الجزء الأول
[مقدمات]
مقدمة الشيخ أحمد فريد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
ثم أما بعد ...
فإني قد تصفحت موسوعة أخي الحبيب الأخ أحمد الزواوي، التي سماها «فوائد التربوية من سيرة خير البرية» فألفيتها جامعة نافعة، وقد وفّق- حفظه الله- في اختيار الموضوع، فإن الكلام عن أخلاق النبي ﷺ ومعجزاته ونهجه ووجوب متابعته، وما يؤخذ من ذلك من فوائد تربوية جمّة، كلام حبيب إلى نفوس المؤمنين، لمحبتهم لشخصه الكريم ﷺ ، وذلك عقد من عقود الإيمان، فلا يكمل إيمان عبد حتى يحب رسول الله ﷺ أكثر من محبته لأبيه وولده والناس أجمعين، بل حتى يكون أحب إليه من نفسه، وموضوع الكتاب مما يزيد هذه المحبة، ثم يكثر في موضوع الكتاب ذكر النبي ﷺ ، ويستلزم ذلك كثرة الصلاة عليه ﷺ ، وأولى الناس بشفاعة النبي ﷺ أكثرهم عليه صلاة، وقد بذل الباحث جهدا كبيرا في جمع مادته الطيبة من كتب السنة المعتبرة، وقد تحرى الصحيح المسند من أخبار النبي ﷺ ، مما ورد في الصحيحين أو أحدهما، ومن خاض غمار هذا البحث فقد وفق إلى دخول بستان فسيح، فيه الثمار اليانعة، والأزهار الفواحة، فهو ينتقل من شجرة إلى شجرة، ومن ثمرة إلى ثمرة، ومن زهرة إلى زهرة، فهنيئا للمسلمين هذا العسل المصفى، مما يزيدهم حبّا واتباعا وتعظيما وتوقيرا لرسول الله ﷺ ، وأسأل الله- تعالى- أن يتقبل هذا العمل الصالح، والبحث العلمي من أخي الزواوي، وأن يجعله له ذخرا يوم الورود عليه، وأن ينفع به من انتهى إليه، وألايحرمنا معه من الثواب، فإن المصاب من حرم الثواب، وصلّى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، وقدوة للعالمين، وحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وكتبه أحمد فريد بالإسكندرية
стр. 2
مقدمة الشيخ/ محمد حسين يعقوب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، رب يسر وأعن بخير يا كريم، قال الله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب: ٢١] ، وقال سبحانه: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] ، وقال جل شأنه: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النور: ٥٤] ، أما بعد..
فرسول الله ﷺ له علينا حق عظيم، ومهما قدمنا فلن نوفيه بعض حقه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وكيف لا وكل خير من خيري الدنيا والآخرة أصبناه فسببه النّبيّ محمد ﷺ ، وإن بعض حقه علينا معرفة سيرته العطرة وتفاصيل حياته المباركة، ونشر ذلك وبثه وتعلمه وتعليمه، والمؤلفات في سيرة الرسول ﷺ مهما بلغت لن تؤدي شيئا من حقه، ومازلنا بحاجة إلى سد ثغرات تحتاج أن تجتنى لها فوائد من سيرة الرسول ﷺ . لذا جاء هذا الكتاب الذي دفعه إليّ صديق قديم وأخ حبيب هو الأستاذ/ عاطف أحمد شرف الدين، وهو صديق عمري ترجع مدة أخواتي له وعلاقتي به إلى أكثر من ثلاثين سنة، وهذا الكتاب الذي بين أيدينا لأحد إخوانه وأصفيائه وهو الأستاذ/ أحمد الزواوي أكرمه الله، وقد طوفت بأبواب الكتاب طوافا سريعا فوجدته كتابا قيما يعتمد طريقة السلف الصالح في التأليف وهي سرد النصوص من الكتاب والسنة مع التبويب والترجمة التي تستخرج الفوائد، ورأيته في بعض النصوص قد ذكر أكثر من عشرين فائدة، وفي بعض الفوائد ذكر عشر نقاط في الفائدة الواحدة، وهذه طريقة جليلة أسأل الله أن ينفع بها، ورأيته في بعض المواضع الآخرى قد استطرد استطرادات طويلة تناسب ما يحتاجه أهل عصرنا فجمع الكتاب الحسنيين:
الأصالة والمعاصرة. ولم يقع في يدي في هذه النظرة العجلى على الكتاب ما أنكره إلّا كلامه على سؤال الرسول ﷺ في القبر، فإنه خلص في النهاية إلى أنه ينبغي السكوت عن هذه المسألة، فكان من الأولى عدم عرضها أصلا، ثم الكتاب في مجمله كتاب قيم جامع شامل أرجو أن يكون كذلك، أنصح باقتنائه، وأسأل الله أن ينفع به.
وأسأل الله أن يجزي مؤلفه كل خير، وأن يجزي الأستاذ عاطف شرف الدين الذي عرفنا به كل خير، فالدال على الخير كفاعله، وأسأل الله جل وعلا أن يستعملنا لنصرة الدين، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يعافينا من البلاء، وأن ينجينا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يرزقنا حسن الخاتمة، والجنة بغير حساب إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وكتب/ محمد بن حسين يعقوب
стр. 3
مقدّمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألاإله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وبعد..
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:
١٠٢] . يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١) [النساء: ١] . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (٧١) [الأحزاب: ٧٠، ٧١] .
ثم أما بعد.. فإن الله- تعالى- منّ على هذه الأمة بأكبر وأعظم منّة على الإطلاق تلك المنة التي غبطتنا عليها الأمم السابقة ويتمناها بعضهم، لكن حال بينهم وبينها الكبر تارة والعناد تارة أخرى، تلك المنة هي رسول الله محمد بن عبد الله ﷺ خاتم النبيين وسيد المرسلين وحبيب رب العالمين، وقد ذكر الله- تعالى- ذلك في كتابه صراحة حيث قال تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤) [آل عمران: ١٦٤] .
ورغبة مني في خدمة ديننا الحنيف، فقد استخرت الله أن أجمع وأرتب مصنفا يشتمل على فوائد تربوية مهمة، ولما كانت أحب الموضوعات وأكثرها تشويقا إلى قلوبنا جميعا تلك التي تتعلق بالنبي ﷺ ، فقد رأيت أن تكون موضوعات الكتاب شمائل وخصوصيات وصفات النبي ﷺ ، بالإضافة إلى دلائل نبوته ومكانته عند خالقه ، وحب الصحابة رضى الله عنهم لشخصه الكريم، وبذلك يتسنى للقارئ الحبيب معرفة قدر النّبيّ ﷺ فيزداد حبا له واتباعا لسنته الشريفة، وتعظيما وإجلالا لقدره وهي أمور نحن في أمسّ الحاجة إليها، كما يقف القارئ من خلال فوائد الكتاب على أمور كثيرة من هديه ﷺ وسنته الشريفة، وقد اقتصرت في الأدلة على آيات الذكر الحكيم، وما ورد في الصحيحين.
وأسأل الله العليّ القدير أن ينفع به كل من قرأه وعمل به وساهم في نشره وتوزيعه إنه وليّ ذلك والقادر عليه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 4
منهج البحث
قسمت الكتاب إلى:
١- مقدمة.
٢- تمهيد.
٣- الباب الأول: أهمية السنة النبوية، ووجوب اتباعها.
٤- الباب الثاني: إثبات نبوته ﷺ بالدلائل والمعجزات.
٥- الباب الثالث: في خصائص أفضل المخلوقين وسيد الأنبياء وخاتم المرسلين ﷺ .
٦- الباب الرابع: صفات وجوانب من شخصية الرسول ﷺ .
٧- الباب الخامس: مكانة النبي ﷺ عند خالقه
٨- الباب السادس: مظاهر حب وإجلال الصحابة رضى الله عنهم للنبي ﷺ .
