تقديم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تعدّ حركة إحياء التراث في حياة الأمم والشعوب تعبيرا حيا مصمّما للحفاظ على قيم الجماعة وفكرها، وتأكيد أصالتها واستمرار وجودها.
وقد عرف التراث العربي مثل هذه الحركة الحية غير مرة في تاريخه الطويل، كان آخرها ما يشهده العالم في هذا منذ نحو قرن من الزمان.
ومن عجب أن هذا المدّ الزاخر من إقبال الأجيال المتلاحقة على تحقيق نصوص التراث العربي والإسلامي لم تهدأ فورته، ولم تخمد شعلته ... بل زادها تعاقب الأعوام وعقودها قوة وصلابة ونضجا، وغدا أبناؤها يقبلون عليها بوعي كامل، وإيمان عميق بأن كل نص تراثي يخرج إلى النور إنما يؤدي غرضا متعدد الجوانب ... إذ يكشف عن جانب متفوق فيما غبر من حضارة الأمة من جهة، ويشكل لبنة قوية تأخذ مكانها في صرح هذه الحضارة الشامخ فتسهم بدورها في سموه ورسوخه من جهة أخرى، كما تعد شعاعا ساطعا يضيء للأجيال طريق المستقبل المتصل الحلقات بالماضي العريق بعد ذلك.
ومما يسعد النفس ويبقي على نضارة الامال؛ أن نجد هذا الميدان التراثي الأصيل تمور في جنباته همم عليمة شابة، وكان المظنون لدى بعض أهل العلم أنه قاصر على علم الشيوخ في طول صبرهم ومعاناتهم.
стр. 2
غير أن الأمر تجاوز هذا التصور المحدود، وأقبلت جموع الشباب المتخصص على هذه التركة الجليلة من أسفار التراث العربي الإسلامي، بعلومه المتنوعة، وفنونه المتشعبة، تنتخب من أصداغها الدرر الثمينة وتنشرها على العالم باهرة متقدمة، لتكون الأساس المتين الذي يرتفع عليه بناء الأمة المجيد وحضارتها التليدة المتجددة.
وقد نهضت أقسام الدراسات العليا ورسائلها لنيل الدرجات العلمية بقسط وافر من هذه المهمة الدقيقة الشاقة ... غير أن الذين أقدموا على هذا العمل من غير هذه الفئة كثيرون، يحدوهم إلى هذا إيمان صادق بجلال الطريق وسمو المقصد ... فجعلوا التوغل في شعاب التحقيق شغلهم في أوقات الراحة، وراحتهم عند الكلال والعناء ... فهم يستعذبون من هذا العناء ما تسمو به هممهم وعقولهم، وتنتشي بالإسهام به مشاعرهم وأرواحهم إذ يقدّمون إلى الأجيال الصاعدة جرعة سائغة من جهود أجيال البناء السالفين.
وممن يعدّ في هؤلاء العاملين المخلصين؛ محقق هذا الأثر النفيس عبد الله الجاجة بعد تخرجه في قسم اللغة العربية بجامعة حلب؛ فقد هداه ميله الغلاب إلى النحو والصرف إلى اختيار مخطوط «العمدة في إعراب البردة» .
وما الإعراب سوى شرح للمعنى بمصطلحات نحوية، بل إنه تتبع للطائف المعاني متوسلا بشعاع الإعراب النحوي.
أما المتن محور عناية الإعراب؛ فهو أثر شعري باهر من تراث القرن السابع الهجري، إنه بردة البوصيري ذات الشهرة الذائعة والمعارضات الكثيرة عبر العصور، حتى لم يخل عصر من إمام يعارض قصيدة البردة هذه ...
فالأثر نفيس في متنه، وشرحه، ومعارضاته وإعرابه.
وأما صاحب الإعراب؛ فالراجح أنه أحد أبرز أعلام القرن الثامن أو التاسع الهجري، ولا يضيره أن يسقط اسمه من يد الزمان فقد عوّض من ذلك هذا
стр. 3
العمل نفسه في غزارة علمه، وسداد منهجه، وعموم نفعه، وامتداد تأثيره ... فكان ممن تأثر به العلامة بدر الدين الغزي ٩٠٤- ٩٨٤ هـ.
والعلامة الباجوري ت (١٢٧٦) هـ صاحب (حاشية الباجوري على البردة) وأحد أعلام القرن الثالث عشر الهجري.
فقد احتذى عالمنا معرب البردة في جملة ما صنع وكثير من تفصيله، إذ عمد إلى شرح البردة وإعرابها مقتبسا مواقف من الشرح، ووجوها كثيرة من الإعراب، مما تتبدّى الإشارة إليه في حواشي التحقيق.. وفي ذلك شهادة من أحد أعيان العلماء على رفعة ما قدمه ذلك الجندي «المجهول» في عمله الذي يقدمه المحقق لقراء العربية وعارفي مكانة النحو، عسى الله أن ينفع به.
والحمد لله رب العالمين.
اد. محمد علي سلطاني
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إنّ تراث الأمة جزء أصيل من كيانها ووجودها، وبإحيائه وابتعاثه تتسامى في مشارف المجد والحضارة، ونحن العرب نملك من التراث في صنوف العلم والمعرفة تركة كبيرة خلّفها لنا آباؤنا وعلماؤنا الأوائل، وتشتد حاجتنا إلى إحياء هذا التراث محققا على أسس علمية قويمة لتعم به الفائدة الكبيرة التي تعود على أيدي الطلاب الدارسين والباحثين بالمنفعة العظيمة.
ومن أهم العلوم العربية التي اهتم بها العرب والمسلمون على مر العصور، علم النحو والصرف، لما له من الأثر العظيم في تقويم اللسان، وصيانة اللغة، وفهم معاني الشعر، وتوجيه معاني القرآن الكريم ومعرفة الحديث الشريف، فيكون استنباط الأحكام منهما على نحو سديد.
وهذا العلم ينمو ويتزايد، وتتشعب فيه الاراء وتختلف المذاهب، وتعقد له المناظرات في الكوفة والبصرة وبغداد وفي الشام ومصر والقيروان وبلاد الأندلس وغيرها من العواصم العربية.
وإن للشعر العربي دورا كبيرا في إعطاء صورة واضحة عن حياة العرب والمسلمين منذ الجاهلية حتى يومنا هذا؟
стр. 5
ومن أجل الدراسات القرآنية والشعرية تعددت المناظرات، واحتدم النقاش وكثر الجدل، وفاضت كتب النحو بمعين لا ينضب من هذه المناظرات والمناقشات، وقصيدة «البردة» للبوصيري من أهم القصائد الشعرية في المديح النبوي، فهي مصدر وحي لكثير من القصائد التي أنشئت بعد البوصيري في مدح الرسول، ومن جوانب الأهمية في قصيدة البردة شراحها من علماء العربية البارزين وفي شروحهم من الفوائد النحوية، والصرفية، والبلاغية، واللغوية، والأدبية والتاريخية، الشيء الكثير.
وإنني أشكر أستاذنا الدكتور محمد علي سلطاني على جهده في مراجعته لمتن المخطوط وتقديمه له وقد عملت بتعاليمه وإرشاداته، فله مني جزيل الشكر.
وترجع صلتي بموضوع هذه الرسالة بعدما تخرجت في جامعة حلب عام ١٩٧٩. وكنت أنوي متابعة الدراسات العليا في جامعة دمشق، وفي عام ١٩٨٢ سافرت خارج القطر إلى الكويت للتدريس في مدارسها.
دمشق- الكسوة
стр. 6
المخطوط
قمت بتصوير المخطوط من المكتبة الظاهرية بدمشق، وعدد أوراقه سبع وعشرون ورقة. تحت (٨٤٥٣) .
وصف مخطوط العمدة في إعراب البردة. كما جاء في فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية علوم اللغة العربية (النحو) «١» .
حاول مؤلفها المجهول أن يعرب جميع أبيات البردة التي نظمها الشاعر:
(شرف الدين أبو عبد الله البوصيري) ٦٩٦/ هـ في مدح الرسول ﷺ ، ويبين غريب ما تيسر من لغاتها، ويضبط ما أشكل من ألفاظها ليسهل تناولها على حفاظها.
