: إنّي بريئة- والله يعلم إنّي لبريئة- لا تصدّقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أنّي بريئة لتصدّقنّي، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلّا أبا يوسف إذ قال: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ، ثمّ تحوّلت على فراشي وأنا أرجو أن يبرّئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلّم بالقرآن في أمري، ولكنّي كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النّوم رؤيا يبرّئني الله، فوالله ما رام مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء «١» حتى إنه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق في يوم شات، فلمّا سرّي عن رسول الله ﷺ وهو يضحك فكان أوّل كلمة تكلّم بها أن قال لي: «يا عائشة احمدي الله فقد برّأك الله» ، فقالت لي أمّي: قومي إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلّا الله، فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ... الآيات، فلمّا أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر الصّدّيق ﵁ وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد ما قال لعائشة؛ فأنزل الله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فقال
стр. 407
أبو بكر: بلى، والله إنّي لأحبّ أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الّذي كان يجري عليه، وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب بنت جحش عن أمري فقال: «يا زينب ما علمت ما رأيت؟» فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلّا خيرا، قالت: وهي الّتي كانت تساميني فعصمها الله بالورع) «١» .
الشّاهد في الحديث:
كانت هذه الحادثة العظيمة في غزوة المريسيع، في السنة الرابعة، كما رجح العلماء؛ لأنه ورد فيها ذكر سعد بن معاذ ﵁ وقد توفي سعد بن معاذ إثر إصابته في غزوة الخندق، والخندق بالاتفاق في السنة الرابعة من الهجرة المباركة، وكان النبي ﷺ إذا أراد الخروج أقرع بين نسائه، فخرجت القرعة لعائشة ﵂ وفي طريق العودة من الغزوة ذهبت عائشة تقضي حاجتها بعيدا عن أنظار الجيش، وبعد قضاء حاجتها فقدت عقدا لها كان في صدرها فرجعت تبحث عنه، وفي أثناء ذلك أمر النبي الجيش بالرحيل، فلما عادت عائشة إلى نفس المكان، وجدت أن القوم قد ارتحلوا وأن الذين حملوا هودجها ووضعوه على البعير لم ينتبهوا أنها ليست بداخله، وذلك لصغر سنها وخفة وزنها، ثم كان من القصة ما هو معلوم، المهم أن النبي ﷺ في هذه الحادثة صبر على إيذاء المنافقين، ومنهم: عبد الله بن أبي بن سلول، فهو الذي أشاع خبر الإفك في المدينة، لأنه أول من رأى عائشة ﵂ تلحق بالجيش عند الظهيرة، ويقود راحلتها صفوان بن المعطل ﵁.
كما صبر على إيذاء بعض الصحابة مثل مسطح وغيره ممن خاض في عرضه، وهو أغلى ما يملك الإنسان، وإذا كان الإنسان يغضب غضبا شديدا، لا يملك فيه نفسه، إذا تكلم أحد وخاض في عرضه وقد يقتل خصمه في ذلك، بل قد يقتل نفسه إذا عجز عن الذب عن عرضه وتبرئة أهله، فما بالكم بالنبي ﷺ أشرف الناس، إذا تعرض لذلك، وهو الذي يأمر الناس بالعفة والطهارة وصيانة الأعراض، يتعرض لذلك ولا يستطيع أن يعتزل الناس أو يترك بلده ويسافر بعيدا لأنه النبي المرسل، بل كان يخرج للناس كل يوم يصلي بهم ويخطب فيهم الجمع ويعظهم، وهو يعلم ما يقال في عرضه أي مصيبة هذه، وكيف تحملها النبي ﷺ ، والله لو حدثت لأحدنا لتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعه، لكنه النبي ﷺ الذي
стр. 408
رباه الله- على الصبر وتحمل الصعاب، ليأخذ من الأجر والثواب ما يسبق به الأولين والآخرين سواء من النبيين أو المقربين، أضف على ذلك انقطاع الوحي عنه طيلة حديث الناس عن أم المؤمنين، وكان يمكن أن ينزل الوحي من أول يوم ليعلن براءتها، بل كان من الممكن أن ينزل الوحي ببراءتها قبل وقوع الحادثة، وهذا يحدث في القرآن كثيرا، ولكن الله- لحكمة يعلمها، أراد أن يكتمل عقد البلاء على النبي ﷺ فحبس عنه الوحي، فيكثر الخوض من الذين لم يعصمهم الله- ويتأكد الخبر في القلوب المريضة، وهذا ما أردته في عنوان الباب بقولي: (صبره على أقدار الله المؤلمة) ، وهو انحباس الوحي، وذلك علمناه من قول عائشة ﵂ في الحديث: (فدعا رسول الله على بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما) ، واستلبث أي أبطأ ولم ينزل. ولكن كانت المنحة بعد المحنة، وهو ما ستراه مبسوطا- بحول الله تعالى في العبر والدروس المستفادة والتي أسردها بحسب تسلسل الواقعة لا من حيث الأهمية وفيها:
الدرس الأول: القرعة بين النساء في الخروج لغزو أو غيره
، وهذا يطيب خاطرهن، ويحقق العدل في معاملتهن، وهذا ما كان يحرص عليه النبي ﷺ مع زوجاته.
الدرس الثاني: قولها:
(فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب فأنا أحمل في هودج) ، نعلم من ذلك أن الهودج كان بمثابة تمام الحجاب في حق أمهات المؤمنين؛ لأن عائشة ﵂، إنما بررت حملها في الهودج، بنزول الحجاب.
الدرس الثالث: قولها:
(حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني) ، فيه أن من يريد قضاء حاجته، عليه أن يذهب بعيدا حتى لا يراه أحد ولا يؤذي أحدا برائحة ونحوها، وفيه أيضا ما كان عليه الصحابة من عفة لسان فتقول عن قضاء الحاجة والذهاب إلى الغائط، (فلما قضيت شأني) ، وهذا يدل على كمال الأدب وعظيم التربية، فإذا كان هذا في حفظ اللسان، فهم ﵃ للأعراض أحفظ، وهذا ليس بغريب ممن رباه القرآن الكريم وأدبه، ألم تسمع لقوله تعالى: فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً [الأعراف: ١٨٩] ، وقوله تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ [البقرة: ١٨٧] ، وقوله- : فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها [الأحزاب: ٣٧] . بل انظر إلى قمة العفة والتربية الربانية: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [البقرة: ٢٢٣] . فما بال بعضنا وصل في الكلام إلى كل ما هو قبيح ومبتذل، في الألفاظ والعبارات، قد خلع برقع الحياء، لا يتغير وجهه إذا سمع كلمة نابية أو جملة مشينة، ليس له في القرآن أسوة ولا في كلام خير البرية قدوة، وليت الأمر توقف عند
стр. 409
ذلك، بل سب وشتم وطعن في الأعراض وهتك للحرمات هزلا وجدّا، أيّ ابتعاد هذا عن القرآن والسنة، بل عن المروءة والنخوة، ونزعم مع هذا أننا نتبع الكتاب والسنة، فهذا قول عائشة ﵂ حجة علينا، أفلا نتوب إلى الله ونستغفره، ونعود إلى أحسن الأقوال والأفعال، لا فرق في ذلك بين رجل أو امرأة، وصغير وكبير، فالحياء كله خير ولا يأتي إلا بخير، فليقل عليك الناس أنك متخلف، وأنك لا تفهم في الدنيا شيئا، بل حتى لو شبهوك بالنساء في حيائك، وأي فضل لك أعظم من ذلك، أن يشبهوك بما شبّه به النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري، عن أبي سعيد الخدريّ قال: (كان النّبيّ ﷺ أشدّ حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه) «١» . هذه ليست سبّة بل مدحة ما بعدها مدحة، فإذا وصفوك بذلك فاعلم أنك بالأثر مقتف وبالسنة محتف.
