لقول الرسول ﷺ ، وكان هذا التصديق المطلق ديدن أبي هريرة ﵁ فقد صدق النبي ﷺ في أعظم من ذلك، وهو أنه أخبر بأن بقرة تتكلم، فعن أبي هريرة ﵁ قال: صلّى رسول الله ﷺ صلاة الصّبح، ثمّ أقبل على النّاس فقال: «بينا «١» رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها، فقالت: إنّا لم نخلق لهذا، إنّما خلقنا للحرث. فقال النّاس: سبحان الله بقرة تكلّم! فقال: فإنّي أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر» وما هما ثمّ «٢» .
والعجيب أنه حكم لأبي بكر وعمر، ﵄، أنهما سيصدقان الخبر إذا سمعاه، وهي منقبة عظيمة للخليفتين الراشدين، أن يشتهر عنهما تصديقهما المطلق لكل ما يقوله النبي ﷺ ولو كان مخالفا للعادة والعرف بل والعقل، ومتى كان الصحابة ﵃ يحكمون عقولهم، في أخبار الوحي؟!.
٥- أدبه مع النبي ﷺ حيث لم يذكر له ما نصحه به الأسير بصيغة الجزم، قال: (زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها) . فأتى بلفظ (زعم) ، وما أكد الخبر بين يدي النبي ﷺ من باب عدم التقديم بين يدي الله ورسوله، وهذا أيضا من فقهه ﵁. كما أن من أدبه ﵁ أنه راعى علو قدر النبي ﷺ في قوله: (لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ .
٦- حرصه على الخير، وكذا جميع صحبه الكرام، ﵃ جميعا، قال الراوي: (وكانوا أحرص شيء على الخير) . وحب أبي هريرة ﵁ للخير، هو الذي دفعه لإطلاق أسيره في الليلة الثالثة، مقابل أنه يعلمه ما ينفعه الله به.
الفائدة الرابعة:
إيمان الشياطين بالله، وأنه النافع لقوله: (أعلمك كلمات ينفعك الله بها) . فهل اعتقد عوام المسلمين اليوم، ما كان تعتقده الشياطين ولا يزالون، أن النافع والضار هو الله وحده؟.
ولم يكن هذا التصديق المطلق ديدن المؤمنين فقط ولكن شمل هذا التصديق الكافرين أيضا واعطي لذلك مثالا:
عن عبد الله بن مسعود ﵁ حدّث عن سعد بن معاذ: أنّه قال: كان صديقا لأميّة بن خلف وكان أميّة إذا مرّ بالمدينة نزل على سعد، وكان سعد إذا مرّ بمكّة نزل على أميّة، فلمّا قدم رسول الله ﷺ المدينة انطلق سعد معتمرا، فنزل على أميّة بمكّة، فقال لأميّة: انظر لي ساعة خلوة لعليّ أن أطوف بالبيت، فخرج به قريبا من نصف النّهار،
стр. 737
فلقيهما أبو جهل. فقال: يا أبا صفوان من هذا معك؟ فقال: هذا سعد، فقال له أبو جهل:
ألا أراك تطوف بمكّة آمنا، وقد أويتم الصّباة «١» وزعمتم أنّكم تنصرونهم وتعينونهم، أما والله لولا أنّك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما. فقال له سعد ورفع صوته عليه:
أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنّك ما هو أشدّ عليك منه طريقك على المدينة، فقال له أميّة:
لا ترفع صوتك يا سعد على أبي الحكم سيّد أهل الوادي، فقال سعد: دعنا عنك يا أميّة فو الله لقد سمعت رسول الله ﷺ : يقول: «إنّهم قاتلوك» قال: بمكّة؟ قال: لا أدري؛ ففزع لذلك أميّة فزعا شديدا، فلمّا رجع أميّة إلى أهله قال: يا أمّ صفوان ألم تري ما قال لي سعد؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أنّ محمّدا أخبرهم أنهم قاتليّ، فقلت له: بمكّة؟
قال: لا أدري فقال أميّة: والله لا أخرج من مكّة، فلمّا كان يوم بدر استنفر أبو جهل النّاس قال: أدركوا عيركم، فكره أميّة أن يخرج فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان إنّك متى ما يراك النّاس قد تخلّفت وأنت سيّد أهل الوادي تخلّفوا معك، فلم يزل به أبو جهل حتّى قال:
أمّا إذ غلبتني فو الله لأشترينّ أجود بعير بمكّة، ثمّ قال أميّة: يا أمّ صفوان جهّزيني، فقالت له: يا أبا صفوان وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربيّ؟! قال: لا، ما أريد أن أجوز معهم إلّا قريبا. فلمّا خرج أميّة أخذ لا ينزل منزلا إلّا عقل بعيره فلم يزل بذلك حتّى قتله الله ببدر «٢» .
ملخص الحديث:
كان أمية بن خلف لعنه الله صديقا لسعد بن معاذ ﵁ وقد نزل سعد ضيفا على أمية بمكة، ولما ذهبا يطوفان بالبيت، قريبا من الظهيرة، رآهما أبو جهل لعنه الله فأنكر على سعد بن معاذ ﵁ طوافه بالبيت آمنا، وهو من القوم الذين نصروا النبي ﷺ فلما تخاصما وأراد أمية أن يخفض من صوت سعد بن معاذ، أخبره سعد أن النبي ﷺ أخبر أنه سيقتل أمية بن خلف.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
التصديق المطلق من الكافرين لكل ما يقوله النبي ﷺ وشاهده من الحديث:
١- فزع أمية بن خلف، لما أخبره سعد بن معاذ ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
стр. 738
إنهم (أي المسلمين) قاتلوه، قال الراوي: (ففزع أمية فزعا شديدا) ، وظهر ذلك على وجهه وبقية أعضائه وكذا تصرفاته، لذا وصف الفزع أنه كان شديدا، وما ذلك إلا لتيقنه من صدق النبي ﷺ .
٢- قول أمية بن خلف، لما سمع مقولة سعد بن معاذ ﵁ كما في إحدى روايات البخاري: (والله ما يكذب محمد إذا حدّث) «١» ، ونلمح في هذه المقولة بعض النقاط وهي:
أ- أنه استفتح كلامه بالقسم؛ وذلك للتوكيد مع أنه لم يطلب منه ذلك.
ب- أنه نفى عن الرسول ﷺ جميع أنواع الكذب في حديثه، لقوله: (إذا حدث) أي:
(بأي شيء حدث) دون تقييد.
ج- أنه صدّق الرسول ﷺ في أمر عظيم، يشمل عدة أمور، وهي: أنه سيخرج للقاء المسلمين وأن أجله سيمتد حتى يقابل النبي ﷺ في الغزو، وأنه سيموت على ما هو عليه من الكفر.
وكان من شدة تصديقه لمقولة النبي ﷺ أن صدرت منه عدة أمور وهي:
أنه سأل معاذا ﵁ عن المكان الذي سيقتل فيه، حيث ورد في الحديث: (قال:
بمكة؟ قال: لا أدري) ، مما يؤكد أن الأمر قد ثبت عنده، واستقر في قلبه غاية الاستقرار، وما بقي إلا أن يعلم أين يقتلونه.
أنه رجع إلى امرأته، يخبرها بما سمع، وكان من مقولته لها: (أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي) .
عدم خروجه أول الأمر، وتخلفه عن استنفار أبي جهل، وما خرج إلا بإلحاح من أبي جهل، لخوفه أن الناس سيتخلفون بتخلفه، قال له أبو جهل: (إنك متي ما يراك الناس قد تخلفت، وأنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك فلم يزل به) . أي: أنه ما خرج إلا تحت الإلحاح الشديد.
أنه اشترى أجود بعير بمكة؛ حتى يستطيع أن يهرب عليه إذا رابه شيء، وقد عزم ألا يسير مع الجيش إلا قليلا، بالإضافة إلى حفاظه على البعير غاية المحافظة، مخافة أن يهرب منه، قال الراوي: (ما أريد أن أجوز معهم إلا قريبا فلما خرج أمية أخذ لا ينزل منزلا إلا عقل بعيره) . أي ربطه.
وهذا التصديق التام بحديث النبي ﷺ ما كان من أمية وحده، بل اشتركت معه زوجته، ومن شدة تصديقها أنها قالت له لما عزم على الخروج: (يا أبا صفوان وقد نسيت ما
стр. 739
قال لك أخوك اليثربي؟!) .
ويتفرع على ذلك، علمنا بمدى اعتقاد كفار مكة صدق النبي ﷺ وأنه يصدق في كل ما يقول، بل إنه يوحى إليه، ولذلك صدقوا بعلمه ببعض أمور الغيب على سبيل التفصيل لا الإجمال، حيث سأل الرجل عن مكان قتله، لا عن مجرد القتل، فكيف يستوي تكذيبهم للنبوة مع تصديقهم علمه الغيب الذي أطلعه الله عليه، مما يدل على أنهم ما كفروا إلا عنادا واستكبارا، وصدق الله حيث قال: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] .
كما يتفرع عليه، ما كان عليه الكفار من جبن وسفه، أما الجبن فيتضح من شدة الخوف والذعر الذي انتاب أمية بن خلف، أما السفه، فهو أن أمية لا يخلو حاله من أمرين، إما أن يكون قد صدق الرسول ﷺ وهو الواقع، فكيف يريد أن يهرب من قضائه وقدره الذي صدقه، وحاله الثاني أن يكون قد كذّب الرسول ﷺ فما الداعي لكل هذا الخوف.
الفائدة الثانية:
في مناقب سعد بن معاذ ﵁:
١- شجاعته ﵁:
أ- وذلك أنه ذهب إلى مكة معتمرا، مع علمه بعداوة كفار مكة لمن آوى الرسول ﷺ ونصره، وكونه اختار الظهيرة لأداء العمرة، فهذا لا يقدح في شجاعته، لأنه لا يخلو البيت حتى في الظهيرة من الطوافين، ودليله أنه لقي أبا جهل، وهو ألد الأعداء للرسول ﷺ .
ب- خاصم ﵁ أبا جهل، ورفع صوته عليه، بل هدده بما هو أخطر وأعظم من تهديد أبي جهل له، حيث قال له: (أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه، طريقك على المدينة) ، ولا شك أن الذي يقدر على قطع الطريق الذي يلتمسه التجار من مكة إلى الشام، أقوى من الذي يمنع الناس من الطواف بالبيت، ويجب أن نقارن بين شجاعة سعد بن معاذ ﵁ وجبن أمية.
٢- تصديقه المطلق بخبر النبي ﷺ حيث قال لأمية بن خلف: (فو الله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنهم قاتلوك) ، فلولا تصديقه التام لكل ما يخبر به النبي ﷺ لما أخبر أمية بذلك، خاصة أنه كان في مجال التنازع والتخاصم معه.
٣- قوة عقيدته وصحتها، نلمحها في علمه أن إخبار أمية بن خلف، بخبر قتله، لن يؤخر أو يقدم، وقوع القتل، لاعتقاده أن الله- إذا قضى أمرا فإنما يقول
стр. 740
له كن فيكون، وأن الحذر لا يمنع من وقوع القدر، فها هو أمية علم بخبر قتله، وأخذ الحيطة والحذر، فأخرجه الله- من بيته رغم أنفه، وسار مع الجيش حتى قتل، فلولا يقين سعد بن معاذ ﵁ بهذا، لأخفى عن أمية الخبر.
يتفرع على ذلك، وجوب أن يؤمن المسلم بأن قضاء الله وقدره نافذ لا محالة، وأن كل شيء مقدر ومعلوم ومكتوب عند الله- وهو مقتضى الإيمان بسادس الأركان، وهو الإيمان بقضاء الله وقدره، وكلما قويت تلك العقيدة عند المسلم، كلما قل همه وغمّه وأسفه وجزعه بما يلاقيه من أقداره الله المؤلمة، وما يفوته من حظوظ الدنيا.
الفائدة الثالثة:
منقبة عظيمة لأهل المدينة وهم الأنصار، قال أبو جهل: (وقد أويتم الصّباة وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم) ، فقد أثبتت المقولة، أن الأنصار ﵃، هم الذين آووا المؤمنين المهاجرين ونصروهم وأعانوهم، ويتضمن هذا الإقرار، أن الأنصار قد عادوا كل الدنيا، من أجل نصرة الله ورسوله.
ولعل سائلا يسأل: هل كافأ النبي ﷺ الأنصار ورد لهم جميل صنيعهم؟، والجواب:
أن رد هذا المعروف من النبي ﷺ كان أكمل وأجمل، فكفى لأهل المدينة شرفا ورفعة وسؤددا، أن النبي ﷺ قد عاد معهم بعد أن فتح الله له مكة، زادها الله تشريفا وتعظيما، وهي بلده التي أخرج منها، بل هي أشرف البقاع، ومع ذلك عاد إلى المدينة مع الأنصار، وبقي معهم وبينهم بقية حياته، حتى دفن بين أظهرهم.
ومن أراد الوقوف على المزيد فليراجع باب: تفضيل مدينته ومسجده، ليعلم عظيم بركة نصرة أهل المدينة للرسول ﷺ ونقول بحق وصدق: ربح البيع، ربح البيع يا أهل المدينة، يا أنصار رسول الله ﷺ .