أول المخطوط بعد البسملة: «الحمد لله الذي رفع قدر من اختاره من عباده واصطفاه، ونصب الدليل على وحدانيته فليس لنا إلاه ... الخ» .
وآخره قوله: « ... بالنغم، بفتح النون والغين المعجمة: جار ومجرور متعلق بأطرب والباء للاستعانة» يلي ذلك تاريخ الفراغ من النسخ الاثنين ١١ ذي القعدة سنة ١١٧٩ هـ، فاسم الناسخ: عبد الله الغبيط الشافعي» ولم يذكر مكان النسخ.
стр. 7
تقع النسخة في (٢٧) ورقة، كتبت بالسواد بخط معتاد معجم خال من الشكل مقروء، عبارات الأصل بالحمرة، ترك لها هامش بعرض (٤ سم) عليه تصويبات.
على الورقة الأولى قيد تملك باسم محمود بن عبد المحسن الحسيني الموقع في (١٤) شعبان سنة ١٢٨١ هـ.
٢٧ ق ٢٧ س ٥ ٢١* ١٦ سم
الرقم ٨٤٥٣
стр. 8
الدراسة
стр. 9
ترجمة البوصيري
البوصيري: هو محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله بن صنهاج، كان أحد أبويه من (أبو صير) والاخر من (دلاص) من قرى بني سويف، فركبت له منهما نسبه، وقيل: (الدلاصيري) لكنه اشتهر بالبوصيري، وكان يعاني صناعة الكتابة والتصرف، ويباشر الشرقية ببلبيس «١» ودرس العلوم الدينية، وشيئا من النحو والصرف والعروض والسيرة النبوية، ودرس التصوف وآدابه.
والبوصيري شاعر مصري ظريف من شعراء القرن السابع الهجري، تجري في شعره النكت المستملحة، وله في شكوى حاله والتذمر من الموظفين قصائد لا تخلو من ذكاء، وفي شعره وصف للحالة الاجتماعية في عصره، وأحسبه من الصادقين، فهو يذكر أن الموظفين كانوا يسرقون الغلال، وأنهم لولا ذلك ما لبسوا الحرير، ولا شربوا الخمور، وأن من الكتاب طائفة تنسكت وعدت من الزهاد مع أنها تملأ بطونها بالسحت، وتأكل مال الأيتام، ويذكر أن القضاة خانوا الأمانة، وبرروا خيانتهم بتأويل القرآن والحديث، ويذكر أن المسلمين والأقباط كانوا مختلفين، فكان المسلمون يقولون: لنا بمصر حقوق، ونحن أولى الاخذين، وكان القبط يقولون: نحن ملوك مصر، ومن سوانا هم الغاصبون، وكان اليهود يستحلون مال الطوائف أجمعين.
стр. 10
فدعاه ذلك إلى دراسة الإنجيل والتوراة دراسة دقيقة، كما درس تاريخ ظهور المسيحية ثم أخذ يرد على أصحاب هذه الديانات «١» .
ويقول في إحدى قصائدة ينتقد الموظفين «٢» :
نقدت طوائف المستخدمينا ... فلم أر فيهمو حرّا أمينا
فكم سرقوا الغلال وما عرفنا ... بهم فكأنهم سرقوا العيونا
ولولا ذاك ما لبسوا حريرا ... ولا شربوا خمور الأندرينا
تنسك معشر منهم وعدّوا ... من الزّهّاد والمتورّعينا
ويقول في الطوائف:
يقول المسلمون لنا حقوق ... بها ولنحن أولى الاخذينا
وقال القبط نحن ملوك مصر ... وإن سواهمو هم غاصبونا
وحلّلت اليهود بحفظ سبت ... لهم مال الطوائف أجمعينا
* ويرجع شهرة هذه القصيدة إلى ما فيها من التنديد بالموظفين، والناس يبغضون الموظفين حين يعرفون بالطمع والاستبداد، ولها قيمة تاريخية، فيه شاهد على اختلاف الطوائف في مصر، وهي شاهد على عيوب الإدارة في ذلك الحين.
* ومن شعر البوصيري فيما يجري مجرى الدعابة قوله في الحديث عن جارية راودها عن نفسها فأنكرت عليه الشيب والضعف.
كيف أعصي الهوى وطينة قلبي ... بالهوى قبل آدم معجونه
سلبته الرقاد بيضة خدر ... ذات حسن كالدرة المكنونه
قلت لا بدّ أن تسيري إلى الدا ... ر فقالت عسى: أنا مجنونه
* وعن سبب وضعه للبردة قال: «كنت قد نظمت قصائد في مدح
стр. 11
رسول الله ﷺ منها ما كان اقترحه علي (الصاحب زين الدين يعقوب بن الزبير) ، ثم اتفق بعد ذلك أن صاحبني فالج أبطل نصفي، ففكرت في عمل قصيدتي هذه فعملتها، واستشفعت بها إلى الله تعالى في أن يعافيني، وكررت إنشادها، ودعوت، وتوسلت، ونمت، فرأيت النبي ﷺ ، فمسح وجهي بيده المباركة وألقى عليّ بردة. فانتبهت ووجدت فيّ نهضة فقمت وخرجت من بيتي، ولم أكن أعلمت بذلك أحدا فلقيني بعض الفقراء، فقال لي: أريد أن تعطيني القصيدة التي مدحت بها رسول الله فقلت: أيّها؟ فقال التي أنشأتها في مرضك، وذكر أولها وقال: والله لقد سمعتها البارحة وهي تنشد بين يدي رسول الله ﷺ ، ورأيت رسول الله يتمايل وأعجبته، وألقى على من أنشدها بردة، فأعطيته إياها، وذكر الفقير ذلك وشاع المنام» .
* وفي هذه القطعة دلالة على عقلية البوصيري: فهو رجل فيه طيبة وسذاجة كأكثر الصوفية، فليس من المعقول أن يبرأ مريض من مرضه لاية يتلوها أو قصيدة ينشدها كما برىء البوصيري بقصيدته، ولو مرض مفتي الديار المصرية- لا سمح الله- ما استغنى بالبردة عن الطبيب.
ولعل حكاية البوصيري هذه هي سبب ما سار بجانب البردة من الخرافات، فقد ذكر بعض الشراح، لكل بيت من أبياتها فائدة: فبعضها أمان من الفقر، وبعضها أمان من الطاعون! وهذا النوع من الغافلة قديم «١» فقد كان الزمخشري يذكر شيئا من مثل هذا عن سور القرآن، ونلاحظ كذلك « ﷺ » خمس مرات في هذه الفقرة القصيرة وتكرار الصلاة على النبي كلما ذكر اسمه من وساوس المتأخرين.
وقد زاد البوصيري على ذلك في القصيدة «المضرية» فهو يدعو الله أن يصلي على النبيّ وشيعته وصحبه عدد الحصى والثرى والمدر، وعدد نجم السماء،
стр. 12
ونبات الأرض، وعدد وزن مثاقيل الجبال، وقطر جميع الماء والمطر، وما حوت الأشجار من ورق وعدد الجن والأنس، والأفلاك وعدد الذر والنمل والحبوب، والشعر والصوف والريش والوبر.
وعدد ما أحاط به العلم المحيط، وما جرى به القلم والقدر، وعدد نعم الله على الخلائق مذ كانوا، ومذ حشروا، وعدد ما كان في الأكوان، وما يكون إلى يوم البعث وتكون هذه الصلاة بهذا التحديد.
في كلّ طرفة عين يطرفون بها ... أهل السموات والأرضين أو يذروا
ملء السموات والأرضين مع جبل ... والفرش والعرش والكرسي وما حصروا
ما أعدم الله موجودا وأوجد معدو ... ما صلاة دواما ليس تنحصر
تستغرق العدّ مع جمع الدهور كما ... تحيط بالحد لا تبقي ولا تذر
* وهذا النمط من الصلاة على النبي لم يكن معروفا في صدر الإسلام، وإنما هو تصرف من غلاة الصوفية أمثال صاحب «دلائل الخيرات» «١» .