٩- الباب السابع: أيام من حياة النبي ﷺ .
١٠- وضعت خاتمة مختصرة في نهاية الكتاب.
١١- وضعت فهارس للكتاب تسهل البحث فيه بأسهل عبارة وطريقة:
فهرست كل ما يمكن أن يفهرس على النحو التالي:
١- فهرس للآيات الكريمة.
٢- فهرس لأطراف الأحاديث.
٣- فهرس للأشعار.
٤- فهرس للفوائد.
٥- فهرس للموضوعات.
وأسأل الله- تعالى- أن ينفع به كل من نظر فيه، أو قرأه أو استفاد به، إنه على ذلك قدير كتبه مؤلفه أبو محمد/ أحمد عبد الفتاح الزواوي بمحافظة الطائف
стр. 5
تمهيد
آثرت أن أضع بين يدي القارئ الكريم بعض الأصول والقواعد الهامة التي يدور عليها موضوع الكتاب وهي من المسلمات عند أهل الحق والأتباع فمن ذلك:
١- ذكر الآيات القرآنية في أمر النبوة والرسالة والشمائل على سبيل الإجمال
أولا: تسلية الله للنبي ﷺ :
أ- تسليته ﷺ بذكر استهزاء الكفار لمن قبله من الرسل:
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [فاطر: ٤] .
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [الأنعام: ١٠] .
ب- تسليته ﷺ بذكر أسباب تولي الكفار وتكذيبهم:
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
ج- تسليته ﷺ بتعذيب أعدائه والانتقام منهم:
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد: ١] .
د- تسليته ﷺ بالنصر على عدوه في الدنيا:
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر: ٤٥] .
ثانيا: الشفقة عليه ﷺ وتخفيف حزنه على عدم هداية الناس
أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ [فاطر: ٨] .
وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل:
١٢٧] .
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب: ٣٣] .
الثلاثون: ولاية الله وأهل السماء وصالح أهل الأرض له ﷺ .
إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم: ٤] .
الواحد والثلاثون: تكليفه ﷺ بما لا يطيقه غيره .
فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا [النساء: ٨٤] .
الثاني والثلاثون: رؤية الله له ﷺ .
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء: ٢١٧- ٢١٩] .
الثالث والثلاثون: تثبيت قلبه ﷺ .
أ- تثبيت القلب بإنزال القرآن
مفرقا بخلاف بقية الكتب:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: ٣٢] .
ب- تثبيت القلب بذكر قصص الأنبياء
وسنن الله في الذين خلوا من قبل:
وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ [هود: ١٢٠] .
стр. 19
الباب الأول أهمية السنة النبوية ووجوب اتباعها
стр. 20
تقديم
في البداية لا بد لنا من تعريف مبسط لمعاني السنة عند علماء اللغة وعند أهل العلم بالحديث.
تعريف السنة في اللغة:
عرف اللغويون السنة بتعريفات عدة منها:
[التعريف] الأول:
السنة هي الطريقة الحميدة أو غيرها: قال- تعالى-: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا [الإسراء: ٧٧] .
وقال ﷺ : «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنّة سيّئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» «١» . غير أنها إذا أسندت للنبي ﷺ فإنها لا تكون إلا حسنة.
[التعريف] الثاني:
هي القيام على الشيء ورعايته حسن الرعاية.
[التعريف] الثالث:
وهي الأمة والأمم كسنة وسنن، قال- تعالى: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [آل عمران: ١٣٧] .
[التعريف] الرابع:
وتطلق على العود إذا كان معوجا أو مستقيما.
[التعريف] الخامس:
تطلق أيضا على القائد، وعلى الماء، وكل هذه المعاني ترجع من وجه أو آخر على المعنى الأول.
قال القنوجي «٢» في (أبجد العلوم) : السنة صنو القرآن الكريم وإنما فارقها لكونه للتحدي، وهي مشاركة له في التشريع، وقد تكفل الله بحفظ الكتاب، ويلزم منه حفظ السنة لكونها وصفت بأنها وحي.
تعريف السنة في الاصطلاح:
اصطلح أهل الحديث فيما بينهم على تعريف السنة والحديث والخبر، وكذلك الأصوليون ومن أهم التعريفات وأشملها التعريف التالي:
стр. 21
السّنة كل ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية حقيقة أو حكما حتى الحركات والسكنات في اليقظة والمنام.
وبعد هذا التعريف أستفتح الكتاب بالصلاة والسلام على خير الأنام نبينا وحبيبنا سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم حيث قال ربنا جل في علاه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب: ٥٦] .
١- للرسول ﷺ طاعة مستقلة:
إن من أعظم ما تقرب به المتقربون لربنا، جل وعلا، طاعة رسوله ﷺ وامتثال أوامره واجتناب نواهيه؛ فإن طاعة الرسول ﷺ من طاعة الله، ومعصية الرسول من معصية الله- تعالى.، وقد أمرنا ربنا- جل وعلا- في كتابه العزيز باتباعه حيث قال- تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ [الحشر: ٧] .
أولا: مدخل لفهم الآية:
أمر الله عباده المؤمنين بطاعة النبي ﷺ وألزمهم بها في مواضع كثيرة من القرآن العظيم، وكذا على لسان نبيه ﷺ فيما أوحاه الله إليه من الحكمة، وهذا الأمر معلوم في الدين بالضرورة لا يسع أحدا إنكاره، ولكن الذي أحب أن يعلمه الناس في هذا الموضع، وهو مدخل لفهم عنوان الباب، أن الأمر بطاعة النبي ﷺ جاء في القرآن على ثلاثة أضرب:
[الضرب] الأول:
أن طاعة الرسول ﷺ داخلة ضمنا في طاعة الله :
قال- تعالى-: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ [آل عمران: ٣٢] ، وتلك الطاعة تمثل الانقياد لما أمر به الرسول ﷺ من أوامر قد أمر بها الله ، مثل عموم الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والحج والصوم وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
[الضرب] الثاني:
وجوب طاعة الرسول ﷺ فيما شرعه الله من أمر ونهي وتحريم وحلال:
فقد جاءت السنة الشريفة لتبين مجمل الكتاب وتوضح ما اشتمل عليه من الأوامر، بل وتخصص عمومه، يدلنا على ذلك، قوله- تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩] ، فالسنة هي التي بينت أركان الصلاة وواجباتها وسننها ونواقضها ومكملاتها، وليس في القرآن شيء من ذلك، وكذلك فرائض الصيام والزكاة والحج، وقد تأتي السنة بما يخصص عموم القرآن، كقوله- تعالى-: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا
стр. 22
بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ [النساء: ٢٤] ، فجاءت السنة فخصصت عموم الآية بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها. وذلك في قوله ﷺ : «لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها» «١» .
[الضرب] الثالث:
طاعة مستقلة للنبي ﷺ في أوامر ونواه لم تذكر في القرآن:
وهي أوامر النبي ﷺ المستقلة- أي التي ليس فيها نص من القرآن الكريم- أكثر من أن تعد أو تحصى، ومنها على سبيل المثال في الصلوات: تشريع صلاة الاستسقاء والجنازة وصلاة العيدين وسجود الشكر، وفي الزكوات: سن زكاة الفطر، وفيما يحرم لبسه: تحريم الذهب والفضة على الرجال، وفيما يتعلق باداب الأكل والشرب وتحريم الأكل في آنية الذهب والفضة وسنة الأكل والشرب قاعدا وحمد الله بعد الأكل، كما أن في السنة: الأمر بحضور الجماعات وتغسيل الميت وتكفينه ودفنه، ودليل وجوب طاعة النبي ﷺ في مثل تلك الأوامر والنواهي هو قوله- تعالى-: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النور: ٥٦] ، مع آية الباب الصريحة الواضحة: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ [الحشر: ٧] .