وانظر إلى ما قالته عائشة في نفس الحديث تخبرنا بما دار بينها وبين أمها، تستعلم منها حديث الإفك فقالت: (فقلت لأمي ما يتحدث به الناس) «٢» ، لم ترو لنا ما قالته لأمها على سبيل التفصيل، لأنه كلام لا داعي للتلفظ به بل يلمحون به فقط، وفي ذلك غناية عن التصريح، فكان كل كلامهم بحساب، تعلموا ذلك من النبي، روى البخاري عن عمر بن الخطّاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّما الأعمال بالنّيّات وإنّما لكلّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» ، فأدبه جعله لم يعد الجملة الأخيرة فقال: «فهجرته إلى ما هاجر إليه» «٣» وعف لسانه عن ذكر المرأة والدنيا، خاصة أنها هجرة لا يحبها الله- .
الدرس الرابع: جواز أن تأخذ المرأة شيئا من زينتها في السفر
، ولو كان غزوة، لأن عائشة ﵂ وضعت عقدا في صدرها، ولكن لا يراه الناس، لقوله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها [النور: ٣١] ، وفيه المحافظة على المال وصيانته وعدم إضاعته وبذل الجهد في ذلك، لقول عائشة ﵂: (فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه) . مع أن العقد لم يكن من ذهب ولا فضة، وقد يؤخذ من ذلك حرمة تضييع المال بغير طائل، وصرفه
стр. 410
فيما لا ينفع ولا يجدي، أما سمعت إلى العلماء كيف أجازوا قطع المصلي صلاته، إذا تعدى أحد على ماله ولو كان عودا من أراك (أي سواك) ، لا ثمن له، وكان ذلك لصيانة المال وحفظه.
الدرس الخامس: رحيل الجيش لا يكون إلا بإذن قائد الجيش
لقولها: (أذن ليلة بالرحيل) ، وله أن يكلف غيره بأوامره، لقولها: (فقمت حيث آذنوا بالرحيل) .
الدرس السادس: جواز خروج النساء للغزو
، لقولها ﵂ (فأقرع بيننا في غزاة) .
الدرس السابع: أدب الصحابة الجم
خاصة مع أمهات المؤمنين حيث احتمل القوم الهودج، ووضعوه على البعير وهم يظنون أن عائشة ﵂ فيه، حتى إنهم لم يلقوا ﵍ ولو أنهم قد اعتادوا ذلك لعلموا أن عائشة ليست بداخل الهودج لعدم سماعهم ردّها للسلام.
الدرس الثامن: نساء الصحابة في العصر النبوي
- أي أغلبهن- كن يقتصدن في الطعام، لذلك كن خفاف الوزن، وهذا يحث عليه الشرع في قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف: ٣١] ، وهذا من معجزات القرآن الكريم، لأننا علمنا الآن أن أغلب أمراض العصر من الإسراف في المأكل والمشرب وما يلازمهما من عادات سيئة.
الدرس التاسع: قولها:
(وكان صفوان بن المعطل السلمي من وراء الجيش) ، أظن أن وجوده من وراء الجيش، لم يكن لحاجة عرضت له كما ذكر الإمام النووي ﵀، بل أظن أنه كان من عادة النبي في أسفاره أن يتخلف رجل وراء الجيش، يتفقد المكان بعد صدور القوم، والذي يؤكد هذا المفهوم قولها: (من وراء الجيش) ، يشعر أنه مكلف أن يكون من وراء الجيش، فلم تقل حبسه حابس، أو أنه تخلف لعذر، فإن صح الاستنباط ففيه دليل واضح على حكمة النبي في قيادة الجيش، ونستدل أيضا على حكمته في إدارة الجيش، أنه ما قصد غزوة إلا ورّى بغيرها، كما ثبت في الصحيح.
الدرس العاشر: فطنة عائشة ﵂ وحكمتها
رغم حداثة سنها، لأنها لما قصدت هودجها ورأت أن القوم قد ارتحلوا لم يحملها جزعها أو خوفها من التصرف المتسرع، فتذهب مثلا تقتفي أثر الجيش فتضل الطريق، بل انتظرت في نفس المكان الذي فقدوها فيه لعلهم يرجعون، وإلى الآن كثير منا لا يجيد هذا التصرف عند تخلفه عن رفقائه في السفر
стр. 411
خاصة النساء، فيتعطل الركب.
الدرس الحادي عشر: حفظ الله- لعرض نبيه
حتى في أصعب الظروف، فعائشة ﵂ قد تخلفت عن الركب وهي حديثة السن، وغلبها النوم، ومعلوم حال من غلبه النوم، ولم يكن مستعدّا له، فقد يتكشف دون أن يدري، ومع كل ذلك قالت ﵂: (فرأى سواد إنسان نائم) ، أي أنه لم ير منها شيئا حتى وجهها، ولكنه عرفها من هيئتها، فإنه كان يراها ويعرف هيئتها قبل أن ينزل الحجاب وتلتزم الهودج، وفيه أيضا ورعها وحشمتها حتى في أحوال السفر والنوم.
الدرس الثاني عشر: كمال حياء الصحابة
وأدبهم الجم، خاصة مع أمهات المؤمنين، ولو كن حديثات السن، فالأمر سواء، حيث إن صفوان بن المعطل استرجع لما علم حال عائشة ﵂ فكأنه استعظم في نفسه تخلّفها عن الجيش ونومها في الطريق، وشعر أن تلك مصيبة عليه أن يسترجع منها، فقد علّمهم الله- ﵎ ما يقولونه عند نزول المصائب، قال تعالى: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦) [البقرة:
١٥٦] .
ونكتة أخرى أنه لم يكلم عائشة ﵂ كلمة واحدة، ولم تسمع منه غير الاسترجاع، كما ورد في روايات أخرى، فماذا سيحدث لو قال لها: (اصبري، لا تخافي، لن أتركك حتى تعودي إلى أهلك) ، ولكن هيهات أن يحدث ذلك منهم.
