غزوة بني قينقاع «١»
ثم غزا بني قينقاع، وكانوا من يهود المدينة، فنقضوا عهده؛ فحاصرهم خمس عشرة ليلة حتى نزلوا على حكمه، فشفع فيهم عبد الله بن أبي، وألحّ عليه، فأطلقهم له، وهم قوم عبد الله بن سلام، وكانوا سبعمائة مقاتل، وكانوا صاغة وتجارا.
سرية قتل كعب بن الأشرف «٢»
كان كعب بن الأشرف رجلا من اليهود، وكانت أمه من بني النضير، وكان شديد الأذى لرسول الله ﷺ ، وكان يشبب في أشعاره بنساء الصحابة، فلما كانت وقعة بدر ذهب إلى مكة، وجعل يؤلّب على رسول الله ﷺ ، وعلى المؤمنين، ثم رجع إلى المدينة على تلك الحال، فقال رسول الله ﷺ : - «من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله» فانتدب له محمد بن مسلمة، وعبّاد بن بشر، وأبو نائلة، واسمه سلكان بن سلامة، وهو أخو كعب من الرضاع، والحارث بن أوس، وأبو عيسى بن جبر، وأذن لهم رسول الله ﷺ أن يقولوا ما شاؤوا من كلام يخدعونه به.
فذهبوا إليه في ليلة مقمرة، وشيعهم رسول الله ﷺ إلى بقيع الفرقد، فلما انتهوا إليه، قدّموا سلكان بن سلامة إليه؛ فأظهر له موافقته على الإنحراف عن رسول
стр. 37
الله ﷺ ، وشكا إليه ضيق حاله، فكلمه في أن يبيعه وأصحابه طعاما، ويرهنونه سلاحهم، فأجابهم إلى ذلك.
ثم رجع سلكان إلى أصحابه، فأخبرهم، فأتوه، فخرج إليهم من حصنه، فتماشوا، فوضعوا عليه سيوفهم، ووضع محمد بن مسلمة مغولا «١» ، كان معه في ثنّته «٢» فقتله، وصاح عدو الله صيحة شديدة أفزعت من حوله وأوقدوا النيران، وجاء الوفد حتى قدموا على رسول الله ﷺ من آخر الليل، وهو قائم يصلي، وجرح الحارث ابن أوس ببعض سيوف أصحابه، فتفل عليه رسول الله ﷺ ، فبرىء، فأذن رسول الله ﷺ في قتل من وجد من اليهود لنقضهم عهده، ومحاربتهم لله ورسوله.
غزوة أحد «٣»
لما دارت على الظالمين الدوائر في غزوة بدر، وراح أشراف قريش بين قتيل وجريح وأسير أخيذ، فظل أبو سفيان بن حرب يؤلّب على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين، ويجمع الجموع ويحشد الحشود، قيل: إنه جمع زهاء ثلاثة آلاف من قريش، والحلفاء، والأحابيس وجاؤوا بنسائهم لئلا يفروا، وليحاموا عنهن، ثم أقبل بهم نحو المدينة، فنزل قريبا من جبل أحد بمكان يقال له (عينين) وكان ذلك يوم السبت لسبع ليال خلون من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من مهاجره، أي من السنة الثالثة.
стр. 38
استشار رسول الله ﷺ أصحابه، أيخرج إليهم، أم يمكث في المدينة؟ وكان رأيه ألا يخرجوا من المدينة، وأن يتحصنوا بها، فإن دخلوها، قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنساء من فوق البيوت، وقد وافقه على هذا الرأي عبد الله بن أبي، وكان هو الرأي السديد، فبادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر، وأشاروا عليه بالخروج، وألحوا عليه في ذلك، وأشار عبد الله بن أبي بالمقام في المدينة، وتابعه على ذلك بعض الصحابة فألح أولئك على رسول الله ﷺ ، فنهض ودخل بيته، ولبس لأمته، وخرج عليهم، وقد انثنى عزم أولئك، وقالوا: أكرهنا رسول الله ﷺ على الخروج، فقالوا: يا رسول الله، إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل، فقال رسول الله ﷺ : «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه» .
خرج رسول الله ﷺ في ألف من أصحابه، واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بمن بقى في المدينة، وكان رسول الله ﷺ رأى رؤيا وهو بالمدينة، رأى أن في سيفه ثلمة، ورأى بقرا تذبح، وأنه أدخل يده في درع حصينة، فتأوّل الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته، وتأوّل البقر بنفر من أصحابه يقتلون، وتأول الدرع بالمدينة «١» .
فخرج ﵊ يوم الجمعة، حتى إذا صار بالشوط بين المدينة وأحد، تقاعس وتدابر وانخذل عبد الله بن أبي بنحو ثلث العسكر، وقال: تخالفني وتسمع غيري، فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر بن عبد الله، يوبخهم ويحضهم على الرجوع ويقول: تعالوا قاتلوا في سبيل الله، أو ادفعوا، قالوا: لو تعلم أنكم تقاتلون، لم نرجع، فرجع عنهم، وسبهم، وسأله قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود، فأبى، وسلك حرة بني حارثة وقال: «من رجل يخرج بنا على القوم من كثب» ؟ فخرج به بعض الأنصار حتى سلك في حائط لبعض المنافقين، وكان أعمى، فقام يحثو التراب في وجوه المسلمين، ويقول: لا أحل لك أن تدخل في
стр. 39
خريطة رقم (٤) معركة أحد
стр. 40
حائطي إن كنت رسول الله، فابتدره القوم ليقتلوه، فقال: «لا تقتلوه، فهذا أعمى القلب أعمى البصر» .
ونفذ رسول الله ﷺ ، حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي، وجعل ظهره إلى أحد، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم، فلما أصبح يوم السبت، تعبّأ للقتال، وهو في سبعمائة، فيهم خمسون فارسا، واستعمل على الرماة- وكانوا خمسين عبد الله بن جبير، وأمره وأصحابه أن يلزموا مركزهم وألا يفارقوه، ولو رأى الطير تتخطف العسكر وكانوا خلف الجيش، وأمرهم أن ينضحوا المشركين بالنبل، لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم.
وقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه «١» من حديث البراء قال: لقينا المشركين يومئذ، وأجلس النبي ﷺ جيشا من الرماة، وأمّر عليهم عبد الله بن جبير، وقال: «لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا» «٢» ، فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا، فلا تعينونا» .
وظاهر رسول الله ﷺ بين درعين يومئذ وأعطى اللواء مصعب بن عمير، ثم جعل على إحدى المجنتين «٣» الزبير ابن العوام «٤» ، وعلى الآخرى المنذر بن عمرو، واستعرض الشباب يومئذ، فردّ من استصغره عن القتال، وكان منهم عبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، وأشيد بن ظهير، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وزيد بن ثابت، وعرابة بن أوس، وعمرو بن حزم، وأجاز من رآه مطيقا، وكان منهم سمرة بن جندب ورافع بن خديج، ولهما خمس عشرة سنة «٥» .
стр. 41
ثم تعبّأت قريش في ثلاثة آلاف، وفيهم مائتا فارس، فجعلوا على ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، ودفع رسول الله ﷺ إلى أبي دجانة سماك بن خرشة، وكان شجاعا بطلا يختال عند الحرب وكان أول من بدر من المشركين أبو عامر الفاسق، واسمه عبد عمرو بن صيفي، وكان يسمى «الراهب» فسماه رسول الله ﷺ «الفاسق» وكان رأس الأوس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام، شرق به، وجاهر رسول الله ﷺ بالعداوة؛ فخرج من المدينة وذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول الله ﷺ ، ويحضهم على قتاله، ووعدهم بأن قومه إذا رأوه أطاعوه، ومالوا معه، فكان أول من لقي المسلمين فنادى قومه، وتعرف إليهم، فقالوا له: - لا أنعم الله بك عينا يا فاسق، فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر، ثم قاتل المسلمين قتالا شديدا، وكان شعار المسلمين يومئذ أمت» «١» .
