Полный текст (766 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وإلى ما تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فقال رسول الله ﷺ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [١] فَقَالَ مَفْرُوقٌ: دَعَوْتَ وَاللَّهِ يَا أَخَا قُرَيْشٍ إِلَى مَكَارِمِ الأَخْلاقِ، وَمَحَاسِنِ الأَعْمَالِ، وَلَقَدْ أَفَكَ قَوْمٌ، كَذَّبُوكَ وَظَاهَرُوا عَلَيْكَ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُشْرِكَهُ فِي الْكَلامِ هَانِئ بْن قَبِيصَةَ، فَقَالَ: هَذَا هَانِئُ بْنُ قَبِيصَةَ شَيْخُنَا وَصَاحِبُ دِينِنَا، فَقَالَ هَانِئٌ:
قَدْ سَمِعْنَا مَقَالَتَكَ يَا أَخَا قُرَيْشٍ، وَإِنِّي أَرَى أَنَّ تَرْكَنَا دِينِنَا وَاتِّبَاعَنَا إِيَّاكَ عَلَى دِينِكَ لِمَجْلِسٍ جَلَسْتَهُ إِلَيْنَا لَيْسَ لَهُ أَوَّلٌ وَلا آخِرُ زَلَّةٌ فِي الرَّأْيِ، وَقِلَّةُ نَظَرٍ فِي الْعَاقِبَةِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الزَّلَّةُ مَعَ الْعَجَلَةِ، وَمِنْ وَرَائِنَا قَوْمٌ نَكْرَهُ أَنْ نَعْقِدَ عَلَيْهِمْ عَقْدًا، وَلَكِنْ نَرْجِعُ وَتَرْجِعُ، وَنَنْظُرُ وَتَنْظُرُ، وَكَأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يُشْرِكَهُ فِي الْكَلامِ المثنى بن حارثة، فقال: وهذا المثنى به حَارِثَةَ شَيْخُنَا وَصَاحِبُ حَرْبِنَا، فَقَالَ الْمُثَنَّى: قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكَ يَا أَخَا قُرَيْشٍ، وَالْجَوَابُ هُوَ جَوَابُ هَانِئِ بْنِ قَبِيصَةَ فِي تَرْكِنَا دِينِنَا وَاتِّبَاعِنَا دِينَكَ لِمَجْلِسٍ جَلَسْتَهُ إِلَيْنَا لَيْسَ لَهُ أَوَّلٌ وَلا آخِرُ، وَإِنَّا إِنَّمَا نَزَلْنَا بَيْنَ صري [٢] الْيَمَامَةِ وَالسَّمَامَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ما هذان الصريين» فَقَالَ: أَنْهَارُ كِسْرَى وَمِيَاهُ الْعَرَبِ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ أَنْهَارِ كِسْرَى فَذَنْبُ صَاحِبِهِ غَيْرُ مَغْفُورٍ، وَعُذْرُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ مِيَاهِ الْعَرَبِ فَذَنْبُ صَاحِبِهِ مَغْفُورٌ، وَعُذْرُهُ مَقْبُولٌ، وَإِنَّا إِنَّمَا نَزَلْنَا عَلَى عَهْدٍ أَخَذَهُ عَلَيْنَا كِسْرَى أَنْ لا نُحْدِثَ حَدَثًا وَلا نُؤْوِي مُحْدِثًا، وَإِنِّي أَرَى أَنَّ هَذَا الأَمْرَ الذي تدعونا إليه أنت هو مما يكره الْمُلُوكُ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ نُؤْوِيَكَ وَنَنْصُرَكَ مِمَّا يَلِي مِيَاهَ الْعَرَبِ فَعَلْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَسَأْتُمْ فِيَّ الرَّدَّ إِذْ فَصُحْتُمْ فِي الصِّدْقِ، وَإِنَّ دِينَ الله لن ينصره إلا من حاط مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ، أَرَأَيْتُمْ إِنْ لَمْ تَلْبَثُوا إِلَّا قَلِيلا حَتَّى يُوَرِّثَكُمُ اللَّهُ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وأموالهم ويفرشكم نساءهم، أتسبحوا اللَّهَ وَتُقَدِّسُونَهُ؟» فَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ شَرِيكٍ:
اللَّهُمَّ لَكَ ذَا، فَتَلا رَسُول اللَّهِ ﷺ : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً [٣] ثُمَّ نَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ يَا أَبَا حَسَنٍ، أَيَّةُ أَخْلاقٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا أَشْرَفَهَا بِهَا، يَدْفَعُ اللَّهُ بَأْسَ بَعْضِهِمْ عن
стр. 177
بَعْضٍ، وَبِهَا يَتَجَازون فِيمَا بَيْنَهُمْ» قَالَ: ثُمَّ دَفَعَنَا إِلَى مَجْلِسِ الأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، فَمَا نَهَضْنَا حَتَّى بَايَعُوا، النَّبِيَّ ﷺ ، وَكَانُوا صِدْقًا صَبْرًا، وَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَدْعُو إِلَى دِينِ اللَّهِ، وَيَأْمُرُ بِهِ كُلَّ مَنْ لَقِيَهُ وَرَآهُ مِنَ الْعَرَبِ، إِلَى أَنْ قَدِمَ سُوَيْدُ بْنُ الصَّامِتِ أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مِنَ الأَوْسِ، فَدَعَاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى الإِسْلَامِ، فَلَمْ يَبْعُدْ وَلَمْ يُجِبْ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى يَثْرِبَ، فقتل في بعض حروبهم، قال ابن إسحق: فَإِنْ كَانَ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ لَيَقُولُونَ إِنَّا نراه قَدْ قُتِلَ وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَقَدِمَ مَكَّةَ أَبُو الْحَيْسَرِ أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ فِي فِتْيَةٍ مِنْ قَوْمِهِ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ يَطْلُبُونَ الْحِلْفَ، فَدَعَاهُمْ رسول الله ﷺ إلى الإِسْلامِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ اسْمُهُ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ وَكَانَ شَابًّا: يَا قَوْمِ هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا قَدِمْنَا لَهُ، فَضَرَبَهُ أَبُو الْحَيْسَرِ وَانْتَهَرَهُ فَسَكَتَ، ثُمَّ لَمْ يَتِمَّ لَهُمُ الحلفُ، فَانْصَرَفُوا إِلَى بِلادِهِمْ، وَمَاتَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقِيلَ إِنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا.
стр. 178
بَدْءُ إِسْلامِ الأَنْصَارِ وَذِكْرُ الْعَقَبَةِ الأُولَى
وَالأَنْصَارُ بَنُو الأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ابْنَيْ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْعَنْقَاءِ بْنِ عَمْرِو مُزَيْقِيَاءَ بْنِ عَامِرٍ مَاءِ السماء ابن حَارِثَةَ الْغِطْرِيفِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ الْبِطْرِيقِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْبُهْلُولِ بْنِ مَازِنِ بْنِ الأَزْدِ دِرَاءِ بْنِ الْغَوْثِ بْنِ نَبْتِ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلانَ بْنِ سَبَأَ عَامِرِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ يَقْطُنَ قَحْطَانَ.
قَالَ ابن إسحق: فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ إِظْهَارَ دِينِهِ وَإِعْزَازَ نَبِيِّهِ وَإِنْجَازَ مَوْعِدِهِ لَهُ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَوْسِمِ الَّذِي لَقِيَ فِيهِ النَّفَرَ مِنَ الأَنْصَارِ، فَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ، فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ لَقِيَ رَهْطًا مِنَ الْخَزْرَجِ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ خَيْرًا، فَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ أَنْتُمْ» قَالُوا: نَفَرٌ مِنَ الْخَزْرَجِ، قَالَ: «أَمِنْ مَوَالِي يَهُودَ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «أَفَلا تَجْلِسُونَ أُكَلِّمُكُمْ» ؟ قَالُوا: بَلَى، فَجَلَسُوا مَعَهُ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الإِسْلامَ،
وَكَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ بِهِمْ فِي الإِسْلامِ أَنَّ يَهُودَ كَانُوا مَعَهُمْ فِي بِلادِهِمْ، وَكَانُوا أَهْلَ عِلْمٍ وَكِتَابٍ، وَكَانُوا هُمْ أَهْلَ شِرْكٍ أَصْحَابَ أَوْثَانٍ، وَكَانُوا قَدْ غَزَوْهُمْ بِبِلَادِهِمْ، فَكَانُوا إِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ قَالُوا لَهُمْ: إِنَّ نَبِيًّا مَبْعُوثًا الآنَ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ نَتَّبِعُهُ نَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ، فَلَمَّا كَلَّمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أُولِئَك النَّفَرَ وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعْلَمُوا وَاللَّهِ إِنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي تَوَعَّدَكُمْ بِهِ يَهُودُ، فَلا يَسْبِقَنَّكُمْ إِلَيْهِ، فَأَجَابُوهُ فِيمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ بِأَنْ صَدَّقُوهُ وَقَبِلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الإِسْلامِ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّا تَرَكْنَا قَوْمَنَا وَلا قَوْمَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالشَّرِّ مَا بَيْنَهُمْ، فَإِنْ يَجْمَعُهُمُ اللَّهُ عَلَيْكَ فَلا رَجُلَ أَعَزُّ مِنْكَ، ثُمَّ انْصَرَفُوا رَاجِعِينَ إِلَى بِلادِهِمْ قَدْ آمَنُوا وَصَدَّقُوا. وَهُمْ فِيمَا ذُكِرَ لِي سِتَّةُ نَفَرٍ مِنَ الْخَزْرَجِ ثُمَّ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، وَهُمْ: تَيْمُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ الأَكْبَرِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عُدُسِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ
стр. 179
غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَعَوْفُ بْنُ الحرث بن رفاعة بن الحرث بْنِ سَوادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النجار، وابن سعد يقول: سواد بن مالك بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكٍ، وَهُوَ ابْنُ عَفْرَاءَ.
وَمِنْ بَنِي زُرَيْقٍ: رَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ، وَمِنْ بَنِي سَوَّادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ قُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَوَّادٍ، وَمِنْ بَنِي سَلَمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدِ بْنِ شَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ بْنِ جُشَمَ، ثُمَّ مِنْ بَنِي حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِي بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ، وَمِنْ بَنِي عبيد بني عدي بن غنم كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن رئاب بن النعمان بن سنان ابن عُبَيْدٍ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ مَنْ يَجْعَلُ فِيهِمْ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ويسقط جابر بن رئاب، والله أعلم.
стр. 180
ذكر الْعَقَبَةُ الثَّانِيَةُ
حَتَّى إِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَدِمَ مَكَّةَ مِنَ الأَنْصَارِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلا، مِنْهُمْ خَمْسَةٌ مِنَ السِّتَّةِ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ: أَبُو أُمَامَةَ، وَعَوْفُ بْنُ عَفْرَاءَ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكٍ، وقطبة وعقبة، وبقيتهم معاذ بن الحرث بن رفاعة، وهو ابن عفراء أخو الْمَذْكُورُ، وَذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قَيْسِ بْنِ خَلْدَةَ بْنِ مَخْلَدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ الزُّرَقِيُّ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ رَحَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ فَسَكَنَهَا، فَهُوَ مُهَاجِرِيٌّ أَنْصَارِيٌّ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ. وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ أَصْرَمَ بْنِ فِهْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ. وَمِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلانِ بْنِ زَيْدِ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمٍ. وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ يَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَزْمَةَ- بِسُكُونِ الزَّايِ، وَالطَّبَرِيُّ يَفْتَحُهَا- بْنِ أَصْرَمَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَمَّارَةَ- بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ- بْنِ مَالِكٍ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ مِنْ بُلَيٍّ، وَمِنَ الأَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ أَخِي الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي جُشَمَ أَخِي عبد الأشهل بن جشم بن الحرث بْنِ الْخَزْرَجِ مَنْ يَعُدُّهُ مَوْلًى لَهُمُ ابْنُ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الأَوْسِ أَبُو الْهَيْثَمِ مَالِكُ بْنُ التَّيِّهَانِ- أَهْلُ الْحِجَازِ يُخَفِّفُونَ الْيَاءَ وَغَيْرُهُمْ يُشَدِّدُهَا- بْنِ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ جُشَمَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جُشَمَ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعُدُّهُ مَوْلًى لَهُمْ مِنْ بُلَيٍّ. وَمِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس عويمر بْنُ سَاعِدَةَ بْنِ عَايِشِ بْنِ قَيْسِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدِ بن مالك، فبايع رسول الله ﷺ هَؤُلاءِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ وَلَمْ يكن أمر بالقتال بَعْدُ.
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السَّمَاوِيُّ بِقِرَاءَةِ وَالِدِي عَلَيْهِ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ قَالَ: أَنَا أَبُو رَوْحٍ الْمُطَهَّرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ سَمَاعًا عَلَيْهِ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ الطُّوسِيُّ قَالَ: أَنَا نَصْرُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْخُشْنَامِيُّ قَالَ: أَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ
стр. 181
النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قال: أنا معمر عن الزهري عن أبي إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: بايع رسول الله ﷺ نَفَرًا أَنَا مِنْهُمْ، فَتَلا عَلَيْهِمْ آيَةَ النِّسَاءِ: لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ثُمَّ قَالَ:
«وَمَنْ وَفَّى فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ طُهْرٌ لَهُ» أو قَالَ: «كَفَّارَةٌ» «وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فستره الله عليه فأمره إلى الله إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عذبه» . رواه البخاري [١] . حدثني إسحق بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: أَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ فَذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ،
فَلَمَّا انْصَرَفُوا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمُ ابْنَ أُمِّ مكتوم ومصعب بن عمير يعلمان مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمُ الْقُرْآنَ وَيَدْعُو مَنْ لَمْ يُسْلِمْ إِلَى الإِسْلامِ، فَنَزَلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ عَلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، وَكَانَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ يُدْعَى الْمُقْرِئَ وَالْقَارِئَ، وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ كَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَؤُمَّهُ بَعْضٌ، فَجَمَّعَ بِهِمْ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِعَتْ فِي الإسلام.
وعند ابن إسحق: أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِهِمْ أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ. رُوِّينَا عَنْ أَبِي عَرُوبَةَ:
ثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ أَوَّلَ مَا جُمِعَتِ الْجُمُعَةُ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجَمَّعَ بِالْمُسْلِمِينَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. وَبِهِ قَالَ: ثَنَا هَاشِمٌ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كتب إليه بأمره بِذَلِكَ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ، ثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ محمد بن إسحق عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بن مالك- كان قَائِدَ أَبِيهِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ بَصَرُهُ- عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تَرَحَّمَ لأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَقُلْتُ لَهُ:
إِذَا سَمِعْتَ النِّدَاءَ تَرَحَّمْتَ لأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ؟ فَقَالَ: لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِنَا فِي هَزْمِ النَّبِيتِ مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ فِي بَقِيعٍ يُقَالُ لَهُ: بَقِيعُ الْخَضَمَاتِ، قُلْتُ: كَمْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ:
أَرْبَعُونَ.