الغريب أنه ما قال لها: اركبي، بل أناخ لها البعير فركبت، وما أردفها وراءه وقاد هو البعير، وما تحجج بحر الشمس، كل ذلك لم يحدث، فسبحان الله، لم يستطع الشيطان أن يدخل عليه ولو كلمة واحدة.
الدرس الثالث: عشر: الذي أشاع الإفك هو:
عبد الله بن أبي بن سلول، ومع ذلك لم يقم عليه النبي حد القذف، فقيل: لأنه لم يتكلم صراحة بل عرّض في كلامه فقط، وقيل:
إن الله- جعل عذابه في الآخرة ولم يشأ الله أن يطهره من هذه الكبيرة بإقامة الحد عليه، لأننا نعلم أن الحدود مكفرات للذنوب في الدنيا قال تعالى في حقه متوعدا له:
وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ [النور: ١١] .
الدرس الرابع عشر: ما كان عليه النبي من ملاطفة أزواجه
خاصة عند المرض، لقول عائشة ﵂: (إني لا أرى من النبي اللطف الذي كنت أرى منه حيث أمرض) ،
стр. 412
ولكنه ﷺ ما ترك الكلام مع عائشة بالكلية، فكان يسلم، ويقول: كيف تيكم أي: كيف حالكم، وهذا من عدله وتوسطه ﷺ حيث لا يستطيع أن يتبسط في الكلام بعد الذي سمع وهو بشر يتغير قلبه ويتأثر، ولا يستطيع أيضا أن يقاطع عائشة ﵂؛ لأنه لم يعلم صدق ما يقولون.
الدرس الخامس عشر: المؤمن يبتلى بالأمراض
، كما حدث لعائشة ﵂ بل يبتلى بالهموم والغموم، كما ابتلي النبي ﷺ وأهله في هذه القصة، وهذا يجري على الصالح والطالح، وقد يرفع المرض بالدعاء وبغير دعاء، وقد يستمر المرض مع الدعاء والاحتساب أياما طويلة بل سنوات مديدة، وهذا كله لا يدل على رضى الله عن العبد أو سخطه عليه، فزوال المرض بعد مدة يسيرة لا يدل على أن الله يحب هذا العبد، وبقاء المرض فترة طويلة لا يدل على عدم رضى الله عنه، فكل تلك الأحوال غيبيات، لا يعلمها إلا الله، وليس عندنا فيها برهان من الكتاب أو السنة، فلا نحكم بغير علم، ويجب علينا ألانتكلف في كل واقعة مثل مرض أو فقر أو غنى، فنسأل: هل ربنا راض عن فلان أم لا؟ أعطاه لأنه يحبه أم لأنه يبغضه؟ وهل شفاه لأنه استجاب دعاءه؟ أم تأخر الشفاء لأنه ما دعا الله مخلصا، هذا كله ليس من السّنة في شيء، ولم يتكلم به الصحابة ولم يتكلفوه، ألم تر إلى النبي كم توجع في مرض الموت أياما عديدة حتى إنه يريد الصلاة، فيغشى عليه عدة مرات، ألم تر أنه كان يتوجع توجع رجلين، ألم تر إلى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، السلالة الشريفة الطاهرة، بكى وحزن سنوات طويلة حتى ذهب بصره، ألم يكن في تلك الفترة راضيا محتسبا صابرا، لماذا لم يرفع الله عنه مع أول دعاء له، وكلنا يعرف قصة أيوب ﵊، كيف مرض وزاد عليه البلاء، والأمثلة كثيرة، فكل ما يحدث للعبد وينزل به لا يدل على الرضى من الرب- ﵎ أو السخط، وكذا في كل الأمور والأقضية، فما الذي يدلنا إذن على رضى الله عنا؟ أقول: إن شيئا واحدا هو الذي يدلنا على ذلك، وهو أن يشعر العبد بتقوى الله في قلبه في السر والعلن، هو أن يرضى ويسلم لقضاء الله وقدره، هو أن يحرص على اتباع كل ما جاء به القرآن والسنة الصحيحة، وإذا أساء أو تكاسل أو فرط- وكل ذلك حادث منا- استغفر وتاب وأناب إلى الله وشعر بعظم الذنب لعظم من أذنب في حقه، هذا الذي يبشر العبد برحمة الله ورضاه، أما غير ذلك فلا، إذا أردت أن تعرف منزلتك عند ربك فانظر إلى منزلة ربك في قلبك، إذا أردت أن تعلم هل الله- -
стр. 413
راض عنك، فاسأل نفسك هل أنت راض عن الله؟ وهكذا.
الدرس السادس عشر: ما كان عليه العرب الأول
وكذا الصدر الأول للعصر النبوي من التنزه عن القاذورات حيث كانوا يتخذون الكنف بعيدا عن البيوت، لقول عائشة ﵂: (وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في البرية أو في التنزه) .
الدرس السابع عشر: ما كان عليه الصحابيات من الحشمة
في الملبس، عند الخروج من بيوتهن ولو كان خروجهن ليلا، لقول عائشة ﵂: (فعثرت في مرطها) ، ولو لم يكن اللباس سابغا إلى الأرض ما تعثرت فيه، وكان التعثر فيه أهون عليهن من رفعه قليلا عن الأرض.
الدرس الثامن عشر: حب الصحابيات لأمهات المؤمنين
وتعظيمهن وتقديمهن على أنفسهن وأولادهن، أعز ما يملكون، امتثالا لقوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الأحزاب: ٦] ، مما يحدو بالمرأة أن تسب ولدها وتدعو عليه، وهي تعلم أن دعاءها قد يستجاب، وذلك لأن ولدها قد خاض في عرض أم المؤمنين عائشة ﵂ يدلك على ذلك قول أم مسطح في الحديث: (تعس مسطح) ، ولم يكن هذا الشعور من أم مسطح وحدها، فاقرأ ما ورد في بقية الحديث قالت عائشة ﵂: (إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي) ، انظر أخي القارئ، امرأة من الأنصار كأنها غير معروفة أو مشهورة، تأتي لعائشة ﵂ تواسيها وتبكي بالدموع حزنا مما قيل عن عائشة، فهذا مقام أمهات المؤمنين عندهن.
الدرس التاسع عشر: تعظيم الله والنبي والملائكة والصحابة- من شهد بدرا
- وأنه لا ينبغي التعرض لهم أو الطعن فيهم فإن لهم مكانة خاصة في الإسلام، وذلك لقول عائشة ﵂ لأم مسطح: (أتسبين رجلا شهد بدرا) ، فقد أنكرت عليها السب لولدها لأنه شهد بدرا، يصدق ذلك الحديث الذي رواه معاذ بن رفاعة بن رافع الزّرقيّ عن أبيه- وكان أبوه من أهل بدر- قال: جاء جبريل إلى النّبيّ ﷺ فقال: «ما تعدّون أهل بدر فيكم؟
قال: من أفضل المسلمين» ، أو كلمة نحوها. قال: «وكذلك من شهد بدرا من الملائكة» «١» .
