← Сира

Сира · id 23653

عيون الأثر

ابن سيد الناس

Полный текст (766 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ذكر صلاته ﵇ أول البعثة قال ابن إسحق: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الصَّلاةَ حِينَ افْتُرِضَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ، فَهَمَزَ لَهُ بِعَقِبِهِ فِي نَاحِيَةِ الْوَادِي، فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ عَيْنٌ، فَتَوَضَّأَ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ لِيُرِيَهُ كَيْفَ الطُّهُورُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا رَأَى جِبْرِيلُ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ قَامَ بِهِ جِبْرِيلُ فَصَلَّى بِهِ وَصَلَّى رَسُول اللَّهِ ﷺ بِصَلاتِهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ جِبْرِيلُ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَدِيجَةَ فَتَوَضَّأَ لَهَا لِيُرِيَهَا كَيْفَ الطُّهُورُ لِلصَّلاةِ كَمَا أَرَاهُ جِبْرِيلُ، فَتَوَضَّأَتْ كَمَا تَوَضَّأَ لها رسول الله ﷺ ثُمَّ صَلَّى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا صَلَّى بِهِ جِبْرِيلُ، فَصَلَّتْ بصلاته. كذا ذكره ابن إسحق مَقْطُوعًا، وَقَدْ وَصَلَهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَة: ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي أَوَّلِ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَعَلَّمَهُ الْوُضُوءَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْوُضُوءِ أَخَذَ غُرْفَةً من ماء فنضح [١] بها فرجه، قاله السُّهْيَلِيُّ. وَقَدْ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيِّ عَنْ حَسَّانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِسَنَدِهِ بِمَعْنَاهُ. وَقَدْ رُوِيَ نحوه من الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مِنَ الْفَرِيضَةِ. وَعَنْ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ: فَرَضَ اللَّهُ فِي أَوَّلِ الإِسْلامِ الصَّلاةَ رَكْعَتَيْنِ بِالْغَدَاةِ، وَرَكْعَتَيْنِ بِالْعَشِيِّ، ثُمَّ فَرَضَ الْخَمْسَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ. وَأَمَّا إِمَامَةُ جِبْرِيلَ بِالنَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ الْبَيْتِ لِيُرِيَهُ أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ ابن إسحق وَضَعَهُ هُنَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ لاتِّفَاقِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ كَانَتْ صَبِيحَةَ الإِسْرَاءِ، وَهُوَ بَعْدَ هَذَا بِأَعْوَامٍ كَمَا سَيَأْتِي مُبَيَّنًا عِنْدَ ذِكْرِ أَحَادِيثِ الْمِعْرَاجِ والإسراء إن شاء الله تعالى.

стр. 107

ذكر أَوَّلُ النَّاسِ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ وَأَوَّلُ النَّاسِ إِيمَانًا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ فِيمَا أَتَتْ بِهِ الآثَارُ وَذَكَرَهُ أَهْلُ السِّيَرِ وَالأَخْبَارِ مِنْهُمُ ابْنُ شِهَابٍ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا. وَرُوِّينَا عَنِ الدَّوْلابِيِّ ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ الْحَلَبِيُّ، ثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي مَنِيعٍ، ثَنَا جَدِّي عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَتْ خَدِيجَةُ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِرَسُول اللَّهِ ﷺ . وَرُوِّينَا عَنِ الدَّوْلابِيِّ أَيْضًا: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ أَبُو الأَشْعَثِ، ثَنَا زُهَيْرُ بْنُ الْعَلاءِ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَتْ خَدِيجَةُ أَوَّلَ مَنْ آمن بالنبي ﷺ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ، وَهُوَ قَوْلُ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وابن إسحق والواقدي والأموي وغيرهم. قال ابن إسحق: كَانَتْ خَدِيجَةُ أَوَّلَ مَنْ آمَنَتْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَصَدَّقَتْ مَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَوَازَرَتْهُ عَلَى أَمْرِهِ، فَخَفَّفَ اللَّهُ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِهِ، فَكَانَ لا يَسْمَعُ شَيْئًا يَكْرَهُهُ، مِنْ رَدٍّ عَلَيْهِ وَتَكْذِيبٍ لَهُ فَيُحْزِنُهُ ذَلِكَ، إِلَّا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا إِذَا رَجَعَ إِلَيْهَا، تُثَبِّتُهُ وَتُخَفِّفُ عَلَيْهِ وَتُصَدِّقُهُ وَتُهَوِّنُ عَلَيْهِ أَمْرَ النَّاسِ حَتَّى مَاتَتْ ﵂. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ يُوسُفَ الْمَزِّيُّ بِقِرَاءَةِ وَالِدِي عَلَيْهِ قَالَ: أَنَا أَبُو حَفْصِ بْنُ طَبَرْزَدَ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: أَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: أنا ابن الشخير قال: أنا إسحق (يَعْنِي ابْنَ مُوسَى الرَّمْلِيُّ) ثَنَا سَهْلُ بْنُ بَحْرٍ، ثَنَا عُبَيْدٌ (يَعْنِي ابْنَ يَعِيشَ) ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: بَشَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ ذَهَبٍ لا صَخَبَ فِيهِ وَلا نَصَبَ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَارِثِيُّ وَيَحْيَى بْنُ أَحْمَدَ الْجرامِيُّ فِي آخَرِينَ قَالُوا: أَنَا أَبُو عبد الله بن الْمَعَالِي قَالَ: أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ السَّعْدِيُّ قَالَ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمِصْرِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَطَّارُ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا

стр. 108

أَسَمْعُ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ الْعَسْكَرِيُّ، ثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ رُزَيْقِ بْنِ جَامِعٍ الْمَدِينِيُّ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ قَالَ: ثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ سُفْيَانُ بْنُ بِشْرٍ الأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ الْبَرِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْد اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ أَوَّلَ يَوْمِ الاثْنَيْنِ، وَصَلَّتْ خَدِيجَةُ ﵂ آخِرَ يَوْمِ الاثْنَيْنِ، وَصَلَّى عَلِيٌّ يَوْمَ الثُّلاثَاءِ مِنَ الْغَدِ الْحَدِيثَ ... ثُمَّ علي بن أبي طالب ﵁، وَاسْمُ أَبِي طَالِبٍ عَبْدُ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ، وَكَانَ عَلِيٌّ أَصْغَرَ مِنْ جَعْفَرٍ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَجَعْفَرٌ أَصْغَرَ مِنْ عُقَيْلٍ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَعُقَيْلٌ أَصْغَرَ مِنْ طَالِبٍ بِعَشْرِ سِنِينَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَرُوِيَ عَنْ سَلْمَانَ وَأَبِي ذَرٍّ وَالْمِقْدَادِ وَخَبَّابٍ وَجَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابن إسحق، وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ شِهَابٍ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: مِنَ الرِّجَالِ بَعْدَ خَدِيجَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الْجَمِيعِ فِي خَدِيجَةِ، وَأَسْلَمَ أَخَوَاهُ جَعْفَرٌ وَعَقِيلٌ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ ابْنَ ثَمَانِ سِنِينَ، وَقِيلَ: عَشَرَةٍ، وَقِيلَ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: خَمْسَ عَشْرَةَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ مِمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ عليه أن كَانَ فِي حِجْرِ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الإِسْلامِ، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا أَصَابَتْهُمْ أَزْمَةٌ شَدِيدَةٌ، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ ذَا عِيَالٍ كَثِيرَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْعَبَّاسِ عَمِّهِ وَكَانَ مِنْ أَيْسَرِ بَنِي هَاشِمٍ: يَا عَبَّاسُ إِنَّ أَخَاكَ أَبَا طَالِبٍ كَثِيرُ الْعِيَالِ، وَقَدْ أَصَابَ النَّاسَ مَا تَرَى مِنْ هَذِهِ الأَزْمَةِ فَانْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ فَلْنُخَفِّفْ مِنْ عِيَالِهِ آخُذُ مِنْ بَنِيهِ رَجُلا وَتَأْخُذُ أَنْتَ رَجُلا فَنكفهما عَنْهُ، قَالَ الْعَبَّاسَ: نَعَمْ، فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتِيَا أَبَا طَالِبٍ فَقَالا: إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نُخَفِّفَ عَنْكَ مِنْ عِيَالِكَ حَتَّى يَنْكَشِفَ عَنِ النَّاسِ مَا هُمْ فِيهِ، وَقَالَ لَهُمَا أَبُو طَالِبٍ: إِذَا تَرَكْتُمَا لِي عُقَيْلا فَاصْنَعَا مَا شِئْتُمَا، وَيُقَالُ عَقِيلا وَطَالِبًا، فأخذ رسول الله ﷺ عَلِيًّا فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، وَأَخَذَ الْعَبَّاسُ جَعْفَرًا فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلِيٌّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَعَثَهُ اللَّهُ نَبِيًّا فَاتَّبَعَهُ عَلِيٌّ وَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ، وَلَمْ يَزَلْ جَعْفَرٌ عِنْدَ الْعَبَّاسِ حَتَّى أَسْلَمَ وَاسْتَغْنَى عَنْهُ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ بِالإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَطَرٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنَا سَلَمَةُ بن الفضل قال: حدثني محمد بن إسحق عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي الأَشْعَثِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِيَاسِ بْنِ عُفَيْفٍ الْكِنْدِيِّ (وَكَانَ عُفَيْفٌ أخا

стр. 109

الأشعث بن قيس لأمه، وكان ابن عمر عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عُفَيْفٍ الْكِنْدِيِّ) قَالَ: كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِي صَدِيقًا، وَكَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى الْيَمَنِ يَشْتَرِي الْعِطْرَ وَيَبِيعُهُ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ، فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَ الْعَبَّاسِ بِمِنًى فَأَتَاهُ رَجُلٌ مُجْتَمِعٌ، فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَخَرَجَتِ امْرَأَةٌ فَتُوَضَّأَتْ ثُمَّ قَامَتْ تُصَلِّي، ثُمَّ خَرَجَ غُلامٌ قَدْ رَاهَقَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى جَنْبِهِ يُصَلِّي، فَقُلْتُ: وَيْحَكَ يَا عَبَّاسُ مَا هَذَا الدِّينُ؟ قَالَ: هَذَا دِينُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَخِي، يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ رَسُولا، هَذَا ابْنُ أَخِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَدْ تَابَعَهُ عَلَى دِينِهِ، وَهَذِهِ امْرَأَتُهُ خَدِيجَةُ قَدْ تَابَعَتْهُ عَلَى دِينِهِ، فَقَالَ عُفَيْفٌ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ وَرَسَخَ فِي الإِسْلامِ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ رَابِعًا. وذكر ابن إسحق عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ خَرَجَ إِلَى شِعَابِ مَكَّةَ وَخَرَجَ مَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مُسْتَخْفِيًا مِنْ أَبِي طَالِبٍ وَمِنْ جَمِيعِ أَعْمَامِهِ وَسَائِرِ قَوْمِهِ فَيُصَلِّيَانِ الصَّلَوَاتِ فِيهَا، فَإِذَا أَمْسَيَا رَجَعَا كَذَلِكَ فَمَكَثَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَا، ثُمَّ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ عَثَرَ عَلَيْهِمَا يَوْمًا وَهُمَا يُصَلِّيَانِ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يا ابن أَخِي مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي أَرَاكَ تَدِينُ بِهِ؟ قَالَ: «أَيْ عَمِّ هَذَا دِينُ اللَّهِ، وَدِينُ مَلائِكَتِه وَرُسُلِهِ، وَدِينُ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ» أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ : «بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ رَسُولا إِلَى الْعِبَادِ، وَأَنْتَ أَيْ عَمِّ أَحَقُّ مَنْ بَذَلْتُ لَهُ النَّصِيحَةَ، وَدَعَوْتُهُ إِلَى الْهُدَى، وَأَحَقُّ مَنْ أَجَابَنِي إِلَيْهِ وَأَعَانَنِي عَلَيْهِ» أَوْ كَمَا قَالَ، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: أَيِ ابْنَ أَخِي إِنِّي لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُفَارِقَ دِينَ آبَائِي وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لا يَخْلُصُ إِلَيْكَ بِشَيْءٍ تَكْرَهُهُ مَا بَقِيتُ. وَذَكَرُوا أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ: أَيْ بُنَيَّ مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: يَا أَبَتِ آمَنْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ، وَصَدَّقْتُ بِمَا جَاءَ بِهِ، وَصَلَّيْتُ مَعَهُ لِلَّهِ وَاتَّبَعْتُهُ، فَزَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَمَا أَنَّهُ لَمْ يَدْعُكَ إلا إلى خير فالزمه. قال ابن إسحق: ثُمَّ أَسْلَمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ شَرَاحِيلَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَامِرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ عَوْفِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُذْرَةَ بْنِ زَيْدِ اللَّهِ بْنِ رُفَيْدَةَ بْنِ ثَوْرِ بْنِ كَلْبِ بْنِ وَبْرَةَ (كَذَا عِنْدَ ابْنِ هِشَامٍ الكلبي) مَوْلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ . فَكَانَ أَوَّلَ ذَكَرٍ أَسْلَمَ وَصَلَّى بَعْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ زَيْدٌ أَصَابَهُ سِبَاءٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَاشْتَرَاهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ لِعَمَّتِهِ خديجة بنت خويلد، بأربعمائة دِرْهَمٍ، ثُمَّ وَهَبَتْهُ خَدِيجَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ، وَتَتَبَّعَ أَهْلُهُ خبره

стр. 110

حَتَّى دُلُّوا عَلَيْهِ فَأَتَوْا فِي طَلَبِهِ، فَخَيَّرَهُ رسول الله ﷺ بين الْمُكْثِ عِنْدَهُ أَوِ الرُّجُوعِ مَعَ أَهْلِهِ، فَاخْتَارَ رسول الله ﷺ فأقام عِنْدَهُ وَخَبَرُهُ بِذَلِكَ مَشْهُورٌ. ثُمَّ أَسْلَمَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ ﵁ وَاسْمُهُ: عَتِيقٌ، وَقِيلَ: عَبْد اللَّهِ، وَعَتِيقٌ لَقَبٌ لِحُسْنِ وَجْهِهِ وَعتقِهِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاسْمُ أَبِي قُحَافَةَ عُثْمَانُ بْنُ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، فَلَمَّا أَسْلَمَ أَظْهَرَ إِسْلامَهُ وَدَعَا إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ مَأْلَفًا لِقَوْمِهِ مُحَبَّبًا سَهْلا، وَكَانَ أَنْسَبَ قُرَيْشٍ لِقُرَيْشٍ وَأَعْلَمَهُمْ بِهَا وَبِمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَكَانَ تَاجِرًا ذَا خُلُقٍ وَمَعْرُوفٍ، فَكَانَ رِجَالُ قَوْمِهِ يَأْتُونَهُ وَيَأْلَفُونَهُ لِتِجَارَتِهِ وَحُسْنِ مُجَالَسَتِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَجَعَلَ يَدْعُو إِلَى الإِسْلامِ مَنْ وَثَقَ بِهِ مِنْ قَوْمِهِ مِمَّنْ يَغْشَاهُ وَيَجْلِسُ إِلَيْهِ، فَأَسْلَمَ بِدُعَائِهِ فِيمَا بَلَغَنِي عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي العاص ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بْنِ قُصَيِّ، بْنِ كِلابِ بْنِ مُرَّةَ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلابِ بْنِ مُرَّةَ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَاسْمُ أَبِي وَقَّاصٍ مَالِكُ بْنُ وُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلابٍ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ، فَجَاءَ بِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ اسْتَجَابُوا لَهُ فَأَسْلَمُوا وَصَلَّوْا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِيمَا بَلَغَنِي: «مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إِلَى الإِسْلامِ إِلَّا كَانَتْ فِيهِ عِنْدَهُ كَبْوَةٌ وَنَظَرٌ وَتَرَدُّدٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ مَا عَكَمَ عَنْهُ حِينَ ذَكَرْتُهُ لَهُ وَمَا تَرَدَّدَ فِيهِ» . قَالَ: فَكَانَ هَؤُلاءِ النَّفَرُ الثَّمَانِيَةُ الَّذِينَ سَبَقُوا النَّاسَ بِالإِسْلامِ فَصَلَّوْا وَصَدَّقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَصَدَّقُوا مَا جَاءَهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ بْنِ هِلالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الأَسَدِ بْنِ هِلالِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَالأَرْقَمُ بْنُ أَبِي الأَرْقَمِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عبد الله ابن عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وُهَيْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَأَخَوَاهُ قُدَامَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ. وَعُبَيْدَةُ بْنُ الحرث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بْنِ كِلابٍ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رِيَاحِ بن عبد الله بن قرط بن رزاح بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَعِنْدَ ابْنِ هِشَامٍ تَقْدِيمُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطِ على رِيَاحٍ، وَامْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ

стр. 111

الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلٍ الْمَذْكُورِ. وَأَسْمَاءُ ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ، وَعَائِشَةُ أُخْتُهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ، وَخَبَّابُ بْنُ الأَرَتِّ بْنِ جَنْدَلَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ الْخُزَاعِيُّ ولاء الزهري حلفا وَعُمَيْرُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَخُو سَعْدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ غَافِلِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ شَمْخِ بْنِ فَارِ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ هَالَةَ بن كاهل بن الحرث بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ، وَعِنْدَ ابْنِ هِشَامٍ فِيهِ خِلافٌ مَا ذَكَرْنَاهُ حَلِيفَ بَنِي زُهْرَةَ، وَمَسْعُودُ بْنُ رَبِيعَةَ القارئ ابن عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ جمالة بن غالب بن ملحم بن عائذة بْنِ سُبَيْعِ بْنِ الْهَوْنِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ الْقَارَةِ، وَسُلَيْطُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَامْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ سَلامَةَ بْنِ مَخْرَبَةَ بْنِ جَنْدَلِ بْنِ أبير بن نهشل بن دارم الدرامية التَّمِيمِيَّةُ، وَخُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ الْعَنْزِيُّ (بِإِسْكَانِ النُّونِ) وَهُوَ فِيمَا ذكر ابن الكلبي: عامر بن ربيعة الأغر بن حُجَيْرِ بْنِ سَلامَانَ بْنِ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ الأَكْبَرِ بْنِ رُفَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ عَنْزُ بْنُ وَائِلِ بْنِ قَاسِطِ بْنِ هِنْبِ بْنِ أَفْصَى بْنِ دُعْمِيِّ بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ حَكَاهُ الرّشاطِيُّ. قَالَ: وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ فِي نَسَبِهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا لا يَتَحَصَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَهُوَ حَلِيفُ آلِ الْخَطَّابِ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ وَأَخُوهُ أَبُو أَحْمَدَ حَلِيفَا بَنِي أُمَيَّةَ، وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَامْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ قُحَافَةَ مِنْ خَثْعَمٍ، كَذَا هو عند ابن إسحق، وَعِنْدَ أَبِي عُمَرَ: أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسِ بْنِ معد بن الحرث بن تميم بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ قُحَافَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نِسْرِ بْنِ وَهْبِ اللَّهِ بْنِ شَهْرَانَ بْنِ عِفْرِسِ بْنِ حلف بْنِ أَفْتَلَ وَهُوَ جَمَاعَةُ خَثْعَمِ بْنِ أَنْمَارٍ عَلَى اخْتِلافٍ فِي أَنْمَارٍ. وَقِيلَ أَسْمَاءُ بِنْتُ عميس بن مالك بن النعمان ابن كعب بْنِ قُحَافَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ زَيْدِ بْنِ نسر بن وهب الله، وحاطب بن الحرث بن معمر ابن حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، وامرأته فاطمة بنت المحلل بْنِ عَبْد اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَأَخُوهُ خَطَّابٌ وامرأته فكيهة بنت يسار، ومعمر بن الحرث بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حذافة بن جُمَحَ. وَالسَّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَالْمُطَّلِبُ بْنُ أَزْهَرَ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ بن

стр. 112

الحرث بْنِ زُهْرَةَ، وَامْرَأَتُهُ رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي عَوْفِ بْنِ صُبَيْرَةَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سهم بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَالنَّحَّامُ نعيم بن عبد الله بن أسيد بْنِ عَبْد اللَّهِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَامْرَأَتُهُ أَمِينَةُ بِنْتُ خَلَفِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ بْنِ سُبَيْعِ بْنِ خَثْعَمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ مَلِيحِ بْنِ عَمْرِو بْنِ خُزَاعَةَ. وَحَاطِبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، وَأَبُو حُذَيْفَةَ مُهَشّمُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَوَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عُرَيْنِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ حَلِيفُ بَنِي عَدِيٍّ، وَخَالِدٌ وَعَامِرٌ وَعَاقِلٌ وَإِيَاسٌ بَنُو الْبُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ نَاشِبِ بْنِ غِيَرَةَ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ حُلَفَاءُ بَنِي عَدِيٍّ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرِ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ الْحُصَيْنِ بْنِ الْوَدِيمِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَامِرٍ الأَكْبَرِ بْنِ يَامِ بْنِ عَنْسِ وَهُوَ زَيْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أُدَدَ وَمَالِكٌ جماع مَذْحَجَ حَلِيفُ بَنِي مَخْزُومٍ، وَصُهَيْبُ بْنُ سِنَانِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ عُقَيْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ جَنْدَلَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَوْسِ مَنَاةَ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ، كَذَا هُوَ عِنْدَ ابْنِ الْكَلْبِيِّ، وَعِنْدَ أَبِي عُمَرَ: سِنَانُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ عُقَيْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ جَنْدَلَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ: إِلَى هُنَا نسب ابن سحق، وَنَسَبَهُ الْوَاقِدِيُّ وَخَلِيفَةُ وَابْنُ الْكَلْبِيِّ وَغَيْرُهُمْ فَقَالُوا: صُهَيْبُ بْنُ سِنَانِ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ طُفَيْلِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: ابْنُ سُفْيَانَ بْنِ جَنْدَلَةَ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ أَوْسِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ مِنَ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ، يُقَالُ لَهُ: الرُّومِيُّ، وَكَانَ مَوْلًى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ. وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ فِي السَّابِقِينَ: أَبَا ذَرٍّ جُنْدُبَ بْنَ جُنَادَةَ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ حرام بن غفار بن مليل بن خمرة بن بكر عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَأَبَا نَجِيحٍ السُّلَمِيَّ عَمْرَو بْنَ عَبْسَةَ بْنِ مُنْقِذِ بْنِ خَالِدِ بن حذيفة بن عمر خَلَفِ بْنِ مَازِنِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ بَهْثَةَ بْنِ سُلَيْمٍ، وَمَازِنَ بْنَ مَالِكٍ، أَمَةَ بَجْلَةَ بِنْتِ هَنَاءَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ فَهْمٍ، وَإِلَيْهَا يُنْسَبُ الْبَجْلِيُّ (بِسُكُونِ الْجِيمِ) ذَكَرَهُ كَذَلِكَ الرّشَاطِيُّ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عُمَرَ فِي نَسَبِهِ غَيْرُ ذَلِكَ وَصَحَّحَ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عُمَرَ فِي نَسَبِهِ: غَاضِرَةُ بْنُ عَتَّابٍ، وَزَعَمَ أَنَّهُ خَطَأٌ، وَأَنَّ الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ النَّسَبِ نَاضِرَةُ بْنُ خَفَّافٍ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَلَكِنَّهُمَا يَعْنِي أَبَا ذَرٍّ وَأَبَا نَجِيحٍ رَجَعَا إِلَى بِلادِ

стр. 113

قَوْمِهِمَا وَذَكَرَ فِيهِمْ عُتْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ أَخَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَكَانَ سَبَبَ إِسْلامِ عبد الله بن مسعود ﵁ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ الصَّوَّافِ بِالسَّنَدِ الْمُتَقَدِّمِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحمد بن حنبل، رويناه مِنْ طَرِيقِ الطَّبَرَانِيِّ فِي مُعْجَمِهِ الصَّغِيرِ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ قَالا: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الشَّامِيُّ وَاللَّفْظُ لِلأَوَّلِ قَالَ: ثَنَا سَلامٌ أَبُو الْمُنْذِرِ، ثَنَا عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنْتُ فِي غَنَمٍ لآلِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هَلْ عِنْدَكَ لَبَنٌ» ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَلَكِنِّي مُؤْتَمَنٌ، قَالَ: «فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَاةٍ لَمْ يَنْزُ عَلَيْهَا الْفَحْلُ» ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَأَتَيْتُهُ بِشَاةٍ شَصُوصٍ، قَالَ: سَلامٌ، وَهِيَ الَّتِي لَيْسَ لَهَا ضَرْعٌ، فَمَسَحَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَانَ الضَّرْعِ وَمَا لَهَا ضَرْعٌ، فَإِذَا ضَرْعٌ حَافِلٌ مَمْلُوءٌ لَبَنًا، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِصَخْرَةٍ مُنْقَعِرَةٍ فَاحْتَلَبَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَسَقَى أَبَا بَكْرٍ وَسَقَانِي ثُمَّ شَرِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلضَّرْعِ: «اقْلِصْ» ، فَرَجَعَ كَمَا كَانَ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي؟ فَمَسَحَ رَأْسِي وَقَالَ: «بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ فَإِنَّكَ غُلامٌ مُعَلَّمٌ» ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ عَلَى حِرَاءٍ إذا نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ (الْمُرْسَلاتِ) فَأَخَذْتُهَا وَإِنَّهَا لَرَطِبَةٌ بِفِيهِ، أَوْ إِنَّ فَاهُ لَرَطِبٌ بِهَا، فَلا أَدْرِي بِأَيِّ الآيَتَيْنِ خَتَمَ: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ [١] أو فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [٢] وَأَخَذْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعِينَ سُورَةً، وَأَخَذْتُ بَقِيَّةَ الْقُرْآنِ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَبَيْنَا نَحْنُ نِيَامٌ عَلَى حِرَاءٍ أَوْ عَلَى الْجَبَلِ فَمَا نَبَّهَنَا إِلَّا صَوْتُ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنَعَهَا مِنْكُمُ الَّذِي مَنَعَكُمْ مِنْهَا» قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: «حَيَّةٌ خَرَجَتْ مِنْ ناحية الجبل» .

стр. 114

ذكر دُعَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قومه وغيرهم إلى الإسلام قال ابن إسحق: ثُمَّ دَخَلَ النَّاسُ فِي الإِسْلامِ أَرْسَالا مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، حَتَّى فَشَا ذِكْرُ الإِسْلامِ بَمَكَّةَ، وَتَحَدَّثَ بِهِ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أمر رسول الله ﷺ أَنْ يَصْدَعَ بِمَا جَاءَهُ مِنْهُ، وَأَنْ يُنَادِيَ فِي النَّاسِ بِأَمْرِهِ وَيَدْعُو إِلَيْهِ، وَكَانَ مُدَّةُ مَا أَخْفَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْرَهُ وَاسْتَسَرَّ بِهِ إِلَى أَنْ أَمَرَهُ اللَّهُ بِإِظْهَارِهِ ثَلاثَ سِنِينَ فِيمَا بَلَغَنِي مِنْ بَعْثِهِ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُ لَهُ: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [١] ثُمَّ قَالَ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [٢] وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [٣] فَلَمَّا بَادَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْمَهُ بِالإِسْلامِ وَصَدَعَ بِهِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ لَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ قَوْمُهُ، وَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ حَتَّى ذَكَرَ آلِهَتَهُمْ وَعَابَهَا، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ أَعْظَمُوهُ وَنَاكَرُوهُ وَأَجْمَعُوا خِلافَهُ وَعَدَاوَتَهُ ﷺ إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ مِنْهُمْ بِالإِسْلامِ وَهُمْ قَلِيلٌ مُسْتَخْفُونَ، وَحَدِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ، وَمَنَعَهُ وَقَامَ دُونَهُ، وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُظْهِرًا لَهُ لا يَرُدُّهُ عَنْهُ شَيْءٌ، فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أن رسول الله ﷺ لا يَعْتِبُهُمْ مِنْ شَيْءٍ أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ مِنْ فِرَاقِهِمْ وَعَيْبِ آلِهَتِهِمْ، وَرَأَوْا أَنَّ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ قَدْ حَدِبَ عَلَيْهِ، وَقَامَ دُونَهُ، وَلَمْ يُسَلِّمْهُ لَهُمْ، مَشَى رِجَالٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ قَدْ سَبَّ آلِهَتَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَسَفِهَ أَحْلامَنَا، وَضَلَّلَ آبَاءَنَا، فَإِمَّا أَنْ تَكُفَّهُ عَنَّا وَإِمَّا أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَإِنَّكَ على مقل مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ خِلافِهِ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو طَالِبٍ قَوْلا رَفِيقًا، وَرَدَّهُمْ رَدًّا جَمِيلا، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ على ما هو

стр. 115

عَلَيْهِ، يُظْهِرُ دِينَ اللَّهِ وَيَدْعُو إِلَيْهِ ثُمَّ شَرَى الأَمْرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ [١] حَتَّى تَبَاعَدَ الرِّجَالُ وَتَضَاغَنُوا، وَأَكْثَرَتْ قُرَيْشٌ ذِكْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهَا، فَتَذَامَرُوا عَلَيْهِ، وَحَضَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهْمُ مَشَوْا إِلَى أَبِي طَالِبٍ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ إِنَّ لَكَ سِنًّا وَشَرَفًا وَمَنْزِلَةً فِينَا، وَإِنَّا قَدِ اسْتَنْهَيْنَاكَ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ فَلَمْ تَنْهَهُ عَنَّا، وَإِنَّا وَاللَّهِ لا نَصْبِرُ عَلَى هَذَا مِنْ شَتْمِ آبَائِنَا وَتَسْفِيهِ أَحْلامِنَا وَعَيْبِ آلِهَتِنَا حَتَّى تَكُفَّهُ عَنَّا أَوْ نُنَازِلَهُ وَإِيَّاكَ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَمْلِكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ، أَوْ كَمَا قَالَ، ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ، فَعَظُمَ عَلَى أبي طالب قَوْمِهِ وَعَدَاوَتُهُمْ، وَلَمْ يَطِبْ نَفْسًا بِإِسْلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلا خَذْلانِهِ. وَذَكَرَ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا قَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال له: يا ابن أَخِي إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَاءُونِي فَقَالُوا لِي كَذَا وَكَذَا، لِلَّذِي قَالُوا لَهُ، فَابْقِ عَلَيَّ وَعَلَى نَفْسِكَ، وَلا تَحْمِلْنِي مِنَ الأَمْرِ مَا لا أُطِيقُ، فَظَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنه قد بدا لعمه في بَدَاءٌ، وَأَنَّهُ خَاذِلُهُ وَمُسَلِّمُهُ، وَأَنَّهُ قَدْ ضَعُفَ عَنْ نُصْرَتِهِ وَالْقِيَامِ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ: «يَا عَمِّ: وَاللَّهِ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي، وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي، عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الأمر حتى يظهر اللَّهُ وَأَهْلِكُ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ» ، ثُمَّ اسْتَعْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَكَى، ثُمَّ قَامَ، فَلَمَّا وَلَّى نَادَاهُ أَبُو طَالِبٍ فقال: أقبل يا ابن أخي، فأقبل عليه فقال: اذهب يا ابن أَخِي فَقُلْ مَا أَحْبَبْتَ، فَوَاللَّهِ لا أُسَلِّمُكَ لشيء أبدا، ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا حِينَ عَرَفُوا أَنَّ أَبَا طَالِبٍ قَدْ أَبَى خِذْلانَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِسْلامِهِ وَإِجْمَاعِهِ لِفِرَاقِهِمْ فِي ذَلِكَ وَعَدَاوَتِهِمْ، مَشَوْا إِلَيْهِ بِعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا طَالِبٍ: هَذَا عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ، أَنْهَدُ فَتًى فِي قُرَيْشٍ وَأَجْمَلُهُ، فَخُذْهُ فَلَكَ عَقْلُهُ وَنَصْرُهُ، وَاتَّخِذْهُ وَلَدًا، وَأَسْلِمْ إِلَيْنَا ابْنَ أَخِيكَ هَذَا الَّذِي خَالَفَ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ، وَفَرَّقَ جَمَاعَةَ قَوْمِكَ وَسَفَّهَ أَحْلامَهُمْ فَنَقْتُلَهُ، فَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ كَرَجُلٍ، قَالَ: وَاللَّهِ لَبِئْسَ مَا تَسُومُونَنِي، أَتَعْطُونِي ابْنَكُمْ أَغْذُوهُ لَكُمْ وَأُعْطِيكُمُ ابْنِي تَقْتُلُونَهُ؟ هَذَا وَاللَّهِ مَا لا يَكُونُ أَبَدًا، فَقَالَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ: وَاللَّهِ يَا أَبَا طَالِبٍ لَقَدْ أَنْصَفَكَ قَوْمُكَ، وَجَهَدُوا عَلَى التَّخَلُّصِ مِمَّا تَكْرَهُهُ، فَمَا أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تَقْبَلَ مِنْهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ وَاللَّهِ مَا أَنْصَفُونِي، وَلَكِنَّكَ قَدْ أَجْمَعْتَ خِذلانِي، وَمُظَاهَرَةَ الْقَوْمِ عَلَيَّ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ، فَحُقِبَ [٢] الأَمْرُ، وَتَنَابَذَ الْقَوْمُ وبادى بعضهم بعضا،