٢- طاعتهم المطلقة له ﷺ
عن كعب بن مالك ﵁: أنّه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في عهد النّبيّ ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتّى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما حتّى كشف سجف «١» حجرته، فنادى: «يا كعب بن مالك» . فقال: لبّيك يا رسول الله، وأشار إليه أن ضع من دينك الشّطر. قال: قد فعلت يا رسول الله. قال: «قم فاقضه» «٢» .
стр. 741
الشاهد في الحديث:
أن النبي ﷺ قد أمر كعب أن يضع من دينه الشّطر ففعل.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
قد يقع بين الصحابة ﵃ الخطأ، مثل ما حدث في هذا الحديث، من التخاصم على أداء الدين، ورفع الصوت في مسجد رسول الله ﷺ وقد بينت في موضع آخر من الكتاب، أنهم بشر وليسوا معصومين، وعلى المنصف أن يزن بين أعمالهم الصالحة التي كالجبال وبين زلاتهم التي تعدّ على أصابع اليد الواحدة.
الفائدة الثانية:
طاعة الصحابة المطلقة لرسول الله ﷺ وتتمثل هنا في:
١- رد كعب بن مالك ﵁ للرسول ﷺ بقوله: (لبيك) مما يوحي أنه قد أطاع الأمر قبل سماعه، أو حتى صدوره، وهل يعقل أن يجيب الرجل الآمر، بلبيك، ثم يعترض على الأمر؟!
٢- الأمر من النبي ﷺ لكعب ﵁، ما كان ليحتاج إلى كلام لإقناعه أن يضع شطر ماله، بعد هذه الخصومة في المسجد، ولكن كل ما فعله النبي ﷺ أن أشار بيده لكعب، أن يضع شطر ماله، مع أن كعبا، كان يسمع نداء النبي ﷺ بدليل أنه أجاب نداءه، وقال: (قد فعلت) ، ولكن يبدو أن النبي ﷺ يعلم من أصحابه عظيم أدبهم معه، وسرعة امتثالهم لأمره، فلم يحتج إلا إلى إشارة لفض النزاع بينهم.
٣- هذا الأمر الموجه لكعب، بوضع شطر دينه، ليس من الأوامر الشرعية في نظرنا، ولكن الصحابة ﵃، خاصة الأكابر منهم، ككعب بن مالك ما كانوا ليفرقون بين أوامر النبي ﷺ الملزم منها وغير الملزم، حتى ولو كانت تتعلق بالمال، الذي عظّم الله شأنه في القرآن.
٤- من علامات الطاعة المطلقة للصحابة، مع شدة أدبهم عند تحقيق هذه الطاعة، يتبين من الرد الجميل لكعب على أمر الرسول ﷺ إذ قال له: (قد فعلت) بصيغة الماضي، ولم يقل له: (سأفعل) ، مبالغة في سرعة امتثال الأمر وثبوته والإشعار بعدم وجود أدنى تردد منه، ومن أدبه- أيضا- أنه لم يجادل في الأمر، ولم يطلب منه أن يأمر مدينه بحسن القضاء وسرعته، وهذا غاية الأدب ومنتهى الطاعة، كما أن المدين امتثل أيضا لأمر الرسول ﷺ حيث إنه لم يعقّب على الأمر، كأن يطلب منه التأجيل.
الفائدة الثالثة:
جواز التقاضي في المسجد، والنداء بصوت مسموع، والمصالحة بين
стр. 742
المتخاصمين، وننوه هنا إلى أن قولهم: (الكلام في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب) «١» ليس بحديث. والحث على الشفاعة، وندب المتخاصمين إلى قبولها.
مثال آخر:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت ساقي القوم يوم حرّمت الخمر في بيت أبي طلحة وما شرابهم إلّا الفضيخ «٢» البسر والتّمر، فإذا مناد ينادي، فقال:
اخرج فانظر فخرجت، فإذا مناد ينادي: ألا، إنّ الخمر قد حرّمت. قال: فجرت في سكك المدينة. فقال لي أبو طلحة: اخرج فاهرقها فهرقتها. فقالوا: أو قال بعضهم:
قتل فلان قتل فلان وهي في بطونهم!!. قال: فلا أدري هو من حديث أنس، فأنزل الله : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ «٣» .
الشاهد في الحديث:
أن الصحابة ﵃، وهم الذين اعتادوا شرب الخمر، وكانت عندهم بمثابة الماء، أول ما سمعوا مناديا ينادي: «إن الخمر قد حرمت انتهوا عنها» ، وهذا يدل على أن طاعة الصحابة كانت على الفور وليس على التراخي، والدليل على ذلك، ما قاله أنس ﵁ في الحديث: (فخرجت فإذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت قال: فجرت في سكك المدينة) ، أي: أنهم قد سكبوا ما عندهم من الخمر في طرقات المدينة، أثناء الإعلام بتحريم الخمر، فهي مبادرة فورية إلى طاعة الله وطاعة رسول الله ﷺ .
فائدة عظيمة:
وهي أن الامتثال لأمر الله ورسوله واجب على الفور، وليس على التراخي وهذا الذي فهمه الصحابة وطبقوه في كل حياتهم، فما قال أحد منهم: أذهب أتثبت من رسول الله، ولم يقل آخر: أنتظر حتى أعرف الحكمة من تحريمه، ولم يقل أحد:
إنني قد اعتدت عليها وأريد وقتا لأنتهي عن شربها، وهل سمعتم أحدا يقول: هي مصدر رزقي، وعلى الرسول أن يجد لي مصدر رزق آخر حتى لا يموت أولادي جوعا؟!.
هذا كله لم يحدث في الخمر ولا في غير الخمر، وعجبت من أناس على ألسنتهم كلمة واحدة (أقتنع أولا) ، وقولهم: (الإسلام دين عقل، وأنا لست بالة، فقد كرمني الله بالعقل لأفكر) .
стр. 743
أقول: إن هذا كله من مداخل الشيطان، وسوء أدب مع الله ورسوله، وذلك للأسباب التالية:
١- الشيطان حريص على أن يبعد المسلم عن دينه بحجج واهية، وقد تصيب هذه الحجج هوى في نفس المسلم، وقد تصيب أيضا جهلا منه، وأعظم هذه الحجج أن يأتي له عن طريق العقل، وأن الله فضل الإنسان على الحيوان بالعقل، بل كرمه على سائر المخلوقات بالعقل، فكيف تفعل أي شيء قبل أن تحكّم عقلك، يقصد بذلك أن يصده عن العمل، دون أن يقول له: لا تفعل الأمر، أو يقول له: افعل الحرام، ولكن النتيجة واحدة، وهي أن المسلم ارتكب المخالفات، والسؤال كيف يرد المسلم كيد الشيطان؟. الإجابة بسيطة وهي أن يقول له: يا هذا لم يخلق العقل لهذا «١» ، وأدلة ذلك كثيرة.
الدليل الأولى: لم يكن من عادة الصحابة، وهم خير القرون، أن يراجعوا النبي في حكم الله ورسوله، ومن أعظم الأدلة على ذلك الحديث الذي معنا، فإن الصحابة لم يراجعوا الرسول فيه كما ذكرت، مع أن بعضهم كان حديث عهد بالإسلام.
الدليل الثاني: أن عقول الناس تختلف من زمان إلى زمان، ومن بلد لآخر، بل من شخص لآخر، حتى الأشقاء في المنزل الواحد، مع أن تعليمهم من مشرب واحد، إلا أنك تجد بينهم تفاوتا عظيما في مداركهم، فهل من المعقول أن تكون هذه العقول المتفاوتة، وهذه المدارك المتباينة هي الحكم على حكم الله ورسوله؟
الدليل الثالث: أن الله لما تعبدنا ب (افعل ولا تفعل) ، ورتب الجزاء على الطاعات، والعقاب على المعاصي، لم يربط الأحكام بالاقتناع، ولم يعذرنا بعدم إدراك الحكمة، فلم يجعل للعقل مجالا للاختيار، فمن يفعل يثاب، ومن يعص يعاقب، وعلى هذا مدار التشريع كله، ومن عنده ما يناقض ذلك من القرآن أو السنة الصحيحة فليأت به.
فإذا سأل سائل: ما هو فائدة العقل إذن؟ نقول له: تأمل القرآن الكريم بتدبر، تعلم جيدا ما فائدة العقل، فسيتضح لك سريعا أن فائدته أن يدلك على أعظم ما في هذا الوجود، وهو أمر التوحيد، فقد أتى الله بأدلة عقلية منطقية، على أنه الإله الواحد الفرد الصمد الذي لا شريك له في الأمر والخلق، وأنه ليس معه إله آخر يعبد، ولا رب سواه يرجى، وليت المجال يسمح بالاستفاضة، ولكن أعرض أدلة موجزة واضحة توضح المراد،
стр. 744
قال تعالى: قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) [الإسراء: ٤٢] ، وقال تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) [المؤمنون: ٩١] ، وقال تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) [الطور: ٣٥] ، وقال تعالى: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [الرعد: ١٦] .
وهذه بعض الأدلة من القرآن الكريم توضح مجال استخدام العقل، ومن ذلك أيضا الأمر بالتفكر في خلق السموات والأرض واختلاف الليل النهار، أما إذا تحدث القرآن الكريم عن التشريع والأوامر والنواهي فالأسلوب يختلف تماما، ليس فيه جدل ولا أدلة عقلية، لماذا؟ لأن الله يوجه الخطاب للمؤمنين، الذين آمنوا به وصدقوا رسوله، وسلموا له بعد التفكر أن الخلق والأمر، وعلموا أن له الحكمة البالغة في كل ما يأمر وينهى، وأنه منزه عن اللهو والعبث، فيكفي أن يصدر الأوامر والنواهي بقوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كأنه يقول لهم: إذا آمنتم حقا فهذا هو حكمي، ولا يمنع ذلك أن ينوه ببعض الحكم في بعض المواضع، فيقول في حكمة تحريم الخمر: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) [المائدة: ٩١] .
ويقول- عز من قائل- في حكمة الصيام: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٣] ، وفي حكمة الصلاة قال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: ٤٥] ، ولكن المتأمل يعلم أنه ليست كل الأحكام بيّن الله- الحكمة منها كما فعل في أمور التوحيد.
أما أن تحكيم العقل سوء أدب مع الله فيتضح مما يلي:
١- الذي يريد أن يحكم العقل في أحكام الشريعة، كأنه يقول بلسان الحال لا المقال:
إن أحكام الدين قد لا توافق العقل، أو قد يكون فيها خلل، فيجب أن أنظر فيها أولا، فإن وافقت عقلي سلمت وإلا فلا، والله يقول في محكم التنزيل: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠) [المائدة: ٥٠] .
٢- الذي يحكم العقل في أمور الدين، جعل من عقله المخلوق القاصر، الذي يدرك القليل، ويغيب عنه الكثير من أمور نفسه فضلا عن أمور غيره، يجعله حاكما على
стр. 745
أحكام الله، وهذا منتهى سوء الأدب مع الخالق.
٣- المسلم الذي يحكم عقله مع تسليمه بأن الله هو الخالق، قد ناقض عقله، وذلك أن أثبت لله شيئا، وسلب منه لازم هذا الشيء، فمن لوازم تفرد الله بالربوبية أن يكون له الخلق والأمر، قال تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [الأعراف: ٥٤] ، ومعنى الآية أن جميع الخلق لله وأمرهم أيضا لله، يحكم فيهم وبينهم كيفما يشاء، الدليل على ذلك أن الله لما تكلم في صدر سورة (طه) عن إنزال القرآن الذي فيه الأمر والنهي، وكل ما يحتاج إليه العباد إلى قيام الساعة، قال- : تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤) [طه: ٤] ، فكأنه يقول للعباد: وجب عليكم العمل بهذا الكتاب الكريم؛ لأنه من الخالق الذي خلق كل شيء، فكيف ترضون به خالقا، تتنعمون بملكه وتتقلبون في نعمه، ولا ترضون به آمرا ناهيا؟ وتقول لهم أيضا: هل يختلف أحد في عظيم ملكه وبديع صنعه، قال تعالى: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ، فكما أنه- سبحانه- أبدع كل شيء خلقه، فقد أحكم كل شيء شرعه، فلماذا نتفق على عظيم خلقه ونختلف على عظيم حكمه، وبالمناسبة أقول: إن من بدائع القرآن أنه يستدل دائما على صدقه في المنقول بإثبات صدقه في المعقول، وعلى صدقه في أمور الغيبيات بصدقه في أمور المشاهدات، ألم تسمع لقوله- تعالى-: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢) [آل عمران: ١٢] ، ونزلت هذه الآية قبل غزوة بدر، التي هزم فيها الكفار هزيمة منكرة، وكما صدق الله في النبوءة الأولى، وهى أنه سيحدث قتال بين المسلمين والكفار، وأن النتيجة هي هزيمة الكفار، فسيصدق في النبوءة الثانية، والتي فيها إثبات يوم القيامة، وإثبات جهنم، وأنها مثوى الكافرين، وأن الذين سيقتلون في بدر سيكون مصيرهم جهنم، كما أثبتت الآية أن الله قد جعل في جهنم أشد أنواع العذاب حيث أثبتت الآية أنها بئس المستقر والمال، ومثل هذا في القرآن كثير، فتدبر.
