← Сира

Сира · id 23646

شمائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

أحمد بن عبد الفتاح زواوى

Полный текст (859 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كل مذهب أو فكر أو فلسفة أو نظرية تخالف ما جاءت به السنة الشريفة فهي ضلال وغواية، وهذا الاعتقاد هو مقتضى التصديق بقوله- تعالى.: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا، حيث يستحيل عقلا أن تجتمع الهداية في الأمر وضده. ٦- الإيمان به ﷺ سبب السعادة في القبر: عن أنس رضى الله عنه عن النّبيّ ﷺ قال: «العبد إذا وضع في قبره وتولي وذهب أصحابه، حتّى إنّه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرّجل محمّد ﷺ ؟ فيقول: أشهد أنّه عبد الله ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النّار أبدلك الله به مقعدا من الجنّة» . قال النّبيّ ﷺ : «فيراهما جميعا، وأمّا الكافر أو المنافق فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول النّاس، فيقال: لا دريت ولا تليت. ثمّ يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلّا الثّقلين» «١» . الشاهد في الحديث: أن العبد إذا سئل عن النبي ﷺ فأجاب إجابة المؤمنين أراه الله- مقعده من الجنة. بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: في علو قدر النبي ﷺ وعظيم شأنه، يتبين ذلك من الأمور الآتية: ١- أن العبد يحاسب على الإيمان به ﷺ والتصديق برسالته فور تولي أصحابه عنه. ٢- شهادة العبد أن محمدا ﷺ هو عبد الله ورسوله وتوفيقه للنطق بها، هي سبب سعادة العبد طيلة بقائه في قبره، وكفى بذلك شرفا ورفعة للنبي ﷺ فقد ورد في الحديث: «فيقال: انظر إلى مقعدك من النّار أبدلك الله به مقعدا من الجنّة» . قال النّبيّ ﷺ : «فيراهما جميعا» ، كما في قول قتادة: (وذكر لنا أنّه يفسح له في قبره سبعون ذراعا ويملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون) «٢» . وفي المقابل ذكر الحديث العذاب الشديد للمنافق والكافر الذي لا يوفّق لتلك الشهادة. ٣- في الحديث دليل على أن النبي ﷺ قد بين للأمة أنه عبد لله- وأنه لا يشارك الله أبدا في أي أمر من أمور الألوهية، ولولا أن النبي ﷺ قد بين ذلك أحسن

стр. 37

البيان وأوضحه، ما حاسب الله العباد في القبر على إيمانهم أن النبي ﷺ عبد لله، بل إن شهادة المؤمن يسبق فيها إثبات صفة العبودية للرسول ﷺ على صفة الرسالة، وكأنها الصفة التي غلبت عليه ﷺ وأراد أن يحققها طوال حياته وبالفعل حققها ﷺ كأحسن ما يكون. ويتفرع عليه: أن من اعتقد في النبي ﷺ درجة أعلى من درجة العبودية لله- (وهي أعظم منازله ﷺ بأن أثبت له شيئا يعلم أنه لا ينبغي إلا لله فلن يوفق في إجابة سؤال الملكين. كما أقول: إن من ابتدع في هذا الدين ما ليس منه، ورغب عن سنته ﷺ قد يؤخر عن إجابة الملكين وقد يتلعثم فيها وقد لا يوفق لها أصلا وذلك بقدر ما ابتدع في هذا الدين أو رغب عن السنة الشريفة، ودليل ذلك ما ورد عن النبي ﷺ : «فأمّا المؤمن أو الموقن فيقول: هو محمّد رسول الله جاءنا بالبيّنات والهدى فأجبنا وآمنّا واتّبعنا فيقال له: نم صالحا» «١» ، فكيف يوفق الله من ابتدع في الدين لقول: (آمنا واتبعنا) . وهو في الحقيقة لم يتبع. ٤- في الحديث دلالة واضحة على أن النبي ﷺ قد بعث للناس كلهم جميعا، وأنهم كلهم مطالبون بالإيمان به وتصديقه ﷺ والدليل على ذلك من الحديث قوله ﷺ : «إن العبد إذا وضع في قبره» ، وكلمة العبد تشمل كل جنس البشر، ثم إن قوله ﷺ : «وأما المنافق والكافر» . فهو دليل آخر على أن السؤال يشمل الناس جميعا، فالناس لا يخرجون عن أصناف ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وكافر، وأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا به ﷺ يدخلون في لفظ (كافر) . فإن قال قائل: كيف يكون سؤال الملكين عن النبي ﷺ كافيا لدخول العبد الجنة دون السؤال عن الله ودين الإسلام؟ قلت: وردت أحاديث أخرى بسؤال العبد عن الرب- ﵎: من ربك؟ ما دينك، ولكنها ليست في الصحيحين، لذلك لم أوردها في الكتاب، لما التزمت به من التقيد بأحاديث الصحيحين، ثم إنني أحببت أن أورد هذا الحديث الذي ليس فيه إلا ذكر السؤال عن النبي ﷺ ليستقر في قلب وعقل كل مسلم عظيم قدر النبي ﷺ وأن الإيمان به واتباعه هو سبب السعادة في الدنيا والآخرة وما بينهما وهي حياة البرزخ. ثم أقول: إن إقرار العبد بأن محمدا ﷺ عبد الله ورسوله، يتضمن الإيمان بالله- تعالى- ودين الإسلام، وأوصي نفسي وإخواني من المسلمين بإجلال النبي ﷺ وتوقيره وكثرة الصلاة عليه وحبه أكثر من المال والأهل والولد، لعل الله يثبتنا

стр. 38

في قبورنا ويلهمنا إجابة الملكين، إنه نعم المولى ونعم المجيب. تنبيه: قال الحافظ ابن حجر- ﵀ ما نصه: (واختلف أيضا في النبي ﷺ هل يسأل) «١» ، أقول- والله تعالى- أعلم: لا ينبغي أن يطرح هذا الاحتمال أصلا؛ وذلك للأسباب التالية: أ- علو قدره ﷺ فوق الخلق كلهم جميعا فكيف يسأله من هو أقل منه مرتبة. ب- السؤال يستلزم إقعاد المسئول، وأعتقد أن إثبات ذلك للنبي ﷺ من سوء الأدب مع مقامه الرفيع. ج- لم يأت دليل على أن النبي ﷺ يسأل في قبره، فعدم الخوض فيه أولى بل أوجب، خاصة إذا كانت صورة السؤال لا تناسب مقام النبوة. د- ما الحكمة من سؤال النبي ﷺ في قبره، حيث إن الناس يسألون؛ فتنة لهم في قبورهم وامتحانا، ونجزم قطعا أن النبي ﷺ بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى لن يتعرض لأدنى فتنة أو اختبار، لما ورد في الحديث الصحيح أنه ﷺ قال لفاطمة- رضى الله عنها- عند موته: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» «٢» ، فهذا يدل على أنه ﷺ لن يتعرض لأدنى أدنى أذى أو فتنة أو امتحان، وأنه في أمن وأمان من ذلك طوال فترة البرزخ اللائقة به ﷺ إلى يوم أن يحشر ويستفتح الجنة، مرورا بنشر الصحف وإقامة الموازين وضرب الصراط على ظهراني جهنم والمرور عليه، والوقوف بين يدي ربه- ﵎ شافعا ومشفعا في الخلق كلهم جميعا، كل هذا وغيره لن يمسه فيه ﷺ أدنى خوف أو فزع. فإن قال قائل: إذا كان النبي ﷺ لن يتعرض قطعا لسؤال القبر وفتنته، فلماذا كان يتعوذ من هذه الفتنة كثيرا خاصة قبل السلام من الصلاة؟ قلت: كان ﷺ يفعل ذلك عبودية لله ﵎، وإعلان الافتقار إليه والحاجة لعونه ومدده، وتعليما للأمة. الفائدة الثانية: الثناء الحسن على النبي ﷺ وذكره الطيب المبارك دائم وموصول إلى يوم القيامة، ليس فوق الأرض فحسب بل تحتها أيضا، فها هو كل مؤمن يشهد له بالعبودية والرسالة، ويشهد أن ما جاء به هو الحق والهدى. الفائدة الثالثة: الإيمان الذي ينجي العبد في قبره وبين يدي ربه، هو الإيمان الذي لا

стр. 39

يخالطه شك ولا يساوره ارتياب، والدليل على ذلك أن المؤمن يقول: (أشهد) . والشهادة لا تكون إلا عن يقين، والمنافق يقول: (كنت أقول ما يقول الناس) . فمع أن المنافق كان يقول الشهادتين إلا أنها لن تنفعه يوم القيامة لعدم وجود اليقين. وقد بينت في باب: (يسمع النبي ﷺ ما لا يسمعه أحد) فوائد عن القبر وسؤاله وعذابه مما يغني عن إعادته هنا. ٧- نفي إيمان من لا يحكّم سنته ﷺ : قال- تعالى.: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء: ٦٥] . أولا: سبب نزول الآية: عن عروة بن الزّبير: أنّ الزّبير ﷺ كان يحدّث أنّه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا إلى رسول الله ﷺ في شراج «١» من الحرّة كانا يسقيان به كلاهما، فقال رسول الله ﷺ للزّبير: «اسق يا زبير ثمّ أرسل إلى جارك» . فغضب الأنصاريّ فقال: يا رسول الله آن كان ابن عمّتك؟! فتلوّن وجه رسول الله ﷺ ثمّ قال: «اسق ثمّ احبس حتّى يبلغ الجدر» . فاستوعى رسول الله ﷺ حينئذ حقّه للزّبير، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزّبير برأي سعة له وللأنصاريّ، فلمّا أحفظ الأنصاريّ رسول الله ﷺ استوعى للزّبير حقّه في صريح الحكم، قال عروة: قال الزّبير: والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلّا في ذلك فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ) «٢» . ثانيا: أقوال أهل العلم في شرح الحديث: ذكر الإمام القرطبي- ﵀ شرحا مبسطا للحديث فقال ما نصه: (سلك النبي ﷺ مع الزبير وخصمه مسلك الصلح فقال: «اسق يا زبير» ؛ لقربه من الماء، «ثم أرسل الماء إلى جارك» ، أي: تساهل في حقك ولا تستوفه وعجّل في إرسال الماء إلى جارك فحضه على المسامحة والتيسير، فلما سمع الأنصاري هذا لم يرض بذلك وغضب؛ لأنه كان يريد ألا يمسك الماء أصلا، وعند ذلك نطق بالكلمة الجائرة المهلكة الفاقرة فقال: آن كان ابن

стр. 40

عمتك؟! على جهة الإنكار، أي: أتحكم له عليّ لأجل أنه من قرابتك؟ فعند ذلك تلون وجه النبي ﷺ غضبا عليه، وحكم للزبير باستيفاء حقه من غير مسامحة له) «١» . أقول: هذه الآية من أعظم الآيات التي تدلل على تعظيم أمر السنة ووجوب الطاعة المطلقة للنبي ﷺ حيث نفت الآية نفيا قاطعا إيمان العبد حتى يحكّم النبي ﷺ بل ولن يكتمل الإيمان بمجرد التحاكم، بل يجب توفر الرضى والانقياد ومطلق التسليم، كما سيأتي في الفوائد. ثالثا: بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: عظمت الآية الكريمة شأن التحاكم إلى النبي ﷺ (في حياته) وإلى سنته (بعد مماته) أشد التعظيم. ومظاهر ذلك في الآية: ١- بدأت الآية الكريمة بصيغة النفي: فَلا وَرَبِّكَ؛ للدلالة على شدة انتفاء المقسم عليه، وهو الإيمان، حتى تتحقق الشروط المذكورة، وهي الرضى بالتحكيم مع الانقياد والتسليم. ٢- أقسم الله- تعالى- بنفسه الكريمة على انتفاء الإيمان حتى يتم التحكيم والرضى، وأضاف ضمير المخاطب، والذي يعود إلى النبي ﷺ لزيادة تعظيم القسم والمقسم عليه. قال- تعالى-: فَلا وَرَبِّكَ. ٣- نفت الآية الإيمان ابتداء عن المسلم حتى يتم التحكيم، ونفي الإيمان أمر عظيم يدلّ على خطورة الأمر، وكان يمكن أن تأتي الآية بصيغة اشتراط اكتمال الإيمان فحسب. قال الحافظ ابن كثير- ﵀: (يقسم الله- تعالى- بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكّم الرسول ﷺ في جميع الأمور فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له ظاهرا وباطنا ولهذا قال: ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً، أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليما كليّا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة) «٢» . انتهى.