стр. 116

قَالَ: ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا تَذَامَرُوا [١] بَيْنَهُمْ عَلَى مَنْ فِي الْقَبَائِلِ مِنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ الذي أَسْلَمُوا مَعَهُ، فَوَثَبَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلَى مَنْ فِيهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُعَذِّبُونَهُمْ وَيَفْتِنُونَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَمَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُمْ رَسُولَهُ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ قَامَ أَبُو طَالِبٍ حِينَ رَأَى قُرَيْشًا يَصْنَعُونَ مَا يَصْنَعُونَ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ فَدَعَاهُمْ إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ مَنْعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقِيَامِ دُونَهُ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، وَأَقَامُوا مَعَهُ، وَأَجَابُوهُ إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أَبِي لَهَبٍ. رُوِّينَا عَنْ أَبِي بكر الشافعي، ثنا إسحق بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مَيْمُونٍ الْحَرْبِيُّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ أَبِي الْحُسَامِ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ بْنَ عَبَّاد أَوْ عَيَّادٍ الدُّؤَلِيَّ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ فِي مَنَازِلِهِمْ قبل أن يهاجر إلى المدينة يقول: «يا أيها النَّاسُ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» قَالَ: وَوَرَاءَهُ رَجُلٌ يَقُولُ: يا أيها الناس: وإن هَذَا يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَتْرُكُوا دِينَ آبَائِكُمْ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ؟ فَقِيلَ: أَبُو لَهَبٍ. قَالَ ابن إسحق: ثُمَّ إِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانَ ذَا سِنٍّ فِيهِمْ وَقَدْ حَضَرَ الْمَوْسِمُ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: إِنَّهُ قَدْ حَضَرَ هَذَا الْمَوْسِمُ، وَإِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ سَتَقْدَمُ عَلَيْكُمْ، وَقَدْ سَمِعُوا بِأَمْرِ صَاحِبِكُمْ هَذَا، فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا وَلا تَخْتَلِفُوا فَيَكْذِبُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، قَالُوا: فَأَنْتَ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ فَقُلْ وَأَقِمْ لَنَا رَأْيًا نَقُولُ فِيهِ، قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ فَقُولُوا أَسْمَعْ، قَالُوا: نَقُولُ كَاهِنٌ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا هُوَ بِكَاهِنٍ، لَقَدْ رَأَيْنَا الْكُهَّانَ، فَمَا هُوَ بِزَمْزَمَةِ [٢] الْكَاهِنِ وَلا سَجْعِهِ، قَالُوا: فَنَقُولُ: مَجْنُونٌ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا هُوَ بِمَجْنُونٍ، وَلَقَدْ رَأَيْنَا الْجُنُونَ وَعَرَفْنَاهُ، فَمَا هُوَ بِحَنَقِهِ وَلا تَخَالُجِهِ وَلا وَسْوَسَتِهِ، قَالُوا: فَنَقُولُ: شَاعِرٌ، قَالَ: مَا هُوَ بِشَاعِرٍ، لقد عرفنا الشعر كله، رجزه وهجره وَقَرِيضَهُ وَمَقْبُوضَهُ وَمَبْسُوطَهُ، فَمَا هُوَ بِالشِّعْرِ، قَالُوا: فَنَقُولُ: سَاحِرٌ، قَالَ: مَا هُوَ بِسَاحِرٍ، قَدْ رَأَيْنَا السُّحَّارَ وَسِحْرَهُمْ، فَمَا هُوَ بِنَفْثِهِ وَلَا عَقْدِهِ، قَالُوا: فَمَا تَقُولُ يَا أَبَا عَبْدِ شمس؟ قال:

стр. 117

وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ لَحَلاوَةً، وَإِنَّ أَصْلَهُ لَعَذْقٌ، وَإِنَّ فَرْعَهُ لَجَنَاةٌ، وَمَا أَنْتُمْ بِقَائِلِينَ مِنْ هَذَا شَيْئًا إِلَّا أَعْرِفُ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَإِنَّ أَقْرَبَ الْقَوْلِ فِيهِ لأَنْ تَقُولُوا: سَاحِرٌ جَاءَ بِقَوْلٍ هُوَ سِحْرٌ يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَأَبِيهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَأَخِيهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَعَشِيرَتِهِ، فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ بِذَلِكَ، فَجَعَلُوا يَجْلِسُونَ لِسُبُلِ النَّاسِ حِينَ قَدِمُوا الْمَوْسِمَ لا يَمُرُّ بِهِمْ أَحَدٌ إِلَّا حَذَّرُوهُ إِيَّاهُ، وَذَكَرُوا لَهُ أَمْرَهُ، وَصَدَرَتِ الْعَرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْسِمِ بأمر رسول الله ﷺ ، فَانْتَشَرَ ذِكْرُهُ فِي بِلادِ الْعَرَبِ كُلِّهَا. قَوْلُهُ: لَعَذْقٌ (بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ) اسْتِعَارَةٌ مِنَ النَّخْلَةِ الَّتِي ثَبَتَ أَصْلُهَا وَهُوَ الْعَذْقُ. وَرِوَايَةُ ابْنِ هِشَامٍ لَغَدِقٌ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْغَدِقِ وَهُوَ الْمَاءُ الْكَثِيرُ. قال السهيلي: ورواية ابن إسحق أَفْصَحُ لأَنَّهَا اسْتِعَارَةٌ تَامَّةٌ يُشَبِّهُ آخِرَ الْكَلامِ لأوله.

стр. 118

ذكر مَا لَقَى رَسُول اللَّهِ ﷺ من أذى قومه وصبره وما منّ الله به من حمايته له أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إبراهيم المقدسي وأبو محمد عبد العزيز بن عبد المنعم الحراني قِرَاءَةً عَلَيْهِما وَأَنَا حَاضِرٌ، فَالأَوَّلُ قَالَ: أَنَا أَبُو الْيُمْنِ الْكِنْدِيُّ، وَالثَّانِي قَالَ: أَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَغْدَادِيُّ قَالا: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: أَنَا ابْنُ حَسْنُونٍ قَالَ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ السَّرَّاجُ هُوَ مُوسَى بْنُ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، ثَنَا أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ السَّرْحِ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ بن سعد عن إسحق بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبَانِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: إِنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ إِنْ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا أَنْ أَطَأَ عَلَى عُنُقِهِ، فَخَرَجْتُ إِلَى رسول الله ﷺ حتى دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِ أَبِي جَهْلٍ، فَخَرَجَ غَضْبَانَ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَعَجَّلَ أَنْ يَدْخُلَ مِنَ الْبَابِ، فَاقْتَحَمَ مِنَ الْحَائِطِ فَقُلْتُ: هَذَا يَوْمٌ شَرٌّ نِبْشَتُهُ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ حَتَّى بَلَغَ شَأْنَ أَبِي جَهْلٍ: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [١] قَالَ: فَقَالَ إِنْسَانٌ لأَبِي جَهْلٍ: يَا أَبَا الْحَكَمِ هَذَا مُحَمَّدٌ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَلَا تَرَوْنَ مَا أَرَى، وَاللَّهِ لَقَدْ سَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ عَلَيَّ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آخر السورة سجد. قرأت على الإمام الزاهد أبي إسحق إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ، أَخْبَرَكُمْ أَبُو الْبَرَكَاتِ دَاوُدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنْتَ تَسْمَعُ فَأَقَرَّ بِهِ قَالَ: أَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: أَنَا أَبُو الْغَنَائِمِ عبد الصمد بن علي

стр. 119

مُحَمَّدِ بْنِ الْمَأْمُونِ قَالَ: أَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الدَّارَقُطْنِيُّ، ثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْبَزَّازُ وَمُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْحَضْرَمِيُّ قَالا: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ، ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، ثَنَا عَبْدُ السَّلامِ (هُوَ ابْنُ حَرْبٍ) عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [١] جَاءَتِ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَلَمَّا رَآهَا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا امْرَأَةٌ بَذِيَّةٌ، فَلَوْ قُمْتَ لا تُؤْذِيكَ، قَالَ: إِنَّهَا لَنْ تَرَانِي، فَجَاءَتْ فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ صَاحِبُكَ هَجَانِي، قَالَ: لا، وَمَا يَقُولُ الشِّعْرَ، قَالَتْ: أَنْتَ عِنْدِي تَصْدُقُ، وَانْصَرَفَتْ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ تَرَكَ؟ قَالَ: «لَا. لَمْ يَزَلْ مَلَكٌ يَسْتُرُنِي مِنْهَا بِجَنَاحِهِ» . قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ سَلامَةَ بِدِمَشْقَ، أَخْبَرَكُمْ أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بن محمد بن البن الأسدي قراءة عليه وَأَنْتَ تَسْمَعُ فَأَقَرَّ بِهِ قَالَ: أَنَا جَدِّي، قَالَ: أَنَا الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي الْعَلاءِ قَالَ: أَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي نَصْرٍ قَالَ: أَنَا خَيْثَمَةُ، ثَنَا هِلالٌ (يَعْنِي ابْنَ الْعَلاءِ الرَّقِّيَّ) ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ عَنْ زَيْدٍ هُوَ ابْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ أبي إسحق عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَرِفْقَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَنَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَقَدْ نُحِرَ قَبْلَ ذَلِكَ جَزُورٌ، وَقَدْ بَقِيَ فَرْثُهُ [٢] وَقَذَرُهُ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَلَا رَجُلٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا الْقَذَرِ يُلْقِيهِ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَنَبِيُّ الله ﷺ ساجد، إذا انْبَعَثَ أَشْقَاهَا، فَقَامَ فَأَلْقَاهَا عَلَيْهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَهِبْنَا أَنْ نُلْقِيَهُ عَنْهُ حَتَّى جَاءَتْ فَاطِمَةُ ﵂ فَأَلْقَتْهُ عَنْهُ، فَقَامَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي: اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطأتك عن مُضَرَ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، عَلَيْكَ بِأَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ- وَهُوَ أَبُو جَهْلٍ- وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ» وَرَجُلٌ آخَرُ، ثُمَّ قَالَ: «رَأَيْتُهُمْ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ صَرْعَى بِالطَّوَى طَوَى بَدْرٍ صَرْعَى بِالْقَلِيبِ [٣] » . وأخبرنا ابن الواسطي فيما قرأت عليه

стр. 120

قَالَ: أَنَا ابْنُ مُلاعِبٍ قَالَ: أَنَا الأُرْمَوِيُّ قَالَ: أَنَا ابْنُ الْمَأْمُونِ، ثَنَا الدَّارَقُطْنِيُّ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ الأَزْدِيُّ، ثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو يَحْيَى هَارُونُ بْنُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَبْد اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عن أبيه عن جده عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنْ أَبِيهِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: أَكْثَرُ مَا نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رسول الله ﷺ إني رَأَيْتُ يَوْمًا قَالَ عَمْرٌو: فَرَأَيْتُ عَيْنَيْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ زَرَفَتَا مِنْ تَذَكُّرِ ذَلِكَ، قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَدُهُ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ، وَفِي الْحَجَرِ ثَلاثَةُ نَفَرٍ جُلُوسٌ: عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا حَاذَاهُمْ أَسْمَعُوهُ بَعْضَ مَا يَكْرَهُ، فَعُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى وَسَطْتُهُ، فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَدْخَلَ أَصَابِعَهُ فِي أَصَابِعِي حَتَّى طُفْنَا جَمِيعًا، فَلَمَّا حَاذَاهُمْ قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللَّهِ لا نُصَالِحُكَ، مَا بَلَّ بَحْرٌ صُوفَةً وَأَنْتَ تَنْهَى أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «إني ذَلِكَ» ثُمَّ مَضَى عَنْهُمْ فَصَنَعُوا بِهِ فِي الشَّوْطِ الثَّالِثِ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي الشَّوْطِ الرَّابِعِ نَاهَضُوهُ، وَوَثَبَ أَبُو جَهْلٍ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ بِمَجَامِعِ ثَوْبِهِ، فَدَفَعْتُ فِي صَدْرِهِ فَوَقَع عَلَى اسْتِهِ، وَدَفَعَ أَبُو بَكْرٍ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، ثُمَّ انْفَرَجُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ وَاقِفٌ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَا وَاللَّهِ لا تَنْتَهُونَ حَتَّى يَحِلَّ بِكُمْ عِقَابُهُ عَاجِلا» قَالَ عُثْمَانُ: فَوَاللَّهِ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا أَخَذَهُ أَفْكَلٌ [١] وَهُوَ يَرْتَعِدُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بِئْسَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ» ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى بَيْتِه، وَتَبِعْنَاهُ خَلْفَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَابِ بَيْتِهِ، وَوَقَفَ عَلَى السُّدَّةِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «أَبْشِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ دِينَهُ، وَمُتِمٌّ كَلِمَتَهُ، وَنَاصِرٌ نَبِيَّهُ، إِنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَرَوْنَ مِمَّا يَذْبَحُ اللَّهُ بِأَيْدِيَكُمْ عَاجِلا» ثم انصرفنا إلى بيوتنا، فوالله لقد رأيتم قد ذبحهم الله بأيدينا» . ومن ذَلِكَ خَبَرُ إِسْلامِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁: روينا عن ابن إسحق قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ وَكَانَ وَاعِيَةً أَنَّ أَبَا جَهْلٍ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الصَّفَا فَآذَاهُ وَشَتَمَهُ وَنَالَ مِنْهُ بَعْضَ مَا يَكْرَهُ مِنَ الْعَيْبِ لِدِينِهِ، وَالتَّضْعِيفِ لأَمْرِهِ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَمَوْلاةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ فِي مَسْكَنٍ لَهَا تَسْمَعُ ذَلِكَ، ثم انصرف

