Полный текст (766 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فَقَالَ لَهُمْ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ: قَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ وَمَا نَشْهَدُ عَلَيْهِ،
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً وأتى رسول الله ﷺ نُعْمَانُ بْنُ أضا، وَبَحَرِيُّ بْنُ عَمْرٍو، وَشَاسُ بْنُ عَدِيٍّ، فَكَلَّمُوهُ وَكَلَّمَهُمْ، وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَحَذَّرَهُمْ نِقْمَتَهُ، فَقَالُوا: مَا تَخَوَّفْنَا يَا مُحَمَّدُ، نَحْنَ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، كَقَوْلِ النَّصَارَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ الآيَةَ. وَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلامِ مَرَّةً وَحَذَّرَهُمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَعُقْبَةُ بْنُ وَهْبٍ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ: اتَّقُوا اللَّهَ، فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَهُ لَنَا قَبْلَ مَبْعَثِهِ وَتَصِفُونَهُ بِصِفَتِهِ، فَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ وَوَهْبُ بْنُ يَهُوذَا: مَا قُلْنَا لَكُمْ هَذَا، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ بَعْدَ مُوسَى، وَمَا أَرْسَلَ بَشِيرًا وَلا نَذِيرًا بعده، فأنزل الله، وذلك في قولهما:
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ [١] الآيَةَ. وَاجْتَمَعَ أَحْبَارُهُمْ فِي بَيْتِ الْمِدْرَاسِ فَأَتَوْا بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا بَعْدَ إِحْصَانِهِمَا فَقَالُوا: حَكِّمُوا فِيهِمَا مُحَمَّدًا، فَإِنْ حَكَمَ فِيهِمَا بِحُكْمِكِمْ مِنَ التَّجْبِيَةِ (وَهُوَ الْجَلْدُ بِحَبْلٍ مِنْ لِيفٍ يُطْلَى بِقَارٍ) ثُمَّ نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا، ثُمَّ يُحْمَلانِ عَلَى حمارين، وجوههما مِنْ قِبَلِ أَدْبَارِ الْحِمَارَيْنِ، فَإِنَّمَا هُوَ مَلَكٌ، فَإِنْ حَكَمَ فِيهِمَا بِالرَّجْمِ فَهُوَ نَبِيٌّ فَاحْذَرُوهُ عَلَى مَا فِي أَيْدِيكُمْ أَنْ يُسْلِبَكُمُوهُ، فَفَعَلُوا،
فَمَشَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى بَيْتَ الْمِدْرَاسِ فَقَالَ لَهُمْ: «أَخْرِجُوا إِلَيَّ عُلَمَاءَكُمْ» ، فَأَخْرَجُوا لَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صُورِيَا، فَخَلَّا بِهِ يُنَاشِدُهُ: «هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ حَكَمَ فِيمَنْ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ بِالرَّجْمِ فِي التَّوْرَاةِ» ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، أَمَا وَاللَّهِ يَا أَبَا الْقَاسِمِ إِنَّهُمْ لَيَعْرِفُونَ أَنَّكَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَكِنَّهُمْ يَحْسُدُونَكَ،
قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا عِنْدَ بَابِ مَسْجِدِهِ، ثُمَّ جَحَدَ ابْنُ صُورِيَا بَعْدَ ذَلِكَ نُبُوَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [٢] الآيَةَ. وَفِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ حبرا منهم جلس يتلوا التَّوْرَاةَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فضرب
стр. 247
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ يَدَهُ وَقَالَ: هَذِهِ آيَةُ الرَّجْمِ أَبَى أَنْ يَتْلُوَهَا عَلَيْكَ. الْحَدِيثَ. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ وَابْنُ صَلُوبَا وَابْنُ صُورِيَا وَشَاسُ بْنُ قَيْسٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنَا إِلَى مُحَمَّدٍ لَعَلَّنَا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، فَإِنَّمَا هُوَ بَشَرٌ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: قَدْ عَرَفْتَ أَنَّا أَحْبَارُ يَهُودَ وَأَشْرَافُهُمْ، وَإِنَّا إِنِ اتَّبَعْنَاكَ اتَّبَعَكَ يَهُودُ وَلَمْ يُخَالِفُونَا، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَعْضِ قَوْمِنَا خُصُومَةً فَنُحَاكِمُهُمْ إِلَيْكَ فَتَقْضِي لَنَا عَلَيْهِمْ، وَنُؤْمِنُ بِكَ وَنُصَدِّقُكَ، فَأَبَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ إِلَى قَوْلِهِ:
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [١] وأتى رسول الله ﷺ جَمَاعَةً مِنْهُمْ فَسَأَلُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ فَقَالَ: نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [٢] فَلَمَّا ذُكِرَ عِيسَى جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ وَقَالُوا: لا نُؤْمِنُ بِعِيسَى، وَلا نؤمن بمن آمن به، فأنزل الله: يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ [٣]
وأتى رسول الله ﷺ رَافِعُ بْنُ حَارِثَةَ وَسَلامُ بْنُ مِشْكَمٍ وَمَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ وَرَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ: أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ، وَتُؤْمِنُ بِمَا عِنْدَنَا مِنَ التَّوْرَاةِ، وَتَشْهَدُ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ حَقٌّ؟ قَالَ: «بَلَى، وَلَكِنَّكُمْ أَحْدَثْتُمْ وَجَحَدْتُمْ مَا فِيهَا مِمَّا أُخِذَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْمِيثَاقِ، وَكَتَمْتُمْ مِنْهَا مَا أُمِرْتُمْ أَنْ تُبَيِّنُوهُ لِلنَّاسِ، فَبَرِئْتُ مِنْ إِحْدَاثِكُمْ» قَالُوا: فَإِنَّا نَأْخُذُ بِمَا فِي أَيْدِينَا، فَإِنَّا عَلَى الْهُدَى وَالْحَقِّ، وَلا نُؤْمِنُ بِكَ وَلا نَتَّبِعُكَ،
فَأَنْزَلَ الله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [٤] الآيَةَ. وَكَانَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ وسويد بن الحارث قد أظهر الإِسْلامَ وَنَافَقَا، فَكَانَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُوَادُونَهُمَا، فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ إِلَى قَوْلِهِ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ
стр. 248
[١] . وقال جبل بن أبي قيشير وَشمويلُ بْنُ زَيْدٍ: يَا مُحَمَّدُ مَتَى السَّاعَةُ إن كنت نبيا؟
فأنزل الله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي [٢] الآيَةَ.
وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَلامُ بْنُ مِشْكَمٍ وَنُعْمَانُ بْنُ أَوْفَى وَمَحْمُودُ بْنُ دِحْيَةَ فِي نَفَرٍ مِنْهُمْ فَقَالُوا لَهُ: كَيْفَ نَتَّبِعُكَ وَقَدْ تَرَكْتَ قِبْلَتَنَا، وَأَنْتَ لا تَزْعُمُ أَنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ:
وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ [٣] الآيَةَ.
وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَحْمُودُ بْنُ سيحَانَ، وَعُزَيْرُ بْنُ أَبِي عُزَيْرٍ فِي جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ، فَقَالُوا: إِنَّا لا نَرَى مَا جِئْتَ بِهِ مُتَّسِقًا كَمَا تَتَّسِقُ التوراة، أما يعلمكم هَذَا إِنْسٌ وَلا جِنٌّ؟ فَقَالَ لَهُمْ: «أَمَا وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ تَجِدُونَ ذَلِكَ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ»
قَالُوا: فَإِنَّ اللَّهَ يَصْنَعُ لِرَسُولِهِ إِذَا بَعَثَهُ مَا يَشَاءُ، فَأَنْزَلَ عَلَيْنَا كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ نَقْرَؤُهُ وَنَعْرِفُهُ، وَإِلَّا جِئْنَاكَ بِمِثْلِ مَا تَأْتِي بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [٤] وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ حِينَ أَسْلَمَ: مَا تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِي الْعَرَبِ، ولكن صاحبك ملك متقول، ثُمَّ جَاءُوا فَسَأَلُوهُ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، فَقَصَّ عَلَيْهِمْ مَا جَاءَهُ مِنَ اللَّهِ فِيهِ مِمَّا كَانَ قَصَّ عَلَى قُرَيْشٍ، وَهُمْ كَانُوا مِمَّنْ أَمَرَ قُرَيْشًا أَنْ يَسْأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَعَثُوا إِلَيْهِمُ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَأَتَى رَهْطٌ مِنْهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَهُ؟ فَغَضِبَ حَتَّى امْتُقِعَ [٥] لَوْنُهُ ثُمَّ سَاوَرَهُمْ غَضَبًا لِرَبِّهِ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ فَسَكَّنَهُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [٦] السُّورَةَ، فَلَمَّا تَلاهَا عَلَيْهِمْ قَالُوا: فَصِفْ لَنَا كَيْفَ خَلْقُهُ، وَكَيْفَ ذِرَاعُهُ، وَكَيْفَ عَضُدُهُ، فَغَضِبَ أَشَدَّ مِنْ غَضَبِهِ الأَوَّلِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [٧] الآية. وكان الذين حزبوا
стр. 249
الأحزاب من قريش غطفان وبني قريظة: حي بْنُ أَخْطَبَ، وَسَلامُ بْنُ أَبِي الْحَقِيقِ أَبُو رَافِعٍ، وَالرَّبِيعُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحَقِيقِ، وَأَبُو عَمَّارٍ، وَوَحْوَحُ بْنُ عَامِرٍ، وَهَوْذَةُ بْنُ قَيْسٍ، فَأَمَّا وَحْوَحٌ وَأَبُو عَمَّارٍ وَهَوْذَةُ فَمِنْ بَنِي وَائِلَةَ، وَسَائِرُهُمْ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى قُرَيْشٍ قَالُوا: هَؤُلاءِ أَحْبَارُ يَهُودَ وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الأَوَّلِ، فَاسْأَلُوهُمْ أَدِينُكُمْ خَيْرٌ أَمْ دِينُ مُحَمَّدٍ، فَسَأَلُوهُمْ فَقَالُوا: بَلْ دِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ، وَأَنْتُمْ أَهْدَى مِنْهُ وَمَنِ اتَّبَعَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا إلى قوله مُلْكاً عَظِيماً [١] .