٤- الذي يريد أن يحكّم عقله في أمور الدين، حتى يتأكد أو يتضح له أنها صالحة، أو أنها تلبي حاجاته، ولا تتعارض مع مصالحه، قد حكم على الله بثلاثة أمور عظيمة هي:
الأولى: أنه حكم وألزم العباد كلهم بأوامر واحدة، ولم يعلم أنها قد لا تصلح لقرن من القرون أو أمة من الأمم أو حتى فرد من الأفراد.
الثانية: أن الله خلق الخلق، ولم يحط بما ينفعهم أو يضرهم، والله يقول لهؤلاء
стр. 746
وهؤلاء في كلام معجز يفهمه كل أحد: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) [الملك: ١٤] ، كما قال تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨) [التين: ٨] .
الثالثة: أن الله قد ظلم العباد، وذلك بتكليفهم تطبيق ما لا يجلب لهم النفع، ويرفع عنهم الضر، والمسلم ينزه الله عن كل ذلك.
٥- والذي يقول: (أحكّم عقلي حتى أقتنع) ، قد حكم على نفسه بقلة العقل لأسباب منها:
أ- أن الناس كلهم جميعا قد علموا أن العقل لا يتدخل إلا في وجود الاختيارات والبدائل وأمور الدين ليس فيها اختيارات ولا بدائل.
ب- هو كالذي ينظر إلى الشمس ضحى فيقول: لن أؤمن أن الشمس ساطعة، إلا إذا تأملت وتفكرت، وإذا سمع من يقول هذا، رمي بالجنون، وذلك أن أحكام الشرع أبلغ وأسطع، في موافقتها للعدل والحكمة من الشمس في رابعة النهار.
ج- هو يكذب نفسه كيف يدعي أنه يؤمن بالله ثم يطلب الدليل العقلي على كل ما يقوله الله- ويحكم به.
[خاتمة المسألة]
وأختم هذه المسألة بأن أسرّ في أذن الذي يريد أن يحكم عقله بكلمات موجزة:
الثواب من الله الذي ترجوه أنت ويرجوه كل المسلمين إنما يكون بالإيمان بالغيب، والإيمان بحكمة الله في الأمور كلها، ما علمناه وما لم نعلمه، ما أدركته عقولنا وما لم تدركه؛ لأننا آمنا بالله وسلمنا لحكمته، وأعلنا تذلّلنا وخضوعنا له، فإذا أردت تحكيم العقل فإنك لم تؤمن بغيبيات وإنما آمنت بما دلك عليه العقل، كما أعلنت عدم تسليمك وإيمانك بحكمة الله في كل شيء، فعلى ماذا تريد أن تفوز بالثواب؟!.
أسألك أخي الكريم، أتجادل رئيسك في كل أمر من أوامره وتقول له: أريد الاقتناع والحجة؟ بالطبع لا، وإن جادلت وقلت: نعم أفعل! أقول لك: أيصبر عليك مديرك على هذا الأسلوب أم يفصلك من العمل لسوء خلقك؟ وإن فعلت هذا مع المخلوق؟ فثق أن هذا لا يصلح مع الخالق- جل وعلا-؛ لأنه- غني عن هذا العبد الذي لا يتأدب معه.
أقول لأخي الكريم: أن كثيرا من أمور الدين لا يمكن إدراكها بالعقول، بل لا مجال للعقل أصلا فيها ومن أمثلة ذلك: المغرب لماذا هو ثلاث ركعات، والعصر أربع؟
стр. 747
لماذا نمسح على ظاهر الخف لا على باطنه؟ لماذا تقضي الحائض الصيام ولا تقضي الصلاة، والصلاة أعظم؟ كيف أسري بالنبي في جزء من الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماوات العلا ورأى ما رأى، ثم عاد؟ الشاهد في هذه الحادثة أنها كانت فتنة واختبارا لما سمعها الناس من النبي ﷺ ، إن الذين حكّموا عقولهم أنكروها وارتدوا، أما المؤمنون فقد صدقوا وثبتوا، بل ازدادوا إيمانا مع إيمانهم، ألا تريد أن تكون مثل أبي بكر الصديق ﵁ لما سمع من المشركين نبأ الحادثة، قال: إن قال فقد صدق، فعلق الأمر كله على صدق الرواية عن النبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، وسمي أبو بكر من وقتها بالصديق. ألا تريد أن تكون مثله أو مقتفيا أثره، وما يدريك لعل من حكمة الله في إخفاء بعض حكم الأحكام، هو اختبار العباد وابتلاؤهم ليعلم الصالح منهم والطالح.
وانظر أخي القارئ إلى جمال متابعة الصحابة لنبيهم ﷺ في أمر قد اعتادوا عليه أشد الاعتياد، وهو الحلف بالآباء، قال ابن عمر سمعت عمر يقول: (قال لي رسول الله ﷺ :
«إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بابائكم» . قال عمر: فو الله ما حلفت بها منذ سمعت النّبيّ ﷺ ذاكرا ولا آثرا) «١» . أي ما نطقت بهذا الحلف متعمدا ولا ناقلا ذلك عن غيري، فهل هناك طاعة أبلغ من ذلك؟! بل انظر كيف أنكرت عائشة- ﵂ على المرأة التي سألتها عن حكمة قضاء الحائض للصيام دون الصلاة، فكأن هذه المرأة تريد أن تقول: كيف يستقيم الأمر مع أن الصلاة أعظم من الصيام؟ فعن معاذة قالت: (سألت عائشة ﵂، فقلت:
ما بال الحائض تقضي الصّوم ولا تقضي الصّلاة؟ فقالت: أحروريّة أنت؟ «٢» قلت: لست بحروريّة، ولكنّي أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصّوم ولا نؤمر بقضاء الصّلاة) «٣» ، وكان كل رد عائشة- ﵂ (فنؤمر) فهل بعد الأمر الشرعي أخذ ورد؟!.
مثال لكمال الطاعة المقرون ببالغ التعظيم:
عن عبد الله بن عبّاس ﵂: أنّ رسول الله ﷺ رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه، وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده» ، فقيل للرّجل بعد ما
стр. 748
ذهب رسول الله ﷺ : خذ خاتمك انتفع به. قال: لا والله لا آخذه أبدا، وقد طرحه رسول الله ﷺ «١» .
الشاهد في الحديث:
قول الصحابي: (لا والله لا آخذه أبدا وقد طرحه رسول الله ﷺ .
ويتبين وجه الطاعة المطلقة للصحابة مع التعظيم لأمر النبي ﷺ من الأمور التالية التي تستفاد من الحديث:
١- عدم مناقشة الصحابي للنبي ﷺ في سبب تحريم الذهب على الرجال، مع أنه يحلّ للنساء.
٢- عدم قيام الصحابي بتبرير فعله للبس الذهب بقوله مثلا: (ما كنت أعلم أنه حرام) ، أو (لو كنت أعلم أنه حرام ما لبسته) ، مع ملاحظة شدة إنكار النبي ﷺ على لبس الرجل للذهب والذي يتمثل في النزع (وهو الخلع بشدة) ثم الطرح على الأرض، ومن قبل ذلك تشبيه الخاتم بجمرة النار، فقد جمع ﷺ بين الإنكار الشديد باليد وكذلك الإنكار باللسان، ومع ذلك ظهر الأدب المطلق للصحابي في أجمل صورة.
ويتفرع عليه سوء أدب من يسمع مثل ذلك الحديث ويعلم شدة إنكار النبي ﷺ على لبس الذهب ولو كان أقل شيء وهو الخاتم، ومع ذلك يصرّ على لبسه بحجج واهية، قال الإمام النووي- ﵀: (فيه المبالغة في امتثال أمر رسول ﷺ واجتناب نهيه وعدم الترخص فيه بالتأويلات الضعيفة) «٢» .
٣- بغض الصحابي القاطع لأخذ الخاتم بعد أن ألقاه النبي ﷺ على الأرض، وهذا هو أظهر ما في الحديث على تعظيم الصحابة لأمر النبي ﷺ مع ضرورة أن نلتفت إلى بعض اللفتات الجميلة في الحديث؛ ليظهر المقصود أكثر وأكثر وتكون الصورة أوضح وأجلى:
أ- ليس هناك ما يمنع شرعا من بيع خاتم الذهب أو الانتفاع به أو حتى ادخاره لوقت الحاجة، وهذا لا خلاف فيه، وهو واضح من نص الحديث، قال الإمام النووي- ﵀: (ولو كان صاحبه أخذه لم يحرم عليه الأخذ والتصرف فيه بالبيع وغيره) .
ب- حث الصحابة- ممن حضر الحادثة- الرجل على التقاط الخاتم وبينوا له جواز الانتفاع به، ومع ذلك لم يفعل.
стр. 749
ج- أقسم الصحابي بالله على عدم أخذ الخاتم بقوله: (لا والله) ، كما أكد عزمه على عدم الأخذ أو الانتفاع به طيلة حياته بقوله: (لا آخذه أبدا) ، وكأنه أراد أن يمنع الصحابة من محاولة إقناعه وتيئيسهم من ذلك.
د- لم يكن المانع من أخذ الخاتم من الأرض هو الكبر أو الترفع عن أخذ شيء ألقي على الأرض، أو الغضب من فعل النبي ﷺ ولكن كان المانع أعظم من ذلك بكثير حيث قال الصحابي: (لا أخذه أبدا وقد طرحه رسول الله ﷺ .
ويبدو أن الصحابي قد رفض أخذ الخاتم حتى لا يرفع شيئا أراد النبي ﷺ وضعه، فيكون بذلك مخالفا (ولو ظاهرا) للهيئة التي أراد النبي ﷺ أن يكون خاتم الذهب عليها، وهي الطرح على الأرض، ولا يستبعد أنه قال في نفسه: (لو أراد النبي ﷺ أن أنتفع به لما ألقاه على الأرض ولناولني إياه) .
أخي القارئ الكريم: أين نحن من هذه الطاعة المطلقة والتعظيم الشديد لأمر النبي ﷺ ؟ أين نحن من هذا الأدب الرفيع؟ هلا تعلّمنا واتبعنا؟!!.
٣- كمال المتابعة
ويتضح لنا كمال الاتباع، وليس مجرد المتابعة، من تتبع الصحابة ﵃ أثر الرسول ﷺ في كل صغيرة وكبيرة، لأقوال وأفعال النبي ﷺ على أكمل وجه كما سيتضح من الأمثلة التالية.
المثال الأولى:
عن حصين عن عمارة بن رؤيبة أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعا يديه فقال: قبّح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبّحة) «١» .
الشاهد في الحديث:
أن عمارة بن رؤيبة دعا على بشر بن مروان بقوله (قبح الله هاتين اليدين) ، وما ذلك إلا أنه أشار بيده كلها خلافا لفعل النبي ﷺ .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
عظيم متابعة الصحابة للنبي ﷺ ووجه ذلك من الحديث:
أ- دعاء عمارة بن رؤيبة ﵁ على بشر بن مروان، وما كان ليدعو على أحد من
стр. 750
المسلمين بمثل هذا الدعاء إلا لشعوره بأنه ارتكب مخالفة شرعية، والغريب أن تلك المخالفة ما كانت لأمر أو نهي وإنما كانت لمخالفة هيئة معينة.
ب- إذا كان الصحابة ﵃ ينكرون على التابعين في أمور لا نعدها نحن شيئا، وهي الإشارة باليد كلها في خطبة الجمعة، علمنا من ذلك مدى حرصهم ومتابعتهم لكل أمور السّنة صغيرها وكبيرها على حد سواء. يتفرع على ذلك أن نقف على الفارق العظيم بين عصري الصحابة والتابعين، فما كان يفعله التابعون ولا يعدونه شيئا من المخالفات، كان يعده الصحابة أمرا يستحق فاعله أشد الدعاء عليه. ومما يؤكد ذلك ما رواه أنس ﵁ قال: (إنّكم لتعملون أعمالا هي أدقّ في أعينكم من الشّعر، إن كنّا لنعدّها على عهد النّبيّ ﷺ من الموبقات، قال أبو عبد الله: يعني بذلك المهلكات) «١» ، وعلمنا من باب أولى الفارق بين عصر الصحابة والعصور المتأخرة التي تهاون الناس فيها بالسنة الشريفة.
ج- حرص الصحابة ﵃ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الناس سنة النبي ﷺ كلها، ويتفرع عليه أيضا، علمنا بتقصيرنا الشديد في هذه العبادة العظيمة:
(عبادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) فالمجتهدون منا- في هذا الباب- يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على من ترك الصلاة، أو الصيام، أو وقع في الشرك الأعظم، وقليل منا من يأمر وينهى فيما هو أقل من ذلك، ولكن انظر إلى الصحابة ﵃ في أي أمر كانوا ينهون عن المنكر.
الفائدة الثانية:
جواز الدعاء على من فرط في سنة النبي ﷺ ولو كان في أمر هين في نظرنا.
الفائدة الثالثة:
وهي فائدة عظيمة، وهي أن الصحابة ﵃ ما كانوا يعرفون التقسيمات التي أحدثها الأصوليون- رحمهم الله تعالى- بعد عصر التابعين، للسنة النبوية الشريفة، فهذه سنة مؤكدة وهذه سنة غير مؤكدة، وهذا عمل مكروه يثاب تاركه ولا يأثم فاعله، وآخر مسنون يثاب فاعله ولا يأثم تاركه، ولكنهم ﵃ كانوا يعتقدون أن كل ما فعله النبي ﷺ أو أمر به، أو أقره فإنه ينبغي على المسلمين فعله، وأنه لا ينبغي مخالفة السنة في شيء.
