وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ [آل عمران ٣/ ١٥٢] .
وانظر! .. كم كان وبال هذه الخطيئة جسيما، وكم كانت نتيجتها عامة! ..
لقد عادت خطيئة أفراد قليلين في جيش المسلمين، بالوبال عليهم جميعا، بحيث لم ينج حتى رسول الله ﷺ ، من نتائجها، وتلك هي سنة الله في الكون، لم يمنعها من الاستمرار أن رسول الله ﷺ موجود في ذلك الجيش، وأنه أحب الخلق إلى ربه ﷻ .
فتأمل أنت في نسبة خطيئة أولئك الأفراد، إلى أخطاء المسلمين المتنوعة اليوم، والمتعلقة بشتى نواحي حياتنا العامة والخاصة. تأمل هذا لتتصور مدى لطف الله بالمسلمين إذ لا يهلكهم بما تكسب أيديهم، وبتقاعسهم حتى عن أداء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاجتماع في كلمة واحدة على ذلك.
وإذا تأملت في هذا، علمت الجواب عن سؤال بعضهم اليوم، عن الحكمة من أن الشعوب الإسلامية تظل مغلوبة على أمرها، أمام الدول الباغية الأخرى، على الرغم من أن هؤلاء كفرة وأولئك مسلمون.
ثامنا: لقد رأينا أن النبي ﷺ أوذي كثيرا في هذه الفترة، فوقع لشقه، وشجّ رأسه، وكسرت رباعيته، وساح الدم غزيرا في وجهه، وكل ذلك جزء من نتائج تلك الخطيئة.. خطيئة أولئك المسلمين في الخروج على أوامر القائد. ولكن ما الحكمة في أن يشيع خبر مقتل رسول الله ﷺ في صفوف المسلمين؟! ..
والجواب: أن ارتباط المسلمين برسول الله ﷺ ووجوده فيما بينهم كان له من القوة بحيث لم يكونوا يتصورون فراقه ولم يكونوا يتخيلون قدرة لهم على التماسك من بعده، فكان أمر وفاة رسول الله ﷺ شيئا لا يخطر لهم في بال، وكأنهم كانوا يسقطون حساب ذلك من أذهانهم، ولا ريب أنهم لو استيقظوا من غفلتهم هذه على خبر وفاته الحقيقية، لصدّع الخبر أفئدتهم، ولزعزع كيانهم الإيماني بل لقوّضه في نفوس كثير منهم.
فكان من الحكمة الباهرة أن تشيع هذه الشائعة، تجربة درسيّة بين تلك الدروس العسكرية العظيمة، كي يستفيق المسلمون من ورائها إلى الحقيقة التي ينبغي أن يوطنوا أنفسهم لها منذ الساعة، وأن لا يرتدوا على أعقابهم إذا وجدوا أن رسول الله ﷺ قد اختفى مما بينهم.
ومن أجل بيان هذا الدرس الجليل نزلت الآية تعليقا على ما أصاب كثيرا من المسلمين من ضعف وتراجع لدى سماعهم نبأ مقتل رسول الله ﷺ ، وذلك إذ يقول الله تعالى:
стр. 177
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ، قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ؟
وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران ٣/ ١٤٤] .
ولقد اتضح الأثر الإيجابي لهذا الدرس، يوم أن لحق رسول الله ﷺ فعلا بالرفيق الأعلى، فقد كانت شائعة أحد هذه، مع ما نزل بسببها من القرآن، هي التي أيقظت المسلمين ونبهتهم إلى الحقيقة، فودعوا رسول الله ﷺ بقلوبهم الحزينة، ثم رجعوا إلى الأمانة التي تركها بين أيديهم، أمانة الدعوة والجهاد في سبيل الله، فنهضوا بها أقوياء بإيمانهم أشداء في عقيدتهم وتوكلهم على الله تعالى.
تاسعا: ولنتأمل في وقع الموت على أصحاب رسول الله ﷺ ، وهم من حوله يحمونه بأجسادهم من نبال المشركين وضرباتهم، يتساقطون الواحد منهم إثر الآخر تحت وابل السهام، وهم في نشوة عارمة وحرص حريص على حفظ حياة رسول الله ﷺ ، لا يبالون بغير ذلك! .. فما هو مصدر هذه التضحية العجيبة؟.
إنه الإيمان بالله ورسوله أولا، ثم محبة رسول الله ﷺ ثانيا، فهما معا سبب هذه التضحية الرائعة العجيبة. والمسلم يحتاج إليهما معا، لا يكفيه أن يدّعي الإيمان بما ينبغي الإيمان به من أمور العقيدة، حتى يمتلئ قلبه بمحبة الله ورسوله أيضا، ولذلك قال ﵊: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» «٣١» .
وبيان ذلك أن الله قد غرس في الإنسان عقلا وقلبا. أما الأول فلكي يفكر به فيؤمن بما يجب الإيمان به. وأما الثاني فلكي يستعمله في محبة من أمر الله بمحبته وبغض من أمر ببغضه. وإذا لم يشغل القلب بمحبة الله ورسوله والصالحين من عباده، فسيمتلئ ولا بد بمحبة الشهوات والأهواء والمحرمات. وإذا فاض القلب بمحبة الشهوات والأهواء فهيهات أن يصبح الاعتقاد وحده حاملا لصاحبه على أي عمل من أعمال التضحية أو الفداء.
وهذه الحقيقة من الأوليّات التي أقرها علماء التربية، والأخلاق، ودلت عليها التجارب البدهية، واسمع ما يقوله في ذلك جان جاك روسو في كتابه (اميل) :
«كم قيل وأعيد القول عن الرغبة في إقامة الفضيلة على العقل وحده، ويا له من أساس متين! .. أي أساس هذا؟! .. إن الفضيلة كما يقولون هي النظام، ولكن هل يستطيع الإيمان بالنظام أن يتغلب على مسرتي الخاصة؟ .. إن هذا المبدأ المزعوم ليس إلا لعبا بالألفاظ فالرذيلة هي حب النظام بشكل مختلف» «٣٢» .
стр. 178
من أجل هذه الحقيقة لم تستطع الحكومة الأمريكية أن تلتزم بما آمنت به واعتقدت بفائدته يوم أقدمت على تحريم الخمر ومنع مداولتها في المجتمعات والنوادي، وذلك عام ١٩٣٣ م، إذ لم تمض سوى فترة وجيزة حتى نكص المقننون على أعقابهم، وارتدّوا مترنحين من ألم الحرمان فألغوا القانون الذي التزموه وراحوا يعبّون أقداحهم من جديد..
هذا على حين أن أصحاب رسول الله ﷺ وهم من هم من الثقافة والمدنية ومعرفة الأضرار والفوائد بالنسبة للأمريكيين اليوم- عمدوا بمجرد أن سمعوا أمر الله لهم باجتناب الخمر، إلى دنان الخمر فأراقوها وإلى الأقداح فكسروها، وارتفعت أصواتهم تقول: «انتهينا يا رب انتهينا!» ...
والفرق بين الصورتين والواقعتين، أن ههنا شيئا قد وقر في القلب فكان هواه تبعا لأمر الله وأحكامه.
هذه المحبة، بل هذا الهوى المستحوذ على قلوب أصحاب رسول الله ﷺ هو الذي جعلهم يمدون نحورهم دون نحر رسول الله ويعانقون الموت في سبيل حفظ حياته ﵊.
وكم في غزوة أحد من المشاهد الرائعة التي تكشف عن أثر هذه المحبة إذ تغمر قلب صاحبها.
روى ابن هشام أن النبي ﷺ قال لأصحابه: «من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع أفي الأحياء هو أم في الأموات؟ فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد.
فنظر، فإذا هو جريح في القتلى وبه رمق. فقال له: إن رسول الله ﷺ أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات! .. قال: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله عني السلام، وقل له:
إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم ﷺ وفيكم عين تطرف. قال الأنصاري: فلم أبرح حتى مات» .
ويوم تمتلئ أفئدة المسلمين في عصرنا هذا بنحو من هذه المحبة، بحيث تبعدهم قليلا عن شهواتهم وأنانيتهم، وتتغلب عليها، أقول: يوم يحدث هذا في أفئدة المسلمين فإنهم يصبحون خلقا آخر جديدا، وسينتزعون انتصارهم من بين شدقي الموت وسيتغلبون على أعدائهم، مهما كانت العقبات والسدود.
وإذا سألت عن السبيل إلى مثل هذه المحبة، فاعلم أنها في كثرة الذكر وكثرة الصلاة على رسول الله ﷺ ، وفي كثرة التأمل والتفكر في آلاء الله ونعمه عليك، وفي سيرة رسول الله ﷺ وأخلاقه وشمائله، وهذا كله بعد الاستقامة على العبادات في خشية وحضور، والتبتل إلى الله بين الحين والآخر.
стр. 179
عاشرا: وقد رأينا فيما يرويه البخاري ﵁، أن النبي ﷺ أمر بدفن قتلى المسلمين بدمائهم ولم يصلّ عليهم، وجمع بين الرجلين في قبر واحد، وقد استدل من ذلك العلماء على أن الشهيد في معركة الجهاد لا يغسل ولا يصلى عليه، بل يدفن بدمائه. قال الشافعي ﵁:
جاءت الأحاديث من وجوه متواترة أنه لم يصل عليهم، وأما ما روي أنه ﷺ ، صلى عليهم عشرة عشرة، وفي كل عشرة حمزة، حتى صلى عليه سبعين مرة فضعيف وخطأ «٣٣» . كما استدلوا بذلك أيضا على أنه يجوز عند الضرورة الجمع بين أكثر من واحد في القبر، أما بدون ضرورة فلا يجوز.
حادي عشر: وإذا تأملنا فيما أقدم عليه رسول الله ﷺ مع أصحابه فور عودتهم إلى المدينة من الخروج ثانية للحاق بالمشركين، اتضح لنا درس معركة أحد اتضاحا كاملا، وتبين لنا كل من نتيجتيها: السلبية والإيجابية، وظهر لنا بما لا يدع مجالا للتوهم أن النصر إنما يكون مع الصبر وإطاعة أوامر القائد الصالح واستهداف القصد الديني المجرد.
فقد رأينا أن النبي ﷺ لم يكد يؤذّن في الناس للخروج مرة أخرى لطلب العدوّ، حتى تجمع أولئك الذين كانوا معه بالأمس، من بعد ما أصابهم القرح وأنهكتهم الجروح والآلام، ولم يسترح أحد منهم بعد في بيته أو يفرغ للنظر في حاله وجسمه، وانطلقوا خلف رسول الله ﷺ يبتغون المشركين الذين لم تخمد بعد في رؤوسهم جذوة النشوة بالنصر. ولم يكن فيهم هذه المرة من يطمع في غنيمة أو غرض دنيوي، وإنما هو التطلع إلى النصر أو الاستشهاد في سبيل الله، وهم يسوقون بين يدي ذلك جراحاتهم الدامية، وقروحهم المؤلمة.
فما الذي كان من نتيجة ذلك؟
لا نشوة الظفر أو لذة الانتصار ربطت على قلوب المشركين ليتمموا نصرهم والتغلب على خصومهم، ولا وقع الهزيمة وآلام الجروح الكثيفة في المسلمين حال شيء من ذلك دون إقدامهم وانتصارهم.
وكيف كان السبيل؟ .. لقد كان السبيل إلى ذلك آية إلهية خارقة لتتمم الدرس والموعظة للمسلمين، وقع الرعب فجأة في قلوب المشركين وتصوروا كما أخبرهم صاحبهم الذي كان قد لمح المسلمين عن بعد، أن محمدا ﷺ وصحبه قد جاؤوا هذه المرة ومعهم الموت المؤكد لينثروه فيما بينهم، فارتدوا على أعقابهم بعد أن كانوا متجهين صوب المدينة، وانطلقوا سراعا إلى مكة لا يلوون على شيء! ..
أما كيف داخلهم هذا الرعب الغريب من المسلمين، وهم الذين كسروا شوكتهم ووضعوا
стр. 180
السيف فيهم قبل ساعات فقط من الزمن، فمردّ ذلك إلى الإرادة الإلهية التي جعلت من هذه الموقعة كلها درسا بليغا للمسلمين، جمع بين كلا مظهريه الإيجابي والسلبي في آن واحد.
وفي هذا الختام الأخير المتمم لموعظة أحد نزل قوله تعالى:
الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ، الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ، فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ
[آل عمران ٣/ ١٧٢- ١٧٤] .
يوم الرجيع، وبئر معونة
أولا- يوم الرجيع (في السنة الثالثة) :
قدم وفد من قبائل عضل والقارة على رسول الله ﷺ يذكر أن أخبار الإسلام قد وصلتهم وأنهم بحاجة إلى من يعلمهم شؤون هذا الدين، فبعث الرسول ﷺ نفرا من أصحابه، وفيهم:
مرثد بن أبي مرثد، وخالد بن البكير، وعاصم بن ثابت، وخبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت.
روى البخاري بسنده عن أبي هريرة، قال: «فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة، ذكروا لحيّ من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فتبعوهم بقريب من مئة رام، فاقتصوا آثارهم، حتى أتوا منزلا نزلوه فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم فلما انتهى عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فدفد، وجاء القوم فأحاطوا بهم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلا. فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصما في سبعة نفر بالنبل، وبقي خبيب وزيد ورجل آخر، فأعطوهم العهد والميثاق.
فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم فربطوهم بها فقال الرجل الثالث الذي معهما: هذا أول الغدر، فأبى أن يصحبهم فجرروه وعالجوه، على أن يصحبهم، فلم يفعل فقتلوه.
وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة: فاشترى خبيبا بنو الحارث، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث يوم بدر، فمكث عندهم أسيرا حتى إذا أجمعوا قتله استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحدّ بها. قالت: فغفلت عن صبيّ لي، فدرج إليه حتى أتاه، فأجلسه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذاك مني، وفي يده الموسى. فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله تعالى. وكانت تقول: ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، لقد رأيته يأكل من
стр. 181
قطف عنب، وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لموثق بالحديد، وما كان إلا رزق رزقه الله. فخرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين، ثم انصرف إليهم فقال: لولا أن تروا أنّ ما بي جزع من الموت لزدت، فكان أول من سنّ الركعتين قبل القتل. ثم قال:
ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي شق كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله. وبعثت قريش إلى عاصم ليأتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل عظيما من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل المظلة من الدّبر، فحمته من رسلهم فلم يقدروا منه على شيء» «٣٤» .
وزاد الطبري فروى عن أبي كريب قال: «حدثنا جعفر بن عون عن إبراهيم بن إسماعيل قال: وأخبرني جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ بعثه وحده عينا إلى قريش، قال: فجئت إلى خشبة خبيب وأنا أتخوف العيون، فرقيت فيها فحللت خبيبا، فوقع إلى الأرض، فانتبذت غير بعيد، ثم التفتّ فلم أر لخبيب رمّة فكأنما الأرض ابتلعته، فلم تذكر لخبيب رمة حتى الساعة» .
قال ابن إسحاق: «وأما زيد، فابتاعه صفوان بن أمية، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه، قال له أبو سفيان: أنشدك بالله يا زيد، أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك، نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي! فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا» «٣٥» .
ثانيا- بئر معونة (في السنة الرابعة) :
قدم عامر بن مالك المشهور بلقب (ملاعب الأسنة) على رسول الله ﷺ ، فعرض عليه الإسلام، ولكنه لم يسلم ولم يظهر تجنبا عن الإسلام، بل قال: «يا محمد، لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك، رجوت أن يستجيبوا لك. فقال ﵊:
إني أخشى عليهم أهل نجد قال عامر: أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك.
فبعث رسول الله ﷺ سبعين رجلا من أصحابه من خيار المسلمين وكان ذلك على ما رواه ابن إسحاق وابن كثير في صفر على رأس أربعة أشهر من غزوة أحد. فساروا حتى نزلوا ببئر معونة، فلما نزلوها بعثوا أحدهم (حرام بن ملحان) بكتاب رسول الله ﷺ إلى عامر بن
стр. 182
الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في كتابه، وعدا عليه فقتله. روى البخاري عن أنس بن مالك، أن حرام بن ملحان لما طعن وانتضح الدم في وجهه، صاح: فزت ورب الكعبة «٣٦» .
ثم استصرخ عامر بن الطفيل بتي عامر يستعديهم على بقية الدعاة فأبوا أن يجيبوه وقالوا:
لن نخفر أبا براء (عامر بن مالك) ، فاستصرخ عليهم قبائل من سليم من عصيّة ورعل وذكوان فأجابوه، وانطلقوا فأحاطوا بالقوم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم وقاتلوهم، فقتل المسلمون عن آخرهم.
وكان في سرح الدعاة اثنان لم يشهدا هذه الموقعة الغادرة، أحدهما (عمرو بن أمية الضمري) ولم يعرف النبأ إلا فيما بعد، فأقبلا يدافعان عن إخوانهما فقتل زميله معهم، وأفلت هو فرجع إلى المدينة. وفي الطريق لقي رجلين من المشركين ظنهما من بني عامر فقتلهما، ثم تبيّن لما وصل إلى رسول الله ﷺ وأخبره الخبر أنهما من بني كلاب وأن النبي ﷺ كان قد أجارهما. فقال ﵊: لقد قتلت قتيلين لأدينّهما.
وتأثر النبي ﷺ لمقتل هؤلاء الدعاة الصالحين من أصحابه، وبقي شهرا يقنت في صلاة الصبح يدعو على قبائل سليم: رعل وذكوان وبني لحيان وعصيّة» «٣٧» .
العبر والعظات:
في هاتين الحادثتين المؤثرتين دلالات هامة نجملها فيما يلي:
أولا: يدل كل من حادثة الرجيع وبئر معونة على اشتراك المسلمين كلهم في مسؤولية الدعوة إلى الإسلام وتبصير الناس بحقيقته وأحكامه. فليس أمر الدعوة موكولا إلى الأنبياء والرسل وحدهم أو إلى خلفائهم والعلماء دون غيرهم.
وإنك لتستشعر مدى أهمية القيام بواجب هذه الدعوة، من إرسال النبي ﷺ أولئك القراء الذين بلغت عدتهم سبعين شابا من خيرة أصحابه ﷺ ، ولما يمض أمد طويل على مقتل أولئك النفر الستة الذين كان قد بعثهم في ذلك السبيل نفسه.. ولقد استشعر الخوف عليهم، وذكر ذلك لعامر بن مالك عندما اقترح عليه إرسال وفد لدعوة الناس إلى الدين ولكنه كان يرى أن القيام بأعباء التبليغ أهم من كل شيء، ولئن لم يمكن تحمل مسؤولية الدعوة والنهوض بها إلا بمثل هذه المغامرة وقبول ما قد ينتج عنها، فلتكن المغامرة، وليكن ما أراد الله تعالى في سبيل القيام بأمره وتبليغ دعوته.
стр. 183
ثانيا: كنا قد قلنا في القسم الأول من هذا الكتاب، إنه لا يجوز للمسلم المقام في دار الكفر أو الحرب إن لم يمكنه إظهار دينه، ويكره له ذلك إن أمكنه إظهار دينه، والذي يدل عليه هذا المشهد من سيرته ﷺ أنه يستثنى من ذلك ما إذا كان مقام المسلم في دار الكفر ابتغاء القيام بواجب الدعوة الإسلامية هناك، فذلك من أنواع الجهاد الذي تتعلق مسؤوليته بالمسلمين كلهم على أساس فرض الكفاية الذي إن قام به البعض قياما تاما سقطت المسؤولية عن الباقين، وإلا اشتركوا كلهم في المأثم «٣٨» .
ثالثا: إذا تجاوزنا ما ينطوي عليه كل من حادثتي الرجيع وبئر معونة من دلالة واضحة على مدى ما كانت تفيض به أفئدة المشركين من غل وحقد على المؤمنين، حتى إنهم ارتضوا لأنفسهم أحط مظاهر الخيانة والغدر ابتغاء إطفاء غليل أحقادهم على المسلمين- أقول إذا تجاوزنا ذلك- وقفنا على صورة رائعة لعكس هذه الطبيعة تماما لدى أولئك المسلمين الذين راحوا ضحية تلك الخيانة والأحقاد. فقد رأيت كيف حبس خبيب ﵁ أسيرا في بيت بني الحارث في انتظار ساعة قتله، وكان قد استعار شفرة ليصلح بها شأنه ويتطهر استعداد للموت، وفي البيت طفل صغير راح يدرج نحوه في غفلة من أمه، ولقد كانت هذه اللحظة، في حساب من يتعلق بالحياة ويفكر في الانتقام، فرصة رائعة لمساومة أو غدر في مقابل غدر. ولقد كان هذا هو حساب أهل البيت كلهم، فما إن انتبهت أم الطفل إلى انصرافه نحو خبيب حتى هبت مذعورة لتخلصه من براثن موت مؤكد! .. ولكنها وقفت مندهشة عندما رأت طفلها وقد أجلسه خبيب في حجره يلاطفه كأنه أب شفوق! .. ونظر إليها وقد ألّم بما في نفسها من الخوف، وقال لها في هدوء المؤمن الحليم: «أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله» .
فانظر إلى معجزة التربية الإسلامية للإنسان!. خبيب هذا، وأولئك المشركون الحاقدون الذين راحوا يصنعون له الموت ظلما وعدوانا، عرب أنبتتهم أرض واحدة وأظلتهم طبائع وتقاليد واحدة، ولكن خبيبا اعتنق الإسلام فأخرجه الإسلام إنسانا آخر، وأولئك عكفوا على ضلالاتهم، فحبستهم ضلالاتهم في طبائعهم المتوحشة الغادرة، فما أعظم ما يفعله الإسلام في الطبيعة الإنسانية من تغيير وتحويل! ..
رابعا: يستدل مما سبق أن للأسير في يد العدو أن يمتنع من قبول الأمان، ولا يمكّن من نفسه ولو قتل، ترفعا عن أن يجري عليه حكم كافر، كما فعل عاصم.
فإن أراد الترخص، فله أن يستأمن، مترقبا الفرصة مؤملا الخلاص كما فعل خبيب وزيد.
стр. 184
ولكن لو قدر الأسير على الهرب لزمه ذلك في الأصح، وإن أمكنه إظهار دينه بينهم، لآن الأسير في يد الكفار مقهور مهان، فكان من الواجب عليه تخليص نفسه من هوان الأسر ورقه «٣٩» .
خامسا: إذا تأملنا في جواب زيد بن الدثنة لأبي سفيان، قبيل قتله، علمنا مدى المحبة التي كانت تنطوي عليها أفئدة الصحابة لرسولهم ﷺ ، ولا ريب أن هذه المحبة من أهم الأسباب التي حببت إلى قلوبهم كل تضحية وبذل في سبيل دين الله تعالى والدفاع عن رسوله. ومهما بلغ المسلم في إيمانه، فإنه بدون مثل هذه المحبة لرسول الله ﷺ يعتبر ناقص الإيمان. وإنها لحقيقة صرح بها رسول الله ﷺ إذ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» «٤٠» .
سادسا: دلّ ما ذكرناه من أمر خبيب أيام كان أسيرا في مكة، أن كل ما أمكن أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي، مع فارق أساسي لا بدّ منه، وهو أن معجزة النبي تكون مقرونة بالتحدي ودعوى النبوة، أما كرامة الأولياء والصالحين فتأتي عفوا دون أن تقترن بأي نوع من التحدي. وهذا ما جرى عليه جمهور أهل السنة والجماعة. ولا أدلّ عليه من هذا الذي أكرم الله به خبيبا قبيل قتله، وهو ثابت كما رأيت في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره.
سابعا: قد يتساءل البعض: فما الحكمة في تمكين يد الغدر من هؤلاء الفتية المؤمنين الذين لم يخرجوا إلا استجابة لأمر الله ورسوله؟ وهلّا مكّنهم الله من أعدائهم ليتغلبوا عليهم؟ ..
والجواب هو، ما كنا ذكرناه أكثر من مرة، من أن الله تعالى تعبّد عباده بتحقيق أمرين اثنين: إقامة المجتمع الإسلامي، والسعي إلى ذلك في طريق شائكة غير معبّدة. والحكمة من ذلك أن تتحقق عبودية الإنسان لله تعالى، وأن يمحّص الصادقون عن المنافقين، وأن يتخذ الله منهم شهداء، وأن يتجلّى المعنى التنفيذي للمبايعة التي جرت بين الله وعباده المؤمنين، والتي صرح بها قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ، يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ.. [التوبة ٩/ ١١١] وأي معنى كان يبقى للتوقيع على صك هذه المعاهدة، لو أن كل ما جاء في مضمونها وهم لا يتحقق؟! بل وأي قيمة تبقى حينئذ لهذا التوقيع حتى يحرز به صاحبه الجنة والسعادة الأبدية الخالدة.
والمشكلة في أساسها، إنما تطوف في رأس من قدر هذه الحياة العاجلة أكثر من قدرها الحقيقي وأولاها أكثر مما تستحق من الاهتمام، وضعف تعلقه في المقابل بالحياة الآخرة وشأنها. وتلك هي
стр. 185
آية عدم الإيمان بالله تعالى أو ضعفه في النفس. ومثل هؤلاء الناس لا ينتظر منهم أن يغامروا بروح ولا مال. أما المؤمنون حقا فالمشكلة غير متصوّرة لديهم من أساسها، فلذّة الحياة الدنيا في يقينهم، أقل شأنا من أن تحبس المسلم عن أداء أصغر طاعة يتقرب بها إلى خالقه، وما التضحية بالروح في يقينهم إلا الانطلاقة من سجن الدنيا إلى نعيم الآخرة، وأنعم بها من غاية هي كل أمل المسلم في حياته التي يعيشها.
وهذا الشعور يتجلى بأوضح صورة في الأبيات التي قالها خبيب عند مقتله، خاصة في آخر بيت منها، وهو قوله:
ولست بمبد للعدو تخشعا ... ولا جزعا، إني إلى الله مرجعي
إجلاء بني النضير
وكان في شهر ربيع الأول، سنة أربع للهجرة.
روى ابن سعد أن رسول الله ﷺ خرج يوم السبت، فصلى في مسجد قباء ومعه نفر من أصحابه من المهاجرين والأنصار، ثم أتى بني النضير، فكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيّين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمّري وكان لهما من رسول الله ﷺ جوار وعهد، وكان بين بني النضير وبين بني عامر عقد وحلف، وذلك على ما رواه ابن إسحاق وغيره، فقالوا: «نفعل يا أبا القاسم ما أحببت. وخلا بعضهم ببعض وهمّوا بالغدر. وقال عمرو بن جحاش النّضري: أنا أظهر على البيت فأطرح عليه صخرة- وكان رسول الله ﷺ واقفا إلى جنب جدار من بيوتهم-.
وزاد ابن سعد أن سلام بن مشكم (وهو من يهود بني النضير) قال لهم: لا تفعلوا، والله ليخبرنّ بما هممتم به وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه «٤١» .
فجاء رسول الله ﷺ الخبر بما همّوا فنهض سريعا كأنه يريد حاجة، وتوجه إلى المدينة.
ولحقه أصحابه، فقالوا: قمت ولم نشعر! .. قال: «همّت يهود بالغدر، فأخبرني الله بذلك فقمت» .
ثم أرسل إليهم رسول الله ﷺ : أن اخرجوا من بلدي فقد هممتم بما هممتم به من الغدر، وقد أجّلتكم عشرا، فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه.
