[مثال آخر لعظيم أدب الصحابة مع النبي ص]
وهناك مثال آخر لعظيم أدب الصحابة مع النبي ﷺ .
فعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: مرّ النّبيّ ﷺ على نفر من أسلم ينتضلون «١» . فقال النّبيّ ﷺ : «ارموا بني إسماعيل فإنّ أباكم كان راميا، ارموا وأنا مع بني فلان» ، قال، فأمسك أحد الفريقين بأيديهم. فقال رسول الله ﷺ : «ما لكم لا ترمون؟» قالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟! قال النّبيّ ﷺ : «ارموا فأنا معكم كلّكم» «٢» .
الشاهد في الحديث:
إمساك أحد الفريقين عن الرمي بعد أن قال النبي ﷺ للفريق المقابل: «ارموا وأنا مع بني فلان» .
حقيق بمن تدبر هذا الأدب الجم من أصحاب النبي ﷺ أن يتعجب كل التعجب، خاصة إذا تأمل قول الفريق الذي كف عن الرمي «كيف نرمي وأنت معهم» ، وأعتقد أن من أسباب كفهم عن الرمي أنهم سيكونون في وضع (ظاهره) أنهم خصوم للنبي ﷺ وقد بينت في عدة مواطن من الكتاب أنهم كانوا يأبون أن يكونوا على هيئة ظاهرها عدم التأدب مع النبي ﷺ ولو برضاه، كما حدث مع أبي أيوب الأنصاري، وقد أورد الحافظ ابن حجر- ﵀ وجهين آخرين لإمساك الفريق عن الرمي نقلا عن بعض العلماء قال: (أمسكوا لكون النبي ﷺ مع الفريق الآخر خشية أن يغلبوهم، فيكون النبي ﷺ مع من وقع عليه الغلبة، والقول الثاني: أنهم أمسكوا لما استشعروا من قوة قلوب أصحابهم بالغلبة حيث صار النبي ﷺ معهم، وذلك من أعظم الوجوه المشعرة بالنصر) . انتهى.
وفي الحديث ملاطفة النبي ﷺ لأصحابه حيث قال لهم في الأولى: «ارموا وأنا مع بني فلان» . وفيه أيضا حرصه ﷺ على تطييب خاطر أصحابه جميعا، لما قال لهم في الآخرة:
«ارموا فأنا معكم كلكم» .
١٣- تعظيمه ﷺ في نفوسهم
تعظيم الرسول ﷺ ليس كلمات تقال ولا قصصا تروى ولا تكون دعوى باللسان ولا هياما بالوجدان بل لا بد أن يصاحب ذلك: الاتباع لرسول الله ﷺ والسير على هداه وتحقيق منهجه في الحياة العملية، فتعظيمه ﷺ ليس ترانيم تغنى ولا قصائد وأناشيد تنشد ولا كلمات تقال ولا خطبا تعلو المنابر فحسب بل محبة وإجلال واقتداء وسلوك وتقديمه ﷺ
стр. 772
على كل شيء من أولاد وأحباء وأخوة وحتى النفس التي بين أضلعنا، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ومنها:
الحديث الأول:
عن سهل بن سعد السّاعديّ ﵁: أنّ رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فحانت الصّلاة، فجاء المؤذّن إلى أبي بكر فقال: أتصلّي للنّاس فأقيم قال: نعم فصلّى أبو بكر فجاء رسول الله ﷺ والنّاس في الصّلاة فتخلّص حتّى وقف في الصّفّ، فصفّق النّاس، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلمّا أكثر النّاس التّصفيق التفت، فرأى رسول الله ﷺ فأشار إليه رسول الله ﷺ أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر ﵁ يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثمّ استأخر أبو بكر حتّى استوى في الصّفّ، وتقدّم رسول الله ﷺ فصلّى فلمّا انصرف قال: «يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟» . فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلّي بين يدي رسول الله ﷺ .
فقال رسول الله ﷺ : «ما لي رأيتكم أكثرتم التّصفيق، من رابه شيء في صلاته فليسبّح، فإنّه إذا سبّح التفت إليه، وإنّما التّصفيق للنّساء» «١» .
الشاهد في الحديث:
أن أبا بكر ﵁ أبي أن يصلي بين يدي النبي ﷺ أبى أن يكون إماما والرسول ﷺ مأموما.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
تواضع النبي ﷺ ، ويتضح ذلك من:
١- ذهابه بنفسه إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، وكان في مقدوره أن يرسل أحدا، أو أكثر ليقوم بهذه المهمة بأمره واسمه.
٢- رضاه أن يصلي مأموما، وهو نبي هذه الأمة وقائدها، خلف أبي بكر ﵁؛ بل إنه أمره أن يثبت مكانه.
الفائدة الثانية:
على الإمام أو من ينوب مكانه في الولايات، أن يحرصوا على أن يصلحوا بين الناس وكذا بين القبائل، ويبذلوا في ذلك غاية جهدهم، امتثالا لقول الله- سبحانه-: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما [الحجرات: ٩] ، واتباعا لسنة النبي ﷺ ، لما ذهب إلى بني عمرو بن عوف للإصلاح، وعليه يتبين خطأ من يعتقد أن وجود الخلافات بين الناس والقبائل يعضد ملكه ويقوي أركانه.
стр. 773
الفائدة الثالثة:
في مناقب الصديق ﵁ خير هذه الأمة بعد نبيها ﷺ :
١- علم الصحابة بأنه أفضلهم بعد نبيهم ﷺ ، حيث جاءه المؤذن يسأله أن يصلي بالناس، وما ذهب لغيره من الصحابة، ولو كان فعل المؤذن عن أمر رسول الله ﷺ لكان الفضل آكد وأثبت، وقد ورد في البخاري الأمر الصريح من النبي ﷺ أن يصلي أبو بكر بالناس وذلك في مرض موته، وقد ذكر بعض شراح حديث الباب، أن النبي ﷺ هو الذي أمر أن يؤم أبو بكر الناس، ولكن كلام المؤذن لا يوحي بذلك، حيث ورد بالحديث: (فجاء المؤذن إلى أبي بكر فقال: أتصلي للناس فأقيم) . فالسياق يوحي أن المؤذن إنما يستأذن أبا بكر في الإمامة، فإذا وافق أقام، ولو كان هناك أمر من النبي ﷺ لاستأذنه فقط في الإقامة، أو لأخبره أن الرسول ﷺ قد أمر بذلك.
٢- فقهه ﵁ ويتبين من:
أ- عدم التفاته في الصلاة، لقول الراوي: (وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته) ، لعلمه أن الالتفات اختلاسة من الشيطان، وهو أيضا من كمال أدبه مع الله. ؛ إذ كيف يلتفت في صلاته، من يعظم الله ويعلم قدره، كما يتبين فقهه من التفاته، على غير عادته، عندما أكثر الناس من التصفيق، فاختار أخف الضررين، وهو الالتفات، أو أنه علم أن الناس لن تكف حتى يلتفت.
ب- علمه ﵁ أن أمر النبي ﷺ له بمواصلة إماما، لم يكن على الوجوب، وإنما المقصود منه إظهار فضله وتكريمه، وهذا الفهم منه ﵁ صحيح، وإلا لبين له النبي ﷺ أن هذا الأمر كان للوجوب، وأنه ما كان ينبغي أن يرجع. والوجه الثاني في المسألة، أن الأمر باتمام الصلاة إماما كان للوجوب، ولكن أبا بكر ﵁ تأول هذا الأمر وأخرجه عن ظاهره- وهو الوجوب- لحيائه الشديد من النبي ﷺ ، إذ كيف يصلي به إماما؟!
ج- علمه أن الالتفات، والتأخر في الصلاة للوراء، وتحوله من إمام إلى مأموم، كله لا يفسد الصلاة، وكان له الفضل أن تعلمت الأمة حكم تلك المسائل.
د- علمه أنّ حمد الله في الصلاة، على أمر خارج الصلاة، لا يفسدها، مع جواز رفع اليدين في الصلاة، شكرا لله.
٣- تعظيمه للنبي ﷺ ويتجلى ذلك فيما يلي:
стр. 774
أ- عدم قدرته على إتمام الصلاة، إماما في الوقت الذي يكون فيه النبي ﷺ مأموما، مع أن الصلاة قد بدأت والنبي ﷺ هو الذي أمره بمواصلة الصلاة على تلك الهيئة، وهذا منتهى الأدب، وغاية الإجلال للنبي ﷺ وما كان هذا هو دأب أبي بكر ﵁ وحده ولكن كان دأب كل الصحابة ﵃، فقد بلغ تعظيمهم للنبي ﷺ أنهم ظنوا أنه لا ينبغي لأحد أبدا أن يسمى ابنه باسم محمد، فعن جابر بن عبد الله قال: ولد لرجل منّا غلام فسمّاه محمّدا.
فقال له قومه: لا ندعك تسمّي باسم رسول الله ﷺ ، فانطلق بابنه حامله على ظهره، فأتى به النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، ولد لي غلام فسمّيته محمّدا، فقال لي قومي: لا ندعك تسمّي باسم رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : «تسمّوا باسمي، ولا تكتنوا بكنيتي، فإنّما أنا قاسم أقسم بينكم» «١» .
فالتعظيم قد انسحب إلى كل شيء، حتى شمل الاسم، وأعتقد أن الصحابة قد أنكروا على الرجل التسمية باسم (محمد) مخافة أن يوجه الرجل لابنه أي سب أو إهانة، فتقع الإهانة على اسم (محمد) وهو نفس اسم الرسول ﷺ .
ب- استشعار أبي بكر أن أمر النبي ﷺ بإتمام الصلاة على تلك الهيئة لهي من النعم العظيمة عليه، توجب حمد الله على الفور لا التراخي، فاضطر على مرأى من أهل المسجد، أن يرفع يديه بالحمد ولا ينتظر الفراغ من الصلاة أو الركوع والسجود، ونلمس فيه كيف كانت تربية النبي ﷺ لهذه الأمة.
ج- تواضعه الجم، مع النبي ﷺ حيث ذكر نفسه باسمه، لا بكنيته مع أن النبي ﷺ ناداه بكنيته، لأن المقام، يقتضي التواضع، وبيان من الفاضل ومن المفضول، فقال: (ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ . وتدبر أنه لم يقل: (بين يديك) وذلك رغبة منه في بيان التفاضل غاية البيان.
الفائدة الرابعة:
حرص النبي ﷺ على تعليم الأمة، وبيان ما تحتاج إليه، حيث سأل أبا بكر ﵁ عن سبب عدم امتثال الأمر، ليعلمه الصواب إذا استدعى الأمر، كما وجّه الصحابة لما وقعوا فيه من محظور يتمثل في كثرة التصفيق، وبين لهم الصواب في المسألة، فالتسبيح للرجال والتصفيق للنساء.
وأعتقد أن قوله ﷺ : «إنما التصفيق للنساء» ، ليس بحجة لمن يمنع الرجال من التصفيق
стр. 775
خارج الصلاة، لأن النبي ﷺ إنما قال هذه المقولة، مقابل ما فعله الصحابة من التصفيق في الصلاة، وكأن التصفيق وما يحدثه من إزعاج وشوشرة لا يناسب الصلاة، فنهى عنه الرجال، أما النساء فضرر التصفيق في الصلاة أقل من الضرر الذي قد يحدث من التفات المصلين لأصواتهن، خاصة إن كان فيه فتنة.
الحديث الثاني:
عن أنس بن مالك ﵁: أنّ رسول الله ﷺ أتى على امرأة تبكي على صبيّ لها. فقال لها: «اتّقي الله واصبري» . فقالت: وما تبالي بمصيبتي. فلمّا ذهب. قيل لها: إنّه رسول الله ﷺ فأخذها مثل الموت. فأتت بابه فلم تجد على بابه بوّابين. فقالت: يا رسول الله لم أعرفك. فقال: «إنّما الصّبر عند أوّل صدمة، أو قال عند أوّل الصّدمة» «١» .
الشاهد في الحديث:
قول الراوي عن حال المرأة، لما علمت أن الذي خاطبها هو الرسول ﷺ (فأخذها مثل الموت) .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
١- مداومته وحرصه ﷺ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على كل حال، لقوله للمرأة: «اتقي الله واصبري» ولم يقل ﷺ : إن المرأة الآن مصدومة، ولا يصح توجيه الخطاب إليها، ولما جاءته لتعتذر إليه، نصحها مرة أخرى، فقال لها: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» .
٢- حكمته ورفقه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما حكمته، أنه أمر المرأة أولا، بتقوى الله، أي بالأمر العام، الذي هو سبب امتثال العبد لكل أمر وبعده عن كل نهي، لتشعر بخوف الله، ، ووجوب طاعته والبعد عن معصيته، وليكون ذلك أدعى لامتثالها لما سيأتي من أمر، ليقع الأمر على قلب خاشع، ثم أمرها بالأمر الخاص، ألا وهو الصبر، الذي تحتاج إليه المرأة في مثل هذا الموضع، فقال ﷺ : «اتقي الله واصبري» .
أما رفقه ﷺ في الأمر فيتضح من:
أ- أنّ نصحه للمرأة ما زاد عن قوله: «اتقي الله واصبري» .