بقيع الخضمات: بالباء، وقع في هذه الرواية، وقيد الْبَكْرِيُّ بِالنُّونِ، وَقَالَ:
هَزْمُ النَّبِيتِ جَبَلٌ عَلَى بريد من المدينة.
стр. 182
قَالَ السُهَيْلِيُّ: تَجْمِيعُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجُمُعَةَ وَتَسْمِيَتُهُمْ إِيَّاهَا بِهَذَا الاسْمِ هِدَايَةً مِنَ اللَّهِ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرُوا بِهَا، ثُمَّ نَزَلَتْ سُورَةُ الْجُمُعَةِ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَاسْتَقَرَّ فَرْضُهَا، وَاسْتَمَرَّ حُكْمُهَا، وَلِذَلِكَ
قَالَ ﵇: «أَضَلَّتْهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَهَدَاكُمُ اللَّهُ لَهُ» .
وَذَكَر عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: جَمَّعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَقَبْلَ أَنْ تُنَزَّلَ الْجُمُعَةُ الْحَدِيثَ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذْنَ النَّبِيِّ ﷺ بِهَا لَهْمُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَرُوبَةَ الأَثَرَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى بِذَلِكَ.
стр. 183
ذكر إِسْلَامُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَأُسَيْدُ بْنُ حَضِيرٍ على يدي مصعب بن عمير
قال ابن إسحق: وحَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُعَيْقِيبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ خَرَجَ بِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ يُرِيدُ دَارَ بني عبد الأَشْهَلِ وَدَارَ بَنِي ظَفْرٍ، فَدَخَلَ حَائِطًا مِنْ حَوَائِطِ بَنِي ظَفْرٍ فَجَلَسَا فِيهِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمَا رِجَالٌ مِمَّنْ أَسْلَمَ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَأُسَيْدُ بْنُ حَضِيرٍ يَوْمَئِذٍ سَيِّدَا قَوْمِهِمَا، وَكِلاهُمَا مُشْرِكٌ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، فَلَمَّا سَمِعَا بِهِ قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ لأُسَيْدِ بْنِ حَضِيرٍ: لا أَبًا لَكَ انْطَلِقْ إِلَى هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا فأزجرهما وأنهاهما عَنْ أَنْ يَأْتِيَا دَارَيْنَا، فَإِنَّهُ لَوْلا أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ مِنِّي حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُ كَفَيْتُكَ ذَلِكَ، هُوَ ابْنُ خَالَتِي، وَلا أَجِدُ عَلَيْهِ مَقْدَمًا، فَأَخَذَ أُسَيْدُ بْنُ حَضِيرٍ حَرْبَتَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَآهُ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ قَالَ لِمُصْعَبٍ: هَذَا سَيِّدُ قَوْمِهِ قَدْ جَاءَكَ فَاصْدُقِ اللَّهَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ مُصْعَبٌ: إِنْ يَجْلِسْ هَذَا أُكَلِّمْهُ، قَالَ: فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا متشمتا، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمَا إِلَيْنَا، تُسَفِّهَانِ ضُعَفَاءَنَا، اعْتَزِلانَا إِنْ كَانَتْ لَكُمَا بِأَنْفُسِكُمَا حَاجَةٌ، فَقَالَ له مصعب:
أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كُفَّ عَنْكَ مَا تَكْرَهُ، قَالَ:
أَنْصَفْتَ، ثُمَّ رَكَزَ حَرْبَتَهُ وَجَلَسَ إِلَيْهِمَا، فَكَلَّمَهُ مُصْعَبٌ بِالإِسْلامِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ:
فَقَالا فِيمَا يُذْكَرُ عَنْهُمَا: وَاللَّهِ لَعَرَفْنَا فِي وَجْهِهِ الإِسْلامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا وَأَجْمَلَهُ، كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا فِي هَذَا الدِّينِ، قَالا لَهُ: تَغْتَسِلْ فَتَطْهُرُ وَتُطَهِّرُ ثَوْبَيْكَ، ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ تُصَلِّي، فَقَامَ فَاغْتَسَلَ وَطَهَّرَ ثَوْبَيْهِ وَتَشَهَّدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يختلف عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ وَسَأُرْسِلُهُ إِلَيْكُمَا الآنَ وَهُوَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، ثُمَّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ فَانْصَرَفَ إِلَى سَعْدٍ وَقَوْمِهِ وَهُمْ جُلُوسٌ فِي نَادِيهِمْ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مقبلا
стр. 184
قَالَ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ جَاءَكُمْ أُسَيْدُ بْنُ حَضِيرٍ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى النَّادِي قَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: كَلَّمْتُ الرَّجُلَيْنِ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ بِهِمَا بَأْسًا، وَقَدْ نَهَيْتُهُمَا فَقَالَا نَفْعَلُ مَا أَحْبَبْتَ، وَقَدْ حُدِّثْتُ أَنَّ بَنِي حَارِثَةَ خَرَجُوا إِلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ لِيَقْتُلُوهُ، وَذَلِكَ أَنَّهْمُ عَرَفُوا أَنَّهُ ابْنُ خَالَتِكَ لِيُخَفِّرُوكَ، فَقَامَ سَعْدٌ مُغْضَبًا مُبَادِرًا تَخَوُّفًا لِلَّذِي ذُكِرَ لَهُ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ، فَأَخَذَ الْحَرْبَةَ مِنْ يَدِهِ وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَاكَ أَغْنَيْتَ عَنَّا شَيْئًا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَآهُمَا سَعْدٌ مُطْمَئِنَّيْنِ عَرَفَ أَنَّ أُسَيْدًا إِنَّمَا أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا، فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا مُتَشَتِّمًا ثُمَّ قَالَ لأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْلا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنَ الْقَرَابَةِ مَا رُمْتَ مِنِّي هَذَا، أَتَغْشَانَا فِي دَارَيْنَا بِمَا نَكْرَهُ، وَقَدْ قَالَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ لِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ: أَيْ مُصْعَبُ: جَاءَكَ وَاللَّهِ سَيِّدٌ مِنْ وَرَاءِهِ مِنْ قَوْمِهِ، إِنْ يَتْبَعْكَ لا يَتَخَلَّفْ عَنْكَ مِنْهُمُ اثْنَانِ، قَالَ: فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته عَزَلْنَا عَنْكَ مَا تَكْرَهُ، قَالَ سَعْدٌ: أَنْصَفْتَ، ثم الْحَرْبَةَ وَجَلَسَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الإِسْلامَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، قَالا: فَعَرَفْنَا وَاللَّهِ فِي وَجْهِهِ الإِسْلامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا أَنْتُمْ أَسْلَمْتُمْ وَدَخَلْتُمْ فِي هَذَا الدِّينِ؟ قَالا: تَغْتَسِلُ فَتَطْهُرُ وَتُطَهِّرُ ثَوْبَيْكَ، ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ تَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فَقَامَ فَاغْتَسَلَ وَطَهَّرَ ثَوْبَيْهِ، ثُمَّ شَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ، فأقبل عامدا إلى نادي قومه ومعه أُسَيْدُ بْنُ حَضِيرٍ، فَلَمَّا رَآهُ قَوْمُهُ مُقْبِلا قَالُوا:
نَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَجَعَ إِلَيْكُمْ سَعْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ: كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي فِيكُمْ؟ قَالُوا: سَيِّدُنَا وَأَفْضَلُنَا رَأْيًا وَأَيْمَنُنَا نَقِيبَةً، قَالَ: فَإِنَّ كَلامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا أَمْسَى فِي دَارِ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلا امْرَأَةٌ إِلَّا مُسْلِمًا أَوْ مُسْلِمَةً.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: حَاشَى الأُصَيْرِمِ، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ ثَابِتِ بْنِ وَقْشٍ، فَإِنَّهُ تَأَخَّرَ إِسْلامُهُ إِلَى يَوْمِ أُحُدٍ، فَأْسَلَم وَاسْتُشْهِدَ، وَلَمْ يَسْجُدْ لِلَّهِ سَجْدَةً، وَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ مِنْ أهل الجنة.
رجع إلى ابن إسحق قَالَ: وَرَجَعَ مُصْعَبٌ إِلَى مَنْزِلِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ فَأَقَامَ عِنْدَهُ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الإِسْلامِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ مُسْلِمُونَ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ دَارِ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَخَطْمَةَ وَوَائِلٍ، وَوَاقِفٍ، وَتِلْكَ أَوْسُ
стр. 185
اللَّهِ، وَهُمْ مِنَ الأَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَكَانُوا سُكَّانًا فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ، فَأَسْلَمَ مِنْهُمْ قَوْمٌ، وَكَانَ سَيِّدَهُمْ أَبُو قَيْسٍ صيفي بن الأسلت، فَتَأَخَّرَ إِسْلامُهُ وَإِسْلامُ سَائِرِ قَوْمِهِ إِلَى أَنْ مَضَتْ بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالْخَنْدَقُ، ثُمَّ أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ. وَرَأَيْتُ فِي التَّارِيخِ الأَوْسَطِ لِلْبُخَارِيِّ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَمِعُوا هَاتِفًا يَهْتِفُ قَبْلَ إِسْلامِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ:
فَإِنْ يُسْلِمِ السَّعْدَانِ يُصْبِحْ مُحَمَّدٌ ... بِمَكَّةَ لا يَخْشَى خِلافَ الْمُخَالِفِ
فَحَسِبُوا أَنَّهُ يُرِيدُ الْقَبِيلَتَيْنِ سَعْدَ هُزَيْمٍ مِنْ قُضَاعَةَ وَسَعْدَ بْنَ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ حَتَّى سَمِعُوهُ يَقُولُ:
فَيَا سَعْدُ سَعْدَ الأَوْسِ كُنْ أَنْتَ نَاصِرًا ... وَيَا سَعْدُ سَعْدَ الْخَزْرَجِينَ الْغَطَارِفِ
أَجِيبَا إِلَى دَاعِي الْهُدَى وَتَمَنَّيَا ... عَلَى اللَّهِ فِي الْفِرْدَوْسِ مُنْيَةَ عَارِفِ
فِي أَبْيَاتٍ، وَقَدْ رُوِّينَا ذلك أطول من هذا.
стр. 186
ذكر البراء بن معرور وصلاته إلى القبلة وذكر العقبة الثالثة
قال ابن إسحق: ثُمَّ إِنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ، وَخَرَجَ مَنْ خَرَجَ مِنَ الأَنْصَارِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْمَوْسِمِ مَعَ حُجَّاجِ قَوْمِهِمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ حَتَّى قَدِمُوا مَكَّةَ، فَوَاعَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْعَقَبَةَ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَحَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ الأَنْصَارِ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ كَعْبًا حدثه، وكان ممن شهد الْعَقَبَةَ وَبَايَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِهَا، قَالَ: خَرَجْنَا مِنْ حُجَّاجِ قَوْمِنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ صَلَّيْنَا وَفُقِّهْنَا، وَمَعَنَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ سَيِّدُنَا وَكَبِيرُنَا، فَلَمَّا وَجَّهْنَا لِسَفَرِنَا وَخَرَجْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ قَالَ الْبَرَاءُ لَنَا: يَا هَؤُلاءِ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَتُوَافِقُونِي عَلَيْهِ أَمْ لا؟
قَالَ: قُلْنَا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ أَنْ لا أَدَعَ هَذِهِ الْبَنِيَّةَ مِنِّي بِظَهْرٍ (يَعْنِي الْكَعْبَةَ) وَأَنَّ أصلّى إليها، قال: قلنا: والله ما بَلَغَنَا أَنَّ نَبِيَّنَا يُصَلِّي إِلَّا إِلَى الشَّامِ، وَمَا نُرِيدُ أَنْ نُخَالِفَهُ، قَالَ: فَقَالَ: إِنِّي لَمُصَلٍّ إِلَيْهَا، قَالَ: قُلْنَا لَهُ: لَكِنَّا لا نَفْعَلُ، قَالَ: فَكُنَّا إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ صَلَّيْنَا إِلَى الشَّامِ وَصَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ، قَالَ: وَقَدْ كُنَّا عِبْنَا عَلَيْهِ مَا صَنَعَ، وَأَبَى إِلَّا الإِقَامَةَ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: فلما قدمنا مكة قال لي: يا ابن أَخِي انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَسْأَلَهُ عَمَّا صَنَعْتُ فِي سَفَرِي هَذَا، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَقَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ خِلافِكُمْ إِيَّايَ فِيهِ، قَالَ: فَخَرَجْنَا نَسْأَلُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكُنَّا لا نَعْرِفُهُ وَلَمْ نَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَقِينَا رَجُلا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفَانِهِ؟ قُلْنَا: لا، قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفَانِ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّهُ، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: وَكُنَّا نَعْرِفُ الْعَبَّاسَ، كَانَ لا يَزَالُ يَقْدَمُ عَلَيْنَا تَاجِرًا، قَالَ: فَإِذَا دَخَلْتُمَا الْمَسْجِدَ هُوَ الرَّجُلُ الْجَالِسُ مَعَ الْعَبَّاسِ
قَالَ: فَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ، فَإِذَا الْعَبَّاسُ جَالِسٌ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ، فَسَلَّمْنَا ثُمَّ جَلَسْنَا إِلَيْهِ، فقال رسول
стр. 187
اللَّهِ ﷺ لِلْعَبَّاسِ: «هَلْ تَعْرِفُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ يَا أَبَا الْفَضْلِ» ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ سَيِّدُ قَوْمِهِ، وَهَذَا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا أَنْسَى قَوْلَ رَسُول اللَّهِ ﷺ :
«الشَّاعِرُ» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي خَرَجْتُ فِي سَفَرِي هَذَا، وَقَدْ هَدَانِي اللَّهُ لِلإِسْلامِ، فَرَأَيْتُ أَنْ لا أَجْعَلَ، هَذِهِ الْبَنِيَّةَ مِنِّي بِظَهْرٍ، فَصَلَّيْتُ إِلَيْهَا وَخَالَفَنِي أَصْحَابِي فِي ذَلِكَ حَتَّى وَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَمَاذَا تَرَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَقَدْ كُنْتُ عَلَى قِبْلَةٍ لَوْ صَبَرْت عَلَيْهَا» .