الفائدة الرابعة:
خطأ من يقول: إن الاهتمام بالسنن الشكلية هو من سفاسف الأمور التي لا ينبغي الاهتمام به، بل يصل الأمر إلى التشنيع على من يحرص عليها، فهذا من سوء
стр. 751
الأدب مع النبي ﷺ ، فهذا عمارد بن رؤيبة يرى أن مخالفة النبي ﷺ في إحدى السنن الشكلية والشكلية جدّا- كما يظن البعض- ونبرأ إلى الله من هذا الظن، يوجب الدعاء على المخالف.
ويتفرع عليه، أننا مأمورون باتباع كل ما جاءت به السنة، وأن تقسيم السنة إلى أمور شكلية وأخرى جوهرية هو من الأمور المحدثة التي تبعد المسلمين عن دينهم، وأما ما ذهب إليه العلماء من تقسيم للسنة النبوية إلى مؤكدة وغير مؤكدة، فقد اضطروا إليه حتى لا يشقوا على الأمة، وإلا فإننا نعلم أنهم كانوا أحرص الناس على اتباع جميع السّنن بلا تفريق بين مؤكدة وغير مؤكدة.
المثال الثاني:
عن عبد الله بن سرجس قال: (رأيت الأصلع، يعني عمر بن الخطّاب، يقبّل الحجر ويقول: والله إنّي لأقبّلك وإنّي أعلم أنّك حجر وأنّك لا تضرّ ولا تنفع، ولولا أنّي رأيت رسول الله ﷺ قبّلك ما قبّلتك) «١» .
فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
عظيم اتباع الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ لسنة النبي ﷺ ، حيث كان يعتقد في نفسه أن الحجر الأسود لا يضر ولا ينفع، ويعلن على الملأ أنه ما قام بتقبيله- ولا يخفى ما في التقبيل من تعظيم- إلا لرؤيته النبيّ ﷺ يقبله، ولولا ذلك ما قبّله، ولا يستحي عمر ﵁ مع ما عرف عليه من القوة والشدة في الحق، أن يعلن ذلك، ولكن ليعلم الجميع أن القوة في الحق ما كان ليترفع بها عن اتباع سنة المصطفى ﷺ وإلا كانت قوة وشدة مذمومتين يدخلان صاحبهما النار.
الفائدة الثانية:
أدب الصحابة الجم مع النبي ﷺ وسنته الشريفة، فهم كانوا يتبعونها اتباعا مطلقا، يقبلون حجرا وهم لا يعلمون الحكمة من تقبيله، ويعلنون للملأ أنهم ما فعلوا ذلك إلا رغبة في الاتباع، لكنهم يعتقدون أن التقبيل سينفعهم قطعا من حيث كونه اتباعا لسنة المصطفى ﷺ ويعلمون أنّ الترفع عنه أو المجادلة فيه سيضرهم قطعا لنفس العلة، وهذا هو الفهم الصحيح للاتباع، أما من يشترط أن يعرف حكمة كل أمر حتى يقوم بفعله، فأقول له: أنت لست بمتبع، بل أقول له: لقد تعديت حدود الأدب مع الله ورسوله ﷺ .
стр. 752
الفائدة الثالثة:
حرص الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ على حث الأمة على الاقتداء بسنة الحبيب ﷺ مع حرصه على عدم وقوع الأمة في أي مظهر من مظاهر الشرك، ذكر ابن حجر في الفتح أن عمر أراد بقوله: (لقد علمت أنك حجر) حثّ الأمة على الاقتداء برسول الله ﷺ في تقبيله وينبه على أنه لولا الاقتداء به لما فعله، وإنما قال:
(وإنك لا تضر ولا تنفع) لئلا يغتر بعض قريبي العهد بالإسلام الذين كانوا ألفوا عبادة الأحجار وتعظيمها ورجاء نفعها وخوف الضرر بالتقصير في تعظيمها، فخاف عمر أن يراه بعضهم يقبّله ويعتني به فيشتبه عليه فبينّ أنه لا يضر ولا ينفع بذاته) . انتهى كلامه- ﵀ «١» .
تنبيه:
زيد في هذا الحديث كلام مختلق لا أصل له ولم يصح من سنة النبي ﷺ ، ويشتبه على الناس هذه الزيادة لعلمهم أن أصل الحديث في الصحيح، ونص هذه الزيادة الغريبة:
(وكان عليّ ﵁ يقف وراء عمر بن الخطاب فقال له: بلى يا أمير المؤمنين فإنه ينفع ويضر، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: من قبل الحجر الأسود جاء يوم القيامة (أي الحجر) شاهدا له عند ربه) . وروايات أخرى مشابهة لهذا المعنى، فأردت أن أنبه على بطلانها.
المثال الثالث:
عن حفص بن عاصم قال: (صحبت ابن عمر في طريق مكّة قال: فصلّى لنا الظّهر ركعتين، ثمّ أقبل وأقبلنا معه حتّى جاء رحله وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة نحو حيث صلّى فرأى ناسا قياما فقال: ما يصنع هؤلاء. قلت: يسبّحون. قال: لو كنت مسبّحا لأتممت صلاتي، يا ابن أخي إنّي صحبت رسول الله ﷺ في السّفر فلم يزد على ركعتين حتّى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتّى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتّى قبضه الله، ثمّ صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتّى قبضه الله. وقد قال الله: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) «٢» .
وهذا مثال ثالث يبين بجلاء معنى الاتباع عند الصحابة ﵃، وفي أمر مهم جدّا وهو الصلاة، الركن الركين والشعيرة الأعظم في هذا الدين الحنيف، فما هو وجه الاتباع في هذا الحديث والفوائد المستنبطة منه؟ أقول وبالله التوفيق:
[فوائد الحديث]
الفائدة الأولى:
معلوم من سيرة الصحابة ﵃، كم كانوا يحبون ويحرصون على أداء
стр. 753
النوافل من الصلوات، لما يجدون فيها من متعة مناجاة الرب ﵎، وما فيها من الأجور العظيمة، فلهم بكل تسبيحة، أو تحميدة، أو تكبيرة صدقة، وكذا بكل ركوع وسجود وحرف من قراءة القرآن، ولكن لم يدفعهم ما يجدونه في قلوبهم من لذة مناجاة الرب من فعل شئ لم يفعله النبي ﷺ ، فهذا الفقيه العابد عبد الله بن عمر ﵄، يترك أداء النوافل في السفر، لا لتعب أصابه أو لماء افتقده أو لشغل طرأ له، ولكن ترك صلاد النفل- فقط- لأن النبي ﷺ لم يفعلها.
الفائدة الثانية:
لا يحتج علينا أحد بأن هذا المسلك في الاتباع قد تفرد به النقي التقي، عبد الله بن عمر ﵁ وأنه قد تشدد في مسألة الاتباع، فهذا الاحتجاج يبطله ما ورد في هذا الحديث أن الاقتصار على الركعتين وعدم الزيادة عنهما- في السفر- كان فعل الخلفاء الراشدين: أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ جميعا.
الفائدة الثالثة:
رجاحة عقل عبد الله بن عمر ﵄، حيث استنبط أن صلاة النوافل الراتبة لو كانت مشروعة في السفر، لكان الأولى إتمام صلاة الفريضة، وأن أداء النوافل الراتبة يتعارض مع حكمة الله من قصر الصلاة الرباعية للمسافر، وقد قيدت في كلامي صلاة النوافل بالرواتب منها، لأن مطلق النفل في السفر هو من سنة النبي ﷺ .
ويستنبط من قول ابن عمر ﵄: (لو كنت مسبّحا لأتممت) مشروعية القياس الصحيح، المبني على كتاب الله وسنة نبينا ﷺ وتأتي أهمية هذا الاستنباط أنه جاء لنا من كلام صحابي عرف عنه عظيم اتباعه وتقيده بالنص.
الفائدة الرابعة:
أفادنا كلام الصحابي عبد الله بن عمر، ﵄، الفهم الصحيح لقوله تعالى لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١] ، فليس معنى أنك جعلت الرسول ﷺ هو الأسوة والقدوة لك في حياتك، أن تطيع أمره وتجتنب نهيه فحسب، لا، فإن معنى الأسوة الحسنة أوسع وأشمل من ذلك بكثير، فإن معناها هو الاتباع المطلق لكل ما أتى به النبي ﷺ أو تركه، وهذا يبين خطأ من يقول: إن النبي ﷺ صلى الرباعية ركعتين في السفر، ولكنه لم ينهنا عن إتمامها، وآخر يقول: إن النبي ﷺ قصر الرباعية ولكنه لم يحرم أداء النوافل الراتبة، وثالث يقول: إذا كان النبي ﷺ لم يفعل ولم ينه عن الفعل فلا حرج أن تفعل خاصة إذا كان الفعل عبادة يحبها الله. ، وهذا كله يرده قول عبد الله بن عمر ﵄، وفهمه للآية الكريمة التي استشهد بها في نهاية حديثه.
الفائدة الخامسة:
منقبة عظيمة لعبد الله بن عمر، ﵄، حيث ثبت له في
стр. 754
الحديث صحبة النبي ﷺ في السفر وكذا صحبته لأبي بكر وعمر وعثمان حتى توفاهم الله- ، كما أن من فقهه ﵁ أنه كان يرى أن في أعمال الخلفاء الراشدين سنة متبعة، ولولا ذلك ما استدل على قوله بفعلهم، ولما ذكر فعلهم بعد ثبوت فعل النبي ﷺ كما أن من فقهه وأدبه أيضا أنه ذكر الخلفاء الراشدين بحسب فضلهم، وحب النبي ﷺ لهم، حيث ذكر أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ﵃ جميعا، فلم يبدأ مثلا بأبيه عمر بن الخطاب ﵁.
وذكر جميع شواهد كمال متابعة الصحابة ﵃ للنبي ﷺ يحتاج إلى مؤلف خاص ولكن يطيب لي أن أختم الباب بما رواه البخاري عن نافع عن ابن عمر ﵄، قال: (ما تركت استلام هذين الرّكنين في شدّة ولا رخاء منذ رأيت النّبيّ ﷺ يستلمهما) . قلت لنافع: (أكان ابن عمر يمشي بين الرّكنين قال: إنّما كان يمشي ليكون أيسر لاستلامه) «١» .
٤- كراهة مخالفته ﷺ ولو في الهيئة
عن عبد الله ﵁ قال: (صلّيت مع النّبيّ ﷺ ليلة، فلم يزل قائما حتّى هممت بأمر سوء. قلنا: وما هممت؟ قال: هممت أن أقعد وأذر النّبيّ ﷺ «٢» .
الشاهد في الحديث:
قول عبد الله بن مسعود ﵁: (هممت أن أقعد وأذر النبي ﷺ قائما) .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
همة النبي ﷺ في العبادة والتي منها القيام الطويل جدّا في صلاة الليل، وقد بينت طرفا من تلك الهمة العالية في باب مستقل سميته: (همته العالية ﷺ .
الفائدة الثانية:
في مناقب عبد الله بن مسعود ﵁.
١- تشرّفه ﵁ بالصلاة مع النبي ﷺ قيام الليل وليس معهما أحد، وكفى بذلك شرفا وفضلا.
٢- صبره على التعب الذي أصابه من طول القيام وتحامله على نفسه حتى أتم الصلاة قائما.
стр. 755
٣- سمّى الجلوس في الصلاة أمر سوء، بالرغم أن الجلوس في صلاة النافلة جائز شرعا، حتى ولو لم يشعر المصلى بالتعب فما بالكم إذا شعر بالتعب الشديد، ولكن الأمر السوء عنده ليس الجلوس ذاته ولكنه مخالفة هيئة النبي ﷺ وقد يكون سماه سوآ لأمر آخر، هو أنه سيستريح بالجلوس ويذهب عنه التعب الذي يشعر به، والنبيّ ﷺ ما زال يتحمل تعب القيام.
٤- لم يلتفت ﵁ إلى الأجر الزائد الذي سيناله إذا واصل القيام مع تعبه الشديد، أو الأجر الفائت بالجلوس، وإن كان هذا أمرا عظيما عند الصحابة ﵁ ولكن الذي التفت إليه وشغله كثيرا هو مخالفة هيئة النبي ﷺ ولا غرابة في ذلك؛ لأن الذي علمهم كيف يحصلون على أجر الصلاة والصوم وسائر العبادات، هو النبي ﷺ ويمكن أنه ﵁ لم يلتفت للأجر الفائت من الجلوس لاعتقاده أن سوء الأدب الذي سيلحقه من مخالفة هيئة النبي ﷺ أعظم خسارة من الأجر الفائت بتحمل طول القيام مع التعب الشديد.
أخي القارئ: إذا كانت مخالفة هيئة النبي ﷺ في القيام أو الجلوس- وهي أمر لا يؤاخذ عليه المولى- أمر سوء عند الصحابة، فما بالكم بمخالفة أمره ونهيه ﷺ ، فما بالكم لو رأى عبد الله بن مسعود ﵁ الناس اليوم ومنهم من يعبد الله- على هيئة تخالف ما سنه النبي ﷺ . ماذا سيقول؟ هل تظنون أنه سيكتفي بقوله:
(أمر سوء) ؟.
الفائدة الثالثة:
يؤخذ من الحديث أن هذا الوقوف الطويل في الصلاة لم يكن أمرا سهلا أو معتادا على الصحابة في ذلك الوقت، حتى الأصغر منهم سنّا.
