Полный текст (766 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
يهده [١] » وقال: فَفَتَحُوا لِي وَأَخَذَ رَجُلانِ بِعَضُدَيَّ حَتَّى دَنَوْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ:
«أَرْسِلُوهُ» قَالَ: فَأَرْسَلُونِي، فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: فَأَخَذَ بِمَجْمَعِ قَمِيصِي فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «أسلم يا ابن الْخَطَّابِ، اللَّهُمَّ اهْدِهِ»
قَالَ: قُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: فَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ تَكْبِيرَةً سُمِعَتْ بِطُرُقِ مَكَّةَ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَمَ اسْتَخْفَى، ثُمَّ خَرَجْتُ فَكُنْتُ لا أَشَاءُ أَنْ أَرَى رَجُلا إِذَا أَسْلَمَ ضُرِبَ إِلَّا رَأَيْتُهُ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ: لا أُحِبُّ أَنْ لا يُصِيبَنِي مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ:
فَذَهَبْتُ إِلَى خَالِي وَكَانَ شَرِيفًا فِيهِمْ فَقَرَعْتُ الْبَابَ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: ابْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيَّ فَقُلْتُ لَهُ: أَشَعَرْتَ إِنِّي قَدْ صَبَوْتُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ:
نَعَمْ، قَالَ: لا تَفْعَلْ، قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَدْ فَعَلْتُ، قَالَ: لا تَفْعَلْ، فَأَجَافَ الْبَابَ دُونِي وَتَرَكَنِي، قال: قلت: ما هذا بشيء؟ قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ رَجُلا مِنْ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ فَقَرَعْتُ عَلَيْهِ الْبَابَ قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ شَعَرْتَ إِنِّي قَدْ صَبَوْتُ؟ فَقَالَ: أَوَ فَعَلْتَ، قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: فَلا تَفْعَلْ، قُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، قَالَ: لا تَفْعَلْ، ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ فَأَجَافَ الْبَابَ دُونِي، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ انْصَرَفْتُ، فَقَالَ لِي رَجُلٌ: تُحِبُّ أَنْ يُعْلَمَ إِسْلامُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِذَا جَلَسَ النَّاسُ فِي الْحِجْرِ وَاجْتَمَعُوا أَتَيْتَ فُلانًا لِرَجُلٍ لَمْ يَكُنْ يَكْتُمُ السِّرَّ فَاصْغَ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ إِنِّي قَدْ صَبَوْتُ، فَإِنَّهُ سَوْفَ يُظْهِرُ عَلَيْكَ ذلك ويصيح ويعلنه، قَالَ: فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ فِي الْحِجْرِ، جِئْتُ إِلَى الرَّجُلِ فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَقُلْتُ: أَعَلِمْتَ إِنِّي قَدْ صَبَوْتُ؟ قَالَ: فَقَالَ: أَصَبَوْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ:
فَرَفَعَ صَوْتَهُ بِأَعْلاهُ قَالَ: أَلَا إِنَّ ابْنَ الْخَطَّابِ قَدْ صَبَأَ؟ قَالَ: فَمَا زَالَ النَّاسُ يَضْرِبُونِي وَضَرَبْتُهُمْ، قَالَ: فَقَالَ خَالِي: مَا هَذَا؟ قَالَ: فَقِيلَ: ابْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: فَقَامَ عَلَيَّ فِي الْحَجَرِ فَأَشَارَ بِكُمِّهِ فَقَالَ: أَلَا إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ ابْنَ أُخْتِي، قَالَ: فَانْكَشَفَ النَّاسُ عَنِّي، قَالَ: وَكُنْتُ لا أَشَاءُ أَنْ أَرَى أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُضْرَبُ إِلَّا رَأَيْتُهُ وَأَنَا لا أُضْرَبُ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِشَيْءٍ حَتَّى يُصِيبَنِي مِثْلَ مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: فَأَمْهَلْتُ، حَتَّى إِذَا جَلَسَ النَّاسُ فِي الْحَجَرِ وَصَلْتُ إلى خالي فقلت: اسمع، فقال: ما أَسْمَعُ، قَالَ: قُلْتُ: جِوَارُكَ عَلَيْكَ رَدٌّ، قَالَ: فقال: لا تفعل يا ابن أختي، قال: قلت: بلى
стр. 142
هُوَ ذَاكَ، فَقَالَ: مَا شِئْتَ، قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَضْرِبُ وَأَضْرِبُ حَتَّى أَعَزَّ اللَّهُ الإِسْلامَ.
وروينا هذا الخبر من طريق ابن إسحق وَفِيهِ قَالَ: وَكَانَ إِسْلامُ عُمَرَ فِيمَا بَلَغَنِي أَنَّ أُخْتَهُ فَاطِمَةَ وَكَانَتْ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ كَانَتْ قَدْ أَسْلَمَتْ وَأَسْلَمَ زَوْجُهَا سَعِيدٌ وَهُمْ مُسْتَخْفُونَ بِإِسْلامِهِمْ مِنْ عُمَرَ، وَكَانَ نُعَيْمٌ النَّحَّامُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ قَدْ أَسْلَمَ، وَفِيهِ أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ مُتَوَشِّحًا سَيْفَهُ يَقْصِدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ وَهُمْ قَرِيبٌ مِنْ أَرْبَعِينَ بَيْنَ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ، وَأَنَّ الَّذِي قَالَ لَهُ مَا قَالَ نُعَيْمٌ، وَأَنَّ خَبَّابًا كَانَ فِي بَيْتِ أُخْتِهِ يُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ، وَأَنَّ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحِيفَةِ سُورَةُ طَه [١] وَأَنَّ الَّذِي أَذِنَ فِي دُخُولِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَالرَّجُلُ الَّذِي صَرَّحَ بِإِسْلامِ عمر عند ما قَالَهُ جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ الْجُمَحِيُّ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: ذُو الْقَلْبَيْنِ، وَفِيهِ نَزَلَتْ: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [٢] عَلَى أَحَدِ الأَقْوَالِ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
وَكَيْفَ ثَوَائِي بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ مَا ... قَضَى وَطَرًا مِنْهَا جميل بن معمر
وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَائِذٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وفيها: فأتيته بصحفة فِيهَا طه فَقَرَأَ فِيهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ عُمَرُ: فَلَمَّا بَلَغَ: فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى [٣] قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
وَفِيهَا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْتَفْتِحُ؟ فقال رسول الله ﷺ : «ائْذَنُوا لَهُ فَإِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يَهْدِهِ وَإِلَّا كُفِيتُمُوهُ بِإِذْنِ اللَّهِ» قَالَ مُحَمَّدٌ: يَعْنِي ابْنَ عَائِذٍ، وَهَذَا وَهْمٌ، وَإِنَّمَا الَّذِي قَالَ: «إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا وَإِلَّا كُفِيتُمُوهُ حَمْزَة»
وَفِي الْخَبَرِ عَنِ ابْنِ عَائِذٍ قَالَ عُمَرُ: فَحَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ أَبَاهُ زَيْدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ حَدَّثَهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: فَبَيْنَا هُوَ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ إِذْ جَاءَهُ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ عَلَيْهِ حُلَّةٌ وَقَمِيصٌ مُكَفَّفٌ بِالْحَرِيرِ، فقال: مالك يا ابن الخطاب؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلوني إِذَا أَسْلَمْتُ، قَالَ الْعَاصُ: لا سَبِيلَ إِلَيْكَ، فَمَا عَدَا أَنْ قَالَهَا الْعَاصُ فَأمنت عَلَيْهِ، قال عبد الله بن عمر: فخرج عمرو العاص، فإذا
стр. 143
الْوَادِي قَدْ سَالَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَيْنَ تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: هَذَا الَّذِي قَدْ خَالَفَ دِينَ قَوْمِهِ، قَالَ: لا سَبِيلَ إِلَيْهِ فَارْجِعُوا، فَرَجَعُوا وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَنْجَرَ الحافظ فيما رأيته عنده بِإِسْنَادِهِ إِلَى شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: خَرَجْتُ أَتَعَرَّضُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْحَاقَّةِ، فَجَعَلْتُ أَتَعَجَّبُ مِنْ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ، فَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ شَاعِرٌ كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ، فَقَرَأَ: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ [١] قَالَ: قُلْتُ:
كَاهِنٌ عَلِمَ مَا فِي نَفْسِي، فَقَرَأَ: وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [٢] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، قَالَ: فَوَقَعَ الإِسْلامُ فِي قَلْبِي كُلَّ مَوْقِعٍ. وَقَدْ ذُكِرَ غَيْرُ هَذَا فِي خَبَرِ إِسْلامِ عُمَرَ ﵁ أَيْضًا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.
أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِيُّ وَأَبُو الْعِزِّ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ الْحَرَّانِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِما وَأَنَا حَاضِرٌ فِي الرَّابِعَةِ، قَالَ الأَوَّلُ: أَنَا أَبُو الْيُمْنِ الْكِنْدِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، وَقَالَ الثَّانِي: أَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ الْخُرَيْفِ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا حَاضِرٌ أَسْمَعُ فِي الْخَامِسَةِ قَالا: أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَسْنُونٍ قَالَ: أَنَا مُعَافَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زَكَرِيَّا بْنِ طَرَّازٍ قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ (يَعْنِي الْبَغَوِيَّ) ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خِرَاشٍ عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ ﵁ نَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، لَقَدِ اسْتَبْشَرَ أَهْلُ السَّمَاءِ بِإِسْلامِ عُمَرَ ﵁. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّلْحِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خِرَاشٍ.
стр. 144
ذكر الخبر عن دخول بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف في الشعب وما لقوا من سائر قريش في ذلك
قَالَ أَبُو عُمَرَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ قَالَ: أَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبِي الأَسْوَدِ، وَأَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ، ثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، ثَنَا مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَيْسٍ، ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، وَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ، ثَنَا محمد بن إسحق الْمُسَيِّبِيُّ قَالا: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ قَالَ: ثِمَّ إِنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى قتل رسول الله ﷺ وَقَالُوا: قَدْ أَفْسَدَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا، فَقَالُوا لِقَوْمِهِ: خذوا منادية مُضَاعَفَةً وَيَقْتُلُهُ رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ قُرَيْشٍ وَتُرِيحُونَنَا وَتُرِيحُونَ أَنْفُسَكُمْ، فَأَبَى قَوْمُهُ بَنُو هَاشِمٍ مِنْ ذَلِكَ، فَظَاهَرَهُمْ بَنُو الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فَأَجْمَعَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى مُنَابَذَتِهِمْ وَإِخْرَاجِهِمْ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الشِّعْبِ، فَلَمَّا دَخَلُوا إِلَى الشِّعْبِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَكَانَ مَتْجَرًا لِقُرَيْشٍ، فَكَانَ يُثْنِي عَلَى النَّجَاشِيِّ بِأَنَّهُ لا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهَا عَامَّةُ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَدَخَلَ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شِعْبَهُمْ، مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ، فَالْمُؤْمِنُ دِينًا وَالْكَافِرُ حَمِيَّةً، فَلَمَّا عَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَدْ مَنَعَهُ قَوْمُهُ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لا يُبَايِعُوهُمْ، وَلا يُدْخِلُوا إِلَيْهِمْ شَيْئًا مِنَ الرِّفْقِ، وَقَطَعُوا عَنْهُمُ الأَسْوَاقَ، وَلَمْ يَتْرُكُوا طَعَامًا وَلا إِدَامًا وَلا بَيْعًا إِلَّا بَادَرُوا إِلَيْهِ وَاشْتَرَوْهُ دُونَهُمْ، وَلا يُنَاكِحُوهُمْ وَلا يَقْبَلُوا مِنْهُمْ صُلْحًا أَبَدًا، وَلا تَأْخُذُهُمْ بِهِمْ رَأْفَةٌ حَتَّى يُسَلِّمُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِلْقَتْلِ، وَكَتَبُوا بِذَلِكَ صَحِيفَةً وَعَلَّقُوهَا فِي الْكَعْبَةِ، وَتَمَادَوْا عَلَى الْعَمَلِ بِمَا فِيهَا مِنْ ذَلِكَ ثَلاثَ سِنِينَ، فَاشْتَدَّ الْبَلاءُ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ فِي شِعْبِهِمْ وَعَلَى كُلِّ مَنْ مَعَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ رَأْسُ ثَلاثِ سِنِينَ تَلاوَمَ قَوْمٌ مِنْ قُصَيٍّ مِمَّنْ وَلَدَتْهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَمَنْ سِوَاهُمْ، فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى نَقْضِ مَا تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ مِنَ الْغَدْرِ وَالْبَرَاءَةِ،
стр. 145
وَبَعَثَ اللَّهُ عَلَى صَحِيفَتِهِمُ الأَرَضَةَ [١] فَأَكَلَتْ وَلَحَسَتْ مَا فِي الصَّحِيفَةِ مِنْ مِيثَاقٍ وَعَهْدٍ، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ فِي طُولِ مُدَّتِهِمْ فِي الشِّعْبِ، يَأْمُرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَيَأْتِي فِرَاشَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ حَتَّى يَرَاهُ مَنْ أَرَادَ بِهِ شَرًّا أَوْ غَائِلَةً، فَإِذَا نَامَ الناس أمر أحد بنيه أو إخوته أبو بَنِي عَمِّهِ فَاضْطَجَعَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وأمر رسول الله ﷺ أَنْ يَأْتِيَ بَعْضَ فُرُشِهِمْ فَيَرْقُدُ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَزَالُوا فِي الشِّعْبِ عَلَى ذَلِكَ إِلَى تَمَامِ ثَلاثِ سِنِينَ، وَلَمْ تَتْرُكِ الأَرَضَةُ فِي الصَّحِيفَةِ اسْمًا لِلَّهِ إِلَّا لَحَسَتْهُ، وَبَقِيَ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ شِرْكٍ أَوْ ظُلْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، فأطلع الله ورسوله عَلَى ذَلِكَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لأَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: لا وَالثَّوَاقِبِ مَا كَذَبْتَنِي، فَانْطَلَقَ فِي عِصَابَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أَتَوُا الْمَسْجِدَ وَهُمْ خَائِفُونَ لِقُرَيْشٍ، فَلَمَّا رَأَتْهُمْ قُرَيْشٌ فِي جَمَاعَةٍ أَنْكَرُوا ذَلِكَ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ شِدَّةِ الْبَلاءِ لِيُسَلِّمُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِرُمَّتِهِ إِلَى قُرَيْشٍ، فَتَكَلَّمَ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ: قَدْ جَرَتْ أُمُورٌ بَيْنَنَا وبينكم نذكرها لكم فأتوا بِصَحِيفَتِكُمُ الَّتِي فِيهَا مَوَاثِيقُكُمْ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ صُلْحٌ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ خَشْيَةَ أَنْ يَنْظُرُوا فِي الصَّحِيفَةِ قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا بِهَا، فَأَتَوْا بِصَحِيفَتِهِمْ مُعْجِبِينَ، لا يَشُكُّونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُدْفَعُ إِلَيْهِمْ، فَوَضَعُوهَا بَيْنَهُمْ وَقَالُوا لأَبِي طَالِبٍ: قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَرْجِعُوا عَمَّا أَحْدَثْتُمْ عَلَيْنَا وَعَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: إِنَّمَا أَتَيْتُكُمْ فِي أَمْرٍ هُوَ نِصْفٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، إِنَّ ابْنَ أَخِي أَخْبَرَنِي وَلَمْ يَكْذِبْنِي، أَنَّ هَذِهِ الصَّحِيفَةَ الَّتِي فِي أَيْدِيكُمْ قَدْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهَا دَابَّةً فَلَمْ تَتْرُكْ فِيهَا اسْمًا لَهُ إِلَّا لَحَسَتْهُ، وَتَرَكَتْ فِيهَا غَدْرُكُمْ وَتَظَاهُرُكُمْ عَلَيْنَا بِالظُّلْمِ، فَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ كَمَا يَقُولُ فَأَفِيقُوا فَلا وَاللَّهِ لا نُسَلِّمُهُ حَتَّى نَمُوتَ مِنْ عِنْدِ آخِرِنَا، وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَقُولُ بَاطِلا دَفَعْنَا إِلَيْكُمْ صَاحِبَنَا فَقَتَلْتُمْ أَوِ اسْتَحْيَيْتُمْ، فَقَالُوا: قَدْ رَضِينَا بِالَّذِي تَقُولُ، فَفَتَحُوا الصَّحِيفَةَ فَوَجَدُوا الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ ﷺ قَدْ أَخْبَرَ بِخَبَرِهَا قَبْلَ أَنْ تُفْتَحَ، فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ صِدْقَ مَا جَاءَ بِهِ أَبُو طَالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: هَذَا سِحْرُ ابْنِ أَخِيكَ، وَزَادَهُمْ ذَلِكَ بَغْيًا وَعُدْوَانًا.
وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قَالَ لأَبِي طَالِبٍ: «يَا عَمِّ: إِنَّ رَبِي قَدْ سَلَّطَ الأَرَضَةَ عَلَى صَحِيفَةِ قُرَيْشٍ، فَلَمْ تَدَعْ فِيهَا اسْمًا لِلَّهِ إِلَّا أَثْبَتَتْهُ وَنَفَتْ مِنْهَا الْقَطِيعَةَ وَالظُّلْمَ وَالْبُهْتَانَ» ، قَالَ: أَرَبُّكَ أَخْبَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ:
стр. 146
فَوَاللَّهِ مَا يَدْخُلُ عَلَيْكَ أَحَدٌ،
ثُمَّ خَرَجَ إِلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّ ابْنَ أَخِي أَخْبَرَنِي، وَسَاقَ الْخَبَرَ بِمَعْنَى مَا ذكرناه.
وقال ابن إسحق وَابْنُ عُقْبَةَ وَغَيْرُهُمَا: وَنَدِمَ مِنْهُمْ قَوْمٌ فَقَالُوا: هَذَا بَغْيٌ مِنَّا عَلَى إِخْوَانِنَا وَظُلْمٌ لَهُمْ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ مَشَى فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ هِشَامُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ الْعَامِرِيُّ وَهُوَ كَانَ كَاتِبَ الصَّحِيفَةِ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ الْعَاصُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَالْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ. إِلَى هُنَا انْتَهَى خَبَرُ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ يَتِيمِ عُرْوَةَ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. وذكر ابن إسحق فِيهِمْ زُهَيْرَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيَّ وَزَمْعَةَ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ. وَذَكَرَ ابن إسحق فِي أَوَّلِ هَذَا الْخَبَرِ قَالَ:
وَقَدْ كَانَ أبو جهل فيما يذكرون لقي حكيم بن حِزَامٍ وَمَعَهُ غُلامٌ يَحْمِلُ قَمْحًا يُرِيدُ بِهِ عَمَّتَهُ خَدِيجَةَ وَهِيَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الشِّعْبِ، فَتَعَلَّقَ بِهِ وَقَالَ: أَتَذْهَبُ بِالطَّعَامِ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ طَعَامٌ كَانَ لِعَمَّتِهِ عِنْدَهُ، أَفَتَمْنَعُهُ أَنْ يَأْتِيَهَا بِطَعَامِهَا خَلِّ سَبِيلَ الرَّجُلِ، فَأَبَى أَبُو جَهْلٍ حَتَّى نَالَ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، فَأَخَذَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ لَحْيَ [١] بَعِيرٍ فَضَرَبَهُ بِهِ فَشَجَّهُ وَوَطِئَهُ وَطْئًا شَدِيدًا.
وَذَكَرَ أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ هِشَامَ بْنَ عَمْرٍو الْعَامِرِيَّ الْمَذْكُورَ وَقَالَ: كَانَ أَوْصَلَ قُرَيْشٍ لِبَنِي هَاشِمٍ حِينَ حُصِرُوا فِي الشِّعْبِ أَدْخَلَ عليهم في ليلة ثلاث أَحْمَالٍ طَعَامًا، فَعَلِمَتْ بِذَلِكَ قُرَيْشٌ، فَمَشَوْا إِلَيْهِ حِينَ أَصْبَحَ، فَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي غَيْرُ عَائِدٍ لِشَيْءٍ خَالَفَكُمْ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، ثُمَّ عَادَ الثَّانِيَةَ فَأَدْخَلَ عَلَيْهِمْ لَيْلا حِمْلا أَوْ حِمْلَيْنِ، فَغَالَظَتْهُ قُرَيْشٌ وَهَمَّتْ بِهِ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: دَعُوهُ رَجُلٌ وَصَلَ أَهْلَ رَحِمِهِ، أَمَا إِنِّي أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَوْ فَعَلْنَا مِثْلَ مَا فَعَلَ كَانَ أَحْسَنَ بِنَا. وَعَنِ ابْنِ سَعْدٍ: وَكَانَ الَّذِي كتب الصَّحِيفَةَ بَغِيضُ بْنُ عَامِرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ فَشُلَّتْ يَدُهُ، وَحَصَرُوا بَنِي هَاشِمٍ فِي شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ لَيْلَةَ هِلالِ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ حِينِ نبيء رسول الله ﷺ ، وكان خُرُوجُهُمْ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ، وَقِيلَ: مَكَثُوا فِي الشعب سنتين.
стр. 147
ذكر خبر أهل نجران
قال ابن إسحق: ثُمَّ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ عِشْرُونَ رَجُلا أَوْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مِنَ النَّصَارَى حِينَ بَلَغَهُمْ خَبَرُهُ مِنَ الْحَبَشَةِ، فَوَجَدُوهُ فِي الْمَسْجِدِ فَجَلَسُوا إِلَيْهِ وَكَلَّمُوهُ وَسَأَلُوهُ، وَرِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي أَنْدِيَتِهِمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ مَسْأَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمَّا أَرَادُوا دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَتَلا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ القرآن، فلما سمعوه فاضت [أعينهم] [١] مِنَ الدَّمْعِ، ثُمَّ اسْتَجَابُوا لَهُ وَآمَنُوا بِهِ وصدقوه، وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا كَانَ يُوصَفُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِمْ مِنْ أَمْرِهِ، فَلَمَّا قَامُوا عَنْهُ اعْتَرَضَهُمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرْيَشٍ، فَقَالَ لَهُمْ: خَيَّبَكُمُ اللَّهُ مِنْ رَكْبٍ بَعَثَكُمْ مَنْ وَرَاءَكُمْ مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ تَرْتَادُونَ لَهُمْ لِتَأْتُوهُمْ بِخَبَرِ الرَّجُلِ فَلَمْ تَطْمَئِنَّ مَجَالِسُكُمْ عِنْدَهُ حَتَّى فَارَقْتُمْ دِينَكُمْ وَصَدَّقْتُمُوهُ بِمَا قَالَ، ما نعلم ركبا أحمق منكم، أو كما قال، فقالوا لَهْمُ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نُجَاهِلُكُمْ، لَنَا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ وَلَكُمْ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، لَمْ نَأْلُ مِنْ أَنْفُسِنَا خَيْرًا. وَيُقَالُ: إِنَّ النَّفَرَ مِنَ النَّصَارَى مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ [٢] ، وَيُقَالُ: فِيهِمْ نَزَلَتْ: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إلى قوله لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [٣] وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مَا زِلْتُ أَسْمَعَ مِنْ عُلَمَائِنَا أنهن نزلن في النجاشي وأصحابه.
стр. 148
ذكر وَفَاةُ خَدِيجَةَ وَأَبِي طَالِبٍ
رُوِّينَا عَنِ الدَّوْلابِيِّ، ثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدم الْعِجْلِيُّ، ثَنَا زُهَيْرُ بْنُ الْعَلاءِ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ، وَهِيَ أول من آمن بالنبي ﷺ ، قَالَ: وَثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إسحق قَالَ: ثُمَّ أَنَّ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ وَأَبَا طَالِبٍ مَاتَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، فَتَتَابَعَتْ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ مُصِيبَتَانِ: هَلاكُ خَدِيجَةَ وَأَبِي طَالِبٍ، وَكَانَتْ خَدِيجَةُ وَزِيرَةَ صِدْقٍ عَلَى الإِسْلامِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْكُنُ إِلَيْهَا، قَالَ: وَقَالَ زياد البكائي عن ابن إسحق: إِنَّ خَدِيجَةَ وَأَبَا طَالِبٍ هَلَكَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ هَلاكُهُمَا بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ مَضَيْنَ مِنْ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مُهَاجِرِهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ. وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّ خَدِيجَةَ تُوُفِّيَتْ بَعْدَ أَبِي طَالِبٍ بِثَلاثَةِ أَيَّامٍ. وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ نَحْوَهُ.
وَعَنِ الْوَاقِدِيِّ: تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ أَبِي طَالِبٍ بِخَمْسٍ وَثَلاثِينَ لَيْلَةً، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الأَذَى مَا لَمْ تَكُنْ تَطْمَعُ فِيهِ فِي حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ، حَتَّى اعْتَرَضَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ فَنَثَرَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا،
فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَهُ وَالتُّرَابُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ فَجَعَلَتْ تَغْسِلُ عَنْهُ التُّرَابَ وَهِيَ تَبْكِي ورَسُول اللَّهِ ﷺ يقول: «لا تبك يَا بُنَيَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ مَانِعٌ أَبَاكِ» وَيَقُولُ بَيْنَ ذَلِكَ: «مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ» . قَالَ: وَلَمَّا اشتكى أبو طالب وبلغ قريش ثِقَلُهُ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ حَمْزَةَ وَعُمَرَ قَدْ أَسْلَمَا، وَقَدْ فَشَا أَمْرُ مُحَمَّدٍ فِي قَبَائِلِ قُرَيْشٍ كُلِّهَا، فَانْطَلَقُوا بِنَا إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَلْيَأْخُذْ لَنَا عَلَى ابْنِ أَخِيهِ وَلْيُعْطِهِ مِنَّا، فَإِنَّا وَاللَّهِ مَا نَأْمَنُ أَنْ يَنْتَبِزُونَا أَمْرَنَا، فَمَشَوْا إِلَى أَبِي طَالِبٍ وَكَلَّمُوهُ
стр. 149
وَهُمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِ: عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فِي رِجَالٍ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَقَالُوا يَا أَبَا طَالِبٍ: إِنَّكَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى، وَتَخَوَّفْنَا عَلَيْكَ، وَقَدْ عَلِمْتَ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَادْعُهُ وَخُذْ لَهُ مِنَّا وَخُذْ لنا منه، ليكف عنا ونكف عنه، وليد عنا وديننا وندعه ودينه، فبعث إليه أبو طالب فجاءه فقال: يا ابن أَخِي هَؤُلاءِ أَشْرَافُ قَوْمِكَ، وَقَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ لِيُعْطُوكَ وَلْيَأْخُذُوا مِنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نَعَمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً تُعْطُونِيهَا وَتَمْلِكُونَ بِهَا الْعَرَبَ وَتَدِينُ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ» فَقَالَ: أَبُو جَهْلٍ نَعَمْ وَأَبِيكَ وَعَشْرُ كَلِمَاتٍ، قال:
«تقولون لا إله إلا الله، وتخلعون مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ» قَالَ: فَصَفَّقُوا بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ قَالُوا:
يَا مُحَمَّدُ: أَتُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ أَمْرَكَ لَعَجَبٌ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:
وَاللَّهِ مَا هَذَا الرَّجُلُ بمعطيكم شَيْئًا مِمَّا تُرِيدُونَ فَانْطَلِقُوا وَامْضُوا عَلَى دِينِ آبائكم حتى يَحْكُمُ اللَّهُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : والله يا ابن أَخِي مَا رَأَيْتُكَ سَأَلْتَهُمْ شَحَطًا [١] ، فَلَمَّا قَالَهَا طَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ فَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ: «أَيّ عَمِّ فَأَنْتَ فقلها استحل لك به الشفاعة يوم القيامة، فلما رأى حرص رسول الله ﷺ عليه قال له: يا ابن أَخِي وَاللَّهِ لَوْلا مَخَافَةُ السَّبَّةِ عَلَيْكَ وَعَلَى بَنِي أَبِيكَ مِنْ بَعْدِي وَأَنْ تَظُنَّ قُرَيْشٌ أَنِّي إِنَّمَا قُلْتُهَا جَزَعًا مِنَ الْمَوْتِ لَقُلْتُهَا لا أقولها إلا لأسرك بها، فَلَمَّا تَقَارَبَ مِنْ أَبِي طَالِبٍ الْمَوْتُ نَظَرَ الْعَبَّاسُ إِلَيْهِ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فَأَصْغَى إِلَيْهِ بِأُذُنِهِ فقال: يا ابن أخي والله لقد قال أَخِي الْكَلِمَةَ الَّتِي أَمَرْتَهُ بَقْوِلَها، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ «لَمْ أَسْمَعْ» . كَذَا في رواية ابن إسحق أَنَّهُ أَسْلَمَ عِنْدَ الْمَوْتِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ أَبَوَيِ النَّبِيِّ ﷺ أَسْلَمَا أَيْضًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَحْيَاهُمَا لَهُ فَآمَنَا بِهِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضا فِي حَقِّ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهِيَ رِوَايَاتٌ لا مُعَوِّلَ عَلَيْهَا، وَالصَّحِيحُ مِنْ ذَلِكَ مَا
رَوَيْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فوجد عنده أبا جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المغيرة، فقال رسول الله ﷺ : «يَا عَمِّ قُلْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةٌ أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يا أبا طالب أترغب عن ملة
стр. 150
عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يعرضها عليه ويعيدان لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرُ مَا كَلَّمَهُمْ هُوَ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لا إِلَهَ إِلَّا الله، فقال رسول الله ﷺ : «أَمَا وَاللَّهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ : مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ [١] وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [٢] [٣] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا وَفِيهِ: لَوْلا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ يَقُولُونَ إِنَّمَا حمله على ذلك الخرع [٤] لأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ.
وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ ذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ: «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ [٥] مِنَ النار» .
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ»
وأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ [٦] بِقِرَاءَةِ وَالِدِي عَلَيْهِ: أَخْبَرَكُمْ أَبُو علي حنبل بن عبد الله بن الفرج قَالَ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ: أَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ الْمُذْهِبِ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَطِيعِيُّ قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا أَبِي ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جعفر، ثنا شعبة عن أبي إسحق قَالَ: سَمِعْتُ نَاجِيَةَ بْنَ كَعْبٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَبَا طَالِبٍ مَاتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ «اذْهَبْ فَوَارِهِ» فَقَالَ: إِنَّهُ مَاتَ مُشْرِكًا، قَالَ: «اذْهَبْ فَوَارِهِ» فَلَمَّا وَارَيْتُهُ رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لِي: «اغْتَسِلْ»
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ الْمَوْصِلِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ سَعَادَةَ الرُّصَافِيُّ قَالَ: أَنَا هِبَةُ الله بن محمد الشيباني قال: أنا الْحَسَنِ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن أحمد، ثنا
стр. 151
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ وَكِيعِ بْنِ عُدُسٍ عَنْ أَبِي رَزِينٍ عَمِّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ أُمِّي؟ قَالَ: «أُمُّكَ فِي النَّارِ، قَالَ: قُلْتُ: أَيْنَ مَنْ مَضَى مِنْ أَهْلِكَ؟ قَالَ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ أُمُّكَ مَعَ أُمِّي»
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ أَبِي: الصَّوَابُ حُدُسٌ. وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزَلْ رَاقِيًا فِي الْمَقَامَاتِ السَّنِيَّةِ صَاعِدًا فِي الدَّرَجَاتِ الْعَلِيَّةِ، إِلَى أَنْ قَبَضَ اللَّهُ رُوحَهُ الطَّاهِرَةَ إِلَيْهِ، وَأَزْلَفَهُ بِمَا خَصَّهُ بِهِ لَدَيْهِ مِنَ الْكَرَامَةِ حِينَ الْقُدُومِ عَلَيْهِ، فَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ دَرَجَةً حُصِّلَتْ لَهُ ﷺ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ، وَأَنْ يَكُونَ الإحياء وَالإِيمَانُ مُتَأَخِّرًا عَنْ تِلْكَ الأَحَادِيثِ، فَلا تُعَارَضُ.
وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: شَهَادَةُ الْعَبَّاسِ لأَبِي طَالِبٍ لَوْ أَدَّاهَا بَعْدَ مَا أَسْلَمَ كَانَتْ مَقْبُولَةً، لأَنَّ الْعَدْلَ إِذَا قَالَ سَمِعْتُ، وَقَالَ مَنْ هُوَ أعدل منه لم أسمع أخذا بِقَوْلِ مَنْ أَثْبَتَ السَّمَاعَ، وَلَكِنَّ الْعَبَّاسَ شَهِدَ بِذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ. قُلْتُ: قَدْ أَسْلَمَ الْعَبَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ حَالِ أَبِي طَالِبٍ فِيمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ يُوسُفَ بِقِرَاءَةِ أَبِي عَلَيْهِ،
وَقَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْهَيْجَاءِ غَازِي بْنِ أَبِي الْفَضْلِ قَالَ: أَنَا أَبُو حَفْصِ بن طبرزذ قَالَ: أَنَا ابْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: أَنَا أَبُو طَالِبِ بْنُ غَيْلانَ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ، ثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، ثَنَا سُفْيَانُ، ثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قال: سمعت عبد الله بن الحرث بْنِ نَوْفَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحْفَظُكَ وَيَنْصُرُكَ فَهَلْ نَفَعَهُ ذَاكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ وَجَدْتُهُ فِي غَمَرَاتٍ مِنَ النَّارِ فَأَخْرَجْتُهُ إِلَى ضَحْضَاحٍ» .
صَحِيحُ الإِسْنَادِ مَشْهُورٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ لأَدَّاهَا بَعْدَ إِسْلامِهِ، وَعَلِمَ حَالَ أَبِي طَالِبٍ وَلَمْ يَسْأَلْ، وَالْمُعْتَبر حَالَة الأَدَاءِ دون التحمل. وفيما ذكره السهيلي أن الحرث بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى أَبَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الرَّضَاعَةِ، قَدِمَ عَلَى رسول الله ﷺ مكة فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلامُهُ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ مِنْ طريق يونس بن بكير عن ابن إسحق عَنْ أَبِيهِ عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بن بكر.
стр. 152
ذكر خروج النبي ﷺ إلى الطَّائِفِ
وَذَلِكَ فِي لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ سنة عشر من النبوة، قال ابن إسحق: وَلَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ وَنَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رسول الله ﷺ ما لَمْ تَكُنْ تَنَالُ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ، خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ وَحْدَهُ- وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَمَعَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ- يَلْتَمِسُ النُّصْرَةَ مِنْ ثَقِيفٍ وَالْمَنَعَةَ بِهِمْ مِنْ قَوْمِهِ، وَرَجَاءَ أَنْ يَقْبَلُوا منه ما جاءهم به من اللَّهِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الطَّائِفِ عَمِدَ إِلَى نَفَرٍ مِنْ ثَقِيفٍ وَهُمْ يَوْمَئِذٍ سَادَةُ ثَقِيفٍ وَأَشْرَافُهُمْ وَهُمْ أُخْوَةٌ ثَلاثَةٌ: عَبْدُ يَالِيلَ، وَمَسْعُودٌ، وَحَبِيبٌ، بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُقْدَةَ بْنِ غَيْرَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ ثَقِيفٍ، وَعِنْدَ أَحَدِهِمُ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي جُمَحَ، فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَلَّمَهُمْ مَا جَاءَهُمْ لَهُ مِنْ نُصْرَتِهِ عَلَى الإِسْلامِ وَالْقِيَامِ مَعَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمْ وهو يَمْرُطُ [١] ثِيَابَ الْكَعْبَةِ: إِنْ كَانَ اللَّهُ أَرْسَلَكَ، وَقَالَ الآخَرُ: أَمَا وَجَدَ اللَّهُ أَحَدًا يُرْسِلُهُ غَيْرَكَ؟ وَقَالَ الثَّالِثُ: وَاللَّهِ لا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا، لَئِنْ كُنْتَ رَسُولا مِنَ اللَّهِ كَمَا تَقُولُ لأنت أعظم خطرا من أن أراد عَلَيْكَ الْكَلامَ، وَلَئِنْ كُنْتَ تَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ مَا يَنْبَغِي أَنْ أُكَلِّمَكَ،
فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِمْ وَقَدْ يَئِسَ مِنْ خَيْرِ ثَقِيفٍ، وَقَدْ قَالَ لَهُمْ فيما ذكر لي: «إذا فَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ فَاكْتُمُوا عَلَيَّ»
وَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبْلُغَ قومه، فلم يفعلوا، وأغروا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ وَعَبِيدَهُمْ يَسُبُّونَهُ وَيَصِيحُونَ بِهِ حَتَّى اجتمع عليه الناس، قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: قَعَدُوا لَهُ صَفَّيْنِ عَلَى طَرِيقِهِ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ صَفَّيْهِمْ جَعَلَ لا يَرْفَعُ رِجْلَيْهِ وَلا يَضَعُهُمَا إِلَّا رَضَخُوهُمَا بِالْحِجَارَةِ [٢] حَتَّى أَدْمَوْا رِجْلَيْهِ. زَادَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ: أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا أَذْلَقَتْهُ [٣] الحجارة، قعد إلى الأرض فيأخذون بعضديه
стр. 153
فَيُقِيمُونَهُ، فَإِذَا مَشَى رَجَمُوهُ وَهُمْ يَضْحَكُونَ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَقِيهِ بِنَفْسِهِ، حَتَّى لَقَدْ شُجَّ فِي رَأْسِهِ شِجَاجًا، قَالَ ابْنُ عُقْبَةَ: فَخَلُصَ مِنْهُمْ وَرِجْلاهُ تَسِيلانِ دَمًا، فَعَمِدَ إِلَى حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِهِمْ [١] فَاسْتَظَلَّ فِي ظِلِّ حَبَلَةٍ [٢] مِنْهُ وَهُوَ مَكْرُوبٌ مُوجَعٌ، وَإِذَا فِي الْحَائِطِ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، فَلَمَّا رَآهُمَا كَرِهَ مَكَانَهُمَا لِمَا يَعْلَمُ مِنْ عَدَاوَتِهِمَا لله ورسوله. قَالَ: فَلَمَّا رَآهُ ابْنَا رَبِيعَةَ وَمَا لَقِيَ تَحَرَّكَتْ لَهُ رَحِمَهُمَا، فَدَعُوا غُلامًا لَهُمَا نَصْرَانِيًّا يُقَالُ لَهُ: عَدَّاسٌ، فَقَالا لَهُ: خُذْ قُطْفًا مِنْ هَذَا الْعِنَبِ فَضَعْهُ فِي هَذَا الطَّبَقِ ثُمَّ اذْهَبْ بِهِ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ فَقُلْ لَهُ يَأْكُلُ مِنْهُ، فَفَعَلَ عَدَّاسٌ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهِ حَتَّى وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ لَهُ: كل،
فلما وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ» ثُمَّ أَكَلَ، فَنَظَرَ عَدَّاسٌ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لَكَلامٌ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ هَذِهِ الْبِلادِ، فقال له رسول الله ﷺ «وَمِنْ أَيِّ الْبِلادِ أَنْتَ يَا عَدَّاسُ، وَمَا دِينُكَ» ؟
قَالَ: نَصْرَانِيٌّ، وَأَنَا مِنْ أَهْلَ نِينَوَى، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مِنْ أَهْلِ قَرْيَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ يُونُسَ بْنِ مَتَّى» قَالَ لَهُ عَدَّاسٌ: وَمَا يُدْرِيكَ مَا يُونُسُ بْنُ مَتَّى! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ذَاكَ أَخِي كَانَ نَبِيًّا، وَأَنَا نَبِيٌّ» فَأَكَبَّ عَدَّاسٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ رَأْسَهُ وَيَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ،
فَلَمَّا جَاءَهُمَا عَدَّاسٌ قَالا لَهُ: وَيْلَكَ مَا لَكَ تُقَبِّلُ رَأْسَ هَذَا الرَّجُلِ وَيَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ، قَالَ: يَا سَيِّدِي مَا فِي الأَرْضِ شَيْءٌ خَيْرٌ مِنْ هَذَا، لَقَدْ أَعْلَمَنِي بِأَمْرٍ لا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ، قَالا: وَيْحَكَ يَا عَدَّاسُ لا يَصْرِفَنَّكَ عَنْ دِينِكَ فَإِنَّ دِينَكَ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ.
وَرُوِّينَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ : هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ عَلَيْكَ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ لَقِيتَ مِنْ قَوْمِكِ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كَلالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ عَلَى وَجْهِي وَأَنَا مَهْمُومٌ، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ذَلِكَ لَكَ فَمَا شِئْتَ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ» فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بل أرجو أن يخرج الله من
стр. 154
أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» . وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا انْصَرَفَ عَنْ أَهْلِ الطَّائِفِ وَلَمْ يُجِيبُوهُ لِمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَصْدِيقِهِ وَنُصْرَتِهِ صَارَ إِلَى حِرَاءَ ثُمَّ بَعَثَ إِلَى الأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ لِيُجِيرَهُ، فَقَالَ: أَنَا حَلِيفٌ، وَالْحَلِيفُ لا يُجِيرُ، فَبَعَثَ إِلَى سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو فَقَالَ: إِنَّ بَنِي عَامِرٍ لا تُجِيرُ عَلَى بَنِي كَعْبٍ، فَبَعَثَ إِلَى الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ،
ثُمَّ تَسَلَّحَ الْمُطْعِمُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَخَرَجُوا حَتَّى أَتَوُا الْمَسْجِدَ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِ ادْخُلْ، فَدَخَلَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى عِنْدَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ. وَلأَجْلِ هَذِهِ السَّابِقَةِ الَّتِي سَلَفَتْ لِلْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ
قال رسول الله ﷺ فِي أُسَارَى بَدْرٍ: «لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلاءِ النَّتْنَى لتركتهم له» [١] .
стр. 155
ذكر إِسْلامُ الْجِنِّ
وَفِي انْصِرَافِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الطَّائِفِ رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ حِينَ يَئِسَ مِنْ خَيْرِ ثَقِيفٍ، مَرَّ بِهِ النَّفَرُ مِنَ الْجِنِّ وَهُوَ بِنَخْلَةٍ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُمْ فِيمَا ذكر ابن إسحق سَبْعَةٌ مِنْ جِنِّ نَصِيبِينَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَامَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ وَهُوَ يُصَلِّي، وَالْخَبَرُ بِذَلِكَ ثَابِتٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْفَتْحِ الصُّورِيِّ بِمَرْجِ دِمَشْقَ، أَخْبَرَكُمْ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْحَرَسْتَانِيِّ سَمَاعًا عَلَيْهِ فَأَقَرَّ بِهِ قَالَ: أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ طَاهِرُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مَكِّيٌّ قَالَ:
أَنَا الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ الْحَلَبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي إسحق بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ (يَعْنِي سُلَيْمَانَ بْنَ سَيْفٍ) ثَنَا أَيُّوبُ بْنُ خَالِدٍ، ثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَرِيفٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ صَرَفَ اللَّهُ النَّفَرَ مِنَ الْجِنِّ: الْحَدِيثَ.
وَرُوِّينَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْمُعَلَّى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الْهِجْرَةِ إِلَى نَوَاحِي مَكَّةَ، فَخَطَّ لِي خَطًّا وَقَالَ: «لا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى آتِيَكَ» ثُمَّ قَالَ: «لا يَرُوعَنَّكَ» أَوْ: «لا يَهُولَنَّكَ شَيْءٌ تَرَاهُ» ثُمَّ جَلَسَ، فَإِذَا رِجَالٌ سُودٌ كَأَنَّهُمْ رِجَالُ الزُّطِّ [١] قَالَ: وَكَانُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ: كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً [٢] فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُومَ فَأَذُبُّ عَنْهُ بَالِغًا مَا بَلَغْتُ، ثُمَّ ذَكَرْتُ عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَكَثْتُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ تَفَرَّقُوا عَنْهُ، فَسَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ شقتنا بعيدة ونحن منطلقون فزودنا
стр. 156
الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: فَلَمَّا وَلَّوْا قُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ؟ قَالَ: «هَؤُلاءِ جِنُّ نَصِيبِينَ» . وَرُوِّينَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَفِيهِ: قَالَ: ثُمَّ شَبَّكَ أَصَابِعَهُ فِي أَصَابِعِي وَقَالَ: «إِنِّي وُعِدْتُ أَنْ تُؤْمِنَ بِي الْجِنُّ وَالإِنْسُ، فَأَمَّا الإِنْسُ فَقَدْ آمَنَتْ بِي، وَأَمَّا الْجِنُّ فَقَدْ رَأَيْتَ» .
وَرَوَى أَبُو عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْجِنِّ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ سمرة فَآذَنَتْهُ بِهِمْ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي عبيدة أن مسروقا قال له أبوه:
أخبرنا إِنَّ شَجَرَةً أَنْذَرَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِالْجِنِّ.
وَرُوِّينَا حَدِيثُ أَبِي فَزَارَةَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ، فَلْيَقُمْ مَعِي رَجُلٌ مِنْكُمْ، وَلا يَقُمْ رَجُلٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ» ، فَقُمْتُ مَعَهُ وَأَخَذْتُ إِدَاوَةً فِيهَا نَبِيذٌ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا بَرَزَ خَطَّ لِي خَطًّا وَقَالَ لِي: «لا تَخْرُجْ مِنْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ خَرَجْتَ لَمْ تَرَنِي وَلَمْ أَرَكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ، فَتَوَارَى عَنِّي حَتَّى لَمْ أَرَهُ، فَلَمَّا سَطَعَ الْفَجْرُ أَقْبَلَ، فَقَالَ لِي: «أَرَاكَ قَائِمًا» ، فَقُلْتُ: مَا قَعَدْتُ، فَقَالَ: «مَا عَلَيْكَ لَوْ فَعَلْتَ» قُلْتُ: خَشِيتُ أَنْ أَخْرُجَ مِنْهُ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّكَ لَوْ خَرَجْتَ مِنْهُ لَمْ تَرَنِي وَلَمْ أَرَكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، هَلْ مَعَكَ وُضُوءٌ» ؟
قُلْتُ: لا، فَقَالَ: «ما هذه الأدواة» قلت: فيها نبيذ، قال: «تمرة طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ» فَتَوَضَّأَ وَأَقَامَ الصَّلاةَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلانِ مِنَ الْجِنِّ فَسَأَلاهُ الْمَتَاعَ فَقَالَ: «أَلَمْ آمُرْ لَكُمَا وَلِقَوْمِكُمَا بِمَا يُصْلِحُكُمَا» ؟ قَالا: بَلَى، وَلَكِنْ أَحْبَبْنَا أَنْ يَشْهَدَ بَعْضُنَا مَعَكَ الصَّلاةَ، فَقَالَ: «مِمَّنْ أَنْتُمَا» ؟ قَالا: مِنْ أَهْلِ نَصِيبِينَ، فَقَالَ: «أَفْلَحَ هَذَانِ وَأَفْلَحَ قَوْمُهُمَا» وَأَمَرَ لَهُمَا بِالرَّوْثِ وَالْعَظْمِ طَعَامًا وَلَحْمًا، وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ أَوْ رَوْثَةٍ [١] . رُوِّينَاهُ مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ وَهَذَا لَفْظُهُ. وَمِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ وَإِسْرَائِيلَ وَشَرِيكٍ وَالْجَرَّاحِ بْنِ مَلِيحٍ وَأَبِي عُمَيْسٍ كُلِّهِمْ عَنْ أَبِي فَزَارَةَ وَغَيْرِ طَرِيقِ أَبِي فَزَارَةَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَقْوَى مِنْهَا لِلْجَهَالَةِ الْوَاقِعَةِ فِي أَبِي زَيْدٍ، وَلَكِنَّ أَصْلَ الْحَدِيثِ مَشْهُورٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ طُرُقِ حَسَّانٍ مُتَظَافِرَةٍ،
يَشْهَدُ بَعْضُهَا لبعض، ويشد بعضها
стр. 157
بَعْضًا، وَلَمْ يَتَفَرَّدْ طَرِيقُ أَبِي زَيْدٍ إِلَّا بِمَا فِيهَا مِنَ التَّوَضُّؤِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَقْصُودُنَا الآنَ، وَيَكْفِي مِنْ أَمْرِ الْجِنِّ مَا فِي سُورَةِ (الرَّحْمَنِ) وَسُورَةِ (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ) وَسُورَةِ (الأَحْقَافِ) : وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [١] الآيَاتِ.
وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَشْعُرْ بِالْجِنِّ وَهُمْ يَسْتَمِعُونَ لَهُ يَقْرَأُ حَتَّى نَزَلَتْ عَلَيْهِ: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ الآية.
وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي خَلادُ بْنُ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ السَّدُوسِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ مشايخ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ خَرَجَ إِلَى رسول الله ﷺ يريد الإِسْلامَ، فَقَالَ يَمْدَحُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ :
أَلَمْ تَغْتَمِضْ عَيْنَاكَ لَيْلَةَ أَرْمَدَا ... وبت كما بات السليم مسهدا
ألا أيها ذا السَّائِلِي أَيْنَ يَمَّمَتْ ... فَإِنَّ لَهَا فِي أَهْلِ يَثْرِبَ مَوْعِدَا
وَآلَيْتُ لا آوِي لَهَا مِنْ كلالة ... ولا من حفا حَتَّى تُلاقِي مُحَمَّدَا
مَتَى مَا تُنَاخِي عِنْدَ باب ابن هاشم ... تراخى وتلقى من فواضله ندى
نبيا يَرَى مَا لا يَرَوْنَ وَذِكْرُهُ ... أَغَارَ لَعَمْرِي فِي الْبِلادِ وَأَنْجَدَا
لَهُ صَدَقَاتٌ مَا تُغِبُّ وَنَائِلٌ ... وَلَيْسَ عَطَاءُ الْيَوْمِ مَانِعَهُ غَدَا
أَجِدَّكَ لَمْ تَسْمَعْ وَصَاةَ مُحَمَّدٍ ... نَبِيِّ الإِلَهِ حِينَ أَوْصَى وَأَشْهَدَا
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادٍ مِنَ التُّقَى ... وَلاقَيْتَ بَعْدَ الْمَوْتِ مَنْ قَدْ تَزَوَّدَا
نَدِمْتَ عَلَى أَنْ لا تَكُونَ كَمَثْلِهِ ... فَتُرْصِدُ لِلْمَوْتِ الَّذِي كَانَ أَرْصَدَا
فَلَمَّا كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا اعْتَرَضَهُ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَمْرِهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ جَاءَ يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يُسَلِّمُ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا بَصِيرٍ فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ الزِّنَا، فَقَالَ الأَعْشَى. وَاللَّهِ إِنَّ ذلك لأمر مالي فِيهِ مِنْ أرْبٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَصِيرٍ فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ الْخَمْرَ، قَالَ الأَعْشَى: أَمَّا هَذِهِ فَوَاللَّهِ إِنَّ فِي النَّفْسِ لَعُلالاتٍ مِنْهَا، وَلَكِنِّي مُنْصَرِفٌ فَأَرْتَوِي مِنْهَا عَامِي هَذَا ثُمَّ آتِيهِ فَأُسْلِمُ، فَانْصَرَفَ فَمَاتَ فِي عَامِهِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَعُدْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
стр. 158
قَوْلَهُ: (لا آوِي لَهَا مِنْ كَلالَةٍ) أَيْ لا أُرَقُّ. وَفِي هَذِهِ الأَبْيَاتِ عَنْ غَيْرِ ابْنِ هِشَامٍ بَعْدَ قَوْلِهِ. (أَغَارُ لَعَمْرِي فِي اليارد وأنجد) :
بِهِ أَنْقَذَ اللَّهُ الأَنَامَ مِنَ الْعَمَى ... وَمَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَرِيعُ إِلَى هُدًى
وَقَوْلُهُ: فَلَمَّا كَانَ بِمَكَّةَ وَهْمٌ ظَاهِرٌ لأَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ أُحُدٍ وَفِي الأَبْيَاتِ: (فَإِنَّ لَهَا فِي أَهْلِ يَثْرِبَ مَوْعِدَا) وَهُوَ أيضا مما يبين ذلك والله أعلم.
стр. 159
خبر الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ
رُوِّينَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ الدَّوْسِيِّ وَكَانَ لَهُ حِلْفٌ فِي قُرَيْشٍ قَالَ: كَانَ الطُّفَيْلُ شَرِيفًا شَاعِرًا نَبِيلا كَثِيرَ الضِّيَافَةِ، فَقَدِمَ مَكَّةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَا، فَمَشَى إِلَيْهِ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالُوا: يَا طُفَيْلُ إِنَّكَ قَدِمْتَ بِلادَنَا، وَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَدْ أَعْضَلَ بِنَا، وَفَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَشَتَّتَ أَمْرَنَا، وَإِنَّمَا قَوْلُهُ كَالسِّحْرِ، يُفَرِّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَأَبِيهِ، وَبَيْنَ الرَّجُلِ وَأَخِيهِ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا بِي حَتَّى أَجْمَعْتُ أَنْ لا أَسْمَعَ مِنْهُ شَيْئًا وَلا أُكَلِّمَهُ، فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُسْمِعَنِي بَعْضَ قَوْلِهِ، فَمَكَثْتُ حَتَّى انْصَرَفَ إِلَى بَيْتِهِ، فَقُلْتُ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ قَوْمَكَ قَالُوا لِي كَذَا وَكَذَا حَتَّى سَدَدْتُ أُذَنَيَّ بِكُرْسُفٍ [١] لِئَلَّا أَسْمَعَ قَوْلَكَ، فَاعْرِضْ عَلَيَّ أَمْرَكَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الإِسْلامَ، وَتَلا عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فَقَالَ: لا وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ قَوْلا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا، وَلا أَمْرًا أَعْدَلَ مِنْهُ، فَأَسْلَمْتُ
فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي امْرِؤٌ مُطَاعٌ فِي قَوْمِي، وَأَنَا رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ فَدَاعِيهِمْ إِلَى الإِسْلامِ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ لِي عَوْنًا عَلَيْهِمْ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُ آيَةً» فَخَرَجْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِثَنِيَّةٍ تُطْلِعُنِي عَلَى الْحَاضِرِ وَقَعَ نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيَّ مِثْلُ الْمِصْبَاحِ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ فِي غَيْرِ وَجْهِي، فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَظُنُّوا أَنَّهَا مُثْلَةٌ، فَتَحَوَّلَ فِي رَأْسِ سَوْطِي، فَجَعَلَ الْحَاضِرُ يَتَرَاءَوْنَ ذَلِكَ النُّورَ كَالْقِنْدِيلِ الْمُعَلَّقِ، قَالَ: فَأَتَانِي أَبِي فَقُلْتُ لَهُ قَالَ: دِينِي دِينُكَ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ أَتَتْنِي صَاحِبَتِي، فَذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ فَأَسْلَمَتْ، ثُمَّ دَعَوْتُ دَوْسًا إِلَى الإِسْلامِ فَأَبْطَئُوا عَلَيَّ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ فَقُلْتُ: يَا رسول الله، قد غلبتني دوس، فادعى اللَّهَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا»
فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِي وهو بخيبر سبعين
стр. 160
أَوْ ثَمَانِينَ بَيْتًا مِنْ دَوْسٍ، فَأَسْهَمَ لَنَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْنَا ميمنتك، واجعل شعارنا مبرور فَفَعَلَ، ثُمَّ قُلْتُ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْعَثْنِي إِلَى ذِي الْكَفَّيْنِ صَنَمِ عَمْرِو بْنِ حُمَمَةَ حَتَّى أُحَرِّقَهُ فَبَعَثَهُ، وَجَعَلَ الطُّفَيْلُ يَقُولُ:
يَا ذَا الْكَفَّيْنِ لَسْتُ مِنْ عبّادكا ... ميلادنا أقدم [١] مِنْ مِيلادِكَا
أَنَا حَشَوْتُ النَّارَ فِي فُؤَادِكَا
قَالَ: فَلَمَّا أَحْرَقْتُهُ أَسْلَمُوا جَمِيعًا، ثُمَّ قُتِلَ الطُّفَيْلُ بِالْيَمَامَةِ شَهِيدًا. وَالْخَبَرُ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ طويل وأنا اختصرته [٢] .