* ومنام البوصيري كانت له أطياف في ذهن الصوفية، فقد استحبوا أن يقرأ المرء هذا البيت.
مولاي صلّ وسلم دائما أبدا ... على حبيبك خير الخلق كلهم
بعد كل بيت من أبيات البردة.
وذكروا أن الغزنوي كان يقرؤها في كل ليلة ليرى النبي في منامه، فلم تتيسر له الرؤيا، فشكا ذلك إلى شيخ كامل فقال له: لعلك لا تراعي شرائطها؟
فقال: لا، بل أراعيها، فراقبه الشيخ ثم قال له: إنك لا تصلي بالصلاة التي كان يصلي بها الإمام (البوصيري) على النبي ﷺ وهي قوله: مولاي صل وسلم.....
قالوا: وحكمة اختياره هذا البيت دون غيره أنه ﵀ لما أنشأ هذه
стр. 13
القصيدة رأى النبي في المنام، فأنشدها بين يديه، فكان يتمايل طربا كتمايل الأغصان، فلما انتهى إلى قوله:
«فمبلغ العلم فيه أنه بشر..» .
لم يقدر على تكميل البيت، فقال له ﵊: اقرأ، فقال إني لم أوفق للمصراع الثاني يا رسول الله فقال له الرسول قل: «وإنه خير خلق الله كلهم» .
فأدرج البوصيري هذا المصراع الذي قاله النبي في البيت المتقدم، وجعله صلاة مكررة بعد كل بيت حرصا على لفظ النبي ﵇.
وهذه المنامات تعليلها سهل، فحب البوصيري للرسول خلق منه قيثارة نبوية وإيمان الصوفية بعظمة البوصيري بالإضافة إلى قصيدته، وجّه أحلامهم إلى تصور الرسول في المنام بفضل الإكثار من تلاوة البردة مصحوبة بتلك الصلاة.
والبردة لا تمكن كل إنسان من الكرامات، وإنما تنفعل النفس بما تؤمن به في صدق وإخلاص، فتمثل الغرائب والأعاجيب.
وكذلك كانت البردة عند بعض الناس مفتاحا للمثول بين يدي الرسول، ورؤيا النبي حق: عند الصوفية، وعند الفقهاء.
стр. 14
عناصر البردة
١- قصيدة البردة من القصائد الطوال، وأغلب الظن عندي أن البوصيري استأنس عند نظمها بميمية (ابن الفارض) . ودليل ذلك تشابه المطلعين، فإن مطلع قصيدة ابن الفارض «١» :
هل نار ليلى بدت ليلا بذي سلم ... أم بارق لاح في الزّوراء فالعلم
أرواح نعمان هلّا نسمة سحرا ... وماء وجرة هلّا نهلة بفم
ومطلع قصيدة البوصيري:
أمن تذكّر جيران بذي سلم ... مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
أم هبّت الرّيح من تلقاء كاظمة ... وأومض البرق في الظّلماء من إضم
فذو سلم، وهبوب الريح، وإيماض البرق: مما اشترك فيه الشاعران مع وحدة الوزن والقافية، يضاف إلى ذلك أن ابن الفارض قال:
يا لائما لامني في حبّهم سفها ... كفّ الملام فلو أحببت لم تلم
فتابعه البوصيري فقال:
يا لائمي في الهوى العذري معذرة ... مني إليك ولو أنصفت لم تلم
كما تابع شوقي البوصيري حين قال:
يا لائمي في هواه والهوى قدر ... لو مسك الشوق لم تعذل ولم تلم
стр. 15
وقال ابن الفارض:
طوعا لقاض أتى في حكمه عجبا ... أفتى بسفك دمي في الحل والحرم
أصم لم يسمع الشكوى وأبكم لم ... يحر جوابا وعن حال المشوق عمي
فدار البوصيري حول هذا المعنى إذ قال:
عدتك حالي لا سري بمستتر ... عن الوشاة ولا دائي بمنجسم
محضتني النصح لكن لست أسمعه ... إن المحب عن العذال في صمم
٢- وتشمل البردة على عدة عناصر:
١- ففي صدرها النسيب.
٢- ويليه التحذير من هوى النفس.
٣- ثم مدح الرسول.
٤- والكلام عن مولده ومعجزاته.
٥- ثم القرآن.
٦- الإسراء والمعراج.
٧- والجهاد.
٨- ثم التوسل والمناجاة.
* وأما أثرها في التأليف، فيظهر فيما وضع لها من الشروح «١» ، فقد شرحها ابن الصائغ المتوفى سنة ٧٧٦ وشرحها علي بن محمد القلصايّ- بفتحات- المتوفى سنة ٨٩١، وشرحها شهاب الدين بن العماد المتوفى سنة ٨٠٨ وشرحها الشيخ خالد الأزهري المتوفى سنة ٩٠٥، وشرحها علاء الدين البسطامي المتوفى سنة ٨٧٥ وشرحها يوسف بن أبي اللطف القدسي المتوفى بعد الألف للهجرة. وشرحها يوسف البسطامي من علماء القرن التاسع،
стр. 16
وشرحها ملّا علي المتوفى سنة ١٠١٤ وشرحها شيخ زاده محي الدين.
ولكن أقدم نسخة من شرحه يرجع تاريخها إلى سنة ٩٤٩ وشرحها جلال الدين المحلى المتوفى سنة ٨٦٤، وشرحها محمد بن أحمد المرزوقي المتوفى سنة ٨٨١. وشرحها عبد الحق بن عبد الفتاح من علماء القرن الثاني عشر وشرحها زكريا الأنصاري المتوفي سنة ٩٢٦ وشرحها عمر الخرنوبي من علماء القرن الثالث عشر. وشرحها القسطلاني المتوفي سنة ٩٢٣ وهو شارح البخاري وشرحها محمد بن مصطفى المدني من علماء القرن الثاني عشر.
د وشرحها محد عثمان المير غني من علماء القرن الثالث عشر، وشرحها الشيخ حسن العدوي الحمزاوي المتوفى سنة ١٣١٣.
وشرحها الباجوري المتوفى سنة ١٢٧٦.
وفي دار الكتب المصرية شروح أخر لم يعرف مؤلفوها.
ولأكثر هذه الشروح أسماء شعرية، والبردة نفسها سماها المؤلف «الكواكب الدرية في مدح خير البرية» .
وعند النظر في هذه الشروح نراها مجموعات نفيسة تزخر بالفقرات اللغوية والأدبية والتاريخية، وشغل هؤلاء الشراح بالأدب واللغة والتاريخ ويرجع الفضل فيه إلى تصوف ذلك الشاعر المجيد.
* وأما أثرها في الدرس، فيتمثل في تلك العناية التي كان يوجهها العلماء الأزهريون إلى عقد الدروس في يومي الخميس والجمعة لدراسة «حاشية الباجوري على البردة» .
وهي دروس كانت تتلقاها جماهير من الطلاب، ويتخيرون لها أوقات الفراغ.
* وأما أثر البردة في الشعر والشعراء، فعظيم جدا، فقد ضمنوها، وشطروها، وخمسوها، وسبعوها، وعشروها، وعارضوها.
стр. 17
ومن الذين ضمنوها الشيخ قاسم (ولم نقف له على ترجمة) :
أمن تذكّر أوطان على علم ... أم من تفقّد جيران بذي سلم
مزجت دمعا جرى كالقطر منهمرا ... يجري على وجنة من مقلة بدم
ومن الذين شطروها- أحمد بن شرقاوي الخلفي- نسبة إلى قرية يقال لها:
الخليفة ملاصقة لمدينة جرجا، وبها توفي في سحر ليلة الجمعة التاسع عشر من شهر ذي القعدة سنة ١٢٥٠ وأول التشطير.