قال ابن إسحق: وقدم على رسول الله ﷺ وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَانَ سِتُّونَ رَاكِبًا، فِيهِمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فِي الأَرْبَعَةَ عشر منهم ثلاثة نفر إليهم يئول أَمْرُهُمْ: الْعَاقِبُ أَمِيرُ الْقَوْمِ وَذُو رَأْيِهِمْ وَاسْمُهُ: عبد المسيح، والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم وَاسْمُهُ: الأَيْهَمُ، وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أَخُو بكر بن وائل أسقفهم وَحَبْرُهُمْ وَإِمَامُهُمْ، فَكَانَ أَبُو حَارِثَةَ قَدْ شَرُفَ فِيهِمْ، وَدَرَسَ كُتُبَهُمْ حَتَّى حَسُنَ عِلْمُهُ فِي دِينِهِمْ، فَكَانَتْ مُلُوكُ الرُّومِ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ قَدْ شَرَّفُوهُ وَمَوَّلُوهُ وَأَخْدَمُوهُ وَبَنَوْا لَهُ الْكَنَائِسَ، فَبَسَطُوا عَلَيْهِ الْكَرَامَاتِ لِمَا يَبْلُغُهُمْ عَنْهُ مِنْ عِلْمِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي دِينِهِمْ، فَلَمَّا وُجِّهُوا إِلَى رسول الله ﷺ من نَجْرَانَ، جَلَسَ أَبُو حَارِثَةَ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ مُوَجِّهًا إِلَى جَنْبِهِ أَخٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ: كوزُ بْنُ عَلْقَمَةَ، فَعَثَرَتْ بَغْلَةُ أَبِي حَارِثَةَ، فَقَالَ كوز: تَعِسَ الأَبْعَدُ، يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو حَارِثَةَ: بَلْ أَنْتَ تَعِسْتَ، قَالَ: وَلِمَ يَا أَخِي؟ قَالَ: بَلَى وَاللَّهِ، إِنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ، فَقَالَ لَهُ كوزٌ: فَمَا يَمْنَعُكَ مِنْهُ وَأَنْتَ تَعْلَمُ هَذَا؟ قَالَ: مَا صَنَعَ بِنَا هَؤُلاءِ الْقَوْمُ، شَرَّفُونَا وَمَوَّلُونَا وَأَكْرَمُونَا، وَقَدْ أَبَوْا إِلَّا خِلافَهُ، فَلَوْ فَعَلْتَ نَزَعُوا مِنَّا كُلَّ مَا تَرَى، فَأَضْمَرَ عَلَيْهَا مِنْهُ أَخُوهُ كوزُ بْنُ عَلْقَمَةَ، حَتَّى أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، فهو كان يحدث عنه هذا الحديث فيما بلغني، وَدَخَلُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَسْجِدَهُ حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الْحِبَرَاتِ [٢] ، جبب وأردية في جمال رجال بني الحرث بن كعب،
فقال: يقول
стр. 250
بَعْضُ مَنْ رَآهُمْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَئِذٍ: مَا رَأَيْنَا بَعْدَهُمْ وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا في مسجد رسول الله ﷺ يُصَلُّونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دَعُوهُمْ فَصَلَّوْا إِلَى الْمَشْرِقِ»
وَكَانَ تسمية الأربعة عشر: السيد، والعاقب، وأبو الحارثة، وأوس، والحرث، وَزَيْدٌ، وَقَيْسٌ، وَيَزِيدُ، وَنُبَيْهٌ، وَخُوَيْلِدٌ، وَعَمْرٌو، وَخَالِدٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَيُحَنّسُ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ أَبُو حَارِثَةَ وَالْعَاقِبُ وَالأَيْهَمُ، وَهُمْ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ عَلَى دِينَ الْمَلِكِ، مَع اخْتِلافٍ فِي أَمْرِهِمْ يَقُولُون: هُوَ اللَّهُ، وَيَقُولُونَ: هُوَ وَلَدُ اللَّهِ، وَيَقُولُونَ: هُوَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّصْرَانِيَّةِ، فَهُمْ يَحْتَجُّونَ فِي قولهم: هو الله، بأنه كان يحي الْمَوْتَى، وَيُبْرِئُ الأَسْقَامَ، وَيُخْبِرُ بِالْغُيُوبِ، وَيَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِأَمْرِ اللَّهِ ﵎، وَلِيَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ، وَيَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ بِأَنَّهُ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ، بِقَوْلِ اللَّهِ: فَعَلْنَا وَأَمَرْنَا وَخَلَقْنَا وَقَضَيْنَا، فَيَقُولُونَ: لَوْ كَانَ وَاحِدًا مَا قَالَ إِلَّا فَعَلْتُ وَأَمَرْتُ وَقَضَيْتُ وَخَلَقْتُ، وَلَكِنَّهُ هُوَ عِيسَى وَمَرْيَمُ، فَفِي كُلِّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ نَزَلَ الْقُرْآنُ،
فَلَمَّا كَلَّمَهُ الْحَبْرَانِ قَالَ لَهُمَا رَسُول اللَّهِ ﷺ : «أَسْلِمَا» قَالا: قد أَسْلَمْنَا، قَالَ: «إِنَّكُمَا لَمْ تُسْلِمَا فَأَسْلَمَا» قالا: بلى قد أسلمنا قبلك، قال: وكذبتما يَمْنَعُكُمَا مِنَ الإِسْلامِ دُعَاؤُكَمَا لِلَّهِ وَلَدًا، وَعِبَادَتُكُمَا الصَّلِيبَ، وَأَكْلُكُمَا الْخِنْزِيرَ» قَالا: فَمَنْ أَبُوهُ يَا مُحَمَّدُ؟ فَصَمَتُ فَلَمْ يُجِبْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ إِلَى بِضْعٍ وَثَمَانِينَ آيَةً،
فَلَمَّا أَتَى رَسُول اللَّهِ ﷺ الْخَبَرَ مِنَ اللَّهِ عَنْهُ وَالْفَصْلَ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَأَمَرَ بِمَا أُمِرَ مِنْ مُلاعَنَتِهِمْ إِنْ رَدُّوا ذَلِكَ عَلَيْهِ دَعَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ دَعْنَا نَنْظُرُ فِي أَمْرِنَا ثُمَّ نَأْتِكَ بِمَا تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ فِيمَا دَعَوْتَنَا إِلَيْهِ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، ثُمَّ خَلَوْا بِالْعَاقِبِ وَكَانَ ذَا رَأْيِهِمْ فَقَالُوا: يَا عبد المسيح: ما ترى؟
فقالوا: وَاللَّهِ يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى لَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مِنْ خَبَرِ صَاحِبِكُمْ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا لاعَنَ قَوْمٌ نَبِيًّا قط فبقى كبيرهم، ولا نبت صَغِيرهُمْ، وَإِنَّهُ لَلاسْتِئْصَالُ مِنْكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ أَبَيْتُمْ إِلَّا إِلْفَ دِينِكُمْ وَالإِقَامَةَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ فِي صَاحِبِكُمْ فَوَادَعُوا الرَّجُلَ ثُمَّ انْصَرِفُوا إِلَى بِلادِكُمْ،
فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ قَدْ رَأَيْنَا أَنْ لا نُلاعِنَكَ، وَأَنْ نَتْرُكَكَ عَلَى دِينِكَ وَنَرْجِعَ عَلَى دِينِنَا، وَلَكِنِ ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلا مِنْ أَصْحَابِكَ تَرْضَاهُ لَنَا يَحْكُمُ بَيْنَنَا فِي أَشْيَاءَ اخْتَلَفْنَا فِيهَا مِنْ أَمْوَالِنَا، فَإِنَّكُمْ عِنْدَنَا رِضًى، فقال رسول الله ﷺ : «ائْتُونِي الْعَشِيَّةَ أَبْعَثُ مَعَكُمُ
стр. 251
الْقَوِيَّ الأَمِينَ» فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: مَا أَحْبَبْتُ الإِمَارَةَ قَطُّ حبي إياها يومئذ رجاء أن يكون صَاحِبَهَا، فَرُحْتُ إِلَى الظُّهْرِ مُهَجِّرًا، فَلَمَّا صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ سَلَّمَ ثُمَّ نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ، فَجَعَلْتُ أَتَطَاوَلَ لِيَرَانِي، فَلَمْ يَزَلْ يَلْتَمِسُ بِبَصَرِهِ حَتَّى رَأَى أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، فَدَعَاهُ فَقَالَ: «اخْرُجْ مَعَهُمْ فَاقْضِ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ»
قَالَ عُمَرُ: فَذَهَبَ بِهَا أَبُو عُبَيْدَةَ ﵁.
стр. 252
خبر عبد الله بن أبي بن سَلُول وَأَبِي عَامِرٍ الْفَاسِقِ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الراهب
قال ابن إسحق: وقدم رسول الله ﷺ الْمَدِينَةَ كَمَا حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَسَيِّدُ أَهْلِهَا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولٍ، لا يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ فِي شَرَفِهِ مِنْ قَوْمِهِ اثْنَانِ، لَمْ يَجْتَمِعِ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ حَتَّى جَاءَ الإِسْلامُ غَيَّرَهُ، وَمَعَهُ فِي الأَوْسِ رَجُلٌ هُوَ فِي قَوْمِهِ مِنَ الأَوْسِ شَرِيفٌ مُطَاعٌ: أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ عُمَرَ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ أَحَدُ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ وَهُوَ أَبُو حَنْظَلَةَ الْغَسِيلُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانَ قَدْ تَرَهَّبَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَبِسَ الْمُسُوحَ، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الرَّاهِبُ فَشَقِيَا بِشَرَفِهِمَا، أَمَّا ابْنُ أُبَيٍّ فَكَانَ قَوْمُهُ قَدْ نَظَمُوا لَهُ الْخَرَزَ لِيُتَوِّجُوهُ ثُمَّ يُمَلِّكُوهُ عَلَيْهِمْ، فَجَاءَهُمُ اللَّهُ بِرَسُولِهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَوْمُهُ عَنْهُ إِلَى الإِسْلامِ ضَغِنَ، وَرَأَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ سَلَبَهُ مُلْكًا عَظِيمًا، فَلَمَّا رَأَى قَوْمَهُ قَدْ أَبَوْا إِلَّا الإسلام دخل فيه كارها مصرا على النفاق، وَأَمَّا
أَبُو عَامِرٍ فَأَبَى إِلَّا الْكُفْرَ وَالْفِرَاقَ لِقَوْمِهِ حِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى الإِسْلامِ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ إِلَى مَكَّةَ بِبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلا مُفَارِقًا لِلإِسْلامِ، فقال رسول الله ﷺ : «لا تَقُولُوا الرَّاهِبَ، وَلَكِنْ قُولُوا الْفَاسِقَ» وَكَانَ قَدْ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى مَكَّةَ: مَا هَذَا الَّذِي جِئْتَ بِهِ؟ قَالَ: «جِئْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ دِينِ إِبْرَاهِيمَ ﵇» قَالَ: فَأَنَا عَلَيْهَا، قال له رسول الله ﷺ : «إِنَّكَ لَسْتَ عَلَيْهَا» قَالَ: بَلَى، إِنَّكَ أَدْخَلْتَ يَا مُحَمَّدُ فِي الْحَنِيفِيَّةِ مَا لَيْسَ مِنْهَا، قَالَ: «مَا فَعَلْتَ، وَلَكِنِّي جِئْتُ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً» قَالَ: الْكَاذِبُ أَمَاتَهُ اللَّهُ طَرِيدًا غَرِيبًا وَحِيدًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَجَلْ» ،
فَكَانَ هُوَ ذَلِكَ، خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا افْتَتَحَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مكة خرج إلى أالطائف، فَلَمَّا أَسْلَمَ أَهْلُ الطَّائِفِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، فمات بها طريدا غريبا وحيدا.
стр. 253
جماع أبواب مغازي رسول الله ﷺ وبعوثه وسراياه
وَلَمَّا أَذِنَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ فِي الْقِتَالِ، كَانَتْ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [١] كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَرُوبَةَ: ثَنَا سَلَمَةُ، ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ يقرأ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا قَالَ: وَهِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ.
وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَائِذٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ قَالَ: وَكَانَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ قَوْلَهُ : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ.
قُرِئَ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ الْحَرَّانِيِّ وَأَنَا أَسْمَعُ، أَخْبَرَكُمْ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْخَرِيفِ حُضُورًا فِي الْخَامِسَةِ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَاقِلَّانِيُّ قال:
أنا أبو بكر أحمد بن جعفر الْقُطَعِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنِ ابْنِ عَجْلانَ عَنِ المقبري عن أبيه عن
стр. 254
أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى» [١] .
стр. 255
ذكر الخبر عن عَدَدُ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبعوثه
رُوِّينَا عَنِ ابْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ وَاقِدٍ الأَسْلَمِيُّ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ يَرْبُوعٍ الْمَخْزُومِيُّ، وَمُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبراهيم بن الحرث التَّيْمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ (ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ) ، وَمُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبِ بْنِ زَمْعَةَ بْنِ الأَسْوَدِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ الزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيُّ، وَرَبِيعَةُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهديرِ التَّيْمِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ الأَشْهَلِيُّ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ الْحَكَمِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ التَّمَّارُ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَأَنَا رُوَيْمُ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، ثَنَا هَارُونُ بْنُ أَبِي عيسى عن محمد بن إسحق قال: وأنا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ قَالَ: وَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ الْمَدَنِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي حَدِيثِ بَعْضٍ قَالُوا: كَانَ عَدَدُ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي غَزَا بِنَفْسِهِ سَبْعًا وَعِشْرِينَ، وَكَانَتْ سَرَايَاهُ الَّتِي بَعَثَ فِيهَا سَبْعًا وَأَرْبَعِينَ سَرِيَّةً، وَكَانَ مَا قَاتَلَ فِيهِ مِنَ الْمَغَازِي تِسْعُ غَزَوَاتٍ: بَدْرٌ الْقِتَالُ، وَأُحُدٌ، وَالْمُرَيْسِيعُ، وَالْخَنْدَقُ، وَقُرَيْظَةُ، وَخَيْبَرُ، وَفَتْحُ مَكَّةَ، وَحُنَيْنٌ، وَالطَّائِفُ. فَهَذَا مَا اجْتَمَعَ لَنَا عَلَيْهِ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِمْ أَنَّهُ قَاتَلَ فِي بَنِي النَّضِيرِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَهَا لَهُ نَفْلا خَاصَّةً، وَقَاتَلَ فِي غَزَاةِ وَادِي الْقُرَى مُنْصَرَفِهِ مِنْ خَيْبَرَ، وَقُتِلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، وقاتل في الغابة. فأول مغازيه ﷺ بنفسه:
غَزْوَةُ وَدَّانَ
رُوِّينَا عَنْ أَبِي عَرُوبَةَ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَزِيعٍ، ثنا محمد بن
стр. 256
إسحق قال: خرج رسول الله ﷺ فِي صَفَرٍ غَازِيًا عَلَى رَأْسِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ، لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ شَهْرِ صَفَرٍ، حَتَّى بَلَغَ وَدَّانَ، وَكَانَ يُرِيدُ قُرَيْشًا وَبَنِي ضَمْرَةَ، وَهِيَ غَزْوَةُ الأَبْوَاءِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ ابن هشام. قال ابن إسحق: فَوَادَعَتْهُ فِيهَا بَنُو ضَمْرَةَ، وَكَانَ الَّذِي وَادَعَهُ مِنْهُمْ عَلَيْهِمْ، مَخْشِيُّ بْنُ عَمْرٍو الضَّمْرِيُّ، وَكَانَ سَيِّدَهُمْ فِي زَمَانِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا.