стр. 41

وتدبر أخي القارئ قول الإمام: (من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة) . فيجب على كل مسلم أن يقارن حاله مع أوامر الكتاب والسنة على ضوء هذه الكلمات الثلاث المباركات، ويعمل على استيفائها على أحسن ما يكون حتى يضمن لنفسه كمال الإيمان بإذن الله- تعالى-. ٤- لم تكتف الآية باشتراط مجرد التحكيم لاستيفاء العبد صفة الإيمان، ولكنها اشترطت شرطين، هما: عدم وجود الحرج في القلب مع التسليم، ولا يسعني هنا إلا أن أذكر الكلام الجميل النفيس الذي ذكره الشيخ السعدي- ﵀ في تفسير هذه الآية، حيث قال ما نصه: (ثم لا يكفي هذا التحكيم حتى ينتفي الحرج عن قلوبهم والضيق، ولا يكفي في هذا التحكيم أن يكون على وجه الإغماض، حتى يسلموا لحكمه تسليما بانشراح صدر وطمأنينة نفس وانقياد بالظاهر والباطن، فالتحكيم في مقام الإسلام وانتفاء الحرج في مقام الإيمان والتسليم في مقام الإحسان، فمن استكمل هذه المراتب وكمّلها فقد استكمل مراتب الدين كلها، ومن ترك هذا التحكيم غير ملتزم له فهو كافر، ومن تركه مع التزامه له فله حكم أمثاله من العاصين) «١» . أي: أن نفي الإيمان المذكور في الآية لا يقصد به نفي كمال الإيمان ولكن نفي الإيمان أصلا كما ذكره الشيخ- ﵀، وهي الحالة التي لا يرضى فيها العبد بالتحكيم. الفائدة الثانية: سعة علم الله- ، الذي أحاط بكل شيء، فوسع مكنون الضمائر وما تخفيه السرائر، التي لا يطلع عليها الجار من جاره، ولا الزوج من زوجته، ولا الأم من ابنتها، ودليله من الآية أن الله- رتب كمال الإيمان على عمل قلبي محض وهو التسليم، ولولا علم الله- تعالى- بدقائق ما في القلوب ما اشترطت الآية هذا الشرط. الفائدة الثالثة: أثبتت الآية الكريمة للنبي ﷺ كمال العدل البشري والحكمة وفهم المسائل في القضاء بين المتخاصمين، حيث أوجبت الآية على كل مسلم الرضى بحكمه ﷺ والتسليم له، ولو أن في حكمه ﷺ شيئا (مهما دق وصغر) منافيا لكمال العدل والحكمة لقال قائل إن الله- قد حمّل العباد أكثر من طاقتهم، وهذا ينافي ما وعد الله به عباده المؤمنين، فكيف يأمر الله العباد بالرضى والتسليم لأمر أو حكم يخالف العدل أو الحكمة أو الفهم الصحيح، والذي أقصده من كمال العدل، هو كمال العدل

стр. 42

الذي ينبني على تساوي المتخاصمين في بيان دعواهما، لقول النبي ﷺ : «إنّما أنا بشر وإنّكم تختصمون، إليّ ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض وأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حقّ أخيه شيئا فلا يأخذ فإنّما أقطع له قطعة من النّار» «١» ، أما عدل الله بين المتخاصمين فهو العدل المطلق الذي لا يقدر عليه إلا الله- . ويتفرع عليه براءة النبي ﷺ براءة ربانية أن يكون قد مال في حكمه- طيلة حياته- لأحد المتخاصمين ضد الآخر ولو كان من قرابته وأهل بيته ﷺ . وأدل دليل على عدله ﷺ في الحكم، هو قول الله- تعالى-: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً [النساء: ١٠٥] ، قال الشيخ السعدي- ﵀ (أي بما علمك الله وألهمك) «٢» . الفائدة الرابعة: الإيمان الذي يرضي الله- ويرضى به على العبد المسلم، هو إيمان قلب وجوارح، إيمان عمل واعتقاد، إيمان رضى وتسليم، حيث إن الله أمر بالتحاكم إلى سنة النبي ﷺ ثم أمر بمطلق الانقياد والرضى والتسليم. ويتفرع عليه كذب من ينهمك في المعاصي والذنوب ويدعي بأن الله رب قلوب، يقصد بذلك أنه إذا كان القلب نظيفا فلا داعي لعمل الجوارح، والآية ترد عليهم، كما هي حجة على من يهتم بالعبادات الظاهرة ويهمل العبادات الباطنة. الفائدة الخامسة: إذا كانت الآية قد نزلت بمناسبة التحكيم بين اثنين من الصحابة- في أمر من أمور الدنيا- إلا أنها عامة في وجوب الرضى والتسليم بكل ما قضاه النبي ﷺ وأمر به، من أمور الدنيا والآخرة، بل أقول: إن الرضى بأمور الآخرة أوجب وأوجب، والقاعدة الأصولية تنص على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. الفائدة السادسة: لا يدخل شخص النبي ﷺ في عموم نهيه عن حكم القاضي وهو غضبان، فعن عبد الرّحمن بن أبي بكرة قال: كتب أبو بكرة إلى ابنه- وكان بسجستان- بأن لا تقضي بين اثنين وأنت غضبان فإنّي سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «لا يقضينّ حكم بين اثنين وهو غضبان» «٣» . ودليله من الحديث أن النبي ﷺ لما غضب وتلوّن وجهه من قول

стр. 43

الأنصاري حكم في المسألة حكما ثانيا، كما ذكر القرطبي في أسباب نزول الآية، ويتفرع عليه إثبات عصمة النبي ﷺ في حال غضبه، ولولا علمه ﷺ بهذه العصمة في حال غضبه ما حكم في المسألة في المرة الثانية. قال الإمام القرطبي- ﵀: (ولا يقال: كيف حكم ﷺ في حال غضبه، لأنا نقول: إنه معصوم من الخطأ في التبليغ والأحكام بدليل العقل الدال على صدقه فيما يبلغه عن الله- تعالى- فليس مثل غيره من الحكام) «١» . الفائدة السابعة: جواز أن يقضي الحاكم بين متخاصمين أحدهما من قرابته، شريطة أن يضمن العدل بينهما وعدم محاباة أهله وقرابته. الفائدة الثامنة: عدم رضى أحد المتخاصمين، واعتراضه على حكم القاضي وتظلّمه منه لا يدل على أن الحكم جائر، بل قد يكون الحكم في مصلحة المتظلم، ولكن طبيعة النفس البشرية تأبى إلا أن يكون الحكم حسب هواها، إلا من رحم الله. ٨- وجوب رد النزاع إلى سنته ﷺ : قال- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٩] . سبب نزول الآية الكريمة: عن عليّ ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ سريّة، واستعمل عليهم رجلا من الأنصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأغضبوه في شيء، فقال: اجمعوا لي حطبا، فجمعوا له، ثمّ قال: أوقدوا نارا، فأوقدوا، ثمّ قال: ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى. قال: فادخلوها. قال: فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: إنّما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النّار. فكانوا كذلك، وسكن غضبه، وطفئت النّار، فلمّا رجعوا ذكروا ذلك للنّبيّ ﷺ فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها، إنّما الطّاعة في المعروف» «٢» . بعض فوائد الآية والحديث الوارد في سبب النزول:

стр. 44

الفائدة الأولى: أوجبت الآية الكريمة ردّ الأمور المتنازع فيها إلى الله ورسوله، ومن مظاهر هذا الإيجاب: ١- قوله- تعالى- فَرُدُّوهُ وهو فعل أمر، وفعل الأمر يدل على الوجوب. قال الشيخ السعدي- ﵀: (ثم أمر بردّ كل ما تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه إلى الله ورسوله، أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فإن فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية، إما بصريحهما أو عمومهما أو إيماء أو تنبيه أو مفهوم أو عموم معنى يقاس عليه ما أشبهه؛ لأن كتاب الله وسنة رسوله عليهما بناء الدين ولا يستقيم الإيمان إلا بهما) «١» . ٢- وضحت الآية الكريمة أن رد المتنازع فيه إلى الله ورسوله من مقتضيات الإيمان بالله واليوم الآخر، فجعلت علامة الإيمان بهما هو التحاكم إلى الكتاب والسنة. قال الشيخ السعدي- ﵀: «فالرد إليهما شرط في الإيمان؛ فلهذا قال: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فدل ذلك على أن من لم يردّ إليهما مسائل النزاع فليس بمؤمن حقيقة» . وقال الإمام القرطبي: (أي ردوا ذلك الحكم إلى كتاب الله أو إلى رسوله ﷺ بالسؤال في حياته أو بالنظر إلى سنته بعد وفاته ﷺ ومن لم ير هذا اختلّ إيمانه لقوله- تعالى-: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) «٢» . ٣- جعلت الآية الكريمة الرد إلى الله ورسوله فيه خير الدنيا والآخرة، وبذلك يكون عدم الرد سببا في حصول الشر في الأولى والآخرة، قال الإمام القرطبي- ﵀: (أي ردّكم ما اختلفتم فيه إلى الكتاب والسنة خير من التنازع وأحسن تأويلا أي مرجعا) «٣» . وأوضح الشيخ السعدي وجه الخيرية في الرد إلى الله ورسوله فقال: (لأن حكم الله ورسوله أحسن الأحكام وأعدلها وأصلحها للناس في أمر دينهم ودنياهم وعاقبتهم) . وهذا توجيه آخر إذا ضمّ إلى كلام الإمام القرطبي كملت الفائدة. الفائدة الثانية: ليس لولي الأمر طاعة مستقلة عن طاعة الله ورسوله، ولكن طاعته داخلة في طاعة الله ورسوله، بل إن طاعته مشروطة بعدم الأمر بمعصية، أما طاعة

