← Сира

Сира · id 23654

غزوات النبي

السيد الجميلى

Полный текст (145 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[المدخل] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ فصلت ٣ ٣

стр. 2

إهداء إلى أبي بعد أبي، وأستاذي فوق أستاذتي، مؤرخ الإسلام البحاثة الكبير الذي أعطاني دائما، ولم يأخذ أبدا ... الذي طالما غمرني ببره ولطفه وحدبه، أبا وأستاذا وعالما موسوعيا. أسأل الله تعالى أن يتولى عني مكافأته وجزاءه لقاء ما أعطى وبذل، وكفاء ما قدم في إخلاص وجد متصل ... إلى الفهامة العملاق الأستاذ الدكتور حسين مؤنس تحية تقدير وعرفان وشكر وامتنان، أدام الله بقاءك لابنك وتلميذك المخلص حتى آخر العمر: السيد الجميلي

стр. 3

ملحوظة لا بد منها الخرائط الواردة بهذا الكتاب مقتبسة فكرتها من «أطلس تاريخ الإسلام» «١» الذي أهداني أستاذي الدكتور حسين مؤنس نسخة منه، مع بعض التصرف وكثير من الاختصار، ولذلك وجب التنويه. السيد الجميلي

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، أما بعد ... فإن الله تعالى لما أراد أن يخلّص البشرية وينقذها من غياهب الشرك والكفر والضلال ليخرجها من الظلمات إلى النور- أرسل رسوله محمدا ﷺ داعيا إليه مبشرا ونذيرا، مبشرا بجنات ورضوان، وروح وريحان، ونذيرا من عذاب جهنم وبئس المصير. جاء ﷺ لينصر الحق، وليبطل الباطل ليخرج الناس من ذل المعصية، وحمأة الشك والارتياب إلى عز الطاعة، ونور اليقين والتوحيد. وكان أمرا محتوما وبدهيا أن يكون نداء الخير مرفوضا معدولا عنه، من أولئك المنتفعين من الوثنية الصارخة فانبروا إليها شرسين أقوياء، لا لشيء إلا لأن الإسلام ضرب وثنيتهم من مقتل، فزلزل أوضاعهم، وقلب أحوالهم، وكشف عوارهم، وأبان فساد شركهم وكفرهم، وأزال دولتهم لذلك فقد استشعروا لأول وهلة خطورة

стр. 5

هذا الدين، لأن الباطل دائما يخشى أن يفوته نعيم الدنيا الزائف لأن في الباطل والفساد ترتع الأهواء والنزوات، فإذا ما انجلى الريب، وزال الشك، وانحسرت غيوم الفساد والتردي انقلبت أوضاع أهل الضلال لينقلبوا صاغرين مدحورين، مغلولين ... لذلك فقد وقف المعاندون صفا كثيفا ضد الإسلام وانبروا له واهمين أنهم في مقدورهم ان ينالوا منه شيئا وخاب ظنهم، وتشعب صدعهم، وتفرقت قواهم، فقد قلّم الإسلام أظفارهم، ونحت أثلتهم، وأباد خضراءهم، واستأصل شأفتهم وقص صاجهم فدلكت شمس غرورهم، وشتت الله شملهم وأبادهم أيادي سبأ، وقد أتى الإسلام بنيانهم من القواعد. كان رجال الإسلام ليوث غاب، وأسود شرى، لا تنبو سيوفهم عن ضريبة، ولا تكل لهم عزيمة، ولم تفتر لهم همة رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. قال تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ «١» وهذه دعوة صريحة، وأمر مباشر للقتال في سبيل الله. ومهما لاقى المسلم في سبيل الجهاد في سبيل الله فإن عليه ألايهون، وأن لا يحزن، وألايستسلم، لأنه موعود بنصر الله، فهو ظافر رابح غانم على كل حال فإن هو استشهد فاز بجنات النعيم، وإن صبر على حر اللقاء والطعان والضراب كان منصورا بعون الله وتمكينه. قال تعالى: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «٢» ثم يقول: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ «٣» . لكن ولماذا الجهاد والغزو، والحرب وما فيها من هلاك ودمار وإتيان على

стр. 6

الأنفس والأرواح؟؟ وكان في الامكان أن ينصر الله تعالى رجاله المسلمين وهم قاعدون من غير مشقة ولا مناوأة مع أعداء الله ... لكن هناك حكمة في ذلك وهي الإبتلاء والتمحيص والاختبار حتى يعلم الله المجاهدين والصابرين من غير المجاهدين وغير الصابرين، فتكون الجنة ونعيمها مال الأولين، والنار وسعيرها مصير المقصرين. قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ «١» . وقال أيضا: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ «٢» . ثم إن قتال المشركين فيه حسم وقطع لدابر الفتنة. قال تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ «٣» . ومن ثم فإن الأمر واضح وصريح في مجاهدة الكفار والتشديد عليهم، وعدم الشفقة بهم؛ لأنهم أعداء الله وأعداء رسوله قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ «٤» .

стр. 7

لذلك كان الإسلام قويا صلبا إزاء أعداء الحق وأعداء التوحيد، وعلى صخرته القعساء «١» تهشم وتحطم بطلان الباطلين وفساد المفسدين وإشراك المشركين. وبدأ المسلمون في النشاط العسكري بعد نزول الإذن بالقتال، وقاموا بحركات عسكرية أشبه ما تكون بالدوريات الإستطلاعية «٢» . كان على هذه الدوريات الإستطلاعية، استكشاف الطرق، ودراسة مداخل ومخارج المدينة لرصد تحركات العدو من أي من السبل المتصلة بالمدينة. بلغ جيش المسلمين غاية القوة والمنعة وهم قليل بسبب قوة العزيمة، والثقة بنصر الله، والرغبة في رضوانه من جنات النعيم من دار المقامة، وكانوا نتيجة تحقيرهم شأن الدنيا موزعين ومولعين بنعيم الآخر، فكانوا لذلك مسارعين للطاعات، مقبلين على الجهاد بالنفوس والنفائس. إن الذي تهون عليه نفسه، وينافح عن عقيدة، ويذب عن قضية يعتقدها لا يصرفه توجس، ولا يفت في ساعده شكيمة خصم مماري، أو متلدد مداري. وكان جميع ما غزا رسول الله ﷺ بنفسه سبعا وعشرين غزوة، قاتل منها في تسع غزوات. كما كانت بعوثه وسراياه ثمانية وثلاثين من بعث وسرية، وكان آخر بعث بعثه رسول الله ﷺ بعث أسامة بن زيد إلى الشام. باستعراض هذه الغزوات المتلاحقة، والمواقع الشرسة والملاحم الدامية تنجلي وتتبلور الصورة في أسمى وأجلى معانيها من البذل والفداء وكسب المذخور، واجتناب المحظور، ونقض الباطل ودحض الضلال وطرح الفساد وتطويح الوثنية.