وأجمل وأبلغ ما يؤكد أن المراد بالآية أن للنبي ﷺ من الأوامر والنواهي التى ليس لها ذكر في كتاب الله ، وأننا ملزمون بطاعة النبي ﷺ فيها كالتزامنا بطاعة الله سواء بسواء، ما رواه عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: «لعن الله الواشمات والموتشمات، والمتنمّصات، والمتفلّجات «٢» للحسن المغيّرات خلق الله» . فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أمّ يعقوب، فجاءت فقالت: إنّه بلغني عنك أنّك لعنت كيت وكيت. فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول ﷺ ومن هو في كتاب الله؟! فقالت: لقد قرأت ما بين اللّوحين فما وجدت فيه ما تقول. قال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأت: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا؟ قالت: بلى. قال: فإنّه قد نهى عنه. قالت: فإنيّ أرى أهلك
стр. 23
يفعلونه. قال: فاذهبى فانظري، فذهبت فنظرت، فلم تر من حاجتها شيئا. فقال: لو كانت كذلك ما جامعتها «١» .
ثانيا: بعض أقوال العلماء- ﵏ في تفسير الآية
: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ:
قال الحافظ ابن كثير- ﵀: (أي مهما أمركم به فافعلوه ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمركم بخير وإنما ينهى عن شر) «٢» ، ونقل القرطبي عن المهدوي أنه قال في تفسير الآية: (هذا يوجب أن كل ما أمر به النبي ﷺ أمر من الله- تعالى.، والآية وإن كانت في الغنائم فجميع أوامره ﷺ ونواهيه دخل فيها) «٣» ، وقال الشيخ السعدي- ﵀:
(وهذا شامل لأصول الدين وفروعه، ظاهره وباطنه، وأن ما جاء به الرسول ﷺ يتعين على العباد الأخذ به واتباعه، ولا تحل مخالفته، وأن نص الرسول ﷺ على حكم الشيء كنص الله- تعالى.، لا رخصة لأحد ولا عذر له في تركه، ولا يجوز تقديم قول أحد على قوله ﷺ «٤» .
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
الأصل في أوامر النبي ﷺ الوجوب، إلا ما دل دليل على أن الأمر فيه للاستحباب، كما أن الأصل في نهي النبي ﷺ التحريم إلا ما دل الدليل على أن النهي فيه للكراهة، ودليله أن أوامر الله- في القرآن للوجوب والآية تقول: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ.
الفائدة الثانية:
الزعم بأن اتباع أوامر ونواهي القرآن فحسب، واعتقاد البعض أن القرآن يكفيهم هو ضلال، وردّ للقرآن الذي أمرنا صراحة بطاعة النبي ﷺ في كل ما أمر ونهى، ولولا أن النبي ﷺ طاعة مستقلة، وأنه ﷺ يأمر وينهى بأمور لم يرد ذكرها في القرآن، ما كان لهذه الآية الكريمة من معنى، ويؤكد ذلك ما رواه البخاري: عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «دعوني ما تركتكم؛ إنّما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» «٥» .
стр. 24
الفائدة الثالثة:
عظيم اعتناء الله- لسنة النبي ﷺ مع حث المسلمين أبلغ الحث على اتباعها، وقد ظهر هذا الاعتناء جليّا واضحا على أحسن ما يكون في الآية الكريمة، وقد جاءت مظاهر هذا الاعتناء على النحو التالي:
١- جاءت ألفاظ الآية الكريمة مطلقة بوجوب اتباع السنة، فقال- تعالى-: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ. فلم تقيد الآية وجوب اتباع أمر دون أمر أو حال دون آخر، ولا زمان دون زمان، فعلم من ذلك وجوب الاتباع على كل حال وفي كل زمان وفي كل الأمور.
٢- لم تقتصر الآية على عموم الأمر بالاتباع مثل قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩] ، ولكن جاء الأمر مفصلا بوجوب الأخذ بما وردت به السنة ووجوب الانتهاء عما نهت عنه، فقال- تعالى-: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
٣- أمرت الآية الكريمة المؤمنين بتقوى الله بعد الأمر باتباع كل ما ورد بالسنة واتقوا الله، للدلالة على أن اتباع السنة علامة على تقوى الله، فالتقوى واتباع السنة أمران مطردان فكلما زادت تقوى المسلم كلما كان أشد اتباعا للسنة وأكثر تمسكا بها، كما علمتنا الآية ومن ثمّ فمن ادعى تقوى الله وهو مفرط في اتباع السنة فإنه كاذب في دعواه.
٤- ختمت الآية بالوعيد الشديد لمن رغب عن سنة النبي ﷺ أو جفاها، بذكر صفة من أعظم صفات الله التي ترد لتخويف العباد، وهو أنه- ﵎ شديد العقاب، ولا شك أن هذا التهديد موجه لمن فرط في السنة أو رغب عنها.
الفائدة الرابعة:
استحالة وجود تعارض بين أوامر الله في كتابه الكريم وبين أوامر النبي ﷺ في السنة الشريفة الصحيحة، لأن الله أمرنا بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ولو قدّر وجود تعارض بين الكتاب والسنة لاستلزم الأمر أن الله قد أمرنا بالشيء ونقيضه، وهذا يستحيل في الشرع الحكيم الذي أنزله فاطر السماوات والأرض، ويتفرع عليه أن الذي ادعى وجود التعارض لم يقدح في النبي ﷺ إنما قدح في المولى- كما بينت، فما كان من تعارض في ظاهر اللفظ فقد أزال العلماء هذا التعارض، بإثبات النسخ أو حمل المطلق على المقيد، أو العام على الخاص، وقد قال الإمام الشافعي-رحمه الله تعالى--: (على أهل العلم طلب الدلالة من كتاب الله، فما لم يجدوه نصّا في كتاب الله، طلبوه في سنة رسول الله، فإن وجدوه فما قبلوا عن رسول الله
стр. 25
فعن الله قبلوه، بما افترض من طاعته) «١» .
الفائدة الخامسة:
دلت الآية الكريمة دلالة مباشرة على عصمة النبي ﷺ في كل ما فعله وكل ما أمر به أو نهى عنه، ووجه ذلك أن الله ما كان ليأمرنا أمرا مطلقا باتباع كل ما جاء بالسنة، إلا لعلمه بعصمة صاحب هذه السنة ﷺ في جده وضحكه، في رضاه وغضبه، في صحته ومرضه، بل في يقظته ومنامه وفي حلّه وتر حاله، فمن شكك في تلك العصمة فقد طعن في حكمة الله .
٢- الاتباع دليل محبة الله وسبب مغفرة الذنوب:
قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: ٣١] . قال الشيخ السعدي- ﵀ في تفسير الآية الكريمة كلاما جامعا مانعا، حيث قال ما نصه: (هذه الآية فيها وجوب محبة الله، وعلاماتها، ونتيجتها، وثمراتها، فقال: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ، أي: ادعيتم هذه المرتبة العالية، والرتبة التي ليس فوقها رتبة فلا يكفي فيها مجرد الدعوى، بل لا بد من الصدق فيها، وعلامة الصدق اتباع رسوله ﷺ في جميع أحواله، في أقواله وأفعاله، في أصول الدين وفروعه، في الظاهر والباطن، فمن اتبع الرسول دل على صدق دعواه محبة الله- تعالى-، وأحبه الله وغفر له ذنبه، ورحمه وسدده في جميع حركاته وسكناته، ومن لم يتبع الرسول فليس محبّا لله- تعالى-؛ لأن محبة الله توجب له اتباع رسوله فما لم يوجد ذلك دل على عدمها وأنه كاذب إن ادعاها، مع أنها على تقدير وجودها غير نافعة بدون شرطها، وبهذه الآية يوزن جميع الخلق، فعلى حسب حظهم من اتباع الرسول يكون إيمانهم وحبهم لله وما نقص من ذلك نقص) «٢» .