стр. 121

عَنْهُ، فَعَمِدَ إِلَى نَادِي قَرَيْشٍ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ، فَلَمْ يَلْبَثْ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْ أَقْبَلَ مُتَوَشِّحًا سَيْفَهُ رَاجِعًا مِنْ قَنَصٍ [١] لَهُ، وَكَانَ صَاحِبَ قَنَصٍ يَرْمِيهِ وَيَخْرُجُ لَهُ، وَكَانَ إِذَا رَجَعَ مِنْ قَنَصِهِ لَمْ يَصِلْ إِلَى أَهْلِهِ حَتَّى يَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ، وَكَانَ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَمُرَّ عَلَى نَادِي قُرَيْشٍ إِلَّا وَقَفَ وَتَحَدَّثَ مَعَهُمْ، وَكَانَ أَعَزَّ فَتًى فِي قُرَيْشٍ وَأَشَدَّهُ شَكِيمَةً، فَلَمَّا مَرَّ بِالْمَوْلاةِ وَقَدْ رجع رسول الله ﷺ إِلَى بَيْتِهِ قَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا عُمَارَةَ: لَوْ رَأَيْتَ مَا لَقِيَ ابْنُ أَخِيكَ مُحَمَّدٌ آنِفًا مِنْ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ وَجَدَهُ هَاهُنَا جَالِسًا، فَآذَاهُ وَسَبَّهُ وَبَلَغَ مِنْهُ مَا يَكْرَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ مُحَمَّدٌ، فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به مِنْ كَرَامَتِهِ فَخَرَجَ يَسْعَى وَلَمْ يَقِفْ عَلَى أَحَدٍ مُعِدًّا لأَبِي جَهْلٍ إِذَا لَقِيَهُ أَنْ يَقَعَ بِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ نَظَرَ إِلَيْهِ جَالِسًا فِي الْقَوْمِ فَأَقْبَلَ نَحْوَهُ، حَتَّى إِذَا قَامَ عَلَى رَأْسِهِ رَفَعَ الْقَوْسَ فَضَرَبَهُ بِهَا فَشَجَّهُ شَجَّةً مُنْكَرَةً ثُمَّ قَالَ: أَتْشُتُمُهُ، فَأَنَا عَلَى دِينِهِ أَقُولُ مَا يَقُولُ، فَرُدَّ عَلَيَّ ذَلِكَ إِنِ اسْتَطَعْتَ، فَقَامَتْ رِجَالُ بَنِي مَخْزُومٍ إِلَى حَمْزَةَ لِيَنْصُرُوا أَبَا جَهْلٍ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: دَعُوا أَبَا عُمَارَةَ، فَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ سببت ابن أخيك سَبًّا قَبِيحًا. وَتَمَّ حَمْزَةُ عَلَى إِسْلامِهِ وَعَلَى مَا تَبَايَعَ عَلَيْهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ، فَلَمَّا أَسْلَمَ حَمْزَةُ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَزَّ وَامْتَنَعَ، وَأَنَّ حَمْزَةَ سَيَمْنَعُهُ، فَكَفُّوا عَنْ بَعْضِ مَا كَانُوا يَنَالُونَ مِنْهُ. وَرُوِّينَا عَنِ ابن إسحق قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَكَانَ سَيِّدًا قَالَ يَوْمًا وَهُوَ جَالِسٌ فِي نَادِي قُرَيْشٍ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَلَا أَقُومُ إِلَى مُحَمَّدٍ فَأُكَلِّمَهُ وَأَعْرِضَ عَلَيْهِ أُمُورًا لَعَلَّهُ يَقْبَلُ بَعْضَهَا فَنُعْطِيَهُ أَيَّهَا شَاءَ وَيَكُفَّ عَنَّا، وَذَلِكَ حِينَ أَسْلَمَ حَمْزَةُ وَرَأَوْا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُونَ وَيَزِيدُونَ، فَقَالُوا: بَلَى يَا أَبَا الْوَلِيدِ، فَقُمْ إِلَيْهِ فَكَلِّمْهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ عُتْبَةُ حَتَّى جَلَسَ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا ابن أَخِي، إِنَّكَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ مِنَ السُّلْطَةِ فِي الْعَشِيرَةِ، وَالْمَكَانِ فِي النَّسَبِ، وَإِنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ قَوْمَكَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، فَرَّقْتَ بِهِ جَمَاعَتَهُمْ، وَسَفَّهْتَ بِهِ أَحْلامَهُمْ، وَعِبْتَ بِهِ آلِهَتَهُمْ وَدِينَهُمْ، وَكَفَرْتَ بِهِ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِمٍ، فَاسْمَعْ مِنِّي أَعْرِضْ عَلَيْكَ أُمُورًا تَنْظُرُ فِيهَا لَعَلَّكَ تَقْبَلُ مِنَّا بَعْضَهَا، قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْ: «يا أبا الوليد أسمع» قال: يا ابن أَخِي، إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تُرِيدُ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ هَذَا الأَمْرِ مَالا جَمَعْنَا لَكَ من أموالنا حتى تكون أكثرنا

стр. 122

مَالا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ شَرَفًا سَوَّدْنَاكَ عَلَيْنَا حَتَّى لا نَقْطَعَ أَمْرًا دُونَكَ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ مُلْكًا مَلَّكْنَاكَ عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ رَئِيًّا تَرَاهُ لا تَسْتَطِيعُ رَدَّهُ عَنْ نَفْسِكَ طَلَبْنَا لَكَ الطِّبَّ وَبَذَلْنَا فِيهِ أَمْوَالَنَا حَتَّى نُبْرِئَكَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا غَلَبَ التَّابِعُ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُدَاوَى مِنْهُ أَوْ كَمَا قَالَ لَهُ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ منه عتبة ورسول الله يَسْمَعُ مِنْهُ قَالَ: «أَقَدْ فَرَغْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ» ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاسْمَعْ مِنِّي» قَالَ: أَفْعَلُ، قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [١] ثم مضى رسول الله ﷺ فيها يقرأها عَلَيْهِ، فَلَمَّا سَمِعَهَا عُتْبَةُ مِنْهُ أَنْصَتَ لَهَا وَأَلْقَى يَدَيْهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهَا يَسْمَعُ مِنْهُ ثُمَّ انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى السَّجْدَةِ مِنْهَا فَسَجَدَ ثُمَّ قَالَ: «قَدْ سَمِعْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ مَا سَمِعْتَ، فَأَنْتَ وَذَاكَ» ، فَقَامَ عُتْبَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: نَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ جَاءَكُمْ أَبُو الْوَلِيدِ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ، فَلَمَّا جَلَسَ إِلَيْهِمْ قَالُوا: مَا وَرَاءَكَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ قَالَ: وَرَائِي أَنِّي سَمِعْتُ قَوْلا وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَاللَّهِ مَا هُوَ بِالشِّعْرِ وَلا بِالسِّحْرِ وَلا بِالْكَهَانَةِ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: أَطِيعُونِي وَاجْعَلُوهَا بِي، خَلُّوا بَيْنَ هَذَا الرَّجُلِ وَبَيْنَ مَا هُوَ فِيهِ فَاعْتَزِلُوهُ، فَوَاللَّهِ لَيَكُونَنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْهُ نَبَأٌ، فَإِنْ تُصِبْهُ الْعَرَبُ فَقَدْ كُفِيتُمُوهُ بِغَيْرِكُمْ، وَإِنْ يَظْهَرْ عَلَى الْعَرَبِ فَمُلْكُهُ مُلْكُكُمْ، وَعِزُّهُ عِزُّكُمْ، وَكُنْتُمْ أَسْعَدَ النَّاسِ بِهِ، قَالُوا: سَحَرَكَ وَاللَّهِ يَا أَبَا الْوَلِيدِ بِلِسَانِهِ، قَالَ: هَذَا رَأْيِي فيه فأصنعوا ما بدا لكم. وَرُوِّينَا عَنِ الطَّبَرَانِيِّ، ثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَيَّاشِ بْنِ حَمَّادٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُهَنِيُّ الْحَذَّاءُ الْمَوْصِلِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَرَشِيُّ، ثَنَا أَبُو خَلَفٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى الْخَرَّازُ، ثَنَا داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ قُرَيْشًا دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَنْ يُعْطُوهُ مَالا فَيَكُونَ أَغْنَى رَجُلٍ بِمَكَّةَ، وَيُزَوِّجُوهُ مَا أَرَادَ مِنَ النِّسَاءِ، فَقَالُوا: هَذَا لَكَ عِنْدَنَا يَا مُحَمَّدُ، وَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا وَلا تَذْكُرْهَا بِسُوءٍ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَإِنَّا نَعْرِضُ عَلَيْكَ خَصْلَةً وَاحِدَةً وَلَكَ فِيهَا صَلاحٌ، قَالَ: «ما هي» ؟ قالوا نعبد آلهتنا سنة اللات والعزى وَنَعْبُدُ إِلَهَكَ سَنَةً، قَالَ: حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَأْتِينِي مِنْ رَبِّي، فَجَاءَ الْوَحْيُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ [٢]

стр. 123

السُّورَةَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ : قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ [١] بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [٢] . وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ التِّرْمِذِيِّ: ثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي لأَطَأَنَّ عَلَى عُنُقِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ فَعَلَ لأَخَذَتْهُ الْمَلائِكَةُ عِيَانًا» قَالَ: ثَنَا أَبُو سَعْدٍ الأَشَجُّ، ثَنَا أَبُو خَالِدٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَجَاءَ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا، أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا، فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَزَبَرَهُ [٣] ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا بِهَا نَادٍ أَكْثَرَ مِنِّي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاللَّهِ لَوْ دَعَا نَادِيَهُ لأخذته زبانية الله. وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بن إسحق: اجْتِمَاعَ قُرَيْشٍ وَعَرْضَهُمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا عَرَضُوا عَلَيْهِ مِنَ الأَمْوَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَوْلَهُ ﵇: «مَا جِئْتُ بِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ أَطْلُبُ أَمْوالَكُمْ، وَلا الشَّرَفَ فِيكُمْ، وَلا الْمُلْكَ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ رَسُولا، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ كِتَابًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَكُونَ لَكُمْ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي، وَنَصَحْتُ لَكُمْ، فَإِنْ تَقْبَلُوا مِنِّي مَا جِئْتُكُمْ بِهِ فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أَصْبِرُ لأَمْرِ اللَّهِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ» أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ ، فَقَالُوا لَهُ: فَسَلْ رَبَّكَ أَنْ يُسَيِّرَ عَنَّا هَذِهِ الْجِبَالَ الَّتِي قَدْ ضَيَّقَتْ عَلَيْنَا، وَلْيُبْسِطْ عَلَيْنَا بِلادَنَا، وَلْيَخْرِقْ فِيهَا أَنْهَارًا كَأَنْهَارِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَلْيَبْعَثْ لَنَا مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِنَا، وَلْيَكُنْ فِيمَنْ يُبْعَثُ لَنَا مِنْهُمْ قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ، فَإِنَّهُ كَانَ شَيْخَ صدوق فَنَسْأَلَهُمْ عَنْ مَا تَقُولُ أَحَقٌّ هُوَ أَمْ بَاطِلٌ. وَفِيهِ: وَقَالُوا لَه: سَلْ رَبَّكَ أَنْ يَبْعَثَ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِمَا تَقُولُ، وَيُرَاجِعُنَا عنك، واسئله: فَلْيَجْعَلْ لَنَا جِنَانًا وَقُصُورًا وَكُنُوزًا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ يُغْنِيكَ بِهَا عَمَّا نَرَاكَ تَبْتَغِي، فَإِنَّكَ تَقُومُ بِالأَسْوَاقِ، وَتَلْتَمِسُ الْمَعَاشَ، وَذَكَرَ قَوْلَهُمْ: فَأَسْقِطِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا كِسْفًا كَمَا زَعَمْتَ أَنَّ رَبَّكَ إِنْ شَاءَ يَفْعَلُ، وَقَالَ قَائِلُهُمْ: نَحْنُ نَعْبُدُ الْمَلائِكَةَ وَهِيَ بَنَاتُ اللَّهِ، وَقَالَ قَائِلُهُمْ: لَنْ نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة

стр. 124

قُبَيْلا، وَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّكَ إِنَّمَا، يُعَلِّمُكَ هَذَا رَجُلٌ بِالْيَمَامَةِ يُقَالُ لَهُ الرَّحْمَنُ، وَإِنَّا وَاللَّهِ لَنْ نُؤْمِنَ بِالرَّحْمَنِ أَبَدًا، فَلَمَّا قَالُوا لَهُ ذَلِكَ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمْ وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيُّ وَهُوَ ابْنُ عَمَّتِهِ عَاتِكَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ: وَاللَّهِ لا نُؤْمِنُ بِكَ أَبَدًا حَتَّى تَتَّخِذَ إِلَى السَّمَاءِ سُلَّمًا ثُمَّ تَرْقَى فِيهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْكَ حَتَّى تَأْتِيَهَا، ثُمَّ تَأْتِيَ مَعَكَ بِمَلَكٍ مَعَهُ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ كَمَا تَقُولُ، وَأَيْمُ اللَّهِ إِنْ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ مَا ظَنَنْتُ أَنِّي أُصَدِّقُكَ. وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا معشر قريش إني أعاهد الله لأجلس لَهُ غَدًا بِحَجَرٍ مَا أُطِيقُ حَمْلَهُ، أَوْ كَمَا قَالَ: فَإِذَا سَجَدَ فِي صَلاتِهِ فَضَخْتُ [١] بِهِ رَأْسَهُ، فَأَسْلِمُونِي عِنْدَ ذَلِكَ أَوِ امْنَعُونِي، فَلْيَصْنَعْ بَعْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ مَا بَدَا لَهُمْ، قَالُوا: وَاللَّهِ لا نُسْلِمُكَ لِشَيْءٍ أبدا فامض لما تريد، فلما أصبح أو جَهْلٍ أَخَذَ حَجَرًا كَمَا وَصَفَ، ثُمَّ جَلَسَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُهُ، وَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا كَانَ يَغْدُو، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ احْتَمَلَ أَبُو جَهْلٍ الْحَجَرَ ثُمَّ أَقْبَلَ نَحْوَهُ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُ رَجَعَ مُنْهَزِمًا مُنْتَقِعًا لَوْنُهُ مَرْعُوبًا قَدْ يَبِسَتْ يَدَاهُ عَلَى حِجْرِهِ حَتَّى قَذَفَ الْحَجَرَ مِنْ يَدِهِ، وَقَامَتْ إِلَيْهِ رِجَالُ قُرَيْشٍ فَقَالُوا: مالك يَا أَبَا الْحَكَمِ؟ قَالَ: قُمْتُ إُلَيْهِ لأَفْعَلَ مَا قُلْتُ لَكُمُ الْبَارِحَةَ فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ عَرَضَ لِي دُونَهُ فَحْلٌ مِنَ الإِبِلِ: لا وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَامَتِهِ وَلا قَصَرَتِهِ وَلا أَنْيَابِهِ بِفَحْلٍ قَطُّ فَهَمَّ بِي أَنْ يأكلني، قال ابن إسحق: فَذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ذَلِكَ جِبْرِيلُ لَوْ دَنَا لأخذه» . وذكر في الخبر: بعث قُرَيْشٌ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ كِلْدَةَ، وَبَعَثُوا مَعَهُ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ إِلَى أَحْبَارِ يَهُودَ وَقَالُوا لَهُمَا: سَلاهُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ وَصِفَا لَهُمْ صِفَتَهُ وَأَخْبِرَاهُمْ بِقَوْلِهِ فَإِنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الأَوَّلِ وَعِنْدَهُمْ عِلْمٌ لَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ عِلْمِ الأَنْبِيَاءِ، فَخَرَجَا حَتَّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ وَسَأَلا أَحْبَارَ يَهُودَ فَقَالَتْ لَهُمَا: سَلُوهُ عَنْ ثَلاثٍ، فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِهِنَّ فَهُوَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَالرَّجُلُ مُتَقَوِّلٌ، سَلُوهُ عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدَّهْرِ الأَوَّلِ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُمْ حَدِيثٌ عَجِيبٌ، وَسَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ طَوَّافٍ قَدْ بَلَغَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا مَا كَانَ نَبَؤُهُ، وَسَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ مَا هُوَ، وَإِذَا أَخْبَرَكُمْ بِذَلِكَ فَاتَّبِعُوهُ فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ رَجُلٌ مُتَقَوِّلٌ، فَأَقْبَلَ النَّضْرُ وَعُقْبَةُ فَقَالا: قَدْ جِئْنَاكُمْ بِفَصْلِ مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، فَجَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يَذْكُرُونَ، فَقَالَ ﵇: «أخبركم