أمن تذكّر جيران بذي سلم ... أصبحت ذا خلد بالوجد مصطلم
أم من تفتّت قلب في الحشا شغفا ... مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
وأحمد بن عبد الوهاب الجرجاوي المتوفي سنة ١٢٥٤ وأول التشطير:
أمن تذكر جيران بذي سلم ... تصبّب الدمع يجري حاكي الدّيم
وأحمد بن عثمان العوامي المدفون بجرجا (ولم يعلم تاريخ وفاته) وأول التشطير:
أمن تذكر جيران بذي سلم ... جزمت أنك مقصور على الألم
وعند ما هاجت الذكرى ولوعتها ... مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
ورمضان حلاوة، من علماء آخر القرن الثالث عشر، وأوائل الرابع عشر، وأول تشطيره:
أمن تذكر جيران بذي سلم ... لبست ثوبا من الأشواق والألم
أم من عيون ظباء بالعقيق بدت ... مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
وأبو الهدى الصيادي، وأحمد الحفظي، وعبد الرحيم الجرجاوي، ومحمد فرغلي الطهطاوي، وشطرها أخيرا سعادة عبد العزيز بك محمد.
ومطلع تشطيره:
أمن تذكر جيران بذي سلم ... فاضت شؤونك ملتاعا لبينهم
أم من فؤادك مكلوما لوحشتهم ... مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
стр. 18
وقد نالته بركتها فعين وزيرا للأوقاف «١» ، ولعله يخمسها فيعين رئيسا للوزراء.
وأما الذين خمسوها فهم كثيرون، وفي دار الكتب المصرية مجموعة في تخاميس البردة تشتمل على تسعة وستين تخميسا، ومن أمثلة ذلك قول ناصر الدين الفيومي:
ما بال قلبك لا ينفك ذا ألم ... مذبان أهل الحمى والبان والعلم
وانحل مدمعك القاني بمنسجم ... أمن تذكر جيران بذي سلم
مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
ولكن لا بد من التنبيه إلى أن الذين خمسوا البردة لم يكونوا جميعا مصريين ففيهم رجال من المغرب والشام والعراق، وفي هذا ما يدل على أنها شغلت الشعراء في أكثر الأقطار العربية.
* ومن الذين سبعوها: شهاب الدين أحمد بن عبد الله المكي، وقد التزام في كل تسبيع لبيت من أبيات البردة أن يذكر لفظ الجلالة، وأول التسبيع:
الله يعلم كم في القلب من ألم ... ومن غرام بأحشائي ومن سقم
على فراق فريق حلّ في الحرم ... فقلت لما همى دمعي بمنسجم
على العقيق عقيقا غير منسجم ... أمن تذكر جيران بذي سلم
وسبعها: محمد المصري، وهو من شرّاح البردة، والتزام في التسبيع أن يذكره أوّلا مصدّرا بلفظ (محمد) . كقوله في المطلع.
محمد جاء بالايات والحكم ... مبشرا ونذيرا جملة الأمم
وهو معارضة (للمكي) الذي التزام لفظ الجلالة في أول تسبيع لكل بيت.
* وأما الذين عارضوا البردة، فيعدون بالعشرات، وإن جميع المدائح النبوية التي جاءت بعد البوصيري على الوزن والقافية كان أصحابها مسوقين
стр. 19
بالروح البوصيرية، وأشهر من عارضها أخيرا الشاعر محمود سامي البارودي الذي سمى قصيدته: «كشف الغمة في مدح سيد الأمة» وعدد أبياتها ٤٤٧ بيتا.
والمطلع:
يا رائد البرق يممّ دارة العلم ... واحد الغمام إلى حيّ بذي سلم
وعارضها: الشاعر: أحمد شوقي، وسمى قصيدته (نهج البردة) وقد نظمها في ١٣٢٧ هـ ومطلعها.
ريم على القاع بين البان والعلم ... أحلّ سفك دمي في الأشهر الحرم
* مات البوصيري سنة ٦٩٦ هـ. وبعد موته بسنتين ولد أبو عبد الله محمد بن أحمد المعروف بابن جابر الأندلسي. وكان ضريرا، ورحل إلى المشرق، فدخل مصر والشام، واستوطن حلب ثم رجع إلى الأندلس، فتوفي في البيرة في جمادى الآخرة سنة ٧٨٠ هـ «١» .
وقد افتتن ابن جابر بقصيدة البردة وظهر أثرها في شعره.
وشغل نفسه بمعارضتها، ولكن أيّ معارضة؟ لقد ابتكر فنا جديدا هو «البديعيات» وذلك أن تكون القصيدة في مدح الرسول، ولكن كل بيت من أبياتها يشير إلى فن من فنون البديع» «٢» .
ومطلع هذه البديعية:
بطيبة انزل ويممّ سيّد الأمم ... وانشر له المدح وانثر أطيب الكلم
ووضع (صفي الدين الحلي) المتوفي سنة (٧٥٠ هـ) بديعته (الكافية البديعية في المدائح النبوية) على بحر البسيط وعلى روي الميم المكسورة ومطلعها.
стр. 20
إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم ... واقر السّلام على عرب بذي سلم «١»
وأنشأ (عز الدين الموصلي) المتوفي سنة ٧٨٩ قصيدة بديعية لمعارضة (الحلي) أسماها «التوصل بالبديع، إلى التوسل بالشفيع» .
وجاء العلامة: تقي الدين أبو بكر ابن حجة الحموي. المتوفى سنة ٨٣٧ هـ وصرح بمعارضة، صفي الدين الحلي، وعز الدين الموصلي معا «٢» ، ووضع شرحا مطولا لبديعيته، أسماه «خزانة الأدب وغاية الأرب» .
وجاء (ابن المقري) المتوفى سنة ٨٣٧ هـ فأنشأ بديعية سماها: «الجواهر اللامعة في تجنيس الفرائد الجامعة للمعاني الرائعة» .
وجاء «السيوطي» فعارض «ابن حجة الحموي» ببديعية سماها: «نظم البديع في مدح خير شفيع» .
واندفع الناس في هذا الفن فللسيدة «الباعونية» بديعيتان، و «لأبي الوفاء بن عمر الفرضي» بديعية. وللسيد عبد الهادي الأبياري بديعية، وللشيخ «طاهر الجزائري» بديعية.
ولابن «خير الله الخطيب العمري» بديعية، ولعبد الغني النابلسي، بديعيتان، و «لقاسم بن محمد الحلبي» بديعية، «لصدر الدين الحسيني» بديعية، و «لشعبان الاثاري» بديعية «٣» .
ولأكثر هذه البديعيات شروح فيها الوسيط والوجيز والمبسوط «٤» ، وأكثر هؤلاء الشراح من المتفوقين في العلوم العربية، وفي شروحهم من الفوائد
стр. 21
النحوية والصرفية، والبلاغية، واللغوية والأدبية، والتاريخية. فنون أكثرها من المستملح المستطاب.
ونلاحظ كيف أثرت قصيدة «البردة» في اللغة العربية وكيف ساد سلطانها بين العوام والخاص؟
إن الإخلاص هو الذي مكن البوصيري من ناحية المجد الأدبي، وهو الذي رفعه إلى منزلة الخلود.
стр. 22
المدائح النبوية
المدائح النبوية من فنون الشعر التي أذاعها التصوف، فهي لون من التعبير عن العواطف الدينية الصادقة، وباب من الأدب الرفيع لأنها لا تصدر إلا عن قلوب مفعمة بالصدق والإخلاص.
وأكثر المدائح النبوية قيل بعد وفاة الرسول، وما يقال بعد الوفاة يسمى رثاء، ولكنه في الرسول يسمى مدحا.
كأنهم لحظوا أن الرسول ﷺ موصول الحياة، وأنهم يخاطبونه كما يخاطبون الأحياء، ويمكن القول بأن الثناء على الميت لا يسمى رثاء إلا إذا قيل في أعقاب الموت، ولذلك نراهم يقولون: «قال حسان يرثي»
النبي ﷺ » ليفرقوا بين حالين من الثناء: ما كان في حياة الرسول، وما كان بعد موت الرسول، بخلاف ما يقع من شاعر ولد بعد وفاة النبي ﷺ ، فإن ثناءه عليه مديح لا رثاء، لأن الرثاء يقصد به إعلان التحزن والتفجع، على حين لا يراد بالمدائح النبوية إلا التقرب إلى الله بنشر محاسن الدين والثناء على شمائل الرسول.