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
أن الله يحبّ ويحبّ، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافا لمن أنكر أن الله يحب، لحجج عقلية، دفعوا بها النصوص الصريحة الصحيحة، ومن تلك الحجج أن الحب فيه ليونة، والله منزه عن ذلك، وأن الحب يكون من اثنين من جنس واحد، ويؤولون الحب بأنه إرادة الثواب «٣» ، وهذا المذهب خاطئ، من عدة وجوه:
стр. 26
الوجه الأول:
نقول كيف تقيسون صفات الله على صفات البشر؟! فتقولون إن حب الله إن حدث منه الحب، يقتضي أن يكون عنده، مثل ما عند البشر من رقة وليونة، والله- تعالى- يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١] .
الوجه الثاني:
إن إرادة الثواب ليست هي الحب، فمن ادعى اشتراكهما في المعنى، فقد عارض اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، فمعلوم أن الثواب يأتي بعد الرضى والحب.
الوجه الثالث:
هل يعقل أن الله- يأتي يوم القيامة، يسأل الناس لم أثبتم لي صفة الحب، وهي صفة نقص لا تليق بجلالي؟! مع أنه سبحانه أثبت لنفسه تلك الصفة في كتابه وأثبتها له رسوله ﷺ في سننه، وعليه فإن المذهب الصحيح، هو مذهب أهل السنة والجماعة، حيث لا اجتهاد مع النص، وقد أثبت الله لنفسه صفة الحب في آيات كثيرة، منها:
قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤] ، وتأمل كيف بدأ الله المؤمنين بالحب، فقال: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، كما بدأهم بالتوبة، فقال- تعالى-: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [التوبة: ١١٨] ، بل بدأهم بالرضى فقال- عز من قائل.: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا [المائدة: ١١٩] .
وعلى المسلم الحريص على دينه، ألا يقدم عقلا على نصّ في جميع أمور الدين، سواء كانت مسائل أصولية أو فرعية، وما تفرقت الأمة إلا بعد تقديم العقل على النقل، وإذا كان الله قد تعبدنا بالعقل، فلماذا أرسل الرسل، وأنزل الكتب، والحاصل أن الآية أثبتت أن الله يحب لقوله- تعالى- قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ، وأنه يحب قال- تعالى-:
فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ، وكيف تنكرون أن الله يحب وقد أثبت ما هو أعظم من المحبة، بل منتهى المحبة وهو الخلة، لإبراهيم ومحمد- صلى الله عليهما وسلم تسليما كثيرا، قال- تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [النساء: ١٢٥] ، وسيأتي ذلك إن شاء الله مفصلا عند الكلام عن الخلة.
الفائدة الثانية:
لما ادعى قوم حب الله ، وكان لكل دعوى دليل لإثبات صدقها، اشترط الله لصدق هذه الدعوى- بل أقول: والمثوبة عليها- متابعة الرسول ﷺ فإن كانت دعوتهم صادقة اتبعوه، وإلا حادوا عن الاتباع، قال الحافظ ابن كثير- رحمه الله تعالى: (هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي، والدين النبوي
стр. 27
في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ» «١» ولهذا قال: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» «٢» . وفي الآية أن الشرط الوحيد لإثبات حب العبد لله، وما يترتب عليه من حب الله، هو الاتباع، فإن قال قائل: كيف يكون هو الشرط الوحيد، فالجواب من جهتين:
الجهة الأولى:
أن النص الذي معنا هو النص الوحيد، الذي اشترط المتابعة لنيل حب الله ، ولو كان هناك شرط آخر، أو سبيل آخر للفوز بحب الله لبينه- .
الجهة الثانية:
أن كل عمل يحب الله عامله، مثل إقامة الصلاة وبقية فروع الشريعة، لن يتقبله الله إلا بمتابعة النبي ﷺ بل المتابعة شرط لصحة هذا العمل، الذي يرتضيه الله ، ويرتب عليه الجزاء، ومن ذلك يتأكد لنا أن المتابعة هي الشرط الوحيد، لحب الله ، فلا غرابة في ذلك، وكفى ذلك تشريفا لسنته ﷺ وتعظيما لأمر متابعته، وقد فهم الصحابة رضى الله عنهم ذلك، فلم يألوا جهدا في متابعته ﷺ في كل ما أمر ونهى، بل تجاوزت المتابعة الأمر والنهي، فشملت عاداته التي قد لا تتصل بالشرع، كما ذكرت ذلك في مواضع كثيرة.
الفائدة الثالثة:
يؤخذ من الآية الكريمة، أنه كلما كان الإنسان صادقا في حب الله ، كانت المتابعة عليه أسهل وأخف والعكس بالعكس.
الفائدة الرابعة:
إذا كان شرفا لك أن تحب الله ، فإن الله يكافئك على هذا الحب (إذا اتبعت) بما هو أعظم من حبك، ألا وهو أن يحبك الله، وشتان بين الأمرين، وكما قالوا: ليس الشأن أن تحب ولكن الشأن أن تحب، وهل في الوجود أعظم من أن يحبك الله ، وهل يعذب الله أحدا يحبه، فتأمل ما يترتب على هذه المتابعة. على وما يترتب على المخالفة الظاهرة والباطنة.
الفائدة الخامسة:
كما أن الناس يختلفون في متابعة النبي ﷺ فكذلك يختلف حب الله لهم، فكلما قوي الاتباع قوى الحب، وكلما ضعف الاتباع ضعف الحب؛ لأن القاعدة:
(أنه إذا ارتبط الحكم بوصف معين، قوى الحكم كلما قوى الوصف) ، وهذا كثير في القرآن
стр. 28
والسنة، ومثاله قوله- تعالى-: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة: ٢، ٣] ، فكلما قوي إيمان العبد بالغيب، وكان على الصلاة محافظا وللزكاة فاعلا، كان له نصيب أكثر من هدي القرآن، ورأى في القرآن من الآيات والهدايات ما لم ير غيره، وهذا مشاهد، وكلما كثرت الشبهات في قلب الإنسان، وانقاد لها ولم يجاهدها، بل دعا إليها، كان انتفاعه بهدايات القرآن أقل، حتى يصل إلى عدم الانتفاع بالكلية، بل يكون سماعه القرآن وبالا عليه، كما في قوله: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى [فصلت: ٤٤] ، فلا يرتاب أحد أن أناسا يسمعون القرآن فلا يؤمنون، بل يجادلون ويخاصمون ويجدون في كل آية شبهة، والله بعدله يجازيهم على ظلمهم لأنفسهم، وتكبرهم على الحق وتكذيبهم لأنبيائه، فيجعل على قلوبهم أغطية، وفي آذانهم صمما، فلا تتدبر القلوب موعظة، ولا تسمع الآذان نصحا، فسبحان الذي بيده قلوب العباد يقلبها كيف يشاء، يسمع أقوام ذكر الله ، فتوجل قلوبهم، وتخشع أبدانهم وتدمع عيونهم، قال- تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: ٢] ، ويسمع آخرون ذكر الله ، الذي تخشع له الجبال الصم، فتشمئز قلوبهم، قال- تعالى.: وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر: ٤٥] .