стр. 8

وليس هناك كالصبر مطية النجاة، مهما طال المدى، وبعدت الشقة فمن كان الصبر مطيته، والجلد حليته، وركب ليل الأهوال حجلا لمراميه، خليق أن ينال بمراده ويهنأ بمقصوده. إن الدنيا رخيصة هينة عند أرباب البصائر المشحوذة والهمم العالية، فإنهم يدركون حقيقتها المجردة، وهي دار ظعن وارتحال، وتحول ومزايلة، إلى الأبدية الدائمة غير المشكوك فيها. هذه الدنيا من الدنية، من أضرب عنها وقعد عنها أتته راغمة، ومن أبصر إليها أعمته، ومن بصر بها وتأبى عليها نجا وفاز. ومن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز. بنصر الله ويقينه وتمام نعمته، وكمال أمره يكون النصر والظهور والفلج والغلبة لأوليائه وأحبابه، والهوان والمذلة والتوهين لأعدائه الموتورين، وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وقد أصبحوا جزرا لسيوف الحق الأبلج، مسوقين للموقف المحتوم وقد شربوا كئوسا روية وقد عللوا ونهلوا منها خابطين في الفتن الهوج المدمرة التي تأكل اليابس والأخضر. وبدراسة هذه الغزوات والوقائع والمجالدات الصارمة مع أعداء الإسلام ندرك مدى معاناة الحق والصدق من أهل اللجاجة والباطل، لكن رحمة الله قريب من المحسنين، ولينصرن الله من ينصره، ومن يجمعه الله لا يفرقه إنسان ولا بد أن ينتصر المظلوم وينتصف من الظالم مهما طال المدى، مهما اصفر ورق الأمل، ومهما كان اغورار الماء، أو الإياس من الثمر. هذا والخير أردت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. السيد الجميلي المعادي- القاهرة- مصر رمضان المعظم ١٤١٤ هـ/ مارس ١٩٩٣ م.

стр. 9

الإذن للنبي ﷺ بالقتال عاش المسلمون في المدينة يحدق بهم الخطر من كل جانب، ويعتورهم الظلم والبغي والعدوان، يسومهم المشركون والكفار العذاب من كل صوب ومن كل ناحية لذلك أذن لهم عندئذ بالقتال. روي عن أبي بن كعب- ﵁ قال: لما قدم رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة، وكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح ولا يصبحون إلا فيه. قال تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ «١» . ولم يكن الإذن بالقتال إلا لدفع الظلم، وردع الفساد، وإقامة شعائر الله تعالى. وقال تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ «٢» .

стр. 10

خريطة رقم (١) طريق الهجرة طريق الهجرة الجادة المعتدلة

стр. 11

خريطة رقم (٢) مكة المكرمة

стр. 12

إن الثابت الراجح نزول هذا الإذن بالقتال بالمدينة بعد الهجرة وليس بمكة. ولعل السبب المباشر وراء البعوث والغزوات، والسرايا إنما هو إثبات قوة المسلمين، وصلابة شوكتهم، وقوة عارضتهم، وأنهم لم يصبحوا ضعفاء. وقد قال رسول الله ﷺ عند الرمل: «رحم الله امرآ أراهم اليوم من نفسه قوة» . لذلك فقد كان أهم مقصود الغزوات والسرايا إثبات عزة المسلمين، وقوتهم ورفعة شأنهم. لقد بدأ المسلمون نشاطهم العسكري ليدفعوا آثار الضعف والوهن والإستخذاء، وحتى يكف المشركون أيضا عن إنزال الأذى بالمسلمين الذين في مكة. سرية حمزة إلى سيف البحر كان أول لواء في شهر رمضان للسنة الأولى من الهجرة الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وبالتحديد على رأس سبعة أشهر في مارس ٦٢٣ م سنة ثلاث عشرة وستمائة بعد ميلاد المسيح. أمّر رسول الله ﷺ على هذه السرية حمزة بن عبد المطلب «١» ، ومعه حليفه أبو مرتد كناز الفنوي الذي حمل اللواء الأبيض. كان قوام هذا اللواء ثلاثا وثلاثين ولكن الصحيح أنهم ثلاثون رجلا من المهاجرين، وقد انطلقوا ليعترضوا عيرا قادمة من الشام لقريش، وكان فيهم أبو جهل بن هشام. كانت قوة العير ثلاثمائة رجل، أي عشرة أضعاف قوة المسلمين وما أن بلغوا

стр. 13

سيف البحر من ناحية العيص «١» ، حتى اصطف كل فريق متأهبين للقتال. لكن مجدي بن عمرو الجهني الذي كان حليفا لكلا الفريقين قد مشى بين كليهما حتى حال بين المصادمة فانصرف الفريقان ولم يقتتلوا «٢» . سرية عبيدة بن الحارث ثم بعث ﵊ بسرية إلى بطن «رابغ» «٣» تحت قيادة عبيدة بن الحارث بن المطلب، في أربعة أيام خلون من شوال على رأس ثمانية أشهر من العام الأول للهجرة المشرفة، وكان قوام تلك السرية ستين راكبا من المهاجرين، ولم يكن من بينهم أنصاري واحد، فالتقى المهاجرون بأبي سفيان بن حرب في مائتين شاكين السلاح مكفرين في لئامهم «٤» . كان اللواء الأبيض للمهاجرين معقودا بيد مسطح بن أثاثة بن عبد المطلب بن بن عبد مناف. تقابل الفريقان، وترامى كل منهما الآخر لكن لم يصطفا لقتال، ولم ينتصفوا «٥»