بَعْثُ حَمْزَةَ وَعُبَيْدَةَ بْنِ الحرث
روينا عن ابن إسحق قَالَ: فَأَقَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِهَا بَقِيَّةَ صَفَرٍ وَصَدْرًا مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، وَبَعَثَ فِي مَقْدَمِهِ ذَلِكَ عُبَيْدَةَ بن الحرث بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فِي سِتِّينَ أَوْ ثَمَانِينَ رَاكِبًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، لَيْسَ فِيهِمْ مِنَ الأَنْصَارِ أَحَدٌ، فَسَارَ حَتَّى بَلَغَ مَاءً بِالْحِجَازِ بِأَسْفَلِ ثَنِيَّةِ الْمرَّةِ، فَلَقِيَ بِهَا جَمْعًا عَظِيمًا مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، إِلَّا أَنَّ سَعْد بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَدْ رَمَى يَوْمَئِذٍ بِسَهْمٍ، فَكَانَ أَوَّلَ سَهْمٍ رُمِيَ بِهِ فِي الإِسْلامِ، ثُمَّ انْصَرَفَ الْقَوْمُ عَنِ الْقَوْمِ، وَلِلْمُسْلِمِينَ حَامِيَة، وَفَرَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى المسلمين المقداد بن عمرو [البهراني حليف بني زهرة] [١] وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ [بْنِ جَابِرٍ الْمَازِنِيُّ حَلِيفُ بني نوفل بن عبد مناف] [٢] وَكَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَلَكِنَّهُمَا خَرَجَا لِيَتَوَصَّلا بِالْكُفَّارِ [٣] ، وَكَانَ عَلَى الْقَوْمِ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ.
وَقَالَ ابن هشام: [حدثني ابن أبي عمرو بن العلاء عن أبي عمرو المدني أنه كان عليهم] [ (٤) ] مكرز بن حفص بن الأخيف.
قال ابن إسحق: فكانت راية عبيدة [بلغني] [٥] أَوَّلَ رَايَةٍ [عَقَدَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ لأحد من المسلمين] [٦] فِي الإِسْلامِ، وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَزْعُمُ أَنَّ رَسُول الله ﷺ بعثه стр. 257
حِينَ أَقْبَلَ مِنْ غَزْوَةِ الأَبْوَاءِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَبَعَثَ فِي مُقَامِهِ ذَلِكَ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ إِلَى سيف البحر من ناحية العيص فِي ثَلاثِينَ رَاكِبًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، لَيْسَ فِيهِمْ مِنَ الأَنْصَارِ أَحَدٌ، فَلَقِيَ أَبَا جَهْلِ بْنَ هشام بذلك الساحل في ثلاثمائة راكب [من أهل مكة] [١] فَحَجَزَ بَيْنَهُمْ مَجْدِيُّ بْنُ عَمْرٍو الْجُهَنِيُّ، وَكَانَ مُوَادِعًا لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، فَانْصَرَفَ بَعْضُ الْقَوْمِ عَنْ بَعْضٍ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ. فَقَالَ [٢] :
وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: كَانَتْ رَايَةُ حَمْزَةَ أَوَّلَ رَايَةٍ عَقَدَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ [لأحد من المسلمين] [٣] وَذَلِكَ أَنَّ بَعْثَهُ وَبَعْثَ عُبَيْدَةَ كَانَا مَعًا، فَشُبِّهَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ [٤] .
وَرُوِّينَا عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَنَّ أَوَّلَ الْبُعُوثِ، بَعْثُ حَمْزَةَ فِي ثَلاثِينَ رَاكِبًا، فَلَقَوْا أَبَا جَهْلٍ فِي ثَلاثِينَ وَمِائَةِ رَاكِبٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ كَانَتِ الأَبْوَاءُ عَلَى رَأْسِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ بَعَثَ َعبُيَدْةَ َفلَقَوْا بَعْثًا عَظِيمًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى مَاءٍ يُدْعَى الأَحْيَاءَ مِنْ رَابِغٍ، قَالَ: وَهُوَ أَوَّلُ يَوْمَ الْتَقَى فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ فِي قِتَالٍ.
وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَائِذٍ عَنِ الْوَلِيدِ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ رَايَةَ حَمْزَةَ هِيَ الأُولَى. وَرُوِّينَا عَنْهُ أَيْضًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ذَكَرَ بَعْثَ عبيدةُ ثُمَّ بَعْثَ حَمْزَةَ بِنَحْوِ مَا ذَكَرَ ابن إسحق.
وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّ أَوَّلَ لِوَاءٍ عَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ لِوَاءً أَبْيَضَ، وَكَانَ الَّذِي حَمَلَهُ أَبُو مَرْثَدٍ كَنَّازُ بْنُ الْحُصَيْنِ الْغَنَوِيُّ فِي ثَلاثِينَ رَاكِبًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، قَالَ: وَلَمْ يَبْعَثْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحَدًا مِنَ الأَنْصَارِ مَبْعَثًا حَتَّى غَزَا بِهِمْ بَدْرًا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ شَرَطُوا لَهُ أَنَّهُمْ يَمْنَعُونَهُ فِي دَارِهِمْ، وَخَرَجَ حَمْزَةُ يَعْرِضُ لِعِيرِ [٥] قُرَيْشٍ قَدْ جَاءَتْ مِنَ الشَّامِ تُرِيدُ مَكَّةَ، وفيها أبو جهل بن
стр. 258
هشام في ثلاثمائة رَجُلٍ، ثُمَّ سَرِيَّة عُبَيْدَةَ فِي سِتِّينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى بَطْنِ رَابِغٍ، فِي شَوَّالٍ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ عَقَدَ لَهُ لِوَاءً أَبْيَضَ حَمَلَهُ مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ، فَلَقِيَ أَبَا سُفَيْانَ بْنَ حَرْبٍ فِي مِائَتَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ أَحْيَا. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: أُبْنَى مِنْ بَطْنِ رَابِغٍ، عَلَى عَشَرَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْجُحْفَةِ وَأَنْتَ تُرِيدُ قَدِيدًا عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ، وَإِنَّمَا نَكَبُوا عَنِ الطَّرِيقِ لَيَرْعَوْا رُكَّابَهُمْ.
стр. 259
سرية سعد بن أبي وقاص إِلَى الْخَرَّازِ
فِي ذِي الْقَعْدَةِ عَلَى رَأْسِ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ، عَقَدَ لَهُ لِوَاءً أَبْيَضَ حَمَلَهُ المقداد ابن عَمْرٍو وَبَعَثَهُ في عِشْرِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ.
ثُمَّ غزوة رسول الله ﷺ الأَبْوَاءِ، وَهِيَ غَزْوَةُ وَدَّانَ، وَكِلاهُمَا قَدْ وَرَدَ، وَبَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَمْيَالٍ، وَكَانَتْ عَلَى رَأْسِ اثْنِي عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الْهِجْرَةِ، وَحَمَلَ اللِّوَاءَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَكَانَتِ الْمُوَادَعَةُ عَلَى أَنَّ بَنِي ضَمْرَةَ لَا يَغْزُونَهُ، وَلا يُكْثِرُونَ عَلَيْهِ جَمْعًا، وَلا يُعِينُونَ عَلَيْهِ عَدُوًّا، ثُمَّ انْصَرَفَ ﵇ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ غَيْبَتُهُ خَمْسَ عشرة ليلة.
غزوة بواط [١]
قال ابن إسحق: ثُمَّ غَزَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ يُرِيدُ قُرَيْشًا، حَتَّى بَلَغَ بواطَ مِنْ نَاحِيَةِ رضوَى، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ السَّائِبَ بْنَ مَظْعُونٍ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ، وَحَمَلَ اللِّوَاءَ وَكَانَ أَبْيَضَ، سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ، وَقَالَ: وَخَرَج فِي مِائَتَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ يَعْرِضُ لِعِيرِ قُرَيْشٍ، فِيهَا أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ وَمِائَةُ رجل من قريش وألفان وخمسمائة بعير.
غزوة العشيرة
قال ابن إسحق: فِي أَثْنَاءِ جُمَادَى الأُولَى (يَعْنِي مِنَ السَّنَةِ الثانية) ثم غزا قريشا
стр. 260
حَتَّى نَزَلَ الْعَشِيرَةَ مِنْ بَطْنِ يَنْبُعَ، فَأَقَامَ بِهَا جُمَادَى الأُولَى وَلَيَالِي مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ، وَوَادَعَ فِيهَا بَنِي مُدْلجٍ وَحُلَفَاءَهُمْ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ، وَفِيهَا
كَنَّى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا: أَبَا تُرَابٍ حِينَ وَجَدَهُ نَائِمًا هُوَ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسٍر وَقَدْ عَلَقَ بِهِ تُرَابٌ، فَأَيْقَظَهُ ﵇ بِرِجْلِهِ وَقَالَ له: «مالك أَبَا تُرَابٍ» لِمَا يَرَى عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ، ثُمَّ قَالَ: «أَلا أُحَدِّثُكُمَا بِأَشْقَى النَّاسِ رَجُلَيْنِ» قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ وَالَّذِي يَضْرِبُكَ يَا عَلِيُّ عَلَى هَذِهِ» - وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى قَرْنِهِ «حَتَّى يَبُلَّ مِنْهَا هَذِهِ»
وَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ- وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الأَسَدِ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ. وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهَا كَانَتْ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ عَلَى رَأْسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَحَمَلَ لِوَاءَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِيهَا حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَكَانَ أَبْيَضَ، وَخَرَج فِي خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، وَيُقَالُ: فِي مِائَتَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِمَّنِ انْتَدَبَ، وَلَمْ يُكْرِهْ أَحَدًا عَلَى الْخُرُوجِ، وَخَرَجُوا عَلَى ثَلاثِينَ بَعِيرًا يَعْتَقِبُونَهَا، وَخَرَجَ يَعْتَرِضُ لِعِيرِ قُرَيْشٍ حِينَ أَبْدَأَتْ إِلَى الشَّامِ، فَكَانَ قَدْ جَاءَهُ الْخَبَرُ بِقُفُولِهَا مِنْ مَكَّةَ فيها أَمْوَالُ قُرَيْشٍ، فَبَلَغَ ذَا الْعَشِيرَةِ، وَهِيَ لِبَنِي مُدْلجٍ بِنَاحِيَةِ الْيَنْبُعِ، وَبَيْنَ يَنْبُعَ وَالْمَدِينَةِ تِسْعَةَ بردٍ، فَوَجَدَ الْعِيرَ الَّتِي قَدْ خَرَجَ إِلَيْهَا قَدْ مَضَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ، وَهِيَ الْعِيرُ الَّتِي خَرَجَ إِلَيْهَا حِينَ رَجَعَتْ مِنَ الشَّامِ، فَكَانَتْ بِسَبَبِهَا وَقْعَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى.
غَزْوَةُ بَدْرٍ الأولى
قال ابن إسحق: [ولم] [١] يُقِمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ حِينَ قَدِمَ مِنْ غَزْوَةِ الْعَشِيرَةِ إِلَّا ليال قَلَائِلَ، لا تَبْلُغُ الْعَشْرَ، حَتَّى أَغَارَ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيُّ عَلَى سَرْحِ [٢] الْمَدِينَةِ، فَخَرَجَ رسول الله ﷺ في طَلَبِهِ حَتَّى بَلَغَ وَادِيًا يُقَالُ لَهُ سفوانُ، مِنْ نَاحِيَةِ بَدْرٍ، وَفَاتَهُ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ فَلَمْ يُدْرِكْهُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهَا فِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ عَلَى رَأْسِ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الْهِجْرَةِ، وَحَمَلَ اللِّوَاءَ فِيهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: وَالسَّرْحُ ما رعوا من نعمهم.