وأبلى يومئذ أبو دجانة الأنصاري، وطلحة بن عبيد الله، وأسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وأنس بن النضر، وسعد بن الربيع.
وكانت الدولة أول النهار للمسلمين على الكفار، فانهزم عدو الله وولّوا مدبرين حتى انتهوا إلى نسائهم، فلما رأى الرماة هزيمتهم تركوا مركزهم الذي أمرهم رسول الله ﷺ بحفظه، وقالوا: يا قوم، الغنيمة، فذكرهم أميرهم عهد رسول الله ﷺ ، فلم يسمعوا، وظنوا أن ليس للمشركين رجعة، فذهبوا في طلب الغنيمة، وأخلوا الثغرة، وكرّ فرسان المشركين فوجدوا الثغر خاليا، قد خلا من الرماة، فجازوا منه فتمكنوا حتى أقيل آخرهم، فأحاطوا بالمسلمين، فأكرم الله من أكرم منهم بالشهادة، وهم سبعون، وتولى الصحابة وخلص المشركون إلى رسول الله ﷺ فجرحوا وجهه، وكسروا رباعيتة اليمنى، وكانت السفلى، وهشموا البيض على رأسه «٢» ، ورموه بالحجارة
стр. 42
حتى وقع على شقه، وسقط في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها المسلمين، فأخذ عليّ بيده، واحتضنه طلحة بن عبيد الله، وكان الذي تولى أذاه ﷺ عمرو بن قمئة، وعتبة بن أبي وقّاص. وقيل إن عبد الله بن شهاب الزهيري عم محمد بن مسلم ابن شهاب الزهيري هو الذي شجّه.
وقتل مصعب بن عمير بين يديه، فدفع اللواء لعلي بن أبي طالب، ونشبت خلقتان من خلق المغفر في وجهه فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح، وعضّ عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما في وجهه، وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته، وأدرك المشركون يريدون ما الله حائل بينهم وبينه، فحال دونه نفر من المسلمين نحو عشرة حتى قتلوا، ثم جادلهم طلحة حتى أجهضهم عنه، وترّس أبو دجانة عليه بظهره والنبل يقع فيه، وهو لا يتحرك وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان، فأتى بها رسول الله ﷺ ، فردها عليه بيده، وكانت أصح عينيه وأحسنها، وصرخ الشيطان بأعلى صوته: إن محمدا قتل ووقع ذلك في قلوب كثير من المسلمين، وفرّ أكثرهم، وكان أمر الله قدرا مقدورا.
ومرّ أنس بن النضر بقوم من المسلمين قد ألقوا بأيديهم فقال: ما تنتظرون؟، فقالوا: قتل رسول الله ﷺ ، فقال: ما تصنعون في الحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه، ثم استقبل الناس، ولقي سعد بن معاذ فقال: يا سعد، إني لأجد ريح الجنة من دون أحد، فقاتل حتى قتل، ووجد به سبعون ضربة «١» ، وقد جرح عبد الرحمن بن عوف «٢» نحوا من عشرين جراحة.
أقبل رسول الله ﷺ نحو المسلمين، وكان أول من عرفه تحت المغفر كعب بن مالك، فصاح بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أبشروا، هذا رسول الله ﷺ ،
стр. 43
فأشار إليه أن اسكت، واجتمع إليه المسلمون، ونهضوا معه إلى الشعب الذي نزل فيه، وفيهم أبو بكر وعمر وعلي والحارث بن الصّمّة الأنصاري، وغيرهم، فلما استندوا إلى الجبل، أدرك رسول الله ﷺ أبي بن خلف على جواد له يقال له: العوذ زعم عدو الله أنه يقتل عليه ﷺ ، فلما اقترب منه تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، فطعنه بها فجاءت في ترقوته، فكرّ عدو الله منهزما، فقال له المشركون: والله ما بك من بأس فقال: والله لو كان ما بي بأهل ذي المجاز، لماتوا أجمعون، وكان يعلق فرسه بمكة ويقول: أقتل عليه محمدا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: - «بل أنا أقتله إن شاء الله تعالى» فلما طعنه تذكر عدو الله قوله: أنا قاتله.
فأيقن بأنه مقتول من ذلك الجرح، فمات منه في طريقه إلى مكة «١» .
وجاء علي بن أبي طالب إلى رسول الله ﷺ بماء ليشرب منه فوجده آجنا، فرده وغسل عن وجهه الدم، وصب على راسه، فأراد رسول الله ﷺ أن يعلو صخرة هنالك، فلم يستطع لما به فجلس طلحة تحته حتى صعدها وحانت الصلاة فصلى بهم جالسا، وسار رسول الله ﷺ في ذلك اليوم تحت لواء الأنصار.
وشد حنظلة الغسيل، وهو حنظلة بن أبي عامر على أبي سفيان، فلما تمكن منه، حمل على حنظلة شداد بن الأسود فقتله وكان جنبا، فإنه سمع الصيحة وهو على امرأته، فقام من فوره إلى الجهاد، فأخبر رسول الله ﷺ أصحابه أن الملائكة تغسله، ثم قال: سلوا أهله ما شأنه؟ فسألوا امرأته، فأخبرتهم الخبر، وجعل الفقهاء هذا حجة أن الشهيد إذا قتل جنبا فإنه يغسل اقتداء بالملائكة «٢» .
وقتل المسلمون حامل لواء المشركين، فرفعته لهم عمرة بنت علقمة الحارثية؛ حتى اجتمعوا إليه، وقاتلت أم عمارة وهي نسيبة بنت كعب المازنية قتالا شديدا،
стр. 44
وضربت عمرو بن قمئة بالسيف ضربات فوقته درعان كانتا عليه، وضربها عمرو بالسيف فجرحها جرحا شديدا على عاتقها.
وكان عمرو بن ثابت المعروف بالأصيرم من بني عبد الأشهل يأبي الإسلام، فلما كان يوم أحد قذف الله الإسلام في قلبه للحسنى التي سبقت منه له، فأسلم وأخذ سيفه، ولحق بالنبي ﷺ ؛ فقاتل فأثبت بالجراح ولم يعلم أحد بأمره، فلما انجلت الحرب طاف بنو عبد الأشهل في القتلى، يلتمسون قتلاهم، فوجدوا الأصيرم وبه رمق يسير، فقالوا: والله إن هذا الأصيرم ما جاء به، لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الأمر، ثم سألوه ما الذي جاء بك؟ أحدب على قومك، أم رغبة في الإسلام؟ فقال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله ورسوله، ثم قاتلت مع رسول الله ﷺ حتى أصابني ماترون، ومات من وقته فذكروه لرسول الله ﷺ فقال: «هو من أهل الجنة» قال أبو هريرة: ولم يصل لله صلاة قط «١» .
ولما خبا سعير الحرب، وأطفأ الله جمرتها، وأباد خضراءها وقلم أظفارها، أشرف أبو سفيان على الجبل مناديا: - أفيكم محمد؟ فلم يجيبوه، فقال: أفيكم ابن أبي قحافة؟ فلم يجيبوه، فقال: أفيكم عمر بن الخطاب؟ فلم يجيبوه، ولم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة، لعلمه وعلم قومه أن قوام الإسلام بهم، فقال: أما هؤلاء، فقد كفيتموهم، فلم يملك عمر نفسه أن قال: يا عدو الله، إن الذين ذكرتهم أحياء، وقد أبقى الله لك ما يسوءك، فقال: قد كان في القوم مثلة لم آمر بها، ولم تسؤني، ثم قال: اعل هبل. فقال النبي ﷺ : «ألا تجيبونه؟» فقالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله أعلى وأجل» ثم قال: لنا العزّى ولا عزّى لكم. قال: «ألا تجيبونه؟» قالوا:
ما نقول؟ قال: «قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم» «٢» .