стр. 45

الرسول ﷺ فغير مشروطة بشيء، وقد وضّح ذلك الشيخ السعدي- ﵀ بقوله: (أمر الله بطاعة أولي الأمر وهم: الولاة على الناس، من الأمراء والحكام والمفتين فإنه لا يستقيم للناس أمر دينهم ودنياهم إلا بطاعتهم والانقياد لهم، ولكن بشرط ألا يأمروا بمعصية الله، فإن أمروا بذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ولعل هذا هو السر في حذف الفعل عند الأمر بطاعتهم وذكره مع طاعة الرسول، فإن الرسول ﷺ لا يأمر إلا بطاعة الله، ومن يطعه فقد أطاع الله، وأما أولو الأمر فشرط الأمر بطاعتهم ألايكون معصية) «١» . الفائدة الثالثة: عظيم أمر العلماء؛ إذ جعل الله- مرجع التنازع إليهم في كل ما اختلفت فيه الأمة، قال الإمام القرطبي- ﵀ (فأمر تعالى برد المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وليس لغير العلماء معرفة الرد إلى الكتاب والسنة، ويدل على صحته كون سؤال العلماء واجبا وامتثال فتواهم لازما) . ومظهر تعظيم العلماء في ذلك، أن الأمة كلها مأمورة أن ترجع إليهم في كل المتنازع فيه، ومأمورة بطاعتهم وامتثال أمرهم، أما هم- أي العلماء- لا يرجعون إلا إلى الكتاب والسنة، فدل ذلك إلى علو شأنهم على من سواهم، بالإضافة إلى أن وجود العلماء الربانيين يضمن نجاة الأمة من الفتن والزيغ والضلال. ويتفرع عليه وجوب قيام الأمة بتبجيل العلماء وتوقيرهم والدعاء لهم بالثبات والسداد. الفائدة الرابعة: أثبتت الآية أن مسائل الشريعة والأحكام تنقسم إلى قسمين: الأول: قسم ظاهر الدلالة والمعنى: يستوي في فهمه العلماء والعوام. ومثاله: وجوب الصلاة والزكاة والصوم وبقية أركان الدين وتحريم عقوق الوالدين وقول الزور والزنا والميسر، وغيرها. الثاني: قسم غير ظاهر الدلالة والمعنى يشكل فهمه على العوام، ويفهمه العلماء، ويختلف فهمهم له باختلاف رسوخهم في العلم. ومثاله: ما استحدث من معاملات في التجارة والبنوك، فتلك الأمور لو ردت إلى الراسخين في العلم لرفع الإشكال. ودليل ذلك من الآية الكريمة: أن الله أمرنا جميعا

стр. 46

بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ثم أمرنا برد المختلف فيه إلى الكتاب والسنة أي إلى العلماء. الفائدة الخامسة: اختلف الصحابة ﵃ في فهم أقوال النبي ﷺ المطلق منها والمقيد، والعام والخاص، وهو اختلاف يرجع إلى تفاوتهم ﵃ في الفهم والفقه، فطائفة فهمت أن أوامر الله ورسوله بوجوب طاعة ولي الأمر، تشمل كل ما يأمر به سواء في طاعة أو معصية، وطائفة فهمت أن الأمر بطاعة الأمير لا يفهم منه العموم، فلا طاعة له في معصية، والنبي ﷺ خطّأ الطائفة الأولى بقوله ﷺ : «لو دخلوها ما خرجوا منها» . وصوّب الطائفة الثانية لقول الراوي: (وقال للآخرين قولا حسنا) . قال الحافظ ابن حجر- ﵀: «وفيه أن الأمر المطلق لا يعمّ جميع الأحوال؛ لأنه ﷺ أمرهم أن يطيعوا الأمير، فحملوا ذلك على عموم الأحوال حتى في حال الغضب وفي حالة الأمر بالمعصية فبين لهم ﷺ أن الأمر بطاعته مقصور على ما كان منه في غير معصية» «١» . وقد ذكرت في موضع آخر من الكتاب أن اختلاف العلماء في المسائل الفقهية إنما يرجع غالبا إلى تباين فهمهم في العام والخاص والمطلق والمقيد، ونعذرهم في ذلك لاختلاف من هم أفضل منهم في الفهم، وهم الصحابة ﵃. الفائدة السادسة: شعور الصحابة بعظيم فضل النبي ﷺ عليهم والنعمة التي هم فيها ببعثه ﷺ واعتقادهم أنه لولا اتباعه لدخلوا النار يقينا، لما ورد في الحديث: (إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار) . ويدل الحديث أيضا على أن همّ الصحابة الأول في اتباع النبي ﷺ هو اتقاء النار يوم القيامة. الفائدة السابعة: ليس لأحد حجة شرعية في طاعة الإمام في معصية؛ لقول النبي ﷺ في إحدى روايات الحديث عند مسلم: «لا طاعة في معصية إنما الطاعة في المعروف» . وهو قول فصل بيّن، ورد في شرح سنن أبي داود: (هذا يدل على أن طاعة الولاة لا تجب إلا في المعروف؛ كالخروج في البعث إذا أمر به الولاة والنفوذ لهم في الأمور التي هي الطاعات ومصالح المسلمين، فأما ما كان منها معصية كقتل النفس المحرمة وما أشبهه فلا طاعة لهم في ذلك، إنما الطاعة في المعروف، والمراد بالمعروف ما كان من الأمور المعروفة في الشرع، وهذا تقييد لما أطلق في الأحاديث المطلقة القاضية بطاعة ولي الأمر على العموم) «٢» .

стр. 47

وإذا كان هذا هو حكم طاعة ولي الأمر- الذي ولاه النبي ﷺ إذا أمر بمعصية، فمن باب أولى وأولى ينسحب هذا الحكم إلى كل من هو دونه من الرئيس والمدير والزوج والزوجة وحتى الوالدين لعموم قوله ﷺ : «لا طاعة في معصية الله وإنما الطاعة في المعروف» ، وإذا كان النبي ﷺ قد بيّن لأصحابه أن هؤلاء لو دخلوا النار فلا عذر لهم عند الله في طاعة أمير رسول الله ﷺ لقوله: «لو دخلوها ما خرجوا منها» ، فهل يعقل أن يكون لغيرهم عذر في طاعة ولي الأمر إذا أمر بمعصية؟!. الفائدة الثامنة: حب الصحابة ﵃ بعضهم لبعض وتناصحهم فيما بينهم أشد ما يكون النصح، ودليله أن نصح بعضهم بعضا لم يقتصر على اللسان وبيان الحق في المسألة، وقد يقول قائل: هذا يكفي، ولكنه تعدى إلى تغيير المنكر باليد، لما ورد عند البخاري: (وجعل بعضهم يمسك بعضا) «١» . الفائدة التاسعة: وجوب طاعة الأمير في حال غضبه- إن لم يأمر بمعصية- لأن أمير السرية قد غضب وأمرهم أن يجمعوا له حطبا ويوقدوا نارا ففعلوا وذكروا ذلك للرسول ﷺ فأقرهم على فعلهم ولم ينههم إنما أنكر فقط طاعته في دخول النار، قال الحافظ ابن حجر- ﵀: (يؤخذ من الحديث أن الحكم في حال الغضب ينفذ فيه ما لا يخالف الشرع وأن الغضب يغطي على ذوي العقول) «٢» . وأقول: أما حكم القاضي بين المتخاصمين وهو غضبان فلا يجوز لوجود النهي في ذلك. الفائدة العاشرة: في الحديث دليل على أن من قتل نفسه خلد في النار، والتخليد على مذهب أهل السنة هو طول المكث في النار، لما ورد في إحدى روايات البخاري: «لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا» ، ويؤيده قوله- تعالى-: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً [النساء: ٩٣] ، وما ورد في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «من تردّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنّم يتردّى فيه خالدا مخلّدا فيها أبدا، ومن تحسّى سمّا فقتل نفسه فسمّه في يده يتحسّاه في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في

стр. 48

بطنه في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها أبدا» «١» ، أما ما نقله صاحب الفتح عن الداودي قوله: (يريد تلك النار لأنهم يموتون بتحريقها فلا يخرجون منها أحياء) . فهذا مستبعد جدّا؛ لأن لا أحد من الصحابة يتصور أنه لو ألقى بنفسه في النار أنه سيخرج منها حيّا، خاصة إذا كان هو الذي ألقى بنفسه فيها متعمدا، وأظن أن الأمر الذي كان يريد النبي ﷺ أن يوضحه لأصحابه في هذا المقام هو الحكم الشرعي الذي يتعلق بدخول النار، وليس طبيعة النار، ويؤيده ما ورد أيضا عند البخاري: «لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة» . الفائدة الحادية عشرة: نقل الحافظ ابن حجر- ﵀ عن الشيخ أبي محمد بن أبي جمرة قوله: (وفيه أن من كان صادق النية لا يقع إلا في خير، ولو قصد الشر فإن الله يصرفه عنه) «٢» ، وهذا حكم يحتاج إلى دليل بذاته، ولا ينهض ما ورد في الحديث، وهو واقعة عين، أن يكون حكما عامّا. ومن الخطأ أن نقول: إن صادق النية لن يقع إلا في خير، والأسوأ أن نقول: ولو قصد شرّا، فالذي يقصد الشر قد أساء النية، ولكن نقول: الأمر لله إن شاء نجاه وإلا فلا، وقد وقع كثير من الناس (خاصة العوام) صادقي النية في شرور كثيرة لقلة علمهم واتباعهم الغير بدون سؤال أو دراية، وهذا مشاهد لا يحتاج إلى دليل، وخطورة هذه الأحكام بالإضافة إلى أنها حكم على الله بغير دليل، أنها تستلزم منا أن نحكم على كل من وقع في شر أنه سيئ النية وهذا حكم خطير. ٩- الوعيد الشديد لمخالفة سنته ﷺ : عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النّبيّ ﷺ يسألون عن عبادة النّبيّ ﷺ فلمّا أخبروا كأنّهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النّبيّ ﷺ ؛ قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر. قال أحدهم: أمّا أنا فإنّي أصلّي اللّيل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدّهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النّساء فلا أتزوّج أبدا. فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: «أنتم الّذين قلتم كذا وكذا؟! أما والله إنّي لأخشاكم لله وأتقاكم له لكنّي أصوم وأفطر وأصلّي وأرقد وأتزوّج النّساء فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» «٣» .

стр. 49

الشاهد في الحديث: قوله ﷺ : «فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» ، وقد وردت أحاديث كثيرة في التحذير من مخالفة أمر النبي ﷺ وعدم اتباع سنته، فعن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني» «١» . وهذا مصداق قوله- تعالى-: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً [النساء: ٨٠] ، بل إن النبي ﷺ قد حكم لكل أمته بدخول الجنة إلا من عصاه: فعن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «كلّ أمّتي يدخلون الجنّة إلّا من أبى» قالوا: يا رسول الله ومن يأبى قال: «من أطاعني دخل الجنّة ومن عصاني فقد أبى» «٢» . بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: عظيم أمر السنة الشريفة، ووجوب اتباعها، والرضى بها منهجا وسلوكا، حيث إن النبي ﷺ قد حكم على من رغب عنها بوصف قاس حيث قال: «فليس مني» . قال الحافظ ابن حجر- ﵀: (وقوله: فليس مني، إن كانت الرغبة عن السنة بضرب من التأويل يعذر صاحبه فيه فيكون المعنى: ليس على طريقتي، ولا يلزم أن يخرج من الملة، وإن كان إعراضا وتنطعا يفضي إلى اعتقاد أرجحية عمله، فمعنى «فليس مني» أي ليس على ملتي لأن اعتقاد ذلك نوع من الكفر) . انتهى «٣» . الفائدة الثانية: كما أن النقص في أمور الدين مذموم، فإن الزيادة أيضا مذمومة، فهؤلاء النفر أرادوا أن يزيدوا في أمور العبادة بما لم يفعله النبي ﷺ فزجرهم ﷺ عن تلك الزيادة. وأقول: إذا كان النبي ﷺ قد وبخ من زاد في عبادة لها أصل في الدين، كان ﷺ يفعلها، بل يداوم عليها، وهي صيام النفل وقيام الليل، فكيف الحال بأناس ابتدعوا في دين الله ما ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة، وتمسكوا بهذه البدع وتعلقوا بها أشد التعلق أكثر من تعلقهم بسنة المصطفى ﷺ ، كابتداع أوراد وصلوات واحتفالات- يزعمون أنها دينية- ليست على هدي النبوة في شيء، أسأل هؤلاء كيف سيكون توبيخ

