والفرق بين عموم التشييد وخصوص الزخرفة والنقش واضح.
فالأول كما قلنا لا يترتب عليه وصف أو معنى يخل بالحكمة التي من أجلها شرع بناء المسجد أما الزخرفة والنقش فإن كلّا منهما يترتب عليه معنى يخل بالحكمة، إذ من شأنه صرف قلوب المصلين عن الخشوع والتدبر وشغلها بمظاهر الدنيا، على حين يقصد من الدخول في المسجد الهرب من التصورات الدنيوية وتفريغ البال من زينتها ومغرياتها.
وهذا ما نبه إليه عمر ﵁. فقد روى البخاري في صحيحه أنه أمر ببناء مسجد فقال: «أكنّ الناس من المطر وإياك أن تحمّر أو تصفّر، فتفتن الناس» .
وقد اختلف العلماء في كتابة آية من القرآن في قبلة المسجد هل هي داخلة في النقش الممنوع أم لا؟ يقول الزركشي في كتابه إعلام الساجد:
«ويكره أن يكتب في قبلة المسجد آية من القرآن أو شيئا منه، قال مالك، وجوزه بعض العلماء، وقال: لا بأس به، لما روي من فعل عثمان ذلك بمسجد رسول الله ﷺ ولم ينكر ذلك عليه» «٩» .
ومما ذكرناه يتبين لك خطأ ما يعمد إليه كثير ممن يهتمون بتعمير المساجد وتشييدها اليوم، حيث ينصرفون بكل جهودهم إلى التفنن في تزيينها ونقشها وإضفاء مختلف مظاهر الأبهة عليها، حتى أن الداخل إليها لا يكاد يستشعر أي معنى من ذل العبودية لله ، وإنما يستشعر ما ينطق به لسان حالها من الافتخار بما ارتقى إليه فن الهندسة المعمارية، وفنون الزخرفة العربية.
ومن أسوأ نتائج هذا التلاعب الشيطاني ببسطاء المسلمين، أن الفقراء لم يعودوا يستطيعون أن يتهربوا من مظاهر الإغراء الدنيوي إلى أي جهة، لقد كان في المساجد ما يعزي الفقير بفقره، ويخرجه من جو الدنيا وزخرفها إلى الآخرة وفضلها، فأصبحوا يجدون حتى في مظهر هذه المساجد ما يذكّرهم بزخارف الدنيا التي حرموها ويشعرهم بنكد الفقر وأوضاره.
فيالله، ما أسوأ ما وقع فيه المسلمون من هجران لحقائق إسلامهم وانشغال بمظاهر كاذبة ظاهرها الدين وباطنها الدنيا بكل ما فيها من شهوات وأهواء.
стр. 142
الأساس الثاني (الأخوة بين المسلمين)
ثم إن الرسول ﷺ آخى بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، آخى بينهم على الحق والمواساة، وعلى أن يتوارثوا بينهم بعد الممات، بحيث يكون أثر الأخوة الإسلامية في ذلك أقوى من أثر قرابة الرحم.
فجعل جعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أخوين، وجعل حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة أخوين، وجعل أبا بكر الصديق ﵁ وخارجة بن زهير أخوين، وعمر بن الخطاب وعتبان بن مالك أخوين، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخوين..
وهكذا.. «١٠» .
ثم ربط النبي ﷺ هذا التآخي بين أفراد الصحابة بنطاق عام من الأخوة والموالاة، كما سنجد فيما بعد.
وقد قامت هذه الأخوة على أسس مادية أيضا، وكان حكم التوارث فيما بينهم من بعض هذه الظواهر المادية. وظلت حقوق هذا الإخاء مقدمة على حقوق القرابة إلى موقعة بدر الكبرى، حيث نزل في أعقابها قوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال ٨/ ٧٥] ، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها وانقطع أثر المؤاخاة الإسلامية في الميراث، ورجع كل إنسان في ذلك إلى نسبه وذوي رحمه، وأصبح المؤمنون كلهم إخوة.
روى البخاري عن ابن عباس قال: «كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجريّ الأنصاريّ دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ نسخت. ثم قال: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ [النساء ٤/ ٣٣] أي من النصر والرفادة والنصيحة. وقد ذهب الميراث «١١» .
العبر والدلائل:
وهذا هو الأساس الثاني الذي اعتمده رسول الله ﷺ في سبيل بناء المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية. وإن أهمية هذا الأساس تظهر في الجوانب التالية:
أولا: إن أي دولة لا يمكن أن تنهض وتقوم إلا على أساس من وحدة الأمة وتساندها،
стр. 143
ولا يمكن لكل من الوحدة والتساند أن يتم بغير عامل التآخي والمحبة المتبادلة. فكل جماعة لا تؤلف بينها آصرة المودة والتآخي الحقيقية، لا يمكن أن تتحد حول مبدأ ما، وما لم يكن الاتحاد حقيقة قائمة في الأمة أو الجماعة فلا يمكن أن تتألف منها دولة.
على أن التآخي أيضا لا بد أن يكون مسبوقا بعقيدة يتم اللقاء عليها والإيمان بها، فالتآخي بين شخصين يؤمن كل منهما بفكرة أو عقيدة مخالفة للأخرى، خرافة ووهم، خصوصا إذا كانت تلك الفكرة أو العقيدة مما يحمل صاحبها على سلوك معين في الحياة العملية.
ومن أجل ذلك، فقد جعل رسول الله ﷺ أساس الأخوة التي جمع عليها أفئدة أصحابه، العقيدة الإسلامية التي جاءهم بها من عند الله تعالى والتي تضع الناس كلهم في مصاف العبودية الخالصة لله تعالى دون الاعتبار لأي فارق إلا فارق التقوى والعمل الصالح، إذ ليس من المتوقع أن يسود الإخاء والتعاون والإيثار بين أناس شتتتهم العقائد والأفكار المختلفة فأصبح كل منهم ملكا لأنانيته وأثرته وأهوائه.
ثانيا: إن المجتمع- أي مجتمع- إنما يختلف عن مجموعة ما من الناس منتثرة متفككة، بشيء واحد، هو قيام مبدأ التعاون والتناصر فيما بين أشخاص هذا المجتمع، وفي كل نواحي الحياة ومقوماتها، فإن كان هذا التعاون والتناصر قائمين طبق ميزان العدل والمساواة فيما بينهم، فذلك هو المجتمع العادل السليم، وإن كانا قائمين على الحيف والظلم، فذلك هو المجتمع الظالم والمنحرف.
وإذا كان المجتمع السليم إنما يقوم على أساس من العدالة في الاستفادة من أسباب الحياة والرزق، فما الذي يضمن سلامة هذه العدالة وتطبيقها على خير وجه؟
إن الضمانة الطبيعية والفطرية الأولى لذلك، إنما هي التآخي والتآلف، يليها بعد ذلك ضمانة السلطة والقانون.
فمهما أرادت السلطة أن تحقق مبادئ العدالة بين الأفراد، فإنها لا تتحقق ما لم تقم على أساس من التآخي والمحبة فيما بينهم، بل إن هذه المبادئ لا تعدو أن تكون حينئذ مصدر أحقاد وضغائن تشيع بين أفراد ذلك المجتمع، ومن شأن الأحقاد والضغائن أن تحمل في طيها بذور الظلم والطغيان في أشد الصور، والأشكال.
من أجل هذا، اتخذ رسول الله ﷺ من حقيقة التآخي الذي أقامه بين المهاجرين والأنصار أساسا لمبادئ العدالة الاجتماعية التي قام على تطبيقها أعظم وأروع نظام اجتماعي في العالم. ولقد تدرجت مبادئ هذه العدالة فيما بعد بشكل أحكام وقوانين شرعية ملزمة، ولكنها كلها إنما تأسست وقامت على تلك (الأرضية) الأولى، ألا وهي الأخوة الإسلامية ولولا هذه الأخوة العظيمة، التي
стр. 144
تأسست بدورها على حقيقة العقيدة الإسلامية، لما كان لتلك المبادئ أي أثر تطبيقي وإيجابي في شدّ أزر المجتمع الإسلامي ودعم كيانه.
ثالثا: المعنى التفسيري الذي صاحب شعار التآخي:
لم يكن ما أقامه الرسول ﷺ بين أصحابه من مبدأ التآخي مجرد شعار في كلمة أجراها على ألسنتهم، وإنما كان حقيقة عملية تتصل بواقع الحياة وبكل أوجه العلاقات القائمة بين الأنصار والمهاجرين.
ولذلك جعل النبي ﷺ من هذه الأخوة مسؤولية حقيقية تشيع بين هؤلاء الإخوة، وكانت هذه المسؤولية محققة فيما بينهم على خير وجه، وحسبنا دليلا على ذلك ما قام به سعد بن الربيع الذي كان قد آخى الرسول ﷺ بينه وبين عبد الرحمن بن عوف، إذ عرض على عبد الرحمن بن عوف أن يشركه في بيته وأهله وماله في قسمة متساوية، ولكن عبد الرحمن شكره وطلب منه أن يرشده إلى سوق المدينة ليشتغل فيها، ولم يكن سعد بن الربيع منفردا عن غيره من الأنصار فيما عرضه على أخيه كما قد يظن، بل كان هذا شأن عامة الصحابة في علاقتهم وتعاونهم بعضهم مع بعض. خصوصا بعد الهجرة وبعد أن آخى النبي ﷺ فيما بينهم.
ولذلك أيضا، جعل الله حق الميراث منوطا بهذا التآخي، دون حقوق القرابة والرحم. فقد كان من حكمة هذا التشريع أن تتجلى الأخوّة الإسلامية حقيقة محسوسة في أذهان المسلمين، وأن يعلموا أن ما بين المسلمين من التآخي والتحابب ليس شعارا وكلاما مجردين، وإنما هي حقيقة قائمة ذات نتائج اجتماعية محسوسة يتكون منها أهم الأسس اللازمة لنظام العدالة الاجتماعية.
أما حكمة نسخ التوارث على أساس هذه الأخوة، فيما بعد، فهي أن نظام الميراث الذي استقر أخيرا، إنما هو نفسه قائم على أخوة الإسلام بين المتوارثين، إذ لا توارث بين ذوي دينين مختلفين، إلا أن الفترة الأولى من الهجرة وضعت كلّا من الأنصار والمهاجرين أمام مسؤولية خاصة من التعاون والتناصر والمؤانسة، بسبب مفارقة المهاجرين لأهلهم وتركهم ديارهم وأموالهم في مكة ونزولهم ضيوفا على إخوانهم الأنصار في المدينة، فكان ما أقامه الرسول ﷺ من التآخي بين أفراد المهاجرين والأنصار ضمانة لتحقيق هذه المسؤولية. ولقد كان من مقتضى هذه المسؤولية أن يكون هذا التآخي أقوى في حقيقته وأثره من أخوّة الرحم المجردة.
فلما استقر أمر المهاجرين في المدينة وتمكن الإسلام فيها، وغدت الروح الإسلامية هي وحدها العصب الطبيعي للمجتمع الجديد في المدينة، أصبح من المناسب انتزاع القالب الذي كان قد صب فيه نظام العلاقة بين المهاجرين والأنصار إثر التقائهم في المدينة، إذ لا يخشى على هذا النظام
стр. 145
بعد اليوم من التفكك والتميع في ظل الأخوة الإسلامية العامة وما يترتب عليها من المسؤوليات المختلفة. ولا ضير حينئذ أن يعود تأثير قرابة الرحم بين المسلمين من حيث كونها مؤثرا زائدا على قرابة الإسلام وأخوته.
ثم إن هذا التآخي الذي عقده رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار كان مسبوقا بمؤاخاة أخرى أقامها النبي ﷺ بين المهاجرين في مكة. قال ابن عبد البر: «كانت المؤاخاة مرتين: مرة بين المهاجرين خاصة، وذلك بمكة، ومرة بين المهاجرين والأنصار» «١٢» .
وهذا يؤكد لنا أنّ مناط الأخوة وأساسها إنما هو رابطة الإسلام. غير أنها احتاجت إلى تجديد وتأكيد بعد الهجرة بسبب ظروفها وبسبب اجتماع المهاجرين والأنصار في دار واحدة. فهي ليست في الحقيقة شيئا آخر غير الأخوة القائمة على أساس جامعة الإسلام ووحدة العقيدة، وإنما هي تأكيد لها عن طريق التطبيق.
الأساس الثالث (كتابة وثيقة بين المسلمين وغيرهم)
وهذا الأساس هو أهم ما قام به النبي ﵊ مما يتعلق بالقيمة الدستورية للدولة الجديدة. روى ابن هشام أن النبي ﵊ لم تمض له سوى مدة قليلة في المدينة حتى اجتمع له إسلام عامة أهل المدينة من العرب، ولم يبق دار من دور الأنصار إلا أسلم أهلها، عدا أفرادا من قبيلة الأوس، فكتب رسول الله ﷺ كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه اليهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم.
وقد ذكر ابن إسحاق هذا الكتاب بدون إسناد، وذكره ابن خيثمة فأسنده: حدثنا أحمد بن جناب أبو الوليد، ثنا عيسى بن يونس، ثنا كثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله ﵊ كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار، فذكر نحو ما ذكره ابن إسحاق «١٣» ، وذكره الإمام أحمد في مسنده فرواه عن سريج قال: حدثنا عباد عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار.. إلخ «١٤» .
ونحن لن نأتي بنص الكتاب كله، فهو طويل، ولكننا نجتزئ منه البنود الهامة بنصوصها الواردة في كتابه ﵊، كي نقف من ورائها على مدى القيمة الدستورية للمجتمع
стр. 146
الإسلامي ودولته الناشئة في المدينة. وهذه هي البنود مرتبة حسب ترتيبها في نص الكتاب نفسه:
١- المسلمون من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أمة واحدة من دون الناس.
٢- هؤلاء المسلمون جميعا على اختلاف قبائلهم يتعاقلون بينهم، ويفدون عانيهم «١٥» بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٣- إن المؤمنين لا يتركون مفرحا «١٦» بينهم أن يعطوه في فداء أو عقل.