فأخذوا يتهيئون للخروج، ولكن عبد الله بن أبي بن سلول أرسل إليهم: أن لا تخرجوا من دياركم وأقيموا في حصنكم، فإن معي ألفين من قومي وغيرهم يقاتلون عنكم. فعادوا عما أزمعوا عليه من الخروج وتحصنوا في حصونهم، فأمر رسول الله ﷺ باعداد العدة لحربهم، والسير إليهم..
стр. 186
ثم سار رسول الله ﷺ إليهم، وقد تحصن اليهود بحصونهم معهم النبل والحجارة. ولكن ابن أبيّ خذلهم فلم ينفذ وعده معهم، فحاصرهم النبي ﵊ وأمر بقطع نخيلهم وإتلافها «٤٢» . فنادوه: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من يصنعه، فما بال قطع النخيل وتحريقها؟ وقد أنزل الله تعالى في ذلك قوله: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ [الحشر ٥٩/ ٥] .
فعرضوا على رسول الله ﷺ أن يخرجوا من المدينة كما أراد.. ولكنه ﷺ قال: لا أقبله اليوم إلا على أن تخرجوا بدمائكم فقط وليس لكم من أموالكم إلا ما حملته الإبل، عدا الحلقة (أي السلاح) . فنزل اليهود على ذلك، واحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل. قال ابن هشام:
فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه (أي عتبته) فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به، وتفرقوا ما بين خيبر والشام ولم يسلم منهم إلا رجلان: يامين بن عمير بن كعب ابن عم عمرو بن جحاش وأبو سعد بن وهب، فأحرزا أموالهما» «٤٣» .
وقسم رسول الله ﷺ الأموال على المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا اثنين من الأنصار أعطاهما لما ذكر له من فقرهما وهما سهل بن حنيف وأبو دجانة سماك بن خرشة. وكانت أموال بني النضير خالصة لرسول الله ﷺ . وذكر البلاذري في (فتوح البلدان) أنه كان يزرع تحت النخل في أرضهم فيدخر من ذلك قوت أهله وأزواجه سنة، وما فضل جعله في الكراع والسلاح «٤٤» . ونزل في بني النضير سورة الحشر بأكملها، ونزل تعليقا على سياسته ﷺ في تقسيم أموال بني النضير قوله تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ، وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ، وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ [الحشر ٥٩/ ٦، ٧] .
العبر والعظات:
وهذه صورة ثانية من طبيعة الغدر والخيانة المتأصلة في نفوس اليهود، وقد رأينا من قبلها صورة أخرى من خيانتهم فيما أقدم عليه يهود بني قينقاع. وتلك حقيقة تاريخية صدقتها الوقائع التي لا تحصى، وذلك هو سر اللعنة الإلهية التي حاقت بهم وسجلها بيان الله تعالى في قوله: لُعِنَ
стр. 187
الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ، عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ [المائدة ٥/ ٧٨] .
ثم إن في هذه الواقعة لدروسا بليغة، ودلالات هامة تتعلق بكثير من أحكام الشريعة الإسلامية، نذكر منها ما يلي:
أولا: الخبر الذي جاء من الله تعالى إلى رسول الله ﷺ بكشف ما بيّته اليهود من الغدر به، يعدّ واحدة من الخوارق الكثيرة التي أكرم الله بها رسوله ﷺ قبل بعثته وأثناءها، وهي مما ينبغي أن يسترعي انتباهنا ليحملنا على مزيد من الإيمان بنبوته ورسالته، والاقتناع بأن شخصيته النبوية تعتبر الأساس الأول لوجوده وصفاته الشخصية الأخرى.
وقد عبر بعض الكاتبين في السيرة وفقهها عن هذا الخبر الإلهي الذي نزل على الرسول ﷺ بفضح نوايا اليهود- عبر عن ذلك بأنه ألهم ما يبيته اليهود له-! وكلمة الإلهام تدل على معنى مشترك بين الناس كلهم فحاسّة الإلهام- عن طريق الإشارات والقرائن- حاسة طبيعية لا تختص بها فئة من الناس دون غيرهم. وكلمة (الخبر الإلهي) كما يستعملها علماء السيرة رحمهم الله تعالى، إنما تدل على معنى هو من سمات النبوة وخصوصياتها، ونحن نعلم أن هذا المعنى دون غيره هو الذي جعل النبي ﷺ يحس بالمكر، فهو الوفاء من الله تعالى بوعده القاطع لرسوله: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة ٥/ ٦٧] .
وإذا كان الأمر كذلك، ففيم التمويه في التعبير؟ .. أما إن هذا ليس إلا مظهرا من مظاهر إنكار معجزاته ﷺ . وقد علمت فيما مضى أن مصدر إنكار معجزاته ﵊ بعد ثبوتها بالقطع المتواتر- ليس إلا مظهر ضعف في الإيمان بنبوته ﵊.
ثانيا: قطع نخيل بني النضير وإحراقها، ثبت بالاتفاق. والذي أتلفه الرسول ﷺ من ذلك إنما هو البعض ثم ترك الباقي. وقد نزل القرآن تصويبا لما أقدم عليه النبي ﷺ من ذلك:
قطعا وإبقاء، وذلك في قوله تعالى: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ ... [الحشر ٥٩/ ٥] .
وقد استدل عامة العلماء بذلك، على أن الحكم الشرعي في أشجار العدو وإتلافها منوط بما يراه الإمام أو القائد من مصلحة النكاية بأعدائهم، فالمسألة إذن من قبيل ما يدخل تحت اسم السياسة الشرعية. قال العلماء: وإنما كان قصد الرسول ﷺ بتصرفه هذا في النخيل- قطعا أو كفا- تحقيق المصلحة وتلمس السبيل إليها، إرشادا وتعليما للأئمة من بعده.
وبهذا أيضا علل الشافعي ﵀، أمر أبي بكر ﵁ بالإحراق والقطع، حينما أرسل خالدا إلى طليحة وبني تميم، مع أنه نهى هو نفسه عن ذلك في حروب الشام. ويقول ﵀ في هذا: «ولعل أمر أبي بكر بأن يكفوا عن أن يقطعوا شجرا مثمرا، إنما هو لأنه سمع
стр. 188
رسول الله ﷺ يخبر أن بلاد الشام تفتح على المسلمين، فلما كان مباحا له أن يقطع ويترك، اختار الترك نظرا للمسلمين» «٤٥» .
وهذا الذي قلناه من إباحة قطع شجر الكفار وإحراقه إذا اقتضت المصلحة هو مذهب نافع مولى ابن عمر ومالك والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور الفقهاء.
وروي عن الليث بن سعد وأبي ثور والأوزاعي القول بعدم جوازه «٤٦» .
ثالثا: اتّفق الأئمة على أن ما غنمه المسلمون من أعدائهم بدون قتال (وهو الفيء) يعود النظر والتصرف فيه إلى ما يراه الإمام من المصلحة، وأنه لا يجب عليه تقسيمه بين الجيش كما تقسم عليهم الغنائم التي غنموها بعد قتال وحرب، مستدلين على ذلك بسياسته ﷺ في تقسيم فيء بني النضير، فقد خص به- كما رأيت- المهاجرين وحدهم، وقد نزل القرآن تصويبا لذلك، في الآيتين اللتين ذكرناهما.
ثم اختلفوا في الأراضي التي غنمها المسلمون بواسطة الحرب: فذهب مالك إلى أن الأرض لا تقسم مطلقا، وإنما يكون خراجها وقفا لمصالح المسلمين إلا أن يرى الإمام أن المصلحة تقضي القسمة فإن له ذلك، ويذهب الحنفية قريبا من هذا المذهب.
أما الشافعي فذهب إلى أن الأرض المأخوذة عنوة تجب قسمتها كما تجب قسمة غيرها من الغنائم، وهو الظاهر من مذهب الإمام أحمد أيضا.
ودليل ما ذهب إليه الشافعي، أن تصرف النبي ﷺ بأموال بني النضير، على خلاف ما تقتضيه القسمة بين الغانمين في الحرب، إنما كان بسبب عدم وجود أي قتال تسبّب عنه الحصول على تلك الغنائم. وقد نصت الآية على ذلك في معرض تعليل حكمه ﷺ ، في فيء بني النضير، وهي قوله تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ، فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ [الحشر ٥٩/ ٦] وإذا كان هذا هو مناط جواز عدم القسمة لأراضي الفيء فمن الواضح أنه إذا ارتفع مناط الحكم، ارتفع الحكم معه، وعاد الحكم المنصوص عليه في حق الغنائم، سواء في ذلك الأراضي وغيرها.
ودليل ما ذهب إليه مالك وأبو حنيفة أمور كثيرة، من أهمها عمل عمر ﵁ حينما امتنع عن تقسيم سواد العراق، وجعلها وقفا يجري خراجها ريعا للمسلمين وليس المجال هنا متسعا لأكثر من هذا العرض المجمل في الموضوع.
إنما الذي ينبغي أن ننتبه إليه من هذا البحث هنا، هو التعليل الذي ذكره الله تعالى في
стр. 189
الآيتين اللتين أوضحتا سياسته ﵊ في تقسيم فيء بني النضير إذ اختص به أناسا دون آخرين. فقد ذكر الله تعالى في تعليل ذلك قوله: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ أي كي لا يكون تداول المال محصورا فيما بين طبقة الأغنياء منكم فقط.
والتعليل بهذه الغاية يؤذن بأن سياسة الشريعة الإسلامية في شؤون المال، قائمة في جملتها على تحقيق هذا المبدأ. وإن كل ما تفيض به كتب الشريعة الإسلامية من الأحكام المتعلقة بمختلف شؤون الاقتصاد والمال يبتغى من ورائها إقامة مجتمع عادل تتقارب فيه طبقات الناس وفئاتهم ويقضى فيه على أسباب الثغرات التي قد تظهر فيما بينها، والتي قد تؤثر على سير العدالة وتطبيقها.
ولو طبّقت أحكام الشريعة الإسلامية وأنظمتها الخاصة بشؤون المال من إحياء لشريعة الزكاة ومنع للربا وقضاء على مختلف مظاهر الاحتكارات لعاش الناس كلهم في بحبوحة من العيش، قد يتفاوتون في الرزق ولكنهم جميعا مكتفون، ليس فيهم كلّ على آخر وإن كانوا جميعا يتعاونون.
والمهم أن تعلم أن الله تعالى لما جعل حكمة شريعته في الدنيا إقامة هذا المجتمع، شرع لذلك وسائل وأسبابا معينة ألزمنا باتّباعها وعدم الخروج عليها. أي، إن الله تعالى تعبدنا بكل من الغاية والوسيلة معا، فلا يجوز أن يقال: إن الغاية من الإسلام إقامة العدالة الاجتماعية، فلنسلك إلى ذلك ما نراه من السبل والأسباب، بل إن هذا يعد خروجا على كل من الغاية والوسيلة معا، فلن تتحقق الغاية التي أمرنا الله تعالى بتحقيقها إلا باتباع الوسيلة التي شرعها لنا سبيلا إلى تلك الغاية، والتاريخ أعظم دليل والوقائع أكبر شاهد.
هذا وجدير بك أن تعود إلى سورة الحشر بكاملها، لتتأمل تعليق البيان الإلهي العظيم على هذه الحادثة بمجموعها وعامة ملابساتها: اليهود والمنافقون، سياسة الرسول في المال والحرب، وغير ذلك ... فهذه السورة من أهم ما يمكّنك من الوقوف على دروس هذه القصة وعظاتها.
غزوة ذات الرقاع
وقد كانت في السنة الرابعة للهجرة، بعد مرور شهر ونصف تقريبا على إجلاء بني النضير، على ما ذهب إليه أكثر علماء السير والمغازي. ورجّح البخاري وبعض المحدثين أنها كانت بعد غزوة خيبر.
وسببها ما ظهر من الغدر لدى كثير من قبائل نجد بالمسلمين، ذلك الغدر الذي تجلى في مقتل أولئك الدعاة السبعين الذين خرجوا يدعون إلى الله تعالى، فخرج ﵊ قاصدا
стр. 190
قبائل محارب وبني ثعلب، واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري ﵁. وعسكر رسول الله ﷺ في مكان بنجد من أرض غطفان يسمى (نخل) ، ولكن الله تعالى قذف في قلوب تلك القبائل الرعب- وقد كانت كما يقول ابن هشام جموعا كبيرة- فتفرقوا بعيدا عن المسلمين، ولم يقع أيّ قتال.
غير أن في قصة هذه الغزوة- مع ذلك- مشاهد تستأهل النظر فيها وأخذ الدرس منها، فلنجتزئ عن ذكر القصة كلها، بذكر هذه المشاهد:
أولا: روي في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه، قال: فنقبت أقدامنا، فنقبت قدماي وسقطت أظافري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع، لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق. قال أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك، قال: كأنه كره أن يكون شيئا من عمله أفشاه» .
ثانيا: روى البخاري ومسلم أنه ﷺ صلى في غزوة ذات الرقاع صلاة الخوف، وأن طائفة صفّت معه، وطائفة وجاه العدو. فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم، ثم سلّم بهم «٤٧» .
ثالثا: روى البخاري أيضا عن جابر ﵁: «أنه لما قفل رسول الله ﷺ قفل معه، فأدركتهم القائلة (وقت القيلولة) في واد كثير العضاه (نوع من الشجر) فنزل رسول الله ﷺ ، وتفرق الناس يستظلون الشجر، ونزل رسول الله ﷺ تحت سمرة فعلق بها سيفه، قال جابر: فنمنا نومة، فإذا رسول الله ﷺ يدعونا فجئناه فإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسول الله ﷺ إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتا، فقال لي: من يمنعك مني؟ فقلت له: الله، فها هو ذا جالس ... ثم لم يعاقبه رسول الله ﷺ » «٤٨» .