стр. 776
ب- أنه ما نهر المرأة وما عاتبها أولا وآخرا، أولا: لما لم تعرفه وقالت له: (وما تبالي بمصيبتي) . وفي رواية عند البخاري: (فإنك خلو من مصيبتي) وآخرا: لما عرفته واعتذرت إليه، فقالت: (يا رسول الله لم أعرفك) ، والغريب أنه ﷺ غير سياق الموضوع ولم يشعرها بحرج من عدم معرفته، وقال لها: «إنما الصبر عند أول صدمة» .
ويتفرع عليه، وجوب تحلي أهل الحسبة، بالصبر على أذى الناس، والاحتساب في ذلك، وألاينتقموا لأنفسهم، وأن تكون غايتهم التوجيه والنصح والإرشاد، قدر المستطاع، وأن يعذروا الناس خاصة عند وقوع المصائب، وألا يكلفوهم أكثر مما يطيقون؛ لأن النبي ﷺ ما ألحّ على المرأة في امتثال ما يأمرها به، وما وقف على رأسها حتى تتوقف عن المحظور الواقعة فيه، لأن المقام لا يحتمل ذلك، ولو فعل لاحتمل أن تتلفظ بكلام لا يليق، فتقع في محظور أكبر.
ج- تواضعه ﷺ ويتضح ذلك من:
أن المرأة لم تعرفه عند ما قال لها: «اتق الله واصبري» . فلو أنه كان يمشي بحاشية وأتباع، يمشون خلفه أو كانت له مشية معينة أو أنه كان له زي خاص، أو يتبع أسلوبا معينا في الكلام يختلف عن الناس لعرفته المرأة، أو حتى ظنت أنه من أكابر القوم ومن خاصتهم، ولراعت ذلك في ردها.
أنه ﷺ لم يجعل بوابين على أبواب بيته، أما ما ورد في الأحاديث الصحيحة أنه ﷺ كان له بوابون، يستأذنهم الداخل على رسول الله ﷺ فيحمل على أن هذا الأمر لم يكن على الدوام، ولم يكونوا منقطعين لهذا العمل، ووقوفهم عند البيت كان وقت المصلحة، ولكن الأصل عدم وجودهم، ذكره ابن حجر العسقلاني.
٣- مهابته وإجلاله في نفوس أصحابه ﵃ ويتضح ذلك من شدة الكرب والفزع الذي انتاب المرأة، لما عرفت أن الذي حدثها هو النبي ﷺ وإذا أردت أخي القارئ أن تتصور الحالة التي انتابت المرأة، فعليك أن تحضر من تأتيه مصيبة الموت، فانظر كيف يكون حاله، خوف ورعشة وعرق وأكثر من ذلك بكثير، هذا كان حال المرأة لما عرفت من الذي حدّثها.
ويتفرع عليه، أن المهابة والإجلال الذي وقر في قلوب الصحابة ﵃ للنبي ﷺ لم يكن نابعا من طريقة حديثه معهم، ولا من كثرة الأتباع والحاشية، ولا من وجود البوابين، ولا من خوفهم أن يوبخهم أو يعاقبهم إن أساؤا وإنما كان هذا الإجلال والإكبار لشخصه
стр. 777
صلّى الله عليه وسلّم، وهذا ما تعلموه من القرآن العظيم، من وجوب توقيره وإجلاله، ودليله أن المرأة قد رأته وسمعته ولم تخف، وما حدث لها ما حدث، إلا عندما أخبرت أنه رسول الله ﷺ وما كان معها في ذلك الوقت.
الفائدة الثانية:
تأدب الصحابة ﵃ مع النبي ﷺ ومن ذلك:
١- أن بعض الصحابة أنكروا على المرأة الطريقة التي ردت بها على رسول الله ﷺ ولو أنهم اعتادوا الكلام معه بغير توقير وإجلال، ما أنكروا على المرأة، وقد أدبهم الله- باداب الحديث معه تفصيلا لا إجمالا، كما ورد في باب (تأديب الأمة في معاملته ﷺ .
٢- ذهاب المرأة إليه ﷺ تعتذر إليه عما بدر منها، وتبين له سببه، فقالت: (يا رسول الله لم أعرفك) ، وتدبر أخي القارئ، أن كل ما قالته المرأة لتعتذر عما بدر منها، وهو عظيم جدّا، في حق الرسول ﷺ أنها قالت: (لم أعرفك) وهي التي ذهبت بعد أن أخذها مثل الموت، ولو كانوا لا يعرفون عن رسول الله ﷺ التسامح والعفو وعدم الغضب لنفسه، ما اقتصرت المرأة على تلك الكلمة البسيطة، ولو أن المرأة قد قصرت في الاعتذار، أو كان الأمر يحتاج لأكثر من ذلك لنصحها النبي ﷺ بما هو أكمل، ولقال لها مثلا:
(استغفري ربك وتوبي إليه) . وهو مسلك ومنهج جدير بالتأمل والتدبر، فقد يحدث اليوم أن توجه كلمة غير لائقة، فيمن يعتقد في نفسه أنه كبير، فيحتاج الأمر إلى أيام وليال لإصلاح ما فسد، وقد لا تنفع مجالس الصلح، ويصل الأمر إلى المشاحنات، التي قد تجرّ إلى القتل.
الفائدة الثالثة:
أن الصبر درجات، وأعظم هذه الدرجات، هو الصبر عند الوهلة الأولى من نزول المصائب، وهذا هو الصبر الذي يكافئ الله- ، عليه بعظيم الأجر والثواب، قال تعالى: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [الزمر: ١٠] ، وهو الصبر الجميل، الذي لا يكون فيه الجزع والهلع وشق الجيوب ولطم الخدود وقول ما لا يرضي المولى .
ويتفرع عليه: جميل منة الله على عباده، أن خفف على الإنسان عظيم وقع المصيبة عليه، بمرور الأوقات وملاقاة الأصحاب وتسلية الأحباب، فمن يظن بعد موت الأب أو الأم، أنه سيأتي عليه يوم يضحك فيه، أو حتى يأكل ويشرب، وعلى الإنسان أن يحمد الله كثيرا على هذه النعمة الجليلة.
стр. 778
الحديث الثالث:
عن أبي أيّوب ﵁: أنّ النّبيّ ﷺ نزل عليه، فنزل النّبيّ ﷺ في السّفل، وأبو أيّوب في العلو، قال: فانتبه أبو أيّوب ليلة. فقال: نمشي فوق رأس رسول الله ﷺ فتنحّوا فباتوا في جانب، ثمّ قال للنّبيّ ﷺ . فقال النّبيّ ﷺ : «السّفل أرفق» . فقال: لا أعلو سقيفة أنت تحتها. فتحوّل النّبيّ ﷺ في العلوّ، وأبو أيّوب في السّفل، فكان يصنع للنّبيّ ﷺ طعاما، فإذا جيء به إليه سأل عن موضع أصابعه، فيتتبّع موضع أصابعه، فصنع له طعاما فيه ثوم، فلمّا ردّ إليه، سأل عن موضع أصابع النّبيّ ﷺ فقيل له: لم يأكل؛ ففزع وصعد إليه فقال: أحرام هو؟ فقال النّبيّ ﷺ : «لا، ولكنّي أكرهه» . قال: فإنّي أكره ما تكره، أو ما كرهت. قال: وكان النّبيّ ﷺ يؤتى) «١» .
الشاهد في الحديث:
أن أبا أيوب الأنصاري ﵁ أبى أن يكون أعلى المنزل، والنبي ﷺ في أسفله.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
هي منقبة عظيمة لأبي أيوب الأنصاري، حيث نزل النبي ﷺ في داره.
الفائدة الثانية:
مظاهر تعظيم الصحابي، أبي أيوب، للنبي ﷺ :
١- استعظامه أن يسكن في منزل، يعلو فيه على النبي ﷺ فيكون هو في الدور العلوي، والنبي ﷺ في الدور السفلي، ومما يبين هذا الاستعظام:
أ- أنه انتبه ذات ليلة من يومه، فيقول: (نمشي فوق رأس رسول الله ﷺ ، فكأن هذا الأمر كان يشغله طول الوقت، حتى أنه استيقظ في ليلة فقال ذلك.
ب- أنه تنحى بعد استيقاظه من نومه، هو وأهل بيته، في جانب واحد من جوانب البيت وتركوا كل نواحي البيت، وهذا فيه مشقة ظاهرة على أهل البيت، ولكنها مشقة أهون بكثير من الحرج الذي شعروا به، وأسأل إذا مشى أبو أيوب بالدور العلوي، فهل هو فعلا يمشي على رأس رسول الله ﷺ كلا والله.
ج- رغم أن الصحابة، ﵃، هم أشد الناس حبّا للرسول ﷺ وأحرصهم على فعل ما يحبه، وأكثرهم امتثالا لأمره، والبعد عن ما يسبب أدنى أدنى حرج له، ورغم أن النبي ﷺ هو الذي طلب السكن في السّفل، وأوضح لأبي أيوب، أنه أرفق له، لما يأتيه من أصحاب ووفود، أقول: مع كل ذلك ما استطاع أبو أيوب أن يلبي رغبة الرسول ﷺ ويحقق
стр. 779
له ما هو أيسر له، وهذا يدل على عظيم الحرج الذي كان يشعر به، وأجزم أنه لو كان في مقدوره ولو بمشقة أن ينزل على رغبة الرسول ﷺ لفعل، ولكن كان هذا الأمر عنده مستحيل التحقيق، وهذا يدلّنا على ما كان مستقرّا في نفوس الصحابة من تعظيم النبي ﷺ وأنهم لا يفعلون ما ينافي ولو في صورته فقط، عدم تعظيم الرسول ﷺ حتى ولو كان بأمره.
٢- قيامه ﵁ بصنع الطعام للنبي ﷺ وفيه:
أ- أنه كان يأكل فضلة النبي ﷺ لقوله: (فإذا جيء به إليه سأل عن موضع أصابعه) ، وما كان يكتفي أن يأكل من القصعة التي أكل فيها النبي ﷺ والذي نجزم به ونعتقده أن البركة قد حلت بالقصعة كلها، ولكن ما كان يرضى إلا أن يأكل من المكان الذي لامس أصابع النبي ﷺ وهذا يدل على همته العالية، وطلبه الأعلى من الأمور، والأتم منها، وحرصه على ما ينفعه.
ب- الفزع الذي انتابه، عندما رد إليه الطعام ولم يأكل منه النبي ﷺ ، والفزع هو أشد حالات الخوف التي يمكن أن تنتاب الإنسان، وماذا فعل أبو أيوب ﵁ حتى ينتابه الفزع، أمات له قريب؟ أفقد ماله وولده؟ ارتكب كبيرة من الكبائر فخاف من سوء الخاتمة؟
لا، لم يفعل أيا من هذه الأمور، كل ما فعله أنه صنع طعاما رده النبي ﷺ وخشي من نفسه أنه قدم طعاما للرسول ﷺ حرام أكله، وهو لا يدري، مما اضطره للصعود إليه لاستقصاء الأمر، قال الراوي: (ففزع وصعد إليه فقال: أحرام هو) .
ج- لما علم الحكمة من عدم أكل النبي ﷺ للطعام، وهي أنه يكره الثوم، وهو أمر خاص بالنبي ﷺ لأنه يأتيه الوحي في أي ساعة من الليل أو النهار، والملائكة تكره ذلك، ودليله قول الراوي: (وكان النبي ﷺ يؤتى) وهو أمر لا يشترك فيه مع النبيّ أحد فماذا كان رده، قال: (فإني أكره ما تكره) ، وما كان هذا الكره للثوم موجودا قبل ذلك اليوم، بل كان محبوبا له، ودليله، أنه كان يضعه في الطعام الذي يقدم للنبي ﷺ ولكن أبو أيوب من شدة تعظيمه وحبه للنبي ﷺ كره هذا الطعام من وقته، وعلل سبب الكره بقوله: (فإني أكره ما تكره) ، فهو لا يتصور أن يحب شيئا يكره النبي ﷺ ولو كان من عادات الأمور، وقد يكون من أسباب كره للثوم، أنه كان سببا في رد الطعام.
ويتفرع على ذلك فائدة عظيمة، وهي أن نقول: إذا كان الصحابي قد كره الثوم، المباح أكله شرعا، لكره النبي ﷺ مع أنه لم يأمرهم بكره، ولم ينفرهم منه، فكيف كان كره الصحابة، ﵃، للمعاصي التي كان النبي ﷺ أشد الناس كرها لها، وتنفيرا لأصحابه
стр. 780
منها، وتعظيما لشأنها، وتخويفا من عاقبتها؟!، لا شك أنهم كانوا يكرهونها بقلوبهم وعقولهم.
الحديث الرابع:
عن ابن شماسة المهريّ قال: حضرنا عمرو بن العاص، وهو في سياقة الموت فبكى طويلا، وحوّل وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: يا أبتاه، أما بشّرك رسول الله ﷺ بكذا، أما بشّرك رسول الله ﷺ بكذا، قال: فأقبل بوجهه، فقال: إنّ أفضل ما نعدّ: شهادة ألاإله إلّا الله وأنّ محمّدا رسول الله، إنّي كنت على أطباق ثلاث:
لقد رأيتني وما أحد أشدّ بغضا لرسول الله ﷺ منّي، ولا أحبّ إليّ أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو متّ على تلك الحال، لكنت من أهل النّار، فلمّا جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النّبيّ ﷺ فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه قال: فقبضت يدي. قال: «ما لك يا عمرو؟» قال: قلت: أردت أن أشترط. قال: «تشترط بماذا؟» قلت: أن يغفر لي.