الفائدة السادسة:
إن ادعى أحد أمامك، مهما كانت منزلته بين الناس، أنه يحب الله ، فلا تغتر بهذه الدعوى، إلا إذا رأيت منه حسن الاتباع، ولو مشى على الماء، وطار في السماء، كما قال الإمام الشافعي-رحمه الله تعالى-- ويبقى بعد ذلك الإخلاص في العمل، وهذا لا يعلمه إلا الله ، فو الله رأيت بعيني، رجلا يدعي أصحابه أن له من الكرامات ما لا يعد ولا يحصى، ويحفونه بكل أنواع الإجلال والإعظام، حتى إنهم أنكروا عليّ كيف أسلم عليه ولا أقبل يديه، وأنا لم أره من قبل، فلما سألته لماذا لا تحفّ شاربك، وقد تعدى شفتيك، ولماذا لا تقص أظافرك مع اتساخها الظاهر، ذكر لي أنها مقامات، فلنا نحن العوام مثل هذه الأمور الشكلية كما يعتقد، أما أصحاب الكرامات، فقد انشغلوا بما هو أعظم من ذلك، فبينت له ولهم، أن النبي ﷺ صاحب المقام الشريف، هو الذي أمر بذلك، وأبلغنا أنها من سنن الفطرة، ويأثم المسلم بتركها، وذكرت له في معرض الجدال آية الباب، وأنها حجة عليه، فكاد أصحابه في المسجد أن يوقعوا بي، لولا
стр. 29
أنه أمرهم بالترفق بي بحجة جهلي بمقاماتهم، وما أنعم الله عليهم من العلوم والفهوم.
وأقول: إن الذي شغلهم عن الاتباع، في أمر مثل سنن الفطرة، هو الشيطان، واتباع الهوى، فإنه مصدر كل ردى. وبلوى كل من غوى، فسبحان الذي بيّن طريق الهدى، فقال: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ. فليس بعد ذلك البيان بيان.
الفائدة السابعة:
لم يعد الله المتبعين للسنة بمحبته فقط، وإن كان فيها الكفاية والوقاية، بل زاد على ذلك مغفرة الذنوب وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران: ٣١] ، فماذا بقى، فسينال العبد المطلوب بحب الله إياه، ويأمن من المرهوب بمغفرة الذنوب، فتأمل كيف كان في الاتباع كل خير، وفي الابتداع كل شر، ومن المهم أن نشير هنا إلى أن المسلم قد يجد حلاوة، عند القيام ببدعة، خاصة فيما يتعلق بالذكر الممنوع شرعا، الذي يحتوي على ألفاظ وحركات لم ترد في السنة، يكون فيها الرجل أشبه بالسكران، ويقولون: إن هذا هو الوجد، الذي لا تشعر به، إلا بمثل هذا الذكر، والذي قد يصاحبه طبل ومزمار، فكيف تنكرون هذا الذكر؟ مع عظيم ما يشعر به المتلبس من روحانيات وقرب من الله ، يسميها البعض الجذب والفناء، وما أشبه ذلك من الألفاظ التي لم ترد في الآيات المنزلة، ولا في السنة المطهرة، والإجابة على كل هذه الأسئلة سهلة، بعون الله- تعالى.، الذي أبان كل حق وأبطل كل باطل.
فأقول: إنّ ما تفعلونه ليس عليه دليل من سنة النبي ﷺ التي أمرتم باتباعها، وجعل الله اتباعها شرطا في محبته. فإن قالوا: هى من السنة.
قلت لهم: قال- لكل مبطل أو مدّع: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [البقرة: ١١١] وحيث لا دليل على هذا الذكر، علم كذبكم على النبي ﷺ .
فإن قالوا: لم تأت به السنة، ولكن فيه خير كثير، وما المانع إن كان هذا يقربنا إلى الله زلفى.
قلت: قولكم: لم تأت به السنة، حجة عليكم لأن النبي ﷺ قال في الحديث المتفق عليه: عن عائشة- ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ» «١» . أي مردود على صاحبه، لن يقبله الله .
أما قولكم: فيه خير كثير، فهذا طعن في نبيكم ﷺ فكيف يكون خيرا ولم يدلنا عليه ﷺ قبل موته؟! فإن كان يعلم أنه خير ولم يبلّغه، فقد اتهمتموه بعدم البلاغ، وكتمان
стр. 30
الوحي، فقد روى مسلم عن عائشة- ﵂ قالت: (ثلاث من تكلّم بواحدة منهنّ فقد أعظم على الله الفرية «١» ، وفيه: من زعم أنّ رسول الله ﷺ كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، وفيه: لو كان محمّد ﷺ كاتما شيئا ممّا أنزل عليه لكتم هذه الآية وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ «٢» . وإن لم يكن ﷺ يعلم أنه خير، فقد اتهمتموه بجهل ما يحبه الله ويرضاه، وحاشاه ذلك، والمتبعون لسنته ينزهون النبي ﷺ عن كل ما ذكر.
وإن ادعيتم: أن هذا يقربكم إلى الله زلفى.
قلت لكم: كيف تدعون أن شيئا ليس في الكتاب والسنة يقرب إلى الله ويرضى به، وقد أحكم الله أمر الدين، وأكمل الشرع، وامتن على عباده المؤمنين بذلك فقال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٣] .
فأمركم لا يخرج عن قولين: إما أن تقولوا: إن الذى تفعلونه دينا، فبذلك تكونون قد كذبتم القرآن، لقوله- .: أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.
وإما أن تقولوا: إن هذا ليس بدين.
فأقول لكم: أتستهزئون بالله ! تعبدونه بما لم يشرعه لكم.
أما قولكم: إننا نشعر بلذة وقرب، لا نعهده فيما سوى ذلك من أذكار.
فأقول لكم: إنكم أثبتم لأنفسكم مقامات وأحوالا، لم تثبت في السنة لأصحاب النبي ﷺ وهم أفضل من سجد وركع لله ، كما أن هذه المقامات والأحوال من تلبيس وتزيين الشيطان، قال- تعالى-: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً [فاطر: ٨] ، وقال تعالى-: فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [النحل: ٦٣] . وقطعنا أن ذلك التزيين من الشيطان، لأننا أثبتنا أن الله لا يرضى بذلك الفعل، ولا يثيب عليه، وإن لم يكن هذا من البدع ومن المحدثات في الدين، فما البدعة التي حذرنا نبينا ﷺ منها؟!.
وأي فائدة من هذه المقامات والأحوال إن كنا لن نثاب عليها؟!، وهذا التفصيل ينسحب على كل بدعة، فعلى المسلم أن يسأل عن كل أمر، قبل أن يأتيه، إن كان من السنة أو ليس
стр. 31
منها، فقد حكم الله على كل من اتبع بالهدى، وعلى كل من ابتدع بالردى.
الفائدة الثامنة:
ما ثواب حب الله للعبد في الدنيا قبل الآخرة؟ أقول: إن الثواب عظيم، لما حدّث به أبو هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله إذا أحبّ عبدا دعا جبريل فقال: إنيّ أحبّ فلانا فأحبّه. قال: فيحبّه جبريل، ثمّ ينادي في السّماء. فيقول:
إنّ الله يحبّ فلانا فأحبّوه، فيحبّه أهل السّماء. قال: ثمّ يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إنيّ أبغض فلانا فأبغضه. قال: فيبغضه جبريل. ثمّ ينادي في أهل السّماء: إنّ الله يبغض فلانا فأبغضوه. قال: فيبغضونه، ثمّ توضع له البغضاء في الأرض» «١» .
الفائدة التاسعة:
قد يسأل سائل: هل في آية الباب اشتراط حبّ المسلم للنبي ﷺ لنيل حب الله ، أم يكفي الاتباع وحده؟ أقول: يجب حب النبي ﷺ لأن الآية اشترطت المتابعة، وهي الطاعة الكاملة، في كل ما أمر النبي ﷺ ونهى، فيدخل في ذلك حبه أكثر من النفس، لما ورد عن عبد الله بن هشام بن زهرة ﵁ قال: كنّا مع النّبيّ ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطّاب ﵁ قال: والله لأنت يا رسول الله أحبّ إليّ من كلّ شيء إلّا نفسي.
فقال النّبيّ ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتّى أكون عنده أحبّ إليه من نفسه» . قال عمر: فلأنت الآن والله أحبّ إليّ من نفسي. فقال رسول الله ﷺ : «الآن يا عمر» «٢» . وفي رواية عند مسلم، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والنّاس أجمعين» «٣» .