стр. 161
ذكر الحديث عن مسرى رسول الله ﷺ ومعراجه وَفَرْضُ الصَّلاةِ
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْفَتْحِ الصُّورِيِّ، أَخْبَرَكُمُ الشَّيْخَانِ أَبُو مسلم المؤيد بن عبد الرحيم بن أحمد بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الأُخْوَةِ وَأُمُّ حَبِيبَةَ عَائِشَةُ بِنْتُ مَعْمَرِ بْنِ الْفَاخِرِ الْقُرَشِيَّةُ إِجَازَةً قَالا: أَنَا أَبُو الْفَرَجِ سَعِيدُ بْنُ أَبِي الرَّجَاءِ الصيرفي قراءة عليه ونحن نسمع بأصبهان [١] قال: أَنَا أَبُو نَصْرٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الأَصْبَهَانِيُّ الْكِسَائِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُقْرِئِ قَالَ: أَنَا أبو يعلى أحمد بن علي ابن المثنى، ثنا مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيِّ الْوَسَاوِسِيّ، ثَنَا ضمرة بن ربيعة عن يحيى بن أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عْنَ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِغَلَسٍ [٢] وَأَنَا عَلَى فِرَاشِي، فَقَالَ: «شَعَرْتُ إِنِّي نِمْتُ اللَّيْلَةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَأَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَذَهَبَ بِي إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَإِذَا دَابَّةٌ أَبْيَضُ فوق
стр. 162
الحمار ودون البغل مضطرب الأذنين فَرَكِبْتُهُ، فَكَانَ يَضَعُ حَافِرَهُ مُدَّ بَصَرِهِ، إِذَا أَخَذَ فِي هُبُوطٍ طَالَتْ يَدَاهُ وَقَصُرَتْ رِجْلاهُ، وَإِذَا أَخَذَ فِي صُعُودٍ طَالَتْ رِجْلاهُ وَقَصُرَتْ يَدَاهُ، وَجَبْرِيلُ ﵇ لا يَفُوتُنِي، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَأَوْثَقْتُهُ بِالْحَلَقَةِ الَّتِي كَانَتِ الأَنْبِيَاءُ تُوثِقُ بِهَا، فَنَشَرَ لِي رَهْطٌ [١] مِنَ الأَنْبِيَاءِ فِيهِمْ إِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى ﵈، فَصَلَّيْتُ بِهِمْ، وَكَلَّمْتُهُمْ، وَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ أَحْمَرَ وَأَبْيَضَ، فَشَرِبْتُ الأَبْيَضَ، فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ ﵇: شَرِبْتَ اللَّبَنَ وَتَرَكْتَ الْخَمْرَ، لَوْ شَرِبْتَ الْخَمْرَ لارْتَدَّتْ أُمَّتُكَ، ثُمَّ رَكِبْتُهُ، فَأَتَيْتُ الْمَسْجِدَ الحرام فصليت فيه الْغَدَاةَ» ، فَتَعَلَّقْتُ بِرِدَائِهِ وَقُلْتُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ ابْنَ عَمِّ أَنْ تُحَدِّثَ بِهَا قُرَيْشًا فَيُكَذِّبُكَ مَنْ صَدَّقَكَ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى رِدَائِهِ فَانْتَزَعَهُ مِنْ يَدِي فَارْتَفَعَ عَنْ بَطْنِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى عُكَنِهِ [٢] فَوْقَ رِدَائِهِ وَكَأَنَّهُ طَيُّ الْقَرَاطِيسِ، وَإِذَا نُورٌ سَاطِعٌ عِنْدَ فُؤَادِهِ كَادَ يَخْطَفُ بَصَرِي، فَخَرَرْتُ ساجدا، فَلَمَّا رَفَعْتُ رَأْسِي إِذَا هُوَ قَدْ خَرَجَ، فَقُلْتُ لِجَارِيَتِي نَبْعَةَ: وَيْحَكِ اتْبَعِيهِ فَانْظُرِي مَاذَا يَقُولُ وَمَاذَا يُقَالُ لَهُ، فَلَمَّا رَجَعَتْ نَبْعَةٌ أَخْبَرَتْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْتَهَى إِلَى نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فِي الْحَطِيمِ [٣] فِيهِمُ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلٍ وَعَمْرُو بْنُ هِشَامٍ وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ فَقَالَ: «إِنِّي صَلَّيْتُ اللَّيْلَةَ الْعِشَاءَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، وَصَلَّيْتُ بِهِ الْغَدَاةَ، وَأَتَيْتُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَنُشِرَ لِي رَهْطٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ مِنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى ﵈ فَصَلَّيْتُ بهم وكلمتهم» ، فقال عمر بْنُ هِشَامٍ كَالْمُسْتَهْزِئِ: صِفْهِمْ لِي؟ فَقَالَ: «أَمَّا عِيسَى فَفَوْقَ الرَّبْعَةِ وَدُونَ الطَّوِيلِ، عَرِيضُ الصَّدْرِ ظَاهِرُ الدَّمِ جَعْدُ الشَّعْرِ يَعْلُوهُ صُهْبَةٌ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَأَمَّا مُوسَى ﵇ فَضَخْمٌ آدَمُ طَوِيلٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ [٤] ، كَثِيرُ الشَّعْرِ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ مُتَرَاكِبُ الأَسْنَانِ مُقَلَّصُ الشَّفَتَيْنِ خَارِجُ اللِّثَةِ عَابِسٌ، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ ﵇ فوالله
стр. 163
لأَشْبَهُ النَّاسِ بِي خَلْقًا وَخُلُقًا» فَضَجُّوا وَأَعْظَمُوا ذلك، الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلٍ:
كُلُّ أَمْرِكَ قَبْلَ الْيَوْمِ كَانَ أُمَمًا غَيْرَ قَوْلِكَ الْيَوْمَ، أَشْهَدُ أَنَّكَ كَاذِبٌ، نَحْنُ نَضْرِبُ أَكْبَادَ الإِبِلِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مُصْعِدًا شَهْرًا وَمُنْحَدِرًا شَهْرًا، تَزْعُمُ أَنَّكَ أَتَيْتَهُ فِي لَيْلَةٍ! وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لا أُصَدِّقُكَ وَمَا كَانَ هَذَا الَّذِي تَقُولُ قَطُّ، وَكَانَ لِلْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ حَوْضٌ عَلَى زَمْزَمَ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَهَدَمَهُ، فَأَقْسَمَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى لا يَسْقِي مِنْهُ قَطْرَةً أَبَدًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: يَا مُطْعِمُ بِئْسَ مَا قُلْتَ لابْنِ أَخِيكَ جَبَهْتَهُ [١] وَكَذَّبْتَهُ، أَنَا أَشْهَدُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ صِفْ لَنَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ؟ قَالَ: «دَخَلْتُهُ لَيْلا وَخَرَجْتُ مِنْهُ لَيْلا» فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَصَوَّرَهُ فِي جَنَاحِهِ فَجَعَلَ يَقُولُ بَابٌ من كذا في موضع كذا، وباب من كذا فِي مَوْضِعِ كَذَا، وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ يَقُولُ: صَدَقْتَ، صَدَقْتَ، قَالَتْ نَبْعَةُ: فَسَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول يَوْمَئِذٍ: «يَا أَبَا بَكْرٍ أَنَّ اللَّهَ قَدْ سَمَّاكَ الصِّدِّيقَ» [٢] قَالُوا: يَا مُطْعِمُ دَعْنَا نَسْأَلُهُ عَمَّا هُوَ أَغْنَى لَنَا مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، يَا مُحَمَّدُ: أَخْبِرْنَا عَنْ عِيرِنَا؟ فَقَالَ: «أَتَيْتُ عَلَى عِيرِ بَنِي فُلانٍ بِالرَّوْحَاءِ قَدْ أَضَلُّوا نَاقَةً لَهُمْ وَانْطَلَقُوا فِي طَلَبِهَا فَانْتَهَيْتُ إِلَى رِحَالِهِمْ لَيْسَ بِهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَإِذَا قَدَحُ مَاءٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ فَسَلُوهُمْ عَنْ ذَلِكَ» ، فَقَالُوا: هَذِهِ وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى آيَةٌ، ثُمَّ انْتَهَيْتُ إِلَى عِيرِ بَنِي فُلانٍ فَنَفَرَتْ مِنِّي الإِبِلُ وَبَرَكَ مِنْهَا جَمَلٌ أَحْمَرُ عَلَيْهِ جُوَالِقُ مُخَطَّطٌ بِبَيَاضٍ لا أَدْرِي أَكَسَرَ الْبَعِيرَ أَمْ لا فَسَأَلُوهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا: هَذِهِ وَالإِلَهِ آيَةٌ، ثُمَّ انْتَهَيْتُ إِلَى عِيرِ بَنِي فُلانٍ بِالأَبْوَاءِ يَقْدَمُهَا جَمَلٌ أَوْرَقُ [٣] هَا هِيَ تَطْلُعُ عَلَيْكُمْ مِنَ الثَّنِيَّةِ، فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ: سَاحِرٌ، فَانْطَلَقُوا فَنَظَرُوا فَوَجَدُوا كَمَا قَالَ، فَرَمَوْهُ بِالسِّحْرِ وَقَالُوا: صَدَقَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ فِيمَا قَالَ وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ [٤] قُلْتُ: يَا أُمَّ هَانِئٍ مَا الشَّجَرَةُ الْمَلْعُونَةُ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَتْ: الَّذِينَ خُوِّفُوا فَلَمْ يَزِدْهُمُ التَّخْوِيفُ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، ثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ جابر بن عبد الله أنه سمع
стр. 164
النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ فِي الْحِجْرِ، فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ» .
وَقَرَأْتُ عَلَى أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ الْقَوَّاسِ بِعربيل بِغُوطَةِ دِمَشْقَ، أَخْبَرَكُمْ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْحَرَسْتَانِيِّ فِي الرَّابِعَةِ فَأَقَرَّ بِهِ قَالَ: أَنَا جَمَالُ الإِسْلامِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْمُسْلِمِ السُّلَمِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو نَصْرٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ طِلابٍ الْخَطِيبُ سَمَاعًا قَالَ: أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جُمَيْعٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى بْنِ دَاوُدَ بْنِ زَكَرِيَّا الْعُثْمَانِيُّ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْعَلاءِ، ثَنَا زَيْدُ بْنُ أُسَامَةَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أُتِيَ بِدَابَّةٍ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبغل خَطْوُهُ مَدُّ الْبَصَرِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ اشْمَأَزَّ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: اسْكُنْ فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنْ مُحَمَّدٍ.
وَعَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَأُمِّ هَانِئٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالُوا: أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ليلة سبع عشر مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ مِنْ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قال رسول الله ﷺ : «حُمِلْتُ عَلَى دَابَّةٍ بَيْضَاءَ، بَيْنَ الْحِمَارِ وَبَيْنَ الْبَغْلِ، وَفِي فَخِذَيْهَا جَنَاحَانِ تَحْفِزُ بِهِمَا رِجْلَيْهَا، فَلَمَّا دَنَوْتُ لأَرْكَبَهَا شَمَسَتْ [١] ، فَوَضَعَ جِبْرِيلُ يَدَهُ عَلَى مَعْرَفَتِهَا [٢] ثُمَّ قَالَ: أَلَا تَسْتَحْيِينَ يَا بُرَاقُ، فَمَا تَصْنَعِينَ، وَاللَّهِ مَا رَكِبَ عَلَيْكِ أَحَدٌ قَبْلَ مُحَمَّدٍ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ، فَاسْتَحْيَتْ حَتَّى ارْفَضَّتْ عَرَقًا ثُمَّ قَرَّتْ حَتَّى رَكِبْتُهَا» الْحَدِيثَ.
وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عن ابن إسحق فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّهُ ﵇ وَعَدَ قُرَيْشًا بِقُدُومِ الْعِيرِ الَّذِينَ أَرْشَدَهُمْ إِلَى الْبَعِيرِ وَشَرِبَ إِنَاءَهُمْ أَنْ يَقْدَمُوا يَوْمَ الأَرْبَعَاءِ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ لَمْ يَقْدَمُوا حَتَّى كَرَبَتِ [٣] الشَّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ، فَدَعَا اللَّهُ فَحَبَسَ حَتَّى قدموا كما وصف قال: ولم نحبس الشَّمْسُ إِلَّا لَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلِيُوشَعَ بْنِ نون.
стр. 165
حديث الْمِعْرَاجُ
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، ثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرَفِهِ» قَالَ: «فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ» قَالَ: «فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلَقَةِ [١] الَّتِي تَرْبِطُ بِهَا الأَنْبِيَاءُ» قَالَ: «ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ ﵇ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ ﷺ : اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇ فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جبريل قيل: ومن معك؟ قال محمد ﷺ قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِآَدَمَ، فَرَحَّبَ بي ودعا لي بخير، ثم عرج بناء إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟
قَالَ: جِبْرِيلُ قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: وقد بُعِثَ إِلَيْهِ، قَالَ: فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا بِابْنَيِ الْخَالَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، فَرَحَّبَا بِي وَدَعُوا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟
قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لنا، فإذا أنا بيوسف ﷺ إِذَا هُوَ قَدْ أُعْطَى شَطْرَ الْحُسْنِ، قَالَ: فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قال: محمد، قال: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ، فَرَحَّبَ بِي ودعا لي بخير، قال الله عز
стр. 166
وجل: وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا [١] ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟
قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فإذا أنا بهارون ﷺ فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بموسى ﷺ ، فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ ﷺ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةَ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلالِ [٢] ، قَالَ: فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى، فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ:
مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ، قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلاةً، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَقُلْتُ: يَا رَبِّ خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي، فحط عني خمسا، فرجعت إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ:
حَطَّ عَنِّي خَمْسًا، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ، قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي ﵎ وَبَيْنَ مُوسَى حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلاةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلاةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكتب عَلَيْهِ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً، قَالَ: فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ» ، فقال رسول الله ﷺ :
«فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ» [٣] . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو أَحْمَدَ: ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَاسَرْجِسِيُّ، ثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، ثَنَا حماد بن سلمة بهذا الحديث.
стр. 167
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يحدث أن رسول الله ﷺ قَالَ: «فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ فَفَرَجَ صَدْرِي ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ» الْحَدِيثَ
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الأَنْصَارِيَّ يَقُولانِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ بِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلامِ» : وَفِيهِ: «ثُم أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ» .
وَفِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ: «فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ (يَعْنِي مُوسَى) بَكَى فَنُودِيَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ: هَذَا غُلامٌ بَعَثْتَهُ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي» وَفِيهِ: «ثُمَّ رُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لم يعودوا إليه آخر ما زين عَلَيْهِمْ» وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «وَقَدْ رَأَيْتُنِي في جماعة من الأنبياء، فحانت الصلاة فأمتهم، فقال قائل: يا محمد، هذا ملك خَازِنُ النَّارِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَالْتَفَتُّ فَبَدَأَنِي بِالسَّلامِ» .
وَكُلُّهَا فِي الصَّحِيحِ، وَحَدِيثُ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَحْسَنُهَا مَسَاقًا.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ التِّرْمِذِيِّ: حَدَّثَنَا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ثنا أبو ثميلة عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ جُنَادَةَ عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى بَيْتِ المقدس قال جِبْرِيلُ بِأُصْبَعِهِ فَخَرَقَ بِهَا الْحَجَرَ وَشَدَّ بِهِ البراق» [١]
وذكر ابن إسحق فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ رُؤْيَتَهُ آدَمَ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ بَنِيهِ، فَيُسَرُّ بِمُؤْمِنِيهَا وَيُعْبَسُ بِوَجْهِهِ عِنْدَ رُؤْيَةِ كَافِرِيهَا، ثُمَّ قَالَ: «رَأَيْتُ رِجَالا لَهُمْ مَشَافِرُ [٢] كَمَشَافِرِ الإِبِلِ فِي أَيْدِيهِمْ قِطَعٌ مِنْ نَارٍ كَالأَفْهَارِ [٣] يَقْذِفُونَهَا فِي أَفْوَاهِهِمْ فَتَخْرُجُ مِنْ أَدْبَارِهِمْ، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ أَكَلَةُ أَمْوَالِ الْيَتَامَى ظُلْمًا، قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ رِجَالا لَهُمْ بُطُونٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهَا قَطُّ بِسَبِيلِ آلِ فِرْعَوْنَ يَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ كَالإِبِل الْمَهْيُومَةِ [٤] حِينَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ بُطُونُهُمْ، لا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يتحولوا من
стр. 168
مَكَانِهِمْ ذَلِكَ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ أَكَلَةُ الرِّبَا، قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ رِجَالا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لَحْمٌ سَمِينٌ طَيِّبٌ إلى جنبه لحم غث منتن، يَأْكُلُونَ مِنَ الْغَثِّ الْمُنْتِنِ وَيَتْرُكُونَ السَّمِينَ الطَّيِّبَ» ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ وَيَذْهَبُونَ إِلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عليهم منهن» ، قال:
«ثم رأيت نساء متعلقات بِثَدْيِهِنَّ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ اللَّاتِي أَدْخَلْنَ عَلَى الرِّجَالِ مَا لَيْسَ من أولادهم» .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمِعْرَاجِ وَالإِسْرَاءِ: هَلْ كَانَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَمْ لا؟
وَأَيُّهُمَا كَانَ قَبْلَ الآخَرِ؟ وَهَلْ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْيَقَظَةِ أَوْ فِي الْمَنَامِ، أَوْ بَعْضُهُ فِي الْيَقَظَةِ وَبَعْضُهُ فِي الْمَنَامِ، وَهَلْ كَانَ الْمِعْرَاجُ مَرَّةً أَوْ مَرَّاتٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَارِيخِ ذَلِكَ:
وَالَّذِي رُوِّينَا عَنِ ابْنِ سَعْدٍ فِي الْمِعْرَاجِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي بكر بن عبد الله بن أبي سبرة وَغَيْرِهِ مِنْ رِجَالِهِ قَالُوا: كَانَ ﵇ يَسْأَلُ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، فَلَمَّا كانت ليلة السبت لسبع عشر خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ نَائِمٌ ظُهْرًا، أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَمِكَائِيلُ فَقَالا: انْطَلِقْ إِلَى مَا سَأَلْتَ اللَّهَ، فَانْطَلَقَا بِهِ إِلَى مَا بَيْنَ الْمَقَامِ وَزَمْزَمَ فَأُتِيَ بِالْمِعْرَاجِ، فَإِذَا هُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ مَنْظَرًا، فَعَرَجَا بِهِ إِلَى السَّمَوَاتِ سَمَاءً سَمَاءً ... الْحَدِيثَ.
وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ ﵀ خِلافَ السَّلَفِ فِي الإِسْرَاءِ: هَلْ كَانَ يَقَظَةً أَوْ مَنَامًا، وَحَكَى الْقَوْلَيْنِ وَمَا يُحْتَجُّ بِهِ لِكُلِّ قَوْلٍ مِنْهُمَا ثُمَّ قَالَ: وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ مِنْهُمْ شَيْخُنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ إِلَى تَصْدِيقِ الْمَقَالَتَيْنِ وَتَصْحِيحِ الْمَذْهَبَيْنِ، وَأَنَّ الإِسْرَاءَ كَانَ مَرَّتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا فِي نَوْمِهِ تَوْطِئَةً لَهُ وَتَيْسِيرًا عَلَيْهِ، كَمَا كَانَ بَدْءُ نُبُوَّتِهِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِ أَمْرُ النُّبُوَّةِ، فَإِنَّهُ عَظِيمٌ تَضْعُفُ عَنْهُ الْقُوَى الْبَشَرِيَّةُ وَكَذَلِكَ الإِسْرَاءُ سَهَّلَهُ عَلَيْهِ بِالرُّؤْيَا، لأَنَّ هو له عَظِيمٌ، فَجَاءَ فِي الْيَقَظَةِ عَلَى تَوْطِئَةٍ وَتَقْدِمَةٍ رِفْقًا مِنَ اللَّهِ بِعَبْدِهِ وَتَسْهِيلا عَلَيْهِ. وَرَجَّحَ هَذَا الْقَوْلَ أَيْضًا لِلْجَمْعِ بَيْنَ الأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ فِي أَلْفَاظِهَا اخْتِلافًا، وَتَعَدُّدُ الْوَاقِعَةِ أَقْرَبُ لِوُقُوعِ جَمِيعِهَا. وَحَكَى قَوْلا رَابِعًا قَالَ: كَانَ الإِسْرَاءُ بِجَسَدِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي الْيَقَظَةِ، ثُمَّ أُسْرِيَ بِرُوحِهِ ﵇ إِلَى فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ، وَلِذَلِكَ شَنَّعَ الْكُفَّارُ
قوله: أتيت بين الْمَقْدِسِ فِي لَيْلَتِي هَذِهِ،
وَلَمْ يُشَنِّعُوا قَوْلَهُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ. قَالَ: وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ لربه ليلة
стр. 169
الإِسْرَاءِ، فَرُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أنكرت يَكُونَ رَآهُ، قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ، وَاحْتَجَّتْ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [١] . وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ التِّرْمِذِيِّ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَقِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَعْبًا بِعَرَفَةَ، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، فَكَبَّرَ حَتَّى جَاوَبَتْهُ الْجِبَالُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا بَنُو هَاشِمٍ نَقُولُ إِنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ، فَقَالَ كَعْبٌ: أَنَّ اللَّهَ قَسَّمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلامَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَمُوسَى، فَكَلَّمَ مُوسَى مَرَّتَيْنِ وَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: «رَأَيْتُ نُورًا» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ: «نُورًا إِنِّي أَرَاهُ» .
وَفِي تَفْسِيرِ النَّقَّاشِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؟ فَقَالَ: رَآهُ رَآهُ حَتَّى انْقَطَعَ صَوْتُهُ. وَفِي تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَذَكَرَ إِنْكَارَ عَائِشَةَ أَنَّهُ رَآهُ، فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَيْسَتْ عَائِشَةُ أَعْلَمَ عِنْدَنَا مِنَ ابْنِ عباس. وفي تفسير ابن سلام عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذُكِرَ إِنْكَارُ عَائِشَةَ يَشْتَدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَآهُ. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: وَالْمُتَحَصِّلُ مِنْ هَذِهِ الأَقْوَالِ أَنَّهُ رَآهُ لا عَلَى أَكْمَلِ مَا تَكُونُ الرُّؤْيَةِ عَلَى نَحْوِ مَا يَرَاهُ فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ عِنْدَ الْكَرَامَةِ الْعُظْمَى وَالنَّعِيمِ الأَكْبَرِ، وَلَكِنْ دُونَ ذَلِكَ وَإِلَى هَذَا يُومِئُ
قَوْلُهُ: «رَأَيْتُ نُورًا» .
قُلْتُ: وَقَوْلُهُ تَعَالَى:
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ لا يُعَارِضُ هَذِهِ، لأَنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ الرُّؤْيَةِ الإِدْرَاكُ. وَأَمَّا فَرْضُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَكَانَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، وَقَدْ ذَكْرَنا عَنِ الْوَاقِدِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ كَانَ لَيْلَةَ السَّبْتِ لسبع عشر خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَكَّةَ إِلَى السَّمَاءِ. وَمَنْ يَرَى أَنَّ الْمِعْرَاجَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَنَّهُ هُوَ وَالإِسْرَاءُ فِي تَارِيخٍ وَاحِدٍ، فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الإِسْرَاءِ أَنَّهُ لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَبِيعٍ الأَوَّلِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، وَبَعْدَ الْمَبْعَثِ بِتِسْعٍ أَوِ اثْنَيْ عَشَرَ عَلَى حَسَبِ اخْتِلافِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَدْ رَوَى الْوَقَّاصِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ الإِسْرَاءَ وَفَرْضَ الصَّلاةِ كَانَ بَعْدَ الْمَبْعَثِ بِخَمْسِ سِنِينَ. وَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ مَا حَكَاهُ أَبُو عُمَرَ أَيْضًا قَالَ: وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْقَاسِمِ فِي تَارِيخِهِ: ثُمَّ أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَعُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، قَالَ: وَلا أعلم أحدا من
стр. 170
أَهْلِ السِّيَرِ قَالَ ذَلِكَ وَلا أَسْنَدَ قَوْلَهُ إِلَى أَحَدٍ مِمَّنْ يُضَافُ إِلَيْهِ هَذَا الْعِلْمُ.
وَفِي صَبِيحَةِ لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ كَانَ نُزُولُ جِبْرِيلَ وَإِمَامَتُهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِيُرِيَهُ أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَمَا هُوَ مَرْوِيٌّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَبُرَيْدَةَ وَأَبِي مُوسَى وَأَبِي مَسْعُودٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ وَعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَالْبَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ الْبَيْتِ وَأَمَّ بِهِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَمَرَّةً آخِرَهُ، لِيُعْلِمَهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ. وَأَمَّا عَدَدُ رَكَعَاتِهَا حِينَ فُرِضَتْ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا فُرِضَتْ أَوَّلَ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ ثم زيد في صلاة الحضر فأكلمت أربعا وأقرت صلاة السفر في رَكْعَتَيْنِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَمَيْمُونِ بن مهران ومحمد بن إسحق وَغَيْرِهِمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا فُرِضَتْ أَوَّلَ مَا فُرِضَتْ أَرْبَعًا إِلَّا الْمَغْرِبَ فَفُرِضَتْ ثَلاثًا وَالصُّبْحُ رَكْعَتَيْنِ، كَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَنَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا فُرِضَتْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عن ابن عباس. وقال أبو إسحق الْحَرْبِيُّ: أَوَّلُ مَا فُرِضَتِ الصَّلاةُ بِمَكَّةَ فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ أَوَّلَ النَّهَارِ وَرَكْعَتَيْنِ آخِرَهُ، وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلاةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ زَادَ فِيهَا فِي الْحَضَرِ، هَكَذَا حَدَّثَ بِهِ الْحَرْبِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنِ ابْنِ عَجْلانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ كيسان عن عروة بن عَائِشَةَ، حَكَى ذَلِكَ أَبُو عُمَرَ قَالَ:
وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَرْبِيُّ، وَلا يُوجَدُ هَذَا فِي أثر صحيح، بل في دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّلاةَ الَّتِي فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ ركعتين في الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، لأَنَّ الإِشَارَةَ بِالأَلِفِ وَاللَّامِ فِي الصلاة إشارة إلى معهود.