٤- إن المؤمنين المتقين، على من بغى منهم أو ابتغى دسيعه «١٧» ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم.
٥- لا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافرا على مؤمن.
٦- إن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم.
٧- ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، والمؤمنون بعضهم موالي بعض دون الناس ٨- لا يحل لمؤمن أقرّ بما في الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا أو أن يؤويه، وإن من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة لا يؤخذ منه صرف ولا عدل.
٩- اليهود ينفقون مع اليهود ما داموا محاربين.
١٠- يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ «١٨» إلا نفسه وأهل بيته.
١١- إن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم. وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة.
١٢- كل ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله.
١٣- من خرج من المدينة آمن ومن قعد آمن، إلا من ظلم وأثم.
١٤- إن الله على أصدق ما في الصحيفة وأبره، وإن الله جار لمن برّ واتقى.
стр. 147
العبر والدلائل:
لهذه الوثيقة دلالات هامة تتعلق بمختلف الأحكام التنظيمية للمجتمع الإسلامي. ونلخصها فيما يلي:
١- إن كلمة (الدستور) هي أقرب إطلاق مناسب في اصطلاح العصر الحديث على هذه الوثيقة. وهي إذا كانت بمثابة إعلان دستور فإنه شمل جميع ما يمكن أن يعالجه أي دستور حديث يعنى بوضع الخطوط الكلية الواضحة لنظام الدولة في الداخل والخارج؛ أي فيما يتعلق بعلاقة أفراد الدولة بعضهم مع بعض، وفيما يتعلق بعلاقة الدولة مع الآخرين.
وحسبنا هذا الدستور الذي وضعه رسول الله ﷺ بوحي من ربه واستكتبه أصحابه، ثم جعله الأساس المتفق عليه فيما بين المسلمين وجيرانهم اليهود. حسبنا ذلك دليلا على أن المجتمع الإسلامي قام منذ أول نشأته على أسس دستورية تامة، وأن الدولة الإسلامية قامت- منذ أول بزوغ فجرها- على أتم ما قد تحتاجه الدولة من المقومات الدستورية والإدارية.
وظاهر أن هذه المقومات، أساس لابد منه لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في المجتمع. إذ هي في مجموعها إنما تقوم على فكرة وحدة الأمة الإسلامية وما يتعلق بها من البنود التنظيمية الأخرى، ولا يمكن أن نجد أرضية يستقر عليها حكم الإسلام وتشريعه ما لم يقم هذا التنظيم الدستوري الذي أوجده رسول الله ﷺ ، على إنه في الوقت نفسه جزء من الأحكام الشرعية نفسها.
ومن هنا تسقط دعاوى أولئك الذين يغمضون أبصارهم وبصائرهم عن هذه الحقيقة البديهية، ثم يزعمون أن الإسلام ليس إلا دينا قوامه ما بين الإنسان وربه، وليس له من مقومات الدولة والتنظيم الدستوري شيء. وهي أحبولة عتيقة، كان يقصد منها محترفو الغزو الفكري وأرقاء الاستعمار، أن يقيدوا بها الإسلام كي لا ينطلق فيعمل عمله في المجتمعات الإسلامية ولا يصبح له شأن قد يتغلب به على المجتمعات المنحرفة الأخرى. إذ الوسيلة إلى ذلك محصورة في أن يكون الإسلام دينا لا دولة، وعبادات مجردة، لا تشريعا وقوانين. وحتى لو كان الإسلام دينا ودولة في الواقع، فينبغي أن ينقلب فيصبح غير صالح لذلك ولو بأكاذيب القول.
غير أن هذه الأحبولة تقطعت سريعا، لسوء حظ أولئك المحترفين، وأصبح الحديث عنها من لغو القول ومكشوف الحقد والضغائن.
ولكن مهما يكن، فينبغي أن نقول، ونحن بصدد تحليل هذه البنود العظيمة: «إن مولد المجتمع الإسلامي نفسه إنما كان ضمن هيكل متكامل للدولة، وما تنزلت تشريعاته إلا ضمن قوالب من التنظيم الاجتماعي المتناسق من جميع جهاته وأطرافه، وهذه الوثيقة أكبر شاهد على ذلك» .
стр. 148
وهذا مع غض النظر عن قيمة الأحكام التشريعية نفسها من حيث إنها قطع وأجزاء إذا ضمّت إلى بعضها تكوّن منها تنظيم متكامل لبناء دستوري وإداري عظيم.
٢- إن هذه الوثيقة تدل على مدى العدالة التي اتسمت بها معاملة النبي ﷺ لليهود، ولقد كان بالإمكان أن تؤتي هذه المسألة العادلة ثمارها فيما بين المسلمين واليهود، لو لم تتغلب على اليهود طبيعتهم من حب للمكر والغدر والخديعة، فما هي إلا فترة وجيزة حتى ضاقوا ذرعا بما تضمنته بنود هذه الوثيقة التي التزموا بها، فخرجوا على الرسول والمسلمين بألوان من الغدر والخيانة سنفصل الحديث عنها في مكانها المناسب إن شاء الله، فكان المسلمون بذلك في حل مما التزموا به تجاههم.
٣- دلت هذه الوثيقة على أحكام هامة في الشريعة الإسلامية نذكر منها ما يلي:
أولا: يدلنا البند الأول منها على أن الإسلام هو وحده الذي يؤلف وحدة المسلمين وهو وحده الذي يجعل منهم أمة واحدة، وعلى أن جميع الفوارق والمميزات فيما بينهم تذوب وتضمحل ضمن نطاق هذه الوحدة الشاملة، تفهم هذا جليا واضحا من قوله ﵊:
«المسلمون من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أمة واحدة من دون الناس» .
وهو أول أساس لا بد منه لإقامة مجتمع إسلامي متماسك سليم.
ثانيا: يدلنا البند الثاني والثالث على أن من أهم سمات المجتمع الإسلامي ظهور معنى التكافل والتضامن فيما بين المسلمين بأجلى صوره وأشكاله، فهم جميعا مسؤولون عن بعضهم في شؤون دنياهم وآخرتهم. وإن عامة أحكام الشريعة الإسلامية إنما تقوم على أساس هذه المسؤولية، وتحدد الطرائق التنفيذية لمبدأ التكافل والتضامن فيما بين المسلمين.
ثالثا: يدل البند السابع على مدى الدقة في المساواة بين المسلمين لا من حيث أنها شعار براق للزينة والعرض، بل من حيث أنها ركن من الأركان الشرعية الهامة للمجتمع الإسلامي، يجب تطبيقه بأدق وجه وأتم صورة، وحسبك مظهرا لتطبيق هذه المساواة بين المسلمين ما قرره النبي ﷺ في هذا البند بقوله: «ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم» ومعنى ذلك أن ذمة المسلم أيا كان محترمة، وجواره محفوظ لا ينبغي أن يجار عليه فيه، فمن أدخل من المسلمين أحدا في جواره، فليس لغيره حاكما أو محكوما أن ينتهك حرمة جواره هذا، والمرأة المسلمة لا تختلف في هذا عن الرجل إطلاقا، فلجوارها- أيا كانت- من الحرمة ما لا يستطيع أن ينتهكه أي إنسان مهما علت رتبته وبلغت منزلته، وذلك بإجماع عامة العلماء، وأئمة المذاهب، غير أنه يشترط لذلك شروط معينة ذكرها الفقهاء كأن لا تكون إجارة تضر بالمسلمين كإجارة جاسوس، وأن تكون لعدد محصور، وأن تكون لمدة محدودة بحيث لا تزيد على أربعة أشهر «١٩» .
стр. 149
روى الشيخان وغيرهما أن أم هانئ بنت أبي طالب ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح فقالت: «يا رسول الله زعم ابن أمي عليّ أنه قاتل رجلا أجرته: فلان ابن هبيرة، فقال رسول الله ﷺ : قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ» .
وتستطيع أن تتأمل هذا فتعلم مدى الرفعة التي نالتها المرأة في حمى الإسلام وظله، وكيف أنها نالت كل حقوقها الإنسانية والاجتماعية كما نالها الرجل سواء بسواء، مما لم يحدث نظيره في أمة من الأمم.
غير أن المهم أن تعلم الفرق بين هذه المساواة الإنسانية الرائعة التي أرستها شريعة الإسلام، والمظاهر التقليدية لها مما ينادي به عشاق المدنية الحديثة اليوم. تلك شريعة من المساواة الدقيقة القائمة على الفطرة الإنسانية الأصيلة، يتوخى منها سعادة الناس كلهم نساء ورجالا، أفرادا وجماعات. وهذه نزوات حيوانية أصيلة يتوخى من ورائها اتخاذ المرأة مادة تسلية ورفاهية للرجل على أوسع نطاق ممكن، دون أي نظر إلى شيء آخر.
رابعا: يدلنا البند الثاني عشر على أن الحكم العدل الذي لا يجوز للمسلمين أن يهرعوا إلى غيره، في سائر خصوماتهم وخلافاتهم وشؤونهم إنما هو شريعة الله تعالى وحكمه، وهو ما تضمنه كتاب الله تعالى وسنة رسوله. ومهما بحثوا عن الحلول لمشكلاتهم في غير هذا المصدر فهم آثمون، معرضون أنفسهم للشقاء في الدنيا وعذاب الله تعالى في الآخرة.
تلك هي أربعة أحكام انطوت عليها هذه الوثيقة التي أقام عليها رسول الله ﷺ الدولة الإسلامية في المدينة، وجعلها منهاجا لسلوك المسلمين في مجتمعهم الجديد، وإن فيها لأحكاما هامة أخرى لا تخفى لدى التأمل والنظر فيها.
ومن تطبيق هذه الوثيقة، والاهتداء بما فيها، والتمسك بأحكامها، قامت تلك الدولة على أمتن ركن وأقوى أساس، ثم انتشرت قوية راسخة في شرق العالم وغربه تقدم للناس أروع ما عرفته الإنسانية من مظاهر الحضارة والمدنية الصحيحة.
стр. 150
القسم الخامس مرحلة الحرب الدفاعية
مقدمة
هذه الغزوات التالية، التي وضعناها تحت عنوان: مرحلة الحرب الدفاعية، هي غزوات دفاعية فعلا، فكل منها- كما سترى- ردّ على مؤامرة أو عدوان بدأ به المشركون. ولذلك فهي إنما تمثل مرحلة من مراحل الدعوة الإسلامية في عصره ﷺ ، وليست تعبيرا عن الحكم الذي استقر على أساسه الجهاد في الإسلام، إنها ليست إلا دورا من أدوار الدعوة التي تحدثنا عن قسم منها، كدور الدعوة سرّا ثم الدعوة المسالمة جهرا.
وسنجد صورة المرحلة الأخيرة التي تشكّل مع ما قبلها جملة الحكم الإسلامي، في الأحداث التي تلت صلح الحديبية، ولقد أشار النّبي ﷺ إلى تلك المرحلة حينما قال لدى منصرفه عن غزوة بني قريظة، فيما رواه البخاري: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا» .
وإليك الآن أحداث هذه المرحلة في عمر الدعوة الإسلامية الأولى، مكتفين منها بذكر ما يتعلق به حكم، أو يترتب عليه عظة أو درس، دون أن نعرّج على تفصيلات أو ذكر خلافات تطيل علينا البحث في غير ما طائل.
стр. 151
بدء القتال
أول غزوة غزاها رسول الله
قلنا فيما مضى إن أصح ما دلت عليه الأحاديث والآثار أن بدء مشروعية القتال إنما كان بعد الهجرة، ولقد وضعت هذه المشروعية موضع التنفيذ في شهر صفر على رأس اثني عشر شهرا من هجرته ﷺ إلى المدينة. فقد خرج رسول الله ﷺ إذ ذاك لأول مرة بقصد الغزو. وكانت الغزوة إذ ذاك: غزوة ودان، يريد قريشا وبني حمزة، ولكنه ﵊ كفي القتال فقد وادعه بنو حمزة، وعاد النّبي ﷺ وصحبه إلى المدينة دون قتال.
غزوة بدر الكبرى
وسببها أن النّبي ﷺ سمع بعير تجارية لقريش قادمة من الشام بإشراف أبي سفيان بن حرب، فندب المسلمين إليها، ليأخذوها لقاء ما تركوا من أموالهم في مكة، فخفّ بعضهم لذلك وتثاقل آخرون، إذ لم يكونوا يتصورون قتالا في ذلك.
وتحسّس أبو سفيان الأمر وهو في طريقه إلى مكة، فبلغه عزم المسلمين على خروجهم لأخذ العير، فأرسل ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة ليخبر قريشا بالخبر ويستنفرهم للخروج محافظة على أموالهم.
فبلغ الخبر قريشا، فتجهزوا سراعا، وخرج كلهم قاصدين الغزو، حتى إنه لم يتخلف من أشراف قريش أحد، وكانوا قريبا من ألف مقاتل.
وخرج رسول الله ﷺ في ليال مضت من شهر رمضان مع أصحابه وكانوا، فيما رواه ابن إسحاق، ثلاث مئة وأربعة عشر رجلا، وكانت إبلهم سبعين، يتعاقب على الواحدة منها اثنان أو ثلاثة من الصحابة، وهم لا يعلمون من أمر قريش وخروجهم شيئا، أما أبو سفيان فقد أتيح له أن يحرز عيره، إذ سلك طريق الساحل إلى مكة وجعل ماء بدر عن يساره، وأخذ يسرع حتى أنجى عيره وتجارته من الخطر.
ثم إن النّبي ﷺ أتاه خبر مسير قريش إلى المسلمين، فاستشار من معه من أصحابه، فتكلم المهاجرون كلاما حسنا، وكان منهم المقداد بن عمرو، فقد قال: «يا رسول الله! امض لما أمرك الله فنحن معك» . ولكن النّبي ﷺ ظل ينظر إلى القوم ويقول لهم: «أشيروا عليّ أيها الناس» . فقال له سعد بن معاذ: «والله لكأنك تريدنا يا رسول الله» ، قال: «أجل» ، فقال
стр. 152
سعد: «لقد آمنّا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض لما أردت فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك» .
فسرّ رسول الله ﷺ بقول سعد، ثم قال: «سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين.. والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم» .