فَرَجَعَ الْبَرَاءُ إِلَى قِبْلَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَصَلَّى إِلَى الشَّامِ، وَأَهْلُهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ صَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ حَتَّى مَاتَ، وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا نَحْنَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُمْ، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْحَجِّ، وَوَاعَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْعَقَبَةَ مِنْ وَاسِطَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ الْحَجِّ، وَكَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وَاعَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَهَا، وَمَعَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ أَبُو جَابِرٍ سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا أَخَذْنَاهُ، وَكُنَّا نَكْتُمُ مَنْ مَعَنَا مِنْ قَوْمِنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمْرَنَا، فَكَلَّمْنَاهُ وَقُلْنَا لَهُ: يَا جَابِرُ إِنَّكَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا، وَشَرِيفٌ مِنْ أَشْرَافِنَا، وَإِنَّا نَرْغَبُ بِكَ عَمَّا أَنْتَ فِيهِ أَنْ تَكُونَ حَطَبًا لِلنَّارِ غَدًا، ثُمَّ دَعَوْنَاهُ إِلَى الإِسْلامِ، وَأَخْبَرَنَاهُ بِمِيعَادِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّانَا الْعَقَبَةَ، قَالَ: فَأَسْلَمَ، وَشَهِدَ مَعَنَا الْعَقَبَةَ، وَكَانَ نَقِيبًا، فَنِمْنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَعَ قَوْمِنَا فِي رِحَالِنَا، حَتَّى إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ خَرَجْنَا مِنْ رِحَالِنَا لِمِيعَادِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسَلُّلَ الْقَطَا مُسْتَخْفِينَ، حَتَّى اجْتَمَعْنَا فِي الشِّعْبِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ وَنَحْنُ ثَلاثَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلا، وَمَعَنَا امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِنَا: نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ أُمُّ عمارة إحدى نساء بني مازن النَّجَّارِ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَابِي، إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي سَلَمَةَ، وَهِيَ أُمُّ مَنِيعٍ، قَالَ: فَاجْتَمَعْنَا فِي الشِّعْبِ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى جَاءَنَا وَمَعَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، إِلَّا أَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَحْضُرَ أَمْرَ ابْنِ أَخِيهِ وَيَتَوَثَّقَ لَهُ، فَلَمَّا جَلَسَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ (وَكَانَتِ الْعَرَبُ إِنَّمَا يُسَمُّونَ هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ الْخَزْرَجَ خَزْرَجَهَا وَأَوْسَهَا) : إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَقَدْ مَنَعْنَاهُ مِنْ قَوْمِنَا مِمَّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِنَا فِيهِ، فَهُوَ فِي عِزٍّ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنَعَةٍ فِي بَلَدِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ أَبَى إِلَّا الانْحِيَازَ إِلَيْكُمْ وَاللُّحُوقَ بِكُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ وَمَانِعُوهُ مِمَّنْ خَالَفَهُ فَأَنْتُمْ وَمَا تَحَمَّلْتُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ مُسَلِّمُوهُ وَخَاذِلُوهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ بِهِ إِلَيْكُمْ فَمِنَ الآنِ فَدَعُوهُ، فَإِنَّهُ فِي عِزٍّ وَمَنَعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَبَلَدِهِ، قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتَ:
فَتَكَلَّمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَخُذْ لِنَفْسِكَ وَلِرَبِّكَ مَا أَحْبَبْتَ،
قَالَ: فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فتلا
стр. 188
الْقُرْآنَ وَدَعَا إِلَى اللَّهِ وَرَغَّبَ فِي الإِسْلامِ ثُمَّ قَالَ: «أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تمنعون من نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ» قَالَ: فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ وَالَّذِي بَعْثَكَ بِالْحَقِّ لنمنعك مما تمنع منه نساءنا أزرنا، فبايعنا رسول الله ﷺ ، فَنَحْنُ وَاللَّهِ أَهْلُ الْحُرُوبِ، وَأَهْلُ الْحَلَقَةِ [١] وَرَثْنَاهَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ قَالَ: فَاعْتَرَضَ الْقَوْلَ- وَالْبَرَاءُ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرِّجَالِ حِبَالا، وَإِنَّا قَاطِعُوهَا (يَعْنِي الْيَهُودَ) فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ نَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا، قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «بَلِ الدَّمَ الدَّمَ، وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ، أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي، أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ، وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ» وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا يَكُونُونَ عَلَى قَوْمِهِمْ بِمَا فِيهِمْ» فَأَخْرَجُوا تِسْعَةً مِنَ الْخَزْرَجِ، وَثَلاثَةً مِنَ الأَوْسِ،
فَمِنَ الْخَزْرَجِ ثُمَّ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ بْنِ عُدُسٍ، وَمِنْ بَنِي مَالِكٍ الأَغَرُّ بْنُ ثَعْلَبَةَ بن كعب بن الخزرج بن الحرث بْنِ الْخَزْرَجِ عَبْد اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ الأَكْبَرِ بْنِ مَالِكٍ الأَغَرِّ، وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَبِي زُهَيْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ مَالِكٍ الأَغَرِّ. وَمِنْ بَنِي زُرَيْقٍ رَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلانِ. وَمِنْ بَنِي سَلَمَةَ ثُمَّ بَنِي حرام عبد الله بن عمرو بن حرام بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَرَامٍ. وَمِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورِ بْنِ صَخْرِ بْنِ خنساء بن سنان بن عبيد. وعن بَنِي طَرِيفِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ دُلَيْمِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ أَبِي خُزَيْمَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ طَرِيفٍ. وَمِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ الْخَزْرَجِ أَخِي طَرِيفٍ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خنيس بن لوذان بن عبد ود بن زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ. وَمِنْ بَنِي غَنْمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ. وَمِنَ الأَوْسِ ثُمَّ مِنْ بني عبد الأشهل بن جشم بن الحرث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأَوْسِ أُسَيْدُ بْنُ حَضِيرِ بْنِ سِمَاكِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الأَشْهَلِ. وَمِنْ بَنِي السَّلْمِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الأَوْسِ: سَعْدُ بْنُ خيثمة بن الحرث بْنِ مَالِكِ بْنِ كَعْبِ بْنِ النَّحَّاطِ بْنِ كعب بن حارثة بن غنم بن السلم. وَمِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ رِفَاعَةُ بْنُ عبد المنذر بن زنبر بن زيد بن أُمَيَّةَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَعُدُّونَ فيهم أبا
стр. 189
الْهَيْثَمِ بْنَ التَّيِّهَانِ بَدَلَ رِفَاعَةَ. وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْبَيْهَقِيِّ بِسَنَدِهِ إِلَى مَالِكٍ قَالَ فحَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنَ الأَنْصَارِ أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ كَانَ يُشِيرُ لَهُ إِلَى مَنْ يَجْعَلُهُ نَقِيبًا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الَّذِي تَوَلَّى الْكَلامَ مَعَ الأَنْصَارِ وَشَدَّ الْعَقْدَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْعَدَنِيِّ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ عن ابن خيثم عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِرٍ فَذَكَرَ حَدِيثَ العقبة وفيه: فأخذ بِيَدِهِ (يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ وَهُوَ أَصْغَرُ السَّبْعِينَ، إِلَّا أَنَا، فَقَالَ: رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبِ، إِنَّا لَمْ نَضْرِبْ إِلَيْهِ أَكْبَادَ الْمَطِيِّ إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَإِنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ، وَإِنْ تَعَضَّكُمُ السُّيُوفَ فَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَصْبِرُونَ عَلَيْهَا إِذَا مَسَتْكُمْ بِقَتْلِ خِيَارِكُمْ وَمُفَارَقَةِ الْعَرَبِ كَافَّةً، فَخُذُوهُ وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللَّهِ، وَإِمَّا أَنْتُمْ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خِيفَةً فَذَرُوهُ فَهُوَ أَعْذَرُ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ، فَقَالُوا: يَا أَسْعَدُ: أَمِطْ عَنَّا يَدَكَ، فَوَاللَّهِ لا نَذَرُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ وَلا نَسْتَقِيلُهَا ... الْحَدِيثَ. وَقِيلَ: بَلِ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نضلة. روينا عن ابن إسحق قَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا اجْتَمَعُوا لِبَيْعَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ إِنَّكُمْ تُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِ الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ مِنَ النَّاسِ، فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ، قَالَ: فَأَمَّا عَاصِمٌ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا قَالَ ذَلِكَ الْعَبَّاسُ إِلَّا لِيَشُدَّ الْعَقْدَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: مَا قَالَ ذَلِكَ الْعَبَّاسُ إِلَّا لِيُؤَخِّرَ الْقَوْمَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ رَجَاءَ أَنْ يَحْضُرَهَا عَبْدُ الله بن أبي بن سَلُولٍ فَيَكُونُ أَقَوى لأَمْرِ الْقَوْمِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ. وَكَانَتْ هَذِهِ الْبَيْعَةُ عَلَى حَرْبِ الأَسْوَدِ وَالأَحْمَرِ، وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ لِرَبِّهِ، وَجَعَلَ لَهُمْ عَلَى الْوَفَاءِ بِذَلِكَ الْجَنَّةَ، فَأَوَّلُ الْمُبَايِعِينَ فِيهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ: فَرُوِّينَاهُ عَنِ ابْنِ إسحق مِنْ طَرِيقِ الْبَكَّائِيِّ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سَيْفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَزِيعٍ عَنْهُ قَالَ: بَنُو النَّجَّارِ يَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَبَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ يَقُولُونَ: بل أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التِّيِّهَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ،
فَلَمَّا انْتَهَتِ الْبَيْعَةُ صَرَخَ الشَّيْطَانُ مِنْ رَأْسِ الْعَقَبَةِ، يَا أَهْلَ الْجُبَاجِبِ: هَلْ لَكُمْ فِي مُذَمَّمٍ وَالصُّبَاةُ مَعَهُ قَدْ أَجْمَعُوا، عَلَى حَرْبِكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَذَا أَزَبُّ الْعَقَبَةِ، أَتَسْمَعُ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ:
أَمَا وَاللَّهِ لأَفْرُغَنَّ لَكَ» فاستأذنه العباس ابن عُبَادَةَ فِي الْقِتَالِ، فَقَالَ: «لَمْ نُؤْمَرْ بِذَلِكَ»
وَتَطَلَّبَ الْمُشْرِكُونَ خَبَرَهُمْ، فَلَمْ يَعْرِفُوهُ، ثُمَّ شَعَرُوا به حين انصرفوا، فاقتفوا آثارهم، فلم يدركوا إِلَّا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، فَأَمَّا سَعْدٌ فَكَانَ مِمَّنْ عُذِّبَ فِي اللَّهِ،
стр. 190
وَأَمَّا الْمُنْذِرُ فَأَعْجَزَهُمْ وَأَفْلَتَ. وَنَمِيَ خَبَرُ سَعْدِ بن عبادة إلى جبير بن مطعم والحرث بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ عَلَى يَدَيْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ بْنِ هِشَامٍ فَأَنْفَذَهُ اللَّهُ بِهِمَا.
وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ الْفِهْرِيُّ:
تَدَارَكْتُ سَعْدا عَنْوَةً فَأَخَذْتُهُ ... وَكَانَ شِفَاءً لَوْ تَدَارَكْتُ مُنْذِرًا
وَلَوْ نِلْتُهُ طُلَّتْ هُنَاكَ جِرَاحُهُ ... وَكَانَ حَرِيًّا أَنْ يهان ويهدرا
فأجابها حَسَّانٌ بِأَبْيَاتٍ ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ.
فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ أَظْهَرُوا الإِسْلامَ وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ مِمَّنْ بَقِيَ عَلَى شِرْكِهِ وَكَانَ لَهُ صَنَمٌ يُعَظِّمُهُ، فَكَانَ فِتْيَانٌ مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ يُدْلِجُونَ [١] بِاللَّيْلِ عَلَى صَنَمِهِ فَيَطْرَحُونَهُ فِي بَعْضِ حُفَرِ بَنِي سَلَمَةَ مُنَكَّسًا رَأْسُهُ فِي عُذْرِ النَّاسِ، فَإِذَا أَصْبَحَ عَمْرٌو قَالَ: وَيْحَكُمْ مَنْ عَدَا عَلَى آلِهَتِنَا هَذِهِ اللَّيْلَةِ؟ ثُمَّ يغدو يَلْتَمِسُهُ، حَتَّى إِذَا وَجَدَهُ غَسَلَهُ وَطَهَّرَهُ وَطَيَّبَهُ، فَإِذَا أَمْسَى عَدَوْا عَلَيْهِ فَفَعَلُوا بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ غَسَلَهُ مَرَّةً وَطَهَّرَهُ ثُمَّ جاء بِسَيْفِهِ، فَعَلَّقَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا أَعْلَمُ مَنْ يَصْنَعُ بِكَ مَا أَرَى، فَإِنْ كَانَ فِيكَ خَيْرٌ فَامْتَنِعْ فَهَذَا السَّيْفُ مَعَكَ، فلما أمسى ونام عمرو غدوا عَلَيْهِ وَأَخَذُوا السَّيْفَ مِنْ عُنُقِهِ ثُمَّ أَخَذُوا كَلْبًا مَيِّتًا فَقَرَنُوهُ بِهِ بِحَبْلٍ ثُمَّ أَلْقَوْهُ فِي بِئْرٍ مِنْ آبَارِ بَنِي سَلَمَةَ فِيهَا عِذَرٌ مِنْ عِذَرِ النَّاسِ، وَغَدَا عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ فَلَمْ يَجِدْهُ فِي مَكَانِهِ، فَخَرَجَ يَتْبَعُهُ حَتَّى وَجَدَهُ فِي تِلْكَ الْبِئْرِ مُنَكَّسًا مَقْرُونًا بِكَلْبٍ مَيِّتٍ، فَلَمَّا رَآهُ أَبْصَرَ شَأْنَهُ وَكَلَّمَهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ فَأَسْلَمَ ﵁ وحسن إسلامه.