رابعا: روى ابن إسحاق وأحمد عن جابر ﵁، قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع فأصيبت امرأة من المشركين فلما انصرف رسول الله ﷺ
стр. 191
قافلا وجاء زوجها وكان غائبا، فحلف أن لا ينتهي حتى يهريق دما في أصحاب محمد ﷺ ، فخرج يتبع أثر النبي ﷺ ، فنزل النبي ﷺ منزلا، فقال: من رجل يكلؤنا ليلتنا هذه؟ قال: فانتدب رجل من المهاجرين وآخر من الأنصار «٤٩» فقالا: نحن يا رسول الله، قال: فكونا بفم الشعب، قال: وكان رسول الله ﷺ وأصحابه قد نزلوا إلى شعب من الوادي.
فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب، قال الأنصاري للمهاجري: أيّ الليل تحب أن أكفيكه؟
أوله أم آخره؟ قال: بل اكفني أوله. فاضطجع المهاجري فنام، وقام الأنصاري يصلي، قال:
وأتى الرجل فلما رأى شخص الأنصاري عرف أنه ربيئة القوم (الطليعة الذي يحرسهم) فرمى بسهم فوضعه فيه، فنزعه الأنصاري وثبت قائما يصلي، ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه، فنزعه وثبت قائما، ثم عاد له بالثالثة فنزعه، ثم ركع وسجد، وأهب صاحبه (أيقظه) قائلا: اجلس فقد أثبتّ، قال: فوثب، فلما رآهما الرجل عرف أن قد نذر به «٥٠» فهرب، ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله، أفلا أيقظتني أول ما رماك، قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها. فلما ثابر عليّ الرمي ركعت فآذنتك. وايم الله، لولا أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله بحفظه، لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها» «٥١» .
خامسا: روى البخاري ومسلم، وابن سعد في طبقاته، وابن هشام في سيرته، عن جابر بن عبد الله قال:
«خرجت مع رسول الله ﷺ إلى غزوة ذات الرقاع على جمل لي ضعيف، فلما قفل رسول الله ﷺ جعلت الرفاق تمضي، وجعلت أتخلف حتى أدركني رسول الله ﷺ . فقال: مالك يا جابر؟ قلت: يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا. قال: أنخه فأنخته وأناخ رسول الله ﷺ ، ثم قال: أعطني هذه العصا من يدك، ففعلت، فأخذها فنخسه بها نخسات ثم قال: اركب، فركبت فخرج- والذي بعثه بالحق- يواهق «٥٢» ناقته مواهقة.
وتحدثت مع رسول الله ﷺ فقال لي: أتبيعني جملك هذا يا جابر؟ قلت: يا رسول الله، بل أهبه لك، قال: لا ولكن بعنيه، قلت: فسمنيه يا رسول الله، قال: آخذه بدرهم! قلت:
لا، إذن تغبنني يا رسول الله. قال: فبدرهمين؟ قلت: لا، فلم يزل يرفع لي رسول الله ﷺ في ثمنه حتى بلغ الأوقية. فقلت: أفقد رضيت يا رسول الله؟ قال: نعم، قلت: فهو لك، قال:
قد أخذته.. ثم قال: يا جابر هل تزوجت بعد؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: أثيّبا أم بكرا؟
стр. 192
قلت: لا، بل ثيّبا، قال: أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟ قلت: يا رسول الله إن أبي أصيب يوم أحد وترك له بنات سبعا، فنكحت امرأة جامعة، تجمع رؤوسهن وتقوم عليهن. قال:
أصبت إن شاء الله، أما إنا لوقد جئنا صرارا «٥٣» أمرنا بجزور فنحرت، وأقمنا عليها يومنا ذاك، وسمعت بنا فنفضت نمارقها «٥٤» ، فقلت: والله يا رسول الله، مالنا من نمارق!. قال: إنها ستكون، فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيّسا.
قال جابر: فلما جئنا صرارا، أمر رسول الله ﷺ بجزور فنحر، وأقمنا عليها ذلك اليوم، فلما أمسى رسول الله ﷺ دخل ودخلنا المدينة.
قال جابر: فلما أصبحت أخذت برأس الجمل، فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله ﷺ ، ثم جلست في المسجد قريبا منه، فخرج رسول الله ﷺ فرأى الجمل فقال:
ما هذا؟ قالوا: يا رسول الله هذا جمل جاء به جابر، قال: فأين جابر؟ فدعيت له فقال:
يا ابن أخي، خذ برأس جملك فهو لك. ودعا بلالا فقال له: اذهب بجابر فأعطه أوقية، فذهبت معه فأعطاني أوقية وزادني شيئا يسيرا، فو الله ما زال ينمو عندي ويرى مكانه من بيتنا» «٥٥» .
العبر والعظات: تحقيق في تاريخ هذه الغزوة:
اتفق علماء المغازي والسّير، كما أسلفنا، على أن غزوة ذات الرقاع كانت قبل خيبر. ثم رجّح معظمهم أنها كانت بعد غزوة بني النّضير في العام الرابع للهجرة. وذهب بعضهم كابن سعد وابن حبّان إلى أنها في العام الخامس.
غير أن الإمام البخاري نصّ في صحيحه على أنها كانت بعد خيبر، ولكنها مع ذلك جاءت في ترتيب كتابه قبلها! .. ورجح الحافظ ابن حجر ما ذهب إليه البخاري مستدلا بأن صلاة الخوف كانت مشروعة في ذات الرقاع مع أنه لم يصلّها في الخندق وقد فاتته فصلاها قضاء، كما استدل بما روي في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري يصف كيف نقبت أقدامهم في ذات الرقاع حتى لفّوا عليها الخرق فلذلك سميت بذات الرقاع وأبو موسى الأشعري لم يعد من الحبشة إلا بعد غزوة خيبر. واستشكل ابن القيّم الأمر على ضوء هذه الأدلة فقال: إن هذا يدل على أن غزوة ذات الرقاع ربما كانت بعد غزوة الخندق «٥٦» .
стр. 193
قلت: بل يتعين أن تكون غزوة ذات الرقاع هذه قبلها، إذ ثبت في الصحيح أن جابرا ﵁ استأذن الرسول إلى بيته في غزوة الخندق وأخبر امرأته بما رأى من جوع رسول الله ﷺ ، وفيه قصة الطعام الذي دعا إليه النّبي ﷺ وأصحابه، وفيه أنه ﷺ قال لزوجة جابر: «كلي هذا واهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة» . وثبت في الصحيحين أيضا أن رسول الله ﷺ سأل جابرا في غزوة ذات الرقاع: «هل تزوجت بعد؟ قال: نعم يا رسول الله» .. الحديث وقد مرّ مفصّلا. أي فلم يكن قد علم النّبي ﷺ بعد شيئا عن زواجه.
فهذا يدل دلالة واضحة على أن ذات الرقاع كانت قبل الأحزاب فضلا عن خيبر.
ولم أر من استدلّ بهذا على تأخر الأحزاب عن ذات الرقاع، ممن قال بذلك، ولا من أجاب عنه ممن قال بعكسه، ولكنه على كل حال، دليل يكاد يكون قاطعا على ما نقول.
أمّا، ما استدل به الحافظ ابن حجر من أنه ﷺ لم يصلّ صلاة الخوف في الأحزاب وصلاها قضاء فيجاب عنه بأنه ربما كان سبب تأخير الرسول ﷺ لها إذ ذاك، استمرار الرمي بين المشركين والمسلمين بحيث لم يدع مجالا للانصراف إلى الصلاة، وربما كان العدو في جهة القبلة وصلاة الخوف التي صليت في ذات الرقاع كان العدو فيها في غير جهة القبلة كما قد رأيت، أو ربما أخّرها لبيان مشروعية قضاء الفائتة كيفما كانت. كما يجاب عن استدلاله بحديث أبي موسى الأشعري بما ذكره كثير من علماء السّير والمغازي من أن أبا موسى الأشعري إنما قصد بها غزوة أخرى سميت هي أيضا بذات الرقاع. بدليل أنه قال عنها: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه» إلخ. وغزوة ذات الرقاع التي نتحدث عنها كان عدد المسلمين فيها أكثر من ذلك.
وقد حاول الحافظ ابن حجر ﵀ أن يردّ على هذا الكلام ولكن ليس ثمة داع إلى ذلك، خصوصا وقد ثبت الدليل القاطع على ما ذهب إليه علماء المغازي، مما ذكرناه من حديث جابر في كل من الغزوتين.
هذا وسنفصّل الحديث عن تأخير النّبي ﵊ الصلاة عن وقتها يوم الخندق وما يتعلق به من المسائل والأحكام، في مناسبته إن شاء الله.
ثم إن هذه الغزوة لم يشتبك فيها المسلمون مع أحد من المشركين بقتال، كما رأيت من استعراض خلاصتها، ولكنها مع ذلك تنطوي على مشاهد ذات دلالات هامة يجب دراستها والاعتبار بها. ولقد ذكرنا منها خمسة مشاهد هي خلاصة أحداثها، فلنذكر ما يمكن أن يفهم من كل واحد منها:
أولا: فيما رواه الشيخان عن أبي موسى الأشعري في بيان سبب تسمية هذه الغزوة أو غيرها، كما قلنا، بذات الرقاع صورة واضحة عن مدى ما كان يتحمله أصحاب رسول الله ﷺ في تبليغ
стр. 194
رسالة ربّهم والجهاد في سبيله. لقد أوضحت الصورة أنهم كانوا فقراء لا يجدون حتى الظهر الذي يمتطونه لجهادهم وغزواتهم، فالستة أو السبعة يتبادلون ركوب بعير واحد في قطع مسافة بعيدة شاقة، ولكن الفقر لم يستطع مع ذلك أن يعوقهم عن أداء رسالتهم، رسالة الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله. فقد تحملوا في سبيل ذلك كل النتائج وكل ألوان المحن ... نقبت أقدامهم من طول سيرها على الوعثاء والقتاد، وتساقطت أظافرهم مما اصطدمت بالحجارة والصخور، وتعرّت أقدامهم فلم يجدوا إلا الخرق يلفونها عليها الواحدة فوق الأخرى!! .. ومع ذلك فما ضعفوا وما استكانوا واستهانوا بكل ذلك في جنب عظم المسؤولية الإلهية الملقاة على أعناقهم منذ أن أصبحوا مسلمين، فقد كانوا يتمثلون قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [التوبة ٩/ ١١١] .
ثم إنك ترى أن أبا موسى الأشعري ﵁، كره من نفسه أن أباح بهذا الخبر، بعد أن أفلت من فمه، عندما سألوه عن سبب تسمية هذه الغزوة بذات الرقاع.. وإنما كره ذلك وندم عليه بسبب أنه أفشا شيئا من عمله الذي احتسب أجره عند الله تعالى.
وهذا يدل، كما يقول الإمام النووي، على أنه يستحب للمسلم أن يخفي أعماله الصالحة وما قد يكابده من المشاقّ في طاعة الله تعالى، وأن لا يتعمّد إظهار شيء من ذلك إلا لمصلحة، مثل بيان حكم ذلك الشيء والتنبيه على الاقتداء به ونحو ذلك. وعلى مثل هذا يحمل ما وجد للسلف من الإخبار ببعض أعمالهم «٥٧» .
ثانيا: الطريقة التي صلى بها رسول الله ﷺ جماعة مع أصحابه في هذه الغزوة، هي الأساس الذي قامت عليه مشروعية صلاة الخوف.
ولصلاة الخوف كيفيتان، إحداهما خاصة بأن يكون العدو في جهة القبلة، والثانية خاصة بأن يكون العدو في غير جهتها. والكيفية الثانية هي التي صلى بها رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع. فقد حان وقت الصلاة، وأشتات العدو من حول المسلمين في أكثر من جهة القبلة وحدها، ويخشى أنهم يراقبون المسلمين من بعد، حتى إذا رأوهم أدبروا عنهم جميعا وانشغلوا بصلاتهم غدروا بهم وانحطوا فيهم بسيوفهم.
فبدأ رسول الله ﷺ الصلاة مع فرقة من أصحابه، وإخوانهم يراقبون العدو في جهاته المختلفة، حتى إذا أتمّ الرسول ﷺ من صلاته نصفها، أي ركعة واحدة، فارقه من كانوا يصلون خلفه وأسرعوا فأتموا الركعة الثانية وحدهم، والرسول واقف في صدر ركعته الثانية، ثم ذهبوا
стр. 195
ليرابطوا مكان إخوانهم، حيث جاء هؤلاء فاقتدوا به ﷺ فصلى بهم الركعة الثانية التي بقيت من صلاته، ثم قاموا فأتموا وحدهم الركعة الثانية والنّبي ﷺ ينتظرهم جالسا، ثم سلّموا معه.
والذي اقتضى هذه الكيفية من الصلاة مع إمكان أدائهم الصلاة بجماعتين، سببان اثنان:
الأول: قصد اجتماعهم كلهم على الاقتداء برسول الله ﷺ ، وتلك فضيلة لا يصار إلى غيرها عند إمكان تحقيقها.
الثاني: استحباب وحدة الجماعة قدر الإمكان، فتجزئة القوم أنفسهم إلى عدة جماعات تتوالى لأداء فريضة من الفرائض مكروه بدون ضرورة.
ولم يلاحظ السادة الحنفية إلا السبب الأول لها، ولذلك ذهبوا إلى أنه لا مسوغ لبقاء مشروعيتها بعد وفاة النّبي ﷺ .