стр. 45
أمرهم رسول الله ﷺ بجوابه عند افتخاره بالهته، وبشركه الفاحش، تعظيما للتوحيد، وإقرارا به في مواجهة الوثنية المقبوحة، وإعلاما بعزة الله معبود المسلمين الموحدين، وقوة جانبه، ولم يأمرهم رسول الله ﷺ بإجابته عند ما قال: أفيكم محمد؟
أفيكم ابن أبي قحافة؟ أفيكم عمر؟ بل لقد روي أنه ﷺ نهاهم عن ذلك، فقال لا تجيبوه، لأن كلمهم لم يكن بر وبعد في طلب القوم، ونار غيظهم بعد متوقدة، فلما قال لأصحابه: أما هؤلاء فقد كفيتموهم، حمي عمر بن الخطاب، واشتد غضبه، وقال: كذبت يا عدو الله، فكان في هذا الإعلام من الإذلال، والشجاعة، وعدم الجبن، والتعرف إلى العدو في تلك الحال ما يؤذنهم بقوة القوم وبسالتهم، وأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا، وأته وقومه جديرون بعدم الخوف منهم، وقد أبقى الله لهم ما يسوؤهم منهم، وكان في الإعلام ببقاء هؤلاء الثلاثة وهلة بعد ظنه وظن قومه أنهم أصيبوا من المصلحة وغيظ العدو، والفت في عضده ما ليس في جوابه حين سأل عنهم واحدا واحدا، فكان سؤاله عنهم، ونعيهم لقومه آخر سهام العدو وكيده، فصبر له النبى ﷺ حتى استوفى كيده، ثم انتدب له عمر، فرد سهام كيده عليه، وكان ترك الجواب أولا عليه أحسن، وذكره ثانيا أحسن، وأيضا فإن في ترك إجابته حين سأل عنهم إهانة له، وتصغيرا لشأنه، فلما منّته نفسه موتهم، وظن أنهم قد قتلوا، وحصل له بذلك من الكبر والأشر ما حصل كان في جوابه إهانة له، وتحقير، وإذلال، ولم يكن هذا مخالفا، لقول النبي ﷺ : «لا تجيبوه» «١» فإنه إنما نهى عن إجابته حين سأل: أفيكم محمد؟ أفيكم فلان؟، أفيكم فلان؟ ولم ينه عن إجابته حين قال: أما هؤلاء، فقد قتلوا، وبكل حال، فلا أحسن من ترك إجابته أولا، ولا أحسن من إجابته ثانيا.
ثم قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، فأجابه عمر، فقال: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار «٢» .
стр. 46
قال ابن عباس- ﵄ ما نصر رسول الله ﷺ في موطن نصره يوم أحد، فأنكر ذلك عليه، فقال: بيني وبين من ينكر كتاب الله، إن الله يقول:
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ «١» .
ولقد أنزل الله تعالى عليهم النعاس أمنة منه في غزوة بدر وأحد، والنعاس في الحرب وعند الخوف دليل على الأمن، وهو من الله، وفي الصلاة ومجالس الذكر والعلم من الشيطان.
ثم إنه ثبت تدخل الملائكة وقتالهم مع المسلمين في غزوة أحد فورد في الحديث الصحيح المتفق عليه عند البخاري ومسلم «٢» عن سعد بن أبي وقاص قال: «رأيت رسول الله ﷺ يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه، عليهم ثياب بيض، كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد» .
وثبت أنه ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، فلما رهقوه، قال: «من يردهم عنا، وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه، فقال: من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ : «ما أنصفنا أصحابنا» «٣» .
стр. 47
لقد صعد المشركون الجبل، واستولوا على ناحيته، فقال رسول الله ﷺ لسعد:
«اجنبهم» يقول: ارددهم، فقال: كيف أجنبهم وحدي؟ فقال ذلك ثلاثا، فأخذ سعد سهما من كنانته، فرمى به رجلا فقتله، قال: ثم أخذت سهمي أعرفه، فرميت به آخر فقتلته، فهبطوا من مكانهم، فقلت: هذا سهم مبارك، فجعلته في كنانتي، فكان عند سعد حتى مات، ثم كان عند بنيه.
وثبت عن أبي حازم، أنه سئل عن جرح رسول الله ﷺ ، فقال: «والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله ﷺ ، ومن كان يسكب الماء، وبما دووي، كانت فاطمة ابنته تغسله، وعلى بن أبي طالب يسكب الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، أخذت قطعة من حصير فأحرقتها، فألصقتها فاستمسك الدم» «١» .
في هذه الموقعة كسرت رباعيته ﷺ ، وشجّ في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه، ويقول: كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم، فأنزل الله : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ «٢» .
انهزم الناس، واندحروا، لكن أنس بن النضر لم ينهزم، فقال: - «اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء- يعني المسلمين وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء- يعني المشركين ثم تقدم، فلقيه سعد بن معاذ، فقال: أين يا أبا عمر؟ فقال أنس: واها لريح الجنة يا سعد، إني أجده دون أحد، ثم مضى فقاتل القوم حتى قتل، فما عرف حتى عرفته أخته ببنانه، وبه بضع وثمانون، ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم.
стр. 48
لقد انهزم المشركون أول النهار، فصرخ فيهم إبليس! أى عباد الله، أخزاكم الله، فارجعوا من الهزيمة فاجتلدوا.
كان حذيفة «١» ﵁ وأبوه في هذه الموقعة، فلما رأى المسلمين يريدون قتله، وهم يظنون أنه من المشركين، فقال حذيفة: أي عباد الله! أبي، فلم يفهموا قوله، حتى قتلوه، فقال: يغفر الله لكم، فأراد رسول الله ﷺ أن يديه، فقال: قد تصدقت بديته على المسلمين، فزاد ذلك حذيفة خيرا عند النبي ﷺ .
وقال زيد بن ثابت: بعثني رسول الله ﷺ يوم أحد أطلب سعد بن الربيع، فقال لي:: «إن رأيته فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك رسول الله ﷺ : كيف تجدك؟ قال: فجعلت أطوف بين القتلى، فأتيته وهو باخر رمق، وفيه سبعون ضربة، ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم. فقلت: يا سعد، إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام، ويقول لك: أخبرني كيف تجدك؟ فقال: وعلى رسول الله ﷺ ، قل له: يا رسول الله، أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار:
لاعذر لكم عند الله، إن خلص إلى رسول الله ﷺ ، وفيكم عين تطرق، وفاضت نفسه من وقته «٢» .
مرّ رجل من المهاجرين برجل من الأنصار يتشحط في دمه، وهو ينوء ويكبو وجراحه تثعب دما، فقال: يا فلان، أشعرت أن محمدا قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل، فقد بلّغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل قوله تعالى:
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ «٣» .
стр. 49
وقال عبد الله بن جحش في ذلك اليوم مقولة رائعة دقيقة وهي قوله: «اللهم إني أقسم عليك أن ألقى العدو غدا فيقتلوني، ثم يبقروا بطني، ويجدعوا أنفي، وأذني، ثم تسألني: فيم ذلك فأقول فيك» «١» .
وكان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج، وكان له من البنين الشباب أربعة يغزون مع النبي ﷺ إذا غزا، فلما توجه إلى أحد، أراد أن يتوجه معه، فقال له بنوه:
إن الله قد جعل لك رخصة، فلو قعدت ونحن نكفيك، وقد وضع الله عنك الجهاد، فأتى عمرو بن الجموح رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن بني هؤلاء يمنعونني أن أخرج معك، وو الله إني لأرجو أن أستشهد، فأطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال له رسول الله ﷺ : «أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد» وقال لبنيه: «وما عليكم أن تدعوه لعل الله يرزقه الشهادة» «٢» .
لقد ورد في غزوة أحد ستون آية من سورة آل عمران تبدأ بالآية الواحدة والعشرين ومائة وهي قوله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ آل عمران (١٢١) حتى آخر القصة.
أحكام فقهية، ونظرات وخواطر نفسية حول غزوة أحد
من هذه الأحكام الفقهية، والنظرات والخواطر النفسية التي يعتبرها، ويعتبر بها المعتبرون، ويأخذ بها أولو الحجا والفهم وأهل الممارسة والدربة: -
стр. 50
- أنه يجوز الإنغماس في العدو، كما انغمس أنس بن النضر وغيره.