ومن هذا نعلم أن الصحابة ﵃ لم يكونوا كلهم في مرتبة واحدة من السبق
стр. 414
والفضل، بل هم متفاوتون في الدرجات، على حسب أعمالهم وسبقهم للإسلام وتصديقهم لرسول الله ﷺ ولكن في النهاية كلهم عدول أخيار، اختصهم الله- بنعمة عظيمة، وهي صحبة النبي ﷺ ، ويصدّق ذلك أي تفاوت الفضل قوله تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ [الحديد: ١٠] .
الدرس العشرون: في الحديث أن المسلم يحزن ويمرض، إذا سمع كلاما يؤذيه
ويطعن في عرضه، خاصة إذا كان من أهل العلم والفضل، حتى وإن كان هذا الكلام كذبا يعلم من حاله ونفسه أنه مبرأ منه، ولكن لما كثر الخبث واعتاد الناس على الكلام القبيح، والطعن في الأنساب، أصبح كثير من الناس لا يبالي بما يقال عنه ولا يحزن ولا يمرض، كما مرضت عائشة ﵂ بل يقول: كلام الناس كثير، وهذا مما عمت به البلوى، وقد يؤخذ من الحديث أن على المسلم أن يتجنب مظان السوء، وأن يتجنب كل شبهة قد تطوله، فيبرّئ عرضه قبل أن يخوض الناس فيه، لأن هذا شيء عظيم على النفس، انظر كيف أحزن عائشة حتى مرضت. بل قالت في موضع آخر من الحديث: (فبت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم) .
أي: إن بكاءها لم ينقطع طوال الليل ولم تذق طعم النوم، وكيف تنام بعد أن سمعت ما يقول الناس والله لوددت أني افتديتها من هذا بأبي وأمي وأهلي جميعا، فهذا أهون، من أن تخدش واحدة من أمهات المؤمنين ولو بكلمة أقل من ذلك بكثير، وقالت في موضع آخر:
(وقد بكيت ليلتين ويوما حتى أظن أن البكاء فالق كبدي) .
ونستدل على أن المسلم يجب أن يبرأ عرضه، وألايضع نفسه في مظان السوء كما أشرت سابقا، بما روته صفيّة بنت حييّ قالت: (كان رسول الله ﷺ معتكفا فأتيته أزوره ليلا فحدّثته، ثمّ قمت فانقلبت، فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمرّ رجلان من الأنصار، فلمّا رأيا النّبيّ ﷺ أسرعا فقال النّبيّ ﷺ : «على رسلكما إنّها صفيّة بنت حييّ» . فقالا: سبحان الله! يا رسول الله. قال: «إنّ الشّيطان يجري من الإنسان مجرى الدّم، وإنّي خشيت أن يقذف في قلوبكما سوآ، أو قال: شيئا» «١» .
الدرس الحادي والعشرون: أن المرأة لا تخرج من بيتها إلا بإذن زوجها
، حتى في حال المرض الذي لا يتوق فيه الرجل إلى امرأته في غالب الأحيان، ويؤخذ منه أيضا: أن من
стр. 415
حسن المعاشرة أن يأذن الرجل لامرأته إذا استأذنته للذهاب لأبويها، خاصة إذا كان ذلك في حال المرض أو لمصلحة أخرى، كما هو الحاصل في القصة التي معنه، كل كذلك استفدناه من قول عائشة ﵂: (فقلت: ائذن لي، ثم قولها فأذن لي) .
الدرس الثاني والعشرون: الصلة الوثيقة التي تكون بين الأم وابنتها
خاصة إذا كانت حديثة السن، وما يجب أن تكون عليه البنت مع أبيها، من حشمة وحياء في الكلام ولو كانت متزوجة حيث ذهبت عائشة لبيت أبويها، وحدثت أمها فقط بما يقول الناس، ولم تفاتح أباها، قالت ﵂: (فأتيت أبوي فقلت لأمي ... ) ، وفيه أيضا: أن لفظ الأبوين يطلق ويراد به الأب والأم، من باب التغليب، كما تقول العرب على الشمس والقمر: القمران، وهذا كثير في الكتاب والسنة.
الدرس الثالث والعشرون: فضيلة ما بعدها فضيلة لعائشة
﵂ وذلك في قول أم عائشة: (لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها) .
والفضيلة العظمى أن النبي ﷺ كان يحبها أكثر من سواها من الناس، هكذا يعلم جميع الصحابة، وكان النبي ﷺ يعلن ذلك عند ما يسأل عن أحب الناس فيجيب إنها عائشة، كما ورد عن عمرو بن العاص ﵁: أنّ النّبيّ ﷺ بعثه على جيش ذات السّلاسل، فأتيته.
فقلت: أيّ النّاس أحبّ إليك؟ قال: «عائشة» . فقلت: من الرّجال. فقال: «أبوها» .
قلت: ثمّ من؟ قال: «ثمّ عمر بن الخطّاب» ، فعدّ رجالا «١» .
الدرس الرابع والعشرون: السنة أن الصاحب يقف بجوار صاحبه
وقت المحن والشدائد، خاصة إذا كان صاحبه من أهل الفضل والخير، ويعلم براءته، لا أن يوغر صدره ويهيج مشاعره، وهذا ما فعلته أم عائشة ﵂ فقد قالت لعائشة: (هوني على نفسك) ، وبررت لها ما يقول الناس بقولها: (لقلما كانت امرأة وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها) .
الدرس الخامس والعشرون: الضرائر جمع ضرة
، وسميت الضرة ضرة لأنها تتضرر بالغيرة والقسم لوجود زوجة غيرها، نعلم من ذلك أن الضرر اللاحق بالزوجة من وجود أخرى موجود لا محالة- إلا النذر اليسير- بدليل أن اسمها ضرّة لتضرّرها، والله قد أحل
стр. 416
للرجل الزواج بأربعة، وهو يعلم الضرر الواقع عليها.
وهنا بعض الأمور التى يجب ذكرها بالمناسبة وهي:
١- أن الشريعة الإسلامية الغراء لم تبتدع تعدد الزوجات، فقد كان ذلك الأمر موجودا ومتعارفا عليه، لا أقول: قبل الإسلام ولكن كان موجودا على مدى العصور، فما فعلته الشريعة الغراء أن قيدت عدد الزوجات بأربعة فقط وأمرت بتسريح بقية النساء، وقيدت الزواج نفسه بشروط، منها العدل في القسم، والقدرة على الإنفاق، قال تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [النساء: ٣] ، والعدل المقصود هنا ليس هو العدل المشار إليه في قوله تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ [النساء: ١٢٩] ، فالعدل في الآية الأولى يقصد به العدل في النفقة والقسمة، وغير ذلك من الأمور التي بيد الرجل، أما العدل في الآية الثانية فالمقصود به العدل في حب القلب، وهذا غير ممكن، لأن القلب لا إرادة للإنسان فيه، وعجبت من الذين يجعلون العدلين أمرا واحدا، فيقولون: أمرنا الله بالعدل في الآية الأولى، وحكم باستحالة هذا العدل في الآية الثانية وينبني على ذلك- عندهم- عدم جواز تعدد الزوجات.