والمديح النبوي فن نشأ في البيئات الصوفية، ولأن الذين أجادوا لم يكونوا في الأغلب من فحول الشعراء.
стр. 23
ومن أقدم ما مدح به الرسول ﷺ قصيدة الأعشى التي يقول فيها «١» :
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وعادك ما عاد السليم المسّهدا
وما ذاك من عشق النّساء وإنّما ... تناسيت قبل اليوم خلّة مهددا «٢»
ولكن أرى الدّهر الذي هو خاتر ... إذا أصلحت كفّاي عاد فأفسدا
نبيّ يرى ما لا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا
له صدقات ما تغبّ ونائل ... وليس عطاء اليوم مانعه غدا
إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا
ندمت على ألاتكون كمثله ... وأنك لم ترصد لما كان أرصدا
ولا تقربن جارة إن سرها ... عليك حرام فانكحن «٣» أو تأبّدا «٤»
والقصيدة مروية في كثير من كتب الأدب (الأغاني- والسيرة- وخزانة الأدب) ولكن العجيب من أمرها أن القسم الثاني منها الذي خص فيه النبي بالمدح، أضعف بكثير من القسم الأول، ويبلغ الضعف في أبياته حد الركاكة والتفاهة. ثم هو متأثر ببعض آيات القرآن في معناها أو في ألفاظها، وقد ألم بتعاليم الإسلام إلماما حسنا. بما يناقض زعم الرواة أنه عاد حين علم أن الإسلام يحرم الخمر «٥» .
وذهب الدكتور زكي مبارك إلى أن الأعشى لم يقل هذا الشعر وهو صادق النية في مدح الرسول وإنما كانت محاولة أراد بها التقرب من نبي الإسلام، وآية ذلك أنه انصرف حين صرفته قريش، ولو كان صادقا ما تحول «٦» ...
стр. 24
وكذلك الحال في قصيدة (بانت سعاد) «١» التي قالها كعب بن زهير بن أبي سلمى في مدح الرسول، ولم تنظم إلا في سبيل النجاة من القتل، وحديث ذلك.
أسلم (بجير بن زهير بن أبي سلمى المزنيّ) فاشتد عليه أهله وكان كعب بن زهير، وهو أخوه لأبيه وأمه، شديدا عليه، فلقي بجير النبي ﷺ مهاجرا، فأرسل إليه كعب بن زهير «٢» .
ألا أبلغا عني بجيرا رسالة ... فهل لك فيما قلت بالخيف هل لكا
شربت مع المأمون كأسا روية ... فأنهلك المأمون منها وعلّكا
وخالفت أسباب الهدى وتبعته ... على أيّ شيء ويب غيرك دلّكا
على خلق لم تلف أمّا ولا أبا ... عليه ولم تدرك عليه أخا لكا
فإن أنت لم تفعل فلست باسف ... ولا قائل إمّا عثرت لعالكا
فلما بلغت هذه الأبيات بجيرا أنشدها النبي ﷺ ، فقال صدق! أنا المأمون وإنه لكاذب قال أجل لم يلف عليه أباه ولا أمّه على الإسلام، فأجابه بجير:
من مبلغ كعبا فهل لك في التي ... تلوم عليها باطلا وهي أحزم
إلى الله لا العزّى ولا اللات وحده ... فتنجو إذا كان النجاء وتسلم
لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت ... من النار إلا طاهر القلب مسلم
فدين زهير وهو لا شيء دينه ... ودين أبي سلمى عليّ محرّم
فلما أتاه كتاب (بجير) ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان في حاضره، وقالوا: هو مقتول. ثم أتى رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﵇ لا يعرفه، فجلس بين يديه ثم قال:
يا رسول الله. إن (كعب بن زهير) أتاك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه إن
стр. 25
أنا جئتك به؟ قال نعم قال: فأنا كعب، فوثب رجل من الأنصار فقال: دعني أضرب عنقه، فكفه النبي ﷺ عنه، ثم أنشده القصيدة.
وهذه الظروف ترينا أن كعب بن زهير، لم يقل لاميته وهو مأخوذ بعاطفة دينية قوية، تسمو به إلى روح التصوف، إنما هي قصيدة من قصائد المديح يقولها الشاعر حين يرجو أو يخاف وليست من المدائح النبوية في شيء.
تقع لامية «١» كعب في خمسة وخمسين بيتا، من الشعر المحكم الرصين.
وإن خلت من قوة الروح، وتجري على التقاليد الأدبية لشعراء الجاهلية، ومطلعها «٢» .
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيّم إثرها لم يجز مكبول
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... إلا أغنّ غضيض الطرف مكحول
ويقول:
إن الرسول لسيف يستضاء به ... مهنّد من سيوف الله مسلول
في عصبة من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا
زالوا فما زال أنكاس ولا كشف ... عند اللقاء ولا ميل معازيل
شم العرانين أبطال لبوسهم ... من نسج داود في الهيجا سرابيل
بيض سوابع قد شكّت لها حلق ... كأنها حلق القفعاء مجدول
يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم ... ضرب إذا عرّد السود التنابيل
لا يقع الطعن إلا في نحورهم ... ما إن لهم عن حياض الموت تهليل
فهي قصيدة جاهلية تغلب عليها قوة السبك، ولكنها تكاد تخلو من روح الدين «٣» ولا غرابة في ذلك، فإن كعب بن زهير، لم يمدح الرسول إلا لينجو
стр. 26
من الموت، ومن كان في مثل حاله لا ينتظر منه صدق الثناء «١» . وبعد الأعشى وكعب، حسان بن ثابت، وهذا الشاعر كان أكبر شعراء الرسول ويمتاز بالصدق والإخلاص فقد كان يمدح ويقارع خصومه على الطرائق الجاهلية، وكان الرسول أوصاه أن يتعلم الأنساب من (أبي بكر) ليكون شعره أوجع في الهجاء.
وأقوى قصيدة في مدائح حسان هي العينية، فهو يقارع الخصوم ويلاحيهم، ويتخذ مدح الرسول ومدح أهله سنادا لما عمد إليه من المقارعة والملاحاة، وفيها يقول «٢» :
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... إذا تفرقت الأهواء الشيع
أهدي لهم مدحي قلب يؤازره ... إن جدّ بالناس جدّ القول أو شمعوا
وهذه القصيدة تمجيد لأتباع الرسول ﷺ ، والشاعر مدفوع إليها بقوة العصبية وليس فيها روح الدين إلا إشارته إلى وحي القلب. ويظهر لنا أثر الشجاعة الصوفية عند الفرزدق حين مدح علي بن الحسين، في حضرة هشام بن عبد الملك، وقوله حين رفض العطية مدحته لله تعالى لا للعطاء.
قال الفرزدق «٣» :
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلّهم ... هذا التقيّ النقيّ الطاهر العلم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجدّه أنبياء الله قد ختموا
ويقرن الشاعر شكر الله، بشكر آل البيت، ويرى أن حبهم دين، وبغضهم كفر والمدح لله هو عين التصوف.
стр. 27
ويمكن القول بأن مدح الفرزدق للنبي وأهله هو بداية الصدق في المدائح النبوية.
وهناك شعراء قضوا أعمارهم في الدفاع عن أهل البيت، ولقوا في ذلك من المحن والمكاره ما يدل على نصيبهم من صدق الوجدان: أمثال الكميت، ودعبل، وأبي الطفيل «١» ، وهناك شعراء لم يقفوا حياتهم على هذا الفن، ولكن كانت لهم فيه مواقف موصولة بصدق اليقين. أمثال الشريف الرضي، ومهيار.
وهناك شعراء أطالوا القول في مدح أهل البيت، وهم شعراء الدولة الفاطمية، ولكن هؤلاء صدقهم مشوب بروح النفع: لأن الفاطميين كانوا أقاموا ملكا عظيما في مصر والمغرب، وانتصارهم كاف لتشكيكنا في عواطف من مدحوهم من الشعراء.