стр. 14

السيوف، وإنما لم يتعد الأمر مجرد مناوشة وكان ثمة سعد بن أبي وقاص في المهاجرين، وكان أول من رمى بسهم في سبيل الله. وانتهى الموقف بانصراف الفريقين على حاميتهم «١» . سرية سعد بن أبي وقاص «٢» إلى الخرّار «٣» في ثمانية رهط من المهاجرين، وعقد له لواء أبيض حمله المقداد بن عمرو، قيل إنهم كانوا عشرين راكبا، ثم اعترضوا عيرا لقريش، ولما أن بلغ الخرار من أرض الحجاز يكمنون بالنهار، ويسيرون بالليل، حتى صبحوا المكان صبيحة خمس، فوجدوا العير قد مرت بالأمس «٤» ونقل عن ابن هشام أن من أهل العلم من ذكر أن بعث سعد هذا كان بعد حمزة «٥» . غزوة الأبواء «٦» (غزوة ودّان) وهي أول غزوة غزاها رسول الله ﷺ بنفسه، وكانت في صفر على رأس اثنى

стр. 15

عشر شهرا من مهاجره، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، وكان أبيض، واستخلف على المدينة سعد بن عبادة، وخرج في المهاجرين ليس فيهم أنصاري واحد ليعترض عيرا لقريش، وكان ذلك لا ثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حتى بلغ (ودّان) «١» يريد قريشا وبني ضمرة، ثم إنه لما بلغ الأبواء لم يلق كيدا. وكان الذي وادعه منهم عليهم سيدهم في زمانه فخشي ابن عمرو الضمري، على ألا يغزو بني ضمرة، ولا يغزوه، ولا يكثروا عليه جمعا ولا يعينوا عدوا، وكتب بينه وبينهم كتابا. وكانت غيبته خمس عشرة ليلة «٢» . غزوة بواط ثم كانت غزوة بواط في شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا من مهاجره، وحمل لواءه سعد بن أبي وقاص، وكان أبيض، واستخلف على المدينة سعد بن معاذ، ثم خرج في مائتين من أصحابه يعترض عيرا لقريش فيها أمية بن خلف الجمحي، ومائة رجل من قريش، والفان وخمسمائة بعير، فبلغ (بواطا) «٣» . وبين المدينة وبواط نحو أربعة برد فلم يلق ﷺ كيدا فرجع إلى المدينة «٤» .

стр. 16

غزوة كرز بن جابر الفهري ثم غزا رسول الله ﷺ غزوته هذه لطلب كرز بن جابر الفهري، في شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا من مهاجره، وكان حمل لواءه علي بن أبي طالب، ﵁ وكان لواء أبيض، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة، وكان كرز بن جابر قد أغار على سرح المدينة فاستاقه، وكان يرعى بالحمى «١» وقد طلبه رسول الله ﷺ ، حتى بلغ واديا يقال له (سفوان) «٢» من ناحية بدر، وفاته كرز؛ فلم يلحقه، فرجع لى المدينة. غزوة العشيرة «٣» ثم غزا ﷺ قريشا، فاستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وكان ذلك في جمادي الآخرة على رأس ستة عشر شهرا من مهاجره، وكان حمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، وكان لواء أبيض، وخرج في خمسين ومائة، وقيل: في مائتين من المهاجرين، ممن انتدب، ولم يكره أحدا على الخروج، وخرجوا على ثلاثين بعيرا يعتقبونها؛ يعترضون عيرا لقريش ذاهبة إلى الشام وكان قد جاء الخبر بفصولها من مكة فيها أموال قريش، فبلغ ذا العشيرة «٤» ، وهي لبني مدلج بناحية ينبع «٥» ، فوجد

стр. 17

العير قد فاتته بأيام، وهذه هي العير التي خرج في طلبها أيضا حين رجعت من الشام فساحلت على البحر، وبلغ قريشا خبرها فخرجوا يمنعونها، فلقوا رسول الله ﷺ ببدر فواقعهم وقتل منهم من قتل. وهي ذات الشوكة التي وعده الله إياها، ووفى له بوعده. وبذى العشيرة كنى رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب أبا تراب «١» . سرية عبد الله بن جحش الأسدي ثم بعث سرية عبد الله بن جحش الأسدي إلى نخلة في شهر رجب على رأس سبعة عشر شهرا من مهاجرة ﷺ ، وكان بعثه في اثني عشر رجلا من المهاجرين، كل اثنين يعتقبان بعيرا إلى بطن نخلة، يرصدون عيرا لقريش فوردت عليه، فها بهم أهل العير، وأنكروا أمرهم. وفي هذه السرية سمى عبد الله بن جحش أمير المؤمنين وكان النبي ﷺ كتب له كتابا، وأمره ألاينظر فيه إلا بعد أن يسير يومين، ثم ينظر فيه، ولما فتح الكتاب وجد فيه: - «إذا نظرت في كتابي هذا، فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصّد بها قريشا، وتعلم لنا من أخبارهم» فقال: سمعا وطاعة، وأخبر أصحابه بذلك، وبأنه لا يستكرههم، فمن أحب الشهادة فلينهض، ومن كره الموت، فليرجع، فمضوا كلهم.

стр. 18

فلما كان أثناء الطريق،! ضل سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه، فتخلفا في طلبه، وبعد عبد الله بن جحش حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة فيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان ونوفل: ابنا عبد الله بن المغيرة، والحاكم بن كيسان مولى بني المغيرة، فتشاور المسلمون وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، فإن قاتلناهم، انتهكنا الشهر الحرام، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم، ثم أجمعوا على ملاقاتهم، فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا عثمان والحكم، وأفلت نوفل، ثم قدموا بالعير والأسيرين، وقد عزلوا من ذلك الخمس، وهو أول خمس كان في الإسلام، وأول قتيل في الإسلام، وأول أسيرين في الإسلام. وأنكر عليهم رسول الله ﷺ ما فعلوا «١» ، واشتد تعنت قريش واستنكارهم لذلك، وزعموا أنهم قد وجدوا مقالا؛ فقالوا: قد أحل محمد الشهر الحرام. واشتد على المسلمين ذلك حتى أنزل الله تعالى: - يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ؟ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ «٢» . يقول الحق ﵎: هذا الذي أنكرتموه عليهم، وإن كان كبيرا، فما ارتكبتموه أنتم من الكفر بالله، والصد عن سبيله، وعن بيته، وإخراج المسلمين الذين هم أهله منه، والشرك الذي أنتم عليه، والفتنة التي حصلت منكم به أكبر

стр. 19

عند الله من قتالهم في الشهر الحرام. وذلك كقوله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ «١» وقوله تعالى أيضا: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ «٢» . أي إن مال شركهم، وعاقبته وآخر أمرهم، إلا أن أنكروه وتبرؤوا منه «٣» . قال ابن اسحاق: وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش: أن الله قسّم الفيء حين أحله، فجعل أربعة أخماس لمن أفاءه الله، وخمسا إلى الله ورسوله، فوقع على ما كان عبد الله بن جحش صنع من تلك العير. قال ابن هشام: وهي أول غنيمة غنمها المسلمون، وعمرو بن الحضرمي أول من قتله المسلمون، وعثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان أول من أسر المسلمون. وقال ابن اسحاق: ويقال صرفت القبلة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدم رسول الله ﷺ المدينة.