٣- ليس للمسلم اختيار في اتباع سنته ﷺ ومن خالفها فقد ضل ضلالا مبينا:
ونحن في عصر يتشدق الناس جميعا، إلا من رحم ربي، بمتابعة الغرب وعاداتهم وتقاليدهم، وصدق الصادق المصدوق ﷺ حيث يقول في الحديث الذي يرويه أبو سعيد الخدري رضى الله عنه: «لتتّبعنّ سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتّى لو سلكوا جحر ضبّ لسلكتموه» . قلنا: يا رسول الله اليهود والنّصارى؟ قال: «فمن؟!» «٤» . وتركوا هدي
стр. 32
نبيهم، وهذا من شدة الجفاء لسنة النبي ﷺ ، فتحولت عباداتهم عادات واستشكلت عليهم أمور دينهم فينكرون منها أكثر مما يعرفون والأدهى والأطم أنهم يقارنون أقوالهم بأقوال الرسول ﷺ ويعرضون أعمالهم على الغرب قبل عرضها على الهدي النبوي الشريف وما ذلك إلا جزاء تركهم وبعدهم عن سنة النبي ﷺ وقد قال- تعالى-: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً [الأحزاب: ٣٦] .
أولا: سبب نزول الآية الكريمة:
قال القرطبي- ﵀: (روى قتادة وابن عباس ومجاهد في سبب نزول هذه الآية أن رسول الله ﷺ خطب زينب بنت جحش وكانت بنت عمته فظنت أن الخطبة لنفسه فلما تبين أنه يريدها لزيد كرهت وأبت وامتنعت فنزلت الآية فأذعنت زينب حينئذ وتزوجته) «١» .
وهذا ذكره الحافظ ابن كثير والشيخ السعدي- رحمهما الله- وغيرهما من المفسرين.
ثانيا: بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
عظّمت الآية وجوب الامتثال والانصياع لكل ما قضى الله ورسوله ﷺ وأكدت الآية من أولها إلى آخرها هذا المعنى على نسق بديع وبيان ذلك على النحو التالي:
١- بدأت الآية بقوله- تعالى-: وَما كانَ قال الإمام القرطبي: (معناها الحظر والمنع فتجيء لحظر الشيء والحكم بأنه لا يكون، وربما كان امتناع ذلك الشيء عقلا، كقوله- تعالى: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها [النمل: ٦٠] ، وربما كان للعلم بامتناعه شرعا، كقوله- تعالى-: ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران: ٧٩] «٢» .
وأقول: إنما تأتي هذه الصيغة لتأكيد شدة الانتفاء واستحالة حدوث الأمر لمعارضته الشرع أو العقل أو الاثنين معا، كقوله- تعالى-: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [مريم: ٣٥] . وتصدير آية الباب بقوله- تعالى-: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ يفيد استبعاد مخالفة أمر الله ورسوله لمن اتصف بالإيمان سواء كان رجلا أم امرأة.
стр. 33
٢- جاءت الآية الكريمة بلفظ: أَمْراً، نكرة للتقليل، لتفيد أي أمر وإن صغر، فبذلك أوجبت الآية الطاعة في كل الأمور.
٣- نفت الآية الكريمة عن كل ذكر أو أنثى قد لبس لباس الإيمان أن يكون له حق الاختيار في أوامر الله ورسوله ﷺ فبينت الآية الكريمة أن العقل ليس له مجال في تلك الأوامر، من حيث اختيار الفعل وعدمه، أي أن العقل لم يخلق لمثل هذا، إنما خلق لتدبر الأمر من حيث كيفية تنفيذه على الهيئة التي يرضاها الله ورسوله.
وأهمس في أذن العقلانيين فأقول لهم: إذا كان العقل لم يخلق لمثل هذا الاختيار (وهو أفعل أو لا أفعل) فمن باب أولى لم يخلق للحكم على شرع الله الحكيم الخبير (أصالح هو أم لا) حاشا لله- .
٤- نسبت الآية الكريمة الأمر الذي ليس للمؤمنين اختيار فيه إلى أنفسهم فقالت:
مِنْ أَمْرِهِمْ؛ لتدلل على أن المؤمن ليس له اختيار في طاعة الله ورسوله، وعليه أن ينطرح بين يدي ربه يصرف له أموره ويدبر له شئونه، ليس في شئون العبادات وحدها ولكن في أخص شئونه المنسوبة إليه، وأفسر ذلك فأقول: ليس للمؤمن حق أن يقول: هذا أمر خاص بي أفعل فيه ما أشاء إذا كان لله ورسوله في هذا الأمر حكم وأمر، وهل هناك أمر أخصّ من زواج المرأة، التي نزلت الآية بشأنها؟!.
٥- من أبلغ مظاهر تعظيم الآية لطاعة الله ورسوله ﷺ ما جاء في ختامها وهي قوله- تعالى.: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً، فهو حكم إلهي على كل من أبى طاعة الله ورسوله في أموره العامة والخاصة وفي عاداته وعبادته بالضلال في الدنيا والآخرة، وهذا الضلال من شناعته وعظم أمره أنه ضلال بيّن ظاهر لا يخفى على أحد، ولكن الشيطان يوحي لأوليائه أنهم على الحق ويزين لهم ذلك بينما هم في ضلال مبين.
وأختم هذه الفائدة بكلام نفيس للشيخ السعدي- ﵀ يجمل ما قلت ويؤكده، قال ﵀: (لا ينبغي ولا يليق ممن اتصف بالإيمان، إلا الإسراع في مرضاة الله ورسوله، والهرب من سخط الله ورسوله، وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما، فلا يليق بمؤمن ولا مؤمنة: إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً من الأمور، وحكما به وألزما به أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، أي: الخيار هل يفعلونه أم لا؟ بل يعلم المؤمن والمؤمنة، أن الرسول أولى به من نفسه، فلا يجعل بعض أهواء نفسه حجابا بينه وبين أمر الله ورسوله وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً، أي: بينّا، لأنه ترك الصراط المستقيم الموصلة إلى كرامة الله، إلى
стр. 34
غيرها من الطرق الموصلة للعذاب الأليم، فذكر أولا السبب الموجب لعدم معارضته أمر الله ورسوله، وهو الإيمان، ثم ذكر المانع من ذلك، وهو التخويف بالضلال الدال على العقوبة والنكال) «١» .
الفائدة الثانية:
مدى البلاء والاختبار الذي تعرض له الصحابة رضى الله عنهم في طريقهم إلى الله ورسوله، فهذه امرأة حسيبة شريفة في قومها تؤمر أن تتزوج من رجل كان بالأمس عبدا وهو الصحابي الجليل زيد بن حارثة رضى الله عنه وينزل بشأنها قرآن يخبرها أنه ليس لها اختيار في رفض أو قبول مثل هذا الزواج، وهي لا تعرف الحكمة الإلهية من هذا الزواج، ولكن انظر أخي القارئ بركة طاعة الصحابية الجليلة أم المؤمنين زينب بنت جحش لأمر الله ورسوله كان عاقبتها الحسنى في الدنيا والآخرة إن شاء الله، زوّجها الله من نبيه وخليله ﷺ بقرآن يتلى.
٤- من اتبع سنته ﷺ دخل الجنة:
بيان معنى الاتباع في اللغة:
الاتباع مصدر، واتبع الشيء: سار في أثره وتلاه وله معان كثيرة تدور حول التطلب والاقتداء والاقتفاء واللحاق والتأسي ويقال: اتبع القرآن، ائتمّ به وعمل بما فيه، واتبع الرسول ﷺ : اقتدى به واقتفى أثره وتأسى به) «٢» .