ثم إن النّبي ﷺ أخذ يتحسس أخبار قريش وعددهم عن طريق العيون التي بثّها حتى علم المسلمون أنهم ما بين التسع مئة والألف، وأن فيهم عامة زعماء المشركين.
وقد كان أرسل أبو سفيان إليهم أن يرجعوا إلى مكة، إذ إنه قد أحرز العير، ولكن أبا جهل أصرّ على المضيّ، وكان مما قال: «والله لا نرجع حتى نرد بدرا فنقيم عليه ثلاثا، فننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا» .
ثم إنهم مضوا حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي، ونزل رسول الله ﷺ عند أدنى ماء من مياه بدر. فقال الحباب بن المنذر: «يا رسول الله: أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم ولا أن نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الحرب والرأي والمكيدة، فقال: فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغوّر ما وراءه من الآبار، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فنهض رسول الله ﷺ وتحوّل إلى المكان والرأي اللذين أشار بهما الحباب ﵁» «١» .
واقترح سعد بن معاذ أن يبنى عريش للنّبي ﷺ يكون بمأمن فيه رجاء أن يعود سالما إلى من تخلف من المسلمين في المدينة وأن لا ينكبوا بفقده، فوافق ﵊ على ذلك. ثم أخذ يطمئن أصحابه بتأييد الله ونصره. حتى إنه كان يقول: «هذا مصرع فلان، ومصرع فلان (أي من المشركين) ، وهو يضع يده على الأرض هاهنا وهاهنا.. فما تزحزح أحدهم في مقتله عن موضع يده!» «٢» .
وراح رسول الله ﷺ يجأر إلى الله تعالى بالدعاء مساء ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من شهر رمضان ويقول: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادّك وتكذّب رسولك. اللهم
стр. 153
فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة» .. وظل يناشد الله متضرعا وخاشعا وهو يبسط كفيه إلى السماء حتى أشفق عليه أبو بكر ﵁، فالتزمه من ورائه وقال له: «يا رسول الله! أبشر فو الذي نفسي بيده لينجزن الله لك ما وعدك» . وأقبل المسلمون أيضا يستنصرون الله ويستغيثونه ويخلصون له في الضراعة «٣» .
وفي صبيحة يوم الجمعة لسنتين خلتا من الهجرة بدأ القتال بين المشركين والمسلمين، وأخذ النّبي ﷺ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا وقال: «شاهت الوجوه» ، ثم نفحهم بها فلم يبق فيهم رجل إلا امتلأت عيناه منها، وأيّد الله المسلمين بالملائكة يقاتلون إلى جانبهم «٤» ، وانحسر القتال عن نصر كبير للمسلمين، وقتل في تلك الموقعة سبعون من صناديد المشركين، وأسر سبعون، واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا.
وألقيت جثث المشركين الذين صرعوا في هذه الغزوة- وفيهم عامة صناديدهم- في قليب بدر وقام رسول الله ﷺ على ضفة البئر فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يا فلان ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقّا، فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقا؟» ، فقال عمر: «يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟» ، فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» «٥» .
واستشار النّبي ﷺ أصحابه في أمر الأسرى، فأشار عليه أبو بكر ﵁ أن يأخذ منهم فدية من المال تكون قوة للمسلمين ويتركهم عسى الله أن يهديهم، وأشار عمر بن الخطاب ﵁ بقتلهم لأنهم أئمة الكفر وصناديده، ولكن النّبي ﷺ مال إلى ما رآه أبو بكر من الرحمة بهم وافتدائهم بالمال، وحكم فيهم بذلك. غير أن آيات من القرآن نزلت عتابا لرسول الله ﷺ في ذلك، وتأييدا للرأي الذي رآه عمر من قتلهم، وهي من قوله تعالى:
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ إلى قوله فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً «٦» [الأنفال ٨/ ٦٧] .
العبر والعظات:
تنطوي غزوة بدر الكبرى على دروس وعظات جليلة، كما تتضمن معجزات باهرة تتعلق بتأييد الله ونصره للمؤمنين المتمسكين بمبادئ إيمانهم المخلصين في القيام بمسؤوليات دينهم.
стр. 154
ونحن نجمل هذه الدلائل والدروس فيما يلي:
١- يدلنا السبب الأول لغزوة بدر أن الدافع الأصلي لخروج المسلمين مع رسول الله ﷺ ، لم يكن القتال والحرب، وإنما كان الدافع قصد الاستيلاء على عير قريش القادمة من الشام تحت إشراف أبي سفيان، غير أن الله ﵎ أراد لعباده غنيمة أكبر، ونصرا أعظم، وعملا أشرف وأكثر انسجاما مع الغاية التي ينبغي أن يقصدها المسلم في حياته كلها، فأبعد عنهم العير التي كانوا يطلبونها، وأبدلهم بها نفيرا لم يكونوا يتوقعونه، وفي هذا دليل على أمرين:
الأمر الأول: أن عامة ممتلكات الحربيين تعدّ بالنسبة للمسلمين أموالا غير محترمة، فلهم أن يستولوا عليها ويأخذوا ما امتدت إليه أيديهم منها، وما وقع تحت يدهم من ذلك اعتبر ملكا لهم.
وهو حكم متفق عليه عند عامة الفقهاء، على أن للمهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأبنائهم في مكة عذرا آخر في القصد إلى أخذ عير قريش والاستيلاء عليها، وهو محاولة التعويض- أو شيء من التعويض- عن ممتلكاتهم التي بقيت في مكة واستولى عليها المشركون من ورائهم.
الأمر الثاني: أنه على الرغم من مشروعية هذا القصد، فإن الله تعالى أراد لعباده المؤمنين قصدا أرفع من ذلك وأليق بوظيفتهم التي خلقوا من أجلها، ألا وهي الدعوة إلى دين الله والجهاد في سبيل ذلك، والتضحية بالروح والمال في سبيل إعلاء كلمة الله، ومن هنا كان النصر العظيم حليف أبي سفيان في النجاة بتجارته، بمقدار ما كانت الهزيمة العظيمة حليف قريش في ميدان الجهاد بينهم وبين المسلمين. وإن هذه التربية الإلهية لنفوس المسلمين لتتجلى بأبرز صورها في قوله تعالى:
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ، وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ، وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ [الأنفال ٨/ ٧] .
٢- وعندما نتأمل كيف يجلس رسول الله ﷺ إلى أصحابه ليشاورهم في الأمر الذي فوجئوا به بعد أن أفلت منهم العير وطلع عليهم النفير العظيم المدجج بالسلاح الكامل، نقف على دلالتين شرعيتين لكل منهما أهمية بالغة:
الدلالة الأولى: التزامه ﷺ بمبدأ التشاور مع أصحابه، وإذا استعرضنا حياته ﷺ ، وجدنا أنه كان يلتزم هذا المبدأ في كل أمر لا نص فيه من كلام الله تعالى، مما له علاقة بالتدبير والسياسة الشرعية، ومن أجل هذا أجمع المسلمون على أن الشورى في كل ما لم يثبت فيه نص ملزم من كتاب أو سنّة، أساس تشريعي دائم لا يجوز إهماله. أما ما ثبت فيه نص من الكتاب أو حديث من السّنة أبرم به الرسول ﷺ حكمه، فلا شأن للشورى فيه ولا ينبغي أن يقضى عليه بأيّ سلطان.
стр. 155
الدلالة الثانية: خضوع حالات الغزو والمعاهدات والصلح بين المسلمين وغيرهم لما يسمى بالسياسة الشرعية أو ما يسميه بعضهم ب (حكم الإمامة) . وبيان ذلك أن مشروعية فرض الجهاد من حيث الأصل، حكم تبليغي لا يخضع لأي نسخ أو تبديل، كما أن أصل مشروعية الصلح والمعاهدات ثابت لا يجوز إبطاله أو اجتثاثه من أحكام الشريعة الإسلامية. غير أن جزئيات الصور التطبيقية المختلفة لذلك، تخضع لظروف الزمان والمكان وحالة المسلمين وحالة أعدائهم، والميزان المحكم في ذلك إنما هو بصيرة الإمام المتدين العادل وسياسة الحاكم المتبحر في أحكام الدين مع إخلاص في الدين وتجرد في القصد، إلى جانب اعتماد دائم على مشاورة المسلمين والاستفادة من خبراتهم وآرائهم المختلفة.
فإذا رأى الحاكم أنّ من الخير للمسلمين أن لا يجابهوا أعداءهم بالحرب والقوة، وتثبّت من صلاحية رأيه بالتشاور والمذاكرة في ذلك، فله أن يجنح إلى سلم معهم لا يصادم نصّا من النصوص الشرعية الثابتة، ريثما يأتي الظرف المناسب والملائم للقتال والجهاد. وله أن يحمل رعيته على القتال والدفع إذا ما رأى المصلحة والسياسة الشرعية السليمة في ذلك الجانب.
وهذا ما اتفق عليه عامة الفقهاء ودلّت عليه مشاهد كثيرة من سيرته ﷺ اللهم إلا إذا داهم العدو المسلمين في عقر دارهم وبلادهم، فإن عليهم دفعه بالقوة مهما كانت الوسيلة والظروف، ويعمّ الواجب في ذلك المسلمين والمسلمات كافة بشرط الحاجة وتوفر مقومات التكليف.
ثم إن الصحيح الذي اتفق عليه عامة الفقهاء أن هذه الشورى مشروعة ولكنها ليست بملزمة، أي إن على الحاكم المسلم أن يستنير بها في بحثه ورأيه، ولكن ليس عليه أن يأخذ بآراء الأكثرية مثلا لو خالفوه في رأيه.. ويقول القرطبي في هذا:
«المستشير ينظر في اختلاف الآراء، وينظر أقربها إلى الكتاب والسّنة إن أمكنه، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منها عزم عليه، وأنفذه متوكلا عليه» «٧» .
٣- ولا شك أن الباحث ليتساءل: لماذا لم يقع جواب أبي بكر وعمر والمقداد موقعا كافيا من نفس الرسول ﷺ ، وظل ينظر في وجوه القوم، حتى إذا تكلم سعد بن معاذ، اطمأن وطابت نفسه عند ذاك؟
والجواب، أن النّبي ﵊ إنما كان يريد أن يعرف رأي الأنصار أنفسهم في ذلك الأمر: ترى هل سيصدرون في آرائهم وأحكامهم عن المعاهدة التي تمت بينهم وبينه ﵊ من حيث إنها معاهدة خاصة تستوجب الالتزام بها، وإذن فليس من حقه أن يجبرهم على القتال معه والدفاع عنه إلا في داخل المدينة كما تنص على ذلك المعاهدة. أم سيصدرون
стр. 156
عن مشاعرهم الإسلامية ومعاهدتهم الكبرى مع الله تعالى؟ إذن فمن حق النّبي ﷺ أن يكون الأمين فيهم على هذه المعاهدة ومن واجبهم أن يبذلوا حقوق هذه المعاهدة ويقوموا بمسؤولياتها كاملة.
ولدى التأمل فيما أجاب به سعد بن معاذ، نعلم أن المبايعة التي ارتبط بها الأنصار مع رسول الله ﷺ في مكة قبل الهجرة، لم تكن إلا مبايعة مع الله تعالى، ولم يكونوا يتصورون وهم يلتزمون الدفاع عن رسول الله ﷺ حينما يهاجر إليهم إلا دفاعا عن دين الله تعالى وشريعته.
فليست القضية مسألة نصوص معينة اتفقوا مع رسول الله ﷺ عليها فهم لا يريدون أن يلتزموا بما وراءها، وإنما المسألة أنهم إنما وقّعوا بذلك تحت صك عظيم تضمن قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ..
[التوبة ٩/ ١١١] .
ولذلك كان جواب سعد ﵁: «لقد آمنّا بك وصدّقناك وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحق.. فامض لما أردت فنحن معك» . أي فنحن نسير معك وفق معاهدة أعظم من تلك التي اتفقنا عليها معا، في بيعة العقبة.
٤- يجوز للإمام أن يستعين في الجهاد وغيره بالعيون والمراقبين، يبثهم بين الأعداء ليكتشف المسلمون خططهم وأحوالهم وليتبيّنوا ما هم عليه من قوة في العدة والعدد. ويجوز اتخاذ مختلف الوسائل لذلك، بشرط أن لا تنطوي الوسيلة على الإضرار بمصلحة هي أهم من مصلحة الاطلاع على حال العدو، وربما استلزمت الوسيلة تكتما أو نوعا من المخادعة أو التحايل. وكل ذلك مشروع وحسن من حيث إنه واسطة لا بد منها لمصلحة المسلمين وحفظهم.
وقد جاء في كتب السيرة أن النّبي ﷺ لما نزل قريبا من بدر، ركب هو ورجل من أصحابه حتى وقف على شيخ من العرب فسأله النّبي ﷺ عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم.
فقال الشيخ: «لا أخبر كما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال ﵊: إذا أخبرتنا أخبرناك، فقال: أذاك بذاك؟ قال: نعم. فأخبره الشيخ بما يعلم من أمر المشركين، وبما قد سمعه من أمر النّبي وأصحابه، حتى إذا فرغ من كلامه قال: فممن أنتما؟ فقال النّبي ﷺ : نحن من ماء، ثم انصرف عنه. فأخذ الشيخ يقول: ما من ماء؟ أمن ماء العراق؟» .
٥- (أقسام تصرفاته ﷺ : ويدلنا الحديث الذي جرى بين رسول الله ﷺ والحباب بن المنذر في شأن المكان الذي نزل فيه (وهو حديث صحيح الإسناد كما رأيت) أن تصرفات النّبي ﷺ ليست كلها من نوع التشريع، بل هو في كثير من الأحيان يتصرف من حيث إنه بشر من الناس يفكر ويدبر كما يفكر غيره، ولا ريب أننا لسنا ملزمين باتباعه في مثل هذه
стр. 157
التصرفات، فمن ذلك نزوله ﵊ في المكان الذي اختاره في هذه الغزوة. فقد وجدنا كيف أن الحباب أشار بالتحول عنه إلى غيره ووافقه ﵊ في ذلك، وذلك بعد أن استوثق الحباب ﵁ أن اختيار النّبي ﷺ لذلك المكان ليس بوحي من عند الله.