٢- ولكن إذا ثبت وجود الضرر للزوجة من التعدد، والله يعلم ذلك، فلماذا أباح الله- التعدد؟، أقول:
٣- قبل كل شيء يجب علينا، رجالا ونساء، أن نسلّم لحكم الله- وأن نقول كما علّمنا الله تعالى: وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:
٢٨٥] ، يجب علينا الرضى والقبول، لأننا أولا وأخيرا عباد لله رضينا به ربّا، فكيف لا نرضى به إلها يحكم ويشرع، ويجب علينا أن نعلم أنه ما شرع التعدد إلا لحكمة بالغة أدركها من أدركها، وغفل عنها من غفل، وليس من الأدب أن نرضى بحكم الله إذا وافق مصالحنا، ونسخط ونعترض إذ لم يأت على هو انا وما نحب، كلا والله، الأمر كله لله، قال عز من قائل: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [الأعراف: ٥٤] ، وقد ذم الله- من يسخط على حكمه إذا لم يجد هوى في نفسه، أو يوافق مصلحة له، ويرضى نفس الشخص، إذا كان الحكم في صالحه فقال في الحالة الأولى:
وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ [النور: ٤٨] ، وقال في الحالة الثانية: وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ [النور: ٤٩] .
٤- أقول للزوجة: إن من حقك قبل الزواج أن تشترطي على الزوج في العقد أن لا
стр. 417
يتزوج بأخرى، فإن خالف وتزوج فلك أن تطلبي الطلاق بغير خلع، وللقاضي أن يحكم بذلك، وإن لم تشترطي وتزوج بأخرى، ولم يعدل فيما يكون فيه العدل فلك أن تطلبي الطلاق للضرر، ويحكم لك القاضي أيضا، أما أن المحاكم تطول إجراآتها، والزوج يتلاعب ويتجاهل ويهرب، والمحامي يزوّر ويرشي فهذا لا يلام عليه الشرع، ولا يقدح في الحكم، فالعيب فينا، لبعدنا عن الإسلام وعدم تمسكنا بتعاليمه، وحتى إذا طبقت الشريعة وجاء رجل وظلم زوجته، أنعيب على الشرع؟ بالطبع لا.
ونقول للزوجة: إن الظلم واقع في الدنيا لا محالة، وإلا لما كان للآخرة والموازين والحساب والبعث من فائدة، والزوجة التي يظلمها زوجها، وترجع باللائمة على الشرع منتقدة أحكامه، قد خسرت كل شيء، خسرت الدنيا بظلم زوجها لها، وخسرت الآخرة بعدم رضاها عن شرع الله.
ويتبين لنا من ذلك وجوب أن نرضى بحكم الله لأنه من الله، ولأنه قطعا يحقق أقصى مستوى ممكن من العدل في الدنيا، أما العدل المطلق فلا يكون إلا في الآخرة، فإياكم إياكم والاعتراض على حكم الله- أو حتى الظن أنه غير مناسب لزمان أو مكان، فهذا خطره عظيم وشره مستطير، وأكتفي بهذا القدر رغم أن الموضوع مهم، ولكن للأسف فإن المقام لا يتسع لأكثر مما ذكرت، والرسالة واضحة والحمد لله.
٥- أما لماذا أباح الله التعدد مع أن فيه ضررا على الزوجة؟
أقول: إن الضرر الواقع عليها ضرر يمكن تحمّله، ويخف هذا الضرر كلما كان الزوج تقيّا ورعا يعظم حرمات الله، لا ينتهكها ولا يتعداها.
كما أقول للمرأة: أرأيت بعض البلاد المتقدمة- كما يزعمون- عندما حرموا على الزوج التعدد وألزموه بواحدة، ماذا فعل هذا الزوج! وما الذي آل إليه المجتمع بأكمله، أظن أن الجميع يعلم الجواب كاملا، ويكفي أن نعلم كيف انتشر الزنا والشذوذ والقتل، والأدهى والأمرّ كيف انتشر مرض فقد المناعة المكتسبة (والمسمى بالإيدر) ؟
كيف يدخل الزوج على زوجته هذا المرض المهلك، بلا ذنب ولا جريرة، بل ينتقل حسب آخر الإحصائيات إلى الأولاد، هل هذه المجتمعات هي التي نطمع ونتطلع أن نحذو حذوها ونقتفي أثرها؟!.
أقول للمرأة: أرأيت إن كنت مطلقة أو أرملة ولك أولاد قصر، ورغب عنك الشباب،
стр. 418
أما كنت تتمنين أن يتقدم للزواج منك رجل ولو كان كبيرا في السّنّ، يصون عرضك ويحفظ لك كرامتك ويربي أولادك، خاصة لو لم يكن لك مصدر رزق، حتى ولو كان هذا الرجل متزوجا بواحدة أو اثنتين، أرجو ألا تتكبري في الإجابة ولا تخدعي نفسك.
أرأيت أختي المسلمة لو كثر عدد النساء عن عدد الرجال كما أخبر بذلك الصادق المصدوق في حديث علامات الساعة الذي رواه أنس بن مالك ﵁ وفيه: «إنّ من أشراط السّاعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزّنا، ويشرب الخمر، ويذهب الرّجال، وتبقى النّساء حتّى يكون لخمسين امرأة قيم واحد» «١» أما تتمنين وقتها لو أحل الله التعدد، نعم ستتمناه كل امرأة عاقلة، ولا تغتري أختي المسلمة بما يدعيه دعاة التحرر والتفسخ، أن المرأة الآن يمكن أن تقوم بنفسها، فلها كيان مستقل تستطيع به أن تدافع عن نفسها وتكسب رزقها، هذا كله سفه لا يغني من الحق شيئا.
وبعد هذا العرض الموجز، نسأل المرأة المسلمة هل الضرر الذي قد يلحقك من الزوجة الثانية أعظم أم الضرر الذي يقع من منع التعدد أعظم؟.
ومن حكمة الشرع التي يعلمها كل دارس له ومتفقه فيه، أن من أولويات الشرع وقواعده أنه عند وجود ضررين، يتم دفع أعظمهما واحتمال أخفهما. وهذه القاعدة مضطردة في جميع الشرع، وهي من محاسنه العظيمة التي لا تعد ولا تحصى، ونصيحة إلى كل مسلم ومسلمة أنه إذا أراد أن يبحث في مسألة، فيجب عليه أن ينخلع من نفسه، حتى يستطيع أن يكون حكما عدلا قدر الإمكان، وألا ننظر إلى أي مسألة من جهة واحدة، وهذا في جميع الأمور الشرعية والحياتية.