وليس معنى ذلك أن مدح المنتصر يخلو من الصدق، لا. ولكن معناه أنه بعيد عن التصوف، لأنه متهم بحب النفع، وهيهات أن يقف مثل الشاعر ابن هانىء الأندلسي في صف شاعر مثل الكميت! وإن علامة التصوف هي الشجاعة والشجاعة لا يحتاج إليها إلا في مواطن الخوف، وهي عندئذ دليل على حفظ العهد، وصدق اليقين.
* درج معرب البردة على قوله (متعلق) بعد كل جار ومجرور، فجعلتها متعلقان، ويبدو أن المؤلف (المعرب) ينطلق في هذا من الأخذ بأن الجار والمجرور يشكلان شيئا واحدا فهما كالكلمة الواحدة.
* ما بين قوسين [ ... ] زيادة ليست في الأصل وإنما ضرورة اقتضاها العمل في ذلك.
стр. 28
* كلمات كثيرة جعلها المعرب بالياء مثل النايب، القصايد، وساير بدلا من النائب والقصائد وسائر.
* ويعلق (كيف) أخذا بكلام سيبويه. في البيت السادس وفي البيت الثالث والثلاثين ونجد أن المعرب يأخذ برأي البصريين كما في البيت (٢٠) .
* (وإن هي استحلت المرعى....) .
стр. 29
التأثر بإعراب البردة
يبدو أن الأزهري أخذ من المؤلف (المعرب) لأننا نشاهد في كثير من الإعراب بأن الكلمات واحدة.
* في البيت الرابع يذهب معرب البردة (بين) منصوب على الظرفية ويقول الأزهري: منصوب على الظرفية المكانية ص ٨.
ويقع الناسخ في الوهم حينما يقول: في البيت الخامس (وجملة لم ترق ومعوليها ... ) فالأصح (ومعولاها) وكذلك الأزهري ص ٨.
* وفي البيت السادس نجد أن المعرب يعلق (كيف) وأيضا يذهب الأزهري إلى ذلك، بينما الباجوري لا يعلقها ص ١٠.
* ويقع الناسخ في الوهم حينما يقول:
في البيت الثامن والعشرين (سوى. مفعول أصل) وكذلك الأزهري.
والأصح مفعول (أصلي) ص ٢٢.
* وفي البيت الثالث والثلاثين. يأخذ المعرب برأي سيبويه في إعراب (لولاه) والأزهري يأخذ بهذا الرأي أيضا ص ٢٦.
* وفي البيت الأربعين (حدهم) كسر الميم والإشباع (الزبدة في شرح البردة) ص ٦٧.
стр. 30
* (الحكم) جمع حكمة، وهي صواب الأمر وسداده (الزبدة في شرح البردة) ص ٦٧.
* وفي البيت الثالث والأربعين. (مدحا) تمييزا (الزبدة) ص ٦٩.
* وفي البيت الثامن والأربعين (معناه) مضاف إليه مرتين، شرح البردة للأزهري.
في البيت (٦٠) يوم: أي زمن (وهو خبرا لمبتدأ محذوف) عند الأزهري، والغزي.
في البيت (٦٦) عموا وصموا: فعل ماض مبني للفاعل أو للمفعول. (عند الغزي) .
وفي البيت (٧٠) (أبرهة: بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة، وفتح الراء المهملة والصرف للضرورة.
وكذلك (أو عسكر) بالرفع عطفا على أبطال وبالجر عطف على أبرهة.
(الأزهري) .
وفي البيت (٧١) (نبذا) بالمعجمة مفعول مطلق، والناصب له (رمى) لأنه يلاقيه في المعنى، لأن (الرمي) هو النبذ على حد (قعدت جلوسا) (الأزهري) .
* (به بعد) متعلقان (برمى) ولا يجوز تعلقهما (بنبذا) لأن المصدر المؤكد لا يعمل. (الأزهري) .
* في البيت (٧٥) (مبرورة) صفة يمينا المقدرة دل عليها أقسمت (الغزي ص ٩٥) .
* في البيت (٧٧) نجد كلمة (فالصدق) أي: النبي ﷺ مبالغة أو هو على حذف أي: فذو الصدق (الزبدة في شرح البردة) .
* في البيت (٩٠) نجد كلمة (آمال) عند المعرب وكذلك (الأزهري) شرح البردة ص ٥٨.
стр. 31
* في البيت (٩٦) ردت بلاغتها أي: صرفت فصاحتها وجزالتها. (الزبدة في شرح البردة) ص ١٠٩.
* في البيت (٩٧) وفوق: معطوف على كموج، صفة معان المرفوع ونصبه لازم على الظرفية وإن كانت مجازية، ونحوه في التنزيل وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ الزبدة في شرح البردة ص ١١٠.
* وفي البيت (٩٨) (عجائبها) جمع عجيبة، وهي الشيء العديم الظير والعزيز المثيل، والإضافة للبيان، أي: العجائب التي هي معاني الايات (الزبدة) و (الأزهري) .
في البيت (١٠٢) (وكالصراط) معطوف على جملة (التشبيه) عطف صفة على صفة أي: آيات حق كالصراط، أي: الطريق في الوصول إلى المقصود.
في البيت ١٠٣ (تجاهلا) مفعول له أو تمييز أو حال من فاعل ينكرها أي:
متجاهلا بها، (الزبدة في شرح البردة) ص ١١٢.
في البيت (١٠٩) (بها) الهاء: للمنزلة. (والرسل) بالجر، عطف على الأنباء من عطف الخاص على العام وبالرفع عطف على جميع وبالنصب عطف على المفعول معه (شرح البردة للأزهري) .
في البيت (١١١) (شأوا) بفتح الشين المعجمة وسكون الهمزة، وبالواو مفعول (تدع) وأيضا (لمستبق) . (شرح البردة للأزهري) .
في البيت (١١٧) (لما) بفتح اللام وتشديد الميم، حرف وجود لوجود، أو ظرف بمعنى (حين) .
(داعينا) مفعول (دعا) وسكن الياء على لغة من يعرب المنقوص في الأحوال الثلاثة بحركات مقدرة. (الأزهري) .
في البيت (١١٨) نجد نفس الإعراب عند (الأزهري) .
стр. 32
قصيدة البردة «١»
قافية الميم، وقال يمدح النبي، ﷺ ؛ وهي من أشهر شعره. وهذه القصيدة تعرف بالبردة أو بالبرأة. وقد وفد بها على النبيّ، ﷺ ، وهو مريض، فعوفي من وقته وساعته.