ومن ذلك كثير من تصرفاته التي تدخل تحت السياسة الشرعية والتي يتصرف فيها النّبي ﷺ من حيث إنه إمام ورئيس دولة لا من حيث إنه رسول يبلغ عن الله تعالى، مثل كثير من عطاءاته وتدابيره العسكرية. وللفقهاء تفصيل واسع في هذا البحث، لا مجال لعرضه في هذا المقام.
٦- (أهمية التضرع لله وشدة الاستعانة به) : لقد رأينا أن النّبي ﷺ كان يطمئن أصحابه بأن النصر لهم، حتى إنه كان يشير إلى أماكن متفرقة في الأرض ويقول: «هذا مصرع فلان» ، ولقد وقع الأمر كما أخبر ﵊، فما تزحزح أحد في مقتله عن موضع يده كما ورد في الحديث الصحيح.
ومع ذلك فقد رأيناه يقف طوال ليلة الجمعة في العريش الذي أقيم له، يجأر إلى الله تعالى داعيا ومتضرعا، باسطا كفيه إلى السماء يناشد الله أن يؤتيه نصره الذي وعد حتى سقط عنه رداؤه وأشفق عليه أبو بكر، والتزمه قائلا: «كفى يا رسول الله، إن الله منجز لك ما وعد» . فلماذا كل هذه الضراعة ما دام أنه مطمئن إلى درجة أنه قال: «لكأني أنظر إلى مصارع القوم» ، وأنه حدّد مصارع بعضهم على الأرض؟
والجواب؛ أن اطمئنان النّبي ﷺ وإيمانه بالنصر، إنما كان تصديقا منه للوعد الذي وعد الله به رسوله، ولا شك أن الله لا يخلف الميعاد، وربما أوحي إليه بخبر النصر في تلك الموقعة.
أما الاستغراق في التضرع والدعاء وبسط الكف إلى السماء، فتلك هي وظيفة العبودية التي خلق من أجلها الإنسان، وذلك هو ثمن النصر في كل حال.
فما النصر- مهما توفرت الوسائل والأسباب- إلا من عند الله وبتوفيقه، والله لا يريد منّا إلا أن نكون عبيدا له بالطبع والاختيار، وما تقرّب متقرّب إلى الله بصفة أعظم من صفة العبودية، وما استأهل إنسان بواسطة من الوسائط استجابة دعاء من الله تعالى، كما استأهل ذلك بواسطة ذلّ العبودية يتزيّى ويتبرقع به بين يدي الله تعالى.
وما أنواع المصائب والمحن المختلفة التي تهدد الإنسان في هذه الحياة أو تنزل به، إلا أسباب وعوامل تنبهه لعبوديته، وتصرف آماله وفكره إلى عظمة الله وباهر قدرته، كي يفرّ إليه ويبسط أمامه ضعفه وعبوديته، ويستجير به من كل فتنة وبلاء، وإذا استيقظ الإنسان في حياته لهذه الحقيقة وانصبغ سلوكه بها، فقد وصل إلى الحدّ الذي أمر الله عباده جميعا أن يقفوا عنده وينتهوا إليه.
стр. 158
فهذه العبودية التي اتخذت مظهرها الرائع في طول دعاء النّبي ﷺ وشدة ضراعته ومناشدته لربّه أن يؤتيه النصر، هي الثمن الذي استحق به ذلك التأييد الإلهي العظيم في تلك المعركة. وقد نصّت على ذلك الآية الكريمة إذ تقول:
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال ٨/ ٩] . ويقينا منه ﷺ بهذه العبودية لله ، كان واثقا بالنصر مطمئنا إلى أن العاقبة للمسلمين. ثم قارن مظهر العبودية التي تجلت في موقفه ﷺ ونتائج ذلك، مع مظهر ذلك الطغيان والتّجبر الذي تجلى في موقف أبي جهل حينما قال: «لن نرجع عن بدر أبدا حتى ننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرتنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا» ، وتأمل في نتائج ذلك التجبر والجبروت! ..
لقد كانت نتيجة العبودية والخضوع لله تعالى، عزة قعساء ومجدا شامخا خضع لهما جبين الدنيا بأسرها، ولقد كانت نتيجة الطغيان والجبروت الزائفين قبرا من الضيعة والهوان أقيم لأربابهما حيث كانوا سيتساقون فيه الخمر وتعزف عليهم القيان. وتلك هي سنة الله في الكون كلما تلاقت عبودية لله خالصة مع جبروت وطغيان زائفين.
٧- (الإمداد بالملائكة في غزوة بدر) : انطوت بدر على معجزة من أعظم معجزات التأييد والنصر للمسلمين الصادقين. فقد أمدّ الله المسلمين فيها بملائكة يقاتلون معهم. وهذه حقيقة ثبتت بدلالة صريحة من الكتاب والسّنة الصحيحة. روى ابن هشام أنّ النّبي ﷺ خفق خفقة في العريش ثم انتبه فقال: «أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على النقع» ورواه البخاري أيضا بلفظ قريب منه «٨» .
ومن أوضح الأدلة القاطعة على أن التعبير بالملائكة في بيان الله ليس المقصود به ما يتوهمه بعضهم من المدد الروحي أو القوة المعنوية أو نحو ذلك- أقول من أوضح الأدلة القاطعة على بطلان هذا الوهم- ضبط البيان الإلهي الملائكة بعدد محدود وهو الألف، في قوله :
فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال ٨/ ٩] . إذ العدد من مستلزمات الكم المنفصل في الأشياء، ولا يكون ذلك إلّا في الأشياء المادية المحسوسة.
ومن هنا نعلم أن تقييد البيان الإلهي الملائكة بعدد معين ينطوي على حكم باهرة من أجلّها قطع السبيل على من يريد أن يتناول الآية، ويفسر الملائكة بالمعنى الذي يروق له وهو مجرد الدعم المعنوي.
стр. 159
ثم إن نزول الملائكة للقتال مع المسلمين- إنما هو مجرد تطمين لقلوبهم، واستجابة حسية لشدة استغاثتهم اقتضاها أنهم يقفون مع أول تجربة قتال في سبيل الله، لأناس يبلغون ثلاثة أضعافهم في العدة والعدد. وإلا فإن النصر من عند الله وحده، وليس للملائكة أي تأثير ذاتي في ذلك. ومن أجل بيان هذه الحقيقة قال الله تعالى معلّلا نزول الملائكة: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال ٨/ ١٠] .
٨- (الحياة البرزخية للأموات) : في وقوف رسول الله ﷺ على فم القليب ينادي قتلى المشركين ويكلمهم بعدما ماتوا، وفيما قاله لعمر ﵁ إذ ذاك، دليل واضح على أن للميت حياة روحية خاصة به، لا ندري حقيقتها وكيفيتها، وأن أرواح الموتى تظل حائمة حول أجسادهم، ومن هنا يتصور معنى عذاب القبر ونعيمه، غير أن ذلك كله إنما يخضع لموازين لا تنضبط بعقولنا وإدراكاتنا الدنيوية هذه، إذ هو مما يسمى بعالم الملكوت البعيد عن مشاهداتنا وتجاربنا العقلية والمادية. فطريق الإيمان بها إنما هو التسليم لها بعد أن تصلنا بطريق ثابت صحيح.
٩- ثم إن مسألة الأسرى، بما تضمنته من مشاورة الرسول ﷺ في شأنهم، وما أعقبها من حكم افتدائهم بالمال ثم نزول آيات تعتب على النّبي ﷺ وعلى أصحابه اتخاذ ذلك الحكم، نقول إن لهذه المسألة دلالات هامة:
أولا: (الأسرى واجتهاد الرسول ﷺ : دلّتنا هذه الواقعة على أن النّبي ﷺ كان له أن يجتهد، والذين ذهبوا إلى هذا- وهم جمهور علماء الأصول- استدلوا على ذلك بمسألة أسرى بدر.
وإذا صحّ أن يجتهد، صحّ منه بناء على ذلك أن يخطئ في الاجتهاد ويصيب. غير أن الخطأ لا يستمر، بل لا بدّ أن تنزل آية من القرآن تصحح له اجتهاده، فإذا لم تنزل آية فهو دليل على أن اجتهاده ﷺ قد وقع على ما هو الحق في علم الله تعالى.
قال شارح اللمع: «وقد كان الخطأ عليه جائزا، إلا أنه لا يقرّ عليه، بل ينبّه عليه سريعا» ، وقال أبو إسحاق الشيرازي: «ومن أصحابنا من قال: ما كان يجوز عليه الخطأ، وهذا خطأ، لقوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ، لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ فيدل على أنه أخطأ» «٩» ، [التوبة ٩/ ٤٣] .
وقال الأسنوي في شرحه على المنهاج: «واختار الآمدي وابن الحاجب أنه يجوز عليه الخطأ بشرط أن لا يقرّ عليه. ونقله الآمدي عن أكثر أصحابنا والحنابلة وأصحاب الحديث» «١٠» .
وقال الإمام البيضاوي في تفسير قوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى
стр. 160
[الأنفال ٨/ ٦٧] الآية.. «والآية دليل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجتهدون، وأنه قد يكون خطأ ولكن لا يقرّون عليه» .
وقد يستعظم البعض نسبة الخطأ إلى رسول الله ﷺ ، متوهمين أن الخطأ هو الإثم أو الانحراف أو نحو ذلك مما يتنافى مع العصمة الثابتة للأنبياء. غير أن المقصود بالخطأ هنا عدم مطابقة اجتهاده ﷺ لما هو الكمال الثابت في علم الله . وهو لا يتنافى مع عصمته ﷺ ، بل هو مثاب من الله تعالى عليه. والناس مكلفون باتباعه في ذلك ما لم تتنزل عليه آية تصرفه إلى حكم آخر شأنه شأن الحاكم إذا اجتهد. وهكذا فإن اجتهاده ﷺ فيما لم ينزل عليه وحي يتعلق به، له طرف ناظر إلى الناس، وطرف آخر يتعلق بعلم الله تعالى. فأما اجتهاده بالنسبة للطرف الأول، فلا يوصف بالخطأ البتة، لأن الناس مكلفون باتباعه على كل حال كاتباعهم لسائر المجتهدين من بعده، إذ لا سبيل لهم للاطلاع على الخفي الثابت في علم الله . وأما اجتهاده بالنسبة للطرف الثاني أي المتعلق بعلم الله ، فخاضع لوصفي الصحة والخطأ، إذ هو قابل لموافقة ما هو الكمال الثابت في علمه ، ولعدم موافقته له. والكمال المطلق إنما هو لله . ولقد كان ﵊ يرقى في الكمالات متجاوزا المراحل التي كانت تبدو له نقصا وتقصيرا بالنسبة لما ارتقى إليه من بعد، وكان يستغفر الله من تلبسه بها كاستغفارنا من الذنوب، ويقول: «إنه ليغان على صدري فأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة» .
ثانيا: كما أن غزوة بدر هي أول تجربة للمسلمين في التضحية والقتال في سبيل الله تعالى وهم على ما كانوا عليه من الضعف والقلة، فكذلك هي أول تجربة لهم في رؤية الغنائم والأموال أمامهم في أعقاب المعركة، وهم على ما كانوا عليه من الفقر والحاجة. وقد عالجت الحكمة الإلهية تجربة القتال مع الضعف بأن ثبّت الله قلوبهم وطمأن نفوسهم- كما ذكرنا- بالخوارق الدالة على النصر.
ثم عالجت الحكمة الإلهية تجربة رؤية الغنائم والأموال مع الحاجة والفقر، بوسائل تربوية دقيقة، جاءت في وقتها المناسب، وقد تجلى أثر هذه التجربة في مشهدين، على أعقاب هذه الغزوة. أما المشهد الأول فحينما انهزم المشركون وتركوا وراءهم أموالهم المختلفة، فقد تسابق بعض المسلمين إليها واختلفوا بعضهم مع بعض في كيفية استحقاقهم لها وكادوا يشتجرون على ذلك، ولم يكن قد نزل بعد حكم توزيع الغنائم بين المقاتلين فراحوا يسألون النّبي ﵊ وينهون إليه خصومتهم في الأمر. وعندئذ نزل قوله تعالى:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال ٨/ ١- ٢] .
стр. 161
فأنت تدري أن الآيتين لا تنطويان على جواب سؤالهم، بل فيهما صرف لهم عن الموضوع كله، إذ هي تقول: إن الأنفال ليست لأحد منهم، بل هي لله ورسوله، أما هم فعليهم إصلاح هذا الشقاق الذي وقع فيما بينهم وإطاعة الله في أوامره، واجتناب نواهيبه، فتلك هي وظيفتهم، أما المال والدنيا، فليعتمدوا فيهما على الله تعالى. فلما ثاب هؤلاء المسلمون إلى هدي هاتين الآيتين وصرفوا النظر عما اشتجروا من أجله نزلت آيات أخرى تقرر كيفية تقسيم الغنائم بين المقاتلين على اختلافهم. وهذه من أبرع الوسائل التربوية الدقيقة كما ترى.
وأما المشهد الثاني، فهو عندما تشاور النّبي ﷺ مع أصحابه في شأن الأسرى، فقد سكنت نفوسهم إلى افتدائهم بالمال. وقد كانت الملاحظة في ذلك هي الجمع بين الرحمة والرفق بالأسرى، عسى أن يرعووا ويؤمنوا بالله، والتعويض عما فات المهاجرين من أموالهم التي تركوها في مكة عسى أن يقع موقعا لديهم ويساعدهم على إصلاح شؤون دنياهم. وهذا الرأي الذي سكنت إليه نفس رسول الله ﷺ يدل على مدى شفقته على أصحابه. وهذه الشفقة هي التي جعلت يده ﷺ ترتفع بالدعاء للمهاجرين لما رآهم لدى خروجهم إلى بدر، وإن علائم الحاجة والفقر بادية عليهم قائلا:
«اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، وإنهم جياع فأشبعهم» «١١» .