ثالثا: قصة المشرك الذي أخذ سيف رسول الله ﷺ وهو نائم تحت الشجرة ... إلخ، قصة ثابتة صحيحة كما رأيت، وهي تكشف عن مدى رعاية الباري ﷻ وحفظه لنبيه ﷺ ، ثم هي تزيدك يقينا بالخوارق التي أخضعها الله ﷻ له ﵊ مما يزيدك تبصرا ويقينا بشخصيته النّبوية، فقد كان من السهل الطبيعي بالنسبة لذلك المشرك- وقد أخذ السيف ورفعه فوق النّبي ﷺ وهو أعزل غارق في غفلة النوم- أن يهوي به عليه فيقتله، وإنك لتلمس من ذلك المشرك هذا الاعتداد بنفسه والزهو بالفرصة الذهبية التي أمكنته من رسول الله ﷺ ، في قوله: من يمنعك مني!؟ .. فما الذي طرأ بعد ذلك حتى عاقه عن القتل؟ .. إن الذي طرأ.. هو ما لم يكن في حساب المشرك وتقديره، ألا وهو عناية الله وحفظه لرسوله، فقد كانت العناية الإلهية كافية لأن تملأ قلب المشرك بالرعب وأن تقذف في ساعديه تيارا من الرجفة، فيسقط من يده السيف.. ثم يجلس متأدبا مطرقا بين يدي رسول الله.
وأهم ما يجب أن تعلمه من هذه الحادثة أن هذا هو مصداق قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة ٥/ ٦٧] . فليست العصمة المقصودة في الآية، أن لا يتعرض لأذى أو محنة من قومه، إذ تلك هي سنّة الله في عباده كما قد علمت. وإنما المراد من العصمة أن لا تطول إليه أي يد تحاول اغتياله وقتله لتغتال فيه الدعوة الإسلامية التي بعث لتبليغها.
رابعا: إنما ذكرنا قصة جابر بن عبد الله وما كان بينه وبين رسول الله ﷺ من المحادثة في طريق عودتهما إلى المدينة، مع أنها لا تتعلق بشيء من أمر الغزوة لما فيها من الصورة الكاملة الدقيقة لخلق رسول الله ﷺ مع أصحابه، وما انطوى عليه خلقه الكريم هذا من لطف في المعاشرة ورقة في الحديث وفكاهة في المحاورة ومحبة شديدة لأصحابه.
فأنت إذا تأملت جيدا في هذه القصة التي سردناها، علمت أن النّبي ﷺ كان متأثرا بالمحنة
стр. 196
التي طافت على بيت جابر بن عبد الله. فقد استشهد والده في أحد، فقام هو- وهو أكبر أولاد أبيه- على شأن الأسرة ورعاية الأطفال الكثيرين الذين خلّفهم له والده من ورائه، وهو على ذلك رقيق الحال ليس له نصيب وافر من الدنيا.
وكأنما استشعر رسول الله ﷺ في تأخر جابر عن القوم بسبب جمله الضعيف الذي لا يملك غيره، مظهرا لحالته العامة هذه.. (وقد كان من عادته ﷺ إذا سار مع صحبه في طريق، أن يتفقد أصحابه كلهم ويطمئن عليهم بين كل فترة وأخرى) ، فانتهزها فرصة وتخلف حتى التقى معه وراح يواسيه بأسلوبه الرقيق الفكه الذي رأيت، في طريق ليس معهما فيه ثالث.
عرض عليه ﷺ شراء بعيره، وهو إنما يريد أن يجعل من ذلك ذريعة ومناسبة لإكرامه ومساعدته على وضعه الذي هو فيه، ثم سأله عن الزوجة والبيت، في أسلوب فكه رقيق، وراح يطمئن الزوج الجديد، أنهم إذا وصلوا قريبا من المدينة أقاموا ساعات هناك، حتى يتسامع أهل المدينة بمقدمهم، فتسمع زوجته، فتصلح له من شأنها، وتهيء له البيت بزينته ونمارقه. وينساق معه جابر في الأسلوب نفسه فيقول: «والله يا رسول الله ما لنا من نمارق!» .. فيجيبه ﵊ قائلا: «إنها ستكون» .
صورة رائعة، عن لطف معشره، وأنس حديثه، والفكاهة الحلوة في محاورته لأصحابه، لم يكتب لنا أن نراها ونسعد بها في مجالسه ﷺ وغزواته وأسفاره، ولكن ها نحن نستشفها من سيرته وأخباره العطرة فيهزنا الشوق إلى رؤيته التي حرمناها ومجالسه التي سمعنا بها ولم نرها، وغزواته التي قرأناها ولم يكن لنا شرف الاشتراك فيها، اللهم عوضنا عن ذلك كله بلقاء معه في جنان خلدك، وهيّئنا لذلك بتوفيق من لدنك للتمسك بهديه واقتفاء أثره في تحمل كل محنة وضيم في سبيل دينك وتحقيق شريعتك.
خامسا: لابدّ من أن يقف المسلم وقفة متأملة طويلة، أمام خبر ذينك الصحابيين، وهما يقومان على الثغر الذي أمرهما رسول الله ﷺ بحراسته، ليعلم طبيعة الجهاد الإسلامي وكيف كان يمارسه أصحاب رسول الله ﷺ .
لم يكن الجهاد عملا حركيا يقوم على أساس المقاومة المجردة، ولم يتصور واحد من أولئك المسلمين هذه الصورة الشوهاء له ولا في لحظة واحدة.
إنما الجهاد- كما علّمه الرسول أصحابه وكما فهمه الصحابة منه- عبادة كبرى يتعلق فيها كيان المسلم كلّه بخالقه ﷻ خاشعا مستغيثا متبتلا. وما ساعة يكون فيها المؤمن أقرب إلى ربّه ﷻ من تلك الساعة التي يستدبر فيها الدنيا ويستقبل بوجهه شطر الموت والاستشهاد.
ولذلك، كان من الطبيعي جدا بالنسبة لذلك الأنصاري، (عباد بن بشر) ﵁،
стр. 197
أن يشغل شطر حراسته من الليل بركعات خاشعة يقف فيها بين يدي ربّه ﷻ ، وقد انصرفت مشاعره كلها إلى مناجاته بآيات من كتابه الكريم.
وكان من الطبيعي جدا أن لا يبالي بذلك السهم الذي أسرع فانحطّ في جسمه، ولا بالسهم الثاني الذي تبعه، لأن بشريّته كلها إنما كانت في تلك الساعة مطويّة ضمن مشاعره المنصرفة إلى ربّه ﷻ وقد غمرتها لذّة المناجاة بين العبد وخالقه.
ولما ارتدّ شعوره إليه وأخذ يهتم بما قد أصابه، لم يكن ذلك لمزيد من الألم بدأ يشعر به، وإنما للمسؤولية المنوطة به مخافة أن يضيّعها بضياع حياته واستمرار سكوته. فكان ذلك هو الذي اضطره إلى أن يلتفت فيوقظ صاحبه ليستلم منه أمانة الثغر الذي أنيط بهما حفظه.
وتأمل يا أخي المسلم في قوله ﵁: «وايم الله، لولا أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله ﷺ بحفظه، لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها» (أي الصلاة) .
تلك هي طبيعة الجهاد الذي تكفل الله لأربابه بالنصر والفوز، مهما كانت القوى المتألبة عليهم المتجمعة من حولهم.
فقارن- ليتقطع منك الكبد حسرة وأسى- بين ذلك الجهاد و (الجهاد) الآخر الذي نفخر باسمه وشعاراته اليوم.
قارن، لتقف على مدى عدالة الله في الأرض، ولتعلم أن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
ثم ارفع يديك إلى السماء متوسلا أن لا يهلكنا الله بما فعل المبطلون، واجهد أن تسكب قطرات حارة من دمع عينيك فيهما. فلعل في ذلّ العبودية إذ نتسربل به صادقين أمام الله، ما يردّ عنا نقمة حقت علينا بتقصيرنا وما جنيناه من سيء الأعمال على نفوسنا.
غزوة بني المصطلق وتسمى بغزوة المريسيع
ذكر ابن إسحاق وبعض علماء السيرة أنها كانت في العام السادس من الهجرة، والصحيح الذي ذهب إليه عامة المحققين أنها كانت في شعبان من العام الخامس للهجرة، ومن أبرز أدلة ذلك أن سعد بن معاذ كان حيا في هذه الغزوة، وله ذكر في قصة الإفك التي سيأتي تفصيلها إن شاء الله، وقد توفي سعد بن معاذ في غزوة بني قريظة متأثرا بجرحه الذي أصيب به في الخندق، وقد كانت
стр. 198
غزوة بني قريظة سنة خمس من الهجرة كما سيأتي بيان ذلك. فكيف يكون سعد حيّا بعد عام من وفاته «٥٨» ؟!
وسببها ما بلغ النّبي ﷺ من أن بني المصطلق يجمعون له وقائدهم الحارث بن ضرار، فلما سمع رسول الله ﷺ بهم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء يقال له (المريسيع) . فتزاحم الناس واقتتلوا فهزم الله بني المصطلق وقتل من قتل منهم. وقسم رسول الله ﷺ أربعة أخماس الغنيمة على المقاتلين للراجل سهم وللفارس سهمان «٥٩» .
وخرج مع المسلمين في هذه الغزوة عدد كبير من المنافقين، كان يغلب عليهم التخلف في الغزوات السابقة، وذلك بما رأوا من اطراد النصر للمسلمين وطمعا في الغنيمة.
وقد روى البخاري ومسلم من طريقين مختلفين أن بعض الصحابة استفتى رسول الله ﷺ في شأن العزل في هذه الغزوة- وذلك عند ما قسم رسول الله ﷺ بينهم السبي- فقال لهم: «ما عليكم أن لا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة، إلا وهي كائنة» .
وروى ابن سعد في طبقاته وابن هشام في سيرته، أن غلاما لعمر بن الخطاب ﵁ اسمه جهجاه بن سعيد الغفاري تنازع مع سنان بن وبر الجهني، وهما مع جمع عند ماء المريسيع أثناء مقام النّبي ﷺ هناك، وكادا أن يقتتلا، فصرخ الجهني: «يا معشر الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين، فسمع بالأمر عبد الله بن أبي بن سلول، فغضب وقال للرهط ممن معه: أو فعلوها؟! .. قد نافرونا وكاثرونا في دارنا والله ما أعدنا وجلابيب قريش (يقصد المسلمين من قريش) إلا كما قالوا: سمّن كلبك يأكلك أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ» .
وكان ممن سمع كلامه زيد بن أرقم، فمشى إلى رسول الله ﷺ يخبره الأمر، وكان عنده عمر ﵁، فقال: «يا رسول الله مر به عبّاد بن بشر فليقتله، فقال له ﵊: فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟ لا. ولكن أذن بالرحيل، وذلك في ساعة لم يكن رسول الله ﷺ يرتحل فيها، فارتحل الناس.
ومشى رسول الله ﷺ بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذنتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما. وإنما فعل رسول الله ﷺ ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبي» .
стр. 199
ونزلت سورة المنافقين تصديقا لقول زيد بن أرقم عن عبد الله بن سلول، وفيها يقول الله تعالى: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ «٦٠» [المنافقون ٦٣/ ٨] .
وجاء عبد الله بن عبد الله بن أبي إلى رسول الله ﷺ بعد أن رجعوا إلى المدينة- فقال:
«إنه بلغني أنك تريد قتل أبي فيما بلغك عنه. فإن كنت لابدّ فاعلا، فمرني فأنا أحمل إليك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبرّ بوالده مني وإني أخشى أن تأمر غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس، فأقتله فأقتل رجلا مؤمنا بكافر فأدخل النار. فقال رسول الله ﷺ بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا.
وجعل بعد ذلك إذا حدث عبد الله بن أبي بالحديث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويعنفونه. فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب: «كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له آنف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته. فقال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري» .
خبر الإفك
وفي منصرف المسلمين من هذه الغزوة كان حديث عائشة وقول أهل الإفك فيها. ونحن نسوق لك خلاصة ما جاء في الصحيحين من ذلك.
فقد روت ﵂ أنها خرجت مع رسول الله ﵊ في هذه الغزوة..
قالت: «فلما فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقفل، آذن ليلة بالرحيل. فقمت إلى بعض شأني، فلما رجعت إلى الرحل، لمست صدري فإذا عقدي قد انقطع، فرجعت فالتمسته فحبسني ابتغاؤه، قالت وأقبل الرهط الذين كانوا يرحّلوني فاحتملوا هودجي- وكان ذلك بعد نزول آية الحجاب- فرحّلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه، وهم يحسبون أني فيه.. فبعثوا الجمل فساروا، ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فيممت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إليّ، وكان صفوان بن المعطل من وراء الجيش فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان، فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب.
وكنت قد غلبتني عيناي فنمت، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني. فخمّرت وجهي بجلبابي،
стр. 200
وو الله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه. وهوى حتى أناخ راحلته، فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة، وهم نزول، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي بن سلول.
قالت واشتكيت حين قدمنا المدينة شهرا، والناس يفيضون في قول الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك غير أني لا أعرف من رسول الله ﵊ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ فلما نقهت خرجت ذات ليلة مع أم مسطح لقضاء حاجة- ولم نكن قد اتّخذنا الكنف- فلما رجعنا عثرت أم مسطح في مرطها، فقالت تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلا قد شهد بدرا؟!. قالت أولم تسمعي ما قال؟
قالت فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي.. وبكيت تلك الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأخذ رسول الله ﷺ يستشير بعض أصحابه في الأمر وفي فراق أهله، فمنهم من يقول: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا، ومنهم من يقول: لم يضيق الله عليك، النساء كثير، واسأل الجارية- يعني بريرة- تصدقك. فدعا رسول الله ﷺ بريرة، وسألها: هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ فأخبرته أنها لم تعلم عنها إلا الخير. فقام ﵊ على المنبر، فقال: يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي؟ فو الله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا. فقام سعد بن معاذ، فقال أنا أعذرك منه يا رسول الله. إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. فتلاغط الناس في المسجد حتى أسكتهم رسول الله.