стр. 20

غزوة بدر الكبرى «١» لما كان من أمر انصراف عير قريش من الشام في رمضان من تلك السنة، وقد بلغ رسول الله ﷺ من أمر هذه العير، بصبحة أبي سفيان بن حرب، وهي العير التي خرجوا في طلبها لما خرجت من مكة، وكانوا أربعين رجلا، وهي حافلة بأموال كثيرة لقريش. ندب النبي ﷺ الناس للخروج إلى هذه العير وأمر من كان ظهره حاضرا بالخروج والنهوض فورا، ولم يحتفل لها احتفالا بليغا، لأنه خرج مسرعا من ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، ولم يكن معهم من الخيل إلا فرسان: فرس للزبير بن العوام، وفرس للمقداد بن الأسود الكندي، وكان معهم سبعون بعيرا يعتقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد، فكان رسول الله ﷺ ، وعلي ومرتد ابن أبي مرتد الفنوي يعتقبون بعيرا، وزيد بن حارثة، وابنه، وكبشة موالى رسول الله ﷺ يعتقبون بعيرا، وأبو بكر وعمر، وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرا، واستخلف على المدينة وعلى الصلاة ابن أم مكتوم فلما كان بالروحاء «٢» رد أبا لبابة بن عبد المنذر، واستعمله على المدينة، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، والراية الواحدة إلى علي بن أبي طالب، والآخرى التي للأنصار إلى سعد بن معاذ وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة، وسار، فلما قرب من الصفراء، بعث بسيس بن عمرو الجهني، وعدي ابن أبي الزغباء إلى بدر يتجسسان أخبار العير، وأما أبو سفيان «٣» ، فإنه بلغه مخرج رسول الله ﷺ ،

стр. 21

خريطة رقم (٣) موقعة بدر

стр. 22

وقصده إياه، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة، مستصرخا قريش بالنفير إلى عيرهم؛ ليمنعوه من محمد وأصحابه، وبلغ الصريخ أهل مكة؛ فنهضوا مسرعين وأوعبوا «١» في الخروج لم يتخلف منهم أحد، انسابوا مهروعين من بطون قريش إلا بني عدي، حيث لم يخرج منهم أحد، وخرجوا من ديارهم كما قال الله تعالى: بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ «٢» وأقبلوا كما قال رسول الله ﷺ : «بحدهم وحديدهم، تحادّه وتحاد رسوله» ، ولما رأى رسول الله ﷺ انثيال القرشيين عليه قال: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها؛ تجادل وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة» . جاؤوا على حرد قادرين، وعلى حمية وغضب وحنق على رسول الله ﷺ وأصحابه لما يريدون من أخذ غيرهم وقتل من فيها، وقد أصابوا بالأمس عمرو بن الحضرمي، والعير التي كانت معه، فجمعهم الله على غير ميعاد، كما قال الله تعالى: وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ، وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا «٣» . لما بلغ رسول الله ﷺ خروج قريش استشار أصحابه فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثانيا، فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثالثا، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله! كأنك تعرض بنا؟ وكان إنما يعنيهم؛ لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود «٤» في ديارهم، فلما عزم على الخروج استشارهم ليعلم ما عندهم. فقال سعد بن معاذ: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقا عليها أن لا

стр. 23

ينصروك إلا في ديارها، وإني أقول عن الأنصار، وأجيب عنهم: فاظعن «١» حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان، لنسيرن معك، ووالله لئن استعرضت بنا هذا البحر خضناه معك. وقال له المقداد: لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: إذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هاهنا قاعدون، وكلنا نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، ومن بين يديك ومن خلفك، فأشرق وجه رسول الله ﷺ وسرّ بما سمع من أصحابه، وقال: «سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، وإني قد رأيت مصارع القوم» . فسار رسول الله ﷺ إلى بدر، وخفض أبو سفيان فلحق بساحل البحر، ولما أنه قد نجا، وأحرز العير كتب إل قريش: أن ارجعوا، فإنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم، فأتاهم الخبر، وهم بالجحفة، فهموا بالرجوع، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نقدم بدرا، فنقيم بها، ونطعم من حضرنا من العرب، وتخافنا العرب بعد ذلك، فأشار الأخنس بن شريق عليهم بالرجوع، فعصوه، فرجع هو وبنو زهرة، فلم يشهد بدرا زهرى، فاغتبطت بنو زهرة بعد برأي الأخنس، فلم يزل فيهم مطاعا معظما، وأرادت بنو هاشم الرجوع، فاشتد عليهم أبو جهل، وقال: لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع فساروا، وسار رسول الله ﷺ حتى نزل عشيا أدنى ماء من مياه بدر، فقال: «اشيروا عليّ من المنزل» فقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله، أنا عالم بها وبقلبها، إن رأيت أن نسير إلى قلب قد عرفناها، فهي كثيرة الماء، عذبة، فننزل عليها ونسبق القوم إليها، ونغوّر ما سواها من المياه. وسار المشركون سراعا يريدون المياه، وبعث عليا، وسعدا والزبير إلى بدر يلتمسون الخبر، فقدموا بعبدين لقريش، ورسول الله ﷺ قائم يصلي، فسألهما

стр. 24

أصحابه: من أنتما؟ قالا: نحن سقاة لقريش، فكره ذلك أصحابه، وودوا لو كانا لعير أبي سفيان، فلما سلّم رسول الله ﷺ قال لهما: أخبراني، أين قريش؟ قالا: وراء هذا الكثيب. فقال: كم القوم؟ فقالا: لا علم لنا، فقال: كم ينحرون كل يوم؟ فقالا: يوما عشرا، ويوما تسعا، فقال رسول الله ﷺ : القوم ما بين تسعمائة إلى الألف. فأنزل الله من تلك الليلة مطرا واحدا، فكان على المشركين وابلا شديدا منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طلّا طهرهم به، وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطّأ به الأرض، وصلّب به الرمل، وثبت الأقدام، ومهد به المنزل، وربط على قلوبهم، فسبق رسول الله ﷺ وأصحابه إلى الماء، فنزلوا عليه شطر الليل، وصنعوا الحياض، ثم غوّروا ما عداها من المياه، ونزل رسول الله ﷺ وأصحابه على الحياض. وبنى لرسول الله ﷺ عريشا يكون فيها تل يشرف على المعركة، ومشى في موضع المعركة، وجعل يشير بيده، هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان فما تعدى أحد منهم موضع إشارته «١» . فلما طلع المشركون، وتراءى الجمعان، قال رسول الله ﷺ : - «اللهم هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها جاءت تحادك، وتكذب رسولك» ثم قام ورفع يديه، واستنصر ربه وقال: - «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك» فالتزمه الصديق من ورائه، وقال: يا رسول الله، أبشر، فو الذي نفسي بيده، لينجزن الله لك ما وعدك» «٢» . وقد أخرج البخاري «٣» في صحيحه من حديث ابن عباس- ﵄