стр. 191
وهذه تسمية من شهد العقبة
وكانوا ثَلاثَةً وَسَبْعِينَ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ، هَذَا هُوَ الْعَدَدُ الْمَعْرُوفُ، وَإِنْ زَادَ فِي التَّفْصِيلِ عَلَى ذَلِكَ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِزِيَادَةٍ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَحَلِّ الْخِلافِ فِيمَنْ شَهِدَ، فَبَعْضُ الرُّوَاةِ يُثْبِتُهُ، وَبَعْضُهُمْ يُثْبِتُ غَيْرَهُ بَدَلَهُ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فِي أَهْلِ بَدْرٍ، وَشُهَدَاءِ أُحُدٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَهُمْ مِنَ الأَوْسِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ: أُسَيْدُ بْنُ حَضِيرٍ أو الهيثم مَالِكِ بْنِ التَّيِّهَانِ سَلَمَةَ بْنِ سَلامَةَ بْنِ وقش بن زغبة بن زعوراء بْنِ عَبْدِ الأَشْهَلِ، وَسَعْدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ جُشَمَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَبَنُو جُشَمَ عِدَادُهُمْ فِي بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ شُهَدَاء الْعَقَبَةِ فِي قَوْلِ الْوَاقِدِيِّ وَحْدَهُ، وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي الْبَدْرِيِّينَ عِنْدَ غَيْرِهِ.
وقد اختلف في نسبه: وهو عند ابن إسحق: سَعْدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ الأَشْهَلِ. وَمِنْ بَنِي حارثة بن الحرث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأَوْسِ: ظُهَيْرُ بْنُ رَافِعِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُشَمَ بْنِ حَارِثَةَ أَبُو بُرْدَةَ هَانِئُ بْنُ نِيَارِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدِ بن كلاب بن دهمان بن غنم بن ذُبْيَانَ بْنِ هُمَيْمِ بْنِ كَاهِلِ بْنِ ذُهْلِ بْنِ هُنَيِّ بْنِ بَلِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ حَلِيفٌ لَهُمْ بُهَيْزُ بْنُ الهيثم بن نامي بن مجدعة بن حارثة بن الحرث بْنِ الْخَزْرَجِ- وَبُهَيْزٌ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وبالنون عند آخَرِينَ. وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ سَعْدُ بن خيثمة رفاعة بن عبد المنذر عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ أمية بن البرك امرئ القيس بن ثعلبة بن عمرو مَعْنُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْجَدِّ بْنِ الْعَجْلَانِ بن ضبيعة عويم بْنُ سَاعِدَةَ. وَمِنَ الْخَزْرَجِ ثُمَّ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ أَبُو أَيُّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ كليب بن ثعلبة بْنِ عَبْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ وَمُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ وَأَخَوَاهُ مُعَوَّذٌ وَعَوْفٌ وَعُمَارَةُ بْنُ حَزْمِ بْنِ زَيْدِ بن لوذان بن عمرو بن
стр. 192
عَبْدِ عَوْفِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النجار أسعد بْنُ زُرَارَةَ النُّعَيْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ رِفَاعَةَ بن الحرث بْنِ سَوَّادِ بْنِ غَنْمٍ عِنْدَ الْوَاقِدِيِّ وَحْدَهُ. ومن بني مبذول عَامِرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ سَهْلُ بْنُ عَتِيكِ بْنِ النُّعْمَانَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَتِيكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ. وَمِنْ بَنِي حُدَيْلَةَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، وَحُدَيْلَةُ أُمُّ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرٍو، وَهِيَ ابْنَةُ مالك بن زيد مناة بن حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج ولم يذكره ابن إسحق.
وَمِنْ بَنِي مَغَالَةَ: وَهُمْ بَنُو عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ أَوْسُ بْنُ ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِيٍّ أَبُو طَلْحَةَ زيد بن سهل بن الأسود بن حرام. وَمِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ قَيْسُ بْنُ أَبِي صَعْصَعَةَ عَمْرُو بْنُ زَيْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ مَبْذُولِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ مازن عمرو بْنُ غَزِيَّةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ مَبْذُولٍ، وَابْنُ هِشَامٍ يَقُولُ: هُوَ غَزِيَّةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطِيَّةَ بْنِ خَنْسَاءَ، وغيرهما يثبتهما معا. ومن بني الحرث بن الخزرج عبد الله بن رواحة سعد بن الربيع خارجة بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زُهَيْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ مَالِكٍ الأَغَرِّ بْنِ ثعلبة بن كعب الخزرج بشير بْنُ سَعْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَلَّاسٍ- بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ اللامِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ وَبِكَسْرِهَا وَتَخْفِيفِ اللامِ عِنْدَ غَيْرِهِ- ابْنِ زَيْدِ بْنِ مَنَاةَ بن مالك الأغر خلاد بْنُ سُوَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَارِثَةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ مَالِكٍ الأَغَرِّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عبد ربه بن زيد الحرث بْنِ الْخَزْرَجِ. وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِي زَيْدٍ: زَيْد مَنَاةَ وَابْنُ عُمَارَةَ يُسْقِطُ ثَعْلَبَةَ صَاحِبَ الأَذَانِ. وَمِنْ بَنِي الأَبْجَرِ خُدْرَةُ بْنُ عَوْفِ بْنِ الحرث بن الخزرج عبد اللَّهِ بْنُ رَبِيعِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبَّاسٍ الأَبْجَرُ. وَمِنْ بَنِي أَخِيهِ خدَارَةُ بن عوف عقبة بْنُ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ أُسَيْرَةَ بْنِ عُسَيْرَةَ بْنِ عَطِيَّةَ بْنِ خُدَارَةَ بْنِ عَوْفِ بن الحرث أبو مسعود وكان أحدثهم سنا، وابن إسحق يُسْقِطُ مِنْهُ عَطِيَّةَ، وَأُسَيْرَةُ عِنْدَهُ بِالْيَاءِ يُسَيْرَةُ وَذَكَرَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ عَنِ ابْنِ إسحق نسيرة- بالنون- المضمونة- وَوَهَّمَ الأَمِيرُ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَأَمَّا ابْنُ عُقْبَةَ فَقَالَ أَسِيرَةَ- بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ- وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي تَقْيِيدِ عُسَيْرَةَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَحُ الْعَيْنَ وَيَكْسِرُ السِّينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَحُ السِّينَ وَيَضُمُّ الْعَيْنَ، وَخُدَارَةُ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُهَا بِالْجِيمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُهَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، والذين يقولونها بالجيم منهم من يضمنها وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْسِرُهَا. وَمِنْ بَنِي زُرَيْقِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ رَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلانِ ذكوان بن
стр. 193
عبد قيس عباد بْنُ قَيْسِ بْنِ عَامِرِ بْنِ خَالِدِ بْنِ عامر بن زريق بدل الحرث بن قيس خَالِدِ بْنِ مَخْلَدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ، وَعِنْدَ ابْنِ الْكَلْبِيِّ خَلْدَةُ بَدَلَ خَالِدٍ. وَمِنْ بَنِي بَيَاضَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ زِيَادُ بْنُ لَبِيدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ بَيَاضَةَ فروة ابن عَمْرِو بْنِ ودقَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَامِرِ بن بياضة خالد بْنُ قَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلانِ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ. وَمِنْ بَنِي سَلَمَةَ ثُمَّ مِنْ بَنِي عُبَيْدٍ: الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ وَابْنُهُ بشر سنان بْنُ صَيْفِيِّ بْنِ صَخْرِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سنان بن عبيد الطُّفَيْلَ بْنَ النُّعْمَانِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانٍ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ ابْنُ سَعْد: لا أَحْسَبُهُ إِلَّا وَهْمًا، وَمَعْقِلٌ وَيَزِيدُ ابْنَا الْمُنْذِرِ بْنِ سَرْحِ بْنِ خناسِ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ وَمَسْعُودُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سُبَيْعِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ وَالضَّحَّاكُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَيَزِيدُ بْنُ خِدَامٍ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: حَرَامٌ- بْنِ سُبَيْعِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ، وَجُبَارُ بْنُ صَخْرِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ، وَيُقَالُ: خناسٌ، وَالطُّفَيْلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ، وَمِنْ بَنِي سَلَمَةَ أَيْضًا، ثُمَّ مِنْ بَنِي سَوَّادٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي كَعْبِ بْنِ سَوَّادٍ كَعْبُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي كَعْبِ بْنِ الْقَيْنِ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ: كَعْبُ بْنُ أَبِي كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْقَيْنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سواد رحل. وَمِنْ بَنِي غَنْمِ بْنِ سَوَّادٍ قُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ وَأَخُوهُ يَزِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَدِيدَةَ أَبُو الْيُسْرِ كَعْبُ بْنُ عَمْرِو بن عباد بن عمرو بن غنم صيفي بْنُ سَوَّادِ بْنِ عَبَّادٍ الْمَذْكُورُ خَمْسَةٌ. وَمِنْ بَنِي نَابِي بْنِ عَمْرِو بْنِ سَوَّادٍ ثَعْلَبَةُ بن غنمة بن عدي بن نابي أخوه عمرو وسبس بن عامر بن عدي بن نابي خالد بن عمرو بن عدي بن نابي عبد اللَّهِ بْنُ أُنَيْسِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ حَرَامِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ تَيْمِ بْنِ بَهْثَةَ بْنِ نَاشِزَةَ بن يربوع بن البرك وَبْرَةَ وَالْبركُ دَخَلَ فِي جُهَيْنَةَ حَلِيف لَهُمْ. وعند أبي عمر: تيم بن نفاثة ابن إِيَاسِ بْنِ يَرْبُوعٍ خَمْسَةٌ وَعَامِرُ بْنُ نَابِيّ أَبُو عُقْبَةَ الْمَذْكُور فِي الْعَقَبَةِ الأُولَى ذَكَرَهُ ابْنُ الْكَلْبِيِّ، وَعُمَيْرُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِيٍّ شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا قَالَهُ ابْنُ الْكَلْبِيِّ، قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ: وَلَمْ أَرَ مَنْ تَابَعَهُ عَلَى ذِكْرِ عُمَيْرٍ فِي الصَّحَابَةِ، وَمِنْ بَنِي سَلَمَةَ ثُمَّ من بني حرام عبد الله بن عمرو بن حرام ابنه جابر ثابت بن الجذع ثعلبة بن زيد بن الحرث بن حرام عمير، وقيل: عمرو بن الحرث بن ثعلبة بن الحرث بْنِ حَرَامٍ، وَابْنُ هِشَامٍ يَقُولُ: لَبْدَة بَدَلَ ثَعْلَبَةَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حرام بن معاذ. ولم يذكر ابن إسحق عمر لخديج بْنُ سَلامَةَ بْنِ أَوْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كعب بن القراقر بن الضحيان أبو شبات حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ قُضَاعَةَ سَبْعَةٌ. وَمِنْ بَنِي أُدَيِّ بْنِ سَعْد أَخِي
стр. 194
سَلَمَةَ بْنِ سَعْد مُعَاذُ بْنُ جَبَلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَوْسِ بْنِ عَائِذِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُدَيٍّ عِدَادُهُ فِي بَنِي سَلَمَةَ، لأَنَّهُ كَانَ أَخَا سَهْلِ بْنِ مُحَمَّد بْنِ الْجندِ بْنِ قَيْسِ بْنِ صَخْرِ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ لأُمِّهِ، وَمِنْ بَنِي غَنْمِ بْنِ عَوْفٍ أَخِي سَالِمٍ الْحُبُلِيِّ، عبادة بن الصامت العباس بن عبادة بن نضلة يزيد بن ثعلبة البلوي حليفهم عمرو بن الحرث بن لبدة بن عمرو بن ثعلبة مالك بْنُ الدَّخْشَمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الدَّخْشَمِ بْنِ مرضَخَةَ بْنِ غَنْمٍ وَأَبُو مَعْشَرٍ يُنْكِرُ شُهُودَهُ الْعَقَبَةَ خَمْسَةٌ وَهُمْ مِنَ الْقَوَاقِلِ. وَمِنْ بَنِي الْحُبُلِيِّ سَالِم رِفَاعَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَالِمٍ وَابْنُهُ مَالِكُ بْنُ رِفَاعَةَ ذَكَرَهُ الأُمَوِيُّ، وَعُقْبَةُ بْنُ وَهْبِ بْنِ كِلْدَةَ بْنِ الْجَعْدِ بْنِ هِلالِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ جُشَمَ بْنِ عَوْفِ بْنِ بَهْثَةَ بْنِ عَبْد اللَّهِ بْنِ غَطَفَانَ بْنِ سَعْد بْنِ قَيْسِ عَيْلانَ حَلِيفٌ لَهُمْ ثَلاثَةٌ. وَمِنْ بني ساعدة سعد بن عبادة المنذر بْنُ عَمْرٍو وَالْمَرْأَتَانِ مِنْ بَنِي مَازِن بْنِ النَّجَّارِ نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَبْذُولِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ مَازِنٍ أُمُّ عُمَارَةَ، وَمِنْ بَنِي سَلَمَةَ: أُمُّ مَنِيعٍ أَسْمَاءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَابِيٍّ. قَالَ أَبُو عُمَرَ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ السِّيَرِ، فِيهِمْ أَوْسَ بْنَ عَبَّادِ بن عدي في بني سلمة.
(ذكر فوائد تتعلق بخبر هَذِهِ الْعَقَبَةِ)
قَوْلُ الْبَرَاءِ: نَمْنَعُكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا: الْعَرَبُ تُكَنِّي عَنِ الْمَرْأَةِ بِالإِزَارِ، وَتُكَنِّي بِهِ أَيْضًا عَنِ النَّفْسِ، وَتَجْعَلُ الثَّوْبَ عِبَارَةً عَنْ لابِسِهِ، وَيَحْتَمِلُ هُنَا الْوَجْهَيْنِ، قَالَهُ السُّهَيْلِيُّ. قَالَ: وَمَعْرُورٌ مَعْنَاهُ: مَقْصُودٌ، وَرَأَيْتُ بِخَطِّ جَدِّي أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ ﵀: الْبَرَاءُ فِي اللُّغَةِ مَمْدُودٌ: آخِرُ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ، وَبِهَا سُمِّيَ الْبَرَاءَ بْنَ مَعْرُورٍ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي بِمَا تَسْمَعُهُ حَالَ وِلادَةِ الْمَوْلُودِ. قُلْتُ: وَابْنُهُ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ، الَّذِي سَوَّدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ على بني سلمة كما ذكر ابن إسحق، وَكَمَا
أنبأنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفَتْحِ الصُّورِيُّ بقراءة الحافظ أبي الحجاج المزي عليه وأنا أَسْمَعُ، أَخْبَرَكُمْ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْحَرَسْتَانِيِّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ فَأَقَرَّ بِهِ، قَالَ: أَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ قُبَيْسٍ قَالَ: أَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَبِي الْحَدِيدِ قَالَ: أَنَا جَدِّي أَبُو بَكْرٍ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخَرَائِطِيُّ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ قَالَ لِبَنِي سَاعِدَةَ: «مَنْ
стр. 195
سَيِّدُكُمْ» ؟ قَالُوا: جَدُّ بْنُ قَيْسٍ، قَالَ: «بِمَ سَوَّدْتُمُوهُ» قَالُوا: إِنَّهُ أَكْثَرُنَا مَالا وَإِنَّا عَلَى ذَلِكَ لَنَزِنَهُ [١] بِالْبُخْلِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنَ الْبُخْلِ»
قَالُوا: فَمَنْ قَالَ سَيِّدُكُمْ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ [٢] حَيًّا وَمَيِّتًا، وَكَانَ يُصَلِّي إِلَى الْكَعْبَةِ وَرَسُولُ الله يُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَأَطَاعَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لأَهْلِهِ: اسْتَقْبِلُوا بِي الْكَعْبَةَ، كَذَا رُوِّينَا فِي هَذَا الْخَبَرِ.
وَرُوِّينَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ومُحَمَّد بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَالشَّعْبِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «بَلْ سَيِّدُكُمُ الْجَعْدُ الأَبْيَضُ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ» . وَذَكَرَهُ السَّهَيْلِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ،
وَالَّذِي وَقَعَ لنا عن الزهري كرواية ابن إسحق، وَأَنْشَدَ أَبُو عُمَرَ فِي ذَلِكَ لِشَاعِرِ الأَنْصَارِ:
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالْحَقُّ قَوْلُهُ ... لِمَنْ قَالَ مِنَّا مَنْ تَعُدُّونَ سَيِّدَا
فَقُلْنَا لَهُ جَدُّ بْنُ قَيْسٍ عَلَى الَّتِي ... نُبَخِّلُهُ فِيهَا وَمَا كان أسودا
فود عَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ لِجُودِهِ ... وَحُقَّ لِعَمْرٍو بِالنَّدَى أن يسودا
وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْنَا فِي الْخَبَرِ الَّذِي أَسْنَدْنَاهُ آنِفًا مَوْضِعَانِ يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِمَا، أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ لِبَنِي سَاعِدَةَ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لَيْسَ فِي نَسَبِ هَؤُلاءِ سَاعِدَةُ، هُمْ بَنُو سَلَمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ. وَالثَّانِي قَوْلُهُ فِي بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ أَبُو الْبَرَاءِ غَيْرُ شَكٍّ. كَذَلِكَ رُوِّينَاهُ فِيمَا سَلَفَ، وَكَذَلِكَ رُوِّينَاهُ عَنْ أَبِي عَرُوبَةَ: ثَنَا ابْنُ شَبِيبٍ، ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ أَوَّلُ مَنِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ حَيًّا وَمَيِّتًا. وَذَكَرَ يَزِيدُ بن خزام، هو عند ابن إسحق وعند موسى بن عقبة: يزيد ابن خدارَةَ وَعِنْدَ أَبِي عُمَرَ يَزِيدُ بْنُ حَرَامٍ وَيَزِيدُ بْنُ خَزْمَةَ- بِسُكُونِ الزَّايِ عِنْدَ ابْنِ إسحق وَابْنِ الْكَلْبِيِّ وَفَتَحَهَا الطَّبَرِيُّ- وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ ثعلبة بن خزمة بن أصرم بن عمرو بْنِ عَمَّارَةَ- بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ. وَفَرْوَةُ بن عمرو بن وذقة عند ابن إسحق بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ، بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، ورجحه السهيلي، وفسر الْودقَةَ بِالرَّوْضَةِ النَّاعِمَةِ، وَقَالَ: وَإِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ النُّقَبَاءَ اثْنَيْ عَشَرَ اقتداء بقوله سبحانه في قوم
стр. 196
موسى: وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً [١] وَقَوْلُهُ: يَا أَهْلَ الْجُبَاجِبِ، يَعْنِي: مَنَازِلَ مِنًى.
«وَأَزَبُّ الْعَقَبَةِ شَيْطَانٌ» .
وَقَوْلُهُ: «بَلِ الدَّمَ الدَّمَ وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ» :
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْهَدْمُ بِفَتْحِ الدَّالِ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ عِنْدَ عَقْدِ الْحِلْفِ وَالْجِوَارِ: دَمِي دَمُكَ، وَهَدْمِي هَدْمُكَ، أَيْ: مَا هَدَمْتَ مِنَ الدِّمَاءِ هَدَمْتُهُ أَنَا، قَالَ: وَيُقَالُ أَيْضًا: بَلِ اللَّدْمَ اللَّدْمَ، وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ، وَأَنْشَدَ: * ثُمَّ الْحَقِي بِهَدْمِي وَلَدْمِي* فَاللَّدْمُ جَمْعُ لادِمٌ وَهُمْ أَهْلُهُ الَّذِينَ يَلْتَدِمُونَ عَلَيْهِ إِذَا مَاتَ، وَهُوَ مِنْ لَدَمْتُ صَدْرَهُ إِذَا ضَرَبْتَهُ. وَالْهَدْمُ:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْحُرْمَةُ، وَإِنَّمَا كَنَّى عَنْ حُرْمَةِ الرَّجُلِ وَأَهْلِهِ بِالْهَدْمِ لأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ نُجْعَةٍ وَارْتِحَالٍ، وَلَهُمْ بُيُوتٌ يَسْتَخْفُونَهَا يَوْمَ ظَعْنِهِمْ، فَكُلَّمَا ظَعَنُوا هَدَمُوهَا، وَالْهَدْمُ بِمَعْنَى الْمَهْدُومِ، كَالْقَبْضِ، ثُمَّ جَعَلُوا الْهَدْمَ وَهُوَ الْبَيْتُ الْمَهْدُومِ عِبَارَةً عَمَّا حَوَى، ثُمَّ قَالُوا: هدمي هدمك، أي: رحلتي رحلتك.
стр. 197
ذكر الهجرة إلى المدينة
قال ابن إسحق: فَلَمَّا تَمَّتْ بَيْعَةُ هَؤُلاءِ لرَسُول اللَّهِ ﷺ فِي لَيْلَةِ الْعَقَبَةِ وَكَانَتْ سرا عن كفار قومهم كفار قُرَيْشٍ، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَانَ مَعَهُ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَخَرَجُوا أَرْسَالا، أَوَّلُهُمْ فِيمَا قِيلَ، أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الأَسَدِ الْمَخْزُومِيُّ، وَحُبِسَتْ عَنْهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ سَلَمَةَ هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ بِمَكَّةَ نَحْوَ سَنَةٍ، ثُمَّ أَذِنَ لَهَا بَنُو الْمُغِيرَةِ الَّذِينَ حَبَسُوهَا فِي اللِّحَاقِ بِزَوْجِهَا، فَانْطَلَقَتْ وَحْدَهَا مُهَاجِرَةً، حَتَّى إِذَا كَانَتِ بِالتَّنْعِيمِ [١] لَقِيَتْ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ أَخَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكًا، فَشَيَّعَهَا حَتَّى أَوْفَى عَلَى قَرْيَةِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِقُبَاءَ [٢] قَالَ لَهَا: هَذَا زَوْجُكِ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَتْ تَقُولُ: مَا رَأَيْتُ صَاحِبًا قَطُّ كَانَ أَكْرَمَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَوَّلَ الْمُهَاجِرِينَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ.
رُوِّينَا عَنْ أَبِي عَرُوبَةَ، ثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ وَابْنُ الْمُثَنَّى قَالا: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثَنَا شُعْبَةُ عن أبي إسحق قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، ثُمَّ عَامِرُ بن ربيعة حليف بن عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ مَعَهُ امْرَأَتُهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ بْنِ غَانِمٍ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَهِيَ أَوَّلُ ظَعِينَةٍ دَخَلَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْمَدِينَةَ، وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: وَأَوَّلُ امْرَأَةٍ دَخَلَتِ الْمَدِينَةَ أُمُّ سَلَمَةَ، ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
стр. 198
جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ بِأَهْلِهِ وَأَخِيهِ عَبْدِ بْنِ جَحْشٍ أَبِي أَحْمَدَ وَكَانَ ضَرِيرًا، وَكَانَ مَنْزِلُهُمَا وَمَنْزِلُ أَبِي سَلَمَةَ وَعَامِرٌ عَلَى مُبَشّرِ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زَنْبَرٍ بِقُبَاءٍ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَهَاجَرَ جَمِيعُ بَنِي جَحْشٍ بِنِسَائِهِمْ فَعَدَا أَبُو سُفْيَانَ عَلَى دَارِهِمْ فَتَمَلَّكَهَا، وَكَانَتِ الْفَارِعَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ تَحْتَ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ، وَزَادَ غَيْرُ أَبِي عُمَرَ، فَبَاعَهَا مِنْ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ أَخِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ،
فَذَكَرَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ لما بلغه لرسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : «أَلَا تَرْضَى يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ بِهَا دَارًا فِي الْجَنَّةِ خَيْرًا مِنْهَا» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَذَلِكَ لَكَ»
فَلَمَّا افْتَتَحَ رسول الله ﷺ مكة كَلَّمَهُ أَبُو أَحْمَدَ فِي دَارِهِمْ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ رسول الله ﷺ فقال النَّاسُ لأَبِي أَحْمَدَ: يَا أَبَا أَحْمَدَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُ أَنْ تَرْجِعُوا فِي شَيْءٍ أُصِيبَ مِنْكُمْ فِي اللَّهِ، فَأَمْسَكَ عَنْ كَلامِ رَسُول اللَّهِ ﷺ .
رَجَعَ إِلَى خَبَرِ ابْنِ إسحق: وَكَانَ بَنُو غَنْمِ بْنِ دُودَانَ أَهْلَ إِسْلامٍ قَدْ أَوْعَبُوا [١] إِلَى الْمَدِينَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هجرة رجالهم ونساءهم عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنِ بْنِ حُرْثَانَ بْنِ قَيْسِ بن مرة بن كبير بن غنم بن دُودَانَ بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ أَبُو مِحْصَنٍ حَلِيفُ بَنِي أُمَيَّةَ وَأَخُوهُ عَمْرُو بْنُ مِحْصَنٍ وَشُجَاعٌ وَعُقْبَةُ ابْنَا وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ صُهَيْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كَبِيرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ وَأَرْبَدُ بْنُ جُمَيْرَةَ- وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حُمَيْرَةُ (بِالْحَاءِ) وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ: حُمَيْرٍ- ومنقذ بن نباتة عن عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ، وسَعِيدُ بْنُ رُقَيْشٍ وَمُحْرِزُ بْنُ نَضْلَةَ بْنِ عَبْد اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَبِيرِ بْنِ غَنْمٍ، وَزَيْدُ بْنُ رُقَيْشٍ، وَقَيْسُ بْنُ جَابِرٍ، وَمَالِكُ بْنُ عَمْرٍو، وَصَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو وَثَقْفُ بْنُ عَمْرٍو حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَكْتَمَ بْنِ سَخْبَرَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ لُكَيْزِ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدٍ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ عُبَيْدَةَ، وَتَمَّامُ بْنُ عُبَيْدَةَ، وَسَخْبَرَةُ بْنُ عُبَيْدَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وَمِنْ نِسَائِهِمْ: زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وَأُمُّ خبيبة بِنْتُ جَحْشٍ، وَجدامة بِنْتُ جَنْدَلٍ، وَأُمُّ قَيْسِ بِنْتُ مِحْصَنٍ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ ثُمَامَةَ، وَآمِنَةُ بِنْتُ رُقَيْشٍ، وَسَخْبَرَةُ بِنْتُ تَمِيمٍ، وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: ثُمَّ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ فِي عِشْرِينَ رَاكِبًا فَقَدِمُوا الْمَدِينَةَ، فَنَزَلُوا فِي الْعَوَالِي فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ
стр. 199
قُرْآنًا، وَكَانَ هِشَامُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ قَدْ أَسْلَمَ، وَوَاعَدَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنْ يُهَاجِرَ مَعَهُ، وَقَالَ: تَجِدُنِي أَوْ أَجِدُكَ عِنْدَ إِضَاءَةِ بَنِي غِفَارٍ، فَفَطَنَ لِهِشَامٍ قَوْمُهُ فَحَبَسُوهُ عن الهجرة. ثم إن أبا جهل والحرث بْنَ هِشَامٍ- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَذْكُرُ مَعَهُمَا أَخَاهُمَا الْعَاصِي بْنَ هِشَامٍ- خَرَجَا حَتَّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَكَلَّمَا عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَكَانَ أَخَاهُمَا لأُمِّهِمَا وَابْنَ عَمِّهِمَا،
وَأَخْبَرَاهُ أَنَّ أُمَّهُ قَدْ نَذَرَتْ أَنْ لا تَغْسِلَ رَأْسَهَا وَلا تَسْتَظِلَّ حَتَّى تَرَاهُ، فَرَقَّتْ نَفْسُهُ وَصَدَّقَهُمَا وَخَرَجَ رَاجِعًا مَعَهُمَا، فَكَتَّفَاهُ فِي الطَّرِيقِ وَبَلَغَا بِهِ مَكَّةَ، فَحَبَسَاهُ بِهَا إِلَى أَنْ خَلَّصَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ بِدُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ فِي قُنُوتِ الصَّلاةِ: «اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ» [١] .
قَالَ ابْنُ إسحق: فَحَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ أَنَّهُمَا حِينَ دَخَلا مَكَّةَ، دَخَلا بِهِ نَهَارًا مُوثَقًا ثُمَّ قَالا: يَا أَهْلَ مَكَّةَ هَكَذَا فَافْعَلُوا بِسُفَهَائِكُمْ كَمَا فَعَلْنَا بِسَفِيهِنَا هَذَا.
قَالَ ابن هشام: حدثني مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ: «مَنْ لِي بِعَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَهِشَامِ بْنِ العاص» فقال الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: أَنَا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِهِمَا،
فَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَقَدِمَهَا مُسْتَخْفِيًا فَلَقِيَ امْرَأَةً تَحْمِلُ طَعَامًا، فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ تُرِيدِينَ يَا أَمَةَ اللَّهِ؟ قَالَتْ: أُرِيدُ هَذَيْنِ الْمَحْبُوسَيْنِ (تَعْنِيهِمَا) فَتَبِعَهَا حَتَّى عَرَفَ مَوْضِعَهُمَا وَكَانَا مَحْبُوسَيْنِ فِي بَيْتٍ لا سَقْفَ لَهُ، فَلَمَّا أَمْسَى تَسَوَّرَ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ أَخَذَ مَرْوَةً [٢] فَوَضَعَهَا تَحْتَ قَيْدَيْهِمَا ثُمَّ ضَرَبَهُمَا بِسَيْفِهِ فَقَطَعَهُمَا، فَكَانَ يُقَالُ: السَّيْفُ ذُو الْمَرْوَةِ لِذَلِكَ، ثُمَّ حَمَلَهُمَا عَلَى بَعِيرِهِ وَسَاقَ بِهِمَا، فَعَثَرَ فَدَمِيَتْ أُصْبُعُهُ فَقَالَ:
هَلْ أَنْتَ إِلَّا أُصْبُعٌ دَمِيتَ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتَ
ثُمَّ قَدِمَ بِهِمَا علي رسول الله ﷺ المدينة.