١ أمن تذكّر جيران بذي سلم ... مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
٢ أم هبّت الريح من تلقاء كاظمة ... وأومض البرق في الظلماء من إضم
٣ فما لعينيك إن قلت اكففا همتا ... وما لقلبك إن قلت استفق يهم
٤ أيحسب الصّبّ أنّ الحبّ منكتم ... ما بين منسجم منه ومضطرم «٢»
٥ لولا الهوى لم ترق دمعا على طلل ... ولا أرقت لذكر البان والعلم
٦ فكيف تنكر حبّا بعدما شهدت ... به عليك عدول الدّمع والسّقم
٧ وأثبت الوجد خطّي عبرة وضنى ... مثل البهار على خدّيك والعنم «٣»
٨ نعم سرى طيف من أهوى فأرّقني ... والحبّ يعترض اللّذات بالألم
٩ يا لائمي في الهوى العذريّ معذرة ... منّي إليك ولو أنصفت لم تلم
١٠ عدتك حالي لا سرّى بمستتر ... عن الوشاة ولا دائي بمنحسم «٤»
стр. 33
١١ محّضتني النّصح لكن لست أسمعه ... إنّ المحبّ عن العذّال في صمم «١»
١٢ إنّي اتهمت نصيح الشّيب في عذل ... والشّيب أبعد في نصح عن التهم
١٣ فإنّ أمّارتي بالسّوء ما اتّعظت ... من جهلها بنذير الشّيب والهرم «٢»
١٤ ولا أعدّت من الفعل الجميل قرى ... ضيف ألمّ برأسي غير محتشم
١٥ لو كنت أعلم أنّي ما أوقّره ... كتمت سرّا بدا لي منه بالكتم «٣»
١٦ من لي بردّ جماح من غوايتها ... كما يردّ جماح الخيل باللّجم
١٧ فلا ترم «٤» بالمعاصي كسر شهوتها ... إنّ الطّعام يقوّي شهوة النّهم
١٨ والنّفس كالطّفل إن تهمله شبّ على ... حبّ الرّضاع وإن تفطمه ينفطم
١٩ فاصرف هواها وحاذر أن تولّيه ... إنّ الهوى ما تولّى يصم أو يصم «٥»
٢٠ وراعها وهي في الأعمال سائمة ... وإن هي استحلت المرعى فلا تسم «٦»
٢١ كم حسّنت لذّة للمرء قاتلة ... من حيث لم يدر أنّ السّمّ في الدّسم
٢٢ واخش الدّسائس من جوع ومن شبع ... فربّ مخمصة شرّ من التّخم «٧»
٢٣ واستفرغ الدّمع من عين قد امتلأت ... من المحارم والزم حمية النّدم «٨»
٢٤ وخالف النّفس والشّيطان واعصهما ... وإن هما محّضاك النّصح فاتّهم
٢٥ ولا تطع منهما خصما ولا حكما ... فأنت تعرف كيد الخصم والحكم
٢٦ أستغفر الله من قول بلا عمل ... لقد نسبت به نسلا لذي عقم
٢٧ أمرتك الخير لكن ما ائتمرت به ... وما استقمت فما قولي لك استقم
стр. 34
٢٨ ولا تزوّدت قبل الموت نافلة ... ولم أصلّ سوى فرض ولم اصم
٢٩ ظلمت سنّة من أحيا الظّلام إلى ... أن اشتكت قدماه الضّرّ من ورم
٣٠ وشد من سغب أحشاءه وطوى ... تحت الحجارة كشحا مترف الأدم «١»
٣١ وراودته الجبال الشّمّ من ذهب ... عن نفسه فأراها أيّما شمم
٣٢ وأكّدت زهده فيها ضرورته ... إنّ الضّرورة لا تعدو على العصم «٢»
٣٣ وكيف تدعو إلى الدّنيا ضرورة من ... لولاه لم تخرج الدّنيا من العدم
٣٤ محمّد سيّد الكونين ... والثّقلين والفريقين من عرب ومن عجم
٣٥ نبيّنا الامر النّاهي فلا أحد ... أبرّ في قول «لا» منه ولا «نعم»
٣٦ هو الحبيب الذي ترجى شفاعته ... لكلّ هول من الأهوال مقتحم
٣٧ دعا إلى الله فالمستمسكون به ... مستمسكون بحبل غير منفصم
٣٨ فاق النّبيّين في خلق وفي خلق ... ولم يدانوه في علم ولا كرم
٣٩ وكلّهم من رسول الله ملتمس ... غرفا من البحر أو رشفا «٣» من الدّيم
٤٠ وواقفون لديه عند حدّهم ... من نقطة العلم أو من شكلة الحكم «٤»
٤١ فهو الذي تمّ معناه وصورته ... ثمّ اصطفاه حبيبا باريّ النّسم»
٤٢ منزّه عن شريك في محاسنه ... فجوهر الحسن فيه غير منقسم
٤٣ دع ما ادّعته النّصارى في نبيّهم ... واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
٤٤ وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف ... وانسب إلى قدره ما شئت من عظم
٤٥ فإنّ فضل رسول الله ليس له ... حدّ فيعرب عنه ناطق بفم
٤٦ لو ناسبت قدره آياته عظاما ... أحيا اسمه حين يدعى دارس الرّمم
стр. 35
٤٧ لم يمتحنّا بما تعيا العقول به ... حرصا علينا فلم نرتب ولم نهم «١»
٤٨ أعيا الورى فهم معناه فليس يرى ... في القرب والبعد فيه غير منفحم «٢»
٤٩ كالشّمس تظهر للعينين من بعد ... صغيرة وتكلّ الطّرف من أمم «٣»
٥٠ وكيف يدرك في الدّنيا حقيقته ... قوم نيام تسلّوا عنه بالحلم
٥١ فمبلغ العلم فيه أنه بشر ... وأنه خير خلق الله كلّهم «٤»
٥٢ وكلّ آي أتى الرّسل الكرام بها ... فإنما اتّصلت من نوره بهم
٥٣ فإنّه شمس فضل هم كواكبها ... يظهرن أنوارها للناس في الظّلم
٥٤ أكرم بخلق نبيّ زانه خلق ... بالحسن مشتمل بالبشر متّسم «٥»
٥٥ كالزّهر في ترف والبدر في شرف ... والبحر في كرم والدهر في همم
٥٦ كأنّه وهو فرد من جلالته ... في عسكر حين تلقاه وفي حشم
٥٧ كأنّما اللّؤلؤ المكنون في صدف ... من معدني منطق منه ومبتسم
٥٨- لا طيب يعدل تربا ضمّ أعظمه ... طوبى لمنتشق منه وملتثم «٦»
٥٩ أبان مولده عن طيب عنصره ... يا طيب مبتدإ منه ومختتم
٦٠ يوم تفرّس فيه الفرس أنّهم ... قد أنذروا بحلول البؤس والنّقم «٧»
٦١ وبات إيوان كسرى وهو منصدع ... كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم
٦٢ والنّار خامدة الأنفاس من أسف ... عليه والنّهر ساهي العين من سدم «٨»
стр. 36
٦٣- وساء ساوة أن غاضت بحيرتها ... وردّ واردها بالغيظ حين ظمي «١»
كأنّ بالنار ما بالماء من بلل ... حزنا وبالماء ما بالنّار من ضرم «٢»
٦٥ والجنّ تهتف والأنوار ساطعة ... والحقّ يظهر من معنى ومن كلم
٦٦ عموا وصمّوا فإعلان البشائر لم ... تسمع وبارقة الإنذار لم تشم «٣»
٦٧ من بعد ما أخبر الأقوام كاهنهم ... بأنّ دينهم المعوجّ لم يقم
٦٨ وبعد ما عاينوا في الأفق من شهب ... منقضّة وفق ما في الأرض من صنم «٤»
٦٩ حتى غدا عن طريق الوحي منهزم ... من الشياطين يقفو إثر منهزم
٧٠ كأنهم هربا أبطال أبرهة ... أو عسكر بالحصى من راحتيه رمي
٧١ نبذا به بعد تسبيح ببطنهما ... نبذ المسبّح من أحشاء ملتقم
٧٢ جاءت لدعوته الأشجار ساجدة ... تمشي إليه على ساق بلا قدم
٧٣ كأنّما سطرت سطرا لما كتبت ... فروعها من بديع الخطّ في اللّقم
٧٤ مثل الغمامة أنّى سار سائرة ... تقيه حرّ وطيس للهجير «٥» حمي
٧٥ أقسمت بالقمر المنشقّ إنّ له ... من قلبه نسبة مبرورة القسم