стр. 50

النبي ﷺ لهم يوم القيامة؟ بل كيف سيكون تبرؤه منهم، وهو الذي قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ» ، وقد عقدت بابا منفصلا لهذا الحديث في كتابي هذا لأهميته. ويتفرع عليه أن مدار الأمر ليس على كثرة العبادة والتشدد فيها، ولكن مدار الأمر على اتباع سنة النبي ﷺ ، دون تفريط أو مغالاة. الفائدة الثالثة: قد تطلق السنة في الأحاديث النبوية ولا يراد بها الأعمال التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، بل يقصد بها الهدي النبوي، كما في قوله ﷺ : «فمن رغب عن سنتي فليس مني» . قال الحافظ ابن حجر- ﵀: (المراد بالسنة الطريقة لا التي تقابل الفرض، ومعنى الرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره، والمراد من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني) «١» . ١٠- دعاء النبي ﷺ على من استكبر عن سنته ﷺ : عن سلمة بن الأكوع ﵁: أنّ رجلا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله فقال: «كل بيمينك» . قال: لا أستطيع. قال: «لا استطعت؛ ما منعه إلّا الكبر» . قال: فما رفعها إلى فيه «٢» . الشاهد في هذا الحديث قول النبي ﷺ للرجل: «لا استطعت» . واستجابة الدعاء حالا لقول الراوي: (فما رفعها إلى فيه) . بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: وجوب تعظيم أمر النبي ﷺ ، والتواضع لسنته والمبادرة إلى طاعته، حيث إن هذا الرجل لما لم يبادر لطاعته ﷺ كبرا، دعا عليه بأمر عظيم وهي أن تشلّ يده، واستجاب الله دعاءه على الفور، مما يؤكد عظم أمر الطاعة، ووجوب التواضع للسنة، ونخشى أن يصيب هذا الدعاء كلّ من ترفّع عن السنة إلى قيام الساعة، فيصيبه وبال ذلك في الدنيا أو الآخرة. الفائدة الثانية: كيف يدعو النبي ﷺ على أحد من أصحابه بهذا الدعاء العظيم، وهو الذي زكاه الله فقال فيه: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] ، وقال : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: ١٥٩] .

стр. 51

أقول: إن هذا الخلق كان هو السّمة الغالبة عليه ﷺ ، ولكن لا يمنع ذلك أن يظهر الشدة في بعض الأوقات، مضطرّا ويكون ذلك لصالح الفرد والأمة، فهذا الرجل الذي تكبّر عن الطاعة فيما أمر، هل ترون أنه سيستمر على ما كان عليه، أم سيتوب إلى الله ويستغفره مما بدر منه، ويستقيم بقية حياته، بالطبع سيستقيم، فيكون الدعاء في حقه، رحمة منه ﷺ ؛ لأنه علاج لداء عظيم، فأن يذهب هذا الكبر بذهاب يده، خير له من أن يبقى في قلبه وتبقى يده. وهناك احتمال آخر أن هذا الرجل كان من المنافقين، لذلك استجاز النبي ﷺ أن يدعو عليه بذلك. وقد نقل النووي في شرح مسلم عن القاضي عياض هذا الاحتمال. وهناك أمر آخر وهو ظهور معجزة من معجزاته ﷺ وتجلّى ذلك في استجابة الله له في الحال، ومن ثمّ يكون في هذا الأمر موعظة وزجر لمن يتكبر على سنة الرسول ﷺ . وفي هذا مصلحة عظيمة لهذا الرجل ولغيره من المسلمين. الفائدة الثالثة: في الحديث دليل على أن الصحابة يمكن أن تقع منهم المعاصي بل الكبائر، لأنهم بشر، وغير معصومين، والشاهد على ذلك أن حدود السرقة والخمر والزنى والقذف، قد أقيمت كلها في عصر النبوة وإن كان ذلك على ندرة شديدة. الفائدة الرابعة: في الحديث تعظيم أمر الكبر وخطورته؛ لأن دعاء النبي ﷺ على هذا الرجل، كان بسبب الكبر الذي منعه من امتثال الأمر، وقد وردت أحاديث كثيرة في ذم الكبر، وتهديد ووعيد لمن تلبس بهذه الصفة، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر» ، قال رجل: إنّ الرّجل يحبّ أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة!! قال: «إنّ الله جميل يحبّ الجمال، الكبر: بطر الحقّ وغمط النّاس» «١» . وعن عبد الله ﵁: أنّ النّبيّ ﷺ قرأ سورة النّجم فسجد بها فما بقي أحد من القوم إلّا سجد فأخذ رجل من القوم كفّا من حصى أو تراب فرفعه إلى وجهه وقال: يكفيني هذا. قال عبد الله: فلقد رأيته بعد قتل كافرا «٢» . يتفرع عليه أن على المسلم إذا وجد في قلبه غضاضة في الانصياع للحق، أو العمل

стр. 52

بالتنزيل، فعليه أن يفتش في نفسه، فلعل الذي رده عن الانصياع وعدم العمل هو الكبر والعياذ بالله فيتدارك ذلك بالتوبة. الفائدة الخامسة: من عظيم أمر الكبر، أنه هو المعصية الوحيدة، التي أبى الله ، إلا أن يفضح عبده بها في الدنيا، فالإنسان المتكبر المتلبس بهذه الصفة، لا يمكن أن يسترها عن الناس، فتظهر في احتقاره الناس، أو ردّ الحق كما في الحديث السابق، أو جرّ ثوبه، لما ثبت من حديث عمر بن الخطاب ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» . قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله إنّ أحد شقّي إزاري يسترخي إلّا أن أتعاهد ذلك منه، فقال النّبيّ ﷺ : «لست ممّن يصنعه خيلاء» «١» . وقد يظهر الكبر على الرجل من عطف عنقه إذا دعي إلى الحقّ قال- تعالى-: ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ [الحج: ٩] . أو يظهر ذلك عليه من ليّ رأسه إذا دعي إلى الحق، قال- تعالى-: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ [المنافقون: ٥] ، وفضيحة المتكبر في الدنيا هي أعظم رادع له ليتخلص من هذا الخلق السيئ المشين، ولكن كيف يعلم العبد أن به هذه الصفة؟ وهي الفائدة التالية. الفائدة السادسة: من السهل واليسير على المسلم، إذا فتش في نفسه أن يعلم أنه متكبر أم لا، ومن ذلك كما أشرنا سابقا أن يستصغر الناس وأن يترفع عن الحق، وأن يجر ثوبه، وأن يجد صعوبة في أن يلقي السلام على الناس خاصة من هو دونه، أو لا يرد السلام على من سلم عليه، أو يرد بصوت خافت لا يكاد يسمعه أحد، أو أن يتعفف عن الأكل مع الفقراء، خاصة خادمه، أو أن يتعاظم في نفسه جدّا أن يساعد من دونه، حتى لو رآه في شدة، بل قد يصل الأمر كما رأيت بنفسي، أن يحب وهو في الصلاة أن تكون هناك فرجة بينه وبين جاره، ويكره أن يسدّ هذه الفرجة، ومنها أيضا ألايسلم إلا بأطراف أصابعه، وأن يكون هو الذي يبدأ بنزع يده أولا، وقد تراه في الصلاة لا يمكّن جبهته أو أنفه من الأرض، وأعظم هذه العلامات ألاتسمع منه أبدا: (إني أخطأت) . فيستكبر عن أن يعترف بخطئه.

стр. 53

أما علاج الكبر، فهو كبقية المعاصي، على المتلبس بها: أن يتذكر عقوبتها، وأن يتدبر ما رواه عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يطوي الله السّماوات يوم القيامة، ثمّ يأخذهنّ بيده اليمنى، ثمّ يقول: أنا الملك، أين الجبّارون؟ أين المتكبّرون؟ ثمّ يطوي الأرضين بشماله، ثمّ يقول: أنا الملك أين الجبّارون؟ أين المتكبّرون؟» «١» . فيتأمل كيف ينادي الجبار يوم القيامة، وقد غضب غضبا لم يغضب قبله مثله أبدا، ولن يغضب بعده مثله أبدا، فيقول: أين الجبارون أين المتكبرون؟ هل ينادي عليهم نداء رضى وحبّ؟ أم نداء سخط وغضب؟ وكيف أن الله- تعالى- قرن المتكبرين بالجبارين؟ وكيف أنه لم يناد على أحد غيرهم؟ وكأنهم أعظم الناس ذنوبا، كيف لا؟ وهم الذين نازعوا الله في صفة ما يحب أن ينازعه فيها أحد أبدا، وهي صفة الكبرياء بحقّ التي هي من أعظم صفات الكمال لذي الجلال والإكرام. وعلى من يريد أن يطهّر نفسه من تلك الصفة القبيحة أن يفعل الأمور الآتية: أ- أن يتوب إلى الله تعالى من هذا الفعل توبة نصوحا. ب- أن يعتاد مصاحبة الأخيار، ومساعدة الفقراء، ومد يد العون للمساكين. ج- وأن يكثر من السلام على من يعرف ومن لا يعرف. د- وأن يتواضع للخدم وأن يأكل معهم بين الفينة والآخرى. هـ- وأن يبتهل إلى الله بالدعاء أن يعافيه من هذا المرض العضال. الفائدة السابعة: في الحديث ما كان عليه النبي ﷺ من الحرص على تعليم الأمة كلّ أمور دينها حتى آداب الأكل، قال الحافظ ابن حجر- ﵀: (وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل حال حتى في حال الأكل واستحباب تعليم الآكل آداب الأكل إذا خالفه) «٢» . ومثاله: ما رواه البخاري عن عمر بن أبي سلمة قال: كنت غلاما في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصّحفة، فقال لي رسول الله ﷺ : «يا غلام سمّ الله، وكل بيمينك، وكل ممّا يليك» فما زالت تلك طعمتي بعد «٣» . فالنبي ﷺ لم يترك الغلام ويقول:

стр. 54

يعلمه أهله، أو يتعلم لما يكبر ويشب، أو هو صغير لم يكلّف بعد، بل علمه آداب الأكل، التسمية والأكل باليمين والأكل مما يليه، وانظروا إلى الغلام ماذا قال؟ (فما زالت تلك طعمتي بعد) ، أي أن الطاعة الفورية، والمحافظة على السنة، لم تكن سمة الصحابة البالغين فقط، بل هي حتى في الغلمان، فالغلام سمع المقال ووعاه عمل به، بل أدّاه وعلمه عامة المسلمين، فكانت تلك طعمة المتبعين لسنة نبيهم إلى قيام الساعة، وللغلام في ذلك الأجر العظيم. الفائدة الثامنة: في الحديث وجوب الأكل باليد اليمنى، قال الإمام النووي- ﵀: (نص الشافعي في الرسالة، وفي موضع آخر من كتابه (الأمّ) على وجوب الأكل باليمين، وقال: وما يدل على الوجوب ورود الوعيد في الأكل بالشمال، ثم أورد حديث الباب) «١» . وأنا حريص على تدوين هذه الفائدة لما أراه الآن من تهاون الناس في تلك السنة النبوية، بل وصل الأمر غايته بأن البعض يستحي أن يأكل باليمين، خاصة إذا تناول الطعام بالشوكة.