стр. 125

غَدًا» وَلَمْ يَسْتَثْنِ، فَانْصَرَفُوا، وَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يَذْكُرُونَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لا يُحْدِثُ اللَّهِ إَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَحْيًا وَلا يَأْتِيهِ جِبْرِيلُ، حَتَّى أَرْجَفَ أَهْلُ مَكَّةَ وَقَالُوا: وَعَدَنَا مُحَمَّدٌ غَدًا وَالْيَوْمَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً قَدْ أَصْبَحْنَا مِنْهَا لا يُخْبِرُنَا بِشَيْءٍ مِمَّا سَأَلْنَاهُ عَنْهُ، حَتَّى أَحْزَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُكْثُ الْوَحْيِ عَنْهُ وَشَقَّ عَلَيْهِ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ، ثُمَّ جَاءَهُ جِبْرِيلُ مِنَ اللَّهِ بسورة أصحاب الكهف، قال ابن إسحق فَذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَقَدِ احْتَبَسْتَ عَنِّي يَا جِبْرِيلُ؟ فَقَالَ: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [١] الآيَةَ وَافْتَتَحَ السُّورَةَ بِحَمْدِهِ وَبِذِكْرِ نُبُوَّةِ رَسُولِهِ ﵇ وَفِيهَا ذِكْرُ الْفِتْيَةِ الَّذِينَ ذَهَبُوا وَهُمْ أَصْحَابُ الْكَهْفِ، وَذِكْرُ الرَّجُلِ الطَّوَّافِ وَهُوَ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَقَالَ فِيمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنَ الروح: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [٢] الْحَدِيثُ بِطُولِهِ وَأَنَا اخْتَصَرْتُهُ. قَالَ وَحُدِّثْتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ قَالَتْ أَحْبَارُ يَهُودَ: يَا مُحَمَّدُ أَرَأَيْتَ قَوْلَكَ: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا إِيَّانَا تُرِيدُ أَمْ قَوْمَكَ، قَالَ: «كُلًّا» قَالُوا: فإنك تتلوا فِيمَا جَاءَنَا أَنَّا قَدْ أُوتِينَا التَّوْرَاةَ فِيهَا بَيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّهَا فِي عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ، وَعِنْدَكُمْ مِنْ ذَلِكَ مَا يَكْفِيكُمْ لَوْ أَقَمْتُمُوهُ» قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [٣] أَيْ إِنَّ التَّوْرَاةَ فِي هَذَا مِنْ عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيمَا سَأَلَهُ قَوْمُهُ لأَنْفُسِهِمْ مِنْ تَسْيِيرِ الْجِبَالِ وَتَقْطِيعِ الأَرْضِ وَبَعْثِ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِمْ مِنَ الْمَوْتَى وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً [٤] أَيْ لا أَصْنَعُ مِنْ ذَلِكَ الأَمْرِ إِلَّا مَا شِئْتُ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيمَا سَأَلُوهُ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ إلى وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً [٥] وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً

стр. 126

أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ إِلَى قَوْلِهِ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [١] وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ إِنَّمَا يُعَلِّمُكَ رَجُلٌ بِالْيَمَامَةِ [٢] يُقَالُ لَهُ الرَّحْمَنُ: كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ [٣] وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ فِيمَا قَالَ أَبُو جَهْلٍ وَمَا هَمَّ بِهِ: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى [٤] حَتَّى آخِرِ السُّورَةِ وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ فِيمَا عَرَضُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ حَالَ الْحَسَدُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اتِّبَاعِهِ فَقَالَ قَائِلُهُمْ: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [٥] أَيِ اجْعَلُوهُ لَغْوًا وَبَاطِلا وَاتَّخِذُوهُ هُزُوًا لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَهُ بِذَلِكَ، فَإِنَّكُمْ إِنْ نَاظَرْتُمُوهُ أَوْ خَاصَمْتُمُوهُ غَلَبَكُمْ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ يَوْمًا وَهُوَ يَهْزَأُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّمَا جُنُودُ اللَّهِ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَكُمْ فِي النَّارِ وَيَحْبِسُونَكُمْ فِيهَا تِسْعَةَ عَشَرَ وَأَنْتُمُ النَّاسُ كَثْرَةً وَعَدَدًا أَفَيَعْجِزُ كُلُّ مِائَةِ رَجُلٍ مِنْكُمْ عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ في ذلك في قَوْلِهِ: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا [٦] إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ جَعَلُوا إِذَا جَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقُرْآنِ وَهُوَ يُصَلِّي يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ وَيَأْبَوْنَ أَنْ يَسْتَمِعُوا لَهُ، فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْضَ مَا يتلوا مِنَ الْقُرْآنِ وَهُوَ يُصَلِّي اسْتَرَقَ السَّمْعَ دُونَهُمْ فَرْقًا مِنْهُمْ، فَإِنْ رَأَى أَنَّهُمْ قَدْ عَرَفُوا أَنَّهُ يَسْتَمِعُ مِنْهُ ذَهَبَ خَشْيَةَ أَذَاهُمْ فَلَمْ يَسْتَمِعْ، وَإِنْ خَفَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَوْتَهُ فَظَنَّ الَّذِي يَسْمَعُ أَنَّهُمْ لا يَسْمَعُونَ شَيْئًا مِنْ قِرَاءَتِهِ وَسَمِعَ هُوَ شَيْئًا دُونَهُمْ أَصَاخَ لَهُ يَسْتَمِعُ مِنْهُ. وَرُوِيَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابن

стр. 127

عَبَّاسٍ إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها [١] يَعْنِي فِي ذَلِكَ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَكَانَ المهاجرون بِالظُّلْمِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِكُلِّ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ عَمَّهُ أَبَا لَهَبٍ، وَابْنَ عَمِّهِ أَبَا سُفْيَانَ بن الحرث، وَمِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَأَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَابْنَهُ حَنْظَلَةَ، وَالْحَكَمَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَمُعَاوِيَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ النضر بن الحرث، وَمِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَسَدَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى الأَسْوَدَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَابْنَهُ زَمْعَةَ، وَأَبَا الْبَخْتَرِيِّ الْعَاصَ بْنَ هِشَامٍ، وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ الأَسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ، وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَأَخَاهُ الْعَاصَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَمَّهُمَا الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ، وَابْنَهُ أَبَا قَيْسِ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَابْنَ عَمِّهِ قَيْسَ بْنَ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَزُهَيْرَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَخُو أُمِّ سَلَمَةَ، وَأَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ، وَالأَسْوَدَ بْنَ عَبْدِ الأَسَدِ أَخَا أَبِي سَلَمَةَ، وَصَيْفِيَّ بْنَ السَّائِبِ، وَمِنْ بَنِي سَهْمٍ الْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ وَابْنَهُ عَمْرًا، وَابْنَ عَمِّهِ الْحَارِثَ بْنَ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ وَنُبَيْهًا وَمُنَبِّهًا ابْنَيِ الْحَجَّاجِ، وَمِنْ بَنِي جُمَحَ أُمَيَّةَ وَأُبَيًّا ابْنَيْ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، وَأُنَيْسَ بْنَ معير أخا أبي محذورة، والحرث بْنَ الطُّلاطِلَةِ الْخُزَاعِيَّ، وَعَدِيَّ بْنَ الْحَمْرَاءِ الثَّقَفِيَّ، فَهَؤُلاءِ كَانُوا أَشَدَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مُثَابَرَةً بِالأَذَى وَمَعَهُمْ سَائِرُ قُرَيْشٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُعَذَّبُونَ مِمَّنْ لا مَنَعَةَ لَهُ وَلا جِوَارَ مِنْ قَوْمِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْذَوْنَ. وَلَقِيَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ وَحُلَفَائِهِمْ مِنَ الأَذَى وَالْعَذَابِ وَالْبَلاءِ عَظِيمًا، وَرَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ عَظِيمًا، لِيَدَّخِرَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي الآخِرَةِ، وَيَرْفَعَ بِهِ دَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، وَالإِسْلامُ فِي كُلِّ ذَلِكَ يفشو في ذلك وَيَظْهَرُ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَأَسْلَمَ الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَسَلَمَةُ بْنُ هِشَامٍ أَخُو أَبِي جَهْلٍ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَجَمَاعَةٌ أَرَادَ اللَّهُ هُدَاهُمْ. وَأَسْرَفَ بَنُو جُمَحَ عَلَى بِلالٍ بِالأَذَى وَالْعَذَابِ، فَاشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ مِنْهُمْ، وَاشْتَرَى أُمَّهُ حَمَامَةَ، فَأَعْتَقَهُمَا وَأَعْتَقَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ. وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا قُحَافَةَ قَالَ لابْنِهِ أَبِي بَكْرٍ: يَا بُنَيَّ أَرَاكَ تُعْتِقُ قَوْمًا ضُعَفَاءَ، فَلَوْ أَعْتَقْتَ قَوْمًا جُلَدَاءَ يَمْنَعُوكَ، فَقَالَ: يَا أَبَتِ إِنِّي أُرِيدُ مَا أُرِيدُ، فَقِيلَ فِيهِ نَزَلَتْ: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى

стр. 128

الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى وَما لِأَحَدٍ [١] إلى آخر السورة. وَذَكَرَ الزُّهْرِيُّ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَأَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَالأَخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ خَرَجُوا لَيْلَةً لِيَسْتَمِعُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فِي بَيْتِهِ، فَأَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسًا يَسْتَمِعُ فِيهِ وَكُلٌّ لا يَعْلَمُ بِمَكَانِ صَاحِبِهِ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَهُمُ الطَّرِيقُ فَتَلاوَمُوا وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لا تَعُودُوا، فَلَوْ رَآكُمْ بَعْضُ سُفَهَائِكُمْ لأَوْقَعْتُمْ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا ثُمَّ انْصَرَفُوا. حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ عَادَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى مَجْلِسِهِ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَهُمُ الطَّرِيقُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لبعض مثل مَا قَالُوا أَوَّلَ مَرَّةٍ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ أَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسَهُ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَهُمُ الطَّرِيقُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لا نَبْرَحُ حَتَّى نَتَعَاهَدَ أَنْ لا نَعُودَ، فَتَعَاهَدُوا عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ تَفَرَّقُوا، فَلَمَّا أَصْبَحَ الأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ أَخَذَ عَصَاهُ ثُمَّ ذَهَبَ حَتَّى أَتَى أَبَا سُفْيَانَ فِي بَيْتِهِ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي يَا أَبَا حَنْظَلَةَ عَنْ رَأْيِكَ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مُحَمَّدٍ؟ فَقَالَ: يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ: وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ أَشْيَاءَ أَعْرِفُهَا وَأَعْرِفُ مَا يُرَادُ بِهَا، وَسَمِعْتُ أَشْيَاءَ مَا عَرَفْتُ مَعْنَاهَا وَلَا مَا يُرَادُ بِهَا، قَالَ الأَخْنَسُ: وَأَنَا وَالَّذِي حَلَفْتَ بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى أَتَى أَبَا جَهْلٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَكَمِ: مَا رَأْيُكَ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: مَاذَا سَمِعْتُ، تَنَازَعْنَا نَحْنُ وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ الشَّرَفَ، أَطْعَمُوا فَأَطْعَمْنَا، وَحَمَلُوا فَحَمَلْنَا، وَأَعْطَوْا فَأَعْطَيْنَا، حَتَّى إِذَا تجاذبنا على الركب وَكُنَّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ قَالُوا: مِنَّا نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنَ السَّمَاءِ، فَمَتَى نُدْرِكُ هَذِهِ، وَاللَّهِ لا نُؤْمِنُ بِهِ أَبَدًا وَلا نُصَدِّقُهُ، فَقَامَ عنه الأخنس وتركه. وذكر ابن إسحق حَدِيثَ الأرَاشِيِّ الَّذِي ابْتَاعَ مِنْهُ أَبُو جَهْلٍ الإِبِلَ وَمَطَلَهُ بِأَثْمَانِهَا، وَدَلالَةَ قُرَيْشٍ إِيَّاهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُنْصِفَهُ مِنْ أَبِي جَهْلٍ اسْتِهْزَاءً لِمَا يَعْلَمُونَ مِنَ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمَا قَالَ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَاءَهُ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: «مُحَمَّد» فَخَرَجَ إليه وما فيه وجهه من رائحة قد انتفع لَوْنُهُ فَقَالَ: «اعْطِ هَذَا حَقَّهُ» قَالَ: نَعَمْ، لا تَبْرَحْ حَتَّى أُعْطِيَهُ الَّذِي لَهُ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ فَذَكَرَ لَهُمُ الأرَاشِيُّ ذَلِكَ، فَقَالُوا لأَبِي جَهْلٍ: وَيْلَكَ، مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَنَعْتَ! قال: ويحكم والله ما هو إلا

стр. 129

أَنْ ضَرَبَ عَلَى بَابِي وَسَمِعْتُ صَوْتَهُ فَمُلِئْتُ رُعْبًا ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَيْهِ وَإِنَّ فَوْقَ رَأْسِهِ لَفَحْلا مِنَ الإِبِلِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَامَتِهِ وَلا قَصَرَتِهِ وَلا أَنْيَابِهِ لِفَحْلٍ قَطُّ، وَاللَّهِ لَوْ أَبَيْتُ لأَكَلَنِي. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالسا فِي الْمَسْجِدِ مَعَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُبَيْدٍ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ كَيْفَ تَدْخُلُ عَلَيْكُمُ الْمَادَّةُ، أَوْ يُجْلَبُ إِلَيْكُمْ جَلَبٌ، أَوْ يَحِلُّ تَاجِرٌ بِسَاحَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَظْلِمُونَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْكُمْ فِي حَرَمِكُمْ يَقِفُ عَلَى الْحَلَقِ حَلَقَةً حَلَقَةً، حَتَّى انْتَهَى إِلَى رسول الله ﷺ صَحْبِهِ، فَقال رَسُول اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ ظَلَمَكَ» ؟ فَذَكَرَ أَنَّهُ قَدِمَ بِثَلاثَةِ أجمال كَانَتْ خِيرَةَ إِبِلِهِ، فَسَامَهُ بِهَا أَبُو جَهْلٍ ثُلُثَ أَثْمَانِهَا، ثُمَّ لَمْ يَسُمْهُ بِهَا لأَجَلِهِ سَائِمٌ قَالَ: فَأَكْسَدَ عَلَيَّ سِلْعَتِي وَظَلَمَنِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَأَيْنَ أَجْمَالُكَ» ؟ قَالَ: هِيَ هَذِهِ بِالْحَزْوَرَةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ وَقَامَ أَصْحَابُهُ فَنَظَرَ إِلَى الْجَمَلِ فَرَأَى جِمَالا فَرِهًا، فَسَاوَمَ الزُّبَيْدِيَّ حَتَّى أَلْحَقَهُ بِرِضَاهُ، فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَبَاعَ جَمَلَيْنِ مِنْهَا بِالثَّمَنِ، وَأَفْضَلَ بَعِيرًا بَاعَهُ، وَأَعْطَى أَرَامِلَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ثَمَنَهُ، وَأَبُو جَهْلٍ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ السُّوقِ لا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا عَمْرُو: إِيَّاكَ أَنْ تَعُودَ لِمِثْلِ مَا صَنَعْتَ بِهَذَا الأَعْرَابِيِّ فَتَرَى مِنِّي مَا تَكْرَهُ» فَجَعَلَ يَقُولُ: لا أَعُودُ يَا مُحَمَّدُ، لا أَعُودُ يَا مُحَمَّدُ، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ وَمَنْ حَضَرَ مِنَ الْقَوْمِ فَقَالُوا: ذُلِلْتَ فِي يَدَيْ مُحَمَّدٍ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ تُرِيدُ أَنْ تَتَّبِعَهُ وَإِمَّا رُعْبٌ دَخَلَكَ مِنْهُ، قَالَ: لا أَتَّبِعُهُ أَبَدًا، إِنَّ الَّذِي رأيتم من لِمَا رَأَيْتُ مَعَهُ، لَقَدْ رَأَيْتُ رِجَالا عَنْ يمينه وشماله معهم رِمَاحٌ يَشْرَعُونَهَا إِلَيَّ، لَوْ خَالَفْتُهُ لَكَانَتْ إِيَّاهَا، لأتوا على نفسي. قال أبو عمرو كان المستهزئون الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [١] عَمَّهُ أَبَا لَهَبٍ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَالْحَكَمَ بْنَ أَبِي الْعَاصِي، وَالأَسْوَدَ بْنَ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ أَبَا زَمْعَةَ، وَالأَسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ، وَالْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ، وَالْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ، والحارث بن الغيطلة السهمي، فكان جبرئيل مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمَرَّ بِهِمَا مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَالأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ، وَالأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وَالْحَارِثُ بْنُ الْغَيْطَلَةِ، وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ، وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، فَشَكَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جِبْرِيلَ فَقَالَ: كَفَيْتُكَهُمْ، فَهَلَكُوا بضروب من البلاء والعمي قبل

стр. 130

الْهِجْرَةِ، وَفِيمَا لَقِيَ بِلالٌ وَعَمَّارٌ وَالْمِقْدَادُ وَخَبَّابٌ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ مَنَعَةٌ مِنْ قَوْمِهِ مِنَ الْبَلاءِ وَالأَذَى مَا يَطُولُ ذِكْرُهُ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي النور إسماعيل بن نور بن قمر الهيني بِالصَّالِحِيَّةِ، أَخْبَرَكُمْ أَبُو نَصْرٍ مُوسَى بْنُ الشَّيْخِ عبد القادر الجبلي قِرَاءَةً عَلَيْهِ قَالَ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْبَنَّاءِ قَالَ: أَنَا أَبُو نصر الزيني قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، ثَنَا أَبُو مُوسَى عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ زُغْبَةَ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ عَلَى بِلالٍ وَهُوَ يُعَذَّبُ يُلْصَقُ ظَهْرُهُ بِرَمْضَاءِ الْبَطْحَاءِ فِي الْحَرِّ وَهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ، فَقَالَ: يَا بِلالُ صبرا، يا بلال، لم تعذبونه! فو الذي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ قَتَلْتُمُوهُ لأَتَّخِذَنَّهُ حَنَانًا، يَقُولُ: لا تمسحن به.