٥- غضبهم الشديد ﵃ من معارضة سنة النبي ﷺ
عن أبي قتادة قال: كنّا عند عمران بن حصين في رهط منّا، وفينا بشير بن كعب فحدّثنا عمران يومئذ قال: قال رسول الله ﷺ : «الحياء خير كلّه» . قال: أو قال: «الحياء كلّه خير» . فقال بشير بن كعب: إنّا لنجد في بعض الكتب، أو الحكمة: أنّ منه سكينة ووقارا لله، ومنه ضعف. قال: فغضب عمران حتّى احمرّتا عيناه، وقال: ألا أراني أحدّثك عن رسول الله ﷺ وتعارض فيه؟ قال: فأعاد عمران الحديث قال فأعاد بشير. فغضب عمران قال: فما زلنا نقول فيه: إنّه منّا يا أبا نجيد إنّه لا بأس به «١» .
стр. 756
الشاهد في الحديث:
قول الراوي: (فغضب عمران حتى احمرتا عيناه وقال: ألا أراني أحدثك عن رسول الله ﷺ وتعارض فيه) .
ومعنى الحديث: أن الصحابي عمران بن حصين كان يروي حديثا عن النبي ﷺ مفاده: أن الحياء كله خير، فاستشكل على بشير بن كعب التوفيق بين عموم الحديث والذي يدل على أن الحياء كله خير، بلا استثناء أي نوع فيه، وما يجده مكتوبا في بعض الكتب أن فيه ضعفا.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
تعظيم الصحابة ﵃ لسنة النبي ﷺ ووجه ذلك من الحديث:
أ- إنكارهم الشديد على كل من يأتي بمعارض للسنة، وهي ليست معارضة حقيقية، يقصد بها الطعن في الحديث، ولكنها معارضة من حيث الظاهر، حيث استشكل فقط على التابعي بشير بن كعب حمل الحديث على عمومه، ورد في عون المعبود شرح سنن أبي داود:
(إنما أنكره عليه من حيث ساقه في معرض من يعارض كلام الرسول ﷺ بكلام غيره) .
انتهى «١» .
قال الحافظ ابن حجر- ﵀: (أشكل حمله على العموم لأنه قد يصد صاحبه عن مواجهة من يرتكب المنكرات ويحمله على الإخلال ببعض الحقوق، والجواب: أن المراد بالحياء في هذه الأحاديث ما يكون شرعيّا، والحياء الذي ينشأ عنه الإخلال بالحقوق ليس حياء شرعيا، بل هو عجز ومهانة، وإنما يطلق عليه حياء لمشابهته للحياء الشرعي، وهو خلق يبعث على ترك القبيح) . انتهى «٢» .
ب- غضبهم الشديد لمن يأتي بمعارض لكلام النبي ﷺ ؛ والدليل على أن هذا الغضب كان شديدا، أنه ظهر أثره على عيني عمران ﵁ حتى احمرتا.
واستمر هذا الغضب من الصحابي عمران بن حصين ﵁ كلما أعاد بشير مقولته:
(إنا لنجد في بعض الكتب أو الحكمة أن منه سكينة ووقارا لله ومنه ضعف) .
وأظن أن الصحابي قد غضب مثل هذا الغضب الشديد بسبب معارضة التابعي كلام النبي ﷺ بكلام من هو دونه في المنزلة، بما يوحي للمستمعين أن أحدا من الخلق يمكنه الرد
стр. 757
على الأحاديث النبوية بما يعارضها أو يخصمها أو حتى يضيف عليها، وهذا خطره عظيم من حيث عدم إكبار الناس لسنة النبي ﷺ أو اعتقادهم أنه يسعهم أن يقدموا بين يدي الله ورسوله ﷺ ، أو أن السنة لا تكفيهم وعليهم أن ينظروا في كلام الحكماء وكتب السابقين.
وأعتقد أن عمران بن حصين ﵁ لم يكن ليغضب مثل هذا الغضب لو أن التابعي ألقى عليه ما وقع عنده من إشكال في فهم الحديث على هيئة سؤال دون ذكر ما قرأه في الكتب أو سمعه من الحكم.
٣- ظن الصحابي عمران بن حصين ﵁ من مجرد معارضة التابعي لكلام النبي ﷺ بكلام آخر أن به شيئا يطعن في دينه، لذلك رد عليه الحاضرون بكلام يهدّئه ويذهب عنه ظنونه بالتابعي، فقالوا له: (إنه منا يا أبا نجيد إنه لا بأس به) . أي: ليس هو ممن يتّهم بنفاق أو زندقة أو بدعة أو غيرها مما يخالف به أهل الاستقامة، ذكره الإمام النووي- ﵀.
الفائدة الثانية:
بيان الاعتقاد الجازم للصحابة ﵃ أن السنة تكفيهم وأنها كلها حق، وأنها قد سلمت من كل نقص وتنزهت عن كل خلل، ودليل ذلك من الحديث هذا الغضب والإنكار الذي صدر من عمران بن حصين ﵁.
الفائدة الثالثة:
بيان ما نحن عليه من تفريط وسوء أدب وتهاون شديد في سنة النبي ﷺ فمنا من يجادل فيها، إما حبّا للجدل أو رغبة في إظهار علمه، أو محاولة لتعجيز خصمه، ومنا من يعتقد أنه يسعه الخروج عنها أو أخذ ما يعجبه منها ورد ما لا يعجبه، ومنا من يأتي في كلامه ومقالاته وكتبه بأقوال لفلاسفة ومفكرين تناقض صريح السنة، أو حتى توافقها ولكن لا يقدم تلك السنة على قول المفكرين، وهؤلاء الصحابة ﵃ عرفوا قدر الوحي وأنزلوه منزلته التي أراد الله ووقر في قلوبهم تعظيمه وحبه، وما كانوا ليستبدلوا به شيئا، بل ما كانوا ليذكروا معه شيئا؛ إجلالا له، بل كانوا يرون أن التعقيب على قول النبي ﷺ ببالغ الأدب (كما فعل بشير) هو المنتهى في سوء الأدب. كما ظهر في غضب عمران بن حصين ﵁.
٦- حب الصحابة له ﷺ أكثر من حبهم لأنفسهم
عن زهرة بن معبد عن جدّه قال: كنّا مع النّبيّ ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطّاب ﵁ فقال: والله لأنت يا رسول الله أحبّ إليّ من كلّ شيء إلّا نفسي. فقال النّبيّ ﷺ :
«لا يؤمن أحدكم حتّى أكون عنده أحبّ إليه من نفسه» . قال عمر: فلأنت الآن والله أحبّ إليّ من نفسي. فقال رسول الله ﷺ : «الآن يا عمر» «١» .
стр. 758
الشاهد في الحديث:
قول عمر ﵁ فلأنت الآن- والله- أحبّ إلي من نفسي.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
وجوب حب النبي ﷺ أكثر من كل شيء، أكثر من الدنيا وما فيها، من زخرف وزينة، أكثر من الناس الذين فيهم الوالد والولد والزوجة، أكثر من النفس، التي هي ألصق شيء إلى الإنسان، حيث ورد في الحديث قول عمر ﵁: (والله لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء) ، وحيث إن قوله: (كل شيء) عامة لأنها جاءت نكرة، فيدخل فيها العظيم من الأشياء والحقير منها، وعندما استثنى عمر النفس، لم يرض الرسول ﷺ منه ذلك، وما كان ذلك إلا من باب تبليغ الوحي، الذي أمر النبي ﷺ بتبليغه وعدم كتمان أي شيء منه.
يتفرع على ذلك، علمنا بعلو منزلة النبي ﷺ وعظيم فضله الظاهر على عموم أفراد هذه الأمة، ووجوب أن يشعر كل مسلم بهذه المنزلة وعظيم الفضل، ومن ثمّ فإن العبد لا يكمل إيمانه حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من كل شيء حتى من نفسه التي بين جنبيه، والله.
، هو الذي جعل حب الرسول ﷺ من الإيمان، بل من أعظم شعبه، ولا غرابة في ذلك، فإن الفطر السليمة، والعقول الصحيحة، قد جبلت واتفقت على أن النفس السوية تحب من يقدم لها الخير، ويسدي لها المعروف، ويبين لها ما يصلحها وما يفسدها، فهل أحد من البشر قدم لنا من الخير والمعروف أكثر منه ﷺ ، وهل أحد نصحنا وأشفق علينا، وجعل كل همه نجاة أمته يوم القيامة مثله؟ بل أقول: هل من أمة ستفرح باتباع نبيها، فرحنا باتباع المصطفى ﷺ ؟ وإننا من أمته وعلى سنته، فلماذا لا نحبه أكثر من أنفسنا! وقد روى البخاري، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والنّاس أجمعين» «١» .
الفائدة الثانية:
في مناقب عمر ﵁:
١- ما كان عليه من الصدق، حيث قال في الأولى للنبي ﷺ : (والله لأنت يا رسول الله أحب إلى من كل شيء إلا نفسي) ، فلما كان يعلم من حاله أنه يحب نفسه أكثر من الرسول، ﷺ ، ذكر ذلك، فكان صادقا في حديثه.
٢- استكماله ﵁ لأعظم شعب الإيمان وهي حب الرسول ﷺ أكثر من نفسه،
стр. 759
وكل شيء، لقوله: (فلأنت الآن والله أحب إلي من نفسي) .
٣- ما كان عليه من رجاحة العقل، وصفاء القلب، حيث إنه زرع في قلبه حب النبي ﷺ أكثر من نفسه بمجرد علمه أن إيمانه لن يكمل إلا بذلك، ولصفاء قلبه وطهارته، لم يجد مشقة ولم يحتج إلى وقت لاستكمال هذه الشعبة الإيمانية العظيمة.
الفائدة الثالثة:
طبع الإنسان على حب نفسه أكثر من أي شيء، ولا يذم الشرع هذا الحب للنفس؛ لأن مقولة عمر ﵁ تقتضي أنه كان يحب نفسه أكثر من أي شيء، ولكن بعد هذا التوجيه النبوي، يجب على كل مسلم أن يحب الرسول ﷺ أكثر من نفسه، وإذا كانت النفس تأمر صاحبها في بعض الأوقات بما يضرها، ويكون سبب هلاكها، فإن النبي ﷺ يأمرها دائما بما يصلحها ويضمن لها عدم الهلاك، ولهذا كان حبه ﷺ مقدما على حب النفس.
٧- إيثارهم له ﷺ
عن جابر قال: كنّا مع النّبيّ ﷺ بذات الرّقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنّبيّ ﷺ فجاء رجل من المشركين وسيف النّبيّ ﷺ معلّق بالشّجرة، فاخترطه، فقال: تخافني؟
قال: لا. قال: فمن يمنعك منّي؟ قال: «الله» «١» .
الشاهد في الحديث:
قول جابر ﵁: (فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي ﷺ . وسيأتي التعليق على هذا الحديث إن شاء الله في باب (حسن توكله ﷺ وثقته بالله) .
٨- تعظيم الصحابة ﵁ لما يحبه ﷺ :
عن أنس ﵁ قال: كان للنّبيّ ﷺ ناقة تسمّى العضباء، لا تسبق. قال حميد: أو لا تكاد تسبق، فجاء أعرابيّ على قعود فسبقها، فشقّ ذلك على المسلمين حتّى عرفه، فقال:
«حقّ على الله ألايرتفع شيء من الدّنيا إلّا وضعه» «٢» .
الشاهد في الحديث:
قول الراوي (فشق ذلك على المسلمين) .
стр. 760
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
تعظيم الصحابة ﵃ ليس لشخص النبي ﷺ فحسب، بل امتد هذا التعظيم وانسحب إلى ما يخصه ﷺ ، ومثاله القدح الذي كان يشرب فيه ﷺ وفي الحديث الذي في أيدينا مثال على تعظيمهم لناقة النبي ﷺ فقد حزنوا ليس لموت الناقة أو مرضها، بل لما هو أقل من ذلك بكثير، وهو أنها قد سبقت، ورد بالحديث (فشق ذلك على المسلمين) ، ويبدو أن تلك المشقة التي لحقتهم كانت كبيرة لأنه ظهرت على ملامحهم، والنبي ﷺ قد لحظ ذلك على وجوههم، فقد ورد في الحديث: (فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه) .
قال الحافظ ابن حجر- ﵀ (فيه حسن خلق النبي ﷺ وتواضعه وعظمته في صدور أصحابه) «١» .
الفائدة الثانية:
ملاحظته ﷺ أحوال الصحابة حيث عرف ما حدث لهم لما سبقت العضباء، مع رحمته وشفقته بهم ﷺ حيث خفف عنهم ما يجدونه بقوله: «حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه» .
الفائدة الثالثة:
أسس النبي ﷺ قاعدة كونية عظيمة، تخفف ألم كل مكلوم وتواسي كل محزون، وتعرّف الناس بطبيعة الدنيا فلا يغترون بها ولا يعولون عليها، فأي شيء مهما علا وارتفع تكفل الله بخفضه ووضعه. ومصداق ذلك في الحديث قوله: «حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه» . وذكر النبي ﷺ هذا الكلام في سياق الحديث عن دابته العضباء، إنما يدل على تواضعه وحرصه على تعليم أمته ﷺ . قال الحافظ ابن حجر- ﵀: «وفيه التزهيد في الدنيا للإشارة إلى أن كل شيء منها لا يرتفع إلا اتضع وفيه حث على التواضع وفيه حسن خلق النبي ﷺ وتواضعه» «٢» .