يجوز أن يصلي الإمام قاعدا إذا جرح في المعركة وعلى المسلمين أن يصلوا خلفه قعودا، وذكر ابن قيم الجوزية «١» أن رسول الله ﷺ قد فعل ذلك في أحد واستمر على ذلك حتى وفاته «٢» .
إذا قتل المسلم نفسه فهو في النار، وذلك لقوله ﵊ في (قزمان) الذي أبلى بلاء حسنا مشهودا يوم أحد، فلما اشتدت به الجراح نحر نفسه؛ فقال ﷺ : «هو من أهل النار» «٣» .
السنة في الشهيد ألايغسّل، ولا يصلى عليه «٤» ، ولا يكفن في غير ثيابه، لكن يدفن إلا أن يسلب هذه الثياب فيجوز أن يكفن في غيرها.
إذا كان الشهيد جنبا فإن الملائكة، تتعهد وتتكفل بغسله مثلما غسلت الملائكة حنطلة بن أبي عامر.
يدفن الشهداء في مصارعهم، فلا ينقلون إلى مكان آخر، فإن قوما نقلوا قتلاهم إلى المدينة، فنادى منادي رسول الله ﷺ بالأمر برد القتلى إلى مصارعهم «٥» .
يستفاد أيضا غزوة أحد أن من الجائز أن يدفن الرجلان أو الثلاثة في القبر
стр. 51
وكان ﷺ يقول: «أيهم أكثر أخذا للقرآن، فإن أشاروا إلى رجل قدّمه في اللحد» «١» .
وقد دفن عبد الله بن عمرو بن حرام، وعمرو بن الجموح في قبر واحد.
أسوأ العواقب يكون من العصيان، وعدم الإنقياد للأوامر، لأن ما نزل بالمسلمين في أحد من البلاء إنما كان من جراء عدم انقيادهم، وعصيانهم لأمر رسول الله ﷺ .
أن الإدالة في الحرب مرة لنا ومرة علينا مقصودها الأسمى وغايتها الأسنى إنما هي الإبتلاء وتمحيص النفوس، وسبر غور إيمانها ويقينها وثباتها على الحق، واستسلامها لأمر الله، وبهذا يتميز الصادقون من غير الصادقين، لكن العاقبة للرسل.
وكما قال تعالى: «والعاقبة للمتقين» .
إن المنازل والمراقي والدرجات العالية التي أعدها الله تعالى لأوليائه وأهل كرامته لا بد أن تكون غالية الثمن، وإن مهدها هو صدق اليقين بالله تعالى، وموافقة الأمر والنهي، والجهاد الخالص الصادق غير المشوب.
كما أسلفنا وقعت غزوة أحد في يوم السبت لسبعة أيام خلون من شوال سنة ثلاث كما تقدم، فرجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، فأقام بها بقية شوال، وذلقعدة وذلحجة، والمحرم.
ثم إنه لما استهل هلال المحرم كان نما إلى علمه ﵊ أن طلحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما يستنفران الناس، ويؤلبانهم لحرب رسول الله ﷺ ، فبعث أبا سلمة، وعقد له لواء، وبعث معه مائة وخمسين رجلا من الأنصار والمهاجرين، فأصابوا إبلا وشاء، ولم يلقوا كيدا.
стр. 52
غزوة حمراء الأسد
ثم غزا رسول الله ﷺ حمراء الأسد يوم الأحد لثماني ليال خلون من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من مهاجره، قالوا: لما انصرف رسول الله ﷺ من أحد مساء يوم السبت، بات تلك الليلة على بابه ناس من وجوه الأنصار، وبات المسلمون يداوون جراحاتهم، فلما صلى رسول الله ﷺ الصبح يوم الأحد، أمر بلالا أن ينادي:
أن رسول الله ﷺ يأمركم بطلب عدوكم، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس.
قال جابر بن عبد الله: إن أبي خلفني يوم أحد على أخوات لي؛ فلم أشهد الحرب فأذن لي أن أسير معك، فأذن له رسول الله ﷺ ، فلم يخرج معه أحد لم يشهد القتال غيره، ودعا رسول الله ﷺ بلوائه وهو معقود لم يحل، فدفعه إلى علي بن أبي طالب، ويقال إلى أبي بكر الصديق- ﵁ وخرج وهو مجروح في وجهه، ومشجوج في جبهته، ورباعيته قد شظيت وشفته السفلى قد كلمات في باطنها، وهو متوهن منكبه الأيمن من ضربة ابن قمئة، وركبتاه مجحوشتان، وحشد أهل العوالي، ونزلوا حيث أتاهم الصريخ، وركب رسول الله ﷺ فرسا، وخرج الناس معه، فبعث ثلاثة نفر من أسلم طليعة في آثار القوم، فلحق اثنان منهم القوم بحمراء الأسد، وهي من المدينة على عشرة أميال طريق العقيق، متياسرة عن ذي الحليفة، إذا أخذتها في الوادي، وللقوم زجل وهم يأتمرون بالرجوع، وصفوان بن أمية ينهاهم عن ذلك، فبصروا بالرجلين، فعطفوا عليهما، فعلوهما، ومضوا ومضى رسول الله ﷺ بأصحابه حتى عسكروا بحمراء الأسد، فدفن الرجلين في قبر واحد، وهما القرينان، وكان المسلمون يوقدون تلك الليالي خمسمائة نار حتى ترى من المكان البعيد.
وذهب صوت معسكر المسلمين، ونيرانهم في كل وجه، فكبت الله بذلك عدوهم، وجعل الدائرة النفسية عليه، فانصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة، فدخلها يوم الجمعة، وقد غاب خمس ليال، وكان استخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم.
стр. 53
سرية أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي
ثم سرية أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي إلى قطن وهو جبل بناحية فايد به ماء لبني أسد بن خزيمة في هلال المحرم وعلى رأس خمسة وثلاثين شهرا من مهاجره ﷺ ، وذلك أنه بلغ رسول الله ﵊ أن طليحة وسلمة ابني خويلد قد صارا في قومهما، ومن أطاعهما يدعوانهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، فدعا رسول الله ﷺ أبا سلمة، وعقد له لواء، وبعث معه مائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار، وقال: سر حتى تنزل أرض بني أسد، فأغر عليهم قبل أن تلاقي عليك جموعهم؛ فخرج فأغذ السير ونكب عن سنن الطريق، ولا حب السبيل، وسبق الأخبار، ثم انتهى إلى أدنى قطن، فأغار على صرح لهم فضموه، وأخذوا رعاء لهم مماليك ثلاثة وأفلت سائرهم، فجاؤوا جمعهم فحذروهم؛ فتفرقوا في كل ناحية، ففرق أبو سلمة أصحابه ثلاث فرق في طلب النّعم والشاء، فابوا إليه سالمين، قد أصابوا إبلا وشاء ولم يلقوا أحدا، فانحدر أبو سلمة بذلك كله إلى المدينة.
سرية عبد الله بن أنيس
ثم بعث سرية عبد الله بن أنيس الى سفيان بن خالد بن نبيح الهزلي بعرنة، وكان خروجه من المدينة يوم الإثنين لخمس ليال خلون من المحرم، على رأس خمسة وثلاثين شهرا من مهاجره، وذلك لأنه بلغ رسول الله ﷺ أن سفيان بن خالد الهزلي ثم اللحياني، وكان ينزل (عرنة) وما والاها في ناس من قومه وغيرهم، قد جمع الجموع لرسول الله ﷺ ، فبعث ﵊ عبد الله بن أنيس ليقتله، فقال: صفه
стр. 54
لي يا رسول الله، قال: إذا رأيته هبته، وفرقت منه وذكرت الشيطان. قال: وكنت لا أهاب الرجال، واستأذنت رسول الله ﷺ أن أقول: فأذن لي فأخذت سيفي وخرجت أعتزي لخزاعة حتى إذا كنت ببطن عرنة لقيته يمشي ووراءه الأحابيش، ومن انضوى إليه فعرفته بنعت رسول الله ﷺ ، وهبته فرأيته فرأيتني أقطر فقلت صدق الله ورسوله، فقال: من الرجل؟ فقلت: رجل من خزاعة، سمعت بجمعك لمحمد فجئت لأكون معك قال: أجل إني لأجمع له، فمشيت معه، وحدثته، واستحلى حديثي، حتى انتهى إلى خبائه وتفرق عنه أصحابه، حتى إذا هدأ الناس وناموا اغتررته فقتلته، وأخذت رأسه، ثم دخلت غارا في الجبل، وضربت العنكبوت عليّ، وجاء الطلب فلم يجدوا شيئا فانصرفوا راجعين.