стр. 25

قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدر: - «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد» فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك. فخرج وهو يقول: - «سيهزم الجمع ويولون الدبر» . استنصر المسلمون الله تعالى واستغاثوه.. وأخلطوا له، وتضرعوا إليه، فأوحى الله إلى ملائكته: - «أني معكم فثبتوا الذين آمنوا، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب» «١» . وكان الحق أوحى إلى رسوله ﷺ : - أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ «٢» . فقيل: إن المعنى أنهم ردف لكم، وقيل يردف بعضهم بعضا أرسالا، لم يأتوا دفعة واحدة. قال الإمام ابن قيم الجوزية «٣» : - فإن قيل: ها هنا ذكر أنه أمدهم بألف، ومن سورة آل عمران قال: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ، بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ «٤» . فكيف الجمع بينهما؟؟؟ قيل إنه قد اختلف من هذا الإمداد الذي بثلاثة آلاف، والذي بخمسة الآلاف على قولين: -

стр. 26

أحدهما: أنه كان يوم أحد، وكان إمدادا معلقا على شرط، فلما فات شرطه، فات الإمداد «١» . ثانيهما: أنه كان يوم بدر «٢» . والقائلون بهذا حجتهم أن السياق يدل على ذلك؛ فإنه قال: - وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ، بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا «٣» . ثم قال عز من قائل: - وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ، وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ قال هؤلاء: فلما استغاثوا أمدهم بتمام ثلاثة آلاف، ثم أمدهم بتمام خمسة آلاف، لما صبروا واتقوا، فكان التدريج، ومتابعة الإمداد أحسن موقعا، وأقوى لنفوسهم، وأسر لها من أن يأتي به مرة واحدة وهو بمنزلة متابعة الوحي ونزوله مرة بعد مرة. قالت الفرقة الأولى: المقصة في سياق أحد، وإنما أدخل ذكر بدر اعتراضا في أثنائها، فإنه سبحانه قال: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ «٤» . كذلك قوله: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ «٥» . ثم يقول بعدها: فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فذكرهم نعمته عليهم لما نصرهم يوم بدر، وهم أذلة،

стр. 27

ثم عاد إلى قصة أحد، وقد أخبرهم عن قول رسوله لهم: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ. ثم وعدهم أنهم إن صبروا واتقوا أمدهم بخمسة آلاف، فهذا من قول رسوله، والإمداد الذي ببدر من قوله تعالى: وهذا بخمسة آلاف، وإمداد بدر بألف وهذا معلق على شرط، وذلك مطلق. والقصة في سورة آل عمران هي قصة أحد مستوفاة مطولة، وفيها ذكرت بدر اعتراضا. والقصة مذكورة مستوفاة مطولة في سورة الأنفال، ولذلك سميت سورة الأنفال ب (سورة بدر) عند بعض العلماء. فالسياق في (آل عمران) غير السياق في الأنفال، ويوضح هذا أن قوله تعالى: وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا «١» . وقد قال مجاهد: إنه يوم أحد، وهذا يستلزم أن يكون الإمداد المذكور فيه، فلا يصح قوله إن الإمداد بهذا العدد كان يوم بدر، وإتيانهم من فورهم هذا يوم أحد. والله تعالى أعلم. وبات رسول الله ﷺ يصلي إلى جذع شجرة هناك، وكانت ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان من السنة الثانية، فلما أصبحوا، أقبلت قريش في كتائبها، واصطف الفريقان، فمشى حكيم بن حزام، وعتبة بن ربيعة في قريش، أن يرجعوا ولا يقاتلوا فأبى ذلك أبو جهل، وجرى بينه وبين عتبة كلام أحفظه «٢» ، وأمر أبو جهل أخا عمرو بن الحضرمي أن يطلب دم أخيه عمرو، فكشف عن إسته «٣» ، وصرخ واعمراه، فحمي القوم ونشبت الحرب، وعدّل رسول ﷺ الصفوف، ثم رجع

стр. 28

إلى العريش هو وأبو بكر- ﵁ خاصة وقام سعد بن معاذ في قوم من الأنصار على باب العريش يحمون رسول ﷺ . وخرج عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة يطلبون المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار، عبد الله بن رواحة، وعوف، ومعوذ ابنا عفراء، فقالوا لهم: من أنتم؟ فقالوا: من الأنصار قالوا: أكفاء كرام، وإنما نريد بني عمنا، فبرز إليهم علي، وعبيدة بن الحارث وحمزة، فقتل علي قرنه الوليد، وقتل حمزة قرنه عتبة، وقيل شيبة، واختلف عبيدة وقرنه ضربتين، فكرّ عليّ وحمزة على قرن عبيدة فقتلاه، واحتملا عبيدة، وقد قطعت رجله فلم يزل ضمنا حتى مات بالصفراء. وكان علي يقسم بالله لنزلت هذه الآية فيهم: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ «١» . ثم حمي الوطيس، واستدارت رحى الحرب، واشتد القتال وأخذ رسول الله ﷺ في الدعاء والإبتهال ومناشدة ربه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فرده عليه الصديق، وقال: بعض مناشدتك ربك فإنه منجز لك ما وعدك. فأغفى رسول الله ﷺ إغفاءة واحدة، وأخذ القوم النعاس في حال الحرب، ثم رفع رسول الله ﷺ رأسه فقال: أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثناياه النقع» . وجاء النصر، وأنزل الله جنده وأيد الله رسوله والمؤمنين ومنحهم أكتاف المشركين أسرى وقتلى، فقتلوا منهم سبعين، وأسروا سبعين. ولما عزموا على الخروج، ذكروا ما بينهم وبين بني كنانة من الحرب، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة المدلجي (سراقة ابن مالك) وكان من أشراف بني كنانة، فقال لهم: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم من أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه، فخرجوا، والشيطان جار لهم، لا يفارقهم، فلما تعبأوا للقتال، ورأى