قال: «أما علمت أنّ الإسلام يهدم ما كان قبله، وأنّ الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأنّ الحجّ يهدم ما كان قبله؟» وما كان أحد أحبّ إليّ من رسول الله ﷺ ولا أجلّ في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عينيّ منه إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأنّي لم أكن أملأ عينيّ منه، ولو متّ على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنّة، ثمّ ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها، فإذا أنا متّ فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فشنّوا عليّ التّراب شنّا، ثمّ أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتّى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربّي) «١» .
الشاهد في الحديث:
قول الصحابي عمرو بن العاص ﵁ (وما كان أحد أحب إليّ من رسول الله ﷺ الله عليه وسلّم ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له) .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في مناقب الصحابي الجليل، عمرو بن العاص ﵁.
١- شدة خوفه من الله ﵎ وعلمنا ذلك من بكائه الطويل، عندما حضرته الوفاة، قال الراوي: (فبكى طويلا وحول وجهه إلى الجدار) . وما كان هذا لردّه ما بشّره به
стр. 781
النبي ﷺ من خير الآخرة، وإنما لتوليه بعضا من أمور المسلمين، يخشى أن يكون قد قصر في بعضها، وقد وضح ذلك في قوله: (ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها) ، فهو يبكي كل هذا البكاء، ليس لجزمه أنه وقع منه التقصير، بل لعدم يقينه أصاب فيها أو أخطأ، وهذا من ورعه وتقواه، أن اتهم نفسه.
وقد فرق ﵁ بين عصر الوحي والتنزيل، والعصر الذي بعده، بأمر دقيق، في قوله: (ما أدري ما حالي فيها) ، حيث إنه كان يعرف حاله قبل موت النبي ﷺ حيث كان يبشرهم برضى الله، ، والفوز بالجنة، أما بعد موته ﷺ فهم يعملون ويحسنون، لكن من يبشرهم بقبول أعمالهم وأنها موافقة للصواب، لذلك بكى طويلا، لعدم وجود المصوّب لعمله والمبشّر له بالفوز والفلاح.
يتفرع على ذلك، ضرورة أن يبكي المسلم على نفسه طويلا، لأنه لم يشهد الصحبة للنبي ﷺ ولم يبشره أحد بالجنة، وليس له من الأعمال الصالحة، مثل ما كان لأصحاب النبي ﷺ فعلام كل ذلك الاطمئنان الذي نشعر به؟!!، أعمال قليلة وذنوب كثيرة وغفلة عظيمة.
٢- فقهه ﵁ ويتضح من الأمور التالية:
أ- رؤيته أن الشهادتين، هي أفضل ما يدخره العبد للقاء الله، ، وهذا هو الصواب، لما رواه أنس بن مالك: أنّ النّبيّ ﷺ ومعاذ رديفه على الرّحل. قال:
«يا معاذ بن جبل» . قال: لبّيك يا رسول الله وسعديك. قال: «يا معاذ» . قال: لبّيك يا رسول الله وسعديك ثلاثا. قال: «ما من أحد يشهد ألاإله إلّا الله، وأنّ محمّدا رسول الله صدقا من قلبه إلّا حرّمه الله على النّار» «١» .
ب- إقراره أن الله، ، هو الهادي إلى سواء السبيل، وأن الهداية للإسلام هي محض فضل منه لقوله ﵁: (فلما جعل الله الإسلام في قلبي) ، وعلمه أن القلب هو محل الإيمان أو الكفر.
ج- أنه اشترط عند إسلامه، أن يغفر له كل ما أسلف من الذنوب، فلم يكن أمر الشهادتين عنده، كلمة يقولها، بل فكّر وتدبر في عواقب ما فعل قبلها، فعظم تلك الذنوب التي اقترفها، وكأنه شعر أنها ستكون عائقا له في طريقه إلى الله، ، فاشترط أن تغفر تلك الذنوب أولا، قال: (أردت أن أشترط) قال: «تشترط
стр. 782
بماذا؟» قلت: (أن يغفر لي) ، كما أنه علم أن الاشتراط إنما يكون قبل البيعة، وأن الشرط بعد القبول والإيجاب لا يعتد به.
ويتفرع عليه: أن من علامات حكمة الرجل، ألايتعجل أمره في الأمور العظيمة، بل يجب أن يتروى ويتدبر عاقبة كل أمر من حيث محاسنه ومساوئه، وأن علامات سفه الرجل وهذا كثير في وقتنا الحاضر العجلة وعدم التروي، وأن يقبل ما لا يطيق القيام به.
د- اعتقاده أن من أتى بالشهادتين على الوجه الأكمل، مع اقترافه بعض الأعمال غير الصالحة، فإن عليه أن يخاف ما فعل، ويعتقد أنه قد يحاسب على تلك الأعمال يوم القيامة، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، فليست الشهادتان تعفي من سؤال الله العبد عن ذنوبه، ولا الذنوب تلغي انتفاع العبد بالشهادتين، والدليل أن عمرو بن العاص ﵁ يأمل في الشهادتين رغم حذره من الذنوب، يقول: (إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) .
هـ- علمه أن مبايعة النبي ﷺ للرجال تكون باليد لقوله: (ابسط يمينك فلأبايعك) .
وتكون باليمين من اليدين.
وعلمه بتحريم النياحة على الميت، واصطحاب النار في الجنازة، وأنه بالوصية بذلك فقد استبرأ لدينه، إن حدث في جنازته مخالفة شرعية، ودليله قوله ﵁: (فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار) . فما كان قوله هذا لابنه الفقيه عبد الله بن عمرو، ليعلمه تحريم تلك الأمور؛ لأنه لا شك كان على علم بتحريمها، ولكن ذكرها للبراءة منها إن حدثت.
ز- علمه أن الميت، يسمع ما يكون حول قبره لقوله: (ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور) . كما علم أن سؤال الملكين إنما يكون فور نزول الميت قبره؛ لأنه ﵁ أمرهم أن يقيموا حول قبره قليلا، وعلل ذلك بقوله: (وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي) ، ودليل الأمرين، ما رواه البخاري من حديث أنس وفيه: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه» «١» .
٣- بلاغته وحكمته، في التقسيم والاستقصاء، حيث إنه قد قسم حياته إلى ثلاثة أقسام، راعى فيها أساسا واحدا للتقسيم، وهو تأكده من رضى الله- من
стр. 783
عدمه، وهذا التقسيم يدلنا على أكبر همهم، والهدف الأسمى الذي كان يعيشون من أجله، والأقسام الثلاثة هي:
أ- قسم ما قبل الإسلام، وهذا لا خوف منه، حيث إن الإسلام يجبّ ما قبله، وكانوا يشترطون قبل البيعة على الإسلام أن يغفر لهم.
ب- قسم ما بعد الإسلام (طيلة حياة النبي ﷺ ، ويرجو فيه الصحابي لنفسه الجنة، إن مات في هذه الحقبة، وذلك لتبشير النبي ﷺ لهم بالجنة، وعظيم أعمالهم من نصرته وصحبته ومؤازرته، فضلا عن نزول الوحي بتأييد ما يفعلونه ومباركته، أو تصويبه وبيان الحق فيه، وكذا تربية النبي ﷺ لهم وإرشادهم وتوجيههم.
ج- قسم ما بعد وفاة النبي ﷺ ويخشى الصحابي فيه على نفسه، لا نفتاح الدنيا عليه وولايته المناصب، وكيف تستوي عندهم دنيا كانوا فيها يرون النبي ﷺ صباحا ومساء، ودنيا حرموا فيها هذا الفضل العظيم. وهذه الأقسام الثلاثة يشترك فيها جل الصحابة، ﵃.
كما تظهر حكمته أيضا في بيان أقسام حياته من قوله: (إني كنت على أطباق ثلاث) .
فأجمل أولا ثم فصّل ثانيا، ويظهر في ذلك تأثرهم الكبير بلغة القرآن، قال- تعالى-:
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً [الواقعة: ٧] . وأمثلة ذلك في القرآن والسنة كثيرة.
٤- أدبه مع الله ويتبين ذلك من:
أ- قوله ﵁: (لرجوت أن أكون من أهل الجنة) فأتى بلفظ «رجوت» لأنه لو جزم أنه من أهل الجنة، لكان من الآمنين لمكر الله- قال تعالى: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩) [الأعراف: ٩٩] ، ولو نفى هذا الرجاء لكان كالمكذّب لما بشّره به النبي ﷺ فكان من أدبه أن توسط في القول.
ب- قوله ﵁: (وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي) ، فهو مع إعداده أفضل ما في هذا الدين الحنيف، وهي الشهادتان، لقوله: (إن أفضل ما نعد شهادة ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله) . ومع أن سؤال الملكين إنما يكون عن الشهادتين، إلا أنه يخاف أيضا من السؤال، ويحتاج إلى من يأنسه ويقيم حول قبره حتى يجيب الملكين.
كما أن من أدبه ﵁ أنه أضاف الملكين إلى الرب ﵎ كما أضاف الرب إلى نفسه، ليشعر بتمام العبودية في هذا الوقت الذي سيقبل فيه على مولاه.
стр. 784
٥- استحقاره ﵁ لأمور الدنيا، بما في ذلك الولاية، حيث قال: (ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها) ، فلم يسمّ الولاية، كما أنه أتى بها نكرة، لزيادة التحقير.
٦- إجلاله ﵁ للرسول ﷺ وهو أعظم ما في الحديث وأظهره ولكني أحببت أن أختم بها تلك المناقب لجمالها وتكون الختام المسك، ويتبين لنا مظاهر هذا الإجلال من الأمور الآتية:
أ- تقسيمه الجزأين الأولين من حياته، على أساس محبته وعدواته للنبي ﷺ فقد رأى أن أعظم ما كان منه في الجاهلية بغضه للرسول ﷺ ، وفي المقابل فإن أعظم ما عنده في الإسلام، حبّه للرسول ﷺ وهذا يدل على شدة تعظيمهم لأمر النبي ﷺ .
ب- إقراره على نفسه أنه لو مات على بغض الرسول ﷺ لكان من أهل النار، ولو مات على مثل هذا الحب له، لكان من أهل الجنة.
ج- شدة محبته للرسول ﷺ وأنه ما كان يحب أحدا أكثر منه، لقوله: (وما كان أحد أحب إليّ من رسول الله ﷺ .
د- إجلاله العظيم للنبي ﷺ ، وعلاماته: أنه ما كان يستطيع أن ينظر إليه طويلا أو يحدّق فيه النظر، لدرجة أنه لو طلب منه أن يصفه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وما منعه من ذلك الخوف منه، ولكن ما يشعر به في قلبه من مكانة النبي ﷺ وعظيم شأنه عند الله.
وانظر إلى قوله ﵁: (وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه) . أي أنه لا يستطيعه ولو مع المشقة البالغة.
فأين نحن- معاشر المسلمين- من إجلال نبينا كإجلال صحبه الكرام له، هل نشعر بهذا الإجلال في نفوسنا، هل نشعر به عند الحديث عنه، وذكر اسمه، هل نشعر به عند سماع أمره ونهيه، فهلا راجعنا أنفسنا، ووقفنا معها وقفة محاسبة في كل ما يخص مسلكنا مع النبي ﷺ .
الفائدة الثانية:
فقه وأدب، الصحابي العابد، عبد الله بن عمرو بن العاص، أما فقهه، حيث إنه ذكّر أباه، ﵁، بما بشره به النبي ﷺ ليجعله يغلب جانب الرجاء، ويحسن الظن بالله- قال ﵁: (أما بشّرك رسول الله ﷺ بكذا) وأعاد لفظ: (بشرك) مرتين، ليستقر ذلك في قلب أبيه.
وأما أدبه فيتمثل في ندائه لأبيه بقوله: (يا أبتاه:) فهي ألطف وأحب كلمة للأب، ولو
стр. 785
أن كلمة أفضل من ذلك لاستخدمها عبد الله بن عمرو، ﵄، خاصة في آخر مجالسة له مع أبيه.
يتفرع على ذلك، سوء أدب من ينادي أباه، بالشيبة أو العجوز، أو الحاج، أو غير ذلك من الأسماء، وانظر كيف نادى إبراهيم أباه وكان مشركا، قال- تعالى-: يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ [مريم: ٤٣] . وتدبر كم مرة قال: (يا أبت) . لقد قالها أربع مرات، يعيدها مع كل أمر أو نصيحة، وما اكتفى إبراهيم- ﵇ أن يقولها مرة واحدة عند بداية الكلام.
الفائدة الثالثة:
ما كان عليه بعض المسلمين قبل الإسلام وغيرهم من الكفار، من بغض الرسول ﷺ وحرصهم البالغ على قتله، في مقابل، ما كان يجده ﷺ في نفسه، ويعانيه في قلبه، من أسف وحزن يكاد يهلكه، من توليهم وإعراضهم، والعجيب أنه ﷺ كان يعلم منهم ذلك، وكان الله يأمره أن يهون على نفسه، قال- تعالى-: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦) [الكهف: ٦] ، قال عمرو بن العاص، ﵄: (ولا أحب إلي أن أكون قد استمكنت منه فقتلته) .