إن من أحد أركان الإسلام وركائزه حسن اتباع المصطفى ﷺ فإنه من أساسيات الدين ومسلّماته، وقد استفاضت النصوص القرآنية والسنة النبوية الصحيحة في توضيح ذلك أيما وضوح: فعن أبي هريرة رضى الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «كلّ أمّتي يدخلون الجنّة إلّا من أبى» . قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنّة، ومن عصاني فقد أبى» «٣» .
الشاهد في الحديث: قوله ﷺ : «من أطاعني دخل الجنّة» . وطاعة النبي ﷺ هي اتباع سنته الشريفة، قال الحافظ ابن حجر- ﵀: ( «أبى» أي: امتنع، وظاهره أن العموم مستمر؛ لأن كلّا منهم لا يمتنع من دخول الجنة ولذلك قالوا: (ومن يأبى؟!) بيّن لهم أن إسناد
стр. 35
الامتناع إليهم عن دخول الجنة مجاز عن الامتناع عن سنته، وهو عصيان الرسول ﷺ «١» .
قلت: في الحديث أبلغ رد على من زعم- كذبا- أن اتباع ما جاء في القرآن- دون الأخذ بالسنة- يكفيه ويدخله الجنة.
٥- جعل الله الهداية في طاعته ﷺ :
قال- تعالى-: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النور: ٥٤] .
الشاهد في الآية قوله- تعالى-: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا. قال الإمام القرطبي- ﵀: (جعل الاهتداء مقرونا بطاعته) «٢» ، وقال الحافظ ابن كثير- ﵀:
(ذلك لأنه يدعو إلى صراط مستقيم صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [الشورى: ٣٥] «٣» ، وقال الشيخ السعدي- ﵀: (وإن تطيعوه تهتدوا إلى الصراط المستقيم قولا وعملا، فلا سبيل لكم إلى الهداية إلا بطاعته، وبدون ذلك لا يمكن بل محال) «٤» .
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
بلاغة القرآن الكريم وإعجازه، إذ حددت الآية العظيمة المنهج الذي يجب أن تسير عليه الأمة لتضمن الهداية، كما حددت- بمقتضى مفهوم المخالفة- سبيل الغواية، وذلك في ثلاث كلمات، أداة الشرط وفعله وجوابه.
الفائدة الثانية:
في الآية أعلى مراتب تزكية النبي ﷺ لأن الآية أثبتت كمال الهداية للمقتدي وهو الفرع، فكيف يكون حال المقتدى به ﷺ وهو الأصل.
الفائدة الثالثة:
تفاوت المسلمين تفاوتا بينا في مراتب الهداية، بحسب تفاوتهم في اتباع السنة النبوية- على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم- فبقدر ما يكون عند المسلم من اتباع بقدر ما يكون عنده من الهداية. ويتفرع عليه خطورة تلك الجماعات التي تبتدع في العبادات ما لم يأذن به الله ورسوله ﷺ .
الفائدة الرابعة:
يجب على كل مسلم أن يعتقد اعتقادا جازما لا يخالطه أدنى شك، أن
стр. 36
كل مذهب أو فكر أو فلسفة أو نظرية تخالف ما جاءت به السنة الشريفة فهي ضلال وغواية، وهذا الاعتقاد هو مقتضى التصديق بقوله- تعالى.: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا، حيث يستحيل عقلا أن تجتمع الهداية في الأمر وضده.
٦- الإيمان به ﷺ سبب السعادة في القبر:
عن أنس رضى الله عنه عن النّبيّ ﷺ قال: «العبد إذا وضع في قبره وتولي وذهب أصحابه، حتّى إنّه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرّجل محمّد ﷺ ؟ فيقول: أشهد أنّه عبد الله ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النّار أبدلك الله به مقعدا من الجنّة» . قال النّبيّ ﷺ : «فيراهما جميعا، وأمّا الكافر أو المنافق فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول النّاس، فيقال: لا دريت ولا تليت. ثمّ يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلّا الثّقلين» «١» .
الشاهد في الحديث: أن العبد إذا سئل عن النبي ﷺ فأجاب إجابة المؤمنين أراه الله- مقعده من الجنة.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في علو قدر النبي ﷺ وعظيم شأنه، يتبين ذلك من الأمور الآتية:
١- أن العبد يحاسب على الإيمان به ﷺ والتصديق برسالته فور تولي أصحابه عنه.
٢- شهادة العبد أن محمدا ﷺ هو عبد الله ورسوله وتوفيقه للنطق بها، هي سبب سعادة العبد طيلة بقائه في قبره، وكفى بذلك شرفا ورفعة للنبي ﷺ فقد ورد في الحديث: «فيقال: انظر إلى مقعدك من النّار أبدلك الله به مقعدا من الجنّة» . قال النّبيّ ﷺ :
«فيراهما جميعا» ، كما في قول قتادة: (وذكر لنا أنّه يفسح له في قبره سبعون ذراعا ويملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون) «٢» . وفي المقابل ذكر الحديث العذاب الشديد للمنافق والكافر الذي لا يوفّق لتلك الشهادة.
٣- في الحديث دليل على أن النبي ﷺ قد بين للأمة أنه عبد لله- وأنه لا يشارك الله أبدا في أي أمر من أمور الألوهية، ولولا أن النبي ﷺ قد بين ذلك أحسن
стр. 37
البيان وأوضحه، ما حاسب الله العباد في القبر على إيمانهم أن النبي ﷺ عبد لله، بل إن شهادة المؤمن يسبق فيها إثبات صفة العبودية للرسول ﷺ على صفة الرسالة، وكأنها الصفة التي غلبت عليه ﷺ وأراد أن يحققها طوال حياته وبالفعل حققها ﷺ كأحسن ما يكون.
ويتفرع عليه: أن من اعتقد في النبي ﷺ درجة أعلى من درجة العبودية لله- (وهي أعظم منازله ﷺ بأن أثبت له شيئا يعلم أنه لا ينبغي إلا لله فلن يوفق في إجابة سؤال الملكين.
كما أقول: إن من ابتدع في هذا الدين ما ليس منه، ورغب عن سنته ﷺ قد يؤخر عن إجابة الملكين وقد يتلعثم فيها وقد لا يوفق لها أصلا وذلك بقدر ما ابتدع في هذا الدين أو رغب عن السنة الشريفة، ودليل ذلك ما ورد عن النبي ﷺ : «فأمّا المؤمن أو الموقن فيقول:
هو محمّد رسول الله جاءنا بالبيّنات والهدى فأجبنا وآمنّا واتّبعنا فيقال له: نم صالحا» «١» ، فكيف يوفق الله من ابتدع في الدين لقول: (آمنا واتبعنا) . وهو في الحقيقة لم يتبع.
٤- في الحديث دلالة واضحة على أن النبي ﷺ قد بعث للناس كلهم جميعا، وأنهم كلهم مطالبون بالإيمان به وتصديقه ﷺ والدليل على ذلك من الحديث قوله ﷺ : «إن العبد إذا وضع في قبره» ، وكلمة العبد تشمل كل جنس البشر، ثم إن قوله ﷺ : «وأما المنافق والكافر» . فهو دليل آخر على أن السؤال يشمل الناس جميعا، فالناس لا يخرجون عن أصناف ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وكافر، وأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا به ﷺ يدخلون في لفظ (كافر) .