رُوِّينَا عَنِ الطَّبَرَانِيِّ، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الأَشْعَثِ الْمِصْرِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَلامٍ الأَفْرِيقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ مِقْسَمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بن الزبير عن عائشة ﵂ قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَزِيدَ فِي صَلاةِ الْمُقِيمِ وَأُثْبِتَتْ صَلاةُ الْمُسَافِرِ كَمَا هِيَ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ مِثْلُ ذَلِكَ. رُوِّينَا عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ السَّرَّاجِ، ثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ قَالَ: فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ زِيدَ فِي صَلاةِ الْمُقِيمِ وَأُقِرَّتْ صَلاةُ الْمُسَافِرِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: قَوْلُ الشَّعْبِيِّ فِي هَذَا أَصْلُهُ مِنْ حَدِيثِ عائشة، ويمكن
стр. 171
أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخَذَهُ عَنْ مَسْرُوقٍ أَوِ الأَسْوَدِ عَنْهَا، فَأَكْثَرُ مَا عِنْدَهُ عَنْ عَائِشَةَ فَهُوَ عَنْهُمَا.
قُلْتُ: قَدْ وَقَعَ لَنَا ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِهِ عَنْ مَسْرُوقٍ كَمَا ظَنَّ أَبُو عُمَرَ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ السَّرَّاجِ: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الرِّبَاطِيُّ، ثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ الْحَسَنِ، ثَنَا دَاوُدُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فُرِضَتْ صَلاةُ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ زِيدَ فِي صَلاةِ الْحَضَرِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ وَتُرِكَتْ صَلاةُ الْفَجْرِ لِطُولِ الْقِرَاءَةِ، وَصَلاةُ الْمَغْرِبِ لأَنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ. وَأَمَّا ابْنُ إسحق فَخَبَرُ عَائِشَةَ عِنْدَهُ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مِنْ هُنَاكَ. وَأَمَّا مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ فَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي الْمُهَاجِرِ وَسَالِمٌ غَيْرُ سَالِمٍ مِنَ الْجَرْحِ، وَمَنْ قَالَ بِهَذَا مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ قَالَ: إِنَّ الصَّلاةَ أُتِمَّتْ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِشَهْرٍ وَعَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: بِشَهْرٍ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: فُرِضَتْ أَرْبَعًا ثُمَّ خُفِّفَ عَنِ الْمُسَافِرِ فأَخْبَرَنَا الإِمَامُ الزاهد أبو إسحق إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْوَاسِطِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ، أَخْبَرَكُمُ الشَّيْخَانِ أبو البركات داود بن أحمد بن محمد بْنِ مُلَاعِبٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنْتَ تَسْمَعُ بِدِمَشْقَ، وأبو علي الحسن بن إسحق بْنِ مَوْهُوبِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْخَضِرِ الْجَوَالِيقِيُّ سَمَاعًا عَلَيْهِ بِبَغْدَادَ، قَالَ الأَوَّلُ: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَلامَةَ بْنِ الرّطبي قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، وَقَالَ الثَّانِي:
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْد اللَّهِ بْنِ الزَّاغُونِيِّ قَالا: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبُسْرِيِّ قَالَ: أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُخَلِّصُ، ثَنَا يَحْيَى (يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ) ثَنَا لُوَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ قَالَ وَالرَّجُلُ حَيٌّ فَاسْمَعُوهُ مِنْهُ يُقَالُ لَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ ابْنُ صَاعِدٍ، هُوَ الْقُشَيْرِيُّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ خَيْلا فَغَارَتْ عَلَى إِبِلِ جَارٍ لِي، فَانْطَلَقَ فِي ذَلِكَ أَبِي وَعَمِّي أَوْ قَرَابَةٌ لِي قَرِيبَةٌ، قَالَ: فَقَدِمْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَطْعَمُ، فَقَالَ: هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ، قَالَ:
إِنِّي صَائِمٌ قَالَ ﷺ : «هَلُمَّ أُحَدِّثُكَ عَنْ ذَلِكَ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَعَنِ الْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ» الْحَدِيثَ. خَالَفَ أَيُّوبُ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَدْ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ السَّرَّاجِ. ثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنْهُ.
وَمَعَ صحة الإسناد فَتَصْوِيبُ الأَوَّلِ أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِمَا حَدِيثَيْنِ عِنْدَ أَبِي قِلابَةَ لاشْتِهَارِ هَذَا الْخَبَرِ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ الْقُشَيْرِيِّ، وَبَعْدَ تَعَدُّدِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالُوا: ووضع لا
стр. 172
يَكُونُ إِلَّا مِنْ فَرْضٍ ثَابِتٍ، وَبِمَا
رُوِّينَا من طريق أبي العباس الثقفي، ثنا إسحق بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، ثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخطاب: ليس عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خفتم فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ، فَقَالَ عُمَرُ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» [١] . رَوَاهُ مُسْلِمٌ عن إسحق بْنِ إِبْرَاهِيمَ
فَوَقَعَ لَنَا مُوَافَقَةً عَالِيَةً لَهُ، قَالُوا: وَلَمْ يُقْصِرْ رَسُول اللَّهِ ﷺ آمِنًا إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الْقَصْرِ فِي صَلاةِ الْخَوْفِ، وَكَانَ نُزُولُهَا بِالْمَدِينَةِ، وَفَرْضُ الصَّلاةِ بِمَكَّةَ. فَظَاهِرُ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْقَصْرَ طَارِئٌ عَلَى الإِتْمَامِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا فُرِضَتْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً، فَقَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَسَاكِرَ بِجَامِعِ دِمَشْقَ: أَخْبَرَتْكُمْ زَيْنَبُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشّعْرِيِّ إِجَازَةً قَالَتْ: أَنَا الشَّيْخَانِ أَبُو مُحَمَّدٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْقَارِئُ سَمَاعًا وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْفَرَاوِيُّ إِجَازَةً قَالا: أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ الْفَارِسِيُّ قَالَ: أَنَا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ الاسْفَرَائِنِيُّ قَالَ: ثَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ دَاوُدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيُّ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَخْنَسِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى فَوَافَقْنَاهُ بِعُلُوٍّ. وَقَرَأْتُ عَلَى الشَّيْخَةِ الأَصِيلَةِ مُؤْنِسَة خَاتُونَ بِنْتِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ سَيْفِ الدِّينِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ إِجَازَةً، أَخْبَرَتْكَ أُمُّ هَانِئٍ عَفِيفَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارْقَانِيَّةُ إِجَازَةً، أَنَا أَبُو طَاهِرٍ عَبْدُ الْوَاحِدِ بن الصباغ قال: أنا أبو نعيم الحافظ قَالَ: أَنَا ابْنُ الصَّوَّافِ قَالَ: أَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ (يَعْنِي بن الأصبهاني) ثنا شريك وأبو وكيع عن زيد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عُمَرَ قَالَ: صَلاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ وَصَلاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ وَصَلاةُ الْعِيدِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ رَسُول اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ أَبُو وَكِيعٍ: عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ . وَرُوِّينَا عَنِ الطَّبَرَانِيِّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ الرِّبَاطِيُّ، ثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، ثَنَا شَرِيكٌ عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِي الْكَنُودِ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ صَلاةِ السَّفَرِ فَقَالَ: رَكْعَتَانِ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَإِنْ شِئْتُمْ فَرُدُّوهَا. وَأَمَّا قَوْلُ الْحَرْبِيِّ فَبَعِيدٌ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ قِيلَ إِنَّ الصلاة قبل
стр. 173
فَرْضِهَا كَانَتْ كَذَلِكَ وَسَيَأْتِي. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ فَرْضَ الصَّلاةِ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا إِلَّا الْمَغْرِبَ وَالصُّبْحَ لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ عَمَلا وَنَقْلا مُسْتَفِيضًا، وَلا يَضُرُّهُمُ الاخْتِلافُ فِيمَا كَانَ أَصْلُ فَرْضِهَا، إِذِ لا خِلافَ بَيْنَهُمْ فِيمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهَا وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ حَالُهَا، وَأَمَّا الصَّلاةُ طَرَفَيِ النَّهَارِ
فَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ الصَّوَّافِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ آنِفًا: ثَنَا إبراهيم بن إسحق الضَّبِّيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانٍ عَنْ أَبِي إسحق عن عمارة بن رويبة الثقفي قال: سمعت أُذُنَايَ وَوَعِيَ قَلْبِي مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» [١]
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ [٢] .
стр. 174
ذكر عرض رسول الله ﷺ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِيُّ الإِمَامُ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا حَاضِرٌ فِي الرَّابِعَةِ، وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ يُوسُفَ الْمَزِّيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ بِالْجَامِعِ الأَزْهَرِ قَالَ الأَوَّلُ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيُمْنِ زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ الْكِنْدِيِّ بْنِ زَيْدٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، وَقَالَ الثَّانِي: أَخْبَرَنِي أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ محمد بن طبرزد سَمَاعًا عَلَيْهِ فِي الْخَامِسَةِ قَالا: أَنَا أَبُو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد الأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عِيسَى الْبَاقِلَّانِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْوَرَّاقُ، ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحَاسِبُ، ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد اللَّهِ الأَسَدِيُّ، ثَنَا إِسْرَائِيلُ (يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ) عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ الثَّقَفِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَوْقِفِ وَيَقُولُ:
أَلَا رَجُلٌ يَعْرِضُ عَلَيَّ قَوْمَهُ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلامَ رَبِّي» [١] .
وأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ يُوسُفَ الْمَوْصِلِيُّ بِقِرَاءَةِ وَالِدِي عَلَيْهِ وَغَازِي بْنُ أَبِي الْفُضَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الدِّمَشْقِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالا: أَنَا ابْنُ طَبَرْزَذٍ قَالَ: أَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ: أَنَا ابْنُ غَيْلانَ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ، ثنا إسحق بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مَيْمُونٍ الْحَرْبِيُّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ أَبِي الْحُسَامِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ أنه سمع ربيعة بن عباد أو عبّاد الدُّؤَلِيَّ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ فِي مَنَازِلِهِمْ قبل أن يهاجر إلى المدينة يقول: «يا أيها النَّاسُ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلا تشكروا به شيئا»
قال: ووراءه رجل يقول: يا أيها الناس: إن هذا
стр. 175
يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَتْرُكُوا دِينَ آبَائِكُمْ، فَسَأَلْتُ مَنْ هذا الرجل فقيل: أبو لهب. وذكر ابن إسحق عَرْضَهُ ﵇ نَفْسَهُ عَلَى كِنْدَةَ وَعَلَى كَلْبٍ وَعَلَى بَنِي حَنِيفَةَ، قَالَ: وَلَمْ يَكُ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ أَقْبَحَ رَدًّا عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَعَلَى بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ دُعَاءَهُ ﵇ بَنِي عَبْسٍ إِلَى الإِسْلامِ، وَأَنَّهُ أَتَى غَسَّانَ فِي مَنَازِلِهِمْ. وَبَنِي مُحَارِبٍ كَذَلِكَ.