стр. 131

ذكر انْشِقَاقُ الْقَمَرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [١] . روينا من طريق البخاري: ثنا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةٌ فَوْقَ الْجَبَلِ وَفِرْقَةٌ دُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اشْهَدُوا» . وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ قَالَ: (وَرَوَاهُ عَنْهُ مَسْرُوقٌ) أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ، وَزَادَ: فَقَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: سَحَرَكُمُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: إِنَّ مُحَمَّدًا إِنْ كَانَ سَحَرَ الْقَمَرَ فَإِنَّهُ لا يَبْلُغُ مِنْ سِحْرِهِ أَنْ يَسْحَرَ الأَرْضَ كُلَّهَا، فَاسْأَلُوا مَنْ يَأْتِيكُمْ مِنْ بَلَدٍ آخَرَ، هَلْ رَأَوْا هَذَا؟ فَسَأَلُوا، فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ رَأَوْا مِثْلَ ذَلِكَ. وَحَكَى السَّمَرْقَنْدِيُّ عَنِ الضَّحَّاكِ نَحْوَهُ وَقَالَ: فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا سِحْرٌ، فَابْعَثُوا إِلَى أَهْلِ الآفَاقِ حَتَّى يَنْظُرُوا: ارَأَوْا ذَلِكَ أَمْ لا، فَأَخْبَرَ أَهْلُ الآفَاقِ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ مُنْشَقًّا، فَقَالُوا (يَعْنِي الْكُفَّارَ) : هَذَا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ التِّرْمِذِيِّ: ثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً فَانْشَقَّ الْقَمَرُ بِمَكَّةَ مَرَّتَيْنِ فَنَزَلَتْ: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ إلى قوله: سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ يَقُولُ: ذَاهِبٌ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: ثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ مُحَمَّد بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى صَارَ فِرْقَتَيْنِ، عَلَى هَذَا الْجَبَلِ وَعَلَى هَذَا الْجَبَلِ، فَقَالُوا: سَحَرَنَا مُحَمَّدٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَئِنْ كَانَ سَحَرَنَا مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَحُذَيْفَةَ وَعَلِيٍّ ﵃.

стр. 132

ذكر الهجرة إلى أرض الحبشة وَكَانَتِ الْهِجْرَةُ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مَرَّتَيْنِ، فَكَانَ عَدَدُ الْمُهَاجِرِينَ فِي الْمَرَّةِ الأُولَى اثْنَيْ عَشَرَ رجلا وأربع نسوة، ثم رجعوا عند ما بَلَغَهُمْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ سُجُودُهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ قِرَاءَةِ سُورَةِ وَالنَّجْمِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ، فَلَقُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَشَدَّ مِمَّا عَهِدُوا، فَهَاجَرُوا ثَانِيَةً، وَكَانُوا ثَلاثَةً وَثَمَانِينَ رَجُلا، إِنْ كَانَ فِيهِمْ عَمَّارٌ فَفِيهِ خِلافٌ بَيْنَ أَهْلِ النَّقْلِ، وَثَمَانِي عَشْرَةَ امْرَأَةً، إحدى عشرة قرشيات، وسبعا غرباء، وبعثت قريشا فِي شَأْنِهِمْ إِلَى النَّجَاشِيِّ مَرَّتَيْنِ: الأُولَى عِنْدَ هِجْرَتِهِمْ، وَالثَّانِيَةُ: عَقِيبَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رَسُولا فِي الْمَرَّتَيْنِ، وَمَعَهُ فِي إِحْدَاهُمَا عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَفِي الأُخْرَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيَّانِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: فَلَمَّا كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ وَظَهَرَ الإِيمَانُ، أَقْبَلَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ عَلَى مَنْ آمَنَ مِنْ قَبَائِلِهِمْ يُعَذِّبُونَهُمْ وَيُؤْذُونَهُمْ لِيَرُدُّوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، قَالَ: فَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ لِمَنْ آمَنَ بِهِ: «تَفَرَّقُوا فِي الأَرْضِ فَإِنَّ اللَّهَ تعالى سيجمعهم» قَالُوا: إِلَى أَيْنَ نَذْهَبُ؟ قَالَ: «إِلَى هَاهُنَا» ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَهَاجَرَ إِلَيْهَا نَاسٌ ذَوُو عَدَدٍ، مِنْهُمْ مَنْ هَاجَرَ بِأَهْلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ هَاجَرَ بِنَفْسِهِ، حَتَّى قَدِمُوا أَرْضَ الْحَبَشَةِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مَعَهُ امْرَأَتُهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ . وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ حَاطِبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شمس بن عبد ود أخو سهيل عن عَمْرٍو، وَقِيلَ: هُوَ سُلَيْطُ بْنُ عَمْرٍو، وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ هَارِبًا عَنْ أَبِيهِ بِدِينِهِ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ مُسْلِمَةٌ مُرَاغِمَةٌ لأَبِيهَا، فَارَّةٌ عَنْهُ بِدِينِهَا، فَوَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ، وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الأَسَدِ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أم

стр. 133

سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ حَلِيفُ آلِ الْخَطَّابِ، وَمَعُهُ امْرَأَتُهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي خَيْثَمَةَ بْنِ غَانِمٍ الْعَدَوِيَّةُ، وَأَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمٍ الْعَامِرِيُّ، وَامْرَأَتُهُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو- ولم يذكرها ابن إسحق فهي خامسة لهن- وسهيل بن بَيْضَاءَ، وَهُوَ سُهَيْلُ بْنُ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ الْفِهْرِيُّ، وَعَبْد اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ، فَخَرَجُوا مُتَسَلِّلِينَ سِرًّا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الشُّعَيْبَةِ، مِنْهُمُ الرَّاكِبُ وَمِنْهُمُ الْمَاشِي، فَوَفَّقَ اللَّهُ لَهُمْ سَفِينَتَيْنِ لِلتُّجَّارِ حَمَلُوهُمْ فِيهِمَا بِنِصْفِ دِينَارٍ، وَكَانَ مَخْرَجُهُمْ فِي رَجَبٍ مِنَ السَّنَةِ الْخَامِسَةِ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى جَاءُوا الْبَحْرَ مِنْ حَيْثُ رَكِبُوا، فَلَمْ يَجِدُوا أَحَدًا مِنْهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ هُنَاكَ بَنِيهِ مُحَمَّدًا وَعَبْدَ اللَّهِ وَعَوْنًا، وَعَمْرَو بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ مُِحَرَّثٍ الْكِنَانِيِّ، وَأَخُوهُ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ مَعَهُ امْرَأَتُهُ أَمِينَةُ بِنْتُ خَلَفِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ الْخُزَاعِيَّةُ، فَوَلَدَتْ لَهُ هُنَاكَ ابْنَهُ سَعِيدًا، وَابْنَتَهُ أُمَّ خَالِدٍ، واسمها أمة، وعيد اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، فَتَنَصَّرَ هُنَاكَ ثُمَّ تُوُفِّيَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ، وَتَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ حَبِيبَةَ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جحش، وقيس بن عبد الله بن حليف لبني أمية بن أمية بن عبد شمس، معه امرأته ركة بِنْتُ يَسَارٍ مَوْلاةُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَمُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ الدَّوْسِيُّ، حَلِيفٌ لِبَنِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّة، وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بْنِ جَابِرٍ الْمَازِنِيُّ، حَلِيفُ بَنِي نَوْفَلٍ، وَيَزِيدُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأَسْوَدِ، وَعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ الحرث بْنِ أَسَدٍ، وَالأَسْوَدُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ، وَكُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ أَبِي كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ قُصَيٍّ، وَسُوَيْبِطُ بْنُ سَعْدِ بْنِ حَرْمَلَةَ، وَيُقَالُ: حُرَيْمِلَةُ بْنُ مَالِكٍ الْعَبْدَرِيُّ، وَجَهْمُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شُرَحْبِيلَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عبد الدار العبدري، معه امْرَأَتُهُ أُمُّ حَرْمَلَةَ بِنْتُ عَبْدِ الأَسْوَدِ بْنِ جُزَيْمَةَ مِنْ خُزَاعَةَ، وَابْنَاهُ عَمْرُو بْنُ جَهْمٍ، وَخُزَيْمَةُ بِنْتُ جَهْمٍ، وَأَبُو الرُّومِ بْنُ عُمَيْرٍ أَخُو مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَفِرَاسُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كِلْدَةَ، وَعَامِرُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، أَخُو سَعْدٍ، وَالْمُطَّلِبُ بْنُ أَزْهَرَ بْنِ عبد عوف، معه امْرَأَتُهُ رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي عَوْفِ بْنِ صُبَيْرَةَ السَّهْمِيَّةُ، وَلَدَتْ لَهُ هُنَاكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُطَّلِبِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ، وَأَخُوهُ عُتْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَالْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ، تَبَنَّاهُ الأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيُّ، وَهُوَ حَلِيفٌ لَهُ، فَنُسِبَ إِلَيْهِ، وَهُوَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرِو بن ثعلبة

стр. 134

البهراني، والحرث بْنُ خَالِدِ بْنِ صَخْرِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ، وَمَعُهُ امْرَأَتُهُ رَيْطَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ التَّيْمِيَّةُ، فَوَلَدَتْ لَهُ هُنَاكَ مُوسَى وَزَيْنَبُ وَعَائِشَةُ وَفَاطِمَةُ، وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرٍو التَّيْمِيُّ عَمُّ طَلْحَةَ، وَشَمَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ الشَّرِيدِ الْمَخْزُومِيُّ، وَاسْمُهُ: عُثْمَانُ بْنُ عُثْمَانَ، وَهَبَّارُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الأَسَدِ بْنِ هِلالٍ الْمَخْزُومِيُّ، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُفْيَانَ، وَهِشَامُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، وَمُعَتِّبُ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَامِرٍ الْخُزَاعِيُّ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: مُعَتِّبٌ حَلِيفُ بَنِي مَخْزُومٍ، وَالسَّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَعَمَّاهُ قُدَامَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا مَظْعُونٍ، وَحَاطِبٌ وَحَطَّابٌ ابنا الحرث بْنِ مَعْمَرٍ الْجُمَحِيُّ، وَمَعَ حَاطِبٍ زَوْجُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُجَلّلِ الْعَامِرِيِّ، وَوَلَدَتْ لَهُ هُنَاكَ مُحَمَّدًا، والحرث ابني حاطب، ومع حطاب زوجه فكيهة بنت يسار، وسفيان بن مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبٍ الْجُمَحِيُّ، وَمَعَهُ ابْنَاهُ جَابِرٌ وَجُنَادَةُ، وَأُمُّهُمَا حَسَنَةُ، وَأَخُوهُمَا لأُمِّهِمَا شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، وَهُوَ شُرَحْبِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُطَاعِ الْكِنْدِيُّ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنْ بَنِي الْغَوْثِ بْنِ مُرٍّ أَخِي تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ وَعُثْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ أُهْبَانَ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، وَخُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيُّ، وَسَهْمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصٍ، وَأَخَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَقَيْسٌ ابْنَا حُذَافَةَ، وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ اسْمُهُ: سَعِيدُ بن عمر، وكان أخا بشر بن الحرث بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ لأُمِّهِ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ أَخُو عَمْرٍو وَعُمَيْرُ بْنُ رِئَابِ بْنِ حذيفة السهمي، وأبو قيس بن الحرث بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيُّ، وَإِخْوَتُهُ: الْحَارِثُ وَمَعْمَرٌ وَسَعِيدٌ وَالسَّائِبُ وَبِشْرٌ وَأَخٌ لَهُمْ مِنْ أُمِّهِمْ مِنْ تَمِيمٍ يُقَالُ لَهُ: سَعِيدُ بْنُ عمرو، ومحمئة بْنُ جَزْءٍ الزُّبْيَدِيُّ حَلِيفُ بَنِي سَهْمٍ، وَمَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَضْلَةَ، وَيُقَالُ: ابْنُ عَبْد اللَّهِ بْنِ نَافِعِ بْنِ نَضْلَةَ الْعَدَوِيُّ، وعروة بن عبد العزيز بْنِ حُرْثَانَ الْعَدَوِيُّ، وَعَنْ مُصْعَبٍ الزُّبْيَرِيِّ: عُرْوَةُ بْنُ أَبِي أُثَاثَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، أَوْ عَمْرُو بْنُ أُثَاثَةَ، وَعَدِيُّ بْنُ نَضْلَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى الْعَدَوِيُّ، وَابْنُهُ النُّعْمَانُ وَمَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ قَيْسٍ الْعَامِرِيُّ، وَامْرَأَتُهُ عَمْرَةُ بِنْتُ أَسْعَدَ [ (١) ] بْنِ وَقْدَانَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ الْعَامِرِيَّةُ، وَسَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ حَلِيفٌ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَخْرَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَمَّاهُ سُلَيْطٌ وَالسَّكْرَانُ ابْنَا

стр. 135

عَمْرٍو الْعَامِرِيُّونَ، وَامْرَأَتُهُ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي سَرْحِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعِيَاضُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدَّادٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ غَنْمِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدَّادٍ، وَسَعْدُ بْنُ عَبْدِ قَيْسِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ الْفِهْرِيُّونَ، وَعَمَّارُ بْنُ ياسر، وفيه خلاف بين أهل السير. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ السِّيَرِ: إِنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ كَانَ فِيمَنْ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وليس كذلك، ولكنه خرج من طَائِفَةٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ أَرْضِهِمْ بِالْيَمَنِ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ، فَرَكِبُوا الْبَحْرَ، فَرَمَتْهُمُ الرِّيحُ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَأَقَامَ هُنَاكَ حَتَّى قَدِمَ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَلَمَّا نَزَلَ هَؤُلاءِ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ أَمِنُوا عَلَى دِينِهِمْ، وَأَقَامُوا بِخَيْرِ دَارٍ عِنْدَ خَيْرِ جَارٍ، وَطَلَبَتْهُمْ قُرَيْشٌ عِنْدَهُ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ إِسْلامِهِ. قَرَأْتُ عَلَى الإِمَامِ الزَّاهِدِ أبي إسحق إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنْبَلِيِّ بِالصَّالِحِيَّةِ، أَخْبَرَكُمْ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ النَّفِيسِ بْنِ بورنداز قَالَ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ مَحْمُودُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قال: قال أَبُو بَكْرِ بْنُ مَاجَهْ قَالَ: أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ الْحَزَوَّرِيِّ عن محمد بن سلمان لُوَيْنٍ، ثَنَا حُدَيْجُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي إسحق، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْد اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: بعثنا رسول الله ﷺ إِلَى النَّجَاشِيِّ ثَمَانِينَ رَجُلا، مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَجَعْفَرٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْفُطَةَ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ ﵃، وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَعُمَارَةَ بْنَ الْوَلِيدِ بِهَدِيَّةٍ فَقَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ فَدَخَلا عَلَيْهِ وَسَجَدَا لَهُ وَابْتَدَرَاهُ، فَقَعَدَ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَقَالا: إِنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي عَمِّنَا نَزَلُوا أَرْضَكَ، فَرَغِبُوا عَنَّا وَعَنْ مِلَّتِنَا، قال: وأين هم؟ قالوا: بأرضك، فَأَرْسَلَ فِي طَلَبِهِمْ، فَقَالَ جَعْفَرٌ ﵁: أَنَا خَطِيبُكُمُ الْيَوْمَ، فَاتَّبَعُوهُ، فَدَخَلَ فَسَلَّمَ فقالوا: مالك لا تسجد للملك؟ قال: إنا لا تسجد إِلَّا لِلَّهِ ، قَالُوا: وَلِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ فِينَا رَسُولا، وَأَمَرَنَا أَنْ لا نَسْجُدَ إِلَّا لِلَّهِ ، وَأَمَرَنَا بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ، قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: فَإِنَّهُمْ يُخَالِفُونَكَ فِي ابْنِ مَرْيَمَ وَأُمِّهِ، قَالَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي ابْنِ مَرْيَمَ وَأُمِّهِ؟ قَالَ: كَمَا قَالَ اللَّهُ : رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ الَّتِي لَمْ يَمَسَّهَا بَشَرٌ وَلَمْ يفرضْهَا [١] وَلَدٌ قَالَ: فَرَفَعَ النَّجَاشِيُّ عُودًا مِنَ الأَرْضِ فَقَالَ: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان، ما