ولكن الحكمة الإلهية لم ترد للمسلمين أن يجعلوا من النظرة إلى المال ميزانا أو جزء ميزان للحكم في قضاياهم الكبرى التي قامت على أساس النظرة الدينية وحدها مهما كانت الحال والظروف، إذ يوشك، لو تركوا لهذه النظرة وهم أمام أول تجربة من هذا النوع، أن يجري ذلك مجرى القاعدة المطردة فتستولي النظرة المادية على مثل هذه الأحكام التي ينبغي أن تظل متسامية في علياء لا يطولها شيء من أغراض الدنيا على اختلافها، ومن الصعب لمن سار وراء الدنيا أشواطا واستطاب مذاقها أن يرتد عنها ويفطم نفسه عن مذاقها.
روى مسلم عن عمر بن الخطاب أنه قال: دخلت على رسول الله ﷺ بعد أن قضى بافتداء الأسرى فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان. فقلت يا رسول الله: «أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله ﷺ : أبكي للذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة» ، (شجرة قريبة من النّبي ﷺ ، وأنزل الله : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ- إلى قوله: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً «١٢» [الأنفال ٨/ ٦٧- ٦٩] .
стр. 162
بنو قينقاع وأول خيانة يهودية للمسلمين
قال ابن إسحاق: «كان من أمر بني قينقاع أن رسول الله ﷺ جمعهم بسوق قينقاع ثم قال: يا معشر اليهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وفي عهد الله إليكم. قالوا: يا محمد إنك ترى أنا كقومك؟! لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت فرصة، إنا والله لئن حاربتنا لتعلمن أنا نحن الناس» .
وروى ابن هشام عن عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة عن أبي عوانة: «أن امرأة من العرب قدمت بجلب «١٣» لها، فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها، فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا منها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا، وشدّت اليهود على المسلم فقتلوه فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على يهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع. فكان هؤلاء أول يهود نقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ » «١٤» ، وكان ذلك، فيما رواه الطبري والواقدي في منتصف شوال من السنة الثانية للهجرة «١٥» .
فحاصرهم رسول الله ﷺ مدة من الزمن، حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبي بن سلول فقال: «يا محمد، أحسن في مواليّ! .. فلم يلتفت إليه رسول الله ﷺ ، وكرر ثانية فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، فأدخل يده في جيب درعه ﷺ فقال له: أرسلني، وغضب رسول الله ﷺ حتى رأوا لوجهه ظللا، ثم قال له: وبحك أرسلني، قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في مواليّ: أربع مئة حاسر وثلاث مئة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة؟ إني والله امرؤ أخشى الدوائر. فقال له رسول الله ﷺ : هم لك، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى أذرعات الشام، وهلك أكثرهم فيها» .
وكان لعبادة بن الصامت من المحالفة مع هؤلاء اليهود مثل الذي لعبد الله بن أبي، فمشى إلى
стр. 163
رسول الله ﷺ قائلا: «إنني أتولى الله ورسوله ﷺ والمؤمنين وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم» .
ففيهما نزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ، يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ [المائدة ٥/ ٥١- ٥٢] .
العبر والعظات:
هذه الواقعة تدل في جملتها، على مدى ما ركب في اليهود من طبيعة الغدر والخيانة، فلا تروق لهم الحياة مع من يجاورونهم أو يخالطونهم إلا بأن يبيتوا لهم شرّا أو يحيكوا لهم غدرا، وهم على أتمّ الاستعداد لأن يخلقوا جميع الوسائل والأسباب لذلك. ولدى دراستنا التفصيلية لهذه الحادثة نخرج بدروس ومبادئ نجملها فيما يلي:
أولا: (حجاب المرأة المسلمة) ، لقد رأينا أن مصدر الحادثة هو إرادة اليهود المرأة العربية المسلمة على كشف وجهها، وذلك حينما دخلت في سوقهم لأمر يخصها.. ولا تنافي بين هذا السبب الذي رواه ابن هشام والسبب الآخر الذي رواه بقية رواة السيرة، من حقدهم على المسلمين عقب انتصارهم في غزوة بدر وقولهم لرسول الله ﷺ : «إنا والله لئن حاربتنا لتعلمن أنّا نحن الناس» ، فالأغلب أن السببين واقعان معا وكل منهما يتمم الآخر، إذ من البعيد أن ينبذ إليهم رسول الله ﷺ عهدهم لمجرد ظهور بوادر الضغينة على وجوههم وفي كلماتهم، بل لابد أنهم قد تصرفوا مع ذلك تصرفا أساؤوا فيه إلى المسلمين على نحو ما رواه ابن هشام.
وهو يدل على أن الحجاب الذي شرعه الإسلام للمرأة سابغ للوجه أيضا، وإلا لم يكن هنالك أي حاجة إلى أن تسير هذه المرأة في الطريق ساترة وجهها، ولو لم يكن سترها لوجهها تحقيقا لحكم ديني يأمرها بذلك، لما وجد اليهود ما يدفعهم إلى ما صنعوا، لأنهم إنما أرادوا من ذلك مغايظة شعورها الديني الذي كان يبدو جليا في مظهرها.
وقد يقال: إن في هذه القصة التي تفرد بروايتها ابن هشام بعض اللين، فلا تقوى على الدلالة على مثل هذا الحكم، إلا أنه يشهد لها أحاديث كثيرة أخرى ثابتة لا مجال للطعن فيها.
فمن ذلك ما رواه البخاري عن عائشة ﵂، في باب ما يلبس المحرم من الثياب.
قالت: «لا تلثّم- أي المرأة- ولا تتبرقع ولا تلبس ثوبا بورس ولا زعفران» . ومثله ما رواه مالك في الموطأ عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: «لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس
стр. 164
القفازين» «١٦» . فما معنى نهي المرأة عن أن تتبرقع أو تنتقب أثناء الإحرام بالحج، ولماذا كان هذا النهي خاصا بالمرأة دون الرجل؟ لا شك أن النهي فرع عما كانت تفعله المرأة المسلمة إذ ذاك من الانتقاب وإسدال البرقع على وجهها، فاقتضى الحكم استثناء ذلك في الحج.
ومنه ما رواه مسلم وغيره من حديث فاطمة بنت قيس أنها لما طلقها زوجها، فبت طلاقها، أمرها رسول الله ﷺ أن تعتدّ في بيت أم شريك، ثم أرسل إليها أن بيت أم شريك يغشاه أصحابي (أي أصحاب الرسول ﷺ ، فاعتدي في بيت ابن عمك ابن أم مكتوم، فإنه ضرير البصر وإنك إذا وضعت خمارك لم يرك.
هذا من حيث ما ورد من الأدلة على وجوب ستر المرأة وجهها وبقية جسمها عن الرجال الأجانب.
أما من حيث الدليل على حرمة نظر الرجل إلى ذلك منها، فقد وردت بذلك أحاديث كثيرة أيضا.
فمن ذلك ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن بريرة قالت: قال رسول الله ﷺ لعلي:
«يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة» ، ومن ذلك ما رواه البخاري عن ابن عباس أن النّبي ﷺ أردف الفضل بن العباس يوم النحر خلفه- وفيه قصة المرأة الخثعمية الوضيئة- فطفق الفضل ينظر إليها، فأخذ النّبي ﷺ بذقن الفضل فحوّل وجهه عن النظر إليها.
فأنت ترى أنه قد اجتمع في هذه الأحاديث نهيان: نهي المرأة عن كشف وجهها أو شيء مما سواه أمام الأجانب، ونهي الرجل عن النظر إلى ذلك منها. وفي ذلك دلالة وافية متكاملة على أن وجه المرأة عورة في حق الأجانب عنها إلا في حالات خاصة مستثناة كضرورة التطبب والتعلم والشهادة ونحو ذلك.
على أن من أئمة المذاهب من ذهب إلى أن الوجه والكفين من المرأة ليسا بعورة، فلا يجب سترهما وحملوا ما سبق من الأحاديث الدالة على خلاف ذلك على الندب دون الوجوب، غير أن الجميع اتفقوا على أنه لا يجوز النظر إلى شيء من جسم المرأة بشهوة، وعلى أنه يجب على المرأة أن تستر وجهها إذا عمّ الفسق وأصبح أكثر الذين ينظرون إليها فسّاقا يتأملونها بنظرات محرمة.
وإذا تأملت في حال المسلمين اليوم وما عمّ فيه من الفسق والفجور وسوء التربية والأخلاق، علمت أنه لا مجال للقول بجواز كشف المرأة وجهها والحالة هذه. إن هذا المنحدر الخطير الذي يسير فيه المجتمع الإسلامي اليوم يقتضي- لضمان السلامة والحفظ- مزيدا من الحذر في السير ومزيدا من
стр. 165
التشدد في أسباب الحيطة ريثما يتجاوز المسلمون مرحلة الخطر ويصبحون قادرين على امتلاك أمرهم وضبط أزمتهم بأيديهم.
وبعبارة موجزة نقول: إن من شأن اتباع الرخص والتسهيلات الدينية، أن تصبح منزلقا، تحت أقدام أصحابها، إلى التحلل العام عن أصل الواجبات، ما لم يوجد تيار اجتماعي ديني سليم يضبط تلك الرخص ضمن منهج إسلامي عام ويحفظها عن أن تشتط وتتجاوز الحدود المشروعة.
ومن عجيب أمر بعض الناس أنهم، يتعلقون بهذا الذي يسمونه: تبدل الأحكام بتبدل الأزمان في مجال التخفيف والتسهيل والسير مع مقتضيات التحلل من الواجبات فقط، ولكنهم لا يتذكرون هذه القاعدة إطلاقا عندما يقتضيهم الأمر عكس ذلك، وأنا فلست أجد مثالا تتجلى فيه ضرورة تبدل الأحكام بتبدل الأزمان مثل ضرورة القول بوجوب ستر المرأة وجهها نظرا لمقتضيات الزمن الذي نحن فيه، ونظرا لما تكاثر فيه من المنزلقات التي تستوجب مزيدا من الحذر في السير وتبصر مواقع الأقدام ريثما يهيئ الله للمسلمين مجتمعهم الإسلامي المنشود.
ثانيا: هذه الحادثة التي صدرت من يهود قينقاع، تدل على حقد دفين في صدورهم على المسلمين. ولكن لماذا تأخرت دلائل هذا الحقد في الظهور والانكشاف خلال ثلاث سنين من الزمن استطاع اليهود خلالها أن يكظموا حقدهم ويبطنوا كيدهم؟
والجواب: أن الذي ألهب مشاعرهم وأثار الحقد الدفين في نفوسهم إنما هو ما وجدوه من انتصار المسلمين في بدر، وهو أمر لم يكونوا يتوقعونه بحال، فضاقت صدورهم بما احتوته من الغيظ والأحقاد ولم يجدوا إلا أن ينفسوا عنها بمثل هذا الذي أقدموا عليه، بل إن حقدهم على المسلمين تجلّى صراحة فيما رويناه من كلامهم وتعليقاتهم على انتصار المسلمين في غزوة بدر:
روى ابن جرير أن مالك بن الصيف- أحد يهود المدينة- قال لبعض المسلمين عند رجوعهم من بدر:
«أغرّكم أن أصبتم رهطا من قريش لا علم لهم بالقتال؟ أما لو أسررنا نحن العزيمة أن نستجمع عليكم، لم يكن لكم يد على قتالنا» ...
ولو أن اليهود احترموا ما بينهم وبين المسلمين من عهود ومواثيق، لما وجدوا من المسلمين من يسيء إليهم بكلمة أو يزعجهم في مسكن أو مقام، ولكنهم أبوا إلا شرّا، فكان مردّ الشرّ على نفوسهم.
ثالثا- (معاملة المنافق في الإسلام) : - هذه الحادثة وما أعقبها من دفاع عبد الله بن أبي عن اليهود بالشكل الذي رأيناه، لا تكاد تخفي من أمر نفاق هذا الرجل شيئا. فقد اتضح من موقفه ذاك أنه كان يصطنع الإسلام نفاقا، وأنه في أعماق قلبه إنما يضمر شرّا بالإسلام وأهله.
стр. 166
غير أن رسول الله ﷺ ، عامله مع ذلك كله على أنه مسلم، فلم يخفر ذمته، ولم يعامله معاملة المشرك أو المرتد أو الكاذب في إسلامه، وأجابه إلى ما أصرّ وألحّ في طلبه.
وذلك يدل- كما أجمع العلماء- على أن المنافق إنما يعامل في الدنيا من قبل المسلمين على أنه مسلم، يعامل كذلك، وإن كان نفاقه مقطوعا به. وسبب ذلك أن الأحكام الإسلامية في مجموعها تتكون من جانبين: جانب يطبق في الدنيا ويكلف المسلمون بتطبيقه على مجتمعاتهم وفيما بينهم، ويشرف على ذلك الخليفة أو رئيس الدولة، وجانب آخر يطبق في الآخرة ويكون أمره عائدا إلى الله تعالى.
فأما الجانب الأول، فيقوم أمره على الأدلة القضائية المادية والمحسوسة بحيث لا يترتب شيء من نتائج الأحكام إلا بموجبها، فليس للأدلة الوجدانية والقرائن الاستنتاجية أي أثر في هذا الجانب.
وأما الجانب الثاني، فيقوم على ما استقرّ في القلوب واستكنّ في الصدور ومردّ القضاء في ذلك إلى الله تعالى. ولبيان هذه القاعدة يقول رسول الله ﷺ فيما رواه البخاري عن عمر ﵁: «إنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم» . ويقول فيما رواه الشيخان: «إنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذ منه شيئا، فإنما هو قطعة من النار» .
والحكمة من مشروعية هذه القاعدة، أن تظلّ العدالة بين الناس في مأمن من التلاعب بها والنيل منها إذ ربما اتّخذ بعض الحكام من حجية الأدلة الوجدانية والاستنتاجية وحدها ذريعة إلى الإضرار ببعض الناس بدون حق.
وتطبيقا لهذه القاعدة الشرعية، كان رسول الله ﷺ على الرغم من اطّلاعه على كثير من أحوال المنافقين وما تسرّه أفئدتهم، بوحي من الله تعالى، يعاملهم معاملة المسلمين دون أي تفريق في الأحكام الشرعية العامة.