ثم دخل عليّ رسول الله ﷺ وأبواي عندي، وهما يظنان أن البكاء فالق كبدي، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء. قالت: فتشهد حين جلس، ثم قال: أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه. قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته، قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة. فقلت لأبي: أجب عني رسول الله ﷺ ، فقال والله لا أدري ما أقول. فقلت لأمي: أجيبي عني، فقالت والله ما أدري ما أقول، فقلت: والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به، فإن قلت لكم إني بريئة- والله يعلم أني برئية- لا تصدقوني في ذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر- والله يعلم أني بريئة- لتصدقنني. إني والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ، قالت: ثم تحوّلت فاضطجعت على فراشي.
قالت: فو الله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد، حتى أنزل الله
стр. 201
عزّ وجلّ على نبيّه ﷺ : فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى إنه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشات من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فسري عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال: أبشري يا عائشة أمّا الله فقد برّأك، فقالت أمي: قومي إليه (أي اشكريه) ، فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي. قالت فأنزل الله :
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ، لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ، وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ إلى آخر عشر آيات [النور ٢٤/ ١١] .
قالت: وكان أبي ينفق على مسطح لقرابته منه ولفقره، فقال: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله : وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى إلى قوله: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور ٢٤/ ٢٢] فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفقها عليه.
ثم خرج ﷺ إلى الناس فخطبهم، وتلا عليهم ما أنزل الله تعالى من القرآن في ذلك، ثم أمر بمسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش وكانوا ممن أفصح بالفاحشة، فضربوا حدهم «٦١» .
العبر والدلالات:
نأخذ من هذه الغزوة ما يلي:
أولا: مشروعية تقسيم الغنائم بين المقاتلين، بعد استثناء السلب والخمس من الغنيمة، فأما السلب (وهو ما يكون مع المقتول من سلاح ونحوه) فيجوز أن يأخذه القاتل لقوله ﷺ : «من قتل قتيلا فله سلبه» وأما الخمس فهو لمن ذكرهم الله تعالى في كتابه: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال ٨/ ٤١] ، وأما الأخماس الأربعة فتوزع على المقاتلين كما كان يفعل رسول الله ﷺ .
وهذا متفق عليه بين الأئمة في الأموال المنقولة، أما الأرض فقد وقع في أمر تقسيمها خلاف عرضنا له عند الحديث عن أمر بني النضير.
ثانيا: حكم العزل عند الجماع أو (تحديد النسل) .
ويتبع ذلك إسقاط النطفة أو العلقة قبل نفخ الروح فيها، كما يتبع ذلك عموم ما يسمى اليوم بتحديد النسل.
стр. 202
والحديث الذي ذكرناه في هذا صريح بجواز العزل. فقد قال لهم حينما استفتوه في ذلك:
«ما عليكم أن لا تفعلوا» ، (وفي رواية مسلم: لا عليكم أن لا تفعلوا ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة) . أي ليس عليكم أن تتركوا العزل، لأن ما قد قدر الله واقع لا ريب فيه، فلا يمكن أن يمتنع المقدر بعملكم. وأصرح من هذا الحديث ما رواه الشيخان عن جابر ﵁ أنه قال: «كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل» .
وقد ذهب جمهور الأئمة بناء على هذا إلى جواز ممارسة العزل، ولكنهم اشترطوا لذلك موافقة الزوجة، لما قد يكون من الضرر بها، غير أنه يكره ذلك إذا كان سببه خشية النفقة وقلة ذات اليد.
وخالف ابن حزم الجمهور، فذهب إلى حرمة العزل مطلقا، مستدلا بما رواه مسلم أن النبي ﷺ سئل عن العزل، فقال: «ذلك الوأد الخفي» ، واستدل بأحاديث أخرى كلها موقوفة على الصحابة. فمن ذلك ما رواه بسنده عن نافع أن ابن عمر كان لا يعزل، وقال: «لو علمت أحدا من ولدي يعزل لنكلته» . ومنه ما رواه من طريق الحجاج بن المنهال أن علي بن أبي طالب كان يكره العزل.
وأجاب ابن حزم عن حديث جابر الذي استدل به الجمهور بأنه منسوخ «٦٢» .
وذكر ابن حجر في فتح الباري رأي ابن حزم هذا ثم قال: «وهذا معارض بحديثين أحدهما أخرجه الترمذي والنسائي وصححه من طريق معمر عن يحيى بن كثير.. عن جابر قال: «كانت لنا جواري وكنا نعزل، فقالت اليهود: إن تلك الموؤودة الصغرى، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: كذبت اليهود، لو أراد الله خلقه لم تستطع رده» ، قال: والحديث الثاني في النسائي من وجه آخر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة «٦٣» .
أقول: وواضح أن قول النبي ﷺ عن العزل: «الوأد الخفي» ، لا يعني التحريم، بل الأظهر أن يحمل كلامه هذا- على ضوء الأحاديث الثابتة الأخرى- على النهي التنزيهي كما ذهب إلى ذلك الجمهور.
ودعوى ابن حزم أن الأحاديث المبيحة للعزل منسوخة، يردّها ما رواه الستة خلا أبا داود من حديث جابر: «كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل» . زاد مسلم: «فبلغ ذلك نبي الله ﷺ فلم ينهنا فلولا أن حكم إباحة العزل ظل مستمرا إلى وفاته ﷺ ، لما قال جابر ﵁ ذلك، ولأوضح آخر ما استقر عليه الحكم الشرعي» .
стр. 203
وحكم إسقاط النطفة قبل نفخ الروح فيها يتبع ما ذكرنا من حكم العزل. إلا أن بعضا من الجماهير الذين أفتوا بالعزل حرموا الإسقاط، ولعلهم تحرجوا عن القياس في ذلك، واعتبروا المضغة أقرب إلى التخلق والذات الإنسانية من النطفة قبل العلوق، وهو تحرج لا يتضح سببه، اللهم إلا أن يكون مبعث التحرج ضررا صحيا يلحق الحامل بسبب الإسقاط.
إذا علمت هذا، علمت الحكم الشرعي الذي يتعلق بتحديد النسل وهو اتباع وسيلة علاجية لمنع الحمل بدلا من العزل فهو جائز إذا اتبعت له الوسائل التي أجازها جمهور الأئمة، بشرط أن لا يظن فيه أي ضرر للزوجة وبشرط أن يكون ذلك برغبة متفقة من الزوجين، ولست أعلم ما يخالف هذا الحكم عند أحد من أئمتنا الفقهاء ﵏، إلا ما روى من ذلك الحافظ ولي الدين العراقي، عن الشيخ عماد الدين بن يوسف والشيخ عز الدين بن عبد السلام، فقد روى عنهما القول بحرمة استعمال المرأة دواء ما، من شأنه أن يمنع الحمل قال ابن يونس: «ولو رضي به الزوج» «٦٤» .
أقول وهذا الرأي محجوج بمقتضى دلالة السنة، وبما ذهب إليه بناء على ذلك الجمهور.
غير أن من أهم ما ينبغي أن تعلمه في هذا الصدد، أن الحكم بإباحة العزل أو عموم ما يسمى اليوم، تحديد النسل، منوط برضى كل من الزوجين أنفسهما دون أن يكون عليهما سلطان أو أي توجيه من الخارج. إذ إن ما يجوز ممارسته للفرد صاحب العلاقة، قد لا يجوز تشريعه بشكل إلزامي للجماعة، وهذه قاعدة من القواعد الفقهية المتفق عليها.
فالطلاق مما يجوز للفرد المتزوج ممارسته عند الحاجة أو المصلحة التي يراها. ولكن ليس للحاكم أن يأمر الناس، أمرا إلزاميا أو أدبيا أو توجيها، بأن يمارسوا هذا الحق، فيطلقوا زوجاتهم. وتحديد النسل، شأنه في ذلك شأن الطلاق تماما. وهذه القاعدة الهامة لا بد من أن تعيها وتفهمها جيدا، كي لا يلبّس عليك أحد ممن يحترفون اليوم صناعة الفتوى قائلين: «لقد أباحت السنة تحديد النسل» ، وهذا دليل على أن للدولة أن تحمل الناس- بما تراه من السبل- على ذلك.
والحقيقة أنه لا علاقة إطلاقا بين ذلك الدليل وهذا المدلول إلا علاقة التلبيس والتمويه.
فالخلاصة، أن أمر العزل أو تحديد النسل، إذا نظر إليه من حيث علاقة الزوجين ببعضهما وما يشيع بينهما من حقوق ويجمعهما من مصالح، أمر سهل لا مشكلة فيه كما قد رأيت.
ولكنه إذا نظر إليه، على أساس أن يكون مبدأ يدعى إليه عامة ويغرى الناس به بناء على فلسفة توجيهية تنشط وسائل الإعلام والتوجيه في بثها، فإنه يغدو حينئذ أمرا على جانب كبير
стр. 204
من الأهمية والخطورة وهو يستدعي حينئذ من المسلمين أن ينشطوا في محاربته محاربة واعية فعالة، تقوم على أساس فهم الخطط الماكرة المختلفة التي يبيتها أعداء المسلمين للإجهاز عليهم.
وعليهم أن لا ينخدعوا بما يشاع من مشكلات الإنتاج والاقتصاد فذلك جزء من التخطيط نفسه.
ثالثا: تدلنا معالجة النبي ﷺ للمشكلة التي استغلها عبد الله بن أبيّ بن سلول، بالشكل الذي رأيناه، على مدى ما قد آتاه الله من براعة فائقة في سياسة الأمور وتربية الناس والتغلب على مشاكلهم. لقد كان ما سمعه ﷺ من كلام ابن سلول مسوغا كافيا لأن يأمر بقتله بحسب الظاهر، ولكنه ﷺ استقبل الأمر بصدر أرحب من ذلك، وسمع عن اللغط الذي جرى، والتناوش الذي وقع، والجيش فيه عدد كبير من المنافقين الذين يبحثون عن شيء مثل هذا ليقوموا ويقعدوا به، فلم يعالج الأمر بعاطفة متأثرة، وإنما ترك الحكمة وحدها هي التي تدبر. فكان أن أمر القوم بالمسير في وقت لم يكونوا يعتادونه، حتى يشغلهم السير عن الاجتماع على المحادثة والكلام. وظل يسير بهم بقية اليوم والليل كله وصدرا من اليوم الثاني، لا يدع لهم مجالا يفرغ فيه المنافقون للخوض فيما يريدون من باطل، فلما انحطوا بعد ذلك على الأرض لم يدع لهم التعب فرصة الحديث عن شيء، وذهب الجميع في سبات عميق.
وانتظر الناس أن يجدوا من الرسول ﷺ ، إذا وصل إلى المدينة، شدة على المنافقين لا ريب أنها تتجلى في قتل عبد الله بن أبيّ بن سلول، فلذلك جاء إليه ابنه عبد الله ﵁ يعرض على الرسول ﷺ أن يتولى هو قتل أبيه إذا كان يريد أن يحكم بذلك، ولكنه فوجئ من رسول الله ﷺ بما لم يكن متوقعا حينما قال: «بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا» .
وانظر إلى تعليل ذلك فيما قاله لعمر ﵁: «فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟» .
ولقد كان من نتيجة هذه الحكمة أن انحسر عن عبد الله بن أبيّ قومه فكانوا هم الذين يعنّفونه ويفضحون أمره إذا ما أراد أن يحدث شيئا، وأنت خبير أن المنافق يعتبر في الأحكام القضائية الدنيوية مسلما مع وجوب الحيطة والحذر منه.
وقبل أن تستغرق في التأمل فيما كان يتصف به ﷺ من البراعة في الحكمة والسياسة وتدبير الأمور، ينبغي أن أذكرك مرة أخرى، بأن كل هذه الصفات إنما تأتي من وراء صفة النبوة فيه، فهي كلها متفرعة عن كونه نبيا ورسولا إلى الناس، ومن الخطأ الفادح أن يعمد باحث فيحلل مثل هذه الصفات في حياته ﷺ ، دون أن يربطها بمصدرها الأساسي الأول، وهو نبوته ورسالته ﷺ . وتلك خطة- كما بيّنا ذلك سابقا- يختارها محترفو الغزو الفكري لشغل المسلمين
стр. 205
عن التأمل بنبوته ﵊، ويتلقفها منهم أولئك الذين فاقوا حتى القردة في إتقان فن التقليد الأعمى.
رابعا: وأما قصة الإفك، فإنها حلقة فريدة من سلسلة فنون الإيذاء والمحن التي لقيها رسول الله ﷺ من أعداء الدين. ولقد كانت هذه الأذيّة أشد في وقعها على نفسه ﷺ من كل تلك المحن السابقة، وتلك هي طبيعة الشر الذي يصدر من المنافقين، فهو دائما يكون أقسى من غيره وأبلغ في المكيدة والضرر، إذ تكون الفرص والأسباب خاضعة لهم أكثر من غيرهم. وخبر الإفك صورة فريدة للأذى الذي تفرد به المنافقون.
وإنما كانت هذه القصة أبلغ من غيرها في إيذاء النبي ﷺ ، لأن كل ما كان قد كابده قبل ذلك من المحن التي تحدثنا عن طرف منها، أمور كان يتوقعها، وقد وطن نفسه لقبولها وتحملها، بل كان منها على ميعاد في طريق الدعوة، أما هذه فقد فوجئ بها.. لأنها ليس مما قد اعتاده، أو توقعه. إنها اليوم شيء آخر.. إنها شائعة، لو صحت لكانت طعنة نجلاء في أخص ما يعتز به، إنسان، أخصّ ما يتصف به الشرف والكرامة، وما الذي أدراه أنها شائعة صحيحة أو باطلة؟! ..
من هنا كانت هذه الأذية أبلغ في تأثيرها من كل ما عداها، لأنها جاءت لتلقي بشعوره النفساني في اضطراب مثير لا مناص منه. ومع ذلك فلو أن الوحي سارع إلى كشف الحقيقة وفضح إفك المنافقين لكان في ذلك مخلص من هذا الاضطراب والشكوك المثيرة، ولكن الوحي تلبث أكثر من شهر لا يعلّق على ذلك، فكان ذلك مصدرا آخر للقلق والشكوك.