وَذَكَرَ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ فِيمَا رَأَيْتُهُ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي خُرُوجِهِمَا هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لِذَلِكَ قَالَ عَلِيٌّ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ فِي كُلِّ خَيْرٍ مُقَدَّمًا، فَقَالَ: مِمَّنِ الْقَوْمُ؟ فَقَالُوا: مِنْ شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ، فَالْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، هَؤُلاءِ غُرَرٌ فِي قَوْمِهِمْ، وَفِيهِمْ مَفْرُوقُ بْنُ عَمْرٍو، وَهَانِئُ بْنُ قَبِيصَةَ، وَمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ شَرِيكٍ، وَكَانَ مَفْرُوقُ بْنُ عَمْرٍو قَدْ غَلَبَهُمْ جَمَالا وَلِسَانًا، وَكَانَتْ لَهُ غَدِيرَتَانِ [١] ، وَكَانَ أَدْنَى الْقَوْمِ مَجْلِسًا مِنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁: كَيْفَ الْعَدَدُ فِيكُمْ؟
فَقَالَ مَفْرُوقٌ: إِنَّا لَنَزِيدُ عَلَى الأَلْفِ، وَلَنْ تُغْلَبَ الأَلْفُ مِنْ قِلَّةٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَيْفَ الْمَنَعَةُ فِيكُمْ؟ فَقَالَ مَفْرُوقٌ: عَلَيْنَا الْجَهْدُ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ جِدٌّ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَكَيْفَ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّكُمْ؟ فَقَالَ مَفْرُوقٌ: إِنَّا لأَشَدُّ ما نكون غضبا لحين نَلْقَى، وَإِنَّا لأَشَدُّ مَا نَكُونُ لِقَاءً حِينَ نَغْضَبُ، وَإِنَّا لَنُؤْثِرُ الْجِيَادَ عَلَى الأَوْلادِ، وَالسِّلاحَ عَلَى اللِّقَاحِ، وَالنَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُدِيلُنَا مَرَّةً وَيُدِيلُ عَلَيْنَا أُخْرَى، لَعَلَّكَ أَخُو قُرَيْشٍ؟ فقال أبو بكر:
أو قد بَلَغَكُمْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فَهَا هُوَ ذَا، فَقَالَ مَفْرُوقٌ: قَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُ يَذْكُرُ ذَلِكَ، فَإِلامَ تَدْعُو يَا أَخَا قُرَيْشٍ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَدْعُو إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنْ تُؤْوُنِي وَتَنْصُرُونِي، فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ تَظَاهَرَتْ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، وَكَذَبَتْ رُسُلَهُ، وَاسْتَغْنَتْ بِالْبَاطِلِ عَنِ الْحَقِّ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ» فَقَالَ مفروق: إلى ما تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [٢] فقال مفروق:
стр. 176
وإلى ما تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فقال رسول الله ﷺ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [١] فَقَالَ مَفْرُوقٌ: دَعَوْتَ وَاللَّهِ يَا أَخَا قُرَيْشٍ إِلَى مَكَارِمِ الأَخْلاقِ، وَمَحَاسِنِ الأَعْمَالِ، وَلَقَدْ أَفَكَ قَوْمٌ، كَذَّبُوكَ وَظَاهَرُوا عَلَيْكَ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُشْرِكَهُ فِي الْكَلامِ هَانِئ بْن قَبِيصَةَ، فَقَالَ: هَذَا هَانِئُ بْنُ قَبِيصَةَ شَيْخُنَا وَصَاحِبُ دِينِنَا، فَقَالَ هَانِئٌ:
قَدْ سَمِعْنَا مَقَالَتَكَ يَا أَخَا قُرَيْشٍ، وَإِنِّي أَرَى أَنَّ تَرْكَنَا دِينِنَا وَاتِّبَاعَنَا إِيَّاكَ عَلَى دِينِكَ لِمَجْلِسٍ جَلَسْتَهُ إِلَيْنَا لَيْسَ لَهُ أَوَّلٌ وَلا آخِرُ زَلَّةٌ فِي الرَّأْيِ، وَقِلَّةُ نَظَرٍ فِي الْعَاقِبَةِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الزَّلَّةُ مَعَ الْعَجَلَةِ، وَمِنْ وَرَائِنَا قَوْمٌ نَكْرَهُ أَنْ نَعْقِدَ عَلَيْهِمْ عَقْدًا، وَلَكِنْ نَرْجِعُ وَتَرْجِعُ، وَنَنْظُرُ وَتَنْظُرُ، وَكَأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يُشْرِكَهُ فِي الْكَلامِ المثنى بن حارثة، فقال: وهذا المثنى به حَارِثَةَ شَيْخُنَا وَصَاحِبُ حَرْبِنَا، فَقَالَ الْمُثَنَّى: قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكَ يَا أَخَا قُرَيْشٍ، وَالْجَوَابُ هُوَ جَوَابُ هَانِئِ بْنِ قَبِيصَةَ فِي تَرْكِنَا دِينِنَا وَاتِّبَاعِنَا دِينَكَ لِمَجْلِسٍ جَلَسْتَهُ إِلَيْنَا لَيْسَ لَهُ أَوَّلٌ وَلا آخِرُ، وَإِنَّا إِنَّمَا نَزَلْنَا بَيْنَ صري [٢] الْيَمَامَةِ وَالسَّمَامَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ما هذان الصريين» فَقَالَ: أَنْهَارُ كِسْرَى وَمِيَاهُ الْعَرَبِ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ أَنْهَارِ كِسْرَى فَذَنْبُ صَاحِبِهِ غَيْرُ مَغْفُورٍ، وَعُذْرُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ مِيَاهِ الْعَرَبِ فَذَنْبُ صَاحِبِهِ مَغْفُورٌ، وَعُذْرُهُ مَقْبُولٌ، وَإِنَّا إِنَّمَا نَزَلْنَا عَلَى عَهْدٍ أَخَذَهُ عَلَيْنَا كِسْرَى أَنْ لا نُحْدِثَ حَدَثًا وَلا نُؤْوِي مُحْدِثًا، وَإِنِّي أَرَى أَنَّ هَذَا الأَمْرَ الذي تدعونا إليه أنت هو مما يكره الْمُلُوكُ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ نُؤْوِيَكَ وَنَنْصُرَكَ مِمَّا يَلِي مِيَاهَ الْعَرَبِ فَعَلْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَسَأْتُمْ فِيَّ الرَّدَّ إِذْ فَصُحْتُمْ فِي الصِّدْقِ، وَإِنَّ دِينَ الله لن ينصره إلا من حاط مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ، أَرَأَيْتُمْ إِنْ لَمْ تَلْبَثُوا إِلَّا قَلِيلا حَتَّى يُوَرِّثَكُمُ اللَّهُ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وأموالهم ويفرشكم نساءهم، أتسبحوا اللَّهَ وَتُقَدِّسُونَهُ؟» فَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ شَرِيكٍ:
اللَّهُمَّ لَكَ ذَا، فَتَلا رَسُول اللَّهِ ﷺ : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً [٣] ثُمَّ نَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ يَا أَبَا حَسَنٍ، أَيَّةُ أَخْلاقٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا أَشْرَفَهَا بِهَا، يَدْفَعُ اللَّهُ بَأْسَ بَعْضِهِمْ عن
стр. 177
بَعْضٍ، وَبِهَا يَتَجَازون فِيمَا بَيْنَهُمْ» قَالَ: ثُمَّ دَفَعَنَا إِلَى مَجْلِسِ الأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، فَمَا نَهَضْنَا حَتَّى بَايَعُوا، النَّبِيَّ ﷺ ، وَكَانُوا صِدْقًا صَبْرًا، وَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَدْعُو إِلَى دِينِ اللَّهِ، وَيَأْمُرُ بِهِ كُلَّ مَنْ لَقِيَهُ وَرَآهُ مِنَ الْعَرَبِ، إِلَى أَنْ قَدِمَ سُوَيْدُ بْنُ الصَّامِتِ أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مِنَ الأَوْسِ، فَدَعَاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى الإِسْلَامِ، فَلَمْ يَبْعُدْ وَلَمْ يُجِبْ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى يَثْرِبَ، فقتل في بعض حروبهم، قال ابن إسحق: فَإِنْ كَانَ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ لَيَقُولُونَ إِنَّا نراه قَدْ قُتِلَ وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَقَدِمَ مَكَّةَ أَبُو الْحَيْسَرِ أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ فِي فِتْيَةٍ مِنْ قَوْمِهِ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ يَطْلُبُونَ الْحِلْفَ، فَدَعَاهُمْ رسول الله ﷺ إلى الإِسْلامِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ اسْمُهُ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ وَكَانَ شَابًّا: يَا قَوْمِ هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا قَدِمْنَا لَهُ، فَضَرَبَهُ أَبُو الْحَيْسَرِ وَانْتَهَرَهُ فَسَكَتَ، ثُمَّ لَمْ يَتِمَّ لَهُمُ الحلفُ، فَانْصَرَفُوا إِلَى بِلادِهِمْ، وَمَاتَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقِيلَ إِنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا.
стр. 178
بَدْءُ إِسْلامِ الأَنْصَارِ وَذِكْرُ الْعَقَبَةِ الأُولَى
وَالأَنْصَارُ بَنُو الأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ابْنَيْ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْعَنْقَاءِ بْنِ عَمْرِو مُزَيْقِيَاءَ بْنِ عَامِرٍ مَاءِ السماء ابن حَارِثَةَ الْغِطْرِيفِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ الْبِطْرِيقِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْبُهْلُولِ بْنِ مَازِنِ بْنِ الأَزْدِ دِرَاءِ بْنِ الْغَوْثِ بْنِ نَبْتِ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلانَ بْنِ سَبَأَ عَامِرِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ يَقْطُنَ قَحْطَانَ.
قَالَ ابن إسحق: فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ إِظْهَارَ دِينِهِ وَإِعْزَازَ نَبِيِّهِ وَإِنْجَازَ مَوْعِدِهِ لَهُ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَوْسِمِ الَّذِي لَقِيَ فِيهِ النَّفَرَ مِنَ الأَنْصَارِ، فَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ، فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ لَقِيَ رَهْطًا مِنَ الْخَزْرَجِ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ خَيْرًا، فَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ أَنْتُمْ» قَالُوا: نَفَرٌ مِنَ الْخَزْرَجِ، قَالَ: «أَمِنْ مَوَالِي يَهُودَ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «أَفَلا تَجْلِسُونَ أُكَلِّمُكُمْ» ؟ قَالُوا: بَلَى، فَجَلَسُوا مَعَهُ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الإِسْلامَ،
وَكَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ بِهِمْ فِي الإِسْلامِ أَنَّ يَهُودَ كَانُوا مَعَهُمْ فِي بِلادِهِمْ، وَكَانُوا أَهْلَ عِلْمٍ وَكِتَابٍ، وَكَانُوا هُمْ أَهْلَ شِرْكٍ أَصْحَابَ أَوْثَانٍ، وَكَانُوا قَدْ غَزَوْهُمْ بِبِلَادِهِمْ، فَكَانُوا إِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ قَالُوا لَهُمْ: إِنَّ نَبِيًّا مَبْعُوثًا الآنَ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ نَتَّبِعُهُ نَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ، فَلَمَّا كَلَّمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أُولِئَك النَّفَرَ وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعْلَمُوا وَاللَّهِ إِنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي تَوَعَّدَكُمْ بِهِ يَهُودُ، فَلا يَسْبِقَنَّكُمْ إِلَيْهِ، فَأَجَابُوهُ فِيمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ بِأَنْ صَدَّقُوهُ وَقَبِلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الإِسْلامِ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّا تَرَكْنَا قَوْمَنَا وَلا قَوْمَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالشَّرِّ مَا بَيْنَهُمْ، فَإِنْ يَجْمَعُهُمُ اللَّهُ عَلَيْكَ فَلا رَجُلَ أَعَزُّ مِنْكَ، ثُمَّ انْصَرَفُوا رَاجِعِينَ إِلَى بِلادِهِمْ قَدْ آمَنُوا وَصَدَّقُوا. وَهُمْ فِيمَا ذُكِرَ لِي سِتَّةُ نَفَرٍ مِنَ الْخَزْرَجِ ثُمَّ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، وَهُمْ: تَيْمُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ الأَكْبَرِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عُدُسِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ
стр. 179
غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَعَوْفُ بْنُ الحرث بن رفاعة بن الحرث بْنِ سَوادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النجار، وابن سعد يقول: سواد بن مالك بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكٍ، وَهُوَ ابْنُ عَفْرَاءَ.
وَمِنْ بَنِي زُرَيْقٍ: رَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ، وَمِنْ بَنِي سَوَّادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ قُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَوَّادٍ، وَمِنْ بَنِي سَلَمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدِ بْنِ شَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ بْنِ جُشَمَ، ثُمَّ مِنْ بَنِي حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِي بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ، وَمِنْ بَنِي عبيد بني عدي بن غنم كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن رئاب بن النعمان بن سنان ابن عُبَيْدٍ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ مَنْ يَجْعَلُ فِيهِمْ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ويسقط جابر بن رئاب، والله أعلم.
стр. 180
ذكر الْعَقَبَةُ الثَّانِيَةُ
حَتَّى إِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَدِمَ مَكَّةَ مِنَ الأَنْصَارِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلا، مِنْهُمْ خَمْسَةٌ مِنَ السِّتَّةِ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ: أَبُو أُمَامَةَ، وَعَوْفُ بْنُ عَفْرَاءَ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكٍ، وقطبة وعقبة، وبقيتهم معاذ بن الحرث بن رفاعة، وهو ابن عفراء أخو الْمَذْكُورُ، وَذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قَيْسِ بْنِ خَلْدَةَ بْنِ مَخْلَدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ الزُّرَقِيُّ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ رَحَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ فَسَكَنَهَا، فَهُوَ مُهَاجِرِيٌّ أَنْصَارِيٌّ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ. وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ أَصْرَمَ بْنِ فِهْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ. وَمِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلانِ بْنِ زَيْدِ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمٍ. وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ يَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَزْمَةَ- بِسُكُونِ الزَّايِ، وَالطَّبَرِيُّ يَفْتَحُهَا- بْنِ أَصْرَمَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَمَّارَةَ- بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ- بْنِ مَالِكٍ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ مِنْ بُلَيٍّ، وَمِنَ الأَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ أَخِي الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي جُشَمَ أَخِي عبد الأشهل بن جشم بن الحرث بْنِ الْخَزْرَجِ مَنْ يَعُدُّهُ مَوْلًى لَهُمُ ابْنُ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الأَوْسِ أَبُو الْهَيْثَمِ مَالِكُ بْنُ التَّيِّهَانِ- أَهْلُ الْحِجَازِ يُخَفِّفُونَ الْيَاءَ وَغَيْرُهُمْ يُشَدِّدُهَا- بْنِ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ جُشَمَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جُشَمَ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعُدُّهُ مَوْلًى لَهُمْ مِنْ بُلَيٍّ. وَمِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس عويمر بْنُ سَاعِدَةَ بْنِ عَايِشِ بْنِ قَيْسِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدِ بن مالك، فبايع رسول الله ﷺ هَؤُلاءِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ وَلَمْ يكن أمر بالقتال بَعْدُ.
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السَّمَاوِيُّ بِقِرَاءَةِ وَالِدِي عَلَيْهِ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ قَالَ: أَنَا أَبُو رَوْحٍ الْمُطَهَّرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ سَمَاعًا عَلَيْهِ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ الطُّوسِيُّ قَالَ: أَنَا نَصْرُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْخُشْنَامِيُّ قَالَ: أَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ
следующие страницы →