ثم خرجت فكنت أسير الليل، وأتوارى بالنهار حتى قدمت المدينة، فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد فلما رآني قال: أفلح الوجه، قلت: أفلح وجهك يا رسول الله، فوضعت رأسه بين يديه، وأخبرته خبري، فدفع إليّ عصا وقال: تحضر بهذه في الجنة، فكانت عنده، فلما حضرته الوفاة أوصى أهله أن يدرجوها في كفنه ففعلوا.
وكانت غيبته ثمان عشرة ليلة، وقدم يوم السبت لسبع بقين من المحرم.
سرية بئر معونة «١»
أقام رسول الله ﷺ بالمدينة بقية شوال، وذي القعدة وذي الحجة والمحرم، ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر الخبر، في آخر تمام السنة الثالثة من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد.
стр. 55
وكان سبب ذلك أن أبا البراء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وهو ملاعب الأسنة وفد على رسول الله ﷺ ، فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام فلم يسلم، ولم يبعد وقال: يا محمد، لو بعثت رجالا من أصحابك إلى اهل نجد فدعوهم إلى أمرك لرجوت أن يستجيبوا لك فقال ﷺ : إني اخشى عليهم أهل نجد، فقال أبو براء: أنا جارهم؛ فبعث رسول الله ﷺ المنذر بن عمرو أحد بني ساعدة، وهو الذي يلقب المعتق ليموت في أربعين رجلا من المسلمين، وقد قيل: في سبعين من خيار المسلمين منهم، الحارت بن الصمة، وحرام بن ملحان، أخو أم سليم، وهو خال أنس بن مالك، وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق وغيرهم فنهضوا حتى نزلوا بئر معونة، وهي بين أرض بني عامر، وحرة بني سليم، ثم بعثوا منها حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ إلى عدو الله وعدو رسوله ﷺ عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في كتابه، ثم عدا عليه فقتله، ثم استنهض بني عامر إلى قتال الباقين، فأبوا أن يجيبوه، لأن أبا براء أجاره، فاستغاث عليهم بني سليم، فنهض معه عصية ورعل وذكوان، وهم قبائل من بني سليم؛ فأحاطوا بهم فقتلوا كلهم رضوان الله عليهم إلا كعب بن زيد أخو بني دينار ابن النجار، فإنه ترك في القتلى، وفيه رمق، فارتث «١» من القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق- ﵁.
وكان عمرو بن أمية في سرح المسلمين ومعه المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح فنظر إلى الطير تحوم على العسكر فنهض إلى ناحية أصحابه، فإذا الطير تحوم على القتلى، والخيل التي أصابتهم لم تزل بعد، فقال المنذر بن محمد إلى عمر بن أمية: فما ترى؟ فقال: أرى أن نلحق برسول الله ﷺ فنخبره الخبر، فقال الأنصاري: ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، فقاتل حتى
стр. 56
قتل، وأخذ عمرو بن أمية أسيرا فلما أخبره أنه من مضر جزّ ناصيته عامر بن الطفيل، وأطلقه عن رقبة كانت على أمه، وذلك لعشرين بقيت من صفر مع الرجيع في شهر واحد.
فرجع عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة، أقبل رجلان من بني كلاب، وقيل من بني سليم حتى نزلا مع عمرو بن اميه في ظل كان فيه، وكان معهما عهد من رسول الله ﷺ لم يعلم به عمرو، فسألهما من أنتما؟ فانتسبا له، فأمهلهما حتى إذا ناما عاد عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه أصاب ثأرا من قتل أصحابه.
فلما قدم على رسول الله ﷺ أخبره بذلك فقال له رسول الله ﷺ : «لقد قتلت قتيلين لأدينهما» «١» وهذا سبب غزوة بني النضير .
غزوة بني النضير
ونهض رسول الله ﷺ بنفسه الى بني النضير مستعينا بهم في دية ذينك القتيلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية فلما كلمهم قالوا: نعم، فقعد رسول الله ﷺ مع أبي بكر وعمر، وعلي ونفر من أصحابه إلى جدار من جدرانهم، فاجتمع بنو النضير وقالوا:
من رجل يصعد على ظهر البيت فيلقي على محمد صخرة، فيقتله فيريحنا منه؟
فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، فأوحى الله تعالى بذلك إلى رسوله ﷺ ، فقام ولم يشعر بذلك أحد من أصحابه ممن معه، فلما استلبثه «٢» أصحابه- ﵃، قاموا فرجعوا إلى المدينة، وأتوا رسول الله ﷺ فأخبرهم بما أوحى الله تعالى إليه
стр. 57
مما أراده اليهود، وأمر أصحابه بالتهيؤ لحربهم، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم «١» .
ثم نهض لابن النضير في أول السنة الرابعة للهجرة، فحاصرهم ست ليال، وحينئذ نزل تحريم الخمر، فتحصنوا منه في حصون فأمر رسول الله ﷺ بقطع النخل، وإحراقها ودسّ عبد الله بن أبي بن سلول ومن معه من المنافقين إلى بني النضير إنا معكم إن قاتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم، فاغتروا بذلك، فلما جاءت الحقيقة خذلوهم وأسلموهم فسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح فاحتملوا بذلك إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام، وكان ممن سار معهم إلى خيبر أكابرهم حي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع، فدنت لهم خيبر، فقسم رسول الله ﷺ أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين خاصة إلا أنه أعطى منها أبا دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، وكانا فقيرين.
ولم يسلم من بني النضير إلا رجلين هما يمين بن عمير بن كعب بن عمرو بن جحاش، وأبو سعد بن وهد، أسلما فأحرزا أموالهما، وذكر أن ياسين بن عمير جعل جعلا لمن قتل ابن عمه عمرو بن جحاش لما همّ به في رسول الله ﷺ .
وفي قصة بني النضير نزلت سورة الحشر.
غزوة ذات الرقاع «٢»
أقام رسول الله ﷺ بعد بني النضير بالمدينة شهر ربيع الآخر، وبعض جمادى الأولى في صدر السنة الرابعة بعد الهجرة، ثم غزا نجدا، يريد بني محارب وبني ثعلبة
стр. 58
بن سعد بن غطفان، واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري «١» أو عثمان بن عفان «٢» ﵄ ونهض حتى نزل نخلا. وإنما سميت هذه الغزوة ذات الرقاع لأن أقدامهم- ﵃ نقبت «٣» وكانوا يلفون عليها الخرق، ولذلك سميت ذات الرقاع.
لقي رسول الله ﷺ بنخل جمعا من غطفان فتواقفوا إلا أنه لم يكن حرب، وصلى رسول الله ﷺ يومئذ صلاة الخوف، وفي انصرافهم من تلك الغزوة أبطأ جمل جابر، فنخسه ﵇ فانطلق متقدما للركاب، وابتاعه منه ﵇، ثم رده عليه ووهبه الثمن وزيادة قيراط. فلم يزل عند جابر- ﵁ متبركا به حتى أخذه أهل الشام في جملة ما انتهبوه بالمدينة في وقعة الحرة المشئومة.
وفي هذه الغزوة أتى أيضا رجل من بني محارب بن خصقة اسمه غورث بن الحارث، فأخذ سيف رسول الله ﷺ وهزه، فقال: يا محمد من يمنعك مني؟ قال:
الله، فرد غورث السيف مكانه، فنزل في ذلك: - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ «٤» .