وهذا لا ينافي أن يكون المسلمون في حذر دائم من المنافقين، وأن يكونوا في يقظة تامة أمام تصرفاتهم، فذلك من الواجبات البدهية على المسلمين في كل ظرف ووقت.
رابعا: (ولاية غير المسلمين) : وإذا تأملنا في النتيجة التشريعية لهذه الحادثة، وهي الآيات القرآنية التي نزلت تعليقا عليها، علمنا أنه لا يجوز لأي مسلم أن يتخذ من غير المسلم وليّا له، أي صاحبا تشيع بينهما مسؤولية الولاية والتعاون.
وهذا من الأحكام الإسلامية التي لم يقع الخلاف فيها بين المسلمين: إذ الآيات القرآنية الصريحة في هذا متكررة وكثيرة، والأحاديث النبوية في تأكيد ذلك تبلغ مبلغ التواتر المعنوي.
ولا مجال هنا لسرد هذه الأدلة فهي معروفة غير خفية على الباحث.
стр. 167
ولا يستثنى من هذا الحكم إلا حالة واحدة، هي ما إذا ألجئ المسلمون إلى هذه الموالاة بسبب شدة الضعف التي قد تحملهم كرها على ذلك. فقد رخّص الله في ذلك إذ قال: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ، إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً [آل عمران ٣/ ٢٨] .
وينبغي أن نعلم أن النهي عن موالاة غير المسلمين لا يعني الأمر بالحقد عليهم، فالمسلم منهي عن أن يحقد على أحد من الناس. وينبغي أن تعلم أن هنالك فرقا كبيرا بين أن يغضب الإنسان على أحد لله تعالى، وأن يحقد عليه، أما الأول فمصدره منكر لا يرضى عنه الله تعالى يستوجب من المسلم أن يغضب على فاعله بسببه، وأما الثاني فمصدره ذات الشخص نفسه، بقطع النظر عن تصرفاته وأعماله، وهو ما ينهى عنه الإسلام.
والغضب لله، ليس في حقيقته إلا نتيجة شفقة على العاصي أو الكافر المستحق لذلك. إذ، إن المؤمن من شأنه أن يحب لجميع الناس ما يحب لنفسه، وليس شيء أحب إلى نفس المؤمن من أن يخلصها من عذاب يوم القيامة ويضمن لها السعادة الأبدية. فهو إذ يغضب على العصاة والكافرين إنما يحمله على ذلك الغيرة عليهم، والتأثر لما عرضوا أنفسهم له من الشقاء الأبدي وعقاب الله تعالى في الآخرة. وأنت خبير أن هذا ليس من الحقد في شيء، إلا إذا صحّ أن يكون غضب الأب على ابنه، أو الأخ على أخيه من أجل مصلحته وسعادته حقدا!
ولا ينافي هذا مشروعية القسوة في معاملة الكافرين في كثير من الأحيان فكثيرا ما تكون القسوة هي الوسيلة الوحيدة للإصلاح وهي النتيجة التي لا بدّ منها للشفقة والرحمة، كما قال الشاعر:
فقسا ليزدجروا ومن يك راحما ... فليقس أحيانا على من يرحم
كذلك ينبغي أن تعلم أن النهي عن موالاة الكافرين لا يستدعي جواز التساهل في تحقيق مبدأ العدالة معهم واحترام المعاهدات التي قد تكون قائمة بين المسلمين وبينهم. فالعدالة ينبغي لها أن تكون مطبقة دائما، وليس للكراهية والغضب في الله تعالى أن يقفا حاجزا دون تحقيق مبادئ العدالة يوما ما. وفي ذلك يقول الله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [المائدة ٥/ ٨] .
إنما المقصود أن تعلم أن المسلمين دون غيرهم أمة واحدة، كما نصّت على ذلك الوثيقة التي شرحناها فيما مضى. وإذا كان كذلك، فإن ولاءهم وتآخيهم ينبغي أن يكونا محصورين فيما بينهم. أما معاملتهم فينبغي أن تكون قائمة مع الناس كلهم على أساس دقيق من العدل ورغبة الخير للجميع والدعاء للناس جميعا بالصلاح والرشد.
стр. 168
غزوة أحد
سببها أن بقية من زعماء قريش ممن لم يقتلوا في غزوة بدر، اجتمع رأيهم على الثأر لقتلاهم في بدر، وأن يستعينوا بعير أبي سفيان وما فيها من أموال لتجهيز جيش قوي لقتال رسول الله ﷺ .
فاجتمعت كلمة قريش على ذلك، وانضمّ إليهم غيرهم أيضا ممن يسمّون بالأحابيش، واستعانوا بعدد كبير من النسوة كي يمنعن الرجال من الفرار إذا أحدق بهم المسلمون. وخرجوا من مكة وقد بلغوا ثلاثة آلاف مقاتل.
وسمع رسول الله ﷺ بالخبر فاستشار أصحابه وخيّرهم بين الخروج لملاقاتهم وقتالهم، والبقاء في المدينة، فإن دخلوا عليهم فيها قاتلوهم، فكان رأي بعض شيوخ من المسلمين عدم الخروج من المدينة، وكان عبد الله بن أبي بن سلول من أصحاب هذا الرأي، غير أن كثيرا من الصحابة ممن لم يكن لهم شرف القتال في بدر رغبوا في الخروج، وقالوا: «يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنّا جبنّا عنهم وضعفنا» .. ولم يزل أصحاب هذا الرأي برسول الله ﷺ حتى وافقهم على ما أرادوا، فدخل بيته فلبس درعه وأخذ سلاحه وظن الذين ألحوا على رسول الله ﷺ بالخروج أنهم قد استكرهوه على ما لا يريد فندموا على ما كان منهم، ولما خرج عليهم قالوا: استكرهناك يا رسول الله، ولم يكن لنا ذلك، فإن شئت فاقعد. فقال رسول الله ﷺ : «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته (أي درعه) أن يضعها حتى يقاتل» «١٧» .
ثم إن النّبي ﷺ خرج من المدينة في ألف من أصحابه، وذلك يوم السبت لسبع ليال خلون من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من هجرته ﵊ «١٨» ، حتى إذا كانوا بين المدينة وأحد انخذل عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش- وعامتهم من شيعته وأصحابه- وكرّ راجعا بهم وهو يقول: «عصاني وأطاع الولدان ومن لا رأي له، وما ندري علام نقتل أنفسنا؟» .
وتبعهم عبد الله بن حرام يناشدهم الله أن لا يخذلوا نبيهم، فلم يستجيبوا لندائه، وقال زعيمهم: «لو نعلم قتالا لا تّبعناكم» . وروى البخاري ﵁ أن المسلمين اختلفوا في أمر هؤلاء الذين انخذلوا عن المسلمين، ففرقة منهم تقول نقاتلهم، وأخرى تقول دعوهم، فنزل في ذلك قوله تعالى: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَ
стр. 169
اللَّهِ «١٩» [النساء ٤/ ٨٨] . واقترح بعض الصحابة الاستعانة باليهود، بناء على ما بينهم من ميثاق التناصر فقال رسول الله ﷺ : «لا نستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك» «٢٠» .
وعسكر النّبي ﷺ وأصحابه- وهم لا يزيدون على سبع مئة مقاتل- في الشعب من أحد، فجعل ظهور المسلمين إلى أحد واستقبلوا المدينة، وجعل على الجبل خلف المسلمين خمسين راميا، وأمّر عليهم عبد الله بن جبير وأوعز إليهم قائلا: «قوموا على مصافّكم هذه فاحموا ظهورنا، فإن رأيتمونا قد انتصرنا فلا تشركونا، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا» «٢١» .
وألحّ كل من رافع بن خديج وسمرة بن جندب أن يشتركا مع النّبي ﷺ في القتال، وهما ابنا خمس عشرة سنة، فردّهما النّبي ﷺ لصغر سنّهما، فقيل له: «يا رسول الله إن رافعا رام، فأجازه، فجاء سمرة بن جندب يقول: فأنا والله أصرع رافعا، فأجازه هو أيضا» .
وأمسك النّبي ﷺ بسيف فقال: «من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فأقبل أبو دجانة قائلا:
أنا آخذه بحقه، فأعطاه إياه، فأخرج أبو دجانة عصابة حمراء فعصب بها رأسه (وكان ذلك شأنه عند ما كان يريد أن يقاتل حتى الموت) ، ثم راح يتبختر بين الصفوف. فقال رسول الله ﷺ :
إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن» «٢٢» . ثم أعطى رسول الله ﷺ اللواء لمصعب بن عمير ﵁. وكان الذي يقود ميمنة المشركين خالد بن الوليد، وميسرتهم عكرمة بن أبي جهل.
فاقتتل الناس، وحميت الحرب، وراح المسلمون يحسون المشركين في اندفاع مذهل، وكان في مقدمة المبارزين والمقاتلين أبو دجانة، وحمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير.
وقتل مصعب بن عمير دون الرسول ﷺ فأخذ اللواء علي بن أبي طالب ﵁، وما هو إلا أن أنزل الله نصره على المسلمين، فانكشف المشركون منهزمين لا يلوون على شيء ونساؤهم يدعون بالويل. وتبعهم المسلمون يقتلون ويغنمون. فتكلم الرماة الذين كانوا على الجبل في النزول، واختلفوا فيما بينهم، فنزل كثير منهم ظنّا منهم بأن الحرب قد وضعت أوزارها، وراحوا يأخذون مع أصحابهم الغنائم، وثبت رئيسهم عبد الله بن جبير مع عدد يسير قائلا:
لا أجاوز أمر رسول الله ﷺ . ونظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلّة أهله، فكرّ راجعا
стр. 170
بالخيل وتبعه عكرمة، فحملوا على من بقي من الرماة فقتلوهم وأميرهم، وأخذوا يهجمون على المسلمين من الخلف «٢٣» .
وحينئذ انكشف المسلمون وداخلهم الرعب، وأخذ المسلمون يقتتلون على غير شعار أو هدى، وأوجع المشركون في المسلمين قتالا ذريعا، حتى خلص إلى رسول الله ﷺ فرمي بالحجارة حتى رمي لشقه، وأصيبت رباعيته (السّن المجاورة للنّاب) وشجّ في وجهه، وجعل الدم يسيل على وجهه فيمسحه وهو يقول: «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيّهم وهو يدعوهم إلى ربّهم؟» ، وجاءت فاطمة ﵂ تغسل عنه الدم وعليّ يسكب الماء بالمجن، فلما رأت أن الماء لا يزيد الدم إلّا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رمادا ثم ألصقته بالجرح فاستمسك «٢٤» .
وأثناء ذلك شاع في الناس أن رسول الله ﷺ قد قتل، وكانت هذه الشائعة من أشدّ ما أدخل الرعب في قلوب بعض المسلمين، وهي التي جعلت ضعاف الإيمان يقولون: «فما مقامنا هنا إذا كان قد قتل الرسول؟» ، وذهبوا يولون الأدبار، وهي التي جعلت أنس بن النضر يقول: «بل ما فائدة حياتكم بعد رسول الله ﷺ ، ثم أشار إلى بعض المنافقين وإلى ضعاف الإيمان قائلا: اللهم إني أبرأ إليك مما يقول هؤلاء، وأعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وانطلق فشدّ بسيفه على المشركين حتى قتل» «٢٥» .
وتجلّى في هذه الأثناء مظهر رائع للتضحية والفداء ممن كانوا حول رسول الله ﷺ من الصحابة فراحوا يقدمون أرواحهم رخيصة دون رسول الله ﷺ حتى قتل معظمهم.
روى البخاري أنه لما كان يوم أحد، انهزم الناس عن النّبي ﷺ ، وأبو طلحة بين يدي النّبي ﷺ مجوّب عليه (مترّس بنفسه عليه) بجحفة له (ترس من جلد) ، وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع. يشرف النّبي ﷺ ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة: «بأبي أنت وأمي لا تشرف، يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك» «٢٦» .
وترّس أبو دجانة نفسه دون رسول الله ﷺ ، والنّبل يتلاحق في ظهره وهو منحن على رسول الله ﷺ لا يتحول. وترّس زياد بن السكن نفسه دون رسول الله ﷺ حتى قتل هو وخمسة من أصحابه، وكان آخرهم على ما رواه ابن هشام عمارة بن يزيد بن السكن، فقاتل دونه
стр. 171
عليه الصلاة والسلام حتى أثبتته الجراح، فقال رسول الله ﷺ : «أدنوه مني، فوسّده قدمه، فمات وخده على قدم رسول الله ﷺ » .
ثم إن الحرب هدأت بين الطرفين وانحسر المشركون منصرفين، وقد زهوا بالنصر الذي أحرزوه، وفزع الناس لقتلاهم، وكان فيهم حمزة بن عبد المطلب، واليمان، وأنس بن النضر، ومصعب بن عمير وعدد كبير غيرهم، وقد تأثر النّبي ﷺ لمقتل عمه تأثرا كبيرا، وقد مثّل به فبقر بطنه وجدع أنفه وأذناه. وأخذ النّبي ﷺ يجمع بين الرجلين من القتلى في ثوب واحد ثم يقول:
«أيّهما أكثر أخذا للقرآن؟» ، فإذا أشير له إلى أحدهما قدّمه في اللحد، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة. وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصلّ عليهم ولم يغسلوا» «٢٧» .
وأخذ اليهود والمنافقون يظهرون الشماتة بالمسلمين، وراح عبد الله بن أبي بن سلول يقول هو وأصحابه للمسلمين: «لو أطعتمونا ما قتل منكم من قتل» ، وأخذوا يتساءلون عن النصر الذي كانوا يتوهمونه مع رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى آيات من سورة آل عمران تعليقا على إرجاف اليهود والمنافقين وبيانا لحكمة ما حصل في غزوة أحد، وهي تبدأ بقوله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إلى قوله تعالى: الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا، قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [آل عمران ٣/ ١٤٩- ١٦٨] .