يتفرع عليه، وجوب أن نحمد الله حمدا كثيرا، ونشكره شكرا جزيلا، أن جعلنا مسلمين، إذ كيف نتصور حالنا، ونتوقع مالنا يوم القيامة- لو قدّر الله علينا- ألانكون مسلمين، ونأتي الله- وفي قلوبنا هذا البغض العظيم لهذا الرسول الكريم، بل كيف نتصور أن نأتي يوم القيامة، وليس في صحائفنا الصلاة والسلام على المبعوث رحمة العالمين.
ويتفرع عليه أيضا، عصمة الله- لنبيه ﷺ حيث عصمه من قتل الكفار له طول حياته، مع حرصهم الشديد على ذلك، قال- تعالى-: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ.
الفائدة الرابعة:
وهي متفرقات:
١- وجوب الوصية، خاصة في حال وجود ديون على المسلم، أو إن كان عنده مال كثير، يريد أن يوقف شيئا منه، أو يخاف أن تحدث عند موته أو في جنازته منكرات أو محرمات، فيجب عليه الوصية ليبرأ إلى الله مما قد يحدث، وهذا الأمر الأخير قد انتشر في هذه الأيام، كالإسراف في مظاهر الحزن، كلبس المرأة السواد، والنياحة، وقراءة القرآن في سرادقات كبيرة، بصوت أحد الشيوخ المعروفين، مما يهدر أموالا بلا طائل، ويعظم
стр. 786
التحريم إذا كان للميت أولاد قصّر، أو عليه ديون، وكذا اتباع الجنائز بالموسيقى والورود وما عند الميت من نياشين وأوسمة، بالإضافة إلى الاجتماع على الولائم الكبيرة بمنزل الميت، والاجتماع فيه على العزاء عدة أيام، ونشر النعي في الجرائد بمساحات كبيرة، ويزداد الأمر سوآ، بالجزم بما أعده الله للميت من الثواب والعطاء، كل هذا بخلاف ما يحدث في القبر من التشييد ورفع القبر فوق الأرض بأكثر من شبرين، وكون البناء من الرخام، وأخص بالذكر منكرين، أولهما: أن يكون سرير الميت ثقيلا، بحيث يسبب لحامليه مشقة بالغة، وثانيهما: أن يلف النعش أو الميت بقماش كتب عليه الأسماء الحسنى وبعض سور القرآن العظيم، ولا أعلم كيف وصل الحال بالمسلمين، أن يزينوا أكفان الموتى بالقرآن الكريم، وكيف هان عليهم أن يحقروا شأن آيات الله إلى هذا الحد.
وهذه البدع التي ذكرتها، قد لا تجتمع في قطر إسلامي بعينه، ولكنها بالتأكيد موجودة بشكل متفرق في الأقطار الإسلامية.
٢- إثبات سؤال القبر، وما يكون فيه من فتنة عظيمة على الميت، وكذا إثبات الملكين، وإثبات الحياة البرزخية للميت، التي يعقل فيها الميت ويسمع ويتكلم، لقول عمرو بن العاص، ﵄: (وأنظر ماذا أراجع رسل ربي) .
وأهمس في أذن من يجادل الآن، في عذاب القبر وسؤال الملكين، وأقول لهم: إن الأمر قد ثبت في السنة الصحيحة بالأحاديث الصريحة، ونصيحتي إليكم: أن تتداركوا أمركم وتؤمنوا بهذا الغيب، قبل أن تفاجئوا بالملكين، يسألانكم، فكيف يثبتكم الله. جل في علاه. عند السؤال ويفتح عليكم بالإجابة، وأنتم بداية تنكرون السائل والسؤال، ويومئذ سيقع الندم حيث لا ينفع، وستقدمون العتبى إلى ربكم والاعتذار فيرد عليكم، بأفظع ما يمكن أن يصل إلى أسماعكم من توبيخ وتقريع.
وإذا كنتم تستعظمون على قدرة الله- أن يسأل الميت، ويحاسبه فإما النعيم وإما العذاب، فماذا تقولون فيمن خلق من منيّ الرجل إنسانا، مر بالنطفة ثم العلقة ثم المضغة، ثم أصبح عظاما ثم كسا هذا العظم لحما، أين حدث كل هذا؟ في مصنع أو مختبر، لقد حدث في أمكن مكان للنطفة بل أغرب مكان، في رحم الأم، ولو أن أحدا أخبرنا أن هذا يمكن حدوثه قبل أن نراه، لحكمنا عليه بالجنون، فوالذي لا إله غيره، إن ما يحدث في رحم الأم، مما نعرفه ولا نعرفه، لهو أعظم من سؤال القبر، ولا ينكر ذلك من كان عنده مسحة عقل، فلله الحمد أن أثبت لنا قدرته فيما نرى لنستدل بها على ما لا نرى،
стр. 787
فانقطعت بذلك كل حجة وردت كل شبهة.
الحديث الخامس:
عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ جالس جاء يهوديّ. فقال: يا أبا القاسم ضرب وجهي رجل من أصحابك. فقال: «من؟» قال: رجل من الأنصار. قال: «ادعوه» . فقال: «أضربته؟» قال: سمعته بالسّوق يحلف والّذي اصطفى موسى على البشر. قلت: أي خبيث على محمّد ﷺ ؟ فأخذتني غضبة ضربت وجهه. فقال النّبيّ ﷺ : «لا تخيّروا بين الأنبياء، فإنّ النّاس يصعقون يوم القيامة فأكون أوّل من تنشقّ عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أكان فيمن صعق أم حوسب بصعقة الأولى» «١» .
الشاهد في الحديث:
قول المسلم لليهودي: تقول: والذي اصطفى موسى على البشر، والنبيّ ﷺ بين أظهرنا) .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
١- ثبوت اصطفاء النبي ﷺ على جميع البشر، الأولين والآخرين، ودليله من الحديث، أن النبي ﷺ لم ينكر على الأنصاري فهمه أن النبي ﷺ هو المصطفى على البشر جميعا، بما فيهم موسى وأن قول اليهودي: (والذي اصطفى موسى على البشر) في وجود النبي ﷺ خطأ، فلو كان هذا الفهم من الصحابي غير صحيح لبينه النبي ﷺ في الحال، ولكن الذي أغضب النبيّ ﷺ لطم وجه من له عهد وذمة، وحدوث التفاضل بما ينتقص من قدر الأنبياء عليهم جميعا الصلاة والسلام.
قال ابن حجر- ﵀ ما نصه: (قال العلماء في نهيه ﷺ عن التفضيل بين الأنبياء: إنما نهي عن ذلك من يقوله برأيه لا من يقوله بدليل، أو من يقوله بحيث يؤدي إلى تنقص المفضول أو يؤدي إلى الخصومة والتنازع، أو المراد لا تفضلوا بجميع أنواع التفاضل بحيث لا يترك للمفضول فضيلة، فالإمام مثلا إذا قلنا: إنه أفضل من المؤذن لا يستلزم نقص فضيلة المؤذن بالنسبة إلى الأذان وقيل: النهي عن التفضيل إنما هو في حق النبوة نفسها كقوله تعالى: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، ولم ينه عن تفضيل بعض الذوات
стр. 788
على بعض لقوله: تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض، وقال الحليمي: الأخبار الواردة في النهي عن التخيير إنما هي في مجادلة أهل الكتاب وتفضيل بعض الأنبياء على بعض بالمخايرة؛ لأن المخايرة إذا وقعت بين أهل دينين لا يؤمن أن يخرج أحدهما إلى ازدراء الآخر فيقضي إلى الكفر أما إذا كان التخيير مستندا إلى مقابلة الفضائل لتحصيل الرجحان فلا يدخل في النهي) . انتهى كلامه ﵀ «١» .
ومما يؤكد اصطفاء النبي ﷺ على البشر ما رواه البخاري، من حديث أبي هريرة قوله ﷺ «أنا سيد القوم يوم القيامة» ، وكون موسى، ﵊، يفيق قبل النبي ﷺ أو لا يصعق أصلا، فليس هذا دليلا على أفضليته المطلقة، على النبي ﷺ ، فقد يخصّ المفضول على الفاضل في خصلة من الخصال، والذي يحكمنا ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة، وأوّل من ينشقّ عنه القبر، وأوّل شافع، وأوّل مشفّع» «٢» .
٢- عدله ﷺ بين الناس جميعا، المؤمن والكافر على سواء، وشيوع عدله ﷺ بين الناس، ولولا علم الناس بعدله وعدم رضاه بالظلم، ما ذهب إليه اليهودي يشتكي إليه أحدا من أصحابه، وكان رجلا من الأنصار، ومع شديد حب النبي ﷺ للأنصار، ومع أن الأنصاري إنما لطم وجه اليهودي، غضبا للنبي ﷺ ومع أن اليهود هم أشد الناس عداوة للنبي ﷺ إلا أن النبي ﷺ غضب لذلك حتى ظهرت علامات الغضب على وجهه، ففي إحدى روايات البخاري: (فغضب النبي ﷺ حتى رئي في وجهه) .
واليهودي لما ذهب يشتكي كان من فطنته أن أول ما ذكره للنبي ﷺ في شكواه، كما ورد في إحدى روايات البخاري: (أبا القاسم، إن لي ذمة وعهدا) ، وقال ذلك لعلمه أن النبي ﷺ لا يخفر ذمة ولا عهدا، ولذلك قال اليهودي بعد ذلك: (ضرب وجهي رجل من أصحابك) . قاله وهو مطمئن لعدله وأن كون الذي ضربه رجلا من أصحابه ﷺ لن يغير من الأمر شيئا.
ومن وجوه عدله ﷺ في هذا الحديث، أن سمع من اليهودي كامل شكواه، وما حكم له بل وما غضب، حتى دعا الأنصاري، وسأله عن صحة شكوى اليهودي، كما سمع منه كامل دفاعه، ورد في الحديث: (قال: «ادعوه» . قال: «أضربته؟» قال: سمعته في السوق يحلف ... ) .
стр. 789
ويتفرع على ذلك عدم جواز الحكم بين المتخاصمين إلا بعد سماع دعواهما كاملة.
وأودهنا أن أقول للقضاة، وغيرهم ممن يتصدى للحكم بين الناس، إذا كان النبي ﷺ غضب لليهودي، ووجّه عتابه لصاحبه الأنصاري، وشتان ما بين الرجلين في ميزان الإسلام، فإياكم أيها القضاة، أن تراعوا في أحكامكم نسبا أو صهرا أو مصالح مشتركة مع أحد المتنازعين، فتحكموا له دون الآخر.
قال- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨) [النساء: ٥٨] . ويزداد الأمر سوآ إذا باع القاضي دينه وأخذ رشوة من أحد المتخاصمين.
٣- وفاؤه ﷺ للأنبياء، وذكرهم بكل جميل وحسن، وإظهار فضلهم في كل مناسبة، ورد في رواية عند البخاري: «فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أم بعث قبلي» «١» . فلم يجد النبي ﷺ غضاضة أن يذكر لموسى فضلا يختص به عنه ﷺ فلا شك أن الذي بعث أولا، أو لم يصعق أصلا، أفضل في هذه الجزئية، من الذي بعث بعده، وهذا من تمام تواضعه ﷺ وحبه لإخوانه من الأنبياء، وسلامة صدره وصفاء قلبه، وقد خصصت فصلا كاملا لهذا الموضوع.
٤- جواز وقوع الاجتهاد منه ﷺ فيما ليس فيه وحي من الله، ﵎، لقوله ﷺ : «فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أم بعث قبلي؟!» ووجه الاجتهاد هنا، أن النبي ﷺ قد وضع فرضين للمسألة، ولو كان عنده ﷺ وحي في المسألة، ما كان هناك مجال للاحتمالات. ونقطع أن أحد الاحتمالين هو الحق، وأنه لا احتمال ثالث في المسألة، ولولا ذلك لصوب الله- اجتهاده في الحال.
الفائدة الثانية:
فضيلة ظاهرة لموسى- ﵊ من كونه أول من يفيق من الصعقة الثانية، أو أنه لا يصعق أصلا، ومن كونه أيضا (يمسك بقائمة من قوائم عرش الرحمن) ، وهذا من أعظم مظاهر التشريف له يوم القيامة، ففي الحديث: «فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش» ، وهذا من دلائل قربه من الله- ﵎ وعلو منزلته.
الفائدة الثالثة:
تعظيم النبي ﷺ في نفوس أصحابه ﵃ جميعا، ويظهر هنا في إنكار الأنصاري قسم اليهودي في قوله: (والذي اصطفى موسى على البشر) ليلقنه أن ببعثة محمد
стр. 790
رسول الله ﷺ لا ينبغي أن يفضّل عليه أحد من الأنبياء- عليهم جميعا الصلاة والسلام- وفهم النبي ﷺ أن هذا هو مراد الأنصاري لذلك قال في نهاية حكمه: «ولا أقول: إن أحدا أفضل من يونس بن متى» .
وأعود للأنصاري فأقول: إن إنكاره لمقولة اليهودي كانت بالقلب واللسان واليد، لأنها جاءت على النحو التالي:
١- غضب غضبا شديدا، حيث قال للنبيّ ﷺ «فأخذتني غضبة» . وهذا يشعر أن الغضب تملّكه جميعا، وهذا هو وجه إنكار القلب.