وفي هذه الغزوة رمى رجل من المشركين رجلا من الأنصار كان ربيئة «٥» لرسول الله ﷺ فجرحه وهو يقرأ سورة من القرآن، فتمادى في القراءة ولم يقطعها لما أصابه وفي هذه الغزوة قصرت الصلاة وكذلك أيضا ولد في هذا العام سيدنا الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ ابن فاطمة الزهراء ﵂.
стр. 59
غزوة بدر الآخرة «١»
قال ابن إسحاق: ثم خرج في شعبان إلى بدر، لميعاد أبي سفيان حتى نزله.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول الأنصاري.
أقام ﷺ ثماني ليال ينتظر أبا سفيان بن حرب، وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل (مجنة) من ناحية الظهران، وبعض الناس يقول: إنه قد بلغ عصفان، ثم بدا له في الرجوع، فقال:
يا معشر قريش، إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب غيداق، ترعون فيه الشجر، وتشربون فيه اللبن، وإن عامكن هذا عام جدب، وإني راجع فارجعوا، فرجع الناس، فسماهم المكيون جيش السويق «٢» .
وأقام رسول الله ﷺ على بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده، فأتاه مخشى بن عمرو الضمري، وهو الذي كان يوادعه على بني ضمرة في غزوة (ودان) فقال: يا محمد، أجئت للقاء قريش على هذا الماء؟ قال: نعم يا أخا بني صخرة، وإن شئت مع ذلك رددنا إليك ما كان بيننا وبينك، ثم جادلناك حتى يحكم الله بيننا وبينك، قال: لا، والله يا محمد، مالنا بذلك منك من حاجة.
فأقام رسول الله ﷺ ينتظر أبا سفيان فمر به ابن أبي معبد الخزاعى، فقال وقد رأى ما كان رسول الله ﷺ وناقته تهوي به:
قد نفرت من رفقتي محمد ... وعجوت من يثرب كالعنجد «٣»
стр. 60
تهوي على دين «١» أبيها الأتلد «٢» ... قد جعلت ماء قديد «٣» موعدي
وماء ضجنان «٤» لها ضحى الغد
وقال عبد الله بن رواحة في ذلك: قال ابن هشام: أنشدنيها أبو زيد الأنصاري لكعب بن مالك قصيدة منها: -
وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد ... لميعاده صدقا ولا كان وافيا
فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا ... لأبت ذميما وافتقدت المواليا
تركنا به أوصال عتبة وابنه ... وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا
عصيتم رسول الله أف لدينكم ... وأمركم السيىء الذي كان غاويا
فإني وإن عنفتموني لقائل ... لما لرسول الله أهلي وماليا
أطعناه لم نعدله فينا بغيره ... شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا
стр. 61
وقال حسان بن ثابت في ذلك:
دعوا فلجات «١» الشام قد حال دونها ... جلاد كأفواه المخاض «٢» الأوارك «٣»
بأيدي رجال هاجروا نجو ربهم ... وأنصاره حقا وأيدى الملائك
إذا سلكت للغور «٤» من بطن طالج «٥» ... فقولا لها: ليس الطريق هنا لك
أقمنا على الرس «٦» النزوع ثمانيا ... بأرعن «٧» جرار عريض المبارك
بكل كميت «٨» جوزه «٩» نصف خلقه ... وقب «١٠» طوال مشرفات الحوارك «١١»
ترى العرفج «١٢» العامي «١٣» تذري «١٤» ... مناسم «١٥» أخفاق المطي الرواتك «١٦»
стр. 62
فإن نلق في تطوافنا والتماسنا ... فرات بن حيّان يكن رهن هالك
وإن نلق قيس بن امرىء القيس بعده ... يزد في سواد لونه لون حالك «١»
فأبلغ أبا سفيان عني رسالة ... فإنك من غر «٢» الرجال الصعالك «٣»
فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب فقال:
أحسان أنا يا ابن آكلة الفقا «٤» ... وجدك نفتال الخروق «٥» كذلك
خرجنا وما تنجو اليعافير «٦» بيننا ... ولو وألت منا بشد مدارك
إذا ما انبعثنا من مناخ حسبته ... مدمن أهل الموسم المتعارك
أقمت على الرس النزوع تريدنا ... وتتركنا في النخل عند المدارك «٧»
стр. 63
على الزرع تمشي خيلنا وركابنا ... فما وطئت ألصقناه بالدكادك «١»
أقمنا ثلاثا بين سلع «٢» وفارع ... بجرد الجياد والمطي الرواتك «٣»
جسبتم جلاد القوم عند قبابهم ... كمأخذكم بالعين أرطال آنك «٤»
فلا تبعث الخيل الجياد وقل لها: ... على نحو قول المعصم «٥» المتماسك
سعدتم بها وغيركم كان أهلها ... كوارث من أبناء فهر بن مالك
فإنك لا في هجرة إن ذكرتها ... ولا حرمات الدين أنت بناسك
غزوة دومة الجندل «٦»
خرج إليها رسول الله ﷺ في ربيع الأول سنة خمس، وذلك أنه بلغه أن بها جمعا
стр. 64
كثيرا يريدون أن يدنوا من المدينة، وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة، وهي من دمشق على خمس ليال، فاستعمل على المدينة سباعة بن عرفطة الغفاري، وخرج في ألف من المسلمين، ومعه دليل من بني عذرة يقال له مذكور، فلما اقترب منهم، إذا هم مغربون وإذا أثاروا النّعم والشاء، فهجم على ما شيتهم ورعاتهم فأصاب من أصاب، وهرب من هرب، وجاء الخبر أهل دومة الجندل؛ فتفرقوا، ونزل رسول الله ﷺ بساحتهم، فلم يجد فيها أحدا، فأقام بها أياما، وبث السرايا، وفرق الجيوش، فلم يصب منهم أحدا، فرجع رسول الله ﷺ إلى المدينة ووادع في تلك الغزوة عينية بن حصن.
غزوة المريسيع «١»
ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعض جمادى الآخرة ورجبا، وباقي العام، ثم غزا بني المصطلق، من خزاعة في شعبان من السنة السادسة من الهجرة، واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري «٢» ، وقيل بل نميلة بن عبد الله الليثي، وأغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق، وهم غارون على ماء يقال له: المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل، فقتل من قتل منهم، وسبى النساء والذرية، ومن ذلك السبي كانت جورية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد بني المصطلق، فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها، فأدى عنها رسول الله ﷺ ، فأعتقها وتزوجها.
стр. 65
وأصيب في هذه الغزوة هشام بن صبابة الليثي من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، أصابه رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت خطأ وهو يظنه من العدو.
وفي رجوع رسول الله ﷺ من هذه الغزوة قال عبيد الله بن أبي بن سلول: «لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل» وذلك لشر وقع بين جهجاه بن مسعود الغفاري أجير عمر بن الخطاب، وبين سنان بن وبر الجهني، حليف بني عوف بن الخزرج، فنادى الغفاري: يا للمهاجرين، ونادى الجهني: يا للأنصار، وبلغ زيد بن الأرقم رسول الله ﷺ مقالة عبد الله بن أبي بن سلول فنزل في ذلك من عند الله تعالى سورة «المنافقون» .
وتبرأ عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول من أبيه، وأتى إلى رسول الله ﷺ فقال: أنت يا رسول الله الأعز وهو الأذل، والله- إن شئت- لتخرجنه يا رسول الله، ووقف لأبيه قرب المدينة، فقال: والله لا تدخلها حتى يأذن لك رسول الله ﷺ في الدخول، فتدخل حينئذ.
وقال أيضا عبد الله بن عبد الله لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، بلغني أنك تريد قتل أبي، وإني أخشى إن أمرت بذلك غيري لا تدعني نفسي أرى قاتل أبي يمشي على الأرض فأقتله به، فأدخل النار إذا قتلت مسلما بكافر، وقد علمت الأنصار أني من أبرها بأبيه، ولكن يا رسول الله، إذا أردت قتله فمرني بذلك، فأنا والله، أحمل إليك رأسه، فقال له رسول الله ﷺ خيرا، وأخبره أنه لا يسيء إلى أبيه.