٩- حبهم ﵃ لما يحبه ﷺ من أمور الدنيا
عن أنس بن مالك ﵁ قال: (إنّ خيّاطا دعا رسول الله ﷺ لطعام صنعه. قال أنس بن مالك ﵁: فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطّعام، فقرّب إلى رسول الله ﷺ خبزا ومرقا فيه دبّاء «٣» وقديد، فرأيت النّبيّ ﷺ يتتبّع الدّبّاء من حوالي القصعة. قال:
стр. 761
فلم أزل أحبّ الدّبّاء من يومئذ) «١» .
وفي رواية عند مسلم: (فجعل رسول الله ﷺ يأكل من ذلك الدّبّاء، ويعجبه. قال:
فلمّا رأيت ذلك جعلت ألقيه إليه ولا أطعمه. قال: فقال أنس: فما زلت بعد يعجبني الدّبّاء) «٢» .
وعند مسلم أيضا: (فما صنع لي طعام بعد أقدر على أن يصنع فيه دبّاء إلّا صنع) «٣» .
الشاهد في الحديث:
أن أنسا ﵁ لما رأى الرسول ﷺ يحب الدباء ويتتبعه، وهو أمر لا يدخل في أمور الشرع، ولم نؤمر بالعمل به، أقول: لما رأى أنس ذلك، وقع في قلبه مباشرة حبّ هذا الصنف من الطعام، وما كان يحبه ولا يشتهيه من قبل علمه أن الرسول يحبه، وهكذا إذا أحب أحد أحدا وقع في قلبه كل ما يحبه الطرف الآخر، من مأكل ومشرب وملبس وحتى المشية، ألا ترى إذا أحب الشاب الآن أحدا من الممثلين الذين لا خلق لهم ولا دين، يتمثل به حتى في قصة شعره بدون إرادة أو وعي، وإن لم تكن ملائمة له، أو مناسبة لقومه وعشيرته، وقد يعصي أبويه في سبيل هذا الاقتداء، حتى أنه يحب أن من يراه، يعلم بدون كلام أنه يحب الممثل الفلاني، ولكن شتان، بين التبر والتراب، والثرى والثريا، فمن الذي أحب الصحابة اتباعه، إنه أفضل الخلق جميعا، هو الذي باتباعه نسعد فلا نشقى أبدا، حتى إن أنسا يقول: إنه ما صنع طعاما يمكن أن يوضع له فيه دباء إلا وضع فيه، أرأيتم الحب ماذا يفعل بصاحبه؟، وأي حب هذا الذي كان في قلوب الصحابة للنبي ﷺ ، إنه لا يمل أن يأكل الدباء في كل طعام، فيكون أشبه بالمريض الذي يعلم أن هذا الدواء فيه شفاء له من مرض عضال فيحب أن يتناوله ولو بجرعة أكبر، ولكن يبدو أن أنسا كان يتلذذ به كلما تناوله لأن الرسول ﷺ يحبه.
[فوائد الحديث]
وفي الحديث فوائد منها:
الفائدة الأولى:
كيف كان النبي يتتبع حوالي القصعة، وهو الذي أمر الغلام «٤» أن
стр. 762
يأكل مما يليه؟ أقول: يمكن أنه فعل ذلك لسببين:
الأول: أنه أراد أن تمس يده الشريفة جميع القصعة فتحل فيها البركة.
الثاني: أنه يعلم أن جليسه لن يتقزز من ذلك بل يحبه، فكان يفعله بغير حرج، بعكس غيره فقد يتأفف الناس منه.
الفائدة الثانية:
إيثار الصحابة لرسول الله، حيث إن أنسا لما رأى النبي يتتبع الدباء، تركه له ولم يطعمه.
الفائدة الثالثة:
على المسلم الذي يحرص على محبة الرسول ﷺ ، ويريد أن يناله هذا الشرف العظيم، أن يحب ما كان يحبه النبي ﷺ ، سواء كان ذلك في أمر من أمور الدنيا أو الدين، ما أمرنا به وما لم نؤمر، لأن ذلك يساعد المسلم على أن يتشرّب قلبه بحبه ﷺ .
١٠- حب مرافقته والقرب منه ﷺ
المثال الأول:
عن عمرو بن ميمون الأوديّ قال: (رأيت عمر بن الخطّاب ﵁ قال:
يا عبد الله بن عمر اذهب إلى أمّ المؤمنين عائشة- ﵂ فقل: يقرأ عمر بن الخطّاب عليك السّلام، ثمّ سلها أن أدفن مع صاحبيّ. قالت: كنت أريده لنفسي فلأ وثرنّه اليوم على نفسي، فلمّا أقبل. قال له: ما لديك؟ قال: أذنت لك يا أمير المؤمنين. قال: ما كان شيء أهمّ إليّ من ذلك المضجع، فإذا قبضت فاحملوني ثمّ سلّموا ثمّ قل: يستأذن عمر بن الخطّاب، فإن أذنت لي فادفنوني وإلّا فردّوني إلى مقابر المسلمين، إنّي لا أعلم أحدا أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النّفر الّذين توفّي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض) «١» .
الشاهد في الحديث:
قول عمر ﵁: (ثم سلها أن أدفن مع صاحبي) .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
مناقب عمر ﵁:
١- توقيره لأم المؤمنين عائشة ﵂، ويتمثل ذلك في:
أ- ذكرها بصفتها قبل اسمها، وهذا من باب التوقير لأمهات المؤمنين، الذي أمرنا الله به، قال تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الأحزاب: ٦] ، وشاهده من الحديث: (يا عبد الله بن عمر اذهب إلى أم المؤمنين عائشة- ﵂) .
стр. 763
ب- في مقابل ذكره، عائشة ﵂، بصفتها، لم يذكر صفته هو، أنه أمير المؤمنين، بل ورد في إحدى الروايات عند البخاري: (وقل يقرأ عمر عليك السلام ولا تقل أمير المؤمنين) «١» وهذا لسببين؛ الأول: من باب التواضع مع زوج النبي ﷺ واستشعارا لقوله تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ، مع أن عائشة ﵂ لم تتعد الخامسة والثلاثين من عمرها، وهو قد تعدى الستين، وهو الخليقة الراشد، وثاني أفضل الصحابة بعد الصديق، ﵃، والثاني: أنه أرسل يطلب من أم المؤمنين ﵂ شيئا من خالص حقها، فمن الأدب أن يشعرها، أنه لا يطلب منها بصفته أميرا للمؤمنين، فقد يسبب ذلك حرجا لها، لأن طاعة ولي الأمر واجبة، بل هي من طاعة الله ورسوله، وإن صح الاستنباط، فيكون ذلك من عمر ﵁ في منتهى الأدب وغايته، مع غاية النصح لله ورسوله، في تولي خلافة المسلمين، حيث لم يرد أن يكسب بخلافته شيئا لصالحه. فمن يتعلم؟.
حتى لما علم ﵁ بموافقة عائشة ﵂ على أن يدفن في المكان الذي يحبه، أمر ابنه عبد الله بن عمر، ﵄، أن يستأذن أم المؤمنين، مرة أخرى قبل دفنه مباشرة، عسى أن تكون استحيت منه في حياته، قال: (فإذا قبضت فاحملوني ثم سلموا ثم قل يستأذن عمر بن الخطاب فإن أذنت لي فادفنوني وإلا فردوني) ، ويؤخذ منه، أنه لا ينبغي لأحد أن يأخذ شيئا من أخيه المسلم بسيف الحياء، فقد أعطى عمر ﵁ الفرصة لأم المؤمنين، أن تتحلل من وعدها إذا أرادت.
ج- إقراره، ﵁ بفضل عائشة ﵂ وأنها الأحق بجوار النبي ﷺ وأنه مات وهو عنها راض، قال: (إني لا أعلم أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض) .
٢- عظيم حب عمر ﵁ للرسول ﷺ مع غزير علمه، حيث ذكر أنه ما كان شيء في الدنيا يهمه ويفكر فيه أعظم من مجاورته النبيّ ﷺ بعد موته، قال: (ما كان شيء أهم إليّ من ذلك المضجع) ، وانظر إلى حرصه إلى هذا الجوار، أنه بادر ابنه السؤال لدى عودته من عند عائشة ﵂ وما استطاع الانتظار حتى يعرض عليه ابنه الإجابة، يقول: (فلما أقبل قال له: ما لديك) ، وهذا يدل على أن هذا الأمر كان يشغله جدّا، وكان يخاف أن تأتي الإجابة بما لا يحب.
стр. 764
أما عن علمه ﵁ فإنه ما حرص هذا الحرص الشديد على مجاورة النبي ﷺ إلا بعلمه بمدى البركة التي ستناله من هذا الجوار المبارك، وهذا، والحمد لله، مشاهد لكل أحد.
كما تبدو حكمة عمر ﵁ أنه لما أراد أن يستأذن عائشة ﵂ قال لابنه: (ثم سلها أن أدفن مع صاحبيّ) ، فأراد بأسلوب فيه الأدب واللطف، أن يبرر لها طلبه، ويستحثها على الموافقة، بأن يذكرها بمكانته من النبي ﷺ فقال: (صاحبيّ) فلما كان له شرف مصاحبتهما الشديدة في الدنيا، رأى أنه له الحق في مثل هذا الشرف بعد الموت، ولو قال لها: أريد أن أدفن مع رسول الله ﷺ لاستوى هو وغيره من عموم المسلمين، الذين لهم جميعا الحق في هذا الطلب، لكونه ﷺ رسولا إليهم جميعا، ولكن من يسامي الصديق والفاروق في شرف الصحبة الخاصة؟ ... لا أحد.
الفائدة الثانية:
في مناقب أم المؤمنين عائشة ﵂ ويتبين ذلك من:
١- إرادتها أن تدفن بجواز النبي ﷺ وما قلته عن عمر ﵁ في هذه المسألة، ينطبق هنا أيضا، فلا داعي للإعادة، قالت أم المؤمنين: (كنت أريده لنفسي) .
٢- إيثارها عمر بن الخطاب ﵁ في المضجع الذي كانت تتمناه لنفسها، قالت:
(فلأوثرنه اليوم على نفسي) ، مع أن أحدا لا ينكر أحقيتها بهذا المكان، حيث إنه بيتها، والمدفون فيه زوجها ﷺ الذي كان لا يحب أحدا مثلها، ثم أبوها، الصديق ﵁ وأعتقد أنها آثرت عمر ﵁ اعترافا بفضله وحسن صحبته للرسول ﷺ فكأن هذا رد منها للجميل.
الفائدة الثالثة:
بل هي الفائدة الأولى في الأهمية، وهي أن عظيم بركة النبي ﷺ بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، كعظيم بركته وهو حي ﷺ سواء بسواء فالمكان الذي يضم جسد النبي ﷺ قطعا لا يستوي مع غيره من الأمكنة، وإلا ما حرص عمر ﵁ أن يدفن في هذا المكان، ويكون ذلك هو كل شغله الشاغل، وكذا عائشة ﵂، ولا يخفى على أحد ما للاثنين من علم وفقه واتباع للسنة، فاق الجميع، ويتفرع على ذلك مسألتان:
المسألة الأولى: ما خص الله به أبا بكر وعمر، ﵄ من فضل، إذ لم يكن لأحد من هذه الأمة شرف جوار الرسول ﷺ بعد موته إلا لهما، فسبحان الله الذي جعل الجزاء من جنس العمل، وهذا واضح في هذا الأمر وضوح الشمس في رابعة النهار، وصدق الله الذي قال: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ (٦٠) ، وما أجمل عطاء الله الجواد الكريم، الذي يكافئ على القليل بالكثير، فالعبد إذا قام بعبادة الله. . طوال
стр. 765
حياته وبذل فيها أغلى ما يملك، من مال ونفس وولد، وبذل كل معروف، وكفّ عن كلّ مكروه، ما عدل كلّ ذلك وأمثاله، جوار النبي ﷺ ، ولكن كما أقول دائما: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
المسألة الثانية: إذا كان الميت ينتفع بدفنه بجوار الصالحين، فإنه أيضا يتضرر من جواره لأهل المعاصي والكبائر، وأهل الشقاق والعناد، وعلى المسلم أن يتخير المكان الذي سيدفن فيه، ويوصي به في وصيته، وما عمت به البلوى الآن، أن المسلم لا يبالي أين يدفن، ولا بجوار من سيكون، وانظر إلى موسى ﷺ لما علم أنه سيموت سأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، «١» واستجاب الله دعاءه، كما ورد في صحيح البخاري «٢» .
المثال الثاني:
فعن ربيعة بن كعب الأسلميّ ﵁ قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته. فقال لي: «سل» . فقلت: أسألك مرافقتك في الجنّة. قال:
«أو غير ذلك؟» قلت: هو ذاك. قال: «فأعنّي على نفسك بكثرة السّجود» «٣» .
الشاهد في الحديث:
أن ربيعة بن كعب- وكنيته أبو فراس- طلب مرافقته في الجنة، وليس دخول الجنة فحسب، أي أن الصحابة كانوا يحبون مرافقته ليس في الدنيا فقط، بل في الآخرة، ويرون أن الجنة برفقة الرسول، تكون أسعد بكثير، وإلا لم يكن لطلبه المرافقة معنى.