الدرس السادس والعشرون: ما يمكن أن يكون عليه المستشارون
من اختلاف في الرأي، بل وتضاده في بعض الأحيان، وعلينا ألانشكك في أحدهما أو نكذبه ونرميه بألفاظ غير مناسبة، ونصدق الطرف الآخر، ولا أن نكذب الاثنين، وإذا كان اختلاف المستشارين واردا، فاحتمال خطأ الاثنين وارد، وعلى الذي يستشير ألا يسلم أمره لأحد، بل يستشير ويتأمل فيما سمع ويستخير، ثم يستعين بالله ويقرر أمره، وعلى المستشير أن يتخير أحبّ الناس إليه وأعلمهم بحاله وحال أهله إذا تطلب الأمر، كما يؤخذ من الحديث
стр. 419
أن الأفضل على الرجل أن يستشير ولا ينفرد برأيه، ولو كان الأمر يتعلق بأخص خصوصياته، وفي قول السيدة عائشة ﵂ (فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي ... ) فوائد، ومنها:
الفائدة الأولى:
عظيم أمر الاستشارة وضرورة أن يتخير الإنسان من يستشيره، فالرسول لم ينفرد بالرأي وحده بل استشار في أخص خصوصياته، وهو أمر زوجته، وعندما استشار تخير من يستشير، وهما حبّه وابن حبه أسامة بن زيد، كما استشار ابن عمه وزوج ابنته عليّ بن أبي طالب. وأظن أنه لم يستشر أبا بكر لمكانته من عائشة، فهو أبوها، كما لم يستشر عمر بن الخطاب لقوته الشديدة، وقد يكون لأمر غير ذلك، والله أعلم.
أما ما ذكرناه من اختلاف وتباين آراء المستشارين، فأخذناه من رد أسامة وعلي، فأما أسامة فأشار إليه بما يعلمه من حب النبي ﷺ الشديد لعائشة، ورغّبه فيها بأن طهرها مما يقال، فذكر أشرف ما فيها، وهي أنها أهل رسول الله، وهل يتصور أن من تشرفت بهذا الشرف الرفيع، وهو أن تكون حليلة أشرف الخلق قدرا يمكن أن تزل؟!، هذا من أمحل المحال، كما زكاها بما عرف منها من أمور الخير التي تدفع أي إنسان عن فعل الذنوب والمعاصي، فكان رد أسامة بن زيد شافيا وافيا.
أما علي بن أبي طالب ﵁ فرجح مصلحة سكن النبي ﷺ وراحة باله لما يراه عليه من قلق وحيرة، ولا يقال أبدا: إنه أشار عليه بأن النساء كثيرات لشيء في قلبه من عائشة- نستغفر الله من هذا القول العظيم- والدليل على بطلانه، أنه أشار على النبي ﷺ أن يستشير الجارية وأكد صدقها وعدم كذبها، فالذي أراه أنه أراد أن يبرأ ساحتها، وبذلك تكون مشورته قد وسعت الأمر على الرسول، فإما أن يسرح والنساء كثيرات، وإما أن يسأل الجارية ليعلم طهر عائشة وبراءتها فيمسكها عنده، ولرجاحة مشورة علي ﵁، أخذ بها النبي ﷺ وسأل الجارية وكان في سؤالها أعظم براءة لعائشة، وقد صدقها النبي كما أشار عليّ عليه، وذلك أنه بعد سؤالها مباشرة وقف في المسجد وقال: «من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي» .
وبذلك تأكدنا براءة ساحة علي، بل إنه كان السبب في رفع ما كان النبي يعانيه، أما لماذا لم يقل علي ﵁ للرسول ﷺ نفس الذي قاله زيد؟ فأظن أن ذلك سيكون من التكرار، ويكفي أنه دل الرسول على طريق آخر يتأكد به من طهارة أهله، وبذلك يكون قد تأكد ذلك
стр. 420
عند الرسول من قبل زيد، والجارية.
الدرس السابع والعشرون: إذا أراد الرجل أن يسأل عن أخلاق من لا يعرفه
، فعليه أن يسأل خادمه في المنزل أو من في منزلة الخادم، كالسائق وغيره، وذلك لتداخله الشديد مع مخدومه وعدم قدرة المخدوم أن يخفي على خادمه أحواله وأخلاقه، بل قد يفعل أمامه، ما لا يفعله أمام غيره وذلك لاستهانته به وقلة تحرزه منه، ولو يعلم علي أحدا أعلم بحال عائشة من خادمتها، لدل النبي ﷺ عليه.
الدرس الثامن والعشرون: جواز اتخاذ الخادمة في المنزل
، حتى ولو لم يكن هناك أولاد تخدمهم، ولكن بشرط ألايكون ذلك خيلاء وتكبرا على الناس.
الدرس التاسع والعشرون: منقبتان عظيمتان لعائشة
﵂ وهما:
المنقبة الأولى:
أن الجارية بريرة ﵂ لم تجد في عائشة ما يعيبها إلا أنها تنام عن العجين، ولو وجدت فيها أكثر من ذلك ولو بقليل لذكرته، لأنها قالت: (قط) ، فأي شرف لامرأة لا تستطيع خادمتها أن تعيبها في شيء، إلا أنها حديثة السن تنام عن العجين؟!
المنقبة الثانية:
رغم أن لعائشة جارية، إلا أنها تنام عن العجين مما يتيح للداجن (وهي الشاة التي تألف البيت ولا تخرج للمرعى) أن تأكل من ذلك العجين، والشاهد في ذلك أن عائشة ﵂ كانت تقوم بأعباء البيت مع الخادمة وما كانت تكل لها كل شيء بل كانت تساعدها، وذلك امتثالا لما ورد عن المعرور بن سويد قال: (رأيت أبا ذرّ الغفاريّ ﵁ وعليه حلّة وعلى غلامه حلّة، فسألناه عن ذلك فقال: إنّي ساببت رجلا فشكاني إلى النّبيّ ﷺ فقال لي النّبيّ ﷺ : «أعيّرته بأمّه؟!» ثمّ قال: «إنّ إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه ممّا يأكل، وليلبسه ممّا يلبس، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم، فإن كلّفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم» «١» .
الدرس الثلاثون: وفيه تنبيهان:
التنبيه الأول: قول بريرية (إن رأيت منها أمرا)
، إن: هنا نافية بمعنى (ما) ، أي: (ما رأيت منها أمرا) ، ونبهت على ذلك؛ لأن كثيرا من غير المتخصصين لا ينتبهون أن (إن) تكون نافية، وهذا يوضح لنا معاني آيات كثيرة من القرآن الكريم، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [الأنعام: ١١٦] ، أي ما يتبعون إلا الظن.
стр. 421
التنبيه الثاني: [قول (كرم الله وجهه) بعد أن يذكر علي بن أبي طالب]
أقوله لأننا كنا بصدد الكلام عن الخليفة الراشد، علي بن أبي طالب ﵁ والتنبيه هو أن كثيرا من الناس يفضلون أن يقولوا بعد ذكر علي (كرم الله وجهه) ، بدلا من ﵁ ، وهذا غلط، لأن الترضي عنه هو دعاء له، أما (كرم الله وجهه) فهذا من باب الخبر الذي يغني معرفته وقوله مرة واحدة، ومعلوم أن الدعاء خير من الخبر وأنفع للناس، كما أن تبريرهم لهذا القول بأن عليّا لم يسجد لصنم قط، لذلك نقول: (كرم الله وجهه) ، هذا ليس بتبرير فكثير من الصحابة لم يرد أنهم سجدوا لصنم، فلماذا نختص عليّا ﵁ بهذا القول، بل لماذا نحرمه من الدعاء له برضوان الله- والكل في حاجة لهذا الدعاء ولو كانوا أصحاب رسول الله ﷺ .