وفد من مكة قيس بن صبابة مظهرا إسلامه، وطلب دية أخيه هشام بن صبابة، فأمر له رسول الله ﷺ بها فأخذها، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، وفرّ إلى مكة كافرا وهو الذي أمر رسول الله ﷺ بقتله في فتح مكة، في جملة من أمر بقتلهم.
كان شعار المسلمين يوم بني المصطلق أمت أمت، ولما علم المسلمون أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية، أعتقوا كل ما كان في أيديهم من بني المصطلق، كرامة لمصاهرة رسول الله ﷺ ، فأطلق بسببها أهل بيت من قومها قرابة المائة.
стр. 66
ثم إن رسول الله ﷺ كان بعث إلى بني المصطلق بعد إسلامهم بأزيد من عامين الوليد بن عقبة بن أبي معيط مصدقا «١» ، فخرجوا ليتلقوه، ففزع فرجع وأخبر رسول الله ﷺ أنهم همّوا بقتله، فتكلم الناس في غزوهم، ثم أتى وافدهم منكرا لرجوع مصدقهم قبل أن يلقاهم، معرفين أنهم إنما خرجوا متلقين له مكرمين لوروده فنزلت في ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ «٢» .
وفي مرجع الناس من غزوة بني المصطلق قال أهل الإفك ما قالوه في حق أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها.
قال ابن سعد: وفي هذه الغزوة سقط عقد لعائشة، فاحتبسوا على طلبه، فنزلت آية التيمم.
أنزل الله تعالى براءة عائشة أم المؤمنين- ﵂ ما أنزل، وقد روي من طرق صحاح ما أنزل عنها في ذلك في قوله تعالى:
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ
«٣» .
وروي أن سعد بن معاذ كانت له في شيء من ذلك مراجعة مع سعد بن عبادة، وهذا وهم، لأن سعد بن معاذ مات إثر فتح قريظة من غير نكير في ذلك وبلا معارض، وكان فتح بني قريظة في آخر ذي القعدة من السنة الرابعة من الهجرة، وغزوة بني المصطلق في شعبان من السنة السادسة، أي بعد سنة وثمانية أشهر من موت سعد، وكانت المقاومة بين الرجلين المذكورين بعد الرجوع من غزوة بني المصطلق بأزيد من خمسين ليلة.
стр. 67
وذكر ابن إسحاق عن الزهري عن عبد الله بن عبد الله، وغيره أن المقاول لسعد بن عبادة إنما كان أسيد بن حضير، وهذا هو الصحيح «١» .
والوهم لم يعر منه أحد من بني آدم إلا من عصم الله تعالى.
غزوة الخندق (غزوة الأحزاب) «٢»
ثم كانت غزوة الخندق في شوال من السنة الخامسة للهجرة، وهذا ما قاله المؤرخون وأصحاب المغازي، والثابت أنها كانت في السنة الرابعة، ويرجح ذلك حديث ابن عمر «عرضت على رسول الله ﷺ يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني، ثم عرضت عليه يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني» .
ولذلك صح أنه لم يكن بينهما إلا سنة واحدة فقط- أي بين أحد والخندق- وأنها قبل دومة الجندل بلا أدنى شك في ذلك.
وسببها أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وسلام بن مشكم النضريون وهدى بن قيس، وأبو عمار- الوائليان، وهم حزب الأحزاب، خرجوا فأتوا مكة داعين إلى حرب رسول الله ﷺ ، وواعدين من أنفسهم بعون من انتدب إلى ذلك، فأجابهم أهل مكة إلى ذلك، ثم خرج اليهود المذكورون إلى (غطفان) فدعوهم إلى مثل ذلك فأجابوهم فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عينية بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري على بني فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرة، ومسعر بن
стр. 68
رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله ﷺ ، وما أجمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة، فعمل فيه ﷺ بيده، وعمل معه فيه المسلمون طلبا للأجر والثواب والقربى من الحق وجهادا في سبيله.
كانت في الخندق معجزات منها أن كدية صخر «١» عرضت في الخندق كلّت المعاول عنها، فأتى رسول الله ﷺ فدعا الله تعالى، ونفح عليها ماء؛ فانهالت كالكثيب «٢» .
وأطعم النفر العظيم من تمر يسير إلى غير ذلك.
ثم أقبلت الأحزاب حتى نزلت بمجتمع السيول من رومة بين الجرف وزغاية في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من كنانة وغيرهم، ونزلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد، حتى نزلوا بذنب نقمة إلى جانب أحد.
وخرج رسول الله ﷺ في ثلاثة آلاف من المسلمين، وقد قيل في تسعمائة، ولعل الأخير هو الصحيح حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع، فنزلوا هنالك والخندق بينهم، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وأمر بالنساء والذراري فجعلوا في الآطام.
وكان كعب بن أسد رئيس بني قريظة موادعا لرسول الله ﷺ ، فأتاه حي بن أخطب، فلم يزل به، وكعب يأبى عليه حتى أثّر فيه، ونقض كعب عهده مع رسول الله ﷺ ، ومال مع حي بن أخطب.
وبعث رسول الله ﷺ لما علم الأمر- سعد ابن معاذ، وسعد بن عبادة، وهما سيدا الأوس والخزرج وخوات بن جبير أخا بني عمرو بن عوف، وعبد الله بن رواحة،
стр. 69
خريطة رقم (٥)
معركة الخندق
стр. 70
أخا بني الحارث بن الخزرج؛ ليعرفوا الأمر، فلما بلغوا بني قريظة، وجدوهم مجاهرين مكاشفين بالغدر، ونالوا من النبي ﷺ ، فشاتمهم سعد بن معاذ، وانصرفوا.
وكان رسول الله ﷺ قد أمرهم إن وجدوا غدر بني قريظة حقا أن يعرضوا له الخبر ولا يصرحوا، فأتوا فقالوا: عضل والقارة تذكيرا بغدر القارة بأصحاب الرجيع، فعظم الأمر، وأحيط بالمسلمين من كل جهة، واستأذن بعض بني حارثة فقالوا:
يا رسول الله، إن بيوتنا عورة، وخارجة عن المدينة، فأذن لنا نرجع إلى ديارنا، وهم أيضا بنو سلمة بالفشل، ثم ثبت الله كلنا الطائفتين، ورحم القبيلتين، وظل المشركون محاصرين المسلمين نحو شهر، ولم تقع بينهم حرب.
ثم إن رسول الله ﷺ أرسل إلى عيينة بن حصن بن حذيفة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة، وهما رئيسا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، ثم جرت المراوضة والمراودة والمساومة في ذلك. لكن الأمر لم يتم، فذكر ذلك رسول الله ﷺ لسعد بن معاذ، وسعد بن عبادة فقالا: يا رسول الله، أشيء أمرك الله به، فلا بد لنا منه؟ أم شيء تحبه فنصنعه، أم شيء تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم، وقال: والله ما أصنع ذلك إلا انني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة.
فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، وهم لا يطيقون أن تأكلوا منها تمرة إلا قرى أو بيعا، فحين أكرمنا الله تعالى بالإسلام وهدانا له، وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟ والله، لا نعطيهم إلا السيف. فصوّب رسول الله ﷺ رأيه، وتمادوا على حالهم.
ثم إن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبدود أخو بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان وضرار بن الخطاب أخو بني محارب بن فهر، خرجوا على خيلهم، فلما وقفوا على الخندق قالوا: هذه مكيدة،
стр. 71
والله ما كانت تعرفها العرب، وقد قيل: إن سلمان الفارسي «١» كان أشار به، ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق، فاقتحموه وجاورزوه، وجالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق وسلع، ودعوا إلى المبارزة، فبارز علي بن أبي طالب عمروا فقتله، وخرج الباقون من حيث دخلوا، فعادوا إلى قومهم، وكان شعار المسلمين يوم الخندق (حم لا ينصرون) .
وكانت أم المؤمنين عائشة- ﵂ مع أم سعد بن معاذ في حصن بني حارثة، وكان من أحصن حصون المدينة، وكانت صفية عمة رسول الله ﷺ في فارغ، أطم حسان بن ثابت، في حين كان حسان بن ثابت وقتذاك مع الصبيان والنساء.