ومع ذلك فإن محنة الإفك هذه، جاءت منطوية على حكمة إلهية اتجهت إلى إبراز شخصية النبي ﷺ ، وإظهارها صافية مميزة عن كل ما قد يلتبس بها. إن معنى النبوة في حياته ﷺ كان من المحتمل أن يبقى مشوبا، في وهم بعض المؤمنين به، والكافرين، على السواء، لو لم تأت حادثة الإفك هذه لتهز شخصية النبي ﷺ ، هزا قويا يفصل إنسانيته العادية عن معنى النبوة الصافية فيه، ثم لتجلي معنى النبوة والوحي تجلية تامة أمام الأنظار والأفكار، حتى لا يبقى أي مجال التباس بينه وبين أي معنى من المعاني النفسية أو الشعورية الأخرى.
لقد فاجأت هذه الشائعة سمع النبي ﷺ ، وهو في طور من إنسانيته العادية، يتصرف ويتأمل ويفكر كأي أحد من الناس ضمن حدود العصمة المعروفة للأنبياء والمرسلين، فاستقبلها كما يستقبل مثلها أي بشر من الناس، ليس له اطلاع على غيب مكنون ولا ضمير مجهول، ولا على قصد ملفّق كاذب. فاضطرب كما يضطربون، وشك كما يشكون، وأخذ يقلّب الرأي على وجوهه، ويستنجد في ذلك بمشورة أولي الرأي من أصحابه.
وكان من مقتضى الحكمة الإلهية في إبراز هذا الجانب الإنساني المجرد فيه ﷺ ، أن يتأخر
стр. 206
الوحي كل هذه الفترة التي تأخرها، كي تتجلى للناس حقيقتان، كل منهما على غاية من الأهمية:
أما الحقيقة الأولى، فهي أن النبي ﷺ لم يخرج بنبوته ورسالته عن كونه بشرا من الناس، فلا ينبغي لمن آمن به أن يتصور أن النبوة قد تجاوزت به حدود البشرية، فينسب إليه من الأمور أو التأثير في الأشياء ما لا يجوز نسبته إلا لله وحده.
وأما الحقيقة الثانية، فهي أن الوحي الإلهي ليس شعورا نفسيا ينبثق من كيان النبي ﷺ كما أنه ليس شيئا خاضعا لإرادته أو تطلعه وأمنياته. إذ لو كان كذلك، لكان من السهل عليه أن ينهي هذه المشكلة من يوم ميلادها ويريح نفسه من ذيولها ونتائجها، ويجعل مما يعتقد من الخير والاستقامة في أهله قرآنا يطمئن به أصحابه المؤمنين، ويسكت الآخرين من أصحاب الفضول.
ولكنه لم يفعل، لأنه لا يملك ذلك.
ولننقل لك ما يقوله في بيان هذه الحقيقة الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه (النبأ العظيم) يقول: «ألم يرجف المنافقون بحديث الإفك عن زوجه عائشة ﵂، وأبطأ الوحي وطال الأمر والناس يخوضون، حتى بلغت القلوب الحناجر، وهو لا يستطيع إلا أن يقول بكل تحفظ واحتراس: «إني لا أعلم عنها إلا خيرا» ثم إنه بعد أن بذل جهده في التحري والسؤال واستشارة الأصحاب ومضى شهر بأكمله والكل يقولون: «ما علمنا عليها من سوء» ، لم يزد على أن قال لها آخر الأمر: «يا عائشة أما إنه بلغني كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله» .
هذا كلامه بوحي ضميره، وهو كما ترى كلام البشر الذي لا يعلم الغيب، وكلام الصديق المتثبت الذي لا يتبع الظن ولا يقول ما ليس له به علم، على أنه لم يغادر مكانه بعد أن قال هذه الكلمات حتى نزل صدر سورة النور معلنا براءتها ومصدرا الحكم المبرم بشرفها وطهارتها.
فماذا كان يمنعه- لو أن أمر القرآن إليه- أن يتقول هذه الكلمات الحاسمة من قبل ليحمي بها عرضه ويذبّ بها عن عرينه وينسبها إلى الوحي السماوي، لتنقطع ألسة المتخرّصين؟ ولكنه ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ «٦٥» [الحاقة ٦٩/ ٤٤- ٤٧] .
ولقد كانت السيدة عائشة ﵂، أول من تجلّت لها هاتان الحقيقتان، حتى ذهبت في توحيدها وعبوديتها لله وحده مذهبا أنساها ما سواه ومن سواه، فلذلك أجابت أمّها حينما طلبت إليها أن تقوم فتشكر النبي ﷺ قائلة: «لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي» .
стр. 207
إن هذا الكلام من السيدة عائشة قد يبدو وكأن فيه شيئا من عدم اللباقة تجاه النبي ﷺ ، غير أن الظرف والحالة، هما اللذان أمليا عليها هذا الكلام، فهي إنما انساقت بوحي الحالة التي كونتها الحكمة الإلهية تثبيتا لعقيدة المؤمنين، وقطعا لإفك المنافقين والملحدين، وإظهارا لمعنى التوحيد والعبودية الشاملة لله وحده.
وهكذا فقد انطوت قصة الإفك على حكمة إلهية باهرة استهدفت تثبيت العقيدة الإسلامية، وردّ ما قد يعرض من شبه عليها، وتلك هي الخيرية التي عبر الله عنها بقوله: لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [النور ٢٤/ ١١] .
خامسا: في قصة الإفك هذه، ما يدلنا على مشروعية حد القذف. فقد رأينا أن النبي ﷺ أمر بأولئك الذين تفوّهوا بصريح القذف، فضربوا حد القذف وهو ثمانون جلدة. وليس في هذا من إشكال.
إنما الإشكال في أن ينجو من الحد الذي تولى كبر هذه الشائعة وتسييرها بين الناس، وهو عبد الله بن أبيّ بن سلول، والسبب، كما قال ابن القيم: أنه كان يعالج الحديث من الإفك بين الناس بخبث، فكان يستوشي الكلام فيه ويجمعه ويحكيه في قوالب من لا ينسب إليه «٦٦» . وأنت خبير أن حد القذف إنما يقع على من يتفوّه به بصريح القول.
هذا ولنختم الحديث عن قصة الإفك ودروسها، بذكر الآيات العشرة التي نزلت ببراءة أم المؤمنين عائشة ﵂، وإدانة المنافقين والخاطئين.
يقول الله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ، وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ، لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً، وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ، لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ، فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ، وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ، إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ. وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا، سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ. يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [النور ٢٤/ ١١- ٢٠] .
стр. 208
غزوة الخندق
وتسمّى بغزوة الأحزاب، وقد كانت في شوال سنة خمس على ما جزم به ابن إسحاق وعروة بن الزبير وقتادة والبيهقي وجمهور علماء السيرة، وقيل في سنة أربع من الهجرة. وقد تفرد به موسى بن عقبة ورواه عنه البخاري وتابعه في ذلك مالك «٦٧» .
سببها: أن نفرا من زعماء اليهود من بني النضير خرجوا حتى قدموا مكة، فدعوا قريشا إلى حرب رسول الله ﷺ وقالوا: «سنكون معكم حتى نستأصله، وقالوا لهم إن ما أنتم عليه خير من دين محمد ﷺ » ففيهم نزل قول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا، أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً [النساء ٤/ ٥١، ٥٢] ، فاتفقوا مع قريش على حرب المسلمين وتواعدوا لذلك.
ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاؤوا غطفان فدعوهم إلى مثل ما دعوا قريشا إليه، ولم يزالوا بهم حتى وافقوهم على ذلك ثم التقوا ببني فزارة وبني مرة، وتمّ لهم مع هؤلاء جميعا تواعد في الزمان والمكان لحرب رسول الله ﷺ «٦٨» .
تهيؤ المسلمين للحرب، فلما بلغ رسول الله ﷺ الخبر وسمع بخروجهم من مكة، ندب الناس وأخبرهم خبر عدوهم وشاورهم في الأمر، فأشار عليه سلمان الفارسي بالخندق، فأعجب ذلك المسلمين (والخندق مما لم يكن يعلمه العرب من وسائل الحرب) فخرجوا من المدينة وعسكر بهم رسول الله ﷺ في سفح جبل سلع فجعلوه خلفهم، ثم هبوا جميعا يحفرون الخندق بينهم وبين العدو. كان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف، وعدد ما اجتمع من قريش والأحزاب والقبائل الأخرى عشرة آلاف «٦٩» .
مشاهد من عمل المسلمين في حفر الخندق: روى البخاري عن البراء ﵁ قال:
«لما كان يوم الأحزاب، وخندق رسول الله ﷺ رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني التراب جلدة بطنه وكان كثير الشعر» ، وروي عن أنس ﵁ أن الأنصار والمهاجرين كانوا يرتجزون وهم يحفرون الخندق وينقلون التراب على متونهم:
نحن الذين بايعوا محمدا ... على الإسلام ما بقينا أبدا
فيجيبهم النبي ﷺ :
стр. 209
«اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجرة» «٧٠» .
وروى البخاري أيضا في صحيحه عن جابر ﵁ قال: «إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة، فجاؤوا النبي ﷺ فقالوا هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: أنا نازل، ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا، فأخذ النبي ﷺ المعول فضرب، فعاد كثيبا أهيل (أو أهيم) فقلت: يا رسول الله ائذن لي إلى البيت، فقلت لا مرأتي:
رأيت بالنبي ﷺ شيئا ما كان لي في ذلك صبر، فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق «٧١» .
فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة «٧٢» ، ثم جئت النبي ﷺ والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي «٧٣» قد كادت أن تنضج، فقلت: طعيّم لي، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان. قال: كم هو؟ فذكرت له، قال: كثير طيب، فقل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي. ثم نادى المهاجرين والأنصار فقال لهم قوموا.. وفي طريق أخرى:
فصاح النبي ﷺ : يا أهل الخندق، إن جابرا قد صنع سورا «٧٤» فحيّ هلا بكم. فلما دخل جابر على امرأته قال: ويحك جاء النبي بالمهاجرين والأنصار ومن معهم! .. قالت: هل سألك كم طعامك؟ قال: نعم، قالت: الله ورسوله أعلم.
ثم جاء النبي ﷺ فقال: ادخلوا ولا تضاغطوا. فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمّر البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية! قال: كلي هذا واهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة (وفي رواية أخرى) فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوا وانصرفوا، وإن برمتنا لتغطّ كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو» «٧٥» .
موقف المنافقين من العمل في الخندق: روى ابن هشام أنه أبطأ عن رسول الله ﷺ وعن المسلمين في عملهم في الخندق رجال من المنافقين، وجعلوا يورّون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهلهم بغير علم من رسول الله ﷺ ، وكان الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لابد له منها يستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله. وفي ذلك نزل قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى
стр. 210
أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور ٢٤/ ٦٢] .
نقض بني قريظة للعهد: وخرج حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي فأغراه بنقض العهد مع رسول الله ﷺ ، وقال له: «جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمي إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه. فقال له كعب:
جئتني والله بذل الدهر.. ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء.
ولم يزل حيي بكعب حتى أقنعه بالخيانة ونقض العهد» . وانتهى الخبر إلى رسول الله ﷺ فأرسل سعد بن معاذ ليتحقق من الخبر وأوصاه أن يلحن له بإشارة يفهمها إذا كان الخبر حقا، وأن لا يفت في أعضاد الناس وإن كان كذبا فليجهر به في الناس. فلما استطلع سعد الخبر ورآه حقا عاد إلى رسول الله ﷺ فقال له: «عضل والقارة» ، أي كغدر عضل والقارة. فقال رسول الله ﷺ :
«الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين» «٧٦» .
ما ال إليه حال المسلمين إذ ذاك: بلغ المسلمين خبر نقض بني قريظة للعهد، وذر قرن المنافقين بينهم يفتّون في عضد المسلمين، وجاءهم العدو من فوقهم ومن أسفل منهم، وراح المنافقون يرجفون في المدينة حتى إن أحدهم ليقول: «كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط» . ولما وجد رسول الله ﷺ الأمر كذلك وأن البلاء قد اشتد بالمسلمين بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فاستشارهما في أن يصالح قبيلة غطفان على ثلث ثمار المدينة كي ينصرفوا عن قتال المسلمين، فقالا له: «يا رسول الله، أهو أمر تحبه فنصنعه، أم شيء أمرك به الله، أم شيء تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم كي أكسر عنكم من شوكتهم. وحينئذ قال له سعد بن معاذ: والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فتهلل وجه رسول الله ﷺ وقال له: فأنت وذاك» .
قال ابن إسحاق يروي عن عاصم بن عمرو بن قتادة وعن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري:
«ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح (أي بين المسلمين وغطفان) إلا المراوضة في ذلك» «٧٧» .
أما المشركون فقد فوجئوا بالخندق حينما وصلوا إليه، وقالوا إن هذه لمكيدة ما كانت العرب
стр. 211
تكيدها. فعسكروا حول الخندق يحاصرون المسلمين، ولم يحدث قتال غير أن بعض المشركين أخذوا يتيممون مكانا ضيقا من الخندق فاقتحموا منه، فأخذ عليهم المسلمون الثغرة التي اقتحموا منها، فارتد بعضهم وقتل البعض. وكان ممن قتلوا إذ ذاك عمرو بن ودّ، قتله علي بن أبي طالب ﵁.
هزيمة المشركين بدون قتال: وكفى الله المؤمنين القتال فهزم جموع المشركين بوسيلتين لا دخل للمسلمين فيهما. أما أولاهما فرجل من المشركين اسمه نعيم بن مسعود أتى رسول الله ﷺ مسلما وعرض عليه تنفيذ أي أمر يريده النبي ﷺ فقال له: «إنما أنت رجل واحد فينا، ولكن خذّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة» .