стр. 55

الباب الثاني إثبات نبوته ﷺ بالدلائل والمعجزات

стр. 56

تقديم إن الدارس لعلم النبوات في أي أمة يرى بوضوح آثار قدرة الله تعالى المؤيّدة لرسوله محمد ﷺ خير البشر ولو كان هذا الدارس متخصصا في النقد التاريخي مفندا لمزاعم النبوة فإنه يحار عقله وقلبه أمام ما أوتي النبي ﷺ من كثرة المؤيدات والمثبتات لنبوته ﷺ وإن دفعه غروره لإنكار نبوته ﷺ فبالعقل قبل النقل يستطيع أن يقيس تلك المعجزات والدلائل على ما عنده من معايير وأقيسة فإذا به يجد نفسه أمام نبي عظيم أتاه الله من المعجزات المعنوية والحسية ما على مثله يؤمن الناس كلهم جميعا. ثبت عن النّبيّ ﷺ أنه قال: «ما من الأنبياء نبيّ إلا أعطي من الآيات ما مثله أو من أو آمن عليه البشر، وإنّما كان الّذي أوتيت وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أنّي أكثرهم تابعا يوم القيامة» «١» رواه الشيخان. وهنا يجدر بنا ذكر الصفات العامة التي عليها يقيس البشر صحة نبوة الأنبياء، وتلك الصفات التي دعت قساة القلوب وغلاظها إلى الإيمان والتسليم، فهذا ضماد يسمع من الرسول بعض الكلمات فيسلم، كما روى مسلم في صحيحه أن ضمادا لما وفد على الرسول ﷺ قال له ﷺ : «إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله فقال ضماد: أعد عليّ كلماتك هؤلاء فلقد بلغن ناعوس البحر، هات يدك أبايعك ... » «٢» . فقد أظهر الله على يده ﷺ تصديقا لدعوته من المعجزات والدلائل ما لا يحصى ولا يعد، فهو ﷺ أكثر الأنبياء وأظهرهم برهانا وسنذكر لك في هذا الباب من الآيات ما تقرّ به عينك ويزداد به يقينك مما رواه الأئمة الأعلام في صحاح كتب الحديث.

стр. 57

أولا- صفات النبوة العامة ١- خاتم النبوة: عن السّائب بن يزيد يقول: ذهبت بي خالتي إلى النّبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله إنّ ابن أختي وجع، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، ثمّ توضّأ فشربت من وضوئه، ثمّ قمت خلف ظهره فنظرت إلى خاتم النّبوّة بين كتفيه مثل زرّ الحجلة «١» . (رواه البخاري) . وهذه أيضا من الصفات التي اشترك فيها الأنبياء كلهم جميعا لتبقى شاهدا على صدق نبوتهم. بعض فوائد الحديث الفائدة الأولى: جعل الله ﵎ لكل نبي دليلا في نفسه على نبوته، يأنس به ويطمئن به قلبه، خاصة أول البعثة بل ومن قبلها، وهذا من بالغ عنايته ﵎ بأنبيائه. الفائدة الثانية: أقام الله ﵎ الحجة على كل العباد- خاصة من عاصر الأنبياء على صدق أنبيائه، بشيء مادي ملازم للأنبياء، يسهل على كل أحد أن يراه، ولا يختلف اثنان أن مثل هذا الخاتم لا يمكن أن يصنعه بشر، بل هو خلقي لا يقدر على صنعه إلا الله ﵎. الفائدة الثالثة: مكان خاتم النبوة من جسد النبي ﷺ هو أعلى الكتف من الجهة اليسرى قدر قبضة الكف على هيئة حبيبات بارزة عن سطح الجسد، لما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن سرجس قال: رأيت النّبيّ ﷺ وأكلت معه خبزا ولحما أو قال: ثريدا قال: فقلت له: أستغفر لك النّبيّ ﷺ قال: نعم ولك ثمّ تلا هذه الآية وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [محمد: ١٩] قال: ثمّ درت خلفه فنظرت إلى خاتم النّبوّة بين كتفيه عند ناغض كتفه اليسرى جمعا عليه خيلان كأمثال الثّاليل «٢» . الفائدة الرابعة: اشتهار أمر خاتم النبوة عند الصحابة ومعرفة اسمه ومكانه، لما ورد عند مسلم من حديث عبد الله بن سرجس: فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه.

стр. 58

الفائدة الخامسة: حرص الصحابة ﵃ على التبرك باثار النبي ﷺ ومنها فضلة وضوئه ﷺ . تنبيه: قال الإمام ابن حجر- ﵀: وأما ما ورد من أنها كانت كأثر محجم أو كالشامة السوداء أو الخضراء أو مكتوب عليها: محمد رسول الله، أو سر فأنت المنصور، أو نحو ذلك، فلم يثبت منها شيء. انتهى «١» . ٢- الرؤية الصالحة: عن أبي سعيد الخدريّ أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: الرّؤيا الصّالحة جزء من ستّة وأربعين جزآ من النّبوّة «٢» . الشاهد في الحديث: قوله ﷺ عن الرؤيا: «جزء من ستة وأربعين جزآ من النبوة» . فالرؤيا الصالحة إذن أمر مشترك بين الأنبياء كلهم جميعا، قال الإمام ابن حجر- ﵀ عن طبقات الناس في الرؤيا ما نصه: فالناس ثلاث درجات: الأنبياء ورؤياهم كلها صدق، وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير، والصالحون والأغلب على رؤياهم الصدق وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير، ومن عداهم يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث وهي ثلاثة أقسام: مستورون فالغالب استواء الحال في حقهم، وفسقة والغالب على رؤياهم الأضغاث ويقلّ فيها الصدق، وكفار ويندر في رؤياهم الصدق جدّا. انتهى. وقد بينت في باب: (تزكية أخلاقه ﷺ بعض الأمور التي تتعلق بالرؤيا فلا حاجة للتفصيل هنا. وهناك دليل آخر من حديث عائشة ﵂ قالت: أوّل ما بدئ به رسول الله ﷺ الرّؤيا الصّالحة فجاءه الملك فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ [العلق: ١- ٣] «٣» . ٣- الرعي: عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «ما بعث الله نبيّا إلّا رعى الغنم» فقال

стр. 59

أصحابه: وأنت؟ فقال: «نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكّة» «١» . الشاهد في الحديث: قوله ﷺ : «ما بعث الله نبيّا إلا رعى الغنم» . بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: قال الإمام النووي: (والحكمة في رعاية الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم للغنم؛ ليأخذوا أنفسهم بالتواضع وتصفى قلوبهم بالخلوة ويترقوا بالنصيحة إلى سياسة أممهم بالهداية والشفقة) «٢» . الفائدة الثانية: بيان أن النبي ﷺ قد بلغ المنتهى في التواضع، قال الإمام ابن حجر- ﵀: (وفي ذكر النبي ﷺ لذلك بعد أن علم كونه أكرم الخلق على الله ما كان عليه ﷺ من عظيم التواضع لربه والتصريح بمنته عليه وعلى إخوانه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء) «٣» . الفائدة الثالثة: في الحديث دليل على أن الله يتكفل الأنبياء بالرعاية والحفظ والتربية الربانية من قبل بعثتهم، وهذا دليل على شرفهم وعلو منزلتهم وعظيم الأمانة التي حملها الله لهم. ٤- التحذير من الدجال: عن ابن عمر قال: قام النّبيّ ﷺ في النّاس فأثنى على الله بما هو أهله ثمّ ذكر الدّجّال فقال: «إنّي أنذركموه، وما من نبيّ إلّا قد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكن سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبيّ لقومه: تعلمون أنّه أعور وأنّ الله ليس بأعور» . «٤» . الشاهد في الحديث: قوله ﷺ : «وما من نبي إلا قد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه» فهذا دليل أن التحذير من الدجال من الصفات المشتركة بين الأنبياء عليهم جميعا الصلاة والسلام.

стр. 60

بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: من المهام العظيمة للأنبياء تحذير أقوامهم من الفتن، وهذا يدل على شفقة الأنبياء بمن بعثوا إليهم. نقل الإمام بن حجر- ﵀ عن ابن العربي قوله: «إنذار الأنبياء قومهم بأمر الدجال تحذير من الفتن وطمأنينة لها حتى لا يزعزعها عن حسن الاعتقاد» «١» . الفائدة الثانية: تفضيل الله تعالى نبيه ﷺ على سائر الأنبياء، من حيث تخصيصه هنا ببعض العلوم التي لم يشاركه فيها نبي من قبله، يتمثل ذلك في قوله ﷺ : «ولكني سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه: إنه أعور» ولا يقال: إن الأنبياء من قبله ﷺ كانوا يعرفون هذه الخصلة في الدجال ولم يذكروها لقومهم؛ لأن هذا القول قدح في الأنبياء، حيث يقتضي أنهم أخفوا شيئا من الوحي وهذا محال في حقهم صلوات الله وسلامه عليهم جميعا. ويتفرع عليه تفضيل الله هذه الأمة على سائر الأمم السابقة من نفس الحيثية. قال الإمام ابن حجر- ﵀ (قيل: إن السر في اختصاص النبي ﷺ بالتنبيه المذكور مع أنه أوضح الأدلة في تكذيب الدجال، أن الدجال إنما يخرج في أمته دون غيرها ممن تقدم من الأمم) «٢» وأقول: لا يناقض ما قال الحافظ- ﵀ ما ذكرته آنفا. الفائدة الثالثة: عظيم فتنة الدجال، ودليله من الحديث أن كل نبي يحذر أمته من شره المستطير، وذلك لما أعطاه الله من أمور خارقة للعادة لا يقدر عليها إلا هو ، روى مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: حدّثنا رسول الله ﷺ حديثا طويلا عن الدّجّال فكان فيما حدّثنا به قال: «يأتي الدّجّال وهو محرّم عليه أن يدخل نقاب المدينة بعض السّباخ الّتي بالمدينة فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير النّاس- أو من خير النّاس- فيقول: أشهد أنّك الدّجّال الّذي حدّثنا عنك رسول الله ﷺ حديثه فيقول الدّجّال: أرأيت إن قتلت هذا ثمّ أحييته هل تشكّون في الأمر؟! فيقولون: لا فيقتله ثمّ يحييه فيقول حين يحييه: والله ما كنت قطّ أشدّ بصيرة منّي اليوم فيقول: الدّجّال أقتله، فلا أسلّط عليه» «٣» ومن رحمة الله تعالى بهذه الأمة أن حفظها من فتنة الدجال العظيمة بعمل قليل وهو

стр. 61

حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف، روى مسلم في صحيحه، عن أبي الدّرداء أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من حفظ عشر آيات من أوّل سورة الكهف عصم من الدّجّال» «١» . كما أن النبي ﷺ قد بيّنّ لأمته كذب الدجال في ادعائه الألوهية بدليل حسي ودليل عقلي، أما الدليل الحسي الشاهد فهو حديث الباب وما رواه مسلم في صحيحه عن قتادة، حدّثنا أنس بن مالك أنّ نبيّ الله ﷺ قال: «الدّجّال مكتوب بين عينيه ك ف ر أي كافر» «٢» . وأما الدليل العقلي، فما رواه مسلم أيضا في صحيحه من حديث ابن الصياد الطويل: «تعلّموا أنه لن يرى أحد منكم ربّه حتى يموت» «٣» . عن طاوس عن ابن عبّاس أنّ رسول الله ﷺ كان يعلّمهم هذا الدّعاء كما يعلّمهم السّورة من القرآن يقول: «قولوا: اللهمّ إنّا نعوذ بك من عذاب جهنّم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدّجّال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات قال مسلم بن الحجّاج بلغني أنّ طاوسا قال لابنه: أدعوت بها في صلاتك فقال لا قال أعد صلاتك؛ لأنّ طاوسا رواه عن ثلاثة أو أربعة أو كما قال» «٤» . ٥- التخيير بين الدنيا والآخرة: ع ن أبي سعيد الخدريّ ﵁ أنّ رسول الله ﷺ جلس على المنبر فقال: «إنّ عبدا خيّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدّنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده» فبكى أبو بكر وقال: فديناك بابائنا وأمّهاتنا، فعجبنا له وقال النّاس: انظروا إلى هذا الشّيخ يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدّنيا وبين ما عنده وهو يقول: فديناك بابائنا وأمّهاتنا، فكان رسول الله ﷺ هو المخيّر، وكان أبو بكر هو أعلمنا به وقال رسول الله ﷺ : «إنّ من أمنّ النّاس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متّخذا خليلا من أمّتي لاتّخذت أبا بكر، إلّا خلّة الإسلام، لا يبقينّ في المسجد خوخة إلّا خوخة أبي بكر» «٥»