стр. 136

تزيدون على ما يقولون؟ أشهد أن رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَّهُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى فِي الإِنْجِيلِ، وَاللَّهِ لَوْلا مَا أَنَا فِيهِ من الملك لأتيته فأكون أن الَّذِي أَحْمِلُ نَعْلَيْهِ وَأُوَضِّئُهُ، وَقَالَ: انْزِلُوا حَيْثُ شِئْتُمْ، وَأَمَرَ بِهَدِيَّةِ الآخَرِينَ فَرُدَّتْ عَلَيْهِمَا، قَالَ: وَتَعَجَّلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَشَهِدَ بَدْرًا، وَقَالَ: إِنَّهُ لَمَّا انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَوْتُهُ اسْتَغْفَرَ لَهُ وَلِعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ مَعَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي هَذَا الْوَجْهِ خَبَرٌ مَشْهُورٌ ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الأَصْبَهَانِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ عَمْرٌو يُخَاطِبُ عُمَارَةَ: إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَتْرُكْ طَعَامًا يُحِبُّهُ ... وَلَمْ يَنْهَ قَلْبًا غَاوِيًا حَيْثُ يَمَّمَا قَضَى وَطَرًا مِنْهُ وَغَادَرَ سُبَّةً ... إِذَا ذكرت أمثالها تملأ الفما ولم يذكر ابن إسحق مَعَ عَمْرٍو إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ فِي رِوَايَةِ زِيَادٍ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ بكير لعمارة بن الوليد ذكر: فَأَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ، بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ فِي أَحْسَنِ جِوَارٍ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِمُهَاجِرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ رَجَعَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ وَثَلاثُونَ رَجُلا، وَمِنَ النِّسَاءِ ثَمَانِي نِسْوَةٍ، فَمَاتَ مِنْهُمْ رَجُلانِ بِمَكَّةَ، وَحُبِسَ بِمَكَّةَ سَبْعَةُ نَفَرٍ، وَشَهِدَ بَدْرًا مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلا، فَلَمَّا كَانَ شَهْرُ رَبِيعٍ الأَوَّلِ- وَقِيلَ: الْمُحَرَّمُ- سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ كتب رسول الله ﷺ إلى النَّجَاشِيِّ كِتَابًا يَدْعُوهُ فِيهِ إِلَى الإِسْلامِ، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، فَلَمَّا قريء عَلَيْهِ الْكِتَابُ أَسْلَمَ وَقَالَ: لَوْ قَدَرْتُ أَنْ آتِيَهُ لأَتَيْتُهُ وَكتب إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ يُزَوِّجَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ بنت أبي سفيان ففعل وأصدق عنه تسعمائة دِينَارٍ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى التَّزْوِيجَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَكتب إِلَيْهِ رسول الله ﷺ أن يَبْعَثَ إِلَيْهِ مَنْ بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ ويحملهم ففعل، فجاءوا حتى قدموا المدينة، فيجدون رسول الله ﷺ في خَيْبَرَ [١] ، فَشَخَصُوا إِلَيْهِ فَوَجَدُوهُ قَدْ فَتَحَ خَيْبَرَ، فكلم رسول الله ﷺ المسلمين أن يدخلوهم في سهمانهم، ففعلوا، وَكَانَ سَبَبُ رَجُوعِ الأَوَّلِينَ الاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلا وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ فِيمَا رُوِيَ أن رسول الله ﷺ قَرَأَ يَوْمًا عَلَى الُمْشِرِكيَن: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى حَتَّى بَلَغَ: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [٢]

стр. 137

أَلْقَى الشَّيْطَانُ كَلِمَتَيْنِ عَلَى لِسَانِهِ: تِلْكَ الْغَرَانِيقُ العلى وإن شفاعتهن لترجى، فتلكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمَا، ثُمَّ مَضَى فَقَرَأَ السُّورَةَ كُلَّهَا، فَسَجَدَ وَسَجَدَ الْقَوْمُ جَمِيعًا، وَرَفَعَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ تُرَابًا إِلَى جَبْهَتِهِ فَسَجَدَ عَلَيْهِ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا لا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ، وَيُقَالُ: إِنَّ أَبَا أُحَيْحَةَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ أَخَذَ تُرَابًا فَسَجَدَ عليه، ويقال: كلاهما فعل ذلك، فَرَضَوْا بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا: قَدْ عَرَفْنَا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَيَخْلُقُ وَيَرْزُقُ، وَلَكِنَّ آلِهَتَنَا هذه تشفع لنا عنده، فأما إذا جَعَلْتَ لَهَا نَصِيبًا فَنَحْنُ مَعَكَ، فَكَبُرَ ذَلِكَ علي رسول الله ﷺ مِنْ قَوْلِهِمْ، حَتَّى جَلَسَ فِي الْبَيْتِ، فَلَمَّا أَمْسَى أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَعَرَضَ عَلَيْهِ السُّورَةَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: مَا جِئْتُكَ بِهَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «قُلْتُ عَلَى اللَّهِ مَا لَمْ يَقُلْ» فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا إِلَى قَوْلِهِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً [١] قَالُوا: فَفَشَتْ تِلْكَ السَّجْدَةُ فِي النَّاسِ حَتَّى بَلَغَتْ أَرْضَ الْحَبَشَةِ، فَقَالَ الْقَوْمُ: عَشَائِرُنَا أَحَبُّ إِلَيْنَا، فَخَرَجُوا رَاجِعِينَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا دُونَ مَكَةَ بِسَاعَةٍ مِنْ نَهَارٍ لَقَوْا رُكْبَانًا مِنْ كِنَانَةَ، فَسَأَلُوهُمْ عَنْ قُرْيَشٍ، فَقَالَ الرَّكْبُ: ذَكَرَ مُحَمَّدٌ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، فَتَابَعَهُ الْمَلأُ، ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْهَا فَعَادَ لِشَتْمِ آلِهَتِهِمْ وَعَادُوا لَهُ بِالشَّرِّ، فتركناهم على ذلك، فائتمر الْقَوْمُ فِي الرُّجُوعِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، ثُمَّ قَالُوا: قَدْ بَلَغْنَا مَكَّةَ، فَنَدْخُلُ فَنَنْظُرُ مَا فِيهِ قُرَيْشٌ وَيُحْدِثُ عَهْدًا مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ، فَدَخَلُوا مَكَّةَ، وَلَمْ يَدْخُلْ أَحَدٌ منهم إِلَّا بِجِوَارٍ، إِلَّا ابْنُ مَسْعُودٍ، فَإِنَّهُ مَكَثَ يَسِيرًا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَكَانُوا خَرَجُوا فِي رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسٍ، فَأَقَامُوا شَعْبَانَ وَشَهْرَ رَمَضَانَ، وَكَانَتِ السَّجْدَةُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَقَدِمُوا فِي شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: ذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ يَعْنِي خَبَرَ هذه السجدة: موسى بن عقبة، وابن إسحق مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْبَكَّائِيِّ، وَأَهْلُ الأُصُولِ يَدْفَعُونَ هَذَا الْحَدِيثَ بِالْحُجَّةِ، وَمَنْ صَحَّحَهُ قَالَ فِيهِ أَقْوَالا: مِنْهَا: أَنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ ذَلِكَ وَأَشَاعَهُ، وَالرَّسُولُ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ، وَهَذَا جَيِّدٌ، لَوْلا أَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِمُحَمَّدٍ: مَا أَتَيْتُكَ بِهَذَا. وَمِنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وعنى بها الملائكة أن شفاعتهم ترتجى.

стр. 138

وَمِنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهَا حَاكِيًا عَنِ الْكَفَرَةِ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ، فَقَالَهَا مُتَعَجِّبًا مِنْ كُفْرِهِمْ، قَالَ: وَالْحَدِيثُ عَلَى مَا خُيِّلْتُ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِصِحَّتِهِ. قُلْتُ: بَلَغَنِي عَنِ الْحَافِظِ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْمُنْذِرِيِّ ﵀ أَنَّهُ كَانَ يَرُدُّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ جِهَةِ الرُّوَاةِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَكَانَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ الدِّمْيَاطِيُّ يُخَالِفُهُ فِي ذَلِكَ. وَالَّذِي عِنْدِي فِي هذا الخبر أن جَارٍ مَجْرَى مَا يُذْكَرُ مِنْ أَخْبَارِ هَذَا الْبَابِ مِنَ الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ. وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ التَّرَخُّص فِي الرَّقَائِقِ وَمَا لا حُكْمَ فِيهِ مِنْ أَخْبَارِ الْمَغَازِي، وَمَا يُجْرَى مَجْرَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهَا مَنْ لا يُقْبَلُ فِي الْحَلالِ وَالْحَرَامِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الأَحْكَامِ بِهَا، وَأَمَّا هَذَا الْخَبَرُ فَيَنْبَغِي بِهَذَا الاعْتِبَارِ أَنْ يُرَدَّ إِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ بِسَنَدٍ لا مَطْعَنَ فِيهِ بِوَجْهٍ وَلا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ فَيَرْجِعُ إلى تأويله.

стр. 139

ذكر إِسْلامُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ يُوسُفَ الْمَزِّيِّ، أَخْبَرَكُمْ أَبُو حَفْصِ بْنُ طَبَرْزَدَ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: أَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ غَالِبٍ الْحَرْبِيُّ، ثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَالِكِيُّ القاضي، ثنا الحسين بن إسحق، ثَنَا أَبُو عَلْقَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى الفروي، ثنا عبد الملك بْنُ الْمَاجِشُونِ عَنِ الزَّنْجِيِّ بْنِ خَالِدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ» [١] . وَقَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْفِدَاءِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو الْفَرَّاءِ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ، أَخْبَرَكُمْ أَبُو الْقَاسِمِ الْحُسَيْنُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ مَحْفُوظِ بْنِ صَصْرَى التَّغْلِبِيُّ فَأَقَرَّ بِهِ قَالَ: أَنَا الشَّيْخَانِ الشَّرِيفُ أَبُو طَالِبٍ عَلِيُّ بْنُ حَيْدَرَةَ بْنِ جَعْفَرٍ الْحُسَيْنِيُّ، وَأَبُو الْقَاسِمِ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبُنِّ الأَسَدِيُّ قَالا: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْعَلاءِ قَالَ: أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ بن أبي نصر التيمي قَالَ: أَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، ثَنَا سُفْيَانُ الطَّائِيُّ قَالَ: قرأت على إسحق بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحُنَيْنِيِّ قَالَ: ذَكَرَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَسْلَمَ قَالَ: قَالَ لَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَتُحِبُّونَ أَنْ أُعَلِّمَكُمْ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ إِسْلامِي؟ قُلْنَا: نَعَمْ: قَالَ: كُنْتُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَيْنَا أَنَا فِي يَوْمٍ حَارٍّ شَدِيدِ الْحَرِّ بِالْهَاجِرَةِ فِي بعض طرق مكة إذا لَقِيَنِي رَجُلٌ مِنْ بَعْضِ قُرَيْشٍ فَقَالَ لِي: أين تذهب يا ابن الْخَطَّابِ؟ أَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ هَكَذَا، وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْكَ هَذَا الأَمْرُ فِي بَيْتِكَ، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: أُخْتُكَ قَدْ صَبَتْ، قَالَ: فَرَجَعْتُ مُغْضَبًا وَقَدْ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ

стр. 140

يَجْمَعُ الرَّجُلَ وَالرَّجُلَيْنِ إِذَا أَسْلَمَ عِنْدَ الرَّجُلِ بِهِ قُوَّةٍ فَيَكُونَانِ مَعَهُ وَيُصِيبَانِ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ: وَقَدْ ضَمَّ إِلَى زَوْجِ أُخْتِي رَجُلَيْنِ، قَالَ: فَجِئْتُ حَتَّى قَرَعْتُ الْبَابَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: ابْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ: وَكَانَ الْقَوْمُ جلوسا يقرؤون صَحِيفَةً مَعَهُمْ، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتِي تَبَادَرُوا وَاخْتَفَوْا وَتَرَكُوا أَوْ نَسُوا الصَّحِيفَةَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، قَالَ: فَقَامَتِ الْمَرْأَةُ فَفَتَحَتْ لِي، قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا: يَا عَدُوَّةَ نَفْسِهَا، قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكِ قَدْ صَبَوْتِ؟ قَالَ: فَأَرْفَعُ شَيْئًا فِي يَدِي فَأَضْرِبُهَا بِهِ، قَالَ: فَسَالَ الدَّمُ، قَالَ: فَلَمَّا رأت المرأة الدم بكت ثم قالت: يا ابن الْخَطَّابِ مَا كُنْتَ فَاعِلا فَافْعَلْ، فَقَدْ أَسْلَمْتُ، قَالَ: فَدَخَلْتُ وَأَنَا مُغْضَبٌ، قَالَ: فَجَلَسْتُ عَلَى السَّرِيرِ فَنَظَرْتُ، فَإِذَا بِكِتَابٍ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، فقلت: ما هذا الكتاب أعطينه؟ فَقَالَتْ: لا أُعْطِيكَهُ، لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ، أَنْتَ لا تَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ وَلا تَطْهُرُ وَهَذَا لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ بِهَا حَتَّى أَعْطَتْنِيهِ، فَإِذَا فِيهِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فَلَمَّا مَرَرْتُ بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ذُعِرْتُ وَرَمَيْتُ الصَّحِيفَةَ مِنْ يَدِي، قَالَ: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي فَإِذَا فِيهَا: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [١] قَالَ: فَكُلَّمَا مَرَرْتُ بِالاسْمِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ ذُعِرْتُ ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَيَّ نَفْسِي حَتَّى بَلَغْتُ: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ حَتَّى بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [٢] قَالَ: قُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَخَرَجَ الْقَوْمُ يَتَبَادَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ اسْتِبْشَارًا بِمَا سَمِعُوا مِنِّي، وَحَمِدُوا لله ، ثم قالوا: يا ابن الْخَطَّابِ: أَبْشِرْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا يَوْمَ الاثْنَيْنِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ بِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ إِمَّا أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَإِمَّا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ» [٣] وَأَنَّا نَرْجُو أَنْ تَكُونَ دَعْوَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكَ فَأَبْشِرْ، قَالَ: فَلَمَّا أَنْ عَرَفُوا مِنِّي الصِّدْقَ قُلْتُ لَهُمْ، أَخْبِرُونِي بِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالُوا: هُوَ فِي بَيْتٍ فِي أَسْفَلِ الصَّفَا، وَصَفُوهُ، قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى قَرَعْتُ الْبَابَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: ابْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: وَعَرَفُوا شِدَّتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَعْلَمُوا إِسْلامِي، قَالَ: فَمَا اجْتَرَأَ أجد أَنْ يَفْتَحَ الْبَابَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «افْتَحُوا لَهُ فَإِنْ يرد الله به خيرا