стр. 29

عدو الله جند الله قد نزلت من السماء، فرّ ونكص على عقبيه، فقالوا: إلى أين يا سراقة؟ ألم تكن قلت: إنك جار لنا لا تفارقنا؟، فقال: إني أرى ما لا ترون. إني أخاف الله والله شديد العقاب. وصدق في قوله: «إني أرى ما لا ترون» وكذب في قوله: «إني أخاف الله» وقيل: كان خوفه على نفسه أن يهلك معه، وهذا أظهر. ولما رأى المنافقون، ومن في قلبه مرض قلة حزب الله، وكثرة أعدائه ظنوا أن الغلبة إنما هي بالكثرة، وقالوا: «غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ» «١» فأخبر أن النصر بالتوكل عليه، لا بالكثرة ولا بالعدد، والله عزيز لا يغالب، حكيم ينصر من يستحق النصر، وإن كان ضعيفا فعزته وحكمته أوجبت نصر الفئة المتوكلة عليه. ولما دنا العدو، وتواجه القوم، قام رسول الله ﷺ في الناس فوعظهم، وذكرهم بما لهم في الصبر والثبات من النصر، والظفر العاجل، وثواب الله الآجل وأخبرهم أن الله قد أوجب الجنة لمن استشهد في سبيله فقام عمير بن الحمام فقال: يا رسول الله، جنة عرضها السموات والأرض؟ قال نعم، بخ بخ «٢» ؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: - «فإنك من أهلها» قال: فأخرج ثمرات «٣» من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن حييت حتى آكل من تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتل حتى قتل، فكان أول قتيل. وأخذ رسول الله ﷺ ملء كفيه من الحصباء فرمى به وجوه العدو «٤» ، فلم تترك

стр. 30

رجلا منهم إلا ملأت عينيه، وشغلوا بالتراب في أعينهم، وشغل المسلمون بقتلهم. وفي حديث عبد الله بن صعير أن رسول الله ﷺ أمر فأخذ كفا من الحصى بيده، ثم خرج فاستقبل القوم فقال: شاهت الوجوه، ثم نفحهم بها ثم قال لأصحابه: (احملوا، فلم تكن إلا الهزيمة، فقتل الله من قتل من صناديدهم، وأسر من أسر منهم) . أنزل الله تعالى في شان هذه الرمية، على رسوله ﷺ قوله تعالى: - «وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى) «١» . وقد ظن طائفة أن الآية دلت على نفي الفعل عن العبد، وإثباته لله، وإنه هو الفاعل الحقيقي، وهذا غلط وفساد منهم من وجوه عديدة مذكورة عند أكثر أهل العلم من المفسرين وفي غير هذا الموضع. كانت الملائكة يومئذ تبادر المسلمين إلى قتل أعدائهم، قال ابن عباس: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وسوط الفارس فوقه يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه مستلقيا، فنظر إليه، فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمعه، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ ، فقال: (صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة) «٢» . وقال أبو داود المازني: «إني لأتبع رجلا من المشركين؛ لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري» «٣» .

стр. 31

وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب «١» أسيرا، فقال العباس: إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق، ما أراه من القوم. فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله، فقال: اسكت، فقد أيدك الله بملك كريم» وأسر من بني عبد المطلب ثلاثة: العباس، وعقيل، ونوفل ابن الحارث «٢» . وثبت أن إبليس لما رأى ما تفعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص القتل إليه، فتشبث به الحارث بن هشام، وهو يظنه سراقة بن مالك، فوكزه في صدر الحارث، فألقاه، ثم خرج هاربا حتى ألقى نفسه في البحر، ورفع يديه وقال: اللهم إني أسألك نظرتك إياي، وخاف أن يخلص وينتهي إليه القتل، فأقبل أبو جهل ابن هشام فقال: يا معشر الناس، لا يهز منكم خذلان سراقة إياكم، فإنه كان على ميعاد من محمد، ولا يهولنكم قتل عتية وشيبة والوليد، فإنهم قد عجلوا فواللات والعزى لا نرجع حتى نقرنهم بالحبال. ولألقين رجلا منكم قتل رجلا منهم، ولكن خذوهم «٣» أخذا؛ حتى نعرفهم سوء صنيعهم. واستفتح أبو جهل في ذلك اليوم فقال: اللهم أقطعنا للرحم، وآتلنا بما لا نعرفه، فأحنه الغداة، اللهم أينا كان أحبّ إليك، وأرضى عندك فانصره اليوم، فأنزل الله : إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ «٤» . ولما وضع المسلمون أيديهم في العدو يقتلون ويأسرون، وسعد ابن معاذ واقف

стр. 32

على باب الخيمة التي فيها رسول الله ﷺ وهي العريش متوشحا بسيفه في ناس من الأنصار رأى رسول الله ﷺ في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، فقال رسول الله ﷺ : «كأنك تكره ما يصنع الناس؟» قال: أجل، والله كانت أول وقعة أوقعها الله بالمشركين. وكان الإثخان في القتل أحب إلى من استبقاء الرجال. ولما بردت الحرب، وولى القوم مدحورين مهزومين قال رسول الله ﷺ : «من ينظر لنا ما صنع أبو جهل» ؟ فانطلق ابن مسعود، فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، وأخذ بلحيته فقال: أنت أبو جهل؟ فقال: لمن الدائرة اليوم؟ فقال: لله ولرسوله، وهل أخزاك الله، يا عدو الله؟ فقال: وهل فوق رجل قتله قومه؟ فقتله عبد الله، ثم أتى النبي ﷺ فقال: قتلته، فقال: «الله الذي لا إله إلا هو، فرددها ثلاثا، ثم قال: «الله أكبر، الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، انطلق، أرنيه» فانطلقنا، فأريته إياه، فقال: هذا فرعون هذه الأمة «١» . وأسر عبد الرحمن بن عوف أمية بن خلف، وابنه عليا، فأبصره بلال، وكان أمية يعذبه بمكة، فقال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، ثم استوخى «٢» جماعة من الأنصار واشتد عبد الرحمن بهما يحرزهما منهم، فأدركوهم، فشغلهم عن أمية بابنه ففرغوا منه ثم لحقوهما فقال له عبد الرحمن: أبرك، فبرك، فألقى نفسه عليه، فضربوه بالسيوف من تحته حتى قتلوه، وأصاب بعض السيوف رجل عبد الرحمن بن عوف. قال له أمية قبل ذلك: من الرجل المعلم في صدره بريشة نعامة؟ فقال: ذلك حمزة بن عبد المطلب، فقال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل؟ وكان مع عبد الرحمن أدراع قد استلبها، فلما رآه أمية، قال له: أنا خير لك من هذه الأدراع فألقاها وأخذه، فلما قتله الأنصار، كان يقول: يرحم الله بلالا، فجعني بأدراعي، وبأسيري.