٢- قوله لليهودي: (أي خبيث، على محمد؟!) ، وهو إنكار باللسان، وأرى أن الأنصاري قد اتهم اليهودي بهذا الوصف الشنيع، لاعتقاده أن كلام اليهودي نابع من حقد في قلبه وتكذيب للنبي ﷺ وأن اليهودي استخدم قسما، ظاهره حق، ليغمط حق النبي ﷺ ولذلك وصفه بالخبث وليس بالكذب.
٣- ضرب وجه اليهودي، وهو إنكار اليد، وأظن أن النبي ﷺ ما لامه على ذلك، لكون الأنصاري قد تملكه غضب شديد كان هو الدافع للضرب وكان هذا واضحا في كلام الأنصاري حيث قدم الغضب على الضرب، قال: (فأخذتني غضبة ضربت وجهه) ، وكأنه يبرر ما وقع منه.
ومن كل ما ذكر، نعلم كيف كان الصحابة يعظمون النبي ﷺ في قلوبهم أبلغ تعظيم ويغضبون كل ذلك الغضب، ليس لأن أحدا سب أو كذب أو ازدرى النبي ﷺ حاشا لله، ولكن لأن واحدا فضّل الكليم، المصطفى بحق على البشر في عصره، ومحمد ﷺ قد بعث.
إلى هذا الحد بلغ الإجلال والإكبار والحب، أخي القارئ: هل نغضب نحن مثل هذا الغضب؟ لا أقول إذا تكلم يهودي يكفر أصلا بالله ورسوله، ولكن إذا تكلم مسلم مثلنا على النبي ﷺ بكلام غير لائق، أو تكلم عليه كما يتكلم الرجل على خصمه أو حتى على صاحبه، هل نغضب مثل هذا الغضب؟ إن لم نغضب فإن في إيماننا شيئا نسترجع الله فيه.
الحديث السادس:
عن البراء بن عازب ﵁ قال: (اعتمر النّبيّ ﷺ في ذي القعدة فأبى أهل مكّة أن يدعوه يدخل مكّة حتّى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيّام، فلمّا كتبوا الكتاب، كتبوا هذا ما قاضى عليه محمّد رسول الله، فقالوا: لا نقرّ بها فلو نعلم أنّك رسول الله ما منعناك، لكن أنت محمّد بن عبد الله، قال: «أنا رسول الله، وأنا محمّد بن عبد
стр. 791
الله» . ثمّ قال: لعليّ: «امح رسول الله» ، قال: لا والله لا أمحوك أبدا. فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمّد بن عبد الله) «١» .
هذه الواقعة حدثت في صلح الحديبية، عام ستة من الهجرة، وفيها أن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ ذهبوا إلى مكة معتمرين، فأبى أهل مكة، أن يدعوه يعتمر، وكانوا يريدون قتاله ﷺ فعرض عليهم الهدنة، وبعد عدة مفاوضات اشتركت فيها طائفة من كفار مكة، أتى إليه سهيل بن عمرو، من عسكر المشركين ليعقد الصلح مع المسلمين، فكان النبي ﷺ يملي على كاتبه، وكان سهيل بن عمرو يعترض على كتابة ما لم يؤمن به في المعاهدة، فكان مما اعترض عليه قول النبي ﷺ في أول المعاهدة، بسم الله الرحمن الرحيم، وقال: (أما الرحمن فو الله ما أدري ما هو ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب) . ثم اعترض أيضا على كتابة: (هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله) . وقال: (والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله) . واشترط الكفار في المعاهدة عدم دخول المسلمين البيت من عامهم هذا معتمرين، ولكن يحلون إحرامهم، ويقيمون بمكة ثلاثة أيام، ثم يأتون العام المقبل لأداء العمرة (عمرة القضاء) ، كما اشترط المشركون، ألا يأتي منهم رجل النبيّ ﷺ إلا ردّه إليهم ولو كان مسلما، قال سهيل: (وعلى ألا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا) . وقد وافق النبي ﷺ على كل شروط المشركين في المعاهدة، وذلك لقوله، ﷺ «والذي نفسي بيده لا يسألوني خطّة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها» «٢» .
الشاهد في الحديث:
قول علي ﵁ للنبي ﷺ لما أمره أن يمحو لفظ (رسول الله) بناء على طلب سهيل بن عمرو، قال علي: (لا والله لا أمحوك أبدا) . ووجه تعظيم النبي ﷺ في نفوس الصحابة في هذه الواقعة، أن النبي ﷺ هو الذي أمر عليّا أن يمحو لفظ (رسول الله) ، ومع ذلك ما استطاع عليّ أن يفعل ذلك، تعظيما للفظ، رسول الله، وهو لن يمحو اللفظ من قلبه، ولا من قلوب الناس، ولن يمحو واقعا، بل سيمحوه من السطور فقط، فهل المحو من السطور يقدّم أو يؤخر، مع أن الله. ﵎. عذرهم فيما هو أعظم من ذلك بمراحل عظيمة، وهو النطق بكلمة الكفر مرغمين، طالما كان القلب مطمئنا بالإيمان، ومع ذلك ما استطاع،
стр. 792
وأقول: لماذا لم يستطع؟ هل- كما ذكرت- تعظيما لأمر النبي ﷺ فحسب، أم خوفا على يديه أن تمحى منها البركة كما محت لفظ رسول الله ﷺ أم خاف أن يلوم نفسه يوما من الأيام على إقدامه على هذه الفعلة أو حتى يلومه غيره، أم أنه خاف من كل تلك العواقب، كما أقول: لماذا لم يعاتبه النبي ﷺ على قسمه بالله ألا يفعل ما أمره به؟ هل لأن الأمر لم يكن للوجوب، وهذا أستبعده لعدم وجود دليل عليه، أم لعلم النبي ﷺ أن تنفيذ مثل هذا الأمر كان فوق طاقة علي ﵁ النفسية ومن القواعد المقررة في الشرع، أن الله. لا يكلف نفسا إلا وسعها وهل وازن علي ﵁، قبل أن يرد أمر الرسول ﷺ بين رد الأمر، والمحو، فوجد أن المحو أعظم من رد الأمر، كل ذلك علمه عند الله. . ولكن ما يهمنا في الأمر، هو استشعار تعظيم هؤلاء الأصحاب، للنبي ﷺ . فوجه التعظيم الذي أردت أن أبينه في هذا الباب، لم أستدل عليه، من كونهم كانوا يمتثلون أمره ويجتنبون نهيه ﷺ وإنما استدللت عليه من كونهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئا يكون ظاهره أو صورته فقط توهم بسوء الأدب مع النبي ﷺ أو أن صورة الأمر ستكون مخالفة لما يشعرون به في نفوسهم تجاه النبي ﷺ وهذا أبلغ في تقريب الصورة للقارئ.
فتدبر أخي القارئ، كيف أبى أبو بكر الصديق أن يصلي إماما للرسول ﷺ رغم أنه هو الذي أمره، وكيف شق على أبي أيوب أن يسكن في العلو والنبي ﷺ يسكن في السّفل، ويقول مستعظما الأمر: (أنمشي فوق رأس رسول الله ﷺ . بالإضافة إلى الأنصاري الذي غضب غضبا شديدا من اليهودي لما قال: (والله الذي اصطفى موسى على البشر) . أضف إلى ذلك ما مر من أمر الصحابي عمرو بن العاص ﵁ أنه ما كان يستطيع أن يملأ عينه من النبي ﷺ ولو سأل أن يصفه ما استطاع؛ إجلالا وإكبارا له ﷺ .
ونأخذ أمثلة أخرى لهذا الإجلال والإكبار، وردت في قصة، صلح الحديبية، كما رواها البخاري:
١- لما قال عروة بن مسعود، وهو مفاوض آخر من عسكر كفار مكة، للنبي ﷺ :
(فإني والله لأرى وجوها أوشابا- أي أخلاطا- خليقا أن يفروا ويدعوك) ، غضب أبو بكر غضبا شديدا، ورد عليه قائلا: (امصص ببظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه) ، والبظر قطعة بين جانبي فرج المرأة، وكان من عادة العرب أن يقولوا لمن يسبونه أو يشتمونه: امصص بظر أمه، فاستعار أبو بكر ﵁ باللات لتعظيمهم إياها بقصد المبالغة في سبه.
٢- كان عروة بن مسعود كلما كلم النبي ﷺ أخذ بلحيته، فماذا فعل الصحابي
стр. 793
المغيرة بن شعبة، ﵁ ورد في الحديث: (وجعل يكلم النبي ﷺ فكلما تكلم أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر فكلما أهوى بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف وقال له: أخّر يدك عن لحية رسول الله ﷺ . فكذا كانت غيرتهم الشديدة على لحية رسول الله ﷺ وغضبهم ممن يمسها ولو بيده، وضرب رجل كعروة بن مسعود بنعل السيف، أي بمؤخرته، ليس بالأمر السهل، ولم يكن الضرب مرة، بل تكرر كلما أخذ عروة بلحية حبيبهم ﷺ .
٣- ومما ورد في حديث صلح الحديبية، يبين بجلاء كيف كان الصحابة ﵃، يجلّون النبيّ ﷺ إجلالا أعظم من إجلال أحدنا للملوك والقياصرة، إجلال في كل شيء، تمثل في التعامل مع آثاره وما خرج منه، ولو كانت نخامة، وفي النظر إليه مع جمال وجهه، وفي خفض الصوت في حضرته ﷺ ، وأنقل لكم ما قاله عروة بن مسعود، دون أدنى تعليق بعده؛ لأن الأمر لا يحتاج إلى تعليق، بقدر ما يحتاج من القارئ إلى تدبر وتأمل، قال عروة لما رجع إلى أصحابه من كفار مكة: (أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قطّ يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدا والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلّك به وجهه وكادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدّون إليه النظر تعظيما له) . انتهى.
١٤- تعظيم دعائه ﷺ
عن أبي سعيد بن المعلّى قال: كنت أصلّي في المسجد فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه.
فقلت: يا رسول الله إنّي كنت أصلّي فقال: «ألم يقل الله: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ؟» ثمّ قال لي: «لأعلّمنّك سورة هي أعظم السّور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد» ، ثمّ أخذ بيدي، فلمّا أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلّمنّك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟
قال: «الحمد لله ربّ العالمين هي السّبع المثاني والقرآن العظيم الّذي أوتيته» «١» .
الشاهد في الحديث:
أن النبي ﷺ لما دعا الصحابي أبا سعيد بن المعلى وهو يصلي فلم يجبه عاتبه النبي ﷺ واستدل بقوله تعالى: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
عظم قدر النبي ﷺ ويتبين ذلك من:
стр. 794
١- وجوب إجابة دعوته وندائه، حتى ولو كان المنادى في الصلاة، التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهو قول الشافعية، على اختلاف عندهم هل تبطل الصلاة بهذه الإجابة أم لا، ذكره الحافظ في الفتح «١» ، وموطن الخلاف: هل هذه الإجابة تخرج الصحابيّ من الصلاة لبطلانها بتكلمه، أم يجيب ويستمر في الصلاة وأعتقد أن الرأي الأخير هو قول الشافعي- ﵀ فقد نقل عنه الإمام القرطبي قوله في شرح الآية: (هذا دليل على أن الفعل الفرض أو القول الفرض إذا أوتي به في الصلاة لا تبطل؛ لأمر رسول الله ﷺ بالإجابة وإن كان في الصلاة) «٢» .
وأقول: إجابة دعوته ﷺ واجبة سواء كان الصحابي في صلاة فريضة أم نافلة، والدليل على ذلك عدم سؤال النبي ﷺ الصحابيّ عن نوع الصلاة التي كان يصليها، وإلا لأوضح النبي ﷺ للصحابي وجوب استجابة دعائه في صلاة النافلة دون الفريضة لما استدل ﷺ بالآية الكريمة.
٢- إجابة دعوته ﷺ فرض على الفور وليس على التراخي، ولو كانت على التراخي ما عاتب النبي ﷺ أبا سعيد ﵁ لعدم إجابته وهو في الصلاة.
٣- مما يعظم أمر وجوب استجابة دعائه ﷺ ولو كان المرء في صلاة. أن هذا الأمر قد ورد في القرآن الكريم، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ استدل بالآية وهو أعلم الخلق بمراد الله. . كما أن من أوجه تعظيم أمر إجابة دعائه ﷺ أن الله قد قرن بين وجوب طاعته. .
وطاعة رسوله ﷺ في أمر واحد، فقال تعالى: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ.
يتفرع على ما ذكر، وجوب تعظيم المسلم لنداء النبي ﷺ . نداؤه على سبيل الحقيقة وهو بين أصحابه ﷺ ، ونداؤه ﷺ لأمته بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، ويتمثل في اتباع سنته القولية والفعلية، يصدّق ذلك قوله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) [النور: ٦٣] .
الفائدة الثانية:
امتثال سنة النبي ﷺ في كل ما أمر به ونهى عنه، واجب على كل مسلم ومسلمة- وجوبا على الفور- والدليل على ذلك الآية الكريمة التي استدل بها النبي ﷺ ومعاتبته الصحابي على عدم إجابة دعوته وهو في الصلاة.
الفائدة الثالثة:
تفاضل سور القرآن العظيم، والدليل على ذلك قوله ﷺ : «لأعلمنك
стр. 795
سورة هي أعظم السور في القرآن» .