الدرس الحادي والثلاثون: في قول الرسول:
«من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي» ، أي: من يلتمس لي العذر إن عاقبت رجلا على قبح ما صنعه معي، أو من ينصرني عليه، ففيه أن الرجل إذا أراد أن يعاقب أحدا على سوء فعله معه، خاصة إذا كان من أصحابه، فعليه أن يخبر القوم بما حدث حتى يعذروه فلا يلوموه، وينصروه ولا يخذلوه، وحتى لا يفاجأ القوم، خاصة أهل قرابة الخصم، بما سيحدث، كما أن في هذا الإبلاغ فائدة أخرى، وهي أنه قد يكون في القوم من يدله على أمر يكون أصوب مما يراه.
وفي بقية كلامه ﷺ ثناء على عائشة، وعلى الصحابي صفوان بن المعطل- ﵃ جميعا-.
الدرس الثاني والثلاثون: في قيام سعد بن معاذ سيد الأوس
، وسعد بن عبادة سيد الخزرج، وفيما قالوه، فوائد منها:
١- ما كان عليه الصحابة من حب النبي، وفدائه ولو بأهل قرابتهم وعشيرتهم، والكل يعلم ما كان عليه العرب من المناصرة والدفاع حتى الموت عن أهل القرابة، فلم يقل سعد بن معاذ: من هو يا رسول الله، أو يقول خبّرنا عنه ونحن نستقصي أمره إن أخطأ حاسبناه، أو أي كلمة مشابهة، بل قال: (إن كان من الأوس ضربنا عنقه) : أيّا كان الرجل ومكانته في القوم، ما علينا يا رسول الله إلا أن نقتله، دون أن يستقصوا هل فعل أم لا، ألم يقل الصادق المصدوق: «بلغني أذاه في أهلي» أبعد قوله قول، كيف لا يصدقونه والله قد استأمنه على وحيه؟ أفلا نستأمنه نحن على خبره في رجل آذاه، وقد حكم سعد على الرجل
стр. 422
الذي آذى النبي ﷺ بأشد العقوبة، وهي القتل وكيف يحكم بأقل من ذلك في رجل آذى نبيهم وخليلهم وحبيبهم.
٢- فيه تحذير من الحمية أي العصبية، والتي ابتلي بها كثير من الناس حيث غضب سعد بن عبادة ﵁ وثار في حضرة النبي ﷺ على مقولة سعد بن معاذ، وما حمله على ذلك إلا العصبية، أعلمتم مغبة العصبية ماذا تفعل بالإنسان الصالح، الذي قالت عنه عائشة ﵂: (وكان قبل ذلك رجلا صالحا) ، أي: قبل أن تأخذه العصبية، وانظر أيضا ماذا يمكن أن يئول إليه الأمر بعد أن تدخل العصبية والغضب بعض أفراد الأمة الصالحين، تقول عائشة: (فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا) .
٣- في تنازع الأوس والخزرج، فائدة أخرى، وهي أن الصحابة رضوان الله عليهم بشر، يصدر منهم ما يصدر من بقية البشر كالعصبية والغضب والسب، وهذا ما كان يعالجه النبي ﷺ فيهم، ولو كانوا لا يخطئون ما كان من بعثة النبي فيهم من فائدة، ولحرمنا الكثير من أمور السنة التي تعلمناها مما وقعوا فيه من زلات، ولكن مع هذا فهم خير قرون الأمة، لما ثبت عن عمران بن حصين ﵄ قال: قال النّبيّ ﷺ : «خيركم قرني ثمّ الّذين يلونهم ثمّ الّذين يلونهم» «١» . فعباداتهم وجهادهم ومواساتهم ونصرتهم للرسول ﷺ ، لا تقارن أو تقاس بما صدر منهم من أمور صوّبت في وقتها بالكتاب أو السنة، وكفى ذلك شرفا لهم، فزلاتهم ولله الحمد هي ذرة في فلاة بالنسبة لحسناتهم.
الدرس الثالث والثلاثون: قد يؤخذ من الحديث
، أن الحد الواجب على من آذى الرسول، هو القتل، لقول سعد بن معاذ: (إن كان من الأوس ضربنا عنقه) ، ولم يكن هذا من باب التهويل، وذلك لرد سعد بن عبادة وقوله: (كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على ذلك) ، وتأكيد أسيد بن حضير على عزمهم قتله، فقال: (والله لنقتلنّه) ، كل ذلك حدث أمام الرسول، ولو كان القتل فيه مخالفة شرعية، وأنه ليس حكم الله- لبينه الرسول في وقته، ولا يقال: إن الذي آذاه كان منافقا؛ لأن الصحابة لم تكن تعلم من الذي يقصده الرسول، بدليل قولهم: (إن كان من الأوس) ، ولو قال لي قائل لقد سمع النبي من سعد أنه إذا رأى أحدا مع أهله قتله بالسيف، ولم يعترض ولم يبين له أن هذا الحكم غير
стр. 423
موافق للصواب، بل أثنى النبي على غيرته، قلت: هناك زيادة في الحديث لا يذكرها عامة الشيوخ، تبين أن النبي قد وجه سعدا أن القتل خطأ، ويجب عليه التروي، لأن الله يحب العذر.
وقد وردت الزيادة عند مسلم، عن المغيرة بن شعبة قال: قال سعد بن عبادة لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسّيف غير مصفح عنه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال:
«أتعجبون من غيرة سعد فو الله لأنا أغير منه، والله أغير منّي من أجل غيرة الله حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخص أغير من الله ولا شخص أحبّ إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشّرين ومنذرين، ولا شخص أحبّ إليه المدحة من الله من أجل ذلك وعد الله الجنّة» .