وانصرف رسول الله ﷺ من أحد مساء السبت، فبات تلك الليلة في المدينة هو وأصحابه، وبات المسلمون يداوون جراحاتهم. فلما صلى رسول الله ﷺ الصبح يوم الأحد، أمر بلالا أن ينادي أن رسول الله ﷺ يأمركم بطلب العدو، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس.. ودعا رسول الله ﷺ بلوائه وهو معقود لم يحل، فدفعه إلى علي بن أبي طالب ﵁، وخرج القوم وهم ما بين مجروح وموهون، ومشجوج حتى عسكروا بحمراء الأسد (مكان من المدينة على بعد عشرة أميال) فأوقد المسلمون هناك نيرانا عظيمة، حتى ترى من المكان البعيد وتوهم كثرة أصحابها.
ومرّ بهم معبد الخزاعي (وكان يومئذ من مشركي خزاعة) ثم تجاوزهم فمرّ على المشركين ولهم زجل ومرح وزهو بالنصر الذي لاقوه في أحد، وهم يأتمرون بالرجوع إلى المدينة للقضاء على المسلمين، وصفوان بن أمية ينهاهم. فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: «ما وراءك يا معبد؟ فقال:
ويحكم! إن محمدا قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرّقا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط؟» .. فأدخل الله بذلك رعبا عظيما في قلوب المشركين،
стр. 172
وهبّو مسرعين عائدين إلى مكة. وأقام النّبي ﷺ في حمراء الأسد: الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة» «٢٨» .
العبر والعظات:
تنطوي غزوة أحد على دروس بالغة الأهمية للمسلمين في كل عصر، ولكأن الحكمة من وقوعها على الشكل الذي بيّناه، أن يتكون منها درس تطبيقي عملي، يعلّم المسلمين كيفية البلوغ إلى النصر في معاركهم مع العدو، وكيفية التحرز من مزالق الفشل والهزيمة، فلنقف على هذه الدروس العظيمة ولنتأمل فيها، الواحدة إثر الأخرى:
أولا: يتجلى هنا أيضا المبدأ الذي كان رسول الله ﷺ يأخذ به نفسه، وهو التزام التشاور مع أصحابه في كل أمر يحتمل المشاورة والبحث. ولكنا نقف هنا على فارق واحد لم نجده في المشاورة التي تمّت قبيل غزوة بدر. فقد لاحظنا أنه ﵊ لم يشأ أن يعود عن موافقته لأصحابه الذين اقترحوا الخروج للقاء العدو خارج المدينة، بعد أن لبس درعه وأخذ أهبته للقتال، على الرغم من أنهم ندموا وعادوا عن رأيهم ورجوه البقاء إذا كان يرى ذلك. وربما كان النّبي ﷺ يميل- أو يظهر الميل- عند التشاور إلى البقاء في المدينة.
ولعل الحكمة الجلية في هذا، أن البحث في الأمر بعد أخذ العدة للقتال، وبعد ظهور النّبي ﷺ في قومه وأصحابه لابسا دروعه آخذا سلاحه، شيء خارج عن حدود ما يقتضيه مبدأ التشاور خصوصا في القضايا الحربية التي تحتاج- مع المشورة- إلى قدر كبير من الحزم والعزم. ثم إن المعنى الذي قد يتولد عن تقاعسه ﷺ عن الخروج بعد أن طلع عليهم مستعدا لذلك، إنما هو الضعف والاضطراب في الإرادة وهو كثيرا ما يكون نابعا من الخوف والحذر اللذين لا معنى لهما.
ولذلك أجابهم النّبي ﷺ عن كلامهم بعبارة فيها كل الحزم والعزم، دون أن يلتفت إلى لغط القوم وتعاتبهم فيما بينهم، قال: «ما ينبغي لنبيّ لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل» .
ثانيا: للمنافقين في هذه الغزوة مشهد بارز.. ولم لا يكون مشهدهم بارزا فيها، وهي إنما انطوت على حكم ومقاصد، من أهمها تمحيص المؤمنين عن أخلاطهم من المنافقين؟ وإن من وراء ذلك لفوائد كبيرة للمسلمين كانت ذخرا لهم فيما بعد.
لقد رأينا كيف انخذل عبد الله بن أبي بن سلول بثلاث مئة من أتباعه عن رسول الله ﷺ وأصحابه، بعد خروجهم من المدينة، وسبب ذلك في ظاهر ما تذرع به: أنّ النّبي ﷺ إنما أخذ برأي الشبان الأغرار، ولم يأخذ برأي أمثاله من الشيوخ أرباب الحجى والأحلام. غير أن سبب ذلك في الحقيقة وواقع الأمر، هو أنه لا يريد قتالا. لأنه لا يريد أن يعرّض نفسه لمخاوفه
стр. 173
ومغباته.. وتلك هي أبرز سمات المنافقين: يريدون أن يأخذوا ما في الإسلام من مغانم، ويبتعدوا عما فيه من مغارم وأتعاب! .. وإنما الذي يمسكهم على الإسلام أحد شيئين: غنيمة يتوقعونها، أو مصائب ومحن يتوقونها.
ثالثا: أن النبي ﷺ لم يشأ أن يستعين بغير المسلمين في هذه الغزوة، على الرغم من قلة عدد المسلمين، وقال فيما روى ابن سعد في طبقاته: «لا نستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك» «٢٩» .
وقد روى مسلم أن النبي ﷺ قال لرجل تبعه في يوم بدر ليقاتل معه: «أتؤمن بالله؟ قال: لا، قال: فارجع فلن أستعين بمشرك» .
وقد ذهب جمهور كبير من العلماء، بناء على هذا، إلى أنه لا يجوز الاستعانة بالكفار في القتال، وفصّل الإمام الشافعي في ذلك، فقال: «إن رأى الإمام أن الكافر حسن الرأي والأمانة في المسلمين وكانت الحاجة داعية إلى الاستعانة به جاز، وإلا فلا» «٣٠» .
ولعل هذا هو المتفق مع القواعد ومجموع الأدلة، إذ روي أنه ﵊ قبل معونة صفوان بن أمية يوم حنين، والمسألة على ذلك داخلة في إطار ما يسمى بالسياسة الشرعية.
وسنذكر الفرق بين ما فعله الرسول في حنين وما فعله في كل من بدر وأحد، في مناسبته إن شاء الله.
رابعا: ومما يجدر التأمل فيه، حال سمرة بن جندب ورافع بن خديج، وهما طفلان لا يزيد عمر كل منهما على خمس عشرة سنة، وكيف جاءا يناشدان رسول الله ﷺ أن يسمح لهما بالاشتراك في القتال، وأي قتال؟!. قتال قائم على التأهب للموت، لا تجد فيه أي معنى من التعادل بين الفريقين: المسلمون وعددهم لا يزيد على سبع مئة، والمشركون وهم يتجاوزون ثلاثة آلاف مقاتل.
والعجيب حقا أن يقف بعض محترفي الغزو الفكري على مثل هذه الظاهرة، فيذهبوا في تحليلها إلى أن العرب كانوا أمة تعيش في ظل الحروب والغزوات الدائمة، فكانوا ينشؤون في أجوائها وظروفها، ولذلك كانوا ينظرون إليها (شيبا وشبانا وأطفالا) نظرة طبيعية لا تسبب لهم قدرا بالغا من المخاوف.
لا ريب أن أرباب هذا التحليل، يغمضون أعينهم في إصرار عجيب، أثناء هذا الكلام عن
стр. 174
تخاذل أمثال عبد الله بن أبي بن سلول مع ثلاث مئة من أصحابه، تحت وطأة الخوف من عواقب القتال، والرغبة في الجنوح إلى السلامة والأمن. وعن تخاذل أولئك الآخرين الذين استعذبوا ظل المدينة وثمارها ومياهها وسط حرارة الصيف، وأعرضوا عن نداء رسول الله ﷺ بالخروج والقتال، قائلين: «لا تنفروا في الحر» . بل وعن هزيمة المشركين في غزوة بدر، على الرغم من ضخامة عددهم وقلة المسلمين، ووقوع الرعب في أفئدتهم، وهم هم العرب الذين نشؤوا في ظلال الحروب ورضعوا ألبانها واستهانوا بصعابها.
من الصعوبة البالغة للمنصف أن يتهرب عما تحكم به البداهة الواضحة، من أن سرّ هذا الإقدام على الموت من مثل هؤلاء الأطفال، إنما هو الإيمان العظيم الذي استحوذ على القلب، والذي ترتبت عليه محبّة عارمة لرسول الله ﷺ . فحيثما وجد الإيمان ووجدت هذه المحبة، ظهر هذا الإقدام والاستبسال، وحيثما ضعف الإيمان، وضعفت المحبة في القلب انقلب الإقدام إحجاما والاستبسال كسلا وتقاعسا.
خامسا: إذا تأملت حال رسول الله ﷺ ، وهو ينظم صفوف أصحابه ويرتب أجنحتهم، ويضع الحامية اللازمة في مؤخرة المسلمين، ويأمر الرماة أن لا يغادروا أماكنهم مهما وجدوا من أمر إخوانهم المقاتلين حتى يتلقوا الأوامر منه ﷺ ، نقول: إذا تأملت ذلك اتضحت حقيقة بارزة، ولاحت لك من ورائها ظاهرة هامة أخرى.
أما الحقيقة البارزة، فهي البراعة العسكرية التي كانت تتصف بها قيادته ﷺ في الحروب، فقد كان في مقدمة المخططين لفنون القتال وطرائقه، ولا ريب أن الله تعالى قد جهزه بعبقرية نادرة في هذا المجال. ولكننا نقول: إن هذه العبقرية والبراعة إنما يأتي كل منهما من وراء نبوته ورسالته السماوية، فمركز النبوة والرسالة هو الذي اقتضاه ﷺ أن يكون عبقريا بارعا في فنون الحرب وغيرها، كما اقتضاه أن يكون معصوما بعيدا عن كل انحراف وزلل. وقد شرحنا هذا في القسم الأول من هذا الكتاب فلا حاجة إلى تكراره.
وأما الظاهرة التي تلوح للمتأمل من خلال توصياته الدقيقة هذه لأصحابه عامة، وللرماة خاصة فهي ظاهرة ذات علاقة وثيقة بما قد تم بعد ذلك من خروج بعض أولئك الرماة على أوامره ﷺ . فكأن النبي ﷺ قد استشف بفراسة النبوة أو بوحي من الله تعالى هذا الذي قد حدث فيما بعد، فراح يؤكد التوصيات والأوامر، وكأنه في ذلك يجري مع أصحابه مناورة حية مع عدوّ لهم هو النفس وأهواؤها وما تنطوي عليه من طمع في المال والغنائم، والمناورة مهما كانت نتيجتها، تفيد فائدة عظيمة.. وربما كانت النتيجة السلبية أدعى للاستفادة من النتيجة الإيجابية.
سادسا: أبو دجانة، الذي تناول السيف من يد رسول الله ﷺ بحقه، أخذه وراح يتبختر
стр. 175
بين الصفوف، فما أنكر عليه رسول الله، وإنما قال: «إن هذه مشية يكرهها الله إلا في مثل هذا الموضع!» . وهذا يدل على أن كل مظاهر الكبر المحرمة في الأحوال العامة، تزول حرمتها في حالات الحرب. فمن مظاهر الكبر المحرمة أن يسير المسلم في الأرض مرحا متبخترا، ولكن ذلك في ميدان القتال أمر حسن وليس بمكروه. ومن مظاهر الكبر المحرمة تزيين البيوت أو الأواني والأقداح بالذهب أو الفضة. غير أن تزيين آلات الحرب وأسلحتها بالفضة غير ممنوع. فمظهر الكبر هنا إنما هو في حقيقته افتخار بعزة الإسلام على أعدائه. ثم هو معنى من معاني الحرب النفسية التي ينبغي أن لا تفوت المسلمين أهميتها.
سابعا: إذا تأملنا مدة الحرب التي استمرت بين المسلمين وأعدائهم في هذه الغزوة وجدناها تنقسم إلى شطرين:
الشطر الأول: وفيه التزم المسلمون أماكنهم وأوامرهم التي كانوا قد تلقوها من قائدهم ﵊، فما الذي كان من ثمرة ذلك؟ لقد سارع النصر إلى المسلمين، وسارعت الهزيمة إلى صفوف المشركين، وما هو إلا أن اكتسح الرعب أفئدة الآلاف الثلاثة فانحسروا عن أماكنهم وأخذوا يولون الأدبار، وهذا الشطر هو الذي علقت عليه الآية الكريمة في قوله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [آل عمران ٣/ ١٥٢] .
الشطر الثاني: وفيه أخذ المسلمون ينطلقون خلف المشركين ليجهزوا على من يدركونه منهم، وليأخذوا الغنائم والأسلاب، وحينئذ نظر الرماة من فوق الجبل الذي كانوا يتمركزون فيه، إلى إخوانهم وهم يضعون السيوف في أعدائهم اللائذين بالفرار ويعودون بالأموال والغنائم، فرغب بعضهم أن يشتركوا معهم في الغنيمة، وخيلت إليهم هذه الرغبة أنّ الفترة الزمنية للأوامر التي تلقوها من رسول الله ﷺ قد انتهت، فهم في حلّ منها وهم في غنى عن انتظار إذن رسول الله ﷺ لهم بمغادرة أماكنهم وهو اجتهاد خالفهم فيه بعض زملائهم وفي مقدمتهم أميرهم عبد الله بن جبير، ولكنّ أصحاب هذا الاجتهاد نزلوا وانطلقوا يشاركون في أخذ الغنائم. فما الذي كان من نتيجة ذلك؟
لقد كان أن انقلب الرعب الذي داهم أفئدة المشركين إلى استبسال جديد! .. وكان أن تفتحت أسباب الحيلة والمكر لدى خالد بن الوليد الذي كان يولي هاربا، فنظر حوله متأملا، فوجد الجبل المحصّن قد خلا من حماته وحراسه، فلمعت الفكرة العسكرية في رأسه، وما هو إلا أن استدار إلى الجبل مع من معه من المشركين، فقتلوا من بقي ممن لم ينزل وأوجعوا المسلمين رميا بالسهام من خلفهم.. وجاء الرعب هذه المرة ليغزو أفئدة المسلمين كما رأينا. وهذا الشطر من المعركة هو الذي علقت عليه الآية الكريمة في قوله تعالى: حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ،
стр. 176
وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ [آل عمران ٣/ ١٥٢] .