نقل الحافظ ابن حجر- ﵀ عن ابن التين قوله: (معناه أن ثوابها أعظم من غيرها) «١» .
الفائدة الرابعة:
سورة الفاتحة- الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ-، هي أعظم سورة في كتاب الله العظيم، وهي المقصودة بقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي؛ لأن أولى من يفسر القرآن هو النبي ﷺ كما أسلفت، ونقل الحافظ ابن حجر- ﵀ عن بعض العلماء سبب تسمية الفاتحة بالسبع المثاني، فقال ما نصه: (واختلف في تسميتها مثاني فقيل لأنها تثنى كل ركعة أي تعاد، وقيل: لأنها يثنى بها على الله تعالى، وقيل: لأنها استثنيت لهذه الأمة لم تنزل على من قبلها) .
الفائدة الخامسة:
على المفتي أن يذكر للمستفتي أو السامع دليل حكمه على المسألة، خاصة إذا وقع للمستفتي لبس أو إشكال، فهذا هو النبي ﷺ المشرع لهذه الأمة لما أحس أن الصحابي قد يستشكل عليه أمر قطع الصلاة ذكر له ﷺ الدليل من كلام الله ﵎، وفيه أيضا أنه يسنّ للمفتي أن يذكر أولا في حكم المسألة الدليل القرآني تبركا بكلامه ﵎، ووجه ذلك أن كلامه ﷺ هو تشريع للأمة، ولكن لما كان هناك دليل في المسألة من القرآن العظيم، قدّمه ﷺ .
١٥- تبركهم به ﷺ
أولا: تبركهم بفضل وضوئه ﷺ :
عن أبي جحيفة قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرة، فأتي بوضوء، فتوضّأ فجعل النّاس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسّحون به، فصلّى النّبيّ ﷺ الظّهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه عنزة. وقال أبو موسى: دعا النّبيّ ﷺ بقدح فيه ماء، فغسل يديه ووجهه فيه، ومجّ فيه، ثمّ قال لهما: «اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما» ) «٢» .
الشاهد في الحديث:
قوله: فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به.
стр. 796
بعض الفوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
ثبوت بركة فضل وضوء النبي ﷺ وهو الماء المتبقي في الإناء بعد وضوئه أو الماء الذي سال من أعضاء وضوئه، قال أبو جحيفة ﵁ (فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به) ، ومما يوضح ذلك ويبينه أكثر وأكثر ما رواه البخاري عن ابن شهاب قال: أخبرني محمود بن الرّبيع قال: (وهو الّذي مجّ رسول الله ﷺ في وجهه وهو غلام من بئرهم وقال عروة عن المسور وغيره يصدّق كلّ واحد منهما صاحبه: وإذا توضّأ النّبيّ ﷺ كادوا يقتتلون على وضوئه) «١» .
٢- ثبوت بركة ريقه ﷺ ، لقول أبي موسى: (فغسل يديه ووجهه فيه ومج فيه ثم قال:
«اشربا منه» ، ومعنى مج فيه: صب الماء الذي في فمه في الإناء، قال ابن حجر- ﵀: (والغرض بذلك إيجاد البركة بريقه المبارك) .
وانظر أخي القارئ أدب العلماء مع النبي ﷺ حيث وصف ابن حجر ريقه ﷺ بالمبارك، والمبارك هو كل ما كثر خيره، ودليل بركته أن النبي ﷺ أمر أصحابه أن يشربوا منه، بل إن الصحابة ﵃ كانوا حريصين كل الحرص على ألا يدخل فم المولود شيء قبل ريقه المبارك ﷺ ، فعن أنس ﵁ قال: (لمّا ولدت أمّ سليم قالت لي يا أنس انظر هذا الغلام فلا يصيبنّ شيئا حتّى تغدو به إلى النّبيّ ﷺ يحنّكه فغدوت به فإذا هو في حائط وعليه خميصة حريثيّة وهو يسم الظّهر الّذي قدم عليه في الفتح) «٢» .
٣- عظيم بركة ريقه وفضلة وضوئه ﷺ ، ووجه ذلك: أن هذه البركة تصيب من نالها بأي وجه من الوجوه، ومن تلك الوجوه:
أ- الشرب، لقوله ﷺ لأبي موسى: «اشربا منه» .
ب- الإفراغ، أي الصب، على الوجه والنحر، لقوله ﷺ : «وأفرغا على وجوهكما ونحوركما» .
ج- التمسح به، لقول أبي جحيفة (فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به) .
د- مجرد النضح، لما ورد عند البخاري من حديث أبي جحيفة: (فخرج بلال، فمن
стр. 797
نائل وناضح) . قال ابن حجر- ﵀ (معناه: فمنهم من ينال منه شيئا، ومنهم من ينضح على غيره شيئا مما ناله ويرش عليه بللا مما حصل له) . انتهى.
وتدبر أخي القارئ، أن الصحابة ﵃ قد رجوا البركة من مجرد النضح، ليقينهم أنه لن تعدم البركة فيه، وكيف تعدمه وهذا الماء قد لامس جسد النبي ﷺ .
الفائدة الثانية:
حب النبي ﷺ لأصحابه ﵃ وحرصه على تعليمهم ما يجلب لهم الخير، ويدفع عنهم الشر، بإذن الله تعالى، حيث كان ﷺ يأمر أصحابه بشرب فضلة وضوئه، بل ومجّته، قال أبو موسى: (ثم قال لهما: اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما) .
الفائدة الثالثة:
تعظيم الصحابة ﵃ لآثار النبي ﷺ وما كان ذلك إلا ليقينهم التام، الذي لا يخالطه أدنى شك، بصدق نبوته، وحبّ الله- له، مع تأييده بالمعجزات الباهرات، ومما يدل على ما ذكرت من حديث الباب:
١- تمسحهم ﵃ بفضل وضوئه ﷺ فما كانوا يكتفون بالشرب بل كانوا يمسحون بهذا الماء جميع جسدهم طمعا لتعميم البركة، قال الراوي: (فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به) .
٢- من لم يستطع منهم أن ينال من فضلة وضوئه ﷺ نضح من يد أخيه، كما بينت قريبا، وأعتقد أن من فعل ذلك خاف ألايدرك جزآ ولو يسيرا من الماء فاضطر للنضح، حتى لا يخرج صفر اليدين، فيشق عليه حرمانه، بينما نال الآخرون بغيتهم.
٣- لم يقتصر الحرص على نيل بركة وضوئه ﷺ على أصحابه ﵃ بل تعدى إلى زوجاته، أمهات المؤمنين، ﵅، وهذا عجيب جدّا جدّا لمن تدبره، فأزواجه اللائي ينلن من حبه والقرب منه وبركته، ما لا يمكن أن يناله غيرهن، لم يزهدن في فضلة وضوئه، ورد في إحدى روايات البخاري من قول أبي موسى: (فنادت أم سلمة من وراء الستر أن أفضلا لأمكما، فأفضلا لها منه طائفة) .
ألم تكن أم المؤمنين، أم سلمة ﵂، في يوم نوبتها، تأكل وتشرب مع النبي ﷺ أما كانت تنام على الفراش الذي ينام عليه، أما كانت تشرب من فضلة وضوئه كلما كان عندها، بل أما كانت تغتسل معه، وأكثر من ذلك بكثير، لماذا لم تكتف بكل ذلك، لماذا لم تؤثر الصحابة بهذه الفضلة، وهم الذين لم يشاركوها فيما ذكرت، هل لأن الزهد في الخير
стр. 798
من سوء الأدب؟ هل لطمعها الشديد أن تنالها بركة النبي ﷺ كلما سنحت لها الفرصة؟ هل كانت ستجد مشقة في نفسها أن يوزع هذا الخير ولا تنال هي منه، وانظر كيف رفعت صوتها ﵂ من حجرتها حتى تسمع أبا موسى نداءها، وكيف استحثتهم على أن يخصوها بطائفة، فقالت لهما (أن أفضلا لأمكما) . ولم تقل: (لي) ؛ لتذكرهما بحقها العظيم عليهما من حيث كونها أمّا للمؤمنين.
ثانيا: تبركهم بفضلة الماء الذي شرب منه ﷺ :
عن سهل بن سعد ﵁: (أنّ رسول الله ﷺ أتي بشراب، وعن يمينه غلام، وعن يساره أشياخ، فقال للغلام: «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟» فقال الغلام: لا والله لا أوثر بنصيبي منك أحدا. فتلّه في يده) «١» .
الشاهد في الحديث:
قول الغلام للنبي: (لا والله لا أوثر بنصيبي منك أحدا) . الغلام كما ذكر في روايات في غير الصحيحين، هو: عبد الله بن عباس ﵄، ومع شدة تعظيم هذا الغلام الفقيه للنبي، واستئذان النبي منه، إلا أنه أبى أن يعطي فضلة النبي لأحد، فهو يعلم ما فيها من بركة، وهذا يدل على فطنته وحرصه على الخير، ومعرفته قدر الرسول وكل ذلك مع كونه غلاما.
وفي الحديث فوائد منها:
الفائدة الأولى:
أن الإيثار في الطاعات والخير، غير مطلوب شرعا، فعلى الإنسان أن يقدم نفسه في أمور الخير، وذلك في حالة كون العمل لا يقوم به إلا واحد، مثل وجود فرجة في الصف الأول، لا تكفي إلا واحد، فعلى المسلم أن يبادر إليها ولا يؤثر غيره بها، أما الإيثار المطلوب، فهو الذي يكون في أمور الدنيا مثل الطعام والشراب والملبس، فهذا إيثار محمود شرعا، يثاب المرء عليه.
أما إذا كان العمل يمكن أن يقوم به اثنان أو أكثر، فعلى المسلم أن يحرص على أن يشاركه غيره فيه، ليعم الخير والبركة، ويشرع له أن يختار المشارك له من أهل قرابته، لأنهم أولى بالمعروف، ألم تر كيف شفع موسى في أخيه حتى جعله نبيّا، قال- تعالى- على لسان موسى:
وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي [طه: ٢٩، ٣٠] .
стр. 799
أما الدليل من السنة على اختيار أقرب الناس للمشاركة في الخير، فعن أم حبيبة أنها قالت: (قلت: يا رسول الله انكح أختي بنت أبي سفيان. قال: «وتحبّين؟» قلت: نعم.
لست لك بمخلية، وأحبّ من شاركني في خير أختي) «١» . ولكن النبي ﷺ لم يفعل لأنها كانت بنت أخ من الرضاعة بالإضافة إلى تحريم الجمع بين الأختين وأنصح كل مسلم فأقول له: لا تبخل على أخيك المسلم بأي خير، واعلم أن خير الله الذي أراده لأخيك سيصل إليه لا محالة، فاحرص أن يكون هذا الخير على يديك، فيحبك الله ، ويحبك الناس، وتكون من أهل المعروف في الدنيا.
الفائدة الثانية:
إذا قال قائل: الغلام كان صغيرا فكيف نأخذ من فعله حكما؟
قلت: عدم تعقيب النبي ﷺ على قول الغلام أو الإنكار عليه، دلنا أن فعل الغلام هو الصواب، إذ لا يجوز في حقه ﷺ تأخير البيان عن وقت الحاجة.
الفائدة الثالثة:
الذي يجلس عن اليمين هو الأولى، ولا يعطي لغيره إلا بإذنه، وهو مخير بالإذن من عدمه.
الفائدة الرابعة:
تواضع النبي ﷺ مع الغلام، وحفظ حقه، ويظهر ذلك في الاستئذان، ولو علم الغلام أن هذا الاستئذان ليس على بابه، أي أنه بمثابة الأمر، لبادر إلى الطاعة والامتثال.
ثالثا: تبركهم بشعره ﷺ :
عن أنس بن مالك ﵁ قال: لمّا رمى رسول الله ﷺ الجمرة، ونحر نسكه، وحلق ناول الحالق شقّه الأيمن، فحلقه، ثمّ دعا أبا طلحة الأنصاريّ، فأعطاه إيّاه ثمّ ناوله الشّقّ الأيسر، فقال: احلق فحلقه فأعطاه أبا طلحة، فقال: اقسمه بين النّاس) «٢» .
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ : «اقسمه بين الناس» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
الشمائل النبوية:
١- بركة شعره ﷺ ، ودليله أنه أعطى شعر شقه الأيمن لأبي طلحة، زوج أم سليم
стр. 800
والدة أنس، ﵃، وأمر ﷺ أبا طلحة بتقسيم شعر شقه الأيسر على الناس، وعند مسلم: (فوزعه بين الناس الشعرة والشعرتين) ، ولفظ (اقسمه) يشعر أن النبي ﷺ أراد من أبي طلحة ﵁ العدل بين الناس في توزيع الشعر، ولولا علمه ﷺ بعظيم بركة شعره، ما أمر بتقسيمه بين الناس. بل إنه أمر بمراعاة العدل في التقسيم.
يتفرع على ذلك إثبات بركة النبي ﷺ في كل ما يخصه؛ إذ تم توزيع شعره بين الصحابة، ﵃ بالشعرة والشعرتين، ولولا حدوث البركة بالشعرة الواحدة، ما كان هناك حكمة من وراء توزيعها على الصحابة، ولك أخي القارئ أن تتصور الجهد الذي بذله أبو طلحة ليقسم شعر الشق الأيسر للنبي ﷺ بين الناس ومعلوم أن شعره ﷺ كان كثيفا وطويلا.