стр. 62

الشاهد في الحديث قول النبي ﷺ : «إن عبدا خيره الله أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده» ، وقد حضرت عائشة ﵂ واقعة التخيير، لما ثبت عند البخاري عن عائشة قالت: كنت أسمع أنّه لا يموت نبيّ حتّى يخيّر بين الدّنيا والآخرة، فسمعت النّبيّ ﷺ يقول في مرضه الّذي مات فيه وأخذته بحّة يقول: «مع الّذين أنعم الله عليهم» ... «١» الآية فظننت أنّه خيّر. بعض فوائد الحديث الفائدة الأولى: في الشمائل النبوية: ١- علو منزلة النبي ﷺ وكذا إخوانه من الأنبياء- عليهم جميعا الصلاة والسلام- ويظهر ذلك في تخييرهم قبل الوفاة، بين الدنيا والآخرة، ودليل اشتراكهم جميعا في ذلك، قول عائشة، ﵂: (كنت أسمع أنه لا يموت نبي حتى يخير بين الدنيا والآخرة) ولفظ «نبي» نكرة في سياق النفي فيقتضي العموم. ٢- تواضع النبي ﷺ حيث قال: «إن عبدا» ولم يقل: نبيّا ولا رسولا، بل أتى بلفظ «عبد» نكرة، وقد مر أكثر من مرة شرف مقام العبودية لله، ، وأنها أسمى المقامات. ٣- زهد النبي ﷺ في الدنيا وتقديمه جوار الله على البقاء في الدنيا، مع أن هذا التخيير لم يقع على الدنيا بما فيها من أفراح وأتراح، مقابل الآخرة، بل وقع التخيير بين ما يختاره النبي ﷺ لنفسه من زهرة الدنيا- أي ما يشاء من صحة وعافية ومال وبنين، ويكون كل ذلك بلا هموم ولا غموم ولا أمراض ولا أسقام؛ لأن الإنسان لا يختار لنفسه إلا كل ما يسعده ويفرحه- وبين ما عند الله فاختار النبي ﷺ ما عند الله، وذلك من كمال زهده وتمام حكمته وشوقه إلى لقاء ربه. يتفرع على ذلك، أن ما عند الله، جل وعلا، هو خير وأبقى وأكمل للعبد المسلم، من دنيا فاز فيها بكل مرغوب، ونجا فيها من كل مرهوب، فإن وجدت مثل هذه الدنيا، وهو من أمحل المحال، فلا يفضلها عبد مؤمن على ما عند الله، من مساكن عاليات وأنهار

стр. 63

جاريات وحور مقصورات، وزينة من الفضيات، وملابس من الحريرات، وأكواب مذهبات، ونمارق من الاستبرق مشغولات، فضلا عن رؤية وجه الله العظيم، وصحبة النبي الكريم، ومجالسة الصحب الميامين، مع ما أعده الرب الشكور من دائم السرور وعميم الحبور. ٤- عظيم وفاء النبي ﷺ لأصحابه ﵃ جميعا، خاصة أبا بكر، صدّيق هذه الأمة، وسابقها لكل خير، ودليله من الحديث: «إن من أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر» «١» ، وهذا منتهى الوفاء والاعتراف بفضل أهل الخير وردّ صنيعهم بما هو أجمل وأكمل. وقد ذكر صاحب الفتح أن معنى: «إن من أمنّ الناس عليّ» أي أبذل الناس لنفسه وماله؛ لأن المن هنا بمعنى العطاء والبذل، لا بمعنى المنة التي تفسد الصنيعة. وكان من مظاهر رد النبي ﷺ لأيادي أبي بكر البيضاء على الإسلام والمسلمين ما يلي: أ- وجّه النبي ﷺ الخطاب إليه، وهو على المنبر، بقوله: «يا أبا بكر لا تبك» كما في إحدى روايات البخاري، وهي منقبة عظيمة لأبي بكر، ﵁، حيث ناداه بكنيته، وواساه في حزنه بأمره بعدم البكاء وذكر فضله. ب- أثبت له النبي ﷺ أنه أكثر الصحابة صحبة وملازمة له، ﷺ ، وأكثرهم إنفاقا، ودليله: «إن من أمن الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر» . ج- أثبت النبي ﷺ أهلية أبي بكر لأن يكون خليلا له، لولا وجود المانع، وهو أن النبي ﷺ ، خليل الرحمن، قال: «ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر خليلا» ، ولو أن في الصحابة من هو أفضل صحبة للنبي ﷺ لكان هو أولى من أبي بكر ﵁ بخلة النبي ﷺ ؛ لأن المقام بيان فضل الناس ولا ينبغي في حقه ﷺ رفع المفضول على الفاضل. د- أمر النبي ﷺ بإغلاق جميع الأبواب التي تفتح بيوت الصحابة على المسجد، إلا باب أبي بكر الصديق، قال ﷺ : «لا يبقين في المسجد خوخة إلى خوخة أبي بكر» ، وفي رواية عند البخاري: «لا يبقين في المسجد باب إلا سدّ إلا باب أبي بكر» «٢» ، وهي منقبة عظيمة لأبي بكر، ﵁، وقد يكون من أسباب الأمر بسد جميع الأبواب، هو إظهار فضل

стр. 64

أبي بكر ﵁، وقد ذكر الإمام ابن حجر، ﵀، في فتح الباري أن باب علي ﵁ قد استثني أيضا، في غير هذا المقام؛ لأن باب بيته كان إلى جهة المسجد ولم يكن لبيته باب غيره. انتهى كلامه «١» ، ومن ثمّ ترى أن هنا فرقا بين باب أبي بكر وباب علي ﵄. الفائدة الثانية: في مناقب الصديق ﵁: ١- فقهه: حيث علم مراد النبي ﷺ بالعبد الذي خيره الله بين زهرة الدنيا وما عنده، ولولا أن أبا بكر ﵁ يعلم أن الأنبياء يخيرون قبل قبضهم ما بكى، أو أنه كان يعلم مراد النبي ﷺ من الأمثلة التي كان يضربها للناس، قال الراوي: (وكان أبو بكر هو أعلمنا به) ، وهو إقرار من الصحابة بفضل أبي بكر وعلمه ﵃ جميعا. أضف إلى ذلك توقيرهم له من قولهم: (وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ) يعنون أبا بكر. ٢- حبه للنبي ﷺ ومفاداته بالآباء والأمهات ويوضح ذلك: أ- بكاؤه لما علم بقرب أجل النبي ﷺ وأظن أن البكاء قد غلبه من شدة الحزن، وإلا لما بكى أمام الناس، فهم كانوا أحرص الناس على ملازمة الإخلاص ومجانبة الرياء. ب- قوله: (فديناك بابائنا وأمهاتنا) وهذا يدل على فرط حبه للنبي ﷺ فكان يود لو سلم الرسول، ﷺ من كل أذّى، مقابل تعرض الآباء والأمهات لمثل هذا الأذى، وكان هذا أهون عليه. ويتفرع عليه ما كان عليه الصديق ﵁ من إجلال وإكبار لقدر الآباء والأمهات، حيث أراد أن يفتدي الرسول ﷺ بهما، ولو كان يرى شيئا أعظم قدرا منهما لذكره في هذا المقام. ٣- مكانته: يتضح مما سبق أن أبا بكر ﵁ هو خير الأصحاب بلا منازع، ولا يجادل في ذلك إلا مكابر، خاصة إذا أضيف إلى هذا الحديث، أنه هو الذي صحب النبي ﷺ في الهجرة المباركة، وأن الرسول، ﷺ ، هو الذي طلب الزواج من ابنته ﵂، وأن النبي ﷺ أمره أن يصلي بالناس عند ما حضرته الوفاة، وهو أدل دليل على أنه الأولى بالخلافة وكان يسأل من أحبّ الناس إليك، فيقول: أبو بكر. ويضاف إلى

стр. 65

ذلك كثرة الأحاديث التي تظهر فضله، ﵁، وأحقيته بالخلافة وهى أكثر من أن نحصيها، ونذكر هنا ما (رواه البخاري) ، بإسناده عن محمّد بن جبير أنّ أباه جبير بن مطعم أخبره أنّ امرأة أتت رسول الله ﷺ فكلّمته في شيء فأمرها بأمر فقالت: أرأيت يا رسول الله إن لم أجدك قال: إن لم تجديني فأتي أبا بكر «١» . زاد لنا الحميديّ عن إبراهيم بن سعد كأنّها تعني الموت. فإن قال قائل: كلام النبي، ﷺ ، يدل على الواقع، ولا يدل على الأفضلية والأحقية الشرعية، لأبي بكر في الخلافة، قلت: لو كان الأمر يدل على الواقع فقط، لقال النبي ﷺ للمرأة: (إن لم تجديني فستجدي أبا بكر) ، ولكنه ﷺ قال لها: «إن لم تجديني فأتي أبا بكر» ومن جهة أخرى، إن لم يكن أبو بكر، ﵁، هو الأحق بالخلافة، لوجود من هو أفضل منه، لأمرها النبي، ﷺ ، أن تذهب إلى الأفضل، وكيف لا يفعل ذلك، وهو الناصح الأمين لهذه الأمة، ﷺ ، فأعتقد أن في هذا الحديث إخبارا من الرسول، ﷺ ، بخلافة أبي بكر ورضائه بهذه الخلافة الراشدة. الفائدة الثالثة: وهي متفرقات: ١- تفاوت الصحابة ﵃ في بذل المال والنفس، لقوله ﷺ : «إن من أمن الناس علي» فذكر كلمة «أمنّ» على صيغة أفعل التفضيل، مما يدل على التفاوت. ٢- ليس بالمال وحده ينصر دين الله، ولكن يكون أيضا ببذل النفس، وهذا لا يعدمه أحد على قدر استطاعته، بل قدم النبي ﷺ الصحبة على المال. ٣- أخوة الإسلام صلة وثيقة وعظيمة بين المسلمين، يجب على المسلمين اعتبارها في كل معاملاتهم وتصرفاتهم، حيث أثبتها النبي ﷺ لأبي بكر ﵁، ولو كان هناك ما هو أعظم من هذه الرابطة لأثبتها النبي ﷺ ، ولولا قوتها ومكانتها وفضلها، ما أثبتها النبي ﷺ في مقام يريد فيه أن يكافئ أفضل الصحابة وأحبهم إليه ﷺ . ٦- عدم أكل الصدقة: عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام سأل عنه أهديّة أم صدقة؟ فإن قيل: صدقة قال لأصحابه: كلوا ولم يأكل وإن قيل: هديّة ضرب بيده ﷺ فأكل معهم) «٢» .