قال ابن إسحق: وَنَزَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَمَنْ لَحِقَ بِهِ مِنْ أَهْلِهِ وَقَوْمِهِ، وَأَخُوهُ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَمْرٌو وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا سراقة بن الْمُعْتَمِرِ بْنِ أَنَسِ بْنِ أداةَ بْنِ رِيَاحِ بن عبد الله بن قرط بن رزاح بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَخُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ، وَكَانَ صِهْرَهُ عَلَى ابْنَتِهِ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ خَلَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ
стр. 200
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَهُ وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَوَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ حَلِيفٌ لَهُمْ وَخَوْلَى بْنُ أَبِي خَوْلَى، وَمَالِكُ بْنُ أَبِي خَوْلَى، وَاسْمُ أَبِي خَوْلَى: عَمْرُو بْنُ زُهَيْرٍ، قِيلَ: جُعْفِيٌّ، وَقِيلَ: عِجْلِيٌّ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، حَلِيفَانِ لَهُمْ، وَبَنُو الْبُكَيْرِ أَرْبَعَتُهُمْ إِيَاسٌ وَعَاقِلٌ وَعَامِرٌ وَخَالِدٌ حُلَفَاؤُهُمْ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ عَلَى رِفَاعَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زَنْبَرٍ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِقُبَاءٍ، وَقَدْ كَانَ منزل عياش بن أبي ربيعة عَلَيْهِ حِينَ قَدِمَا الْمَدِينَةَ، ثُمَّ تَتَابَعَ الْمُهَاجِرُونَ فَنَزَلَ طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَصُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ عَلَى خُبَيْبِ بْنِ إِسَافٍ، وَيُقَالُ: بَلْ نَزَلَ طَلْحَةُ عَلَى سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ أَخِي بني النجار، كذا قال ابن سعد، إنما هُوَ أَسْعَدُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَدْ ذُكِرَ لِي عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ صُهَيْبًا حِينَ أَرَادَ الْهِجْرَةَ قَالَ لَهُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: أَتَيْتَنَا صُعْلُوكًا حَقِيرًا فَكَثُرَ مَالُكَ عِنْدَنَا، وَبَلَغْتَ الَّذِي بَلَغْتَ، ثُمَّ تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ بِمَالِكَ وَنَفْسِكَ، لا وَاللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ،
فَقَالَ لَهُمْ صُهَيْبٌ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي أَتُخَلُّونَ سَبِيلِي؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُ لَكُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رسول الله ﷺ فقال: «ربح صهيب، ربح صهيب» .
قال ابن إسحق: وَنَزَلَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَأَبُو مَرْثَدٍ كَنَّازُ بْنُ الْحُصَيْنِ بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ خَرَشَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ جَلَّانَ بْنِ غَنْمِ بْنِ غَنِيِّ بْنِ يعصرَ الْغَنَوِيُّ، كَذَا ذكره أبو عمر عن ابن إسحق. وَأَمَّا ابْنُ الرشَاطِيِّ فَقَالَ: حُصَيْنُ بْنُ عَمْرِو بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ خَرَشَةَ بْنِ عبيد بن سعد بن عوف بن كعب بن جبلان بن غنم بن غني وابنه مَرْثَدٌ، وَأَنَسَةُ [١] وَأَبُو كَبْشَةَ [٢] مَوْلَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى كُلْثُومِ بْنِ هدمٍ أَخِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِقُبَاءٍ، وَيُقَالُ: بَلْ نَزَلُوا عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ، وَيُقَالُ: بَلْ نَزَلَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، وَنَزَلَ عُبَيْدَةُ بْنُ الحرث وَأَخَوَاهُ الطُّفَيْلُ وَالْحُصَيْنُ وَمِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ وَاسْمُهُ عمرو بن أثاثة ابن عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ، وَسُوَيْبِطُ بْنُ سَعْدِ بْنِ حَرْمَلَةَ وَطُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَخَبَّابٌ مَوْلَى عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ أَخِي بَنِي الْعَجْلانِ بِقُبَاءٍ، وَنَزَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي رِجَالٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى سَعْدِ بْنِ الربيع، ونزل
стр. 201
الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوّامِ وَأَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمٍ عَلَى مُنْذِرِ بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الْجَلَّاحِ، وَنَزَلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ عَلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَنَزَلَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ عَلَى عَبَّادِ بْنِ بِشْرِ بْنِ وَقْشٍ، وَنَزَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَلَى أَوْسِ بْنِ ثَابِتٍ أَخِي حَسَّانٍ، وَيُقَالُ: بَلْ نَزَلَ الأَعْزَابُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ عَزَبًا، وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَصْحَابِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ مَعَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَّا مَنْ حُبِسَ أَوِ افْتُتِنَ إِلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ كَثِيرًا مَا يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ فَيَقُولُ لَهُ: «لا تَعْجَلْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لَكَ صَاحِبًا» فَيَطْمَعُ أبو بكر أن يكون هو.
стр. 202
ذكر يوم الزحمة
قال ابن إسحق: ولما رأيت قريش أن رسول الله ﷺ قَدْ كَانَتْ لَهُ شِيعَةٌ وَأَصْحَابٌ مِنْ غَيْرِهِمْ بِغَيْرِ بَلَدِهِمْ، وَرَأَوْا خُرُوجَ أَصْحَابِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَيْهِمْ عَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ نَزَلُوا دَارًا وَأَصَابُوا مَنَعَةٌ، فَحَزَرُوا خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ، وَعَرَفُوا أَنَّهُ قَدْ أُجْمِعَ لِحَرْبِهِمْ، فَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي دَارِ النَّدْوَةِ- وَهِيَ دَارُ قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ الَّتِي كَانَتْ قُرَيشٍ لا تَقْضِي أَمْرًا إِلَّا فِيهَا- يَتَشَاوَرُونَ فِيهَا مَا يَصْنَعُونَ فِي أَمْرِ رَسُول اللَّهِ ﷺ حِينَ خَافُوهُ.
فحَدَّثَنِي مَنْ لا أَتَّهِمُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ أَبِي الْحَجَّاجِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لا أَتَّهِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا اجْتَمَعُوا لِذَلِكَ وَاتَّعَدُوا أَنْ يَدْخُلُوا دَارَ النَّدْوَةِ لِيَتَشَاوَرُوا فِيهَا فِي أَمْرِ رَسُول اللَّهِ ﷺ غَدَوْا فِي الْيَوْمِ الَّذِي اتَّعَدُوا لَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يُسَمَّى يَوْمَ الزَّحْمَةِ، فَاعْتَرَضَهُمْ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ فِي هَيْئَةِ شَيْخٍ جَلِيلٍ عَلَيْهِ بَتٌّ [١] لَهُ فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الدَّارِ فَلَمَّا رَأَوْهُ وَاقِفًا عَلَى بَابِهَا قَالُوا: مَنِ الشَّيْخُ؟
قَالَ: شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، سَمِعَ بِالَّذِي اتَّعَدْتُمْ لَهُ، فَحَضَرَ مَعَكُمْ لِيَسْمَعَ مَا تَقُولُونَ، وَعَسى أَنْ لا يُعْدِمَكُمْ مِنْهُ رَأْيًا وَنُصْحًا، قَالُوا: أَجَلْ فَادْخُلْ، فَدَخَلَ مَعَهُمْ وَقَدِ اجْتَمَعَ فِيهَا أَشْرَافُ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ. وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ طُعَيْمَةُ بْنُ عدي وجبير بن مطعم والحرث بْنُ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ. وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدار قصى النضر بن الحرث بْنِ كِلْدَةَ، وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى أَبُو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامٍ، وَزَمْعَةُ بْنُ الأَسْوَدِ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ. وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَمِنْ بَنِي سَهْمٍ: نبيه ومنبه ابنا الحجاج، ومن بني
стр. 203
جُمَحَ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، أَوْ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لا يُعَدُّ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا قَدْ رَأَيْتُمْ، وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا نَأْمَنُهُ عَلى الْوُثُوبِ عَلَيْنَا بِمَنْ قَدِ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِنَا، فَاجْمَعُوا فِيهِ رَأْيًا، قَالَ: فَتَشَاوَرُوا، ثُمَّ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ:
احْبِسُوهُ فِي الْحَدِيدِ، وَاغْلِقُوا عَلَيْهِ بَابًا، ثُمَّ تَرَبَّصُوا بِهِ مَا أَصَابَ أَشْبَاهَهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ زُهَيْرٍ وَالنَّابِغَةِ وَمَنْ مَضَى مِنْهُمْ مِنْ هَذَا الْمَوْتِ حَتَّى يُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُمْ، قَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: لا وَاللَّهِ مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، وَاللَّهِ لَوْ حَبَسْتُمُوهُ كَمَا تَقُولُونَ لَيَخْرُجَنَّ أَمْرُهُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ الَّذِي أَغْلَقْتُمْ دُونَهُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَلأَوْشَكُوا أَنْ يَثِبُوا عَلَيْكُمْ فَيَنْتَزِعُوهُ مِنْ أَيْدِيكُمْ ثُمَّ يُكَاثِرُوكُمْ بِهِ حَتَّى يَغْلِبُوكُمْ عَلَى أَمْرِكُمْ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، فانظروا إلى غيره فَتَشَاوَرُوا، ثُمَّ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: نُخْرِجُهُ مِنْ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَنَنْفِيهِ مِنْ بِلادِنَا، فَإِذَا خَرَجَ عَنَّا فَوَاللَّهِ مَا نُبَالِي أَيْنَ ذَهَبَ وَلا حَيْثُ وَقَعَ إِذَا غَابَ عَنَّا، وَفَرَغْنَا مِنْهُ، فَأَصْلَحْنَا أَمْرَنَا وَأُلْفَتَنَا كَمَا كَانَتْ، قَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: وَاللَّهِ مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، أَلَمْ تَرَوْا حُسْنَ حَدِيثِهِ، وَحَلاوَةَ مَنْطِقِهِ، وَغَلَبَتَهُ عَلَى قُلُوبِ الرِّجَالِ بِمَا يَأْتِي بِهِ، وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ مَا أَمِنْتُ أَنْ يَحِلَّ عَلَى حَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ فَيَغْلِبُ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْلِهِ وَحَدِيثِهِ حَتَّى يُبَايِعُوهُ، ثُمَّ يَسِيرُ بِهِمْ إليك حَتَّى يَطَأَكُم بِهِمْ، فَيَأْخُذَ أَمْرَكُمْ مِنْ أَيْدِيكُمْ، ثم يفعل بكم ما أراد، أديروا فِيهِ رَأْيًا غَيْرَ هَذَا، قَالَ: فَقَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ: وَاللَّهِ إِنَّ لِي فِيهِ لَرَأْيًا مَا أَرَاكُمْ وَقَعْتُمْ عَلَيْهِ بَعْدُ، قَالُوا: وَمَا هُوَ يَا أَبَا الْحَكَمِ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تَأْخُذُوا مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ فَتًى شَابًّا جَلِدًا نَسِيبًا وَسِيطًا ثُمَّ نُعْطِي كُلَّ فَتًى مِنْهُمْ سَيْفًا صَارِمًا ثُمَّ يَعْمِدُوا إِلَيْهِ فَيَضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَيَقْتُلُوهُ فَنَسْتَرِيحُ مِنْهُ، فَإِنَّهُمْ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ تَفَرَّقَ دَمُهُ فِي القبائل جميعا فلم يقدر بنو عوف عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى حَرْبِ قَوْمِهِمْ جَمِيعًا فَرَضَوْا مِنَّا بِالْعَقْلِ فَعَقَلْنَاهُ لَهُمْ، قَالَ: يَقُولُ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: الْقَوْلُ مَا قَالَ هَذَا الرَّجُلُ، هَذَا الرَّأْيُ وَلا أَرَى غَيْرَهُ. فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ مُجْمِعُونَ لَهُ، فَأَتَى جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لا تَبِتْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ عَلَى فِرَاشِكَ الَّذِي كُنْتَ تبيت عليه، قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ عَتْمَةٌ مِنَ اللَّيْلِ اجْتَمَعُوا عَلَى بَابِهِ يَرْصُدُونَهُ حَتَّى يَنَامَ فَيَثِبُونَ عَلَيْهِ،
فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَانَهُمْ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: «نَمْ عَلَى فِرَاشِي وَتَسَجَّ بِبُرْدِي [١] هَذَا الْحَضْرَمِيِّ الأَخْضَرِ فَنَمْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إِلَيْكَ شَيْءٌ تَكْرَهُهُ مِنْهُمْ»
وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ينام
стр. 204
فِي بُرْدِهِ ذَلِكَ إِذَا نَامَ.
فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: لَمَّا اجْتَمَعُوا وَفِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فَقَالَ وَهُمْ عَلَى بَابِهِ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّكُمْ إِنْ تَابَعْتُمُوهُ عَلَى أَمْرِهِ كُنْتُمْ مُلُوكَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، ثُمَّ بُعِثْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ فَجُعِلَتْ لَكُمْ جِنَانٌ كَجِنَانِ الأُرْدُنِّ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ لَهُ فِيكُمْ ذَبْحٌ ثُمَّ بُعِثْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ فَجُعِلَتْ لَكُمْ نَارٌ تُحْرَقُونَ فِيهَا، قَالَ: وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ فِي يَدِهِ ثُمَّ قَالَ: «نَعَمْ أَنَا أَقُولُ ذَلِكَ، وَأَنْتَ أَحَدُهُمْ»
وَأَخَذَ اللَّهُ أَبْصَارَهُمْ عَنْهُ فَلا يَرَوْنَهُ، فَجَعَلَ يَنْثُرُ ذَلِكَ التُّرَابَ على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ إلى قوله: فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [١] حَتَّى فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَؤُلاءِ الآيَاتِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَقَدْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى حَيْثُ أَرَادَ أَنْ يَذْهَبَ فَأَتَاهُمْ آتٍ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فَقَالَ: وَمَا تَنْتَظِرُونَ هَاهُنَا؟ قَالُوا: مُحَمَّدا، قَالَ: قَدْ خَيَّبَكُمُ اللَّهُ، قَدْ وَاللَّهِ خَرَجَ عَلَيْكُمْ مُحَمَّدٌ ثم ما تَرَكَ مِنْكُمْ رَجُلا إِلَّا وَقَدْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا وَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، أَفَمَا تَرَوْنَهَا بِكُمْ:
قَالَ: فَوَضَعَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَإِذَا عَلَيْهِ تُرَابٌ، ثُمَّ جَعَلُوا يَطَّلِعُونَ فيرون عليا على الفراش مستجيا بِبُرْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولُونَ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لَمُحَمَّدٌ نَائِمًا عَلَيْهِ برده، فلم يزالوا كذلك حتى أصبحوا، فقام عَلِيٌّ عَلَى الْفِرَاشِ فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَقَدْ صَدَقَنَا الَّذِي كَانَ حَدَّثَنَا، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [٢] وَقَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى، أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ [٣] .