٢- عظيم اعتناء المولى- بنبيه ﷺ إذ جعل في كل شيء اتصل به عظيم البركة، من الشعر واللباس والأظافر والعرق ومكان الصلاة وفضلة الماء والوضوء، وبصاقه بل ونخامته التي كان الصحابة ﵃ يتبادرونها فيمسحون بها وجوههم، واقرأ أخي المسلم، ما ورد في البخاري في حديث صلح الحديبية الطويل، ما ذكره عروة بن مسعود لأصحابه من كفار قريش: (والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده) .
ولا تتعجب أخي القارئ من سلوك الصحابة ﵁ ولا تقول في نفسك: كيف يفعلون ذلك بالنخامة، وتظن أنك لو كنت مكانهم لاستقذرت ذلك؛ لأن الذي عاين وعايش أحوال النبي ﷺ ليس كالذي سمع، وإذا كان عرقه ﷺ كان مثل حبات اللؤلؤ في جماله، وأطيب من المسك في ريحه، فلماذا نقيس نخامته ﷺ بنخامة بقية الناس، حتى محجنه ﷺ قد ثبتت له البركة لملامسة يد النبي ﷺ فعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كنت مع النّبيّ ﷺ في غزاة فأبطأ بي جملي، وأعيا فأتى عليّ النّبيّ ﷺ فقال: «جابر؟» فقلت: نعم.
قال: «ما شأنك؟» قلت: أبطأ عليّ جملي، وأعيا فتخلّفت، فنزل يحجنه بمحجنه، ثمّ قال:
«اركب» . فركبت، فلقد رأيته أكفّه عن رسول الله ﷺ «١» .
стр. 801
الفائدة الثانية:
بالغ حب الصحابة ﵃ للنبي ﷺ ويتبين ذلك من:
١- حرصهم على اقتناء شعر الرسول ﷺ حيث ورد عند مسلم من حديث أنس ﵁: (فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل) . وما كان هذا إلا لتعظيمهم كل ما يتصل بالنبي ﷺ ولا نقول الشعره، بل نقول الشعرة الواحدة منه، كانوا يرون أن من الخسارة أن تقع الشعرة على الأرض، ولا ينتفع أحد منها، وقد يكون ذلك أيضا، من باب إجلالهم للشعرة من أن تقع على الأرض التي يمشي الناس عليها بأقدامهم، وهذا ليس ببعيد ولا مستغرب.
٢- رؤيتهم أن اقتناء شعرة واحدة من شعر رسول الله ﷺ أحب إليهم من الدنيا وما فيها، لما رواه البخاري: (عن ابن سيرين قال: قلت لعبيدة: عندنا من شعر النّبيّ ﷺ أصبناه من قبل أنس أو من قبل أهل أنس فقال: لأن تكون عندي شعرة منه أحبّ إليّ من الدّنيا وما فيها) . أي أن أحدهم لو خيّر بين الدنيا بما فيها من الأولاد والمال والحلائل من النساء، وبين شعرة واحدة، من شعر النبي ﷺ والله ما تردد ولاختار الشعرة، فهي أرجح عنده في الميزان من الدنيا وما فيها، فأي حب كان هذا الحب، وتنبه أخي القارئ، أن ابن سيرين لم يكن من الصحابة، ولكن كان من التابعين، أي أن الشعر كانوا يحتفظون به، مددا طويلة، وكانوا إما يتوارثونه أو يتهادونه فيما بينهم، لقول ابن سيرين عن شعر النبي ﷺ :
(أصبناه من قبل أنس) .
الفائدة الثالثة:
وهي منقبة عظيمة لأبي طلحة، حيث خصه النبي ﷺ وحده بشطر شعره الأيمن، وبقية الناس بالشطر الآخر.
رابعا: تبركهم بمكان صلاته ﷺ :
عن محمود بن الرّبيع الأنصاريّ: (أنّ عتبان بن مالك؛ وهو من أصحاب رسول الله ﷺ ممّن شهد بدرا من الأنصار، أنّه أتى رسول الله ﷺ . فقال: يا رسول الله قد أنكرت بصري، وأنا أصليّ لقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الّذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلّي بهم، ووددت يا رسول الله أنّك تأتيني فتصلّي في بيتي فأتّخذه مصلّى.
قال: فقال له رسول الله ﷺ : «سأفعل، إن شاء الله» . قال عتبان: فغدا رسول الله ﷺ وأبو بكر حين ارتفع النّهار فاستأذن رسول الله ﷺ ، فأذنت له فلم يجلس حتّى دخل البيت، ثمّ قال: أين تحبّ أن أصلّي من بيتك؟ قال: فأشرت له إلى ناحية من البيت) «١» .
стр. 802
الشاهد في الحديث:
قول عتبان بن مالك ﵁: (وددت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى) .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
عظيم بركة النبي ﷺ حيث لم تقتصر هذه البركة على ما خرج منه فحسب، مثل: العرق، والتفل، والمجّة، والريق، والشّعر، والماء الذي خرج من بين أصابعه ﷺ بل تعدت تلك البركة إلى المكان الذي لامسه والتصق جسده به، والمكان الذي تعبد فيه لله- ، ولولا ثبوت هذه البركة ما لبى النبي ﷺ طلب عتبان بن مالك ﵁ بالحضور إلى بيته والصلاة فيه ليتخذه عتبان مصلى له، وترى كذلك أن النبي ﷺ لما دخل البيت لم يصلّ في أي مكان، بل سأل عتبان ﵁ أين تحب أن أصلي من بيتك؟
ليختار عتبان المكان المناسب الذي سيتمكن من التزامه في كل صلاة، ويتفرع على ما ذكره الفائدة التالية.
الفائدة الثانية:
المكان الذي تعبد فيه النبي ﷺ هو أحب إلى الله من المكان الذي لم يتعبد فيه ﷺ وكذا التقرب إلى الله في مكان تقرب فيه النبي ﷺ أرجى لقبول تلك العبادة عند الله، بل نجزم أن ثوابها أعظم، ودليله: أن عتبان بن مالك ﵁ لما عجز عن أداء بعض الصلوات جماعة في المسجد لضعف بصره، ولشعوره أن أجر الجماعة في المسجد.
خاصة أنه كان إماما لقومه. قد يفوته لصلاته في بيته، طلب من النبي ﷺ أن يصلي له في بيته، فيتخذ ذلك المكان مصلى له، فيعظم أجره لصلاته في نفس المكان الذي تشرف بصلاة النبي ﷺ فيه- فإن اعترض أحد وقال: ما وجه دلالة هذا الاستنباط؟ قلت له: إن عتبان ﵁ لم يطلب هذا الطلب من الرسول ﷺ قبل ضعف بصره، مع أنه كان من المؤكد يصلي في بيته ولو بعض النوافل، كما لم يطلب منه أن يأتي إلى مسجده فيصلي فيه مرة، حتى يتخذ تلك البقعة في المسجد مصلى له، وإنما طلب هذا الطلب لما اضطر إلى الصلاة في البيت بعض الفرائض التي يعجز أن يصليها في المسجد.
الفائدة الثالثة:
مشروعية أن يتحرى المسلم الأماكن التي ثبت أن النبي ﷺ تعبد فيها ويقصد الصلاة فيها طمعا أن ينال بركة النبي ﷺ وينوي بذلك التقرب إلى الله .
ومثاله الحجر الأسود الذي ثبت أن النبي ﷺ قبّله، وكذا الأماكن التي ثبت أن النبي ﷺ صلّى فيها بمسجده الشريف كمكان المنبر.
стр. 803
تنبيه هام:
هل يجوز التبرك باثار أحد بخلاف النبي ﷺ ؟ الجواب: نعم، قال الإمام النووي- ﵀ (في الحديث التبرك بالصالحين وآثارهم والصلاة في المواضع التي صلوا بها وطلب التبريك منهم) «١» . وقال الحافظ ابن حجر- ﵀: (ويستفاد منه أن من دعي من الصالحين ليتبرك به أنه يجيب إذا أمن الفتنة) «٢» .
وأضيف أنه يجب أن تتوفر شروط في الرجل الذي نلتمس منه البركة، وإليك أخي القارئ بعض تلك الشروط:
١- أن يكون متبعا للكتاب الكريم وسنة النبي ﷺ ظاهرا وباطنا، خاصة في باب العقائد والمحافظة على صلوات الجماعة والورع عن الحرام والقيام بالسنن والمندوبات.
٢- ألا يحب أو يحرص على إظهار كراماته أمام الناس، وإذا حدثت هذه الكرامات دون قصد منه لا يفرح بها ولا ينبه الناس عليها، لأن من المفترض فيه أن يخشى الفتنة على نفسه، كما يخشى الرياء والسمعة.
٣- ألا يبتغي بهذه الكرامات عرضا من أعراض الدنيا، كالأموال والمناصب والتقرب إلى الحاكم وغيرها.
والأولى عدم التوسع في التبرك باثار الصالحين مخافة وقوع العوام في الشرك خاصة في تلك الأزمنه المتأخرة.
الفائدة الرابعة:
وهي فوائد متفرقة ذكرها الحافظ ابن حجر والإمام النووي- رحمهما الله تعالى.
جواز إمامة الأعمى وجواز إخبار المرء عن نفسه بما فيه من عاهة ولا يكون من الشكوى.
جواز التخلف عن الجماعة في المطر والظلمة ونحو ذلك، واتخاذ موضع معين للصلاة في البيت، وإنما جاء في الحديث النهي عن إيطان موضع من المسجد للخوف من الرياء ونحوه.
إجابة الفاضل دعوة المفضول، والتبرك بالمشيئة والوفاء بالوعد، واستصحاب الزائر بعض أصحابه، إذا علم أن الداعي لا يكره ذلك.
стр. 804
تعليق: قال الحافظ ابن حجر- ﵀ في علة طلب عتبان بن مالك ﵁ من النبي ﷺ الصلاة في بيته (ويحتمل إنما طلب بذلك الوقوف على جهة القبلة بالقطع) .
وأقول: إن هذا الاحتمال غير محتمل ألبتة، وذلك للأسباب التالية:
١- أن الوقوف على جهة القبلة بالقطع يقوم به النبي ﷺ وغيره من الصحابة ﵃ فلا حاجة لسؤال النبي ﷺ الحضور للبيت للوقوف على جهة القبلة.
٢- يستبعد أن صحابيّا مثل عتبان بن مالك ﵁ لم يكن يصلي أيّا من النوافل في بيته، قبل أن ينكر بصره، أو أنه كان يصلي النوافل دون التأكد من جهة القبلة على سبيل القطع.
٣- معرفة القبلة يكفي فيها تحديد اتجاهها، دون الحاجة إلى الصلاة، وإنما طلب عتبان بن مالك ﵁ من النبي ﷺ زيارته في بيته ليصلي فيه، فيتخذ ﵁ هذا المكان مصلى.
٤- ولو كانت الصلاة في بيت عتبان لمعرفة اتجاه القبلة، ما سأله النبي ﷺ عن المكان الذي يحب أن يصلي فيه، ولصلى النبي ﷺ في أي مكان من البيت، وعلم أهل البيت أين اتجاه القبلة.
خامسا: تبركهم بيديه ﷺ :
عن عائشة ﵂، قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوّذات، فلمّا مرض مرضه الّذي مات فيه، جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه لأنّها كانت أعظم بركة من يدي) «١» .
الشاهد في الحديث:
قول عائشة ﵂: (وأمسحه بيد نفسه لأنها كانت أعظم بركة من يدي) .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
عظيم بركة يد النبي ﷺ لقول عائشة ﵂: (وأمسحه بيد نفسه لأنها كانت أعظم بركة من يدي) .
يتفرع على قول عائشة- ﵂: (أعظم بركة) جواز استخدام هذا اللفظ (أعظم) بصيغة أفعل التفضيل من (عظيم) ، في جميع ما يخص النبي ﷺ وأن هذا لا يتنافى مع التوحيد.
стр. 805
الفائدة الثانية:
حرص النبي ﷺ على نفع أهله، لقول عائشة: (إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات) . ويتفرع عليه مشروعية الرقية، وتكون بالقرآن، والأدعية المشروعة، الثابتة في السنة الصحيحة.
الفائدة الثالثة:
في مناقب عائشة ﵂:
١- حبها للنبي ﷺ وتمنيها شفاءه، ويدلنا على ذلك كثرة رقيتها له بالمعوذات لقولها:
(فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه) .
٢- تعظيمها للنبي ﷺ حيث كانت تمسح جسد النبي ﷺ بيده هو، مع أنها هي التي كانت تقرأ المعوذات، وما كانت تفعل ذلك إلا لاعتقادها أن يده ﷺ أعظم بركة من يدها، وهي من؟، أم المؤمنين، وبنت أفضل الصحابة، الصديق ﵁ وأحب الناس إلى النبي ﷺ وانظر ماذا قالت لما قارنت بركة يدها مع بركة يد النبي ﷺ هل قالت: أشد بركة أو أكثر بركة، لا، قالت: (أعظم بركة) . مع إيمانها ﵂ أن ليدها بركة، حيث إن التفضيل لا يكون إلا بين اثنين قد اشتركا في أصل الشيء المفضل.