فخرج نعيم بن مسعود، فأتى بني قريظة فأقنعهم- وهم يحسبونه لا يزال مشركا- أن لا يتورطوا مع قريش في قتال حتى يأخذوا منهم رهائن، كي لا يولوا الأدبار، فيبقوا وحدهم في المدينة دون أي نصير لهم على محمد وأصحابه، فقالوا له: إنه للرّأي! .. ثم خرج حتى أتى قريشا فأنبأهم أن بني قريظة قد ندموا على ما صنعوا وأنهم قد اتفقوا خفية مع رسول الله ﷺ على أن يختطفوا عددا من أشراف قريش وغطفان فيسلموهم له ليقتلهم، فإن أرسلت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فإياكم أن تسلموهم رجلا منكم. ثم خرج حتى أتى غطفان فقال لهم مثل الذي قال لقريش. وهكذا تألب بعضهم على بعض، واختفت الثقة مما بينهم، وأصبح كل فريق منهم يتهم الفريق الآخر بالغدر والخيانة.
أما الوسيلة الثانية، فهي ريح هو جاء مخيفة في ليلة مظلمة باردة، جاءت فقلبت قدورهم واقتلعت خيامهم، وقطعت أوتادهم، وذلك بعد بضعة عشر يوما من المحاصرة التي ضربها المشركون على المسلمين.
روى مسلم بسنده عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: «لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب، وأخذتنا ريح شديدة وقرّ، فقال رسول الله ﷺ : ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة، فسكتنا فلم يجبه منا أحد، ثم قال: ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة فسكتنا فلم يجبه منا أحد، (ردد ذلك رسول الله ثلاثا) ثم قال: قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم، فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم. قال: اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي. فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام، حتى أتيتهم، فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار، فوضعت سهما في كبد القوس، فأردت أن أرميه، فذكرت قول رسول الله ﷺ : ولا تذعرهم علي، ولو رميته لأصبته، فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام. فلما
стр. 212
أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت، فألبسني رسول الله ﷺ من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائما حتى أصبحت، قال: قم يا نومان» «٧٨» .
ورواه ابن إسحاق بزيادة: فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل لا تقرّ لهم قدرا ولا نارا ولا بناء، فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه؟ قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جانبي فقلت له من أنت؟ قال: فلان بن فلان. ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون.. فارتحلوا فإني مرتحل» «٧٩» .
وفي صباح اليوم الثاني، كان المشركون كلهم قد ولوا الأدبار، وعاد رسول الله ﷺ وصحبه إلى المدينة.
وكان لا يفتر ﵊ طيلة هذه الأيام والليالي عن الاستغاثة والتضرع والدعاء لله تعالى أن يؤتي المسلمين النصر. وكان من جملة دعائه ﵊ في ذلك: «اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم» «٨٠» .
وفي هذه الغزوة فاتت النبي ﷺ الصلاة في وقتها فقضاها بعد خروج الوقت، فقد ورد في الصحيحين أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش، فقال: «يا رسول الله، ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب! .. قال النبي ﷺ : والله ما صليتها، فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب» «٨١» وزاد مسلم على هذا حديثا آخر أنه ﷺ قال يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا، ثم صلاها بين العشاءين: بين المغرب والعشاء» .
العبر والعظات:
وهذه الغزوة أيضا- كما ترى- قامت على أساس من غدر اليهود وكيدهم، فهم الذين أثاروا، وألّبوا، وجمعوا الجموع والأحزاب، ولم يتوقف ذلك على بني النضير الذين كانوا قد أخرجوا من
стр. 213
المدينة، بل اشترك معهم بنو قريظة الذين كانوا لا يزالون مرتبطين بعهود ومواثيق مع المسلمين، دون أن يجدوا منهم أي مكروه من شأنه أن يدعوهم إلى نقض تلك العهود والمواثيق! ..
ولم نعد بحاجة إلى أن نعلّق على هذا ونحوه، ونستنبط منه العظات أو الدروس، فهو من جليات الأمور التي أصبحت من المقولات التاريخية المعروفة في كل زمان ومكان.
ولنعد الآن إلى هذا الذي استعرضناه من وقائع هذه الغزوة ومشاهدها لنقف على ما تنطوي عليه من دروس وعظات وأحكام، وسنلخصها في الأمور التالية:
أولا: لقد كان من جملة الوسائل الحربية التي استعملها المسلمون في هذه الغزوة حفر الخندق، ولقد كانت غزوة الأحزاب أول غزوة في التاريخ العربي والإسلامي يحفر فيها الخنادق، إذ هو مما كان متعارفا بين الأعاجم فقط، وقد رأيت أن الذي اقترح ذلك في غزوة الأحزاب إنما هو سلمان الفارسي، وقد رأيت أن النبي ﷺ أعجب بهذه الوسيلة الحربية وسرعان مادعا أصحابه إلى القيام بتحقيقها.
وهذا من جملة الأدلة الكثيرة التي تدل على أن الحكمة هي ضالة المؤمن، فحيثما وجدها التقطها بل هو أولى بها من غيره، وأن الشريعة الإسلامية بمقدار ما تكره للمسلمين اتباع غيرهم وتقليدهم على غير بصيرة، تحب لهم أن يجمعوا لأنفسهم أطراف الخير كله والمبادئ المفيدة جميعها، أينما لاح لهم ذلك، وحيثما وجد. فالقاعدة الإسلامية العامة في هذا الصدد، هي أن لا يعطل المسلم عقله الحر وتفكيره الدقيق في سلوكه وعامة شؤونه وأحواله، وإذا كان المسلم كذلك، فهو ولا ريب، لا يمكن أن يربط في عنقه زماما يسلّم طرفه للآخرين فيقودوه حيثما أرادوا بدون وعي ولا بصيرة، وهو أيضا لا يمكن أن يتجاهل أي مبدأ أو عمل أو نظام يسلّم به العقل النيّر والفكر الحر وينسجم مع مبادئ الشريعة الإسلامية، ليتجاوزه ولا يتعب نفسه بأخذه والاستفادة منه.
وهذا السلوك الذي شرعه الله للمسلم، إنما ينبع من أصل أساسي هو الكرامة التي فطر الله الإنسان عليها إذ قضت مشيئته أن يكون هو سيد المخلوقات. وما ممارسة العبودية لله تعالى والتزام أحكام شريعته إلا ضمان لحفظ هذه الكرامة والسيادة.
ثانيا: وفيما استعرضناه من مشهد عمل الصحابة مع رسول الله ﷺ في حفر الخندق، عبرة بالغة كبرى، توضح لك حقيقة المساواة التي يرسيها المجتمع الإسلامي بين جميع أفراده المسلمين، وتكشف لك أن العدالة والمساواة، ليستا في الاعتبار الإسلامي مجرد شعارات يزين بها ظاهر المجتمع أو يوضع منه في إطار لامع براق، وإنما العدالة والمساواة هما الأساس الواقعي الذي تنبثق منه القيم والمبادئ الإسلامية عامة ظاهرا وباطنا.
стр. 214
فأنت تجد أن رسول الله ﷺ لم يندب المسلمين إلى حفر الخندق، ثم ذهب يراقبهم في قصر منيف له مستريحا هادئا، ولا أقبل إليهم في احتفال صاخب رنان ليمسك معول أحدهم بأطراف أصابعه، فيضرب به ضربة واحدة في الأرض إيذانا ببدء العمل وتخييلا لهم أنه قد شاركهم في ذلك، ثم يلقي المعول ويدير إليهم ظهره، ينفض عن حلته ما قد علق بها من ذرات غبار..
ولكن رسول الله ﷺ قد انخرط في العمل كأي واحد من أصحابه، حتى لبس ثوبا من الأتربة والغبار على جسمه فما تفرقه عن أي عامل آخر من صحبه وإخوانه، يرتجزون لينشط بعضهم بعضا، فيرتجز معهم، ويتعبون ويجوعون فيكون أولهم تعبا وجوعا. وتلك هي حقيقة ما أقامته الشريعة الإسلامية من مساواة بين الحاكم والمحكوم والغني والفقير والصعلوك والأمير، وأنت لا تجد فرعا من فروع الشريعة وأحكامها إلا قائما على هذا الأساس ضامنا لهذا الحق.
وأعيذك أن تخطئ، فتسمي هذا ديموقراطية في السلوك أو الحكم، فشتان ما بينهما من الفرق.
مصدر هذه العدالة والمساواة في الدين الإسلامي، هو العبودية لله تعالى. وهي صفة عامة شاملة للناس كلهم، تضعهم في صف واحد من المكانة والاعتبار. ومصدر ما يسمونه بالديموقراطية، تحكيم رأي الأكثرية أي تأليه رأي الأكثرية على الآخرين، مهما كانت طبيعة ذلك الرأي ومرماه.
من أجل هذا، لا تعوج الشريعة الإسلامية على شيء مما يسمى بالامتيازات لأي طبقة أو فئة من الناس، ولا تخص جماعة منهم بحصانة ما مهما كانت الدوافع والأسباب، لأن صفة العبودية من شأنها أن تذيب كل ذلك وتلغيه من الاعتبار.
ثالثا: وفي هذا المشهد نفسه أيضا عظة وعبرة أخرى تكشف لك عن مظهر النبوة في شخصية النبي ﷺ ، وتضعك أمام مدى ما كانت تمتلئ به نفسه من محبة أصحابه والشفقة عليهم وتعطيك مثالا آخر للخوارق والمعجزات التي أكرم الله بها نبيه ﷺ .
فأما ما يتجلى من شخصيته النبوية في هذا المشهد، فذلك يبدو في مكابدته ﷺ للجوع الشديد أثناء عمله مع أصحابه، حتى إنه ليشد الحجر على بطنه، يتقي بذلك ما يجده الجائع من ألم الفراغ في معدته، ترى ما الذي يمكن أن يحمله على معاناة مثل هذه المشقة والجهد؟ أهو التطلع إلى الزعامة! .. أم هي الرغبة في المال والملك! .. أم هو الطموح إلى أن يجد من حوله شيعة وأتباعا! .. كل هذه المطامع، تناقض مناقضة صارخة هذا الذي يكابده ويعانيه، وما أبعد الرجل الذي يطمع في جاه أو ملك أو سلطان عن الصبر على تحمل مثل هذه الآلام.
إن الذي يحمله على تحمل كل ذلك إنما هو مسؤولية الرسالة والأمانة التي كلف بتبليغها
стр. 215
والسير بها إلى الناس في طريق هذه طبيعتها. فهذه الشخصية النبوية التي تتجلى في عمله مع أصحابه في حفر الخندق.
وأما ما يبدو خلال ذلك من محبته الشديدة لأصحابه والشفقة عليهم، فإنك لتجده واضحا في موقفه ﷺ من دعوة جابر له إلى طعامه القليل، ذاك الذي صنعه له.
لقد كان الذي دفع جابرا إلى دعوته ﷺ ، ما اكتشفه من شدة جوعه ﵊ حينما رأى الحجر المربوط على بطنه الشريف، ولم يكن في بيته من الطعام إلّا ما يكفي لبضعة أشخاص، فاضطر إلى أن يجعل الدعوة على قدر ما عنده من الطعام.
ولكن كيف يتصور أن يترك النبي ﷺ أصحابه في غمرة العمل وهم يتضورون مثله جوعا، لينفرد عنهم مع ثلاثة أو أربعة من أصحابه يستريحون ويأكلون، وإنه لأشفق على أصحابه من شفقة الأم على أولادها؟!
أما جابر فقد كان مضطرا إلى ما فعل، وكان ذلك منه طبيعيا، إذ إنه- كأي مفكر من الناس- لم يكن يملك إلا أن يتصرف حسب ما لديه من الأسباب المادية، والطعام الذي لديه، لا يكفي فيما يجمع عليه عرف البشر إلا لهذا العدد اليسير، فليختصّ به إذن رسول الله ﷺ ومن يشاء من بعض أصحابه في حدود ضيقة.
ولكنه ﵊، لم يكن من شأنه أن يتأثر بنظرة جابر هذه، فهو أولا لا يمكن أن يتميّز عن أصحابه بشيء من النعمة أو الراحة. وهو ثانيا لا يمكن أن يأسر نفسه تحت سلطان الأسباب المادية وحدودها التي ألفها البشر، فالله وحده مسبب الأسباب وخالقها، ومن اليسير عليه سبحانه أن يجعل من الطعام اليسير كثيرا، وأن يبارك في القليل منه حتى يكفي القوم كلهم.
ومهما يكن، فقد رأى النبي ﷺ أنه وأصحابه متضامنون متكافلون يتقاسمون النعمة بينهم مهما قلت كما يتقاسمون بينهم المحنة مهما عظمت وكثرت! .. فمن أجل ذلك أرسل جابرا إلى داره ليهيئ لهم الطعام، وانفتل هو إلى عامة القوم يناديهم أن يقبلوا جميعا إلى صنيعة كبرى لهم في دار جابر.
وأما المعجزة الخارقة في هذه القصة، فهي ما رأيت من انقلاب شاة جابر الصغيرة إلى طعام وفير كثير، شبع منه مئات الصحابة وبقيت منه بقية كثيرة تركوها بعد أن اقترح النبي ﷺ على أهل البيت أن يتصدقوا بها! .. لقد كانت هذه الخارقة العجيبة لرسول الله ﷺ تقديرا إلهيا لمدى محبته ﷺ لأصحابه وإعراضه عن الأسباب المادية وشأنها في جنب قدرة الله وسلطانه.
والذي أريده من القارئ، أن ينتبه بفكره إلى مثل هذه المؤيدات الإلهية التي كان يؤيّد بها النبي ﷺ من وراء قيمة الأسباب المادية وسلطانها، فهي من أهم ما يبرز معالم شخصيته النبوية