стр. 66

بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: تختلف الصدقة عن الهدية في الأمور التالية: ١- تخرج الزكاة لتطهير مال الغني، قال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [التوبة: ١٠٣] ، أما الهدية فتخرج لكسب ودّ الناس وحبهم. ٢- من يستحق الزكاة من المسلمين هم الفقراء والمصارف الآخرى التي ذكرها القرآن، أما الهدية فتخرج للفقراء والأغنياء على حد سواء. ٣- الزكاة فريضة على كل مسلم غني، قد يدفعها المسلم بغير طيب نفس ولكن بغرض أداء الواجب أو خوف السلطان، أما الهدية فهي ليست واجبة على العبد، فالأصل أنه يخرجها عن طيب نفس. ٤- قد يشعر الغني بمنة على الفقير عند إعطائه الزكاة، أما الهدية فلا. ٥- أمر النبي ﷺ أن يقاتل الناس إذ هم منعوا زكاة أموالهم، روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يشهدوا ألاإله إلّا الله وأنّ محمّدا رسول الله، ويقيموا الصّلاة، ويؤتوا الزّكاة: فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلّا بحقّ الإسلام وحسابهم على الله» «١» . وهذا غير موجود في الهدية. لهذه الأسباب أو لبعضها حرّم الله على الأنبياء- عليهم جميعا الصلاة والسلام- الأكل من الصدقات والزكوات. ويتفرع عليه: إرادة الله تعالى حفظ أعراض أنبيائه وصون ماء وجوههم، وأن تكون أيديهم هي العليا. الفائدة الثانية: ليس التضييق على العباد في أمور أو أحكام معينة معناه أن الله لا يحبهم، فهؤلاء هم خير الخلق أجمعين، ضيق الله عليهم بتحريم أكلهم من الصدقة حبّا لهم وإعلاء لشأنهم. الفائدة الثالثة: بيان ورعه ﷺ حيث كان يسأل عن الطعام قبل أن يأكله، قال الإمام النووي- ﵀: (فيه استعمال الورع والفحص عن أصل المأكل والمشرب) «٢» .

стр. 67

كما يؤخذ من الحديث تواضعه ﷺ حيث كان يأكل من الهدية. فعن أبي هريرة أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا أتي بطعام سأل عنه فإن قيل: هديّة أكل منها وإن قيل: صدقة لم يأكل منها. (رواه مسلم) «١» . ٧- عدم التوريث عن عائشة ﵂ أنّ أزواج النّبيّ ﷺ حين توفّي رسول الله ﷺ أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهنّ، فقالت عائشة: أليس قد قال رسول الله ﷺ : «لا نورث ما تركنا صدقة» «٢» . الشاهد في الحديث: قوله ﷺ : «لا نورث ما تركنا صدقة» ومقصود الجمع في قوله ﷺ : «لا نورث» أي: نحن معاشر الأنبياء. بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: عدم توريث الأنبياء من الأمور التي حفظ الله بها أعراض الأنبياء من الطعن والذم في حياتهم، وحفظ بها أهل قرابتهم بعد مماتهم من التطاحن والاختلاف. وعدم التوريث من الأمور التي كانت بلا شك تضيقا في الظاهر على قرابة الأنبياء، ولكن الله عوضهم عن ذلك ما هو أعظم بركة وأجرا وذكرا في الدنيا والآخرة، قال الإمام النووي- ﵀ (قال العلماء: الحكمة في أن الأنبياء صلوات الله عليهم لا يورثون أنه لا يؤمن أن يكون في الورثة من يتمنى موته- أي النبي ﷺ فيهلك؛ ولئلا يظن بهم الرغبة في الدنيا لوارثه فيهلك الظان، وينفر الناس عنه) «٣» . الفائدة الثانية: في الحديث دليل على فقه عائشة ﵂، وسعة حفظها واطلاعها على ما لم يطلع عليه غيرها من أزواج النبي ﷺ ، والدليل على ذلك أنها احتجت بما سمعته من النبي ﷺ في المسألة، وهي فضيلة ظاهرة لعائشة ﵂. الفائدة الثالثة: ليس هناك حرج أن يطلب المسلم (مهما علا قدره في الدين والعلم

стр. 68

والوجاهة) حقه الشرعي من الميراث: (مهما صغر مقدار هذا الميراث) ، ودليله أن أزواج النبي ﷺ مع فضلهن قد طلبن ميراثهن، وما أنكرت عائشة ﵂ طلبهن إلا من جهة أن النبي ﷺ لا يورث، وفي حديث فاطمة والعباس دليل على ذلك؛ فعن عروة عن عائشة: (أنّ فاطمة والعبّاس ﵉ أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله ﷺ وهما حينئذ يطلبان أرضيهما من فدك وسهمهما من خيبر فقال لهما أبو بكر سمعت رسول الله ﷺ : يقول: «لا نورث ما تركنا صدقة إنّما يأكل آل محمّد من هذا المال» . قال أبو بكر: والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيه إلّا صنعته. قال: فهجرته فاطمة فلم تكلّمه حتّى ماتت) «١» . ٨- رؤية مقاعدهم في الجنة أن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ وهو صحيح يقول: «إنّه لم يقبض نبيّ قطّ حتّى يرى مقعده من الجنّة ثمّ يحيّا أو يخيّر» . فلمّا اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة غشي عليه فلمّا أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثمّ قال: اللهمّ في الرّفيق الأعلى «٢» . الشاهد في الحديث: قوله: (إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة) . وهذا دليل على علو منزلة الأنبياء عليهم جميعا الصلاة والسلام، حيث إنهم يرون في الدنيا- قبل موتهم- مقاعدهم من الجنة، ثم يأتي بعد ذلك التخيير، والحكمة من ذلك- والله أعلم- ترغيبهم وحثهم على اختيار جوار الله، وهذا يعد من عظيم محبة الله لهم وإرادته جوارهم منه سبحانه. بعض فوائد الحديث: الفائدة الأولى: زهد النبي ﷺ في الدنيا وتفصيله الدار الآخرة ولقاء ربه، حيث إنه ﷺ ما تردد بل اختار من أول تخيير له الدار الآخرة. الفائدة الثانية: أدبه ﷺ مع ربه، وحرصه على تعليم الأمة هذا الأدب، حيث

стр. 69

وصف ﷺ الرفيق- الذي هو جوار ربه والدار الآخرة- بوصف أتم أكمل وهو الأعلى. ويتفرع عليه سوء أدب من يزهد في الدار الآخرة أو يفضل عليها الدنيا، ويأمل فيها ويتعلق بها أكثر من تعلقه بالدار الآخرة. وليعلم كل مسلم أن النبي ﷺ لما حكم على الدار الآخرة بصفة (الأعلى) فقد تضمن هذا الحكم على هذه الحياة التي نسكنها (بالدنيا) ويصدق ذلك قوله تعالى: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ [النساء: ٧٧] . وإذا كان النبي ﷺ قد اختار الرفيق الأعلى مع أن كل لحظة في حياته كانت بركة ونفعا لأمته ﷺ ، أفلا نختار نحن الرفيق الأعلى وحياتنا كلنا أقل نفعا- قطعا- من حياته ﷺ . الفائدة الثالثة: في مناقب أم المؤمنين عائشة ﵂: ١- فقهها ﵂ حيث علمت من حال النبي ﷺ لما أشخص بصره إلى السقف ثم قال: «اللهم الرفيق الأعلى» أنه يخير، وقد ربطت ذلك بما سمعته منه ﷺ حال صحته حيث قال لها: «إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير» ، وهذا يدل أيضا على قوتها ﵂ ورباطة جأشها إذ لم يذهب عقلها أو يذهل قلبها، وهي ترى النبي ﷺ في سكرات الموت، فداه أبي وأمي. ٢- علمها بحال النبي ﷺ ، وزهده في الدنيا وإقباله على الآخرة حيث علمت أنه ﷺ سيختار الرفيق الأعلى، حيث قالت: (إذا لا يختارنا) . ٣- من فضائلها ﵂ وفضائلها كثيرة- ولكن هذه فضيلة لا يساميها فيها أحد أبدا- أن النبي ﷺ خير واختار ثم قبض في حجرها، ودفن في غرفتها، بل لها ما هو أعظم من ذلك وأشد بركة، أنها كانت آخر أحد من البشر اختلط ريقه بريق النبي ﷺ ، ورد في الصحيح عن عائشة ﵂ أنّ رسول الله ﷺ كان يسأل في مرضه الّذي مات فيه: «أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟» يريد يوم عائشة فأذن له أزواجه يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتّى مات عندها قالت عائشة: فمات في اليوم الّذي كان يدور عليّ فيه في بيتي فقبضه الله وإنّ رأسه لبين نحري وسحري وخالط ريقه ريقي «١» . وما كان هذا إلا بتقدير الله . وسيأتي ذلك مفصلا إن شاء الله تعالى في باب أيام من حياة النبي ﷺ .

стр. 70

٩- تحريم أجسادهم على الأرض: فقد روى أبو داود في سننه بإسناده عن أوس بن أوس قال: حدّثنا هارون بن عبد الله، حدّثنا حسين بن عليّ، عن عبد الرّحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصّنعانيّ، عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ من أفضل أيّامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النّفخة، وفيه الصّعقة، فأكثروا عليّ من الصّلاة فيه، فإنّ صلاتكم معروضة عليّ» . قال: قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يقولون: بليت. فقال: «إنّ الله حرّم على الأرض أجساد الأنبياء» «١» . ثانيا: ذكره ﷺ في الكتب المنزلة وأخذ العهد على الأنبياء بنصرته ١- هو دعوة إبراهيم: قال تعالى (على لسان إبراهيم ﷺ : رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة: ١٢٩] . إجماع أهل التفسير، بل أهل القبلة كلهم جميعا على أن المقصود بهذه الدعوة هو نبينا محمد ﷺ ، قال الإمام الطبري: القول في تأويل قوله تعالى: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ: هذه دعوة إبراهيم وإسماعيل لنبينا محمد ﷺ ، ونقل عن قتادة قوله: (ففعل الله ذلك، فبعث فيهم رسولا من أنفسهم يعرفون وجهه ونسبه، يخرجهم من الظلمات إلى النور ويهداهم إلى صراط العزيز الحميد) «٢» . وقال صاحب «المنتخب» في معنى الآية الكريمة: (ربنا وابعث في ذريتنا رسولا منهم يقرأ عليهم آياتك ويعلمهم ما يوحى إليه به من كتاب وعلم نافع وشريعة محمودة ويطهرهم من ذميم الأخلاق إنك أنت الغالب القاهر الحكيم فيما تفعل وما تأمر به وما تنهى عنه) . بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: علو مكانة النبي ﷺ ومنزلته الرفيعة العالية عند ربه ﵎، ثم