٣- حب النبي ﷺ لها ﵂، حيث كان يمرّض ﷺ في مرض موته في بيتها، وما كان ذلك إلا بأمره، فعن عائشة- ﵂: (أنّ رسول الله ﷺ كان يسأل في مرضه الّذي مات فيه يقول: «أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟» . يريد يوم عائشة، فأذن له أزواجه يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتّى مات عندها. قالت عائشة: فمات في اليوم الّذي كان يدور عليّ فيه في بيتي فقبضه الله وإنّ رأسه لبين نحري وسحري، وخالط ريقه ريقي، ثمّ قالت: دخل عبد الرّحمن بن أبي بكر ومعه سواك يستنّ به فنظر إليه رسول الله ﷺ فقلت له: أعطني هذا السّواك يا عبد الرّحمن. فأعطانيه، فقضمته، ثمّ مضغته، فأعطيته رسول الله ﷺ فاستنّ به وهو مستند إلى صدري) «١» .
وهذا يدل دلالة قاطعة على عظيم حب النبي ﷺ لعائشة ﵂، وكفاها شرفا أن النبي ﷺ قبض في بيتها، في يوم نوبتها، ورأسه الشريفة بين نحرها وسحرها. والسحر هو أسفل الصدر، بل أقول كفاها شرفا أنها آخر من لامس جسد النبي ﷺ حيّا، وسيأتي ذلك تفصيلا في فصل «يوم الوفاة النبوية» .
الفائدة الرابعة:
قد تحدث الرقية، بشيء معظم، وهو القرآن الكريم، من قبل نفث
стр. 806
زكي، وهو نفث عائشة ﵂ وبيد عظيمة البركة، وهي يد النبي ﷺ ومع توفر كل تلك الأسباب المباركة، قد لا يحدث الشفاء لأن أجل الله، ، قد سبق بالموت، أو قد يتأجل الشفاء لحكمة يعلمها الله- ﵎، وفي كل الأحوال، قد ثبت الأجر، إن شاء الله، للراقي والمرقي، إذا ما تمت الرقية، بما يشرع من الكتاب والسنة، وكانت من قلب توفر فيه حسن الإخلاص وتمام اليقين، أما إذا كانت الرقية بوسيلة غير شرعية، فقد ثبت الوزر، حتى وإن تم الشفاء، وقد يكون الشفاء تم استدراكا من الله للعبد الذي يأبى اتباع الكتاب والسنة، فلا نغتر.
الفائدة الخامسة:
لم تكن عائشة- ﵂ وحدها هي التي تتبرك بيديه الشريفتين، بل كان ذلك نهج الصحابة ﵃ فعن أبي جحيفة قال: (قام النّاس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم. قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثّلج، وأطيب رائحة من المسك) «١» .
سادسا- تبركهم بعرقه ﷺ :
عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان النّبيّ ﷺ يدخل بيت أمّ سليم فينام على فراشها وليست فيه. قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها فأتيت. فقيل لها: هذا النّبيّ ﷺ نام في بيتك على فراشك. قال: فجاءت وقد عرق واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش، ففتحت عتيدتها «٢» ، فجعلت تنشّف ذلك العرق، فتعصره في قواريرها، ففزع النّبيّ ﷺ فقال: «ما تصنعين يا أمّ سليم؟» فقالت: يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا. قال:
«أصبت» ) «٣» .
الشاهد في الحديث:
قول أم سليم: (يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا) .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
١- عظيم بركة عرقة وشعره ﷺ حيث رد النبي ﷺ على أم سليم ﵂ لما قالت (يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا) . بقوله: «أصبت» . أي أن النبي ﷺ قد أقر أم سليم، على
стр. 807
كل ما فعلت، من عصر العرق الذي تصبب منه على قطعة الأديم التي كان النبي ﷺ ينام عليها، ووضع ذلك العرق في قوارير لحفظه، ومن ثم سقايته للصبيان للاستشفاء، وكان يمكن أن يسكت النبي ﷺ لما سمع من أم سليم، ويكون سكوته أيضا إقرارا منه ﷺ على فعلها، ولكن رده بقوله ﷺ (أصبت) أبلغ من سكوته، حيث دلّ هذا على رضاه التام بكل ما فعلت، وأن فعلها قد وافق الصواب، والصواب هو الحق، فكأنه قد زكى كل ما فعلت.
أما بركة شعره ﷺ فيؤخذ مما ورد في رواية البخاري (فإذا نام النبي ﷺ أخذت من عرقه وشعره فجمعته في قارورة) .
٢- طيب عرقه ﷺ حيث كانت أم سليم ﵂ تأخذ هذا العرق فتخلط به طيبها، ورد عند البخاري: (فإذا نام النبي ﷺ أخذت من عرقه وشعره فجمعته في قارورة ثم جمعته في سك) . والسك هو طيب مركب، وعنده أيضا قولها للنبي ﷺ : (عرقك أذوف به طيبي) .
أي أخلط به طيبي، وعند مسلم: (هذا عرقك نجعله في طيبنا وهو من أطيب الطيب) ، أي أن عرقه ﷺ كانوا يطيبون به الطيب، وبذلك يكون عرق النبي ﷺ وشعره للاستطباب والتطيب.
٣- ثبوت علو منزلة النبي ﷺ ومكانته الرفيعة عند ربه، حيث جعل الله- شعره وعرقه يستخدمان للاستطباب والتطيب، واللذان هما في حق غيره من الناس من المستقذرات، تخيل أخي القارئ، أن ما يكون في حقنا مستقذرا، يكون في حقه ﷺ كامل البركة والخير، بل يتوارثها الناس جيلا بعد جيل، وتأمل أخي القارئ قول أم سليم: (هو أطيب الطيب) . أي أنها ما رأت طيبا أجمل وأزكى رائحة، من عرقه على اختلاف أنواع الطيب وغلو ثمنه.
الفائدة الثانية:
في مناقب أم سليم وأنس بن مالك ﵄:
١- تعظيم أم سليم لآثار النبي ﷺ يتبين ذلك من:
أ- حرصها الدائم على الاحتفاظ بعرق النبي ﷺ كلما نام في بيتها، ورد في إحدى روايات البخاري: (أن أم سليم كانت تبسط للنبي ﷺ نطعا فيقيل عندها على ذلك النطع فإذا نام النبي ﷺ أخذت من عرقه وشعره) . فهذه الرواية تثبت أن الحادثة كانت تتكرر، وفي كل مرة تحرص أم سليم- ﵂ أن تأخذ عرقه ﷺ فلا هي قالت مرة: (عندي ما يكفيني) ، ولا ملت من تكرار جمع الشعر والعرق، وهذا يدل أيضا على عظيم الحب.
стр. 808
ب- حرصها ﵂ على أخذ كل ما يخرج من النبي ﷺ من عرق، وألا يفوتها شيء منه، رغم أن الأمر كان يتكرر في بيتها، ففي الحديث: (فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها) . ولفظ «تعصره» يوحي بحرصها على تجميع كل نقطة عرق.
ج- من أجلّ مظاهر تعظيمها ﵂ لعرق النبي ﷺ أنها كانت تحفظ ذلك العرق في عتيدتها، وهو الصندوق المعد لحفظ المتاع النفيس، ومما يدل على أن هذا الصندوق كانت تحافظ عليه مغلقا حرصا على ما فيه قول الراوي: (ففتحت عتيدتها) . فالفارق بيننا وبينهم شاسع، كالفارق بين الثرى والثريا، خزائنهم يحفظون فيها آثار النبي ﷺ وخزائننا نحفظ فيها الورق والذهب.
٢- نوم النبي ﷺ على فراشها، الذي هو في بيتها، وأي منقبة يمكن أن يحوزها أي صحابي، أعظم من تلك المنقبة، ولا أدري كيف كان شعورها إذا أوت بالليل لتنام على فراش نام عليه النبي ﷺ ولامس جسده ذلك الفراش.
٣- ادخارها ﵂، عرق الرسول ﷺ لتداوي به أعز ما تملك وهم صبيانها، قالت:
(نرجو بركته لصبياننا) .
٤- لم يكن هذا التعظيم لآثار النبي ﷺ من قبل أم سليم وحدها، بل كان من قبل أنس بن مالك، ﵁؛ إذا أوصى عند موته أن يجعل في حنوطه، وهو العطر الذي يطيب به الميت، من الطيب الذي كان يخلط به عرق رسول الله، ﷺ ، فعند البخاري من حديث ثمامة: (فلما حضر أنس بن مالك الوفاة أوصى إليّ أن يجعل في حنوطه من ذلك السك، قال: فجعل في حنوطه) ، ولولا أن الأمر كان يشغله ويهتم به في أوقات صحته، ما تذكره يوم وفاته ﵁. وتدبر أخي القارئ كم مكث هذا الطيب عقودا طويلة عند أنس ﵁ حتى مات.
سابعا: التبرك بأثر قدحه الذي شرب فيه ﷺ
عن أبي حازم عن سهل بن سعد ﵁ قال: (أقبل النّبيّ ﷺ يومئذ حتّى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه، ثمّ قال: «اسقنا يا سهل» . فخرجت لهم بهذا القدح، فأسقيتهم فيه فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه. قال: ثمّ استوهبه عمر بن عبد العزيز بعد ذلك فوهبه له) «١» .
стр. 809
في الحديث بيان ما كان عليه الصحابة والتابعون من تعظيم آثار النبي ﷺ والحرص على اقتنائها والتبرك بها، ويظهر ذلك من الأمور التالية:
١- احتفاظ سهل بن سعد ﵁ بالقدح الذي شرب فيه النبي ﷺ كل هذه المدة الطويلة، وما يتصور أن قدحا يبقى مثل تلك الفترة الزمنية الطويلة إلا إذا حافظ عليه صاحبه أشد المحافظة.
٢- الظاهر من الحديث- والله أعلم- أن النبي ﷺ لم يشرب من هذا القدح إلا مرة واحدة، عند ما نزل سقيفة بني ساعدة، ورد في الحديث على لسان سهل بن سعد:
(فأخرجت لهم هذا القدح فأسقيتهم فيه) ، ولو تكرر شرب النبي ﷺ فيه أكثر من مرة لحرص سهل أن يذكر ذلك، وهذا يدل على تعظيم الصحابة ﵃ لآثار النبي ﷺ والحرص على التبرك بها والمحافظة عليها بأقل مماسة أو ملامسة للنبي ﷺ ، فهذا قدح لم يشرب فيه النبي ﷺ إلا مرة واحدة ويكون كل ذلك الحرص عليه.
٣- حرص الصحابة على إعلام التابعين باثار النبي ﷺ ، بل وحرصهم أيضا على أن ينال التابعون شرف ملامسة تلك الآثار وبركتها، لأن أبا حازم راوي الحديث ما علم أن القدح الذي شرب فيه عند سهل بن سعد هو نفسه الذي شرب فيه النبي ﷺ إلا بإخبار سهل له، بل يمكن أن يقال: إن سهلا ﵁ كان من حفاوته بضيوفه وحرصه على حسن ضيافتهم أنه كان يسقيهم من هذا القدح المبارك.
٤- حرص التابعين على اقتناء آثار النبي ﷺ ، فهذا الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز ﵀ تعالى- يسأل سهلا أن يهب له القدح الذي شرب فيه النبي ﷺ ، وما فعل ذلك إلا حرصا منه على أن ينال بركة ملامسة ما لامسه النبي ﷺ بيده وفمه، وقد فعل ذلك الخليفة الصالح وهو الذي يعلم كراهة سؤال الغير، ولكن إذا كان الأمر يتعلق باثار النبي ﷺ فلا حرج عندهم، فكأن هذا الخليفة الراشد استطاع أن يزهد في الدنيا وزينتها، ولكن لم يستطع أن يزهد في قدح شرب فيه النبي ﷺ ، ورد في الحديث: (ثم استوهبه بعد ذلك عمر بن عبد العزيز فوهبه له) .
٥- وإن تعجب أخي القارئ مما ذكر، فالعجب كل العجب هو اعتقاد الصحابة الجازم ومن تابعهم أن بركة النبي ﷺ التي حلت في القدح الذي شرب فيه مرة واحدة تبقى فيه فلا تذهب بكثرة الشاربين والملامسين لهذا القدح وبطول المدة التي تبقى فيها القدح.
стр. 810
وانتقال القدح من الصحابة إلى التابعين هو من جنس ما ذكر في باب: (التبرك بشعره ﷺ ، فقد توارث الصحابة والتابعين شعرة واحدة من شعر رسول الله ﷺ .
وأختم بما قاله الإمام النووي- ﵀ (في الحديث التبرك باثار النبي ﷺ وما مسه أو لبسه أو كان منه فيه سبب، وهذا نحو ما أجمعوا عليه وأطبق السلف والخلف عليه من التبرك بالصلاة في مصلى رسول الله ﷺ وغير ذلك، ومن هذا إعطاؤه ﷺ أبا طلحة شعره ليقسمه بين الناس، وإعطاؤه ﷺ حقوه تكفن فيه بنته ﵂، وجعله الجريدتين على القبرين، وجمعت بنت ملحان عرقه ﷺ وتمسحوا بوضوئه ﷺ ودلكوا وجوههم بنخامته، وأشباه هذه كثيرة مشهورة في الصحيح، وكل ذلك واضح لا شك فيه) «١» .