стр. 33

وانقطع يومئذ سيف عكاشة بن محصن، فأعطاه النبي ﷺ جزلا من حطب فقال: - «دونك هذا، فلما أخذه عكاشة وهزه عاد في يده سيفا طويلا شديدا أبيض، فلم يزل عنده يقاتل به، حتى قتل في الردة أيام أبي بكر. ولقي الزبير عبيدة بن سعيد بن العاص، وهو مدجج في السلاح لا يرى منه إلا الحلق، فحمل عليه الزبير بحربته، فطعنه في عينه فمات، فوضع رجله على الحربة، ثم تمطى فكان الجهد أن نزعها وقد انثنى طرفاها. قال عروة: فسأله إياها رسول الله ﷺ فأعطاه إياها، فلما قبض أبو بكر ﵁ فسأله إياها عمر، فأعطاه إياها، فلما قبض عمر، أخذها، ثم طلبها عثمان، فأعطاه إياها، فلما قبض عثمان، وقعت عند آل علي، فطلبها عبد الله بن الزبير، وكانت عنده حتى قتل «١» . قال رفاعة بن رافع: «رميت بسهم يوم بدر، ففقئت عيني، فبصق فيها رسول الله ﷺ ، ودعا لي، فما آذاني منها شيء» . ولما انقضت الحرب أقبل رسول الله ﷺ حتى وقف على القتلى فقال: - «بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وخذلتموني ونصرني، وأخرجتموني وآواني الناس» . ثم أمر بهم فسحبوا إلى قليب من قلب بدر، فطرحوا فيه، ثم وقف عليهم فقال: - «يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا فلان، ويا فلان، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ما تخاطب من أقوام قد جيّفوا؟ فقال: والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون الجواب» «٢» .

стр. 34

ثم أقام رسول الله ﷺ بالعرصة ثلاثا، وكان إذا ظهر على قوم أقام بعرصتهم ثلاثا. ثم ارتحل ﷺ مؤيدا منصورا، قرير العين بنصر الله وتمام نعمته وفضله، ومعه الأسارى والغنائم، ثم قسم الغنائم، وضرب عنق النضر بن الحارث بن كلدة، ثم لما نزل بعرق الظبية ضرب عنق عقبة بن أبي معيط. ثم دخل رسول الله ﷺ المدينة مؤيدا مظفرا منصورا قد خافه كل عدو له بالمدينة، وحولها، فأسلم بشر كثير من أهل المدينة، وحينئذ دخل عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه في الإسلام ظاهرا. وجملة من حضر بدرا من المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا من المهاجرين ستة وثمانون رجلا، ومن الأوس واحد وستون رجلا، ومن الخزرج مائة وسبعون رجلا، وإنما قل عدد الأوس عن الخزرج، وإن كانوا أشد منهم وأقوى شوكة، وأصبر عند اللقاء؛ لأن منازلهم كانت في عوالي المدينة، وجاء النفير بغتة، وقال النبي ﷺ (لا يتبعنا إلا من كان ظهره حاضرا) «١» . فاستأذنه رجال ظهورهم في علو المدينة أن يستأني بهم حتى يذهبوا إلى ظهورهم فأبى. ولم يكن عزمهم على اللقاء، ولا أعدوا له عدته، ولا تأهبوا له أهبته، ولكن جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. واستشهد من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلا، ستة من المهاجرين، وستة من الخزرج، واثنان من الأوس. وفرغ رسول الله ﷺ من شأن بدر والأسارى في شوال.

стр. 35

غزوة بني سليم «١» ثم نهض رسول الله ﷺ بنفسه بعد فراغه بسبعة أيام إلى غزوة بني سليم، واستعمل على المدينة سباغة بن عرفطة، وقيل ابن أم مكتوم، فبلغ ماء يقال له (الكدر) فأقام عليه ثلاثا، ثم انصرف ولم يلق كيدا. لما رجع فل المشركين إلى مكة موتورين، نذر أبو سفيان ألايمس رأسه ماء حتى يغزو رسول الله ﷺ ؛ فخرج في مائتي راكب حتى أتى العريضة في طرف الدينة، وبات ليلة واحدة عند سلام بن مشكم اليهودي، فسقاه الخمر، وبطن له من خبر الناس، فلما أصبح قطع أسوارا من النخل، وقتل رجلا من الأنصار وحليفا له، ثم كرّ راجعا، وندر به رسول الله ﷺ ، فخرج في طلبه، فبلغ قرقرة الكدري، وفاته أبو سفيان، وطرح الكفار سويقا كثيرا من أزوادهم، يتخففون به، أخذها المسلمون، فسميت غزوة السويق «٢» . وكان ذلك بعد بدر بشهرين، وأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بقية ذي الحجة، ثم غزا نجدا يريد غطفان «٣» ، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان- ﵁ وأقام هناك صفرا كله من السنة الثالثة، ثم انصرف ولم يلق حربا. فأقام بالمدينة ربيعا الأول، ثم خرج يريد قريشا، ثم استخلف على المدينة ابن أم مكتوم، فبلغ بحران معدنا بالحجاز من ناحية القرى ولم يلق حربا، فأقام هنالك ربيعا الآخر، وجمادى الأول، ثم انصرف إلى المدينة «٤» .