ذكر فوائد تتعلق بهذه الأَخْبَارِ
قَوْلُهُ بِقُبَاءٍ: هُوَ مَسْكَنُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، عَلَى فَرْسَخٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَيُمَدُّ وَيُقْصَرُ، وَيُؤَنَّثُ وَيُذَكَّرُ، وَيُصْرَفُ وَلا يُصْرَفُ. وَذَكَرَ في مهاجري بني دودان بن أسد
стр. 205
بَنَاتِ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ وَهُنَّ: زَيْنَبٌ، وَكَانَ اسْمُهَا بُرَّةُ فَسَمَّاهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ، وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَنَزَلَتْ فِيهَا: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها [١] وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَأُمُّ حَبِيبَةَ، وَقَالَ السهلي: أُمُّ حَبِيبٍ، وَحَكَاهُ أَبُو عُمَرَ وَقَالَ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، وَكَانَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ الدِّمْيَاطِيُّ ﵀ يَقُولُ: أُمُّ حَبِيبٍ حَبِيبَةُ، وَأَمَّا الَحْافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فَعِنْدَهُ أُمُّ حَبِيبَةَ، وَاسْمُهَا حَمْنَةُ، فَهُمَا اثْنَتَانِ عَلَى هَذَا فَقَطْ، وَلَمْ أَجِدْ فِي جَمْهَرَةِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ وَكِتَابِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ فِي النَّسَبِ غَيْرَ زَيْنَبَ وَحَمْنَةَ، وَالسُّهَيْلِيُّ يَقُولُ: كَانَتْ زَيْنَبُ عِنْدَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُمُّ حَبِيبٍ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَحَمْنَةُ تَحْتَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ. قَالَ: وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ وَهْمٌ، أَنَّ زَيْنَبَ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ، وَالْغَلَطُ لا يَسْلَمُ مِنْهُ بِشَرٍّ، غَيْرَ أَنَّ شَيْخَنَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ نَجَاحٍ أَخْبَرَنَا أَنَّ أُمَّ حَبِيبٍ كَانَ اسْمُهَا زَيْنَبَ، فَهُمَا زَيْنَبَانِ غَلَبَتْ عَلَى إِحْدَاهُمَا الْكُنْيَةُ، فَعَلَى هَذَا لا يَكُونُ فِي حَدِيثِ الْمُوَطَّأِ وَهْمٌ.
وَذَكَرَ جُدَامَةَ بِنْتَ جَنْدَلٍ- وَهِيَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَمَنْ أَعْجَمَهَا فَقَدْ صَحَّفَ- قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَأَحْسَبُهَا جُدَامَةَ بِنْتَ وَهْبٍ. قُلْتُ: جُدَامَةُ بِنْتُ جَنْدَلٍ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ جُدَامَةُ بِنْتُ وَهْبٍ أَسْلَمَتْ بِمَكَّةَ، وَهَاجَرَتْ مَعَ قَوْمِهَا إِلَى الْمَدِينَةِ لا يُعْرَفُ غَيْرُ ذلك. وذكر في المهاجرين: محرز بْنَ نَضْلَةَ، وَابْنُ عُقْبَةَ يَقُولُ فِيهِ: مُحَرّزُ بْنُ وَهْبٍ. وَذَكَرَ فِي خَبَرِ يَوْمِ الزَّحْمَةِ تَشَاوُرَ قُرَيْشٍ فِي أَمْرِهِ ﵇، وَلَمْ يسم المشرين، وَكَانَ الَّذِي أَشَارَ بِحَبْسِهِ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامٍ، وَالَّذِي أَشَارَ بِإِخْرَاجِهِ وَنَفْيِهِ هُوَ أَبُو الأَسْوَدِ رَبِيعَةُ بْنُ عُمَيْرٍ أَخُو بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ذَكَرَهُ السُّهْيَلِيُّ عَنِ ابْنِ سَلامٍ.
أَحَادِيثُ الْهِجْرَةِ وَتَوْدِيعُ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بِعربيلَ مِنْ غُوطَةِ دِمَشْقَ: أَخْبَرَكُمْ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ محمد الأنصاري حضروا فِي الرَّابِعَةِ قَالَ: أَنَا أَبُو الْحَسَنِ السُّلَمِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو نَصْرٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ طِلابٍ الْخَطِيبُ قَالَ: أَنَا ابْنُ جُمَيْعٍ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثَنَا نَصْرُ بْنُ عاصم، ثنا
стр. 206
الْوَلِيدُ، ثَنَا طَلْحَةُ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْرُجُ مِنْكِ، وَإِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكِ أَحَبُّ بِلادِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْلا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا خَرَجْتُ مِنْكِ» [١] .
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُهُ ﵇ فِي الْهِجْرَةِ فَيُثَبِّطُهُ لِيَكُونَ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُصَرِّحَ لَهُ بِذَلِكَ كَمَا
أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِيُّ بِقِرَاءَةِ وَالِدِي عَلَيْهِ وَأَنَا حَاضِرٌ فِي الرَّابِعَةِ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِظَاهِرِ دِمَشْقَ قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو مُلاعِبٍ قَالَ: أَنَا الأُرْمَوِيُّ قَالَ:
أَنَا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَد قَالَ: أَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ: أَنَا ابْنُ مَخْلَدٍ ثَنَا ابْنُ كَرَامَةَ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ حِينَ اشْتُدَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَقِمْ» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَطْمَعُ أَنْ يُؤْذَنَ لَكَ؟ فَيَقُولُ: «إِنِّي لأَرْجُو ذَلِكَ» فَانْتَظَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ أَتَى رَسُول اللَّهِ ﷺ آتٍ يَوْم ظهرا فَنَادَاهُ فَقَالَ: «اخْرُجْ مِنْ عِنْدِكَ» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هُنَا ابْنَتَايَ، قَالَ: «شَعَرْتُ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الصُّحْبَةَ، فَقَالَ: «الصُّحْبَةَ»
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي نَاقَتَانِ قَدْ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ، فَأَعْطَى النَّبِيَّ ﷺ إِحْدَاهُمَا وَهِيَ الْجَدْعَاءُ فَرَكِبَهَا فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا الْغَارَ وَهُوَ بِثَوْرٍ فَتَوَارَيَا فِيهِ، وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ غُلامًا لِعَبْدَةَ بْنِ الطُّفَيْلِ وَهُوَ أَخُو عَائِشَةَ لأُمِّهَا، وَكَانَتْ لأَبِي بَكْرٍ مِنْحَةٌ [٢] فَكَانَ يَرُوحُ بِهَا وَيَغْدُو عَلَيْهَا وَيُصْبِحُ فَيُدْلِجُ إِلَيْهِمْ ثُمَّ يَسْرَحُ وَلا يَفْطُنُ لَهُ أَحَدٌ مِنَ الرِّعَاءِ، فَلَمَّا خَرَجَا خَرَجَ مَعَهُمَا يَعْقُبَانِهِ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَقُتِلَ عَامِرُ بن فهيرة يوم بئر معونة [٣] .
стр. 207
حَدِيثُ الْغَارِ
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ الشَّيْبَانِيِّ بِدِمَشْقَ: أَخْبَرَكُمُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بن الحسن بن محمد بن البن الأسدي قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأْنَت تَسْمَعُ قَالَ: أَنَا جَدِّي قَالَ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ أَبِي الْعَلاءِ قَالَ: أَنَا ابْنُ أَبِي النَّصْرِ قَالَ: أَنَا خَيْثَمَةُ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الدَّوْرَقِيُّ، ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا عَوْفُ بْنُ عَمْرٍو الْقَيْسِيُّ أَخُو رِيَاحٍ الْقَيْسِيِّ، ثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ الْمَكِّيُّ قَالَ: أَدْرَكْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، فَسَمِعْتُهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ الْغَارِ أَمَرَ اللَّهُ شَجَرَةً فَنَبَتَتْ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَتَرَتْهُ، وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقفنا بِفَمِ الْغَارِ، وَأَقْبَلَ فِتْيَانُ قُرَيْشٍ مِنْ كُلِّ بَطْنٍ بِعِصِيِّهِمْ وَهِرَاوِيهِمْ وَسُيُوفِهِمْ، حَتَّى إِذَا كَانُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا تَعَجَّلَ بَعْضُهُمْ يَنْظُرُ فِي الْغَارِ فَلَمْ يَرَ إِلَّا حَمَامَتَيْنِ وَحْشِيَّتَيْنِ بِفَمِ الْغَارِ، فرجع إلى أصحابه فقالوا له: مالك؟ قال: رَأَيْتُ حَمَامَتَيْنِ وَحْشِيَّتَيْنِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ مَا قَالَ، فَعَرَفَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أن الله عر وَجَلَّ قَدْ دَرَأَ عَنْهُ.
حَدِيثُ الْهِجْرَةِ وَخَبَرُ سراقة بن مالك بن جعشم
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ قَالَ: ابْنُ [شهاب] [١] فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرَفَيِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ خَرَجَ أَبُو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة، حتى بَلَغَ بَرْكِ الْغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ وَهُوَ سيد [القارة] [٢] فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ، قَالَ أبو بكر:
стр. 208
أَخْرَجَنِي قَوْمِي، فَأُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الأَرْضِ [وأعبد] [١] ربي، فقال ابْنُ الدَّغِنَةِ: فَإِنَّ مِثْلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ لا يَخْرُجُ وَلا يُخْرَجُ، إِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ على نوائب الحق، فأنا لك جار، [إرجع] [٢] وأعبد رَبَّكَ بِبَلَدِكَ، فَرَجَعَ وَارْتَحَلَ مَعَ ابْنِ الدَّغِنَةِ، فَطَافَ ابْنُ الدَّغِنَةِ عَشِيَّةً فِي أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لا يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلا يُخْرَجُ، أَتُخْرِجُونَ رَجُلا يَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، ويصل الرحم، [ويحمل] [٣] الْكَلَّ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، فَلَمْ تُكَذِّبْ قُرَيْشٌ بِجِوَارِ ابْنِ الدَّغِنَةِ وَقَالُوا لابْنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، فَلْيُصَلِّ فِيهَا وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ، وَلا يُؤْذِينَا بِذَلِكَ وَلا يَسْتَعْلِنُ بِه، فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا، فَقَالَ ذَلِكَ ابْنُ الدَّغِنَةِ لأَبِي بَكْرٍ، فَلَبِثَ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ وَلا يَسْتَعْلِنُ بِصَلاتِهِ، وَلا يَقْرَأُ فِي غَيْرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَدَا لأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلا بَكَّاءً لا يَمْلِكُ [٤] عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا:
إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ بِجِوَارِكَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، فَقَدْ جَاوَزَ ذَلِكَ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَأَعْلَنَ بِالصَّلاةِ وَالْقِرَاءَةِ فِيهِ، وَإِنَّا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا [فانهه] [٥] فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ، وَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ بِذَلِكَ فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ، فَإِنَّا قَدْ كَرِهْنَا أَنْ نَخْفِرَكَ. [٦] وَلَسْنَا مقرين لأبي بكر الاستعلان، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَاقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ وَإِمَّا أَنْ تُرْجِعَ إِلَيَّ ذِمَّتِي، فَإِنِّي لا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ إِنِّي أُخْفِرْتُ فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنِّي أرد إليك جوارك وأرضي بجوار الله [ ] [٧] وَالنَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ،
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ:
стр. 209
«إِنِّي رَأَيْتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لابَتَيْنِ» ، وَهُمَا الْحَرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ، وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ قِبَلَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «على رسلك فإني أرجوا أن يؤذن لي» فقال أبو بكر:
[وهل] [١] تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عِنْدَهُ] [٢] وَرَقَ السَّمُرِ وَهُوَ الْخَبَطُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ فبينما نحن [يوما جلوس] [٣] فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، قَالَ قَائِلٌ لأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُول اللَّهِ ﷺ مُتَقَنِّعًا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدًى [٤] لَهُ أَبِي وَأُمِّي، وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ قَالَتْ: فجاء رسول الله ﷺ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَبِي بَكْرٍ، «أَخْرِجْ مَنْ عِنْدِكَ» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بأبي أنت يا رسول الله، قال: [فإني] [٥] قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ، فَقَالَ أَبُو بكر: الصحابة بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نَعَمْ» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَخُذْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بَلْ بِالثَّمَنِ» [٦]
قَالَتْ عائشة: فجهزناهما أحثّ الْجِهَازِ [٧] ، وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا، فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الْجِرَابِ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذات [النطاق] [٨] ، قَالَتْ: ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثور، [فكمنا] [٩] فِيهِ ثَلاثَ لَيَالٍ يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ غُلامٌ شَابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ، فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ، [١٠] فَيُصْبِحُ مَعَ قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يكتادان بِهِ إِلَّا وَعَاهُ، حَتَّى يَأْتِيهِمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حين يختلط
стр. 210
الظَّلامُ، وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ، فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حين [تذهب] [١] سَاعَةً مِنَ الْعَشَاءِ فَيَبِيتَانِ فِي رَسْلٍ وَهُوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهِمَا، حَتَّى يَنْعِقَ بِهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ [٢] يَفْعَلُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلاثِ، وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ مِنْ بَنِي الدِّيَلِ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عدي هاديا خريتا- والخريت الماهر بالهداية- قَدْ غَمَسَ حِلْفًا فِي آلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَمِنَّاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بعد ثلاث ليال بِرَاحِلَتَيْهِمَا [٣] صُبْحَ ثَلاثٍ، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَالدَّلِيلُ، فَأَخَذَ بِهِمْ عَلَى طَرِيقِ السَّوَاحِلِ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَالِكٍ الْمُدْلِجِيُّ وَهُوَ ابْنُ أَخِي سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ يَقُولُ:
جاءنا رسل كفارة قُرَيْشٍ يَجْعَلُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ [منهما] [٤] لِمَنْ قَتَلَهُ أَوْ أَسَرَهُ، فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمِي بَنِي مُدْلِجٍ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ، فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ، أُرَاهَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، قَالَ سُرَاقَةُ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ، فَقُلْتُ: إِنَّهْمُ لَيْسُوا بِهِمْ، وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلانًا وَفُلانًا انْطَلَقُوا بِأَعْيُنِنَا، [يبتغون ضالة لهم] [٥] ثُمَّ لَبِثْتُ فِي الْمَجْلِسِ سَاعَةً، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ، فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي أَنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ فَتَحْبِسُهَا عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ رُمْحِي فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ، فَخَطَطْتُ بِزُجِّهِ، [الأرض] [٦] وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ حَتَّى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا فَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُمْ فَعَثَرَتْ بِي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت [يدي] [٧] إِلَى كِنَانَتِي فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الأَزْلامَ فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا أَضُرُّهُمْ أَم لا فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ فَرَكِبْتُ فرسي
стр. 211
وَعَصَيْتُ الأَزْلامَ تُقَرِّبُ بِي، حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ لا يَلْتَفِتُ وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الالْتِفَاتَ سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي فِي الأَرْضِ حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكَبْتَيْنِ، فَخَرَرْتُ عَنْهَا ثُمَّ زَجَرْتُهَا فَنَهَضَتْ، فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً إِذَا لأَثَرِ يَدَيْهَا عُثَانٌ سَاطِعٌ فِي السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَانِ، فَاسْتَقْسَمْتُ بِالأَزْلامِ، فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ، فَنَادَيْتُهُمْ بِالأَمَانِ، فَوَقَفُوا، فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتَّى جِئْتُهُمْ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ مِنَ الْحَبْسِ عَنْهُمْ أَنْ سَيَظْهَرَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ، وَأَخْبَرْتُهُمْ أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الزَّادَ وَالْمَتَاعَ، فلم يرزآنى ولم يسألاني، إلا أن [قال] : [١] أَخْفِ عَنَّا، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكتب لِي كِتَابَ أَمْنٍ، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فَكتب لِي فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدَمٍ،. ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَقِيَ الزُّبَيْرَ فِي رَكْبٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا تُجَّارًا قَافِلِينَ مِنَ الشَّامِ، فَكَسَا الزُّبَيْرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ ثِيَابَ بَيَاضٍ. وسمع المسلمون بالمدينة [مخرج] [٢] رسول الله ﷺ من مَكَّةَ، فَكَانُوا يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَى الْحَرَّةِ فَيَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ، فَانْقَلَبُوا يَوْمًا بَعْدَ مَا أَطَالُوا انْتِظَارَهُمْ، فَلَمَّا أَوَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ أَوْفَى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِهِمْ [٣] لأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَبَصُرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ مُبَيِّضِينَ يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابَ [٤] ، فَلَمْ يَمْلِكِ الْيَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعَاشِرَ الْعَرَبِ، هَذَا جَدُّكُمُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى السِّلاحِ، فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِظَهْرِ الْحَرَّةِ، فَعَدَلَ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ [٥] ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأول، فقال أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَامِتًا، فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنَ الأَنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يحيّ أَبَا بَكْرٍ، حَتَّى أَصَابَتِ الشَّمْسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ، فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَأَسَّسَ الْمَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثم ركب،
стр. 212
راحلته، فسار يمشي معه حتى بركت عند مسجد الرسول الله ﷺ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ يُصَلِّي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربد [١] لِلتَّمْرِ لِسَهْلٍ وَسُهَيْلٍ غُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي حِجْرِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ،
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ: «هذا إن شاء الله الْمَنْزِلُ»
ثُمَّ دَعَا رَسُول اللَّهِ ﷺ الْغُلامَيْنِ فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالا بَلْ نَهِبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ- وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ هُنَا زِيَادَةٌ فَأَبَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً حَتَّى ابْتَاعَهُ منهما، ثم بناه مسجدا، [وطفق] [٢] رَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْقُلُ معهم اللبن في [بنيانه] [٣] ويقول [٤] :
هَذَا الْحِمَالُ لَا حِمَالُ خَيْبَرْ ... هَذَا أَبَرُّ ربنا وأطهر
[ويقول] [٥] :
اللَّهُمَّ إِنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخِرَةْ ... فَارْحَمِ الأَنْصَارَ والمهاجرة
فتمثل بِشِعْرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُسَمَّ لِي.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ يَبْلُغْنَا فِي الأَحَادِيثِ أن رسول الله ﷺ تَمَثَّلَ بِبَيْتِ شِعْرٍ تَامٍّ غَيْرَ هَذِهِ الأَبْيَاتِ [٦] . كَذَا وَقَعَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ الَّذِي كَسَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَبا بَكْرٍ الزُّبَيْرُ وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أن طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْد اللَّهِ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَسْأَلُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ هَذَا فَيَقُولُ: هَذَا الرَّجُلُ يَهْدِينِي الطَّرِيقَ،
قَالَ: فَيَحْسَبُ الْحَاسِبُ أَنَّهُ يَعْنِي الطَّرِيقَ، وإنما يعي سبيل الخير. وروينا من طريق ابن إسحق أَنَّهُ ﵇ أَعْلَمَ عَلِيًّا بِخُرُوجِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ بَعْدَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ عَنْهُ الْوَدَائِعَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ لِلنَّاسِ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَرَجَ بِمَالِهِ كُلِّهِ، وَهُوَ فِيمَا قِيلَ:
خَمْسَةُ آلافِ أَوْ سِتَّةُ آلافِ دِرْهَمٍ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ وَيُوسُفُ بْنُ
стр. 213
يَعْقُوبَ بْنِ الْمُجَاوِرِ قِرَاءَةً عَلَى الأَوَّلِ وَأَنَا أَسْمَعُ بِالْقَاهِرَةِ، وَبِقِرَاءَتِي عَلَى الثَّانِي بِسَفْحِ قَاسِيُونَ قَالا: ثَنَا أَبُو الْيُمْنِ الْكِنْدِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْحَرِيرِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو طَالِبٍ الْعُشَارِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ سَمْعُونٍ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْجُرَيْرِيُّ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا سَيْفٌ عَنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَذَاتِ يَدِهِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، وَمَا نَفَعَنِي مَالٌ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلا لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلا» .
وَجَهِلَ أَهْلُ مَكَّةَ الخبر عندهم إِلَى أَنْ سَمِعُوا الْهَاتِفَ يَهْتِفُ بِالشِّعْرِ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ أُمِّ مَعْبَدٍ، فَعَلِمُوا أَنَّهُمْ تَوَجَّهُوا نَحْوَ يَثْرِبَ، وَأَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا مِنْهُمْ.
حَدِيثُ أُمِّ مَعْبَدٍ
أَخْبَرَنَا الشَّيْخَانِ أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ يُوسُفَ الْمَزِّيُّ بِقِرَاءَةِ وَالِدِي عَلَيْهِ، وَأَبُو الْهَيْجَاءِ غَازِي بْنُ أَبِي الْفَضْلِ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالا: أَنَا ابْنُ طَبَرْزَذٍ قَالَ: أَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ: أَنَا ابْنُ غَيْلانَ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْقُرَشِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى (مَوْلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ سُلَيْطِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَبِي سُلَيْطٍ (وَكَانَ بَدْرِيًّا) قَالَ: لَمَّا خَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَابْنُ أُرَيْقِطٍ يَدُلُّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ، مَرُّوا بِأُمِّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيَّةِ وَهِيَ لا تَعْرِفُهُمْ، فَقَالَ لَهَا:
يَا أُمَّ مَعْبَدٍ هَلْ عِنْدَكِ مِنْ لَبَنٍ» ؟ قَالَتْ: لا وَاللَّهِ، وَإِنَّ الْغَنَمَ لَعَازِبَةٌ، قَالَ: «فَمَا هَذِهِ الشَّاةُ الَّتِي أَرَى» ، لِشَاةٍ [١] رَآهَا فِي كِفَاءِ الْبَيْتِ، قَالَتْ: شَاةٌ خَلَّفَهَا الْجُهْدُ عَنِ الْغَنَمِ، قَالَ: «أَتَأْذَنِينَ فِي حِلابِهَا» ؟ قَالَتْ: لا وَاللَّهِ مَا ضَرَبَهَا مِنْ فَحْلٍ قَطُّ، فَشَأْنُكَ بِهَا، فَدَعَا بِهَا فَمَسَحَ ظَهْرَهَا وَضَرْعَهَا، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ يربض [٢] الرَّهْط فَحَلَبَ فِيهِ فَمَلأَهُ،
فَسَقَى أَصْحَابَهُ عَلَلا بَعْدَ نَهْلٍ، ثُمَّ حَلَبَ فِيهِ آخَرَ فَغَادَرَهُ عِنْدَهَا وَارْتَحَلَ، فَلَمَّا جَاءَ زَوْجُهَا عِنْدَ الْمَسَاءِ قَالَ: يَا أُمَّ مَعْبَدٍ: مَا هَذَا اللَّبَنُ وَلا حلوبة في البيت والغنم عازبة [٣] ! قالت:
стр. 214
لا وَاللَّهِ، إِلَّا أَنَّهُ مَرَّ بِنَا رَجُلٌ ظاهر الوضاءة متبلج الوجه من أَشْفَارِهِ وَطَفٌ [١] ، وَفِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ [٢] ، وَفِي صَوْتِهِ صَحَلٌ [٣] ، غُصْنٌ بَيْنَ الْغُصْنَيْنِ، لا تَشْنَأُهُ مِنْ طُولٍ، وَلا تْقَتَحِمُهُ مِنْ قِصَرٍ، لَمْ تَعِبْهُ ثُجْلَةٌ [٤] ، وَلَمْ تُزْرِهِ صَعْلَةٌ [٥] كَأَنَّ عُنُقَهُ إِبْرِيقُ فِضَّةٍ، إِذَا صَمَتَ فَعَلَيْهِ الْبَهَاءُ، وَإِذَا نَطَقَ فَعَلَيْهِ وَقَارٌ، لَهُ كَلامٌ كَخَرَّزَاتِ النَّظْمِ، أَزْيَنُ أَصْحَابِهِ مَنْظَرًا، وَأَحْسَنُهُمْ وَجْهًا، أَصْحَابُهُ يَحُفُّونَ بِهِ، إذا أمر ابتدروا أمره، وإذا نهى ايتفقوا [٦] عِنْدَ نِهَايَتِهِ، قَالَ: هَذِهِ وَاللَّهِ صِفَةُ صَاحِبِ قُرَيْشٍ، وَلَوْ رَأَيْتُهُ لاتَّبَعْتُهُ وَلأَجْتَهِدَنَّ أَنْ أَفْعَلَ. قال فلم يعلموا بمكة أن توجه رسول الله ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى سَمِعُوا هَاتِفًا عَلَى رَأْسِ أَبِي قُبَيْسٍ وَهُوَ يَقُولُ:
جَزَى اللَّهُ خَيْرًا وَالْجَزَاءُ بِكَفِّهِ ... رَفِيقَيْنِ قَالا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ [٧]
هُمَا رَحَلا بِالْحَقِّ وَانْتَزَلا بِهِ ... فَقَدْ فَازَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ [٨]
فَمَا حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ رَحْلِهَا ... أَبَرَّ وَأَوْفَى ذِمَّةً مِنْ محمد
وأكسى لبرد الحال قبل ابتداله ... وأعطى برأس السابح المنجرد [٩]
ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
стр. 215
وَبِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عن محمد بن إسحق قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَتَانَا نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا: أَيْنَ أَبُوكِ يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: وَاللَّهِ لا أَدْرِي أَيْنَ أَبِي، قَالَتْ: فَرَفَعَ أَبُو جَهْلٍ يَدَهُ وَكَانَ فَاحِشًا خَبِيثًا، فَلَطَمَ خَدِّي لَطْمَةً خَرَمَ مِنْهَا قُرْطِي، قَالَتْ: ثُمَّ انْصَرَفُوا: فَمَضَى ثَلاثُ لَيَالٍ مَا نَدْرِي أَيْنَ تَوَجَّهَ رسول الله ﷺ ، إذ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنَ الْجِنِّ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ يُغَنِّي بِأَبْيَاتٍ غَنَّى بِهَا الْعَرَبُ، وَإِنَّ النَّاسَ لَيَتَّبِعُونَهُ يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ وَمَا يَرَوْنَهُ، حَتَّى خَرَجَ بِأَعْلَى مَكَّةَ:
جَزَى اللَّهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ قَالا خَيْمَتي أُمِّ مَعْبَدِ
هُمَا نَزَلا بِالْهُدَى وَاغْتَدَوْا بِهِ ... فَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ
لِيُهْنِ بَنِي كَعْبٍ مَكَانُ فَتَاتِهِمْ ... وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ
قَالَتْ: فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَهُ عَرَفْنَا حَيْثُ تَوَجَّهَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْحَدِيثَ. وَقَدْ رُوِّينَا حَدِيثُ أَسْمَاءَ هَذَا مُتَّصِلا مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ: أَخْبَرَنَاه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ بِالْقَاهِرَةِ وَأَبُو الْفَتْحِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ قَالا: أَنَا أَبُو الْيُمْنِ زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ الْكِنْدِيُّ قَالَ:
أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْحَرِيرِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ قَالَ: أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَالِكٍ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: أَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَلِيٍّ ثَنَا سَيْفٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ ابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتِ: ارْتَحَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ فَلَبِثْنَا أَيَّامًا ثَلاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً أَوْ خَمْسَ لَيَالٍ لا ندري أين توجه، ولا يأتنا عَنْهُ خَبَرٌ، حَتَّى أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنَ الْجِنِّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ. وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ بِالسَّنَدِ الْمُتَقَدِّمِ: ثَنَا بِشْرُ بْنُ أنس أبو الخبر، ثَنَا أَبُو هِشَامٍ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ زَيْدِ بن ثابت بن بسار الْكَعْبِيُّ الرَّبَعِيُّ الْخُزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي أَيُّوبُ بْنُ الْحَكَمِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ تَمِيمٍ الْبَصْرِيُّ، ثَنَا أَبُو هِشَامٍ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بِقَدِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي أَيُّوبُ بْنُ الْحَكَمِ
следующие страницы →