ورمى في بعض تلك الأيام سعد بن معاذ بسهم قطع منه الأكحل، وكان رماه حبان بن قيس بن العرقة، وقيل بل رماه أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم «٢» .
لما صعب الأمر، وتعقدت الأحوال أتى نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال له رسول الله ﷺ : إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة
فخرج نعيم فأتى بني قريظة، وكان ينادمهم في الجاهلية، فقال: يا بني
стр. 72
قريظة، قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيننا وبينكم، قالوا: صدقت، فقال:
إن قريشا وغطفان ليسوا مثلكم، البلد بلدكم ولا تقدرون عن التحول عنه، وقريش وغطفان ليسوا كذلك، ولا مثلكم، إن رأوا ما يسرهم، وإلا لحقوا ببلادهم وتركوكم، ولا طاقة لكم بمحمد، إن تركتم معه فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهنا، فقالوا: لقد أشرت بالرأي.
ثم نهضن إلى قريش، فقال لأبي سفيان: قد عرفتم صداقتي لكم، وبلغني أمر لزمني أن أعرفكموه، فاكتموا عني، قالوا: وما هو؟ قال: اعلموا أن اليهود قد ندموا على ما فسخوا من عهد محمد ﷺ ، وقد أرسلوا إليه أن يأخذوا منكم رهنا يدفعون إلى محمد، ويرجعون معه عليكم، فشكرته قريش على ذلك.
ثم نهض حتى أتى عطفان، فقال لهم مثلما قال لقريش، فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة أربع أرسل أبو سفيان وغطفان إلى بني قريظة: إنا لسنا بدار مقام، فاغدوا للقتال فأرسل اليهود إليهم: إن اليوم يوم سبت، ومع ذلك لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا، فردوا إليهم الرسول، والله لا نعطيكم فاخرجوا معنا، فقال بنو قريظة: صدق والله نعيم، فلما رجع الرسل إليهم بذلك قالوا: صدقنا والله نعيم، فأبوا من القتال معهم، وأرسل الله تعالى عليهم ريحا عظيمة كفأت قدورهم وآنيتهم.
وبعث رسول الله ﷺ إليهم حذيفة بن اليمان عينا فأتاه بخبر رحيلهم، ورحلت قريش وغطفان.
فلما أن أصبح رسول الله ﷺ ، وقد ذهب الأحزاب، رجع عن الخندق إلى المدينة، ووضع المسلمون سلاحهم فأتاه جبريل عن الله تعالى بالنهوض إلى بني قريظة، وذلك بعد صلاة الظهر من ذلك اليوم.
стр. 73
رأى قوم من المسلمين في ذلك اليوم جبريل ﵇ في صورة دحية الكلبي، على بغلة عليها قطيف الديباج ثم مر عليهم دحية بعد ذلك.
فأمر النبي ﷺ ألايصلي أحد العصر إلا في بني قريظة.
نهض المسلمون، فوافاهم وقت العصر في الطريق، فقال بعض المسلمين:
نصلي، ولم نؤمر بتأخيرها عن وقتها، وقال آخرون: لا نصليها إلا حيث أمرنا رسول الله ﷺ أن نصليها. فذكر أن بعضهم لم يصلوا العصر إلا ليلا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فلم يعنف من الطائفتين أحدا.
أما التثريب والتعنيف واللوم والإنحاء فهو إنما يقع على العاصي المتعمد المعصية، وهو يعلم أنها معصية، وأما المتأول قصدا للخير، فهو وإن لم يصادف الحق، غير معنف وغير ملوم.
والله يعلم أن قلوبهم جميعا مطبوعة على الطاعة، ولزوم أمر الله، وهو يعلم السر وأخفى، وهو أعلم بمضمر الدخائل والنيات.
رجع الخبر فأعطى رسول الله ﷺ الراية إلى علي ابن أبي طالب- ﵁ واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، ونازل رسول الله ﷺ حصونهم، فأسمع المسلمون سب رسول الله ﷺ ، فلقي علي رسول الله ﷺ ، فعرض له بألا يدنو منهم لأجل ما سمع، فقال له رسول الله ﷺ : لو رأوني لم يقولو من ذلك شيئا، فلما رأوا النبي ﷺ ، أمسكوا عما كانوا يقولون، فنزل رسول الله ﷺ على بئر من آبارهم يقال لها: (بئر أنا) وقيل (بئر أني) ثم حاصرهم ﵊ خمسا وعشرين ليلة، وعرض عليهم سيدهم كعب بن أسد ثلاث خصال، وهي:
إما الإسلام.
стр. 74
- وإما قتل ذراريهم ونسائهم ثم القتال حتى يؤتى عليهم جميعا.
وإما تبيت النبي ﷺ ليلة السبت ظنا منهم أن المسلمين قد آمنوا منهم، وأبوا كل ذلك. ثم أرسلوا إلى رسول الله ﷺ أن يبعث إليهم أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف، وكانوا حلفاء الأوس، فأرسله ﷺ إليهم فلما أتاهم اجتمع إليه رجالهم، والنساء والصبيان، فقالو له: يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم وأشار إليهم، إنه الذبح، ثم ندم أبو لبابة من وقته، وعلم أنه قد أذنب، فانطلق على وجهه، ولم يرجع إلى النبي ﷺ ، فكتف نفسه إلى عمود من أعمدة المسجد وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله عليّ وعاهد الله تعالى ألايدخل أرض بني قريظة أبدا، ولا يكون بأرض خان الله ورسوله فيها، وبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: لو أتاني لاستغفرت له، فأما إذ فعل ما فعل، فما أنا بالذي يطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه، فنزلت التوبة على رسول الله ﷺ في أمر لبابة.
والآية التي تيب فيها على أبي لبابة هي قوله تعالى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ، خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» .
فتولى رسول الله ﷺ إطلاقه بيده، وقيل إنه- ﵁ أقام مرتبطا بالجذع ست ليال، لا يحل إلا للصلاة.
ونزل بنو قريظة على حكم سعد بن معاذ، إذ حكم فيهم بحكم رسول الله ﷺ ، وأسلم ليلة نزولهم ثعلبة، وأسيد ابنا سعية، وأسد بن عبيد وهم نفر من هذل من بنى عم قريظة والنضير.
стр. 75
وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظي، وكان قد أبى من الدخول معهم في نقض عهد رسول الله ﷺ فنجا ولم يعلم أين وقع. فلما نزلت بنو قريظة على حكمه ﷺ ، قالت الأوس: يا رسول الله، قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت، وهم حلفاء إخواننا الخزرج وهؤلاء موالينا، فقال رسول الله ﷺ : ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك إلى سعد بن معاذ.
وكان النبي ﷺ قد جعل سعد بن معاذ في خيمة بالمسجد تسكنها رفيدة الأسلمية، وكانت امرأة صالحة، تقوم على المرضى وتطبب وتداوي الجرحى، ليعوده النبي ﷺ من قريب، فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد ليؤتى به، فيحكم في بني قريظة، فأتى به على حمار، وقد وطىء له بوسادة أدم، وأحاط به قومه وهم يقولون:
يا أبا عمرو، أحسن في مواليك، فقال لهم سعد: قد آن لسعد ألاتأخذه في الله لومة لائم.
فرجع بعض من معه إلى ديار بني عبد الأشهل، فنعى إليهم رجال بني قريظة، فلما أظل سعد على رسول الله ﷺ ، قال للمسلمين: قوموا إلى سيدكم، فقام المسلمون، فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله ﷺ قد ولّاك أمر مواليك؛ لتحكم فيهم، فقال: عليكم بذلك، عهد الله وميثاقه، أن الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا:
نعم، قال: وعلى من هاهنا- في الناحية التي فيها رسول الله ﷺ ، وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجلالا له، فقال رسول الله ﷺ : نعم، قال سعد: إني أحكم فيهم أن تقتلوا الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذراري والنساء، فقال له رسول الله ﷺ :