стр. 36

غزوة بني قينقاع «١» ثم غزا بني قينقاع، وكانوا من يهود المدينة، فنقضوا عهده؛ فحاصرهم خمس عشرة ليلة حتى نزلوا على حكمه، فشفع فيهم عبد الله بن أبي، وألحّ عليه، فأطلقهم له، وهم قوم عبد الله بن سلام، وكانوا سبعمائة مقاتل، وكانوا صاغة وتجارا. سرية قتل كعب بن الأشرف «٢» كان كعب بن الأشرف رجلا من اليهود، وكانت أمه من بني النضير، وكان شديد الأذى لرسول الله ﷺ ، وكان يشبب في أشعاره بنساء الصحابة، فلما كانت وقعة بدر ذهب إلى مكة، وجعل يؤلّب على رسول الله ﷺ ، وعلى المؤمنين، ثم رجع إلى المدينة على تلك الحال، فقال رسول الله ﷺ : - «من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله» فانتدب له محمد بن مسلمة، وعبّاد بن بشر، وأبو نائلة، واسمه سلكان بن سلامة، وهو أخو كعب من الرضاع، والحارث بن أوس، وأبو عيسى بن جبر، وأذن لهم رسول الله ﷺ أن يقولوا ما شاؤوا من كلام يخدعونه به. فذهبوا إليه في ليلة مقمرة، وشيعهم رسول الله ﷺ إلى بقيع الفرقد، فلما انتهوا إليه، قدّموا سلكان بن سلامة إليه؛ فأظهر له موافقته على الإنحراف عن رسول

стр. 37

الله ﷺ ، وشكا إليه ضيق حاله، فكلمه في أن يبيعه وأصحابه طعاما، ويرهنونه سلاحهم، فأجابهم إلى ذلك. ثم رجع سلكان إلى أصحابه، فأخبرهم، فأتوه، فخرج إليهم من حصنه، فتماشوا، فوضعوا عليه سيوفهم، ووضع محمد بن مسلمة مغولا «١» ، كان معه في ثنّته «٢» فقتله، وصاح عدو الله صيحة شديدة أفزعت من حوله وأوقدوا النيران، وجاء الوفد حتى قدموا على رسول الله ﷺ من آخر الليل، وهو قائم يصلي، وجرح الحارث ابن أوس ببعض سيوف أصحابه، فتفل عليه رسول الله ﷺ ، فبرىء، فأذن رسول الله ﷺ في قتل من وجد من اليهود لنقضهم عهده، ومحاربتهم لله ورسوله. غزوة أحد «٣» لما دارت على الظالمين الدوائر في غزوة بدر، وراح أشراف قريش بين قتيل وجريح وأسير أخيذ، فظل أبو سفيان بن حرب يؤلّب على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين، ويجمع الجموع ويحشد الحشود، قيل: إنه جمع زهاء ثلاثة آلاف من قريش، والحلفاء، والأحابيس وجاؤوا بنسائهم لئلا يفروا، وليحاموا عنهن، ثم أقبل بهم نحو المدينة، فنزل قريبا من جبل أحد بمكان يقال له (عينين) وكان ذلك يوم السبت لسبع ليال خلون من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من مهاجره، أي من السنة الثالثة.

стр. 38

استشار رسول الله ﷺ أصحابه، أيخرج إليهم، أم يمكث في المدينة؟ وكان رأيه ألا يخرجوا من المدينة، وأن يتحصنوا بها، فإن دخلوها، قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنساء من فوق البيوت، وقد وافقه على هذا الرأي عبد الله بن أبي، وكان هو الرأي السديد، فبادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر، وأشاروا عليه بالخروج، وألحوا عليه في ذلك، وأشار عبد الله بن أبي بالمقام في المدينة، وتابعه على ذلك بعض الصحابة فألح أولئك على رسول الله ﷺ ، فنهض ودخل بيته، ولبس لأمته، وخرج عليهم، وقد انثنى عزم أولئك، وقالوا: أكرهنا رسول الله ﷺ على الخروج، فقالوا: يا رسول الله، إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل، فقال رسول الله ﷺ : «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه» . خرج رسول الله ﷺ في ألف من أصحابه، واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بمن بقى في المدينة، وكان رسول الله ﷺ رأى رؤيا وهو بالمدينة، رأى أن في سيفه ثلمة، ورأى بقرا تذبح، وأنه أدخل يده في درع حصينة، فتأوّل الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته، وتأوّل البقر بنفر من أصحابه يقتلون، وتأول الدرع بالمدينة «١» . فخرج ﵊ يوم الجمعة، حتى إذا صار بالشوط بين المدينة وأحد، تقاعس وتدابر وانخذل عبد الله بن أبي بنحو ثلث العسكر، وقال: تخالفني وتسمع غيري، فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر بن عبد الله، يوبخهم ويحضهم على الرجوع ويقول: تعالوا قاتلوا في سبيل الله، أو ادفعوا، قالوا: لو تعلم أنكم تقاتلون، لم نرجع، فرجع عنهم، وسبهم، وسأله قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود، فأبى، وسلك حرة بني حارثة وقال: «من رجل يخرج بنا على القوم من كثب» ؟ فخرج به بعض الأنصار حتى سلك في حائط لبعض المنافقين، وكان أعمى، فقام يحثو التراب في وجوه المسلمين، ويقول: لا أحل لك أن تدخل في

стр. 39

خريطة رقم (٤) معركة أحد

стр. 40

حائطي إن كنت رسول الله، فابتدره القوم ليقتلوه، فقال: «لا تقتلوه، فهذا أعمى القلب أعمى البصر» . ونفذ رسول الله ﷺ ، حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي، وجعل ظهره إلى أحد، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم، فلما أصبح يوم السبت، تعبّأ للقتال، وهو في سبعمائة، فيهم خمسون فارسا، واستعمل على الرماة- وكانوا خمسين عبد الله بن جبير، وأمره وأصحابه أن يلزموا مركزهم وألا يفارقوه، ولو رأى الطير تتخطف العسكر وكانوا خلف الجيش، وأمرهم أن ينضحوا المشركين بالنبل، لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم. وقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه «١» من حديث البراء قال: لقينا المشركين يومئذ، وأجلس النبي ﷺ جيشا من الرماة، وأمّر عليهم عبد الله بن جبير، وقال: «لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا» «٢» ، فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا، فلا تعينونا» . وظاهر رسول الله ﷺ بين درعين يومئذ وأعطى اللواء مصعب بن عمير، ثم جعل على إحدى المجنتين «٣» الزبير ابن العوام «٤» ، وعلى الآخرى المنذر بن عمرو، واستعرض الشباب يومئذ، فردّ من استصغره عن القتال، وكان منهم عبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، وأشيد بن ظهير، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وزيد بن ثابت، وعرابة بن أوس، وعمرو بن حزم، وأجاز من رآه مطيقا، وكان منهم سمرة بن جندب ورافع بن خديج، ولهما خمس عشرة سنة «٥» .
следующие страницы →