٧٦ وما حوى الغار من خير ومن كرم ... وكلّ طرف من الكفّار عنه عمي
٧٧ فالصّدق في الغار والصّدّيق لم ير ما ... وهم يقولون ما بالغار من أرم «٦»
٧٨ ظنّوا الحمام وظنّوا العنكبوت على ... خير البريّة لم تنسج ولم تحم
٧٩ وقاية الله أغنت عن مضاعفة ... من الدّروع وعن عال من الأطم «٧»
٨٠ ما سامني الدّهر ضيما واستجرت به ... إلّا ونلت جوارا منه لم يضم
стр. 37
٨١ ولا التمست غنى الدّارين من يده ... إلّا استلمت النّدى من خير مستلم
٨٢ لا تنكر الوحي من رؤياه إنّ له ... قلبا إذا نامت العينان لم ينم «١»
٨٣ وذاك حين بلوغ من نبوّته ... فليس ينكر فيه حال محتلم «٢»
٨٤ تبارك الله ما وحي بمكتسب ... ولا نبيّ على غيب بمتّهم
٨٥ كم أبرأت وصبا باللّمس راحته ... وأطلقت أربا من ربقة اللّمم «٣»
٨٦ وأحيت السّنة الشّهباء دعوته ... حتى حكت غرّة في الأعصر الدّهم «٤»
٨٧ بعارض جاد أو خلت البطاح بها ... سيب من اليمّ أو سيل من العرم «٥»
٨٨ دعني ووصفي آيات له ظهرت ... ظهور نار القرى ليلا على علم
٨٩ فالدّرّ يزداد حسنا وهو منتظم ... وليس ينقص قدرا غير منتظم
٩٠ فما تطاول آمال المديح إلى ... ما فيه من كرم الأخلاق والشّيم «٦»
٩١ آيات حقّ من الرّحمن محدثة ... قديمة صفة الموصوف بالقدم «٧»
٩٢ لم تقترن بزمان وهي تخبرنا ... عن المعاد وعن عاد وعن إرم
٩٣ دامت لدينا ففاقت كلّ معجزة ... من النّبيّين إذ جاءت ولم تدم
٩٤ محكّمات فما تبقين من شبه ... لذي شقاق وما تبغين من حكم
٩٥ ما حوربت قطّ إلّا عاد من حرب ... أعدى الأعادي إليها ملقي السّلم
٩٦ ردّت بلاغتها دعوى معارضها ... ردّ الغيور يد الجاني عن الحرم
٩٧ لها معان كموج البحر في مدد ... وفوق جوهره فس الحسن والقيم
стр. 38
٩٨ فما تعدّ ولا تحصى عجائبها ... ولا تسام على الإكثار بالسّأم
٩٩ قرّت بها عين قاريها فقلت له ... لقد ظفرت بحبل الله فاعتصم
١٠٠ إن تتلها خيفة من حرّ نار لظى ... أطفأت نار لظى من وردها الشّبم
١٠١ كأنّها الحوض تبيضّ الوجوه به ... من العصاة وقد جاؤوه كالحمم
١٠٢ وكالصّراط وكالميزان معدلة ... فالقسط من غيرها في الناس لم يقم
١٠٣ لا تعجبن لحسود راح ينكرها ... تجاهلا وهو عين الحاذق الفهم
١٠٤ قد تنكر العين ضوء الشّمس من رمد ... وينكر الفمّ طعم الماء من سقم
١٠٥ يا خير من يمّم العافون ساحته ... سعيا وفوق متون الأينق الرّسم «١»
١٠٦ ومن هو الاية الكبرى لمعتبر ... ومن هو النّعمة العظمى لمغتنم
١٠٧ سريت من حرم ليلا إلى حرم ... كما سرى البدر في داج من الظّلم
١٠٨ وبتّ «٢» ترقى إلى أن نلت منزلة ... من قاب قوسين لم تدرك ولم ترك
١٠٩ وقدّمتك جميع الأنبياء بها ... والرّسل تقديم مخدوم على خدم
١١٠ وأنت تخترق السّبع الطّباق بهم ... في موكب كنت فيه صاحب العلم
١١١ حتى إذا لم تدع شأوا لمستبق ... من الدّنوّ ولا مرقى لمستنم «٣»
١١٢ خفضت كلّ مقام بالإضافة إذ ... نوديت بالرّفع مثل المفرد العلم «٤»
١١٣ كيما تفوز بوصل أيّ مستتر ... عن العيون وسرّ أيّ مكتتم
١١٤ فحزت كلّ فخار غير مشترك ... وجزت كلّ مقام غير مزدحم
١١٥ وجلّ مقدار ما ولّيت من رتب ... وعزّ إدراك ما أوليت من نعم
١١٦ بشرى لنا معشر الإسلام إنّ لنا ... من العناية ركنا غير منهدم
١١٧ لمّا دعا الله داعينا لطاعته ... بأكرم الرّسل كنّا أكرم الأمم
стр. 39
١١٨ راعت قلوب العدا أنباء بعثته ... كنبأة أجفلت غفلا من الغنم
١١٩ ما زال يلقاهم في كلّ معترك ... حتى حكوا بالقنا لحما على وضم «١»
١٢٠ ودّوا الفرار فكادوا يغبطون به ... أشلاء شالت مع العقبان والرّخم
١٢١ تمضي اللّيالي ولا يدرون عدّتها ... ما لم تكن من ليالي الأشهر الحرم
١٢٢ كأنّما الدّين ضيف حلّ ساحتهم ... بكلّ قرم إلى لحم العدا قرم «٢»
١٢٣ يجرّ بحر خميس فوق سابحة ... يرمي بموج من الأبطال ملتطم «٣»
١٢٤ من كلّ منتدب لله محتسب ... يسطو بمستأصل للكفر مصطلم «٤»
١٢٥ حتّ غدت ملّة الإسلام وهي بهم ... من بعد غربتها موصولة الرّحم
١٢٦ مكفولة أبدا منهم بخير أب ... وخير بعل فلم تيتم ولم تئم «٥»
١٢٧ هم الجبال فسل عنهم مصادمهم ... ماذا رأى منهم في كلّ مصطدم
١٢٨ وسل حنينا وسل بدرا وسل أحدا ... فصول حتف لهم أدهى من الوخم»
١٢٩ المصدري البيض حمرا بعد ما وردت ... من العدا كلّ مسودّ من اللّمم «٧»
١٣٠ والكاتبين بسمر الخطّ ما تركت ... أقلامهم حرف جسم غير منعجم
١٣١ شاكي السّلاح لهم سيمى تميّزهم ... والورد يمتاز بالسّيمى عن السّلم «٨»
١٣٢ تهدي إليك رياح النّصر نشرهم ... فتحسب الزّهر في الأكمام كلّ كمي
١٣٣ كأنّهم في ظهور الخيل نبت ربا ... من شدّة الحزم لا من شدّة الحزم «٩»
стр. 40
١٣٤ طارت قلوب العدا من بأسهم فرقا ... فما تفرّق بين البهم والبهم «١»
١٣٥ ومن تكن برسول الله نصرته ... إن تلقه الأسد في آجامها تجم
١٣٦ ولن ترى من وليّ غير منتصر ... به ولا من عدوّ غير منقصم «٢»
١٣٧ أحلّ أمّته في حرز ملّته ... كاللّيث حلّ مع الأشبال في أجم
١٣٨ كم جدّلت كلمات الله من جدل ... فيه وكم خصم البرهان من خصم «٣»
١٣٩ كفاك بالعلم في الأميّ معجزة ... في الجاهليّة والتّأديب في اليتم
١٤٠ خدمته بمديح أستقيل به ... ذنوب عمر مضى في الشّعر والخدم
١٤١ إذ قلّداني ما تخشى عواقبه ... كأنّني بهما هدي من النّعم «٤»
١٤٢ أطعت غيّ الصّبا في الحالتين وما ... حصلت إلّا على الاثام والنّدم
١٤٣ فيا خسارة نفس في تجارتها ... لم تشتر الدّين بالدّنيا ولم تسم «٥»
١٤٤ ومن يبع آجلا منه بعاجله ... يبن له الغبن في بيع وفي سلم «٦»
١٤٥ إن آت ذنبا فما عهدي بمنتقض ... من النّبيّ ولا حبلي بمنصرم
١٤٦ فإنّ لي ذمّة منه بتسميتي ... محمدا وهو أوفى الخلق بالذّمم
١٤٧ إن لم يكن في معادي آخذا بيدي ... فضلا وإلّا فقل يا زلّة القدم
١٤٨ حاشاه أن يحرم الرّاجي مكارمه ... أو يرجع الجار منه غير محترم
١٤٩ ومنذ ألزمت أفكاري مدائحه ... وجدته لخلاصي خير ملتزم
١٥٠ ولن يفوت الغنى منه يدا تربت ... إنّ الحيا ينبت الأزهار في الأكم «٧»