стр. 71

عند أبيه إبراهيم ﵊، يتبين ذلك من صيغة الدعاء وكيفية استجابة الله له ونجمل ذلك فيما يلي: ١- استفتح إبراهيم ﷺ دعاء بلفظ رَبَّنا استدرارا لرحمات الله ﵎ وأنه بمقتضى ربوبيته لخلقه التي تستلزم الرعاية والتربية والهداية يبعث في الأمة مثل هذا الرسول الكريم. وقد حذف الخليل من دعائه حرف النداء (يا) إشعارا بقربه من الرب جل في علاه. ٢- اختار إبراهيم ﷺ لنبينا محمد ﷺ أشرف نسب على وجه الأرض، وهي ذرية إسماعيل ﵇، قال صاحب التفسير الميسر في تفسير الآية: (ربنا وابعث في هذه الأمة رسولا من ذرية إسماعيل يتلو عليهم آياتك ويعلمهم القرآن والسنة ويطهرهم من الشرك وسوء الأخلاق) . ٣- اختار إبراهيم ﷺ لختم الدعاء- وهذا من فقهه وعلمه- اسمين كريمين يتوسل بهما إلى الله تعالى لتحقيق دعائه على أحسن ما يكون، وهو العزيز الحكيم، فبعزته ﵎ أرسل رسولنا الكريم ونصره وأيده بالآيات الباهرات، الكونية والشرعية، فأظهر دينه على كل الأديان والملل والنحل، وبمقتضى حكمته ﵎ اختار خير خلقه أجمعين ليحقق به دعوة الخليل ﷺ . قال عز من قائل: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] . ٤- من فضله ومنته ﵎ أن أجاب دعوة إبراهيم ﷺ على أحسن ما يكون، بل زاد عليها، بأن جعل النبي المبعوث شاهدا ومبشرا ونذيرا، وجعله خير الأولين والآخرين، وختم به سلسلة الأنبياء والمرسلين. الفائدة الثانية: كان دعاء الخليل ﷺ والذي استجابه الله ﵎ على أحسن ما يكون، خير تزكية لنبينا ﵊ من قبل بعثته بقرون طويلة، يتبين ذلك من: ١- أنه يكفيه ﷺ شرفا ورفعة أن تكون بعثته ببركة دعاء خير الأنبياء- بعد نبينا ﷺ الخليل إبراهيم ﷺ . ٢- أنه ﷺ سيأتي بكتاب يتعبّد لله ﵎ بتلاوته، وهو الذي سيعلم الأمة قرآنه ويعلمهم تلاوته، كما سيعلمهم السنة الشريفة، جاء في دعاء الخليل يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ [البقرة: ١٢٩] والحكمة هي السنة الشريفة، راجع ما قاله صاحب

стр. 72

التفسير الميسر والذي ذكرته آنفا، وكفى النبي ﷺ تزكية أن تطلق الحكمة على سنته الشريفة. ٣- أنه ﷺ سير بي هذه الأمة على خير الأخلاق والأقوال والأفعال، بما يضمن لها طهارة القلوب والعقول، ورد في دعاء إبراهيم ﷺ وَيُزَكِّيهِمْ. الفائدة الثالثة: وجوب امتنان هذه الأمة للخليل إبراهيم ﵊، الذي دعا ربه واجتهد- كما رأينا- في دعائه، فكان من بركة دعائه أن بعث الله فينا وإلينا خير خلقه أجمعين ﷺ . الفائدة الرابعة: ليس تأخير استجابة الدعاء أو عدم معاينة العبد لاستجابة الله دعائه، شاهد أو قرينة على رد دعاء المؤمن، كلا، فالله ﵎ قد استجاب دعاء الخليل كأحسن ما يكون ولم يعاين صاحب الدعاء الإجابة، ولكن تأخّر الإجابة كان لحكمة بليغة ترفع مقام الداعي الخليل فقد استجاب الله دعاءه في خاتم النبيين. الفائدة الخامسة: علو مكانة إبراهيم ﵇ عند ربه، وذلك بأن وفقه لمثل هذا الدعاء وألهمه إياه وجعل هذا الدعاء مقدمة لبعثة خير الأنبياء ﵊، ثم جعله أبا أكبر للمصطفى ﷺ ، بل جعل كل الأنبياء من بعده من ذريته، قال تعالى: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [العنكبوت: ٢٧] ، وهذا الذي جعل العلماء يقولون: إن إبراهيم ﷺ هو خير الأنبياء جميعا بعد نبينا ﷺ . ٢- ذكره ﷺ في التوراة والإنجيل: قال تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٧] . من نعم الله المتتالية والمتعاقبة على نبيه ﷺ أن جاء ذكره بل نعته وما يؤمر به وما ينهى عنه في التوراة والإنجيل. بعض فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: من دلائل رفع الله ﵎ ذكر النبي ﷺ أنّ ذكره قد ورد في

стр. 73

التوراة والإنجيل بأحسن الصفات وأتمها وكان ذلك بمثابة أعظم التزكية له قبل بعثته ﷺ ، والصفات هي: ١- صفة النبوة التي هي أعظم الصفات وأجلّها. ٢- صفة الأمية وهي ليست صفة يراد بها إثبات الذم والنقص، بل هي صفة يراد بها المدح والكمال، وموطن المدح في اللفظ، أن هذا النبي الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب كان خير معلم للبشرية، أخرج الناس من الظلمات إلى النور، ولا يشك عاقل أن الأمي لا يأتي بكتاب عظيم مثل هذا القرآن إلا إذا أوحى الله له به. ٣- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الشيخ السعدي- ﵀: (المعروف هو كل ما عرف حسنه وصلاحه ونفعه، والمنكر هو كل ما عرف قبحه في العقول والفطر، فيأمرهم بالصلاة والزكاة والصوم وصلة الرحم وبر الوالدين والإحسان إلى الجار والمملوك وبذل النفع لسائر الخلق والصدق والعفاف والنصيحة، وينهى عن الشرك بالله وقتل النفس بغير حق والزنا وشرب ما يسكر العقل والظلم لسائر الخلق والكذب والفجور ونحو ذلك) انتهى «١» . وأقول: إن من أوضح دلائل نبوة أي نبي، هو حسن ما يأمر به وقبح ما ينهى عنه، وبه استدل هرقل عظيم الروم على صدق النبي ﷺ . ٤- تحليله ﷺ الطّيّب من كل شيء، فيدخل فيه المطاعم والمشارب واللباس والأقوال والأخلاق والأفعال، وتحريمه الخبيث من كل شيء سواء من المطاعم أو المشارب أو العلاقات السيئة والأخلاق الرذيلة والمعاملات الفاسدة التي توقع في القلوب الحسد والبغضاء. ٥- رحمته الكبيرة بأمته؛ إذ كان من هديه ﷺ أن ييسّر لأمته أمر الدين وألا يكلفهم ما لا يطيقون، وضرب صاحب التفسير الميسر أمثلة على ذلك فقال: «ويذهب عنهم ما كلفوه من الأمور الشاقة كقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب وإحراق الغنائم والقصاص حتما من القاتل عمدا كان القتل أم خطأ» . أقول أخي الكريم: سبحان من ضمن لنبينا ﷺ الذكر الحسن والثناء الجميل في الكتب

стр. 74

المنزلة من عنده وأعظمها- بعد القرآن الكريم- التوراة والإنجيل. الفائدة الثانية: لم يتعبد الله هذه الأمة وحدها بالإيمان بخاتم النبيين ﷺ ، بل تعبد الله ﵎ أهل التوراة والإنجيل بالإيمان به ﷺ بصفته واسمه ونعته، والدليل على ذلك أنّ ذكره ﷺ قد جاء في كتبهم وفرض عليهم أن يؤمنوا بما أنزل من عند الله على وجه التفصيل ويتفرع عليه أن من كفر بالنبي ﷺ من أهل الكتاب فقد كفر أولا بالكتاب الذي أنزل على نبيه. الفائدة الثالثة: جواز أن ينسب التحليل والتحريم والأمر والنهي إليه ﷺ ، من جهة أنه مبلغ الشرع عن الله سواء بالقرآن أو السنة. ورد في الآية الكريمة: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ [الأعراف: ١٥٧] . الفائدة الرابعة: فصاحة القرآن العظيم وبلاغته إذ قسّمت المهام، التي يضطلع بها النبي ﷺ إلى ثلاثة جوانب كلية بألفاظ قليلة جامعة مانعة وهي: أ- جانب دعوى: يتمثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويتفرع عليه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أركان هذا الدين، حيث ذكره الله- ﵎ كأول مهام النبي ﷺ ، ويتفرع عليه أيضا بيان شرف من يقوم بهذه المهمة من عموم المسلمين حيث هي وظيفة الأنبياء. ب- جانب تشريعي: يتمثل في التحليل والتحريم، ونأخذ من الآية قاعدة أصولية عظيمة تنسحب على كل أمر لم يأت فيه نص، وهي: كل أمر اجتمع أهل الاختصاص من المسلمين أنه طيب لا ضرر منه فهو حلال، وكلّ أمر اجتمعوا على أنه ضار مفسد للصحة أو للعقل والمال ولا نفع فيه فهو حرام ولا يحتاج الفتوى بحل القسم الأول أو تحريم القسم الثاني إلى دليل خاص من الشرع، بل يكفي هذا الدليل العام وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ [الأعراف: ١٥٧] فالدخان مثلا نقطع أنه حرام ويأثم شاربه، لاجتماع أهل الاختصاص كلهم جميعا على ضرره البالغ الذي لا يقاربه النفع المتوهّم من شربه. ج- جانب اجتماعي: ويتمثل في التخفيف عن الأمة تلك التكاليف التي كانت تشق على الأمم السابقة. ويؤخذ من هذا الجانب أن هذه الشريعة التي جاء بها النبي ﷺ ليس فيها أبدا ما يشق على الأمة أو يسبب لها العنت والحرج، وأن كل أصول وفروع هذه الشريعة قائمة

стр. 75

على التيسير والتسهيل. الفائدة الخامسة: حددت الآية الكريمة أربعة شروط لفلاح العبد في الدنيا والآخرة، والشروط هي: ١- الإيمان بالنبي ﷺ ، إيمان به وبكل ما جاء به من أصول وفروع، ومن عقائد وشرائع. ٢- تعظيمه ﷺ وتبجيله: تعظيمه في نفسه وفي كل ما جاء به من كتاب وسنة، وتبجيله، وتبجيل كل ما يتعلق به، من أزواج وأولاد وأهل بيت كرام، وكذا من اتبعه ونصره من المهاجرين والأنصار. شريطة أن يظهر هذا التعظيم في أقوالنا وسلوكنا وجميع تصرفاتنا. ٣- نصرته ﷺ ، وتشمل نصرة كتابه- القرآن الكريم- ونصرة سنته بالعمل بها والدفاع عنها وتطهيرها مما يشوبها من الأحاديث الضعيفة والموضوعة. ٤- اتباعه ﷺ ، أي التقيد بكل ما ورد بالقرآن الكريم والسنة الشريفة، وعدم الابتداع في الدين. وتلحظ في الآية الكريمة أن كل أسباب الفلاح جاءت مطلقة غير مقيدة، لتشمل جميع ما ذكر، فالإيمان به مثلا يجب أن يشمل جميع أوجه الإيمان التي يمكن أن تتعلق به ﷺ وكل ما جاء به، حتى يشمل الإيمان بشمائله ﷺ وحسن صفاته الخلقية والخلقية ومعجزاته الكونية والشرعية. قال صاحب التفسير الميسر: (فالذين صدقوا بالنبي الأمي محمد ﷺ وأقروا بنبوته ووقروه وعظموه ونصروه واتبعوا القرآن المنزل عليه وعملوا بسنته أولئك هم الفائزون بما وعد الله به عباده المؤمنين) . ٣- تبشير عيسى ﵇ به ﷺ : قال تعالى: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦] . البشرى: هي ما يفرح به العبد ويسرّ له، وسميت بهذا الاسم لتغير بشرة الإنسان بسماعها. فعيسى ﵇ وهو آخر أنبياء بني إسرائيل زفّ إلى قومه ومن سمعه من غير قومه خبرا سعيدا وهو مقدم النبي المصطفى والرسول المجتبى ﷺ .
следующие страницы →