[فوائد الحديث]
وفي الحديث بعض الفوائد منها:
الفائدة الأولى:
تعظيم الصحابة لأمر الجنة، ومرافقة الرسول فيها، حيث إن ذلك كان الطلب الأول لأبي فراس، ولما عرض عليه الرسول أن يطلب شيئا آخر امتنع، لأنه يرى أنه ليس ثمّة شيء آخر يجب أن يزاحم هذا الطلب، أو أنه كان يستصغر كل طلب مع طلب مرافقة النبي ﷺ في الجنة.
الفائدة الثانية:
زهد الصحابة في الدنيا، فإن ربيعة كان فقيرا (من أهل الصفة) وعرض عليه النبي ﷺ ، أن يطلب أي شيء من أمر الدنيا أو الآخرة لأنه لم يحدد في عرضه ومع ذلك زهد في كل شيء.
стр. 766
الفائدة الثالثة:
حسن تعامل النبي مع خادمه، يؤخذ ذلك من حب الخادم له، حيث طلب مرافقته في الجنة، ويؤخذ أيضا من ملاطفة الرسول لخادمه، فهو يطلب منه أن يسأله ما يشاء، ويكرر عليه السؤال ليستزيد الخادم.
الفائدة الرابعة:
أن دخول الجنة يحتاج إلى عمل، وإلى مجاهدة النفس، وأرجى وسيلة للمجاهدة هي كثرة السجود، لأن العبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد.
١١- كراهيتهم ترهك شيء فارقوا النبي ﷺ عليه
عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: (أنكحني أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد كنّته «١» فيسألها عن بعلها فتقول: نعم الرّجل من رجل، لم يطأ لنا فراشا ولم يفتّش لنا كنفا «٢» منذ أتيناه. فلمّا طال ذلك عليه ذكر للنّبيّ ﷺ فقال: القني به، فلقيته بعد. فقال:
«كيف تصوم؟» قال: كلّ يوم. قال: «وكيف تختم؟» قال: كلّ ليلة. قال: «صم في كلّ شهر ثلاثة، واقرأ القرآن في كلّ شهر» . قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك. قال: «صم ثلاثة أيّام في الجمعة» . قلت: أطيق أكثر من ذلك. قال: «أفطر يومين وصم يوما» . قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك. قال: «صم أفضل الصّوم، صوم داود صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كلّ سبع ليال مرّة» . قال عبد الله: فليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ ، وذاك أنّي كبرت وضعفت، فكان يقرأ على بعض أهله السّبع من القرآن بالنّهار والّذي يقرؤه يعرضه من النّهار ليكون أخفّ عليه باللّيل، وإذا أراد أن يتقوّى أفطر أيّاما وأحصى وصام مثلهنّ كراهية أن يترك شيئا فارق النّبيّ ﷺ عليه) «٣» .
الشاهد في الحديث:
قول الراوي: (كراهية أن يترك شيئا فارق النبي ﷺ عليه) .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
لم يعظم الصحابة النبي ﷺ فحسب بل عظموا كل شيء يخصه، وتعدى الأمر إلى أن عظموا كل ما التزموا به أمامه من العبادات أو الأعمال التي فارقهم- بموته ﷺ وهم يحافظون عليها. وهذا المسلك منهم ﵃ يدعو- والله- إلى التدبر والتفكر في أدبهم وإجلالهم للنبي ﷺ ويتضح ذلك من:
стр. 767
١- الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص لم يلتزم للنبي ﷺ أو يعاهده على تلك العبادات التي ذكرها في الحديث. وهي صوم يوم وإفطار يوم وختم القرآن في سبعة أيام. وإنما اعتبر نصح الرسول ﷺ له بذلك والتزامه ﵁ بتلك العبادات طيلة حياة النبي ﷺ كالعهد مع النبي ﷺ الذي يجب الوفاء به.
٢- العبادات التي التزم بها عبد الله بن عمرو ﵄ ليس من الواجب ولا الفروض ولكنها من السنن.
٣- بلغت المشقة بعبد الله بن عمرو ﵄ أقصاها، لما كبر سنّه، من المواظبة على تلك العبادات.
ومع كل ما ذكر لم يستطع عبد الله بن عمرو ﵄ أن يترك تلك العبادات، مع أنه يعلم تماما أن المشقة توجب التخفيف، ويتذكر جيدا أن النبي ﷺ راجعه ليخفف عن نفسه، وما تركها ﵁ مخافة ضياع ثوابها- لأنه يعلم أن الله يكتب للمريض ما كان يفعله وهو صحيح- وإنما لم يتركها كراهية أن يترك شيئا فارق عليه النبيّ ﷺ . قال الإمام النووي- ﵀ (معناه أنه كبر وعجز عن المحافظة على ما التزمه ووظفه على نفسه عند رسول الله ﷺ فشق عليه فعله لعجزه ولم يعجبه أن يتركه لالتزامه له، فتمنى لو قبل الرخصة فأخذ بالأخف) «١» . وقال الحافظ ابن حجر- ﵀: (ومع عجزه وتمنيه الأخذ بالرخصة لم يترك العمل بما التزمه) «٢» .
الفائدة الثانية:
شفقة النبي ﷺ بأصحابه، حيث راجع الصحابي عبد الله بن عمرو ﵄ في أمر زوجته حتى يعطيها حقها، كما راجعه في أمر عبادته حتى لا يشق على نفسه ويجهدها مما قد يضطره إلى قطع تلك العبادة إذا كبر سنه، وهذا فيه بعد نظر جميل من النبي ﷺ .
الفائدة الثالثة:
حياؤه ﷺ وحكمته، أما حياؤه فإنه ﷺ لم يصارح عبد الله بن عمرو ﵄ بما بدر منه تجاه زوجته منذ زواجهما، أما حكمته ﷺ فتتضح من معالجته لأصل المشكلة وهي تفرغ عبد الله بن عمرو للعبادة وانشغاله بها طوال ليله ونهاره.
الفائدة الرابعة:
حب الصحابة ﵃ للعبادة، لقد ودوا لو استغرقت كل أوقاتهم، لولا أن النبي ﷺ كان يرشدهم دائما إلى القصد وإعطاء كل ذي حق حقه. قال ﷺ : «فإن
стр. 768
لجسدك عليك حقّا وإن لعينك عليك حقّا وإن لزوجك عليك حقّا وإن لزورك عليك حقّا» «١» .
الفائدة الخامسة:
حياء الصحابة ﵃ وتقديمهم التعريض على التصريح فيما يخدش الحياء، ولو كان المتحدّث إليه من المحارم، يتضح ذلك جليّا من قول زوجة عبد الله بن عمرو: (لم يطأ لنا فراشا ولم يفتش لنا كنفا) . وهذا أمر نفتقده كثيرا في كلامنا اليوم، فنأتي بكلام يخدش الحياء بمصلحة وبغير مصلحة، وفي جدّنا وهزلنا.
١٢- عظيم أدبهم معه ﷺ
عن معاذ بن جبل ﵁ قال: بينا أنا رديف النّبيّ ﷺ ليس بيني وبينه إلّا أخرة الرّحل «٢» . فقال: «يا معاذ بن جبل» . قلت: لبّيك رسول الله وسعديك، ثمّ سار ساعة، ثمّ قال: «يا معاذ» . قلت: لبّيك رسول الله وسعديك. ثمّ سار ساعة ثمّ قال: «يا معاذ» قلت: لبّيك رسول الله وسعديك. قال: «هل تدري ما حقّ الله على عباده؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقّ الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» . ثمّ سار ساعة ثمّ قال: «يا معاذ بن جبل» . قلت: لبّيك رسول الله وسعديك. فقال: «هل تدري ما حقّ العباد على الله إذا فعلوه؟» . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقّ العباد على الله أن لا يعذّبهم» «٣» . متفق عليه.
الشاهد في الحديث:
أن النبي قد نادى معاذا ثلاث مرات، وفي كل مرة يرد عليه معاذ ثم يسكت النبيّ ﷺ ولا يتكلم بكلمة واحدة، فلا يقول معاذ للرسول في أي من مرات الثلاث: ناديتني يا رسول الله فماذا كنت تريد؟، أو يقول: يا رسول الله أنسيت ماذا كنت تريد أن تقول؟ أو أي كلمة مشابهة. ولكن يسكت، والرسول ﷺ ينادي، فلا يمل ولا يقول شيئا، بين يدي النبي، وهذا أدب عظيم.
стр. 769
[فوائد الحديث]
وفي الحديث فوائد كثيرة منها:
الفائدة الأولى:
ما كان يبديه الصحابة من سرعة استجابة وأدب في رد دعاء النبي، حيث رد معاذ في كل مرة بقوله: (لبيك يا رسول الله وسعديك) . ومعنى لبيك: أي طاعة لك بعد طاعة، أو أنا مقيم على طاعتك، أو إجابة بعد إجابة، ومعنى سعديك: أي ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة «١» . وهذا الأدب هو ما علمه الله للصحابة في قوله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور: ٦٣] .
الفائدة الثانية:
اهتمام الصحابة ﵃ بكل أحوالهم مع النبي ﷺ ، خاصة راوي الحديث، حيث يقول أنس: عن معاذ (ومعاذ رديفه على الرحل) . وهذا مهم جدّا في مثل هذا الحديث؛ لأن هذا القرب أوعى للسامع، وتأكدنا أنه قد ضبط الحديث ولم تشتبه عليه ألفاظه.
الفائدة الثالثة:
في الحديث منقبة عظيمة لمعاذ بن جبل ﵁ حيث نال شرف القرب من رسول الله ﷺ ، وما كان يفصله عنه إلا مؤخرة الرحل، كما ثبت في لفظ مسلم، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، أن النبي ﷺ قد أعلمه بهذا الحديث العظيم، أعظم بشارة للأمة، وهي الفائدة التالية.
الفائدة الرابعة:
البشارة بأن من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، وفي ذلك:
١- حجة على من قال: إن أهل المعاصي في منزلة بين منزلتين، لا نحكم لهم بالإيمان، ولا نحكم عليهم بالكفر، ولكنهم مخالدون- حسب زعمهم- في النار وهذا قول المعتزلة، والحديث حجة دامغة عليهم، من حيث ربط النبي دخول الجنة بعدم الشرك، والشرك معروف من الدين بالضرورة، وهو أن تجعل لله ندّا في صفاته أو في أفعاله، ومعلوم أنه لن يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولو كان أهل المعاصي يخالدون في النار ولا يدخلون الجنة، لقال في الحديث: (أن يعبدوه ولا يعصوه) . فيدخل في العصيان الشرك من باب أولى، ولكن لا تدخل المعاصي في الشرك أبدا، لقوله- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤٨] . وقيل عن هذه الآية: إنها أرجى آية في كتاب الله، ويشهد بذلك ما رواه البخاري من حديث الشفاعة الطويل: (فأقول ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود) «٢» .
стр. 770
٢- فيه التحذير كل التحذير، من أدنى أدنى أعمال الشرك، لأن الرسول قال «أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا» وكلمة (شيئا) نكرة في سياق النفي، وهي تقتضي العموم، فتشمل أدنى أفعال الشرك.
٣- علمنا من الحديث أن الذين يدعون من دون الله أولياء، ويطلبون منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، أو يعتقدون أن النفع والضر، يشارك الله فيه أحد، وماتوا على ذلك دخلوا النار مخالدين فيها أبدا.
٤- على المسلم المبتغي مرضاة الله، الحريص على الجنة، وحسن الخاتمة، أن يسأل الله الثبات على الإيمان، لأن الإيمان هو الذي يدخل العبد الجنة، وألا يتكل على هذه البشارة، وليعلم أن المعاصي بريد الكفر والشيطان حريص على وقوعه في الشرك، وليعلم أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء، وأن يتذكر قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) [آل عمران: ١٠٢] . وقد فسر العلماء الآية، بأنها أمر من الله بالطاعة والتقوى، ومواصلة الأعمال الصالحة حتى يثبت المسلم ويموت وهو مؤمن، بل إن المسلم الصادق بقدر فرحه بهذا الحديث واستبشاره به، بقدر اجتهاده في العبادة، كما فعل النبي لما غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قام لله شكرا على نعمه العظيمة وآلائه الجسيمة عليه وقال: «أفلا أكون عبدا شكورا» «١» ، وهو نفس ما أمر الله به آل داود، قال- : اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: ١٣] .
الفائدة الخامسة:
التأكيد على أمر العبادة، فلم يقتصر حق الله على العباد ألايشركوا به شيئا بل ذكر «أن يعبدوه» والعبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ورسوله، ونتقرب به إلى الله ، أي تشمل جميع أنواع الطاعات، ولو كانت العبادة ليست بشرط في دخول الجنة، ما ذكرها النبي في موضع يبين فيه عظيم امتنان الله على عباده المؤمنين، وفي هذا رد على من يقول: يكفي أن قلبي سليم، والله رب قلوب، وأنا لا أوذي أحدا، وهذا يكفي لدخول الجنة، والحديث حجة على هؤلاء.
الفائدة السادسة:
على العالم ألا يلقي مسائل العلم العظيمة إلا بعد أن يتأكد أن طلبة العلم قد أرعوه كامل انتباههم، ويمكن أن يتأكد أيضا بسؤالهم عما فهموه بعد إلقاء المسألة، وللتفريط الواقع في هذه المسألة نرى كثيرا من طلبة العلم قد ينسبون لمشايخهم ما لم يقولوه.