وانظر! .. كم كان وبال هذه الخطيئة جسيما، وكم كانت نتيجتها عامة! ..
لقد عادت خطيئة أفراد قليلين في جيش المسلمين، بالوبال عليهم جميعا، بحيث لم ينج حتى رسول الله ﷺ ، من نتائجها، وتلك هي سنة الله في الكون، لم يمنعها من الاستمرار أن رسول الله ﷺ موجود في ذلك الجيش، وأنه أحب الخلق إلى ربه ﷻ .
فتأمل أنت في نسبة خطيئة أولئك الأفراد، إلى أخطاء المسلمين المتنوعة اليوم، والمتعلقة بشتى نواحي حياتنا العامة والخاصة. تأمل هذا لتتصور مدى لطف الله بالمسلمين إذ لا يهلكهم بما تكسب أيديهم، وبتقاعسهم حتى عن أداء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاجتماع في كلمة واحدة على ذلك.
وإذا تأملت في هذا، علمت الجواب عن سؤال بعضهم اليوم، عن الحكمة من أن الشعوب الإسلامية تظل مغلوبة على أمرها، أمام الدول الباغية الأخرى، على الرغم من أن هؤلاء كفرة وأولئك مسلمون.
ثامنا: لقد رأينا أن النبي ﷺ أوذي كثيرا في هذه الفترة، فوقع لشقه، وشجّ رأسه، وكسرت رباعيته، وساح الدم غزيرا في وجهه، وكل ذلك جزء من نتائج تلك الخطيئة.. خطيئة أولئك المسلمين في الخروج على أوامر القائد. ولكن ما الحكمة في أن يشيع خبر مقتل رسول الله ﷺ في صفوف المسلمين؟! ..
والجواب: أن ارتباط المسلمين برسول الله ﷺ ووجوده فيما بينهم كان له من القوة بحيث لم يكونوا يتصورون فراقه ولم يكونوا يتخيلون قدرة لهم على التماسك من بعده، فكان أمر وفاة رسول الله ﷺ شيئا لا يخطر لهم في بال، وكأنهم كانوا يسقطون حساب ذلك من أذهانهم، ولا ريب أنهم لو استيقظوا من غفلتهم هذه على خبر وفاته الحقيقية، لصدّع الخبر أفئدتهم، ولزعزع كيانهم الإيماني بل لقوّضه في نفوس كثير منهم.
فكان من الحكمة الباهرة أن تشيع هذه الشائعة، تجربة درسيّة بين تلك الدروس العسكرية العظيمة، كي يستفيق المسلمون من ورائها إلى الحقيقة التي ينبغي أن يوطنوا أنفسهم لها منذ الساعة، وأن لا يرتدوا على أعقابهم إذا وجدوا أن رسول الله ﷺ قد اختفى مما بينهم.
ومن أجل بيان هذا الدرس الجليل نزلت الآية تعليقا على ما أصاب كثيرا من المسلمين من ضعف وتراجع لدى سماعهم نبأ مقتل رسول الله ﷺ ، وذلك إذ يقول الله تعالى:
стр. 177
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ، قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ؟
وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران ٣/ ١٤٤] .
ولقد اتضح الأثر الإيجابي لهذا الدرس، يوم أن لحق رسول الله ﷺ فعلا بالرفيق الأعلى، فقد كانت شائعة أحد هذه، مع ما نزل بسببها من القرآن، هي التي أيقظت المسلمين ونبهتهم إلى الحقيقة، فودعوا رسول الله ﷺ بقلوبهم الحزينة، ثم رجعوا إلى الأمانة التي تركها بين أيديهم، أمانة الدعوة والجهاد في سبيل الله، فنهضوا بها أقوياء بإيمانهم أشداء في عقيدتهم وتوكلهم على الله تعالى.
تاسعا: ولنتأمل في وقع الموت على أصحاب رسول الله ﷺ ، وهم من حوله يحمونه بأجسادهم من نبال المشركين وضرباتهم، يتساقطون الواحد منهم إثر الآخر تحت وابل السهام، وهم في نشوة عارمة وحرص حريص على حفظ حياة رسول الله ﷺ ، لا يبالون بغير ذلك! .. فما هو مصدر هذه التضحية العجيبة؟.
إنه الإيمان بالله ورسوله أولا، ثم محبة رسول الله ﷺ ثانيا، فهما معا سبب هذه التضحية الرائعة العجيبة. والمسلم يحتاج إليهما معا، لا يكفيه أن يدّعي الإيمان بما ينبغي الإيمان به من أمور العقيدة، حتى يمتلئ قلبه بمحبة الله ورسوله أيضا، ولذلك قال ﵊: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» «٣١» .
وبيان ذلك أن الله قد غرس في الإنسان عقلا وقلبا. أما الأول فلكي يفكر به فيؤمن بما يجب الإيمان به. وأما الثاني فلكي يستعمله في محبة من أمر الله بمحبته وبغض من أمر ببغضه. وإذا لم يشغل القلب بمحبة الله ورسوله والصالحين من عباده، فسيمتلئ ولا بد بمحبة الشهوات والأهواء والمحرمات. وإذا فاض القلب بمحبة الشهوات والأهواء فهيهات أن يصبح الاعتقاد وحده حاملا لصاحبه على أي عمل من أعمال التضحية أو الفداء.
وهذه الحقيقة من الأوليّات التي أقرها علماء التربية، والأخلاق، ودلت عليها التجارب البدهية، واسمع ما يقوله في ذلك جان جاك روسو في كتابه (اميل) :
«كم قيل وأعيد القول عن الرغبة في إقامة الفضيلة على العقل وحده، ويا له من أساس متين! .. أي أساس هذا؟! .. إن الفضيلة كما يقولون هي النظام، ولكن هل يستطيع الإيمان بالنظام أن يتغلب على مسرتي الخاصة؟ .. إن هذا المبدأ المزعوم ليس إلا لعبا بالألفاظ فالرذيلة هي حب النظام بشكل مختلف» «٣٢» .
стр. 178
من أجل هذه الحقيقة لم تستطع الحكومة الأمريكية أن تلتزم بما آمنت به واعتقدت بفائدته يوم أقدمت على تحريم الخمر ومنع مداولتها في المجتمعات والنوادي، وذلك عام ١٩٣٣ م، إذ لم تمض سوى فترة وجيزة حتى نكص المقننون على أعقابهم، وارتدّوا مترنحين من ألم الحرمان فألغوا القانون الذي التزموه وراحوا يعبّون أقداحهم من جديد..
هذا على حين أن أصحاب رسول الله ﷺ وهم من هم من الثقافة والمدنية ومعرفة الأضرار والفوائد بالنسبة للأمريكيين اليوم- عمدوا بمجرد أن سمعوا أمر الله لهم باجتناب الخمر، إلى دنان الخمر فأراقوها وإلى الأقداح فكسروها، وارتفعت أصواتهم تقول: «انتهينا يا رب انتهينا!» ...
والفرق بين الصورتين والواقعتين، أن ههنا شيئا قد وقر في القلب فكان هواه تبعا لأمر الله وأحكامه.
هذه المحبة، بل هذا الهوى المستحوذ على قلوب أصحاب رسول الله ﷺ هو الذي جعلهم يمدون نحورهم دون نحر رسول الله ويعانقون الموت في سبيل حفظ حياته ﵊.
وكم في غزوة أحد من المشاهد الرائعة التي تكشف عن أثر هذه المحبة إذ تغمر قلب صاحبها.
روى ابن هشام أن النبي ﷺ قال لأصحابه: «من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع أفي الأحياء هو أم في الأموات؟ فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد.
فنظر، فإذا هو جريح في القتلى وبه رمق. فقال له: إن رسول الله ﷺ أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات! .. قال: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله عني السلام، وقل له:
إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم ﷺ وفيكم عين تطرف. قال الأنصاري: فلم أبرح حتى مات» .
ويوم تمتلئ أفئدة المسلمين في عصرنا هذا بنحو من هذه المحبة، بحيث تبعدهم قليلا عن شهواتهم وأنانيتهم، وتتغلب عليها، أقول: يوم يحدث هذا في أفئدة المسلمين فإنهم يصبحون خلقا آخر جديدا، وسينتزعون انتصارهم من بين شدقي الموت وسيتغلبون على أعدائهم، مهما كانت العقبات والسدود.
وإذا سألت عن السبيل إلى مثل هذه المحبة، فاعلم أنها في كثرة الذكر وكثرة الصلاة على رسول الله ﷺ ، وفي كثرة التأمل والتفكر في آلاء الله ونعمه عليك، وفي سيرة رسول الله ﷺ وأخلاقه وشمائله، وهذا كله بعد الاستقامة على العبادات في خشية وحضور، والتبتل إلى الله بين الحين والآخر.
стр. 179
عاشرا: وقد رأينا فيما يرويه البخاري ﵁، أن النبي ﷺ أمر بدفن قتلى المسلمين بدمائهم ولم يصلّ عليهم، وجمع بين الرجلين في قبر واحد، وقد استدل من ذلك العلماء على أن الشهيد في معركة الجهاد لا يغسل ولا يصلى عليه، بل يدفن بدمائه. قال الشافعي ﵁:
جاءت الأحاديث من وجوه متواترة أنه لم يصل عليهم، وأما ما روي أنه ﷺ ، صلى عليهم عشرة عشرة، وفي كل عشرة حمزة، حتى صلى عليه سبعين مرة فضعيف وخطأ «٣٣» . كما استدلوا بذلك أيضا على أنه يجوز عند الضرورة الجمع بين أكثر من واحد في القبر، أما بدون ضرورة فلا يجوز.
حادي عشر: وإذا تأملنا فيما أقدم عليه رسول الله ﷺ مع أصحابه فور عودتهم إلى المدينة من الخروج ثانية للحاق بالمشركين، اتضح لنا درس معركة أحد اتضاحا كاملا، وتبين لنا كل من نتيجتيها: السلبية والإيجابية، وظهر لنا بما لا يدع مجالا للتوهم أن النصر إنما يكون مع الصبر وإطاعة أوامر القائد الصالح واستهداف القصد الديني المجرد.
فقد رأينا أن النبي ﷺ لم يكد يؤذّن في الناس للخروج مرة أخرى لطلب العدوّ، حتى تجمع أولئك الذين كانوا معه بالأمس، من بعد ما أصابهم القرح وأنهكتهم الجروح والآلام، ولم يسترح أحد منهم بعد في بيته أو يفرغ للنظر في حاله وجسمه، وانطلقوا خلف رسول الله ﷺ يبتغون المشركين الذين لم تخمد بعد في رؤوسهم جذوة النشوة بالنصر. ولم يكن فيهم هذه المرة من يطمع في غنيمة أو غرض دنيوي، وإنما هو التطلع إلى النصر أو الاستشهاد في سبيل الله، وهم يسوقون بين يدي ذلك جراحاتهم الدامية، وقروحهم المؤلمة.
فما الذي كان من نتيجة ذلك؟
لا نشوة الظفر أو لذة الانتصار ربطت على قلوب المشركين ليتمموا نصرهم والتغلب على خصومهم، ولا وقع الهزيمة وآلام الجروح الكثيفة في المسلمين حال شيء من ذلك دون إقدامهم وانتصارهم.
وكيف كان السبيل؟ .. لقد كان السبيل إلى ذلك آية إلهية خارقة لتتمم الدرس والموعظة للمسلمين، وقع الرعب فجأة في قلوب المشركين وتصوروا كما أخبرهم صاحبهم الذي كان قد لمح المسلمين عن بعد، أن محمدا ﷺ وصحبه قد جاؤوا هذه المرة ومعهم الموت المؤكد لينثروه فيما بينهم، فارتدوا على أعقابهم بعد أن كانوا متجهين صوب المدينة، وانطلقوا سراعا إلى مكة لا يلوون على شيء! ..
أما كيف داخلهم هذا الرعب الغريب من المسلمين، وهم الذين كسروا شوكتهم ووضعوا
стр. 180
السيف فيهم قبل ساعات فقط من الزمن، فمردّ ذلك إلى الإرادة الإلهية التي جعلت من هذه الموقعة كلها درسا بليغا للمسلمين، جمع بين كلا مظهريه الإيجابي والسلبي في آن واحد.
وفي هذا الختام الأخير المتمم لموعظة أحد نزل قوله تعالى:
الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ، الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ، فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ
[آل عمران ٣/ ١٧٢- ١٧٤] .
يوم الرجيع، وبئر معونة
أولا- يوم الرجيع (في السنة الثالثة) :
قدم وفد من قبائل عضل والقارة على رسول الله ﷺ يذكر أن أخبار الإسلام قد وصلتهم وأنهم بحاجة إلى من يعلمهم شؤون هذا الدين، فبعث الرسول ﷺ نفرا من أصحابه، وفيهم:
مرثد بن أبي مرثد، وخالد بن البكير، وعاصم بن ثابت، وخبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت.
روى البخاري بسنده عن أبي هريرة، قال: «فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة، ذكروا لحيّ من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فتبعوهم بقريب من مئة رام، فاقتصوا آثارهم، حتى أتوا منزلا نزلوه فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم فلما انتهى عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فدفد، وجاء القوم فأحاطوا بهم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلا. فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصما في سبعة نفر بالنبل، وبقي خبيب وزيد ورجل آخر، فأعطوهم العهد والميثاق.
فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم فربطوهم بها فقال الرجل الثالث الذي معهما: هذا أول الغدر، فأبى أن يصحبهم فجرروه وعالجوه، على أن يصحبهم، فلم يفعل فقتلوه.
وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة: فاشترى خبيبا بنو الحارث، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث يوم بدر، فمكث عندهم أسيرا حتى إذا أجمعوا قتله استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحدّ بها. قالت: فغفلت عن صبيّ لي، فدرج إليه حتى أتاه، فأجلسه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذاك مني، وفي يده الموسى. فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله تعالى. وكانت تقول: ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، لقد رأيته يأكل من