الدرس الرابع والثلاثون: نستفيد من الحديث كيفية تربية الله لهذه الأمة
حيث أراد الله- أن يربيها على المحن والشدائد والصعاب، ليس لأفراد الأمة فقط، بل كانت تلك هي تربية الله لمعلم هذه الأمة وقائدها وهو النبي ﷺ ، نأخذ ذلك من قول عائشة ﵂: (وقد مكث شهرا لا يوحى إليه) ، ترى ما فائدة انقطاع الوحي شهرا كاملا؟ في وقت يخوض الناس في عرض خير البرية وأخشاهم وأتقاهم، بل أحبهم لله، لماذا انقطع الوحي وامرأة حديثة السن شريفة عفيفة تمرض وتلازم الفراش شهرا، حتى تخاف على كبدها أن ينفلق من كثرة البكاء؟
لماذا انقطع الوحي والمنافقون يروجون لشائعة لو حاسبنا الله- على ترويجها لهلكت الأمة؟ وما ذلك إلا انتقاما لمقام النبوة، لم يتوقف الأمر على المنافقين، بل روج للشائعة بعض من زلّ من الصحابة وإن كانوا نفرا قليلا، لماذا انقطع الوحي والمدينة تصبح وتمسي وكأن زلزالا قد ضربها؟ والإجابة عن كل تلك الأسئلة هي تربية الله لهذه الأمة بالفتنة وبالابتلاء ليرفع الله بها درجات من عصمه، ويكون درسا قاسيا لمن تكلم وخاض، لعله يكون درسا للأمة إلى يوم القيامة كيف تعمل الكلمة في المجتمع، كيف ترجف به، كيف تجعل الحليم حيرانا، درس للأمة أن تتثبت ولا تروج للشائعات والأكاذيب، كما علّمنا القرآن الكريم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ [الحجرات:
٦] ، وكما ذكرت من قبل كان من الممكن أن تنزل براءة عائشة ﵂ قبل
стр. 424
الحادثة وليس عند الحادثة، ولكن كان سيفوت على الأمة كل تلك الدروس والعبر التي تعلمناها من هذا الحدث.
الدرس الخامس والثلاثون: استحباب الشهادة قبل الكلام
، لقول عائشة ﵂: (فتشهد) ، أي نطق بالشهادتين.
الدرس السادس والثلاثون: بدأ النبي كلامه بعد التشهد بقوله:
«يا عائشة» ، فاستخدم حرف النداء ليسترعي انتباه عائشة، ثم ذكر اسمها ليعلمها أنه لم يهجرها ولم يهجر اسمها، ولو أنه عنفها من أول الحديث فقد تفقد صوابها، ولا تستطيع الرد الصحيح المؤدب، فاللطف في القول أولى ولو كان في مثل هذا الحدث الجلل، حتى يتبين الحق.
الدرس السابع والثلاثون: عدم إلقاء التهم بغير بينة
وتقديم حسن الظن، لقول النبي ﷺ : «يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا» ، ولم يقل لها: أنت فعلت كذا وكذا، وهذا من عظيم التربية والخلق الحميد، ثم قال: «فإن كنت بريئة» ، فقدم حسن الظن خاصة أنه ليس ثمة دليل، ثم واساها إن كانت بريئة، وأمّلها في رحمة الله بصيغة الجزم لا التعليق، وهذا من حسن ظنه بالله وثقته به فقال: «فسيبرئك الله» ، ومن عظيم أدبه ﷺ أنه لم يصرح بما يقول الناس، بل قال في كلام عفيف: «وإن كنت ألممت بذنب» ، ثم نصحها ووجّهها بما يتوجب عليها إن فعلت شيئا، فقال لها: «فاستغفري الله وتوبي إليه» ، ثم أملها في رحمة الله الواسعة فقال لها: «فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه» ، واختار ﷺ الستر على الفضيحة، فلم يقدم لها سؤالا محددا حتى لا يحرجها ويفضحها إن هي اقترفت- ونعوذ بالله من ذلك- فلم يقل لها: (أفعلت) .
أرأيتم عظيم أدبه وفضل إحسانه وحسن معاشرته، مع ما لاقاه ﷺ طيلة شهر، وانظر ما أعطاه الله من جوامع الكلم، فتكلم بعبارات قصيرة تحمل معاني كثيرة.
الدرس الثامن والثلاثون: كلام الناس- خاصة إذا كان في الأمور العظيمة
- له تأثير كبير على القلوب، كالسحر في بعض الأحيان. انظر كيف سأل النبي ﷺ عائشة وهي الطاهرة المطهرة عن برائتها، وذلك لتأثر قلبه بما يقول الناس، بالرغم من أن الذي روج للشائعة هو رأس المنافقين في المدينة.
الدرس التاسع والثلاثون: جواز أن يؤكد الإنسان كلامه
، وأن يحكم أن الله يعلم
стр. 425
ذلك، أو يشهد على ذلك وهو من أساليب التوكيد، كالقسم بالله، تعلمنا ذلك من قول عائشة ﵂: (ولئن قلت لكم: إني بريئة، والله يعلم أني بريئة) ، ولكن حذار أن يستخدم المسلم مثل هذا الأسلوب من التوكيد وهو كاذب، أو غير متأكد من حديثه، لأنه إن كان كاذبا، وقال: الله يعلم صدق حديثي، فكأنه حكم أن علم الله لا يطابق الواقع، وقد استخدم القرآن الكريم هذا المؤكد حيث قال الله تعالى: قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ [يس: ١٦] ، وقد أكدت الأنبياء صدق رسالتهم، بأن أكدوا علم ربهم بإرسالهم، وهذا من المؤكدات المعنوية، وقد حفلت هذه الآية الكريمة بكثير من المؤكدات اللفظية أيضا فتأمل.
الدرس الأربعون: تعظيم الصحابة للقرآن الكريم
، وأن له منزلة عظيمة في نفوسهم، فهم يشعرون أنه كلام الله- الذي له شأن عظيم، علمنا ذلك من قول عائشة ﵂: (ولأنا أصغر في نفسي من أن يتكلّم بالقرآن في أمري) ، فهي ترى أن شأن القرآن أعظم بكثير من أن ينزل ببراءتها، وكل ما كانت ترجوه أن يرى رسول الله ﷺ رؤيا تبرئها، ثم ما لبث أن نزل الوحي قبل أن يخرج أحد من البيت. ويتفرع على ما سبق مسائل منها:
المسألة الأولى: تواضع عائشة
﵂ حيث إنها وهي زوجة خاتم النبيين، وأحب الناس إليه، ترى أنها أصغر من أن ينزل فيها قرآن يتلى.
المسألة الثانية: عظيم قدر أمهات المؤمنين عند الله-
- والاعتناء بهن.
والدليل على ذلك نزول قرآن يتلى إلى يوم القيامة لتبرئة عائشة ﵂ في آيات عديدة، في سورة سماها الله- بسورة النور، مع أن عائشة لم تتمن ذلك، ونستدل على عظيم اعتناء الله بهن، من عظيم قدر القرآن، والذي كانت عائشة تعظمه وترى أنه أعظم قدرا من أن ينزل ليتكلم ببرائتها.
المسألة الثالثة: في الحديث علم الصحابة وتيقنهم أن رؤيا الأنبياء حق
، وتعظيمهم لها، وإلا ما كانت عائشة ﵂ تتمنى أن يرى الرسول ﷺ رؤيا فينكشف بها كل هذا الغم والكرب الذي أرجف المدينة أكثر من شهر.
المسألة الرابعة: يستفاد من الحديث وجوب أن يعظم كل مسلم القرآن الكريم
، فيقف عند كل آية، وينتهي عند كل نهي، ويمتثل كل أمر، ويكفيه أن يقال: إن ذلك الأمر أو النهي قد ورد بالقرآن، علمنا ذلك من تعظيم عائشة لأمر القرآن الكريم، لا