стр. 771
[مثال آخر لعظيم أدب الصحابة مع النبي ص]
وهناك مثال آخر لعظيم أدب الصحابة مع النبي ﷺ .
فعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: مرّ النّبيّ ﷺ على نفر من أسلم ينتضلون «١» . فقال النّبيّ ﷺ : «ارموا بني إسماعيل فإنّ أباكم كان راميا، ارموا وأنا مع بني فلان» ، قال، فأمسك أحد الفريقين بأيديهم. فقال رسول الله ﷺ : «ما لكم لا ترمون؟» قالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟! قال النّبيّ ﷺ : «ارموا فأنا معكم كلّكم» «٢» .
الشاهد في الحديث:
إمساك أحد الفريقين عن الرمي بعد أن قال النبي ﷺ للفريق المقابل: «ارموا وأنا مع بني فلان» .
حقيق بمن تدبر هذا الأدب الجم من أصحاب النبي ﷺ أن يتعجب كل التعجب، خاصة إذا تأمل قول الفريق الذي كف عن الرمي «كيف نرمي وأنت معهم» ، وأعتقد أن من أسباب كفهم عن الرمي أنهم سيكونون في وضع (ظاهره) أنهم خصوم للنبي ﷺ وقد بينت في عدة مواطن من الكتاب أنهم كانوا يأبون أن يكونوا على هيئة ظاهرها عدم التأدب مع النبي ﷺ ولو برضاه، كما حدث مع أبي أيوب الأنصاري، وقد أورد الحافظ ابن حجر- ﵀ وجهين آخرين لإمساك الفريق عن الرمي نقلا عن بعض العلماء قال: (أمسكوا لكون النبي ﷺ مع الفريق الآخر خشية أن يغلبوهم، فيكون النبي ﷺ مع من وقع عليه الغلبة، والقول الثاني: أنهم أمسكوا لما استشعروا من قوة قلوب أصحابهم بالغلبة حيث صار النبي ﷺ معهم، وذلك من أعظم الوجوه المشعرة بالنصر) . انتهى.
وفي الحديث ملاطفة النبي ﷺ لأصحابه حيث قال لهم في الأولى: «ارموا وأنا مع بني فلان» . وفيه أيضا حرصه ﷺ على تطييب خاطر أصحابه جميعا، لما قال لهم في الآخرة:
«ارموا فأنا معكم كلكم» .
١٣- تعظيمه ﷺ في نفوسهم
تعظيم الرسول ﷺ ليس كلمات تقال ولا قصصا تروى ولا تكون دعوى باللسان ولا هياما بالوجدان بل لا بد أن يصاحب ذلك: الاتباع لرسول الله ﷺ والسير على هداه وتحقيق منهجه في الحياة العملية، فتعظيمه ﷺ ليس ترانيم تغنى ولا قصائد وأناشيد تنشد ولا كلمات تقال ولا خطبا تعلو المنابر فحسب بل محبة وإجلال واقتداء وسلوك وتقديمه ﷺ
стр. 772
على كل شيء من أولاد وأحباء وأخوة وحتى النفس التي بين أضلعنا، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ومنها:
الحديث الأول:
عن سهل بن سعد السّاعديّ ﵁: أنّ رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فحانت الصّلاة، فجاء المؤذّن إلى أبي بكر فقال: أتصلّي للنّاس فأقيم قال: نعم فصلّى أبو بكر فجاء رسول الله ﷺ والنّاس في الصّلاة فتخلّص حتّى وقف في الصّفّ، فصفّق النّاس، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلمّا أكثر النّاس التّصفيق التفت، فرأى رسول الله ﷺ فأشار إليه رسول الله ﷺ أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر ﵁ يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثمّ استأخر أبو بكر حتّى استوى في الصّفّ، وتقدّم رسول الله ﷺ فصلّى فلمّا انصرف قال: «يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟» . فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلّي بين يدي رسول الله ﷺ .
فقال رسول الله ﷺ : «ما لي رأيتكم أكثرتم التّصفيق، من رابه شيء في صلاته فليسبّح، فإنّه إذا سبّح التفت إليه، وإنّما التّصفيق للنّساء» «١» .
الشاهد في الحديث:
أن أبا بكر ﵁ أبي أن يصلي بين يدي النبي ﷺ أبى أن يكون إماما والرسول ﷺ مأموما.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
تواضع النبي ﷺ ، ويتضح ذلك من:
١- ذهابه بنفسه إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، وكان في مقدوره أن يرسل أحدا، أو أكثر ليقوم بهذه المهمة بأمره واسمه.
٢- رضاه أن يصلي مأموما، وهو نبي هذه الأمة وقائدها، خلف أبي بكر ﵁؛ بل إنه أمره أن يثبت مكانه.
الفائدة الثانية:
على الإمام أو من ينوب مكانه في الولايات، أن يحرصوا على أن يصلحوا بين الناس وكذا بين القبائل، ويبذلوا في ذلك غاية جهدهم، امتثالا لقول الله- سبحانه-: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما [الحجرات: ٩] ، واتباعا لسنة النبي ﷺ ، لما ذهب إلى بني عمرو بن عوف للإصلاح، وعليه يتبين خطأ من يعتقد أن وجود الخلافات بين الناس والقبائل يعضد ملكه ويقوي أركانه.
стр. 773
الفائدة الثالثة:
في مناقب الصديق ﵁ خير هذه الأمة بعد نبيها ﷺ :
١- علم الصحابة بأنه أفضلهم بعد نبيهم ﷺ ، حيث جاءه المؤذن يسأله أن يصلي بالناس، وما ذهب لغيره من الصحابة، ولو كان فعل المؤذن عن أمر رسول الله ﷺ لكان الفضل آكد وأثبت، وقد ورد في البخاري الأمر الصريح من النبي ﷺ أن يصلي أبو بكر بالناس وذلك في مرض موته، وقد ذكر بعض شراح حديث الباب، أن النبي ﷺ هو الذي أمر أن يؤم أبو بكر الناس، ولكن كلام المؤذن لا يوحي بذلك، حيث ورد بالحديث: (فجاء المؤذن إلى أبي بكر فقال: أتصلي للناس فأقيم) . فالسياق يوحي أن المؤذن إنما يستأذن أبا بكر في الإمامة، فإذا وافق أقام، ولو كان هناك أمر من النبي ﷺ لاستأذنه فقط في الإقامة، أو لأخبره أن الرسول ﷺ قد أمر بذلك.
٢- فقهه ﵁ ويتبين من:
أ- عدم التفاته في الصلاة، لقول الراوي: (وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته) ، لعلمه أن الالتفات اختلاسة من الشيطان، وهو أيضا من كمال أدبه مع الله. ؛ إذ كيف يلتفت في صلاته، من يعظم الله ويعلم قدره، كما يتبين فقهه من التفاته، على غير عادته، عندما أكثر الناس من التصفيق، فاختار أخف الضررين، وهو الالتفات، أو أنه علم أن الناس لن تكف حتى يلتفت.
ب- علمه ﵁ أن أمر النبي ﷺ له بمواصلة إماما، لم يكن على الوجوب، وإنما المقصود منه إظهار فضله وتكريمه، وهذا الفهم منه ﵁ صحيح، وإلا لبين له النبي ﷺ أن هذا الأمر كان للوجوب، وأنه ما كان ينبغي أن يرجع. والوجه الثاني في المسألة، أن الأمر باتمام الصلاة إماما كان للوجوب، ولكن أبا بكر ﵁ تأول هذا الأمر وأخرجه عن ظاهره- وهو الوجوب- لحيائه الشديد من النبي ﷺ ، إذ كيف يصلي به إماما؟!
ج- علمه أن الالتفات، والتأخر في الصلاة للوراء، وتحوله من إمام إلى مأموم، كله لا يفسد الصلاة، وكان له الفضل أن تعلمت الأمة حكم تلك المسائل.
د- علمه أنّ حمد الله في الصلاة، على أمر خارج الصلاة، لا يفسدها، مع جواز رفع اليدين في الصلاة، شكرا لله.
٣- تعظيمه للنبي ﷺ ويتجلى ذلك فيما يلي:
стр. 774
أ- عدم قدرته على إتمام الصلاة، إماما في الوقت الذي يكون فيه النبي ﷺ مأموما، مع أن الصلاة قد بدأت والنبي ﷺ هو الذي أمره بمواصلة الصلاة على تلك الهيئة، وهذا منتهى الأدب، وغاية الإجلال للنبي ﷺ وما كان هذا هو دأب أبي بكر ﵁ وحده ولكن كان دأب كل الصحابة ﵃، فقد بلغ تعظيمهم للنبي ﷺ أنهم ظنوا أنه لا ينبغي لأحد أبدا أن يسمى ابنه باسم محمد، فعن جابر بن عبد الله قال: ولد لرجل منّا غلام فسمّاه محمّدا.
فقال له قومه: لا ندعك تسمّي باسم رسول الله ﷺ ، فانطلق بابنه حامله على ظهره، فأتى به النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، ولد لي غلام فسمّيته محمّدا، فقال لي قومي: لا ندعك تسمّي باسم رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : «تسمّوا باسمي، ولا تكتنوا بكنيتي، فإنّما أنا قاسم أقسم بينكم» «١» .
فالتعظيم قد انسحب إلى كل شيء، حتى شمل الاسم، وأعتقد أن الصحابة قد أنكروا على الرجل التسمية باسم (محمد) مخافة أن يوجه الرجل لابنه أي سب أو إهانة، فتقع الإهانة على اسم (محمد) وهو نفس اسم الرسول ﷺ .
ب- استشعار أبي بكر أن أمر النبي ﷺ بإتمام الصلاة على تلك الهيئة لهي من النعم العظيمة عليه، توجب حمد الله على الفور لا التراخي، فاضطر على مرأى من أهل المسجد، أن يرفع يديه بالحمد ولا ينتظر الفراغ من الصلاة أو الركوع والسجود، ونلمس فيه كيف كانت تربية النبي ﷺ لهذه الأمة.
ج- تواضعه الجم، مع النبي ﷺ حيث ذكر نفسه باسمه، لا بكنيته مع أن النبي ﷺ ناداه بكنيته، لأن المقام، يقتضي التواضع، وبيان من الفاضل ومن المفضول، فقال: (ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ . وتدبر أنه لم يقل: (بين يديك) وذلك رغبة منه في بيان التفاضل غاية البيان.
الفائدة الرابعة:
حرص النبي ﷺ على تعليم الأمة، وبيان ما تحتاج إليه، حيث سأل أبا بكر ﵁ عن سبب عدم امتثال الأمر، ليعلمه الصواب إذا استدعى الأمر، كما وجّه الصحابة لما وقعوا فيه من محظور يتمثل في كثرة التصفيق، وبين لهم الصواب في المسألة، فالتسبيح للرجال والتصفيق للنساء.
وأعتقد أن قوله ﷺ : «إنما التصفيق للنساء» ، ليس بحجة لمن يمنع الرجال من التصفيق
стр. 775
خارج الصلاة، لأن النبي ﷺ إنما قال هذه المقولة، مقابل ما فعله الصحابة من التصفيق في الصلاة، وكأن التصفيق وما يحدثه من إزعاج وشوشرة لا يناسب الصلاة، فنهى عنه الرجال، أما النساء فضرر التصفيق في الصلاة أقل من الضرر الذي قد يحدث من التفات المصلين لأصواتهن، خاصة إن كان فيه فتنة.
الحديث الثاني:
عن أنس بن مالك ﵁: أنّ رسول الله ﷺ أتى على امرأة تبكي على صبيّ لها. فقال لها: «اتّقي الله واصبري» . فقالت: وما تبالي بمصيبتي. فلمّا ذهب. قيل لها: إنّه رسول الله ﷺ فأخذها مثل الموت. فأتت بابه فلم تجد على بابه بوّابين. فقالت: يا رسول الله لم أعرفك. فقال: «إنّما الصّبر عند أوّل صدمة، أو قال عند أوّل الصّدمة» «١» .
الشاهد في الحديث:
قول الراوي عن حال المرأة، لما علمت أن الذي خاطبها هو الرسول ﷺ (فأخذها مثل الموت) .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
١- مداومته وحرصه ﷺ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على كل حال، لقوله للمرأة: «اتقي الله واصبري» ولم يقل ﷺ : إن المرأة الآن مصدومة، ولا يصح توجيه الخطاب إليها، ولما جاءته لتعتذر إليه، نصحها مرة أخرى، فقال لها: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» .
٢- حكمته ورفقه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما حكمته، أنه أمر المرأة أولا، بتقوى الله، أي بالأمر العام، الذي هو سبب امتثال العبد لكل أمر وبعده عن كل نهي، لتشعر بخوف الله، ، ووجوب طاعته والبعد عن معصيته، وليكون ذلك أدعى لامتثالها لما سيأتي من أمر، ليقع الأمر على قلب خاشع، ثم أمرها بالأمر الخاص، ألا وهو الصبر، الذي تحتاج إليه المرأة في مثل هذا الموضع، فقال ﷺ : «اتقي الله واصبري» .
أما رفقه ﷺ في الأمر فيتضح من:
أ- أنّ نصحه للمرأة ما زاد عن قوله: «اتقي الله واصبري» .