стр. 261
سرية عبد الله بن جحش
وبعث [رسول الله ﷺ ] [١] عبد الله بن جحش [بن رئاب الأسدي] [٢] في رجب مقفله من بدر الأولى [وبعث] [٣] معه ثَمَانِيَةُ رَهْطٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، لَيْسَ فِيهِمْ مِنَ الأَنْصَارِ أَحَدٌ، وَكتب لَهُ كِتَابًا، وَأَمَرَهُ أَنْ لا يَنْظُرَ فِيهِ حَتَّى يَسِيرَ يَوْمَيْنِ ثُمَّ يَنْظُرُ فِيهِ، فَيَمْضِي لِمَا أَمَرَهُ بِهِ، وَلا يَسْتَكْرِهُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ [٤] وَكَانَ أَصْحَابُهُ: أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ وَعُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأَسَدِيُّ، وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَامِرُ بْنُ ربيعة من عنز بن واثل حَلِيفِ بَنِي عَدِيٍّ، وَوَاقِدُ بْنُ عَبْد اللَّهِ، أَحَدُ بَنِي تَمِيمٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ، وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَسُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ،
فَلَمَّا سَارَ عَبْد اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ يَوْمَيْنِ فَتَحَ الْكِتَابَ فَنَظَرَ فِيهِ، فَإِذَا فِيهِ: «إِذَا نَظَرْتَ فِي كِتَابِي هَذَا فَامْضِ حَتَّى تَنْزِلَ نَخْلَةً بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، فَتَرْصُدُ بِهَا قَرَيْشًا، وَتَعْلَم لَنَا مِنْ أَخْبَارِهِمْ»
فَلَمَّا نَظَرَ فِي الْكِتَابِ قَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ لأَصْحَابِهِ، وَقَالَ: قَدْ نَهَانِي أَنْ أَسْتَكْرِهَ أَحَدًا مِنْكُمْ، فَمَضَوْا لَمْ يَتَخَلَّفْ عَلَيْهِ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَسَلَكَ عَلَى الْحِجَازِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِمَعدنٍ فَوْقَ الْفرعِ يُقَالُ لَهُ: بحرانُ، أَضَلَّ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بَعِيرًا لَهُمَا كَانَا يَعْتَقِبَانِهِ [٥] ، فَتَخَلَّفَا عَلَيْهِ فِي طَلَبِهِ، وَمَضَى عَبْد اللَّهِ بن جحش، وَأَصْحَابُهُ حَتَّى نَزَلَ بِنَخْلَةٍ، فَمَرَّتْ بِهِ عِيرُ لقريش فِيهَا عَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأَخُوهُ نَوْفَلٌ الْمَخْزُومِيَّانِ، وَالْحَكَمُ بن كيسان (مولى هشام بْنُ الْمُغِيرَةِ) فَلَمَّا رَآهُمُ الْقَوْمُ هَابُوهُمْ وَقَدْ نَزَلُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، وَكَانَ قَدْ حَلَقَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ أَمِنُوا وَقَالُوا: عَمَّارٌ، لا بَأْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ، وَتَشَاوَرَ الْقَوْمُ فِيهِمْ، وَذَلِكَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ، فَقَالَ الْقَوْمُ: وَاللَّهِ لَئِنْ تَرَكْتُمُ الْقَوْمَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ لَيَدْخُلَنَّ الْحَرَمَ فَلْيَمْتَنِعَنَّ مِنْكُمْ بِهِ، وَلَئِنْ قَتَلْتُمُوهُمْ لَنَقْتُلَنَّهُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَتَرَدَّدَ الْقَوْمُ وَهَابُوا الإِقْدَامَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ شجعوا أنفسهم
стр. 262
عَلَيْهِمْ وَأَجْمَعُوا قَتْلَ مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَأَخْذَ مَا مَعَهُ، فَرَمَى وَاقِدُ بْنُ عَبْد اللَّهِ التَّمِيمِيُّ عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، وَاسْتَأْسَرَ [١] عُثْمَان بْن عَبْدِ اللَّهِ، وَالْحَكَمَ بْنَ كَيْسَانَ، وَأَفْلَتَ الْقَوْم نَوْفَل بْن عَبْد اللَّهِ فَأَعْجَزَهُمْ، وَأَقْبَلَ عَبْد اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وَأَصْحَابُهُ بِالْعِيرِ وَالأَسِيرَيْنِ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ آلِ عَبْد اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ أَنَّ عَبْد اللَّهِ قَالَ لأَصْحَابِهِ: إِنَّ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ مِمَّا غَنِمْنَا الْخُمُسَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ اللَّهُ الْخُمُسَ مِنَ الْمَغَانِمِ فَعَزَلَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ خُمُسَ الْعِيرِ وَقَسَّمَ سَائِرَهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ.
قال ابن إسحق: فلما قدموا على رسول الله ﷺ قَالَ: «مَا أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ»
فَوَقَفَ الْعِيرُ وَالأَسِيرَيْنِ، وَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ رَسُول اللَّهِ ﷺ سَقَطَ فِي أَيْدِي الْقَوْمِ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا، وَعَنَّفَهُمْ إِخْوَانُهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا صَنَعُوا، وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: إِذَا اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، وَسَفَكُوا فِيهِ الدَّمَ، وَأَخَذُوا فِيهِ الأَمْوَالَ، وَأَسَرُوا فِيهِ الرِّجَالَ. فَقَالَ مَنْ يَرِد عَلَيْهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ كَانَ بِمَكَّةَ: إِنَّمَا أَصَابُوا مَا أَصَابُوا فِي شَعْبَانَ، وَقَالَتْ يَهُودُ تَفَاءَلَ بِذَلِكَ علي رسول الله ﷺ : عَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيِّ قَتَلَهُ وَاقِدُ بْن عَبْد اللَّهِ عَمْرو، عَمرتِ الْحَرْبُ، وَالْحَضْرَمِيُّ حَضَرَتِ الْحَرْبُ، وَوَاقِدُ بْنُ عَبْد اللَّهِ، وَقَدَتِ الْحَرْبُ، فَجَعَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لا لَهُمْ، فَلَمَّا أَكْثَرَ الناس في ذلك أنزل الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [٢] فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا كَانُوا فِيهِ، وقبض رسول الله ﷺ الْعِيرَ وَالأَسِيرَيْنِ،
وَبَعَثَ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ فِي فِدَاءِ عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، فقال رسول الله ﷺ : «لا نَفْدِيكُمَا حَتَّى يَقْدَمَ صَاحِبَانَا» يَعْنِي سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَعُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ، «فَإِنَّا نَخْشَاكُمْ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ تَقْتُلُوهُمَا نَقْتُلُ صَاحِبَيْكُمْ» فَقَدِمَ سَعْدٌ وَعُتْبَةُ، فَأَفْدَاهُمَا رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ،
فَأَمَّا الْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلامُهُ وَأَقَامَ عِنْدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَمَاتَ فِي بِئْرِ مَعُونَةَ شَهِيدًا، وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ عَبْد اللَّهِ فَلَحِقَ بِمَكَّةَ فَمَاتَ بِهَا كَافِرًا. فَلَمَّا تَجَلَّى عن عبد الله بن جحش
стр. 263
وَأَصْحَابِهِ مَا كَانُوا فِيهِ حِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ طَمِعُوا فِي الأَجْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَطْمَعُ أَنْ تَكُونَ لَنَا غَزْوَةٌ نُعْطَى فِيهَا أَجْرَ الْمُجَاهِدِينَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [١] فَوَضَعَهُمُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَعْظَمِ الرَّجَاءِ. وَالْحَدِيثُ فِي هَذَا عَنِ الزُّهْرِيِّ وَيَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ قَسَّمَ الْفَيْءَ بَعْدُ كَذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهِيَ أَوَّلُ غَنِيمَةٍ غَنِمَهَا الْمُسْلِمُونَ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيِّ أَوَّلُ مَنْ قَتَلَ الْمُسْلِمُونَ، وَعُثْمَانُ وَالْحَكَمُ أَوَّلُ مَنْ أَسَرَ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَيُقَالُ هِيَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ:
تَعُدُّونَ قَتْلا فِي الْحَرَامِ عَظِيمَةً ... وَأَعْظَمُ مِنْهُ لَوْ يَرَى الرُّشْدَ رَاشِدُ
صُدُودُكُمْ عَمَّا يَقُولُ مُحَمَّدٌ ... وَكُفْرٌ بِهِ وَاللَّهُ رَاءٍ وَشَاهِدُ [٢]
شَفَيْنَا مِنَ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ رِمَاحَنَا ... بِنَخْلَةٍ لَمَّا أَوْقَدَ الْحَرْبَ وَاقِدُ
وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ومُحَمَّد بْنُ عَائِذٍ نَحْوَ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُمَا ذَكَرَا أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ بَيْضَاءَ بَدَلَ سُهَيْلٍ أَخِيهِ وَلَمْ يَذْكُرَا خَالِدًا وَلا عُكَّاشَةَ. وَذَكَرَ ابْنُ عُقْبَةَ: فِيهِمْ عَامِرَ بْنَ إِيَاسٍ. وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: كَانَ الَّذِي أَسَرَ الْحَكَمَ بْنَ كَيْسَانَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو، وَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بعث عبد الله بْنَ جَحْشٍ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، كُلّ اثْنَيْنِ يَعْتَقِبَانِ بَعِيرًا إِلَى بَطْنِ نَخْلَةٍ، وَهُوَ بُسْتَانُ ابْنِ عَامِرٍ، وَأَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَ زَمِيلَ عُتْبَةَ بْنِ غزوان، فضل بهما بعيرهما، فلم يشهد الْوَقْعَةَ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنَّ ابْنَ جَحْشٍ لَمَّا قَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَخَيَّرَ أَصْحَابَهُ، تَخَلَّفَ رَجُلانِ، سَعْدٌ وَعُتْبَةُ، فَقَدِمَا بحرانَ، وَمَضَى سَائِرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَيُقَالُ إِنَّ عَبْد اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ لَمَّا رَجَعَ مِنْ نَخْلَةٍ خَمَّسَ مَا غَنِمَ، وَقَسَّمَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ سَائِرَ المغانم، فكان أول
стр. 264
خُمُسٍ خُمِّسَ فِي الإِسْلامِ، وَيُقَالُ: إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَّفَ غَنَائِمِ نَخْلَة حَتَّى رَجَعَ مِنْ بَدْرٍ، فَقَسَّمَهَا مَعَ غَنَائِمِ بَدْرٍ، وَأَعْطَى كُلَّ قَوْمٍ حَقَّهُمْ، وَفِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ سُمِّي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ أمير المؤمنين [١] .
تحويل القبلة
قُرِئَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِيِّ وَأَنَا حَاضِرٌ فِي الرَّابِعَةِ: أَخْبَرَكُمْ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ النَّفِيسِ بْنِ بُورنداز قِرَاءَةً عَلَيْهِ بِبَغْدَادَ. وَأَقَرَّ بِهِ قَالَ: أَنَا أَبُو الْوَقْتِ عَبْدُ الأَوَّلِ بْنُ عِيسَى قَالَ: أَنَا أَبُو عَطَاءِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ قَالَ: أَنَا حَاتِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْفَرِيزَنِيُّ، ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ وَجَابِرُ بْنُ عبد الله بن فورحة، ثَنَا مَالِكُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْهَرَوِيُّ عَنْ يَزِيدَ بن عطاء عن أبي إسحق عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: لَقَدْ صَلَّيْنَا بَعْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ نحو بيت المقدس سنة عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا وُجِّهَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهَا صَلَّى رَجُلٌ مَعَهُ، ثُمَّ أَتَى قَوْمًا مِنَ الأَنْصَارِ وَهُمْ رُكُوعٌ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ لَهُمْ وَهُمْ رُكُوعٌ: أَشْهَدُ أَنَّ رسول الله ﷺ قد وَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، فَاسْتَدَارُوا وَهُمْ رُكُوعٌ فَاسْتَقْبَلُوهَا. رواه البخاري. وغيره من حديث أبي إسحق عَنِ الْبَرَاءِ.
وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سَعْدٍ: ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا زُهَيْرٌ، ثَنَا أبو إسحق عَنِ الْبَرَاءِ. الْحَدِيثَ وَفِيهِ: وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلاةٍ صَلَّاهَا الْعَصْرَ، وَصَلَّاهَا مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّاهَا [٢] مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ، لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يُحَوَّلَ قِبَلَ الْبَيْتِ، وكانت اليهود قد أعجبهم، إذا كَانَ يُصَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَهْل الْكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ [٣] وَفِيهِ: أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ قِبَلَ الْبَيْتِ رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى:
стр. 265
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ [١] وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ صَلاةَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ كَانَتْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَنَّ تَحْوِيلَ الْقِبْلَةِ إِلَى الْكَعْبَةِ كَانَ بِهَا، وَاخْتَلَفُوا: كَمْ أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ؟ وَفِي أَيِّ صَلاةٍ كَانَ التَّحْوِيلُ؟ وَفِي صَلاتِهِ ﵇ قَبْلَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ كَيْفَ كَانَتْ؟ فَأَمَّا مُدَّةُ صَلاةِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالْمَدِينَةِ فَقَدْ رُوِّينَاهُ أَنَّهُ كَانَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ ثَمَانِيَةَ عشر شهرا، وروينا بضعة عشر شهرا.
قَالَ الْحَرْبِيُّ: ثُمَّ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ فِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ، فَصَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ تَمَامَ السَّنَةِ، وَصَلَّى مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ حُوِّلَتِ الْقِبْلَةُ في رجب. وكذلك روينا عن ابن إسحق قَالَ: وَلَمَّا صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ عَنِ الشَّامِ إِلَى الْكَعْبَةِ وَصُرِفَتْ فِي رَجَبٍ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ، وَسَنَذْكُرُهُ بَعْدَ تَمَامِ هَذَا الْكَلامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ إِنَّ الْقِبْلَةَ صُرِفَتْ فِي جُمَادَى.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُ: إِنَّمَا صُرِفَتْ صَلاةُ الظُّهْرِ يَوْمَ الثُّلاثَاءِ فِي النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، كَذَا وَجَدْتُهُ عَنْ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ،
وَالَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنِ الْوَاقِدِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سَعْدٍ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: [٢] وَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَخْنَسِيِّ وَعَنْ غَيْرِهِمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، صَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، وكان يجب أَنْ يُصْرَفَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: «يَا جِبْرِيلُ، وَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ صَرَفَ وَجْهِي عَنْ قِبْلَةِ يَهُودَ» فَقَالَ جِبْرِيلُ: إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَادْعُ رَبَّكَ وَسَلْهُ، وَجَعَلَ إِذَا صَلَّى إِلَى بَيْتِ المقدس يرفع رأسه إلى السماء، فنزلت [عليه] [٣] قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [٤] فَوُجِّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، إِلَى الْمِيزَابِ،
وَيُقَالُ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ من الظهر في مسجده
стр. 266
بِالْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يُوَجِّهَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَاسْتَدَارَ إِلَيْهِ وَدَارَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَيُقَالُ: بَلْ زَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ فِي بَنِي سَلَمَةَ، فَصَنَعَتْ لَهُ طَعَامًا، وَحَانَتِ الظهر، فصلى رسول الله ﷺ بِأَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يُوَجِّهَ إلى الكعبة [فاستدار إلى الكعبة واستقبله] [١] الْمِيزَابَ، فَسُمِّيَ الْمَسْجِدُ: مَسْجِدَ الْقِبْلَتَيْنِ، وَذَلِكَ يَوْمَ الإثنين للنصف مِنْ رَجَبٍ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا. وَفَرْضُ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي شَعْبَانَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا. قَالَ مُحَمَّد بْنُ عُمَرَ: وَهَذَا الثَّبْتُ عِنْدَنَا [٢] .