стр. 141

يهده [١] » وقال: فَفَتَحُوا لِي وَأَخَذَ رَجُلانِ بِعَضُدَيَّ حَتَّى دَنَوْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «أَرْسِلُوهُ» قَالَ: فَأَرْسَلُونِي، فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: فَأَخَذَ بِمَجْمَعِ قَمِيصِي فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «أسلم يا ابن الْخَطَّابِ، اللَّهُمَّ اهْدِهِ» قَالَ: قُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: فَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ تَكْبِيرَةً سُمِعَتْ بِطُرُقِ مَكَّةَ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَمَ اسْتَخْفَى، ثُمَّ خَرَجْتُ فَكُنْتُ لا أَشَاءُ أَنْ أَرَى رَجُلا إِذَا أَسْلَمَ ضُرِبَ إِلَّا رَأَيْتُهُ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ: لا أُحِبُّ أَنْ لا يُصِيبَنِي مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: فَذَهَبْتُ إِلَى خَالِي وَكَانَ شَرِيفًا فِيهِمْ فَقَرَعْتُ الْبَابَ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: ابْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيَّ فَقُلْتُ لَهُ: أَشَعَرْتَ إِنِّي قَدْ صَبَوْتُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: لا تَفْعَلْ، قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَدْ فَعَلْتُ، قَالَ: لا تَفْعَلْ، فَأَجَافَ الْبَابَ دُونِي وَتَرَكَنِي، قال: قلت: ما هذا بشيء؟ قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ رَجُلا مِنْ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ فَقَرَعْتُ عَلَيْهِ الْبَابَ قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ شَعَرْتَ إِنِّي قَدْ صَبَوْتُ؟ فَقَالَ: أَوَ فَعَلْتَ، قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: فَلا تَفْعَلْ، قُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، قَالَ: لا تَفْعَلْ، ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ فَأَجَافَ الْبَابَ دُونِي، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ انْصَرَفْتُ، فَقَالَ لِي رَجُلٌ: تُحِبُّ أَنْ يُعْلَمَ إِسْلامُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِذَا جَلَسَ النَّاسُ فِي الْحِجْرِ وَاجْتَمَعُوا أَتَيْتَ فُلانًا لِرَجُلٍ لَمْ يَكُنْ يَكْتُمُ السِّرَّ فَاصْغَ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ إِنِّي قَدْ صَبَوْتُ، فَإِنَّهُ سَوْفَ يُظْهِرُ عَلَيْكَ ذلك ويصيح ويعلنه، قَالَ: فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ فِي الْحِجْرِ، جِئْتُ إِلَى الرَّجُلِ فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَقُلْتُ: أَعَلِمْتَ إِنِّي قَدْ صَبَوْتُ؟ قَالَ: فَقَالَ: أَصَبَوْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَرَفَعَ صَوْتَهُ بِأَعْلاهُ قَالَ: أَلَا إِنَّ ابْنَ الْخَطَّابِ قَدْ صَبَأَ؟ قَالَ: فَمَا زَالَ النَّاسُ يَضْرِبُونِي وَضَرَبْتُهُمْ، قَالَ: فَقَالَ خَالِي: مَا هَذَا؟ قَالَ: فَقِيلَ: ابْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: فَقَامَ عَلَيَّ فِي الْحَجَرِ فَأَشَارَ بِكُمِّهِ فَقَالَ: أَلَا إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ ابْنَ أُخْتِي، قَالَ: فَانْكَشَفَ النَّاسُ عَنِّي، قَالَ: وَكُنْتُ لا أَشَاءُ أَنْ أَرَى أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُضْرَبُ إِلَّا رَأَيْتُهُ وَأَنَا لا أُضْرَبُ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِشَيْءٍ حَتَّى يُصِيبَنِي مِثْلَ مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: فَأَمْهَلْتُ، حَتَّى إِذَا جَلَسَ النَّاسُ فِي الْحَجَرِ وَصَلْتُ إلى خالي فقلت: اسمع، فقال: ما أَسْمَعُ، قَالَ: قُلْتُ: جِوَارُكَ عَلَيْكَ رَدٌّ، قَالَ: فقال: لا تفعل يا ابن أختي، قال: قلت: بلى

стр. 142

هُوَ ذَاكَ، فَقَالَ: مَا شِئْتَ، قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَضْرِبُ وَأَضْرِبُ حَتَّى أَعَزَّ اللَّهُ الإِسْلامَ. وروينا هذا الخبر من طريق ابن إسحق وَفِيهِ قَالَ: وَكَانَ إِسْلامُ عُمَرَ فِيمَا بَلَغَنِي أَنَّ أُخْتَهُ فَاطِمَةَ وَكَانَتْ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ كَانَتْ قَدْ أَسْلَمَتْ وَأَسْلَمَ زَوْجُهَا سَعِيدٌ وَهُمْ مُسْتَخْفُونَ بِإِسْلامِهِمْ مِنْ عُمَرَ، وَكَانَ نُعَيْمٌ النَّحَّامُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ قَدْ أَسْلَمَ، وَفِيهِ أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ مُتَوَشِّحًا سَيْفَهُ يَقْصِدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ وَهُمْ قَرِيبٌ مِنْ أَرْبَعِينَ بَيْنَ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ، وَأَنَّ الَّذِي قَالَ لَهُ مَا قَالَ نُعَيْمٌ، وَأَنَّ خَبَّابًا كَانَ فِي بَيْتِ أُخْتِهِ يُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ، وَأَنَّ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحِيفَةِ سُورَةُ طَه [١] وَأَنَّ الَّذِي أَذِنَ فِي دُخُولِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَالرَّجُلُ الَّذِي صَرَّحَ بِإِسْلامِ عمر عند ما قَالَهُ جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ الْجُمَحِيُّ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: ذُو الْقَلْبَيْنِ، وَفِيهِ نَزَلَتْ: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [٢] عَلَى أَحَدِ الأَقْوَالِ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ: وَكَيْفَ ثَوَائِي بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ مَا ... قَضَى وَطَرًا مِنْهَا جميل بن معمر وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَائِذٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وفيها: فأتيته بصحفة فِيهَا طه فَقَرَأَ فِيهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ عُمَرُ: فَلَمَّا بَلَغَ: فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى [٣] قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَفِيهَا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْتَفْتِحُ؟ فقال رسول الله ﷺ : «ائْذَنُوا لَهُ فَإِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يَهْدِهِ وَإِلَّا كُفِيتُمُوهُ بِإِذْنِ اللَّهِ» قَالَ مُحَمَّدٌ: يَعْنِي ابْنَ عَائِذٍ، وَهَذَا وَهْمٌ، وَإِنَّمَا الَّذِي قَالَ: «إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا وَإِلَّا كُفِيتُمُوهُ حَمْزَة» وَفِي الْخَبَرِ عَنِ ابْنِ عَائِذٍ قَالَ عُمَرُ: فَحَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ أَبَاهُ زَيْدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ حَدَّثَهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: فَبَيْنَا هُوَ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ إِذْ جَاءَهُ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ عَلَيْهِ حُلَّةٌ وَقَمِيصٌ مُكَفَّفٌ بِالْحَرِيرِ، فقال: مالك يا ابن الخطاب؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلوني إِذَا أَسْلَمْتُ، قَالَ الْعَاصُ: لا سَبِيلَ إِلَيْكَ، فَمَا عَدَا أَنْ قَالَهَا الْعَاصُ فَأمنت عَلَيْهِ، قال عبد الله بن عمر: فخرج عمرو العاص، فإذا

стр. 143

الْوَادِي قَدْ سَالَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَيْنَ تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: هَذَا الَّذِي قَدْ خَالَفَ دِينَ قَوْمِهِ، قَالَ: لا سَبِيلَ إِلَيْهِ فَارْجِعُوا، فَرَجَعُوا وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَنْجَرَ الحافظ فيما رأيته عنده بِإِسْنَادِهِ إِلَى شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: خَرَجْتُ أَتَعَرَّضُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْحَاقَّةِ، فَجَعَلْتُ أَتَعَجَّبُ مِنْ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ، فَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ شَاعِرٌ كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ، فَقَرَأَ: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ [١] قَالَ: قُلْتُ: كَاهِنٌ عَلِمَ مَا فِي نَفْسِي، فَقَرَأَ: وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [٢] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، قَالَ: فَوَقَعَ الإِسْلامُ فِي قَلْبِي كُلَّ مَوْقِعٍ. وَقَدْ ذُكِرَ غَيْرُ هَذَا فِي خَبَرِ إِسْلامِ عُمَرَ ﵁ أَيْضًا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ. أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِيُّ وَأَبُو الْعِزِّ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ الْحَرَّانِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِما وَأَنَا حَاضِرٌ فِي الرَّابِعَةِ، قَالَ الأَوَّلُ: أَنَا أَبُو الْيُمْنِ الْكِنْدِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، وَقَالَ الثَّانِي: أَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ الْخُرَيْفِ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا حَاضِرٌ أَسْمَعُ فِي الْخَامِسَةِ قَالا: أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَسْنُونٍ قَالَ: أَنَا مُعَافَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زَكَرِيَّا بْنِ طَرَّازٍ قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ (يَعْنِي الْبَغَوِيَّ) ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خِرَاشٍ عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ ﵁ نَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، لَقَدِ اسْتَبْشَرَ أَهْلُ السَّمَاءِ بِإِسْلامِ عُمَرَ ﵁. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّلْحِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خِرَاشٍ.

стр. 144

ذكر الخبر عن دخول بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف في الشعب وما لقوا من سائر قريش في ذلك قَالَ أَبُو عُمَرَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ قَالَ: أَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبِي الأَسْوَدِ، وَأَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ، ثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، ثَنَا مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَيْسٍ، ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، وَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ، ثَنَا محمد بن إسحق الْمُسَيِّبِيُّ قَالا: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ قَالَ: ثِمَّ إِنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى قتل رسول الله ﷺ وَقَالُوا: قَدْ أَفْسَدَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا، فَقَالُوا لِقَوْمِهِ: خذوا منادية مُضَاعَفَةً وَيَقْتُلُهُ رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ قُرَيْشٍ وَتُرِيحُونَنَا وَتُرِيحُونَ أَنْفُسَكُمْ، فَأَبَى قَوْمُهُ بَنُو هَاشِمٍ مِنْ ذَلِكَ، فَظَاهَرَهُمْ بَنُو الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فَأَجْمَعَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى مُنَابَذَتِهِمْ وَإِخْرَاجِهِمْ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الشِّعْبِ، فَلَمَّا دَخَلُوا إِلَى الشِّعْبِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَكَانَ مَتْجَرًا لِقُرَيْشٍ، فَكَانَ يُثْنِي عَلَى النَّجَاشِيِّ بِأَنَّهُ لا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهَا عَامَّةُ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَدَخَلَ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شِعْبَهُمْ، مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ، فَالْمُؤْمِنُ دِينًا وَالْكَافِرُ حَمِيَّةً، فَلَمَّا عَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَدْ مَنَعَهُ قَوْمُهُ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لا يُبَايِعُوهُمْ، وَلا يُدْخِلُوا إِلَيْهِمْ شَيْئًا مِنَ الرِّفْقِ، وَقَطَعُوا عَنْهُمُ الأَسْوَاقَ، وَلَمْ يَتْرُكُوا طَعَامًا وَلا إِدَامًا وَلا بَيْعًا إِلَّا بَادَرُوا إِلَيْهِ وَاشْتَرَوْهُ دُونَهُمْ، وَلا يُنَاكِحُوهُمْ وَلا يَقْبَلُوا مِنْهُمْ صُلْحًا أَبَدًا، وَلا تَأْخُذُهُمْ بِهِمْ رَأْفَةٌ حَتَّى يُسَلِّمُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِلْقَتْلِ، وَكَتَبُوا بِذَلِكَ صَحِيفَةً وَعَلَّقُوهَا فِي الْكَعْبَةِ، وَتَمَادَوْا عَلَى الْعَمَلِ بِمَا فِيهَا مِنْ ذَلِكَ ثَلاثَ سِنِينَ، فَاشْتَدَّ الْبَلاءُ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ فِي شِعْبِهِمْ وَعَلَى كُلِّ مَنْ مَعَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ رَأْسُ ثَلاثِ سِنِينَ تَلاوَمَ قَوْمٌ مِنْ قُصَيٍّ مِمَّنْ وَلَدَتْهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَمَنْ سِوَاهُمْ، فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى نَقْضِ مَا تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ مِنَ الْغَدْرِ وَالْبَرَاءَةِ،

стр. 145

وَبَعَثَ اللَّهُ عَلَى صَحِيفَتِهِمُ الأَرَضَةَ [١] فَأَكَلَتْ وَلَحَسَتْ مَا فِي الصَّحِيفَةِ مِنْ مِيثَاقٍ وَعَهْدٍ، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ فِي طُولِ مُدَّتِهِمْ فِي الشِّعْبِ، يَأْمُرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَيَأْتِي فِرَاشَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ حَتَّى يَرَاهُ مَنْ أَرَادَ بِهِ شَرًّا أَوْ غَائِلَةً، فَإِذَا نَامَ الناس أمر أحد بنيه أو إخوته أبو بَنِي عَمِّهِ فَاضْطَجَعَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وأمر رسول الله ﷺ أَنْ يَأْتِيَ بَعْضَ فُرُشِهِمْ فَيَرْقُدُ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَزَالُوا فِي الشِّعْبِ عَلَى ذَلِكَ إِلَى تَمَامِ ثَلاثِ سِنِينَ، وَلَمْ تَتْرُكِ الأَرَضَةُ فِي الصَّحِيفَةِ اسْمًا لِلَّهِ إِلَّا لَحَسَتْهُ، وَبَقِيَ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ شِرْكٍ أَوْ ظُلْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، فأطلع الله ورسوله عَلَى ذَلِكَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لأَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: لا وَالثَّوَاقِبِ مَا كَذَبْتَنِي، فَانْطَلَقَ فِي عِصَابَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أَتَوُا الْمَسْجِدَ وَهُمْ خَائِفُونَ لِقُرَيْشٍ، فَلَمَّا رَأَتْهُمْ قُرَيْشٌ فِي جَمَاعَةٍ أَنْكَرُوا ذَلِكَ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ شِدَّةِ الْبَلاءِ لِيُسَلِّمُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِرُمَّتِهِ إِلَى قُرَيْشٍ، فَتَكَلَّمَ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ: قَدْ جَرَتْ أُمُورٌ بَيْنَنَا وبينكم نذكرها لكم فأتوا بِصَحِيفَتِكُمُ الَّتِي فِيهَا مَوَاثِيقُكُمْ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ صُلْحٌ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ خَشْيَةَ أَنْ يَنْظُرُوا فِي الصَّحِيفَةِ قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا بِهَا، فَأَتَوْا بِصَحِيفَتِهِمْ مُعْجِبِينَ، لا يَشُكُّونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُدْفَعُ إِلَيْهِمْ، فَوَضَعُوهَا بَيْنَهُمْ وَقَالُوا لأَبِي طَالِبٍ: قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَرْجِعُوا عَمَّا أَحْدَثْتُمْ عَلَيْنَا وَعَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: إِنَّمَا أَتَيْتُكُمْ فِي أَمْرٍ هُوَ نِصْفٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، إِنَّ ابْنَ أَخِي أَخْبَرَنِي وَلَمْ يَكْذِبْنِي، أَنَّ هَذِهِ الصَّحِيفَةَ الَّتِي فِي أَيْدِيكُمْ قَدْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهَا دَابَّةً فَلَمْ تَتْرُكْ فِيهَا اسْمًا لَهُ إِلَّا لَحَسَتْهُ، وَتَرَكَتْ فِيهَا غَدْرُكُمْ وَتَظَاهُرُكُمْ عَلَيْنَا بِالظُّلْمِ، فَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ كَمَا يَقُولُ فَأَفِيقُوا فَلا وَاللَّهِ لا نُسَلِّمُهُ حَتَّى نَمُوتَ مِنْ عِنْدِ آخِرِنَا، وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَقُولُ بَاطِلا دَفَعْنَا إِلَيْكُمْ صَاحِبَنَا فَقَتَلْتُمْ أَوِ اسْتَحْيَيْتُمْ، فَقَالُوا: قَدْ رَضِينَا بِالَّذِي تَقُولُ، فَفَتَحُوا الصَّحِيفَةَ فَوَجَدُوا الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ ﷺ قَدْ أَخْبَرَ بِخَبَرِهَا قَبْلَ أَنْ تُفْتَحَ، فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ صِدْقَ مَا جَاءَ بِهِ أَبُو طَالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: هَذَا سِحْرُ ابْنِ أَخِيكَ، وَزَادَهُمْ ذَلِكَ بَغْيًا وَعُدْوَانًا. وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قَالَ لأَبِي طَالِبٍ: «يَا عَمِّ: إِنَّ رَبِي قَدْ سَلَّطَ الأَرَضَةَ عَلَى صَحِيفَةِ قُرَيْشٍ، فَلَمْ تَدَعْ فِيهَا اسْمًا لِلَّهِ إِلَّا أَثْبَتَتْهُ وَنَفَتْ مِنْهَا الْقَطِيعَةَ وَالظُّلْمَ وَالْبُهْتَانَ» ، قَالَ: أَرَبُّكَ أَخْبَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ:
следующие страницы →