فإن قال قائل: كيف يكون سؤال الملكين عن النبي ﷺ كافيا لدخول العبد الجنة دون السؤال عن الله ودين الإسلام؟ قلت: وردت أحاديث أخرى بسؤال العبد عن الرب- ﵎: من ربك؟ ما دينك، ولكنها ليست في الصحيحين، لذلك لم أوردها في الكتاب، لما التزمت به من التقيد بأحاديث الصحيحين، ثم إنني أحببت أن أورد هذا الحديث الذي ليس فيه إلا ذكر السؤال عن النبي ﷺ ليستقر في قلب وعقل كل مسلم عظيم قدر النبي ﷺ وأن الإيمان به واتباعه هو سبب السعادة في الدنيا والآخرة وما بينهما وهي حياة البرزخ. ثم أقول: إن إقرار العبد بأن محمدا ﷺ عبد الله ورسوله، يتضمن الإيمان بالله- تعالى- ودين الإسلام، وأوصي نفسي وإخواني من المسلمين بإجلال النبي ﷺ وتوقيره وكثرة الصلاة عليه وحبه أكثر من المال والأهل والولد، لعل الله يثبتنا
стр. 38
في قبورنا ويلهمنا إجابة الملكين، إنه نعم المولى ونعم المجيب.
تنبيه: قال الحافظ ابن حجر- ﵀ ما نصه: (واختلف أيضا في النبي ﷺ هل يسأل) «١» ، أقول- والله تعالى- أعلم: لا ينبغي أن يطرح هذا الاحتمال أصلا؛ وذلك للأسباب التالية:
أ- علو قدره ﷺ فوق الخلق كلهم جميعا فكيف يسأله من هو أقل منه مرتبة.
ب- السؤال يستلزم إقعاد المسئول، وأعتقد أن إثبات ذلك للنبي ﷺ من سوء الأدب مع مقامه الرفيع.
ج- لم يأت دليل على أن النبي ﷺ يسأل في قبره، فعدم الخوض فيه أولى بل أوجب، خاصة إذا كانت صورة السؤال لا تناسب مقام النبوة.
د- ما الحكمة من سؤال النبي ﷺ في قبره، حيث إن الناس يسألون؛ فتنة لهم في قبورهم وامتحانا، ونجزم قطعا أن النبي ﷺ بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى لن يتعرض لأدنى فتنة أو اختبار، لما ورد في الحديث الصحيح أنه ﷺ قال لفاطمة- رضى الله عنها- عند موته: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» «٢» ، فهذا يدل على أنه ﷺ لن يتعرض لأدنى أدنى أذى أو فتنة أو امتحان، وأنه في أمن وأمان من ذلك طوال فترة البرزخ اللائقة به ﷺ إلى يوم أن يحشر ويستفتح الجنة، مرورا بنشر الصحف وإقامة الموازين وضرب الصراط على ظهراني جهنم والمرور عليه، والوقوف بين يدي ربه- ﵎ شافعا ومشفعا في الخلق كلهم جميعا، كل هذا وغيره لن يمسه فيه ﷺ أدنى خوف أو فزع.
فإن قال قائل: إذا كان النبي ﷺ لن يتعرض قطعا لسؤال القبر وفتنته، فلماذا كان يتعوذ من هذه الفتنة كثيرا خاصة قبل السلام من الصلاة؟
قلت: كان ﷺ يفعل ذلك عبودية لله ﵎، وإعلان الافتقار إليه والحاجة لعونه ومدده، وتعليما للأمة.
الفائدة الثانية:
الثناء الحسن على النبي ﷺ وذكره الطيب المبارك دائم وموصول إلى يوم القيامة، ليس فوق الأرض فحسب بل تحتها أيضا، فها هو كل مؤمن يشهد له بالعبودية والرسالة، ويشهد أن ما جاء به هو الحق والهدى.
الفائدة الثالثة:
الإيمان الذي ينجي العبد في قبره وبين يدي ربه، هو الإيمان الذي لا
стр. 39
يخالطه شك ولا يساوره ارتياب، والدليل على ذلك أن المؤمن يقول: (أشهد) . والشهادة لا تكون إلا عن يقين، والمنافق يقول: (كنت أقول ما يقول الناس) . فمع أن المنافق كان يقول الشهادتين إلا أنها لن تنفعه يوم القيامة لعدم وجود اليقين.
وقد بينت في باب: (يسمع النبي ﷺ ما لا يسمعه أحد) فوائد عن القبر وسؤاله وعذابه مما يغني عن إعادته هنا.
٧- نفي إيمان من لا يحكّم سنته ﷺ :
قال- تعالى.: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء: ٦٥] .
أولا: سبب نزول الآية:
عن عروة بن الزّبير: أنّ الزّبير ﷺ كان يحدّث أنّه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا إلى رسول الله ﷺ في شراج «١» من الحرّة كانا يسقيان به كلاهما، فقال رسول الله ﷺ للزّبير: «اسق يا زبير ثمّ أرسل إلى جارك» . فغضب الأنصاريّ فقال: يا رسول الله آن كان ابن عمّتك؟! فتلوّن وجه رسول الله ﷺ ثمّ قال: «اسق ثمّ احبس حتّى يبلغ الجدر» .
فاستوعى رسول الله ﷺ حينئذ حقّه للزّبير، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزّبير برأي سعة له وللأنصاريّ، فلمّا أحفظ الأنصاريّ رسول الله ﷺ استوعى للزّبير حقّه في صريح الحكم، قال عروة: قال الزّبير: والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلّا في ذلك فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ) «٢» .
ثانيا: أقوال أهل العلم في شرح الحديث:
ذكر الإمام القرطبي- ﵀ شرحا مبسطا للحديث فقال ما نصه: (سلك النبي ﷺ مع الزبير وخصمه مسلك الصلح فقال: «اسق يا زبير» ؛ لقربه من الماء، «ثم أرسل الماء إلى جارك» ، أي: تساهل في حقك ولا تستوفه وعجّل في إرسال الماء إلى جارك فحضه على المسامحة والتيسير، فلما سمع الأنصاري هذا لم يرض بذلك وغضب؛ لأنه كان يريد ألا يمسك الماء أصلا، وعند ذلك نطق بالكلمة الجائرة المهلكة الفاقرة فقال: آن كان ابن
стр. 40
عمتك؟! على جهة الإنكار، أي: أتحكم له عليّ لأجل أنه من قرابتك؟ فعند ذلك تلون وجه النبي ﷺ غضبا عليه، وحكم للزبير باستيفاء حقه من غير مسامحة له) «١» .
أقول: هذه الآية من أعظم الآيات التي تدلل على تعظيم أمر السنة ووجوب الطاعة المطلقة للنبي ﷺ حيث نفت الآية نفيا قاطعا إيمان العبد حتى يحكّم النبي ﷺ بل ولن يكتمل الإيمان بمجرد التحاكم، بل يجب توفر الرضى والانقياد ومطلق التسليم، كما سيأتي في الفوائد.
ثالثا: بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
عظمت الآية الكريمة شأن التحاكم إلى النبي ﷺ (في حياته) وإلى سنته (بعد مماته) أشد التعظيم.
ومظاهر ذلك في الآية:
١- بدأت الآية الكريمة بصيغة النفي: فَلا وَرَبِّكَ؛ للدلالة على شدة انتفاء المقسم عليه، وهو الإيمان، حتى تتحقق الشروط المذكورة، وهي الرضى بالتحكيم مع الانقياد والتسليم.
٢- أقسم الله- تعالى- بنفسه الكريمة على انتفاء الإيمان حتى يتم التحكيم والرضى، وأضاف ضمير المخاطب، والذي يعود إلى النبي ﷺ لزيادة تعظيم القسم والمقسم عليه. قال- تعالى-: فَلا وَرَبِّكَ.
٣- نفت الآية الإيمان ابتداء عن المسلم حتى يتم التحكيم، ونفي الإيمان أمر عظيم يدلّ على خطورة الأمر، وكان يمكن أن تأتي الآية بصيغة اشتراط اكتمال الإيمان فحسب.
قال الحافظ ابن كثير- ﵀: (يقسم الله- تعالى- بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكّم الرسول ﷺ في جميع الأمور فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له ظاهرا وباطنا ولهذا قال: ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً، أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليما كليّا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة) «٢» .
انتهى.