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الصَّحِيحُ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ المسيب وابن إسحق. وَقَدْ رُوِيَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَرُوِيَ بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وَرُوِيَ بَعْدَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلا، وَأَمَّا الصَّلاةُ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا تَحْوِيلُ الْقِبْلَةِ فَفِي خَبَرِ الْوَاقِدِيِّ، هَذَا أَنَّهَا الظُّهْر، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ قَبْلَ هَذَا أَنَّهَا الْعَصْرُ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ ابْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: أَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَنَزَلَ: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَرَّ رَجُلٌ بِقَوْمٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ وَهُمْ ركوع في صلاة الفجر [وقد صلي ركعة] [٣] فَنَادَى: أَلَا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَمَالُوا إِلَى الْكَعْبَةِ [٤] . وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، ثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، ثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلاقَةَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ أَوْسٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: صَلَّيْنَا إِحْدَى صَلاتَيِ الْعَشِيِّ، فَقَامَ رَجُلٌ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ وَنَحْنُ فِي الصَّلاةِ فَنَادَى: إِنَّ الصَّلاةَ قد وجهت نحو الكعبة [فتحول أبو انحرف] [٥] إمامنا نحو الكعبة والنساء والصبيان [٦] . وَلَيْسَ فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ مَا يُعَارِضُ مَا قبلهما لأن بلوغ التحويل غير التحويل.
стр. 267
وَقُرِئَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْفَتْحِ بْنِ وَثَّابٍ الصُّورِيِّ وَأَنَا أَسْمَعُ: أَخْبَرَكُمُ الشيخان أبو مسلم المؤيد بن عبد الرحيم بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الأُخْوَةِ الْبَغْدَادِيُّ نَزِيلُ أَصْبَهَانَ، وَأَبُو الْمَجْدِ زَاهِرُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الثَّقَفِيُّ الأَصْبَهَانِيُّ إِجَازَةً، قَالَ الأَوَّلُ:
أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ سَعِيدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ الصَّيْرَفِيُّ، وَقَالَ الثَّانِي: أَنَا أَبُو الْوَفَاءِ مَنْصُورُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالا: أَنَا أَبُو الطَّيِّبِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُوسَى بْنِ شمة قال: أنا بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْعَبَّاسِ الْمَقَانِعِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ظُهَيْرٍ قَالَ: وَثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانُوا يُصَلُّونَ الصُّبْحَ فَانْحَرَفُوا وَهُمْ رُكُوعٌ.
وَأَمَّا كَيْفَ كَانَتْ صَلاتُهُ ﷺ قَبْلَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ؟ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: كَانَتْ صَلاتُهُ ﷺ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ حِينِ فُرِضَتِ الصَّلاةُ بِمَكَّةَ إِلَى أَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ ثُمَّ بِالْمَدِينَةِ إِلَى وَقْتِ التَّحْوِيلِ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُقْرِئِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ آنِفًا قَالَ: ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْعَبَّاسِ الْمَقَانِعِيُّ. عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ظُهَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي كِتَابِ (النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ) لَهُ قَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى:
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها [١] قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوَّلُ مَا نَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْقُرْآنِ حَدِيثَ الْقِبْلَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ ﵎ فَرَضَ عَلَى رَسُولِهِ الصَّلاةَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْعِشَاءَ وَالْغَدَاةَ، وَالْمَغْرِبَ ثَلاثًا، فَكَانَ يُصَلِّي إِلَى الْكَعْبَةِ وَوَجْهُهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: ثُمَّ زِيدَ فِي الصَّلاةِ بِالْمَدِينَةِ حِينَ صَرَفَهُ اللَّهُ إِلَى الْكَعْبَةِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْمَغْرِبَ فَتُرِكَتْ كَمَا هي، قال: وكان رسول الله ﷺ وَأَصْحَابُهُ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَفِيهِ قَالَ: فَصَلَّاهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ سَنَةً حَتَّى هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، قال: وكان رسول الله ﷺ يُعْجِبُهُ أَنْ يُصَلِّيَ قِبَلَ الْكَعْبَةِ، لأَنَّهَا قِبْلَةُ آبَائِهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ، قَالَ: وَصَلَّاهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ حَتَّى هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَبَعْدَ مَا هَاجَرَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ،
قَالَ: وَكَانَ رسول الله ﷺ إذا صَلَّى رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَنْتَظِرُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَصْرِفَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ،
قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجِبْرِيلَ عليهما
стр. 268
السَّلامُ: «وَدِدْتُ أَنَّكَ سَأَلْتَ اللَّهَ أَنْ يَصْرِفَنِي إِلَى الْكَعْبَةِ» فَقَالَ جِبْرِيلُ: لَسْتُ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَبْتَدِئَ اللَّهَ جَلَّ وَعَلا بِالْمَسْأَلَةِ وَلَكِنْ إِنْ سألتني أَخْبَرْتُهُ، قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَلِّبُ وَجْهَهُ فِي السَّمَاءِ يَنْتَظِرُ جِبْرِيلَ يُنَزَّلُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ وَقَدْ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُمْ رُكُوعٌ، فَصَرَفَ اللَّهُ الْقِبْلَةَ إِلَى الْكَعْبَةِ.
الْحَدِيثَ، وَفِيهَ: فَلَمَّا صَرَفَ اللَّهُ الْقِبْلَةَ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: مَا وَلَّاهُمْ عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ وَقَالَ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ: فَكَيْفَ بِصَلاتِنَا الَّتِي صَلَّيْنَا نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَكَيْفَ بِمَنْ مَاتَ مِنْ إِخْوَانِنَا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ تَقُولُ قَبِلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْهُمْ أَمْ لا، وَقَالَ نَاسٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، كَانَ ذَلِكَ طَاعَةً، وَهَذَا طَاعَةً، نَفْعَلُ مَا أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ ، وَقَالَتِ الْيَهُودُ: اشْتَاقَ إِلَى بَلَدِ أَبِيهِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُرْضِيَ قَوْمَهُ، وَلَوْ ثَبَتَ عَلَى قِبْلَتِنَا لَرَجَوْنَا أَنْ يَكُونَ هُوَ النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ أَنْ يَأْتِيَ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ: تَحَيَّرَ عَلَى مُحَمَّد دِينُهُ فَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَكُمْ، وَعَلِمَ أَنَّكُمْ أَهْدَى مِنْهُ، وَيُوشِكُ أَنْ يَدْخُلَ فِي دِينِكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ الفرق كلها، فَأَنْزَلَ فِي الْمُنَافِقِينَ: مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ إِلَى دِينِ الإِسْلامِ وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [١] إِلَى آخِرِ الآيَةِ، وَأَنْزَلَ فِي الْمُؤْمِنِينَ: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ [٢] يَقُولُ: إِلَّا لِنَبْتَلِيَ بِهَا وَإِنَّمَا كَانَ قِبْلَتُكَ الَّتِي تُبْعَثُ بِهَا إِلَى الْكَعْبَةِ ثُمَّ تَلا: وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ [٣] قال:
من اليقين، قال المؤمنين: كَانَتِ الْقِبْلَةُ الأُولَى طَاعَةً، وَهَذِهِ طَاعَة، فَقَالَ اللَّهُ :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [٤] قَالَ: صَلاتَكُمْ، لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ مُطِيعِينَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ
قَالَ لرَسُول اللَّهِ ﷺ : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ.
يَقُولُ تَنْتَظِرُ جِبْرِيلَ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْكَ: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها [٥] يَقُولُ تُحِبُّهَا، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
стр. 269
[١] نحو الكعبة وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [٢] أَيْ إِنَّكَ تُبْعَثُ بِالصَّلاةِ إِلَى الْكَعْبَةِ. وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْيَهُودِ: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ قل: لَئِنْ جِئْتَهُمْ بِكُلِّ آيَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الْقِبْلَةِ أَنَّهَا إِلَى الْكَعْبَةِ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ، قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [٣] قَالَ: يَعْرِفُونَ أَنَّ قِبْلَةَ النَّبِيِّ الَّذِي يُبْعَثُ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ ﵉ قِبَلَ الْكَعْبَةِ، كَذَلِكَ هُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ، وَهُمْ يَعْرِفُونَهُ بِذَلِكَ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ، وَهُمْ يَكْتُمُونَ ذَلِكَ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [٤] يَقُولُ: مِنَ الشَّاكِّينَ، قَالَ: ثُمَّ أَنْزَلَ فِي قُرَيْشٍ وَمَا قَالُوا، فَقَالَ: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ [٥] قَالَ: لِكَيْلا يَكُون لأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [٦] يَعْنِي: قُرَيْشًا، وَذَلِكَ قَوْلُ قُرَيْشٍ قَدْ عَرَفَ مُحَمَّد أَنَّكْمُ أَهْدَى مِنْهُ فَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَكُمْ، ثُمَّ قال: فَلا تَخْشَوْهُمْ قَالَ: فَحِينَ قَالُوا: يُوشِكُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى دِينِكُمْ يَقُولُ: لا تَخْشُوا أَنْ أَرُدَّكُمْ فِي دينهم قال: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ [٧] أَيْ أُظْهِرُ دِينَكُمْ عَلَى الأَدْيَانِ كُلِّهَا. كُلُّ هَذَا عَنِ السُّدِّيِّ مِنْ كِتَابِهِ فِي (النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخ) وَهُوَ يَرْوِي لَنَا بِالإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ يَرْوِي عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ يَتَخَلَّلُ سِيَاقَ خَبَرِهِ فَوَائد عَنْ بَعْضِ رُوَاةِ الْكِتَابِ ثُمَّ يَقُولُ جَامِعُهُ عِنْدَ انْقِضَائِهَا وَعَودة إِلَى الأَوَّلِ: رَجع إِلَى السُّدِّيِّ: ثُمَّ يَقُولُ عَنْهُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، كَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَذَا، فِي أَخْبَارٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَغَايِرَةٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَيُحْتَمَلُ الانْقِطَاعُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي خَبَرٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَقْرَبَ إِلَى الاتِّصَالِ، وَالسُّدِّيُّ هَذَا هُوَ الْكَبِيرُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، يَرْوِي عَنْ أَنَسٍ وَعَبْدِ خَيْرٍ رَوَى عَنْهُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَزَائِدَةُ، وَكَانَ يَجْلِسُ بِالْمَدِينَةِ فِي مَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: السُّدّ، فنسب إليه،
стр. 270
احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ، وَوَثَّقَهُ بَعْضُهُمْ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ آخرون. والسدي الصعير هُوَ مُحَمَّد بْنُ مَرْوَانَ الْمَذْكُورُ فِي الإِسْنَادِ إِلَيْهِ مُضَعَّفٌ عِنْدَهُمْ، وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّهُ ﵇ صَلَّى أَوَّلَ مَا صَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ صُرِفَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
قَال أَبُو عُمَرَ: ذَكَرَ سُنَيْدٌ عَنْ حَجَّاجٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ أَوَّلَ مَا صَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ صُرِفَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَصَلَّتِ الأَنْصَارُ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ قُدُومِهِ ﵇ بِثَلاثٍ، وَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ قُدُومِهِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ وَجَّهَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْكَعْبَةِ: وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَزَعَمَ نَاسٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ يَسْجُدُ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَيَجْعَلُ وَرَاءَ ظَهْرَهُ الْكَعْبَةَ وَهُوَ بِمَكَّةَ، وَيَزْعُمُ نَاسٌ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةَ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ اسْتَقْبَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَأَحْسَنُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ ﵇ كَانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَتَيْنِ، يَجْعَلُ الْكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَقَدْ رُوِّينَا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَرَأْتُ عَلَى الإِمَامِ الزَّاهِدِ أَبِي إسحق إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَضْلِ بْنِ الْوَاسِطِيِّ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ: أَخْبَرَكُمُ الشَّيْخُ أَبُو الْبَرَكَاتِ دَاوُدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُلاعِبٍ الْبَغْدَادِيُّ، وَأَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ السَّلامِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَكْرَانَ بْنِ الزَّاهِرِيِّ سَمَاعًا عَلَيْهِمَا، الأَوَّلُ بِالشَّامِ، وَالثَّانِي بِالْعِرَاقِ قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ الْبُسْرِيِّ بْنِ الزَّاغُونِيِّ- زَادَ ابْنُ مُلاعِبٍ: وَأَبُو مَنْصُورٍ أنوشتَكِينُ بْنُ عبد الله الضرواني- قَالَ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بن محمد بن البسري- وقال ابن الزغواني- أَنَا الشَّرِيفُ أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّيْنَبِيُّ قَالا: أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْمُخَلِّصُ، ثَنَا يَحْيَى، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى الأَرُزِّيُّ أَبُو عَلِيٍّ بِالْبَصْرَةِ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ (يَعْنِي الأَعْمَشَ) عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ بِمَكَّةَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْكَعْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبَعْدَ مَا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صُرِفَ إِلَى الْكَعْبَةِ.
وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، ثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: مَا خَالَفَ نَبِيٌّ نَبِيًّا قَطُّ فِي قِبْلَةٍ وَلا فِي سُنَّةٍ، إِلَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 271
اسْتَقْبَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ مِنْ حِينِ قَدِمَ الْمَدِينَةَ سنة عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ قَرَأَ: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً [١] [٢] .
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا سَلَفَ حَدِيثَ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ وَتَوَجُّهُهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ يَوْمَئِذٍ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَلَمَّا كَانَ ﷺ يَتَحَرَّى الْقِبْلَتَيْنِ جَمِيعًا لَمْ يَتَبَيَّنْ تَوَجُّهُهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِلنَّاسِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ.
قَالَ السهيلي: وكرر البارئ الأَمْرَ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ فِي ثَلاثِ آيَاتٍ، لأَنَ الْمُنْكِرِينَ لِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ كَانُوا ثَلاثَةَ أَصْنَافٍ: الْيَهُودَ، لأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِالنَّسْخِ فِي أَصْلِ مَذْهَبِهِمْ، وَأَهْلُ الرِّيبِ وَالنِّفَاقِ اشتد إِنْكَارُهُمْ لَهُ لأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ نَسْخٍ نَزَلَ، وَكُفَّارُ قُرَيْشٌ، لأَنَّهُمْ قَالُوا: نَدِمَ مُحَمَّدٌ عَلَى فِرَاقِ دِينِنَا، وَكَانُوا يَحْتَجُّونَ عَلَيِه فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ يَدْعُونَا إِلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ، وَقَدْ فَارَقَ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ، وَآثَرَ عَلَيْهَا قِبْلَةَ الْيَهُودِ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُ حِينَ أَمَرَهُ بِالصَّلاةِ إِلَى الْكَعْبَةِ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [٣] عَلَى الاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، أَيْ: لَكِنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا منه لا يَرْجِعُونَ وَلا يَهْتَدُونَ، وَذَكَرَ الآيَاتِ إِلَى قوله لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [٤] أَيْ: يَكْتُمُونَ مَا عَلِمُوا مِنْ أَنَّ الْكَعْبَةَ هِيَ قِبْلَةُ الأَنْبِيَاءِ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِ (النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ) لَهُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا عَنْبَسَةُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لا يُعَظِّمُ إِيلياءَ [٥] كَمَا يُعَظِّمُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ، قَالَ: فَسِرْتُ مَعَهُ وَهُوَ وَلِي عَهْدٍ، قَالَ: وَمَعَهُ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ سُلَيْمَانُ وَهُوَ جَالِسٌ فِيهَا: وَاللَّهِ إِنَّ فِي هَذِهِ الْقِبْلَةِ الَّتِي صَلَّى إِلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ وَالنَّصَارَى لَعَجَبًا، قَالَ: خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَقْرَأُ الْكِتَابَ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّد ﷺ ، وَأَقْرَأُ التَّوْرَاةَ، فَلَمْ تَجِدْهَا الْيَهُودُ فِي
стр. 272
الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنَّ تَابُوتَ السكينة كان عَلَى الصَّخْرَةِ، فَلَمَّا غَضِبَ اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ رَفَعَهُ، فَكَانَتْ صَلاتُهُمْ إِلَى الصَّخْرَةِ عَلَى مُشَاوَرَةٍ مِنْهُمْ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا: أَنَّ يَهُودِيًّا خَاصَمَ أَبَا الْعَالِيَةِ فِي الْقِبْلَةِ، فَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: إِنَّ مُوسَى ﵇ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَيَسْتَقْبِلُ الْبَيْتَ الْحَرَامِ، فَكَانَتِ الْكَعْبَةُ قِبْلَتَهُ، وَكَانَتِ الصَّخْرَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ الْيَهُودِيُّ: بَيْنِي وَبَيْنَكَ مَسْجِدُ صَالِحٍ النَّبِيِّ ﵇، فقال أبو العالية: فإن صَلَّيْتُ فِي مَسْجِدِ صَالِحٍ، وَقِبْلَتُهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَأَخْبَرَ أَبُو الْعَالِيَةِ أَنَّهُ صَلَّى فِي مَسْجِدِ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَقِبْلَتُهُ إِلَى الْكَعْبَةِ.
قُلْتُ: قَدْ تقدم في حديث البراءة أَنَّ رَجُلا صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ أَتَى قَوْمًا مِنَ الأَنْصَارِ فَأَخْبَرَهُمْ وَهُمْ رُكُوعٌ فَاسْتَدَارُوا، وَلَمْ يُسَمَّ الْمُخْبر فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ، وَالرَّجُلُ هُوَ عَبَّادُ بْنُ نَهِيكِ بْنِ أَسَافٍ الشَّاعِرُ ابن عدي بن زيد بن جشم بن حارية بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرٍو النَّبِيت بْنِ مَالِكِ بْنِ الأَوْسِ، عَمَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ زَمَانًا، وَأَسْلَمَ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ الْغَزْوَ، وَهُوَ الَّذِي صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْقِبْلَتَيْنِ فِي الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَرَكْعَتَيْنِ إِلَى الْكَعْبَةِ يَوْمَ صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ، ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ بَنِي حَارِثَةَ وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلاةِ الْعَصْرِ فَأَخْبَرَهُمْ بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الرَّجُلَ بِذَلِكَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ نَسَبَهُ، إِنَّمَا قَالَ: عَبَّادُ بْنُ نَهِيكٍ فَقَطْ، وَنَسَبَهُ الْخطمِيَّ، فَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئا، فَخَطْمَةُ هُوَ:
عَبْد اللَّهِ بْنُ جُشَمَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الأَوْسِ، لَيْسَ هَذَا مِنْهُ، هَذَا حَارِثِي، وَبَنُو خطمةَ تَأَخَّرَ إسلامهم.
стр. 273
ذكر فرض صيام شهر رمضان وزكاة الْفِطْرِ وَسُنَّةُ الأُضْحِيَةِ
رُوِّينَا عَنِ ابْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: وَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ رُبَيْحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالُوا: نَزَلَ فَرْضُ شَهْرِ رَمَضَانَ بَعْدَ مَا صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ بِشَهْرٍ، فِي شَعْبَانَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مُهَاجِرِ رسول الله ﷺ ، وأمر رسول الله ﷺ في هَذِهِ السَّنَةِ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الزَّكَاةُ فِي الأَمْوَالِ، وَأَنْ تُخَرَّجَ عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعٌ [١] مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ مُدَّانِ مِنْ بُرٍّ، وَكَانَ يَخْطُبُ ﷺ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ فَيَأْمُرُ بِإِخْرَاجِهَا قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ إِلَى الْمُصَلَّى وَقَالَ: «اغْنُوهُمْ- يَعْنِي الْمَسَاكِينَ- عَنْ طَوَافِ هَذَا الْيَوْمِ» وَكان يُقَسِّمُهَا إِذَا رَجَعَ، وصلى رسول الله ﷺ صَلاةَ الْعِيدِ يَوْمَ الْفِطْرِ بِالْمُصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَصَلَّى الْعِيدَ يَوْمَ الأَضْحَى، وَأَمَرَ بِالأُضْحِيَةِ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ يُضَحِّي فِي كُلِّ عَامٍ، قَالُوا: وَكَانَ يُصَلِّي الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ، وَكَانَ يَجْعَلُ الْعَنَزَةَ [٢] بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانَتِ الْعَنَزَةُ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ قَدِمَ بِهَا مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَأَخَذَهَا مِنْهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، قَالُوا: وَكَانَ رسول الله ﷺ إذا
стр. 274
صَلَّى اشْتَرَى كَبْشَيْنِ سَمِينَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ [١] ، فَإِذَا صَلَّى وَخَطَبَ يُؤْتَى بِأَحَدِهِمَا وَهُوَ قَائِمٌ فِي مُصَلاهُ فَيَذْبَحُهُ بِيَدِهِ بِالْمُدْيَةِ ثُمَّ يَقُولُ: «هَذَا عن أمتي جميعا، من شهد ذلك بِالتَّوْحِيدِ وَشَهِدَ لِي بِالْبَلاغِ» ثُمَّ يُؤْتَى بِالآخَرِ فَيَذْبَحُهُ هُوَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ يَقُولُ: «هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ» فَيَأْكُلُ هُوَ وَأَهْلُهُ مِنْهُ، وَيُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ، فَكَانَ يَذْبَحُ عِنْدَ طَرَفِ الزُّقَاقِ عِنْدَ دَارِ مُعَاوِيَةَ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عمر: وكذلك تصنع الأئمة عندنا بالمدينة.
стр. 275
ذكر المنبر وحنين الجذع
قرأت على الشيخة الأصلية أُمِّ مُحَمَّدٍ مُؤْنِسَةِ خَاتُونَ، بِنْتِ السُّلْطَانِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ سَيْفِ الدِّينِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ بِالْقَاهِرَةِ، قُلْتُ: لَهَا أَخْبَرَتْكِ الشَّيْخَةُ أُمُّ هَانِئٍ عَفِيفَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارْقَانِيَّةُ إِجَازَةً فَأَقَرَّتْ بِهِ قَالَتْ: أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الصَّبَّاغُ قَالَ: أَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، ثَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ الصَّوَّافِ، ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا الْمُعَلَّى بْنُ هِلالٍ عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ لِي رسول الله ﷺ : «أن قَوَائِمَ مِنْبَرِي هَذَا رَوَاتِبُ فِي الْجَنَّةِ» قَالَ: وَكَانَتْ أَسَاطِينُ الْمَسْجِدِ مِنْ دَوْمٍ [١] وَظِلالُهُ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، وَكَانَتِ الأُسْطُوَانَةُ تَلِي الْمِنْبَرَ عَنْ يَسَارِ الْمِنْبَرِ إِذَا اسْتَقْبَلَتْهُ دَوْمَةٌ، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ قبل أن يصنع المنبر. فَأَوَّلُ يَوْمٍ وُضِعَ الْمِنْبَرُ اسْتَوَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَاعِدًا فِي السَّاعَةِ الَّتِي كَانَ يَسْتَنِدُ فِيهَا إِلَى الأُسْطُوَانَةِ، ففقدته الأسطوانة فجارت جواز الثَّوْرِ، أَوْ خَارَتْ خُوَارَ الثَّوْرِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَتَاهَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَقَالَ لَهَا: «اسْكُنِي» أَوِ «اسْكُتِي» ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى مِنْبَرِهِ.
وَقَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيِّ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ وأخبركم أَبُو الْعَبَّاسِ الْخَضِرُ بْنُ كَامِلِ بْنِ سَالِمِ بْنِ سُبَيْعٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ سَنَةَ ست أو سبع وستمائة، وَأَبُو الْيُمْنِ زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ الْكِنْدِيُّ إِجَازَةً إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمَاعًا، قَالَ الأَوَّلُ: أَنَا أبو الدر ياقوت بن عبد الله الرومي، وَقَالَ الثَّانِي: أَنَا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ محمد بن
стр. 276
الْبَيْضَاوِيُّ قَالا: أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بن محمد بن هزازمرد، (ح) وقرأت على أبي النور إسماعيل بن نور بْنِ قَمَرٍ الْهِيتِيِّ: أَخْبَرَكُمُ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ موسى بن الشيخ عبد القادر الجبلي قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنْتَ تَسْمَعُ فَأَقَرَّ بِهِ
قَالَ: أنا أبو القاسم سعيد بن أحمد بن الْحَسَنِ بْنِ الْبَنَّاءِ قَالَ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبُسْرِيِّ قَالا: أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْمُخَلِّصُ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ (يَعْنِي الْبَغَوِيَّ) ثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، ثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، ثَنَا الْحَسَنُ عَنْ أَنَسِ بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى جَنْبِ خَشَبَةٍ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَيْهَا، فَلَمَّا كَثُرَ الناس قال: «أنبوا لي منبرا» قال: فبنوا له منبرا لَهُ عَتَبَتَانِ، فَلَمَّا قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ حَنَّتِ الْخَشَبَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ أَنَسٌ: وَأَنَا فِي الْمَسْجِدِ، فَسَمِعْتُ الْخَشَبَةَ تَحِنُّ حَنِينَ الْوَالِهِ، فَمَا زَالَتْ تَحِنُّ حَتَّى نَزَلَ إِلَيْهَا فَاحْتَضَنَهَا فَسَكَنَتْ،
فَكَانَ الْحَسَنُ إِذَا حُدِّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَكَى ثُمَّ قَالَ: يَا عِبَادَ اللَّهِ الْخَشَبَةُ تَحِنُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَوْقًا إِلَيْهِ لِمَكَانِهِ مِنَ اللَّهِ ، فَأَنْتُمْ أَحَقُّ أَنْ تَشْتَاقُوا إِلَى لِقَائِهِ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: رَوَاهُ مِنَ الصَّحَابَةِ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْهُمْ، أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَبُرَيْدَةُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، وَالْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ، كُلُّهُمْ يُحَدِّثُ بِمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَحَدِيثُ أَنَسٍ صَحِيحٌ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ: فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ سَمِعْنَا لِذَلِكَ الْجِذْعِ صَوْتًا كَصَوْتِ الْعِشَارِ، وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ: حَتَّى ارْتَجَّ الْمَسْجِدُ بِخُوَارِهِ، وَفِي رِوَايَةِ سَهْلٍ: وَكَثُرَ بُكَاءُ النَّاسِ لِمَا رَأَوْا فِيهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُطَّلِبِ: حَتَّى تَصَدَّعَ وَانْشَقَّ، حَتَّى جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ فَسَكَتَ، زَادَ غَيْرُهُ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ هَذَا بَكَى لِمَا فَقَدَ مِنَ الذِّكْرِ» ، وَزَادَ غَيْرُهُ، «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمِ الْتَزِمْهُ لَمْ يَزَلْ هَكَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» تَحَزُّنًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَمَرَ بِهِ فَدُفِنَ تَحْتَ الْمِنْبَرِ. وَفِي حَدِيثِ أُبَيٍّ أَنَّهُ أَخَذَهُ أُبَيٌّ فَكَانَ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ أَكَلَتْهُ الأَرَض وَعَادَ رُفَاتًا، وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ فَقَالَ (يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ : «إِنْ شِئْتَ أدرك إِلَى الْحَائِطِ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ تَنْبُتُ لَكَ عُرُوقُكَ وَيُكْمَلُ خَلْقُكَ وَيُجَدَّدُ لَكَ خُوصٌ وَثَمَرَةٌ، وَإِنْ شِئْتَ أَغْرِسُكَ فِي الْجَنَّةِ فَيَأْكُلُ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ مِنْ ثَمَرِكَ» ثُمَّ أَصْغَى لَهُ ﵇ يَسْتَمِعُ مَا يَقُولُ فَقَالَ: بَلْ تَغْرِسُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَسَمِعَهُ مَنْ يَلِيهِ، فَقَالَ ﵇: «قَدْ فَعَلْتُ» .
وأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ يُوسُفَ الْمَوْصِلِيُّ بِقِرَاءَةِ وَالِدِي عَلَيْهِ قَالَ: أَنَا ابن طبرزذ
стр. 277
قَالَ: أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: أَنَا الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: أَنَا ابْنُ الشِّخِّيرِ، ثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانٍ، ثَنَا أبو القاسم بن أَبِي الزِّنَادِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَرْدَانَ قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدِ بْنَ الْمُعَلَّى يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» . وَرُوِّينَاهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَفِيهِ: «وَإِنَّ مِنْبَرِي عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ ترع الجنة» .
стр. 278
غَزْوَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى
وَكَانَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَبِيحَةَ سبع عشر من رمضان قال ابن إسحق: ثم إن رسول الله ﷺ سَمِعَ بِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ مُقْبِلا مِنَ الشَّامِ فِي عِيرٍ لِقُرَيْشٍ عَظِيمَةٍ، فِيهَا أموال لقريش وتجارة من [تجاراتهم] [١] ، وَفِيهَا ثَلاثُونَ رَجُلا مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ أَرْبَعُونَ، مِنْهُمْ: مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَقَالَ ابْنُ عُقْبَةَ: وَابْنُ عَائِذٍ فِي أَصْحَابِ أَبِي سُفْيَانَ، هُمْ سَبْعُونَ رَجُلا، وَكَانَتْ عِيرُهُمْ أَلْفَ بَعِيرٍ، وَلَمْ يَكُنْ لِحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى فِيهَا شَيْءٌ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهُمْ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: هِيَ الْعِيرُ الَّتِي خَرَجَ لها حتى بلغ ذا العشيرة [٢] ، تَحِينُ قُفُولُهَا مِنَ الشَّامِ [٣] ، فَبَعَثَ طَلْحَةَ بْن عُبَيْد اللَّهِ التَّيْمِيّ، وَسَعِيد بْن زَيْد بْن عمرو بن نفيل يتحسسان [٤] خبر العير، [٥]
قال ابن إسحق: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ وَعَاصِمُ بْنُ عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بَكْرٍ وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَائِنَا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، كُلٌّ قَدْ حَدَّثَنِي بَعْضَ الْحَدِيثِ، فَاجْتَمَعَ حَدِيثُهُمْ فِيمَا سُقْتُ مِنْ حَدِيثِ بَدْرٍ، قَالُوا: لَمَّا سمع رسول الله ﷺ أبي سُفْيَانَ مُقْبِلا مِنَ الشَّامِ، نَدَبَ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِمْ وقال: «هذه عير قرش، فِيهَا أَمْوَالُهُمْ، فَاخْرُجُوا إِلَيْهَا، لَعَلَّ اللَّهَ يُنَفِّلُكُمُوهَا» ، فَانْتَدَبَ النَّاسُ: فَخَفَّ بَعْضُهُمْ وَثَقُلَ بَعْضُهُمْ،
وَذَلِكَ أنهم لم
стр. 279
يَظُنُّوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْقَى حَرْبًا. وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ دنا من الحجاز يتحسس [١] الأَخْبَارَ، وَيَسْأَلُ مَنْ لَقِيَ مِنَ الرُّكْبَانِ تَخَوُّفًا [على] [٢] أَمْرِ النَّاسِ، حَتَّى أَصَابَ خَبَرًا مِنْ بَعْضِ الرُّكْبَانِ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدِ اسْتَنْفَرَ أَصْحَابَهُ لَكَ وَلِعِيرِكَ، فَحَذِرَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَاسْتَأْجَرَ ضَمْضَمَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيَّ فَبَعَثَهُ إِلَى مَكَّةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ قُرَيْشًا فَيَسْتَنْفِرَهُمْ إِلَى أَمْوَالِهِمْ وَيُخْبِرَهُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ عَرَضَ لَهَا فِي أَصْحَابِهِ، فَخَرَجَ ضَمْضَمُ بْنُ عَمْرٍو سَرِيعًا إِلَى مَكَّةَ. [٣]
وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: فَخَرَجَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ سِرَاعًا، وَمَعَهُمُ الْقِيَانُ وَالدُّفُوفُ، وَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ بِالْعِيرِ، وَقَدْ خَافُوا خَوْفًا شَدِيدًا حِينَ دَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ، وَاسْتَبْطَئُوا ضَمْضَمًا وَالنَّفِيرُ حتى [ورد] [٤] بدرا وهو خائف [من الرصد] [٥] فقال لمجدي ابن عَمْرٍو: هَلْ أَحْسَسْتَ أَحَدًا مِنْ عُيُونِ مُحَمَّدٍ [٦] .
قال ابن إسحق: فَأَخْبَرَنِي مَنْ لا أَتَّهِمُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالا: وَقَدْ رَأَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مَكَّةَ بِثَلاثِ لَيَالٍ رُؤْيَا أَفْزَعَتْهَا، فَبَعَثَتْ إِلَى أَخِيهَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَخِي، وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا لقد أفظعتني، وَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى قَوْمِكَ مِنْهَا شَرٌّ ومصيبة، فأكتم عني ما أحدثك [به] [٧] ، فَقَالَ لَهَا: وَمَا رَأَيْتِ؟ قَالَتْ:
رَأَيْتُ رَاكِبًا أَقْبَلَ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ حَتَّى وَقَفَ بِالأَبْطَحِ، ثُمَّ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَلَا انْفِرُوا يَا آلَ غُدَرَ لِمَصَارِعِكُمْ فِي ثَلاثٍ، فَأَرَى النَّاسَ اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنَّاسُ يَتْبَعُونَهُ، فَبَيْنَا هُمْ حَوْلَهُ مَثَلَ بِهِ بَعِيرُهُ [٨] عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ صَرَخَ بِمِثْلِهَا: أَلَا انْفِرُوا يَا آلَ غُدَرَ لِمَصَارِعِكُمْ فِي ثَلاثٍ، ثُمَّ مَثَلَ بِهِ بَعِيرُهُ عَلَى رَأْسِ أَبِي قُبَيْسٍ، فصرخ
стр. 280
بِمِثْلِهَا، ثُمَّ أَخَذَ صَخْرَةً فَأَرْسَلَهَا، فَأَقْبَلَتْ تَهْوِي، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بِأَسْفَلِ الْجَبَلِ ارْفَضَّتْ [١] ، فَمَا بَقِيَ بَيْتٌ مِنْ بُيُوتِ مَكَّةَ وَلا دَارٌ إلا دخلتها [منها] [٢] فلقة، قال العباس: والله إن [هذه] [٣] لرؤيا، وأنت فاكتميها ولا تذكريها [لأحد] [٤] ، ثم خرج العباس فلقي الولد بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَ صَدِيقًا [٥] لَهُ فَذَكَرَهَا لَهُ، وَاسْتَكْتَمَهُ إِيَّاهَا، فَذَكَرَهَا الْوَلِيدُ لأَبِيهِ عتبة، ففشا الحديث [بمكة] [٦] حتى تحدثت به قريش [في أنديتها] [٧] ، قَالَ الْعَبَّاسُ: فَغَدَوْتُ لأَطُوفَ بِالْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فِي رَهْطٍ مِنْ قُرَيْشٍ قُعُودٍ يَتَحَدَّثُونَ بِرُؤْيَا عَاتِكَةَ، فَلَمَّا رَآنِي أَبُو جَهْلٍ قَالَ: يَا أَبَا الْفَضْلِ، إِذَا فَرَغْتَ مِنْ طَوَافِكَ فَأَقْبِلْ إِلَيْنَا، فَلَمَّا فَرَغْتُ أَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَهُمْ، فَقَالَ لِي أَبُو جَهْلٍ: يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: مَتَى حَدَّثَتْ فِيكُمْ هَذِهِ النبية؟ قال: قلت: وما ذاك قال: [تلك] [٨] الرُّؤْيَا الَّتِي رَأَتْ عَاتِكَةُ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: وَمَا رَأَتْ؟ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَمَا رَضِيتُمْ أَنْ تَتَنَبَّأَ رِجَالُكُمْ حَتَّى تَتَنَبَّأَ نِسَاؤُكُمْ، قَدْ زَعَمَتْ عَاتِكَةُ فِي رُؤْيَاهَا أَنَّهُ قَالَ: انْفِرُوا فِي ثَلاثٍ فَسَنَتَرَبَّصُ بِكُمْ هَذِهِ الثَّلاثَ، فَإِنْ يَكُ حَقًّا مَا تَقُولُ فَسَيَكُونُ، وَإِنْ تُقْضَى [٩] الثَّلاثُ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ نَكتب عَلَيْكُمْ كِتَابًا أَنَّكُمْ أَكْذَبُ أَهْلِ بَيْتٍ فِي الْعَرَبِ، قَالَ الْعَبَّاسُ: فَوَاللَّهِ مَا كَانَ مِنِّي إِلَيْهِ كَبِيرٌ، إِلَّا أَنِّي جَحَدْتُ ذَلِكَ، وَأَنْكَرْتُ أَنْ تَكُونَ رَأَتْ شَيْئًا [١٠] .
وَعِنْدَ ابْنِ عُقْبَةَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ لأَبِي جَهْلٍ: هَلْ أَنْتَ مُنْتَهٍ، فَإِنَّ الْكَذِبَ فِيكَ وَفِي أَهْلِ بَيْتِكَ، فَقَالَ مَنْ حَضَرَهُمَا: مَا كُنْتَ يَا أَبَا الْفَضْلِ جَهُولا وَلا خرفا. وكذلك قال ابن عائذ وزاد: فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: مَهْلا يَا مُصَفِّر اسْتَهُ، ولقي
стр. 281
الْعَبَّاسُ مِنْ عَاتِكَةَ أَذًى شَدِيدًا حِينَ أَفْشَى من حديثها.
رجع إلى خبر ابن إسحق: قَالَ: ثُمَّ تَفَرَّقْنَا، فَلَمَّا أَمْسَيْتُ لَمْ تَبْقَ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَّا أَتَتْنِي فَقَالَتْ: أَقْرَرْتُمْ لِهَذَا الْفَاسِقِ الْخَبِيثِ أَنْ يَقَعَ فِي رِجَالِكُمْ، ثُمَّ قَدْ تَنَاوَلَ النِّسَاءَ وَأَنْتَ تَسْمَعُ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عِنْدَكَ غَيْر لِشَيْءٍ مِمَّا سَمِعْتَ! قَالَ: فَقُلْتُ:
قَدْ وَاللَّهِ فَعَلْتُ مَا كَانَ مِنِّي إِلَيْهِ مِنْ كَبِيرٍ، وَايْمُ اللَّهِ لاتَعَرَضَنَّ لَهُ، فَإِنْ عَادَ لأَكْفِيكَنَّهُ، قَالَ: فَغَدَوْتُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ رُؤْيَا عَاتِكَةَ وَأَنَا حَدِيدٌ مُغْضَبٌ، أَرَى أَنِّي قَدْ فَاتَنِي مِنْهُ أَمْرٌ أُحِبُّ أَنْ أُدْرِكَهُ مِنْهُ، قَالَ: فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَرَأَيْتُهُ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَمْشِي نَحْوَهُ أَتَعَرَّضُهُ، لِيَعُودَ لِبَعْضِ مَا قَالَ فَأُوقِعُ بِهِ، وَكَانَ رَجُلا خَفِيفًا، حَدِيدَ الْوَجْهِ، حَدِيدَ اللِّسَانِ، حَدِيدَ النَّظَرِ، قَالَ: إِذْ خَرَجَ نَحْوَ بَابِ المسجد يشتد، قال: قلت في نفسي: ماله لَعَنَهُ اللَّهُ، أَكُلُّ هَذَا فَرْقٌ مِنِّي أَنْ أُشَاتِمَهُ، قَالَ: فَإِذَا هُوَ قَدْ سَمِعَ مَا لَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ ضَمْضَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ وَهُوَ يَصْرُخُ بِبَطْنِ الْوَادِي، وَاقِفًا عَلَى بَعِيرِهِ، قَدْ جَدَعَ بَعِيرَهُ، وَحَوَّلَ رَحْلَهُ، وَشَقَّ قَمِيصَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: اللَّطِيمَةَ اللَّطِيمَةَ، أَمْوَالُكُمْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ قَدْ عَرَضَ لَهَا مُحَمَّدٌ فِي أَصْحَابِهِ، لا أَرَى أَنْ تُدْرِكُوهَا، الْغَوْثَ الْغَوْثَ، قَالَ: فَشَغَلَنِي عَنْهُ وَشَغَلَهُ عَنِّي مَا جَاءَ مِنَ الأَمْرِ، فَتَجَهَّزَ النَّاسُ سِرَاعًا وَقَالُوا: يَظُنُّ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ أَنْ تَكُونَ كَعِيرِ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ كَلَّا وَاللَّهِ لَيَعْلَمُنَّ غَيْرَ ذَلِكَ، فَكَانُوا بَيْنَ رَجُلَيْنِ، إِمَّا خَارِجٌ وَإِمَّا بَاعِثٌ مَكَانَهُ رَجُلا، وَأَوْعَبَتْ قُرَيْشٌ فَلَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْ أَشْرَافِهَا أَحَدٌ، إِلَّا أَنَّ أَبَا لَهَبِ بْنَ عبد المطلب قد تخلف، وبعث مكانه العاصي بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَكَانَ قَدْ لاطَ [١] لَهُ بِأَرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ أفلس بها، فاستأجره بها على أن يجزئ عَنْهُ بَعْثَهُ، فَخَرَجَ عَنْهُ وَتَخَلَّفَ أَبُو لَهَبٍ [٢] .
قَالَ ابْنُ عُقْبَةَ وَابْنُ عَائِذٍ: خَرَجُوا فِي خمسين وتسعمائة مُقَاتِلٍ وَسَاقُوا مِائَةَ فَرَسٍ.
وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عن شيبان، عن أبي إسحق، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا أَسَرَنَا الْقَوْمُ فِي بَدْرٍ قلنا: كم كنتم؟
[قالوا] [٣] : كنا ألفا [٤] .
стр. 282
قال ابن إسحق: وَحَدَّثَنِي عَبْد اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كَانَ أَجْمَعَ الْقُعُود، وَكَانَ شَيْخًا جَلِيلا جَسِيما ثَقِيلا، فَأَتَاهُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ ظَهْرَاني قَوْمِهِ بِمِجْمَرَةٍ يَحْمِلُهَا فِيهَا نَارٌ ومجمرٌ، حَتَّى وَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا عَلِيٍّ اسْتَجْمِرْ، فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنَ النِّسَاءِ، قَالَ: قَبَّحَكَ اللَّهُ وَقَبَّحَ مَا جِئْتَ بِهِ، قَالَ: ثُمَّ تَجَهَّزَ وَخَرَجَ مَعَ النَّاسِ، قِيلَ وَكَانَ سَبَبُ تَثَبُّطِهِ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصحيح من حديثه مع سعيد بْنِ مُعَاذٍ وَأَبِي جَهْلٍ بِمَكَّةَ وَقَوْلُ سَعْدٍ لَهُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّهُ قَاتِلُكَ.
قُلْتُ: الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَرْبَابِ السِّيَرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لأَخِيهِ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ بَحَرْبَتِهِ، وَهَذَا أَيْضًا لا يُنَافِي خَبَرَ سَعْدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ إسحق: ولما فرغوا من جهازهم وأجمعوا [المسير] [١] ذكروا [ما كان] [٢] بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ مِنَ الْحَرْبِ، فَقَالُوا: إِنَّا نَخْشَى أَنْ يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا، فَتَبَدَّى لَهُمْ إِبْلِيسُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جعشمٍ الْكِنَانِيِّ الْمُدْلجِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ بَنِي كِنَانَةَ، فقال [لهم] [٣] : أنا جار لكم أن نأتيكم كِنَانَةُ مِنْ خَلْفِكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَخَرَجُوا سِرَاعًا [٤] .
وَذَكَرَ ابْنُ عُقْبَةَ وَابْنُ عَائِذٍ فِي هَذَا الْخَبَرِ: وَأَقْبَلَ الْمُشْرِكُونَ وَمَعَهُمْ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ يُحَدِّثُهُمْ أَنَّ بَنِي كِنَانَةَ وَرَاءَهُ، وَقَدْ أَقْبَلُوا لِنَصْرِهِمْ، وَأَنَّهُ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ، وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ.
قال ابن إسحق: وعمير بن وهب أو الحرث بْنُ هِشَامٍ كَانَ الَّذِي رَآهُ حِينَ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ عِنْدَ نُزُولِ الْمَلائِكَةِ، وَقَالَ: إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى أَوْرَدَهُمْ ثُمَّ أَسْلَمَهُمْ، فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ حَسَّانٌ:
стр. 283
سِرْنَا وَسَارُوا إِلَى بَدْرٍ لِحَيْنِهِمُ ... لَوْ يَعْلَمُونَ يَقِينَ الْعِلْمِ مَا سَارُوا
دَلَّاهُمْ بِغُرُورٍ ثُمَّ أَسْلَمَهُمْ ... إِنَّ الْخَبِيثَ لِمَنْ وَالاهُ غرَّارُ
فِي أبيات ذكرها.
قال ابن إسحق: وخرج رسول الله ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي لَيَالٍ مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي أَصْحَابِهِ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: لِثَمَانِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْهُ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: يَوْمَ الاثْنَيْنِ لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْهُ بَعْدَ مَا وَجَّهَ طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّهِ وَسَعِيد بْن زَيْدٍ بِعَشْرِ لَيَالٍ، وَضَرَبَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَسْكَرَهُ بِبِئْرِ أَبِي عنَبَةَ وَهِيَ عَلَى مِيلٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَعَرَضَ أصحابه ورد من استصغر وخرج لي ثلاثمائة رَجُلٍ وَخَمْسَةِ نَفَرٍ كَانَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةً وَسِتِّينَ رَجُلا، وَسَائِرُهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ، وَثَمَانِيَة تَخَلَّفُوا لِعُذْرٍ ضَرَبَ لَهُمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِسِهَامِهِمْ وَأُجُورِهِمْ ثَلاثَة مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ خَلَّفَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى ابْنَتِهِ رُقَيَّةَ بِنْتِ رسول الله ﷺ وكانت مَرِيضَةً فَأَقَامَ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَتْ، وَطَلْحَةُ وَسَعِيد بن زيد بعثهما يتحسسان خبر العير، وخمسة من الأنصار: أبو ليابة بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، خَلَّفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَعَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ الْعَجْلانِيُّ، خَلَّفَهُ عَلَى أَهْلِ الْعَالِيَةِ، والحرث بْنُ حَاطِبٍ الْعُمَرِيُّ، رَدَّهُ مِنَ الرَّوْحَاءِ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِشَيْءٍ بَلَغَهُ عَنْهُمْ، والحرث بْنُ الصِّمَّةِ، كُسِرَ مِنَ الرَّوْحَاءِ، وَخَوَّاتُ بْنُ جبير كسر أيضا.
قال ابن إسحق: وَدُفِعَ اللِّوَاءُ إِلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَكَانَ أَبْيَضَ [١] ، وَكَانَ أَمَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ رَايَتَانِ سَوْدَاوَانِ، إِحْدَاهُمَا مَعَ عَلِيِّ بن أبي طالب [يقال لها:
العقاب] [٢] وَالأُخْرَى مَعَ بَعْضِ الأَنْصَارِ.
وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: كَانَ لِوَاءُ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَلِوَاءُ الْخَزْرَجِ مَعَ الْحُبَابِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَلِوَاءُ الأَوْسِ مَعَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، كَذَا قَالَ: وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ كَانَ يَوْمَئِذٍ عَلَى حَرَسِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْعَرِيشِ، وَإِنَّ لِوَاءَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ بِيَدِ عَلِيٍّ.
قُرِئَ عَلَى أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الله بن غدير بعربيل
стр. 284
بِغُوطَةِ دِمَشْقَ وَأَنَا أَسْمَعُ، أَخْبَرَكُمْ أَبُو الْقَاسِمِ عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل بْنِ الْحَرَسْتَانِيِّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنْتَ حَاضِرٌ فِي الرَّابِعَةِ فَأَقَرَّ بِهِ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْمُسْلِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ سَمَاعًا قَالَ: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَدِيدِ قَالَ: أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ الْحُسَيْنِ السِّمْسَارُ قَالَ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمُ الْمُظَفَّرُ بْنُ حَاجِبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الرُّكَيْنِ الْفَرْغَانِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ الدِّمَشْقِيُّ، ثَنَا أَحْمَدُ (يَعْنِي ابْنَ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيَّ) ثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ الْفَزَارِيُّ، ثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَى عَلِيًّا الرَّايَةَ يَوْمَ بَدْرٍ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً.
قال ابن إسحق: وَكَانَتْ إِبِلُ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ بَعِيرًا فَاعْتَقَبُوهَا، فَكَانَ رسول الله ﷺ وعلي بن أبي طالب ومرثد ابن أبي مرثد [الغنوي] [١] يَعْتَقِبُونَ بَعِيرا، وَكَانَ حَمْزَةُ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَأَبُو كَبْشَةَ وَأنسة موليَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْتَقِبُونَ بَعِيرا، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَعْتَقِبُونَ بَعِيرا.
وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا يَوْمَ بَدْرٍ كُلُّ ثَلاثَةٍ عَلَى بَعِيرٍ، وَكَانَ أَبُو لُبَابَةَ وَعَلِيٌّ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَ إِذَا كَانَتْ عُقْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ قَالا: ارْكَبْ حَتَّى نَمْشِيَ عَنْكَ، فَيَقُولُ: «مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي عَلَى الْمَشْيِ [٢] وَمَا أَنَا بِأَغْنَى عَنِ الأَجْرِ مِنْكُمَا» .
انْتَهَى مَا رُوِّينَاهُ عَنِ ابْنِ سَعْدٍ [٣] .
وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ رَجَعَ مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ، وَلَمْ يَصْحَبْهُمْ إِلَى بَدْرٍ، رَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالِيًا عَلَى الْمَدِينَةِ وَقَدْ تقدم.
قال ابن إسحق: وَجَعَلَ عَلَى السَّاقَةِ قَيْسَ بْنَ أَبِي صَعْصَعَةَ أَحَدَ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، فَسَلَكَ طَرِيقَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، [٤] حَتَّى إِذَا كَانَ بِعِرْقِ الظّبيةِ، لقوا رجلا من
стр. 285
الأَعْرَابِ، فَسَأَلُوهُ عَنِ النَّاسِ، فَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَهُ خَبَرًا [١] ، ثُمَّ ارْتَحَلَ حَتَّى أَتَى عَلَى وَادٍ يُقَالُ لَهُ: زفرانُ وَجَذَعَ فِيهِ، ثُمَّ نَزَلَ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ عَنْ قُرَيْشٍ بِمَسِيرِهِمْ لِيَمْنَعُوا عِيرَهُمْ، فَاسْتَشَارَ النَّاسَ وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ قُرَيْشٍ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقَالَ وَاحسن، ثُمَّ قَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ وَاحسن، ثُمَّ قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ امْضِ لِمَا أَمَرَ اللَّهُ، فَنَحْنُ مَعَكَ، وَاللَّهِ لا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ، فَقَاتِلا إِنَّا مَعَكُمَا مقاتلون، فو الذي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ سِرْتَ بِنَا إِلَى بركِ الغماد [٢] لجلدنا مَعَكَ مِنْ دُونِهِ حَتَّى نَبْلُغَهُ،
فَقَالَ لَهُ رسول الله ﷺ خيرا، وَدَعَا لَهُ بِخَيْرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَشِيرُوا عَلَيَّ» ،
فَذَكَرَ ابْنُ عُقْبَةَ وَابْنُ عَائِذٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّهَا قُرَيْشٌ وَعِزُّهَا، وَاللَّهِ مَا ذُلَّتْ مُنْذُ عُزَّتْ، وَلا آمَنَتْ مُنْذُ كَفَرَتٍ، وَاللَّهِ لَتُقَاتِلَنَّكَ فَاتَّهِبْ لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ، وَأَعْدِدْ لذلك عدته.
رجع إلى خبر ابن إسحق: قال: وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ حِينَ بَايَعُوهُ بِالْعَقَبَةِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا بُرَآءٌ مِنْ ذِمَامِكَ حَتَّى تَصِلَ إِلَى دِيَارِنَا، فَإِذَا وَصَلْنَا إِلَيْهَا [٣] فَأَنْتَ فِي ذِمَّتِنَا، نَمْنَعُكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا، فَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَتَخَوَّفُ أَنْ لا تَكُونَ الأَنْصَارُ تَرَى عَلَيْهَا نَصْرَهُ إِلَّا مِمَّنْ دَهمَهُ بِالْمَدِينَةِ مِنْ
следующие страницы →