← Сира

Сира · id 23657

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

محمد سعيد البوطي

Полный текст (395 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

اجلس على هذه ... فجلست عليها، وجلس هو على الأرض! .. فقلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك» . ولعل عديا- وهو الذي كان ذا مكانة مرموقة في قومه- كان يحسب أن يجد بيت رسول الله ﷺ ، ينطق بشيء من المعنى الذي كان هو يتمتع به، ولكنه فوجئ بعكس ذلك، وفوجئ برسول الله ﷺ يتربع جالسا أمامه على أرض يابسة! .. ونظر، فإذا بالدار تنطق بأن رسول الله ﷺ ليس من تلك المظاهر التي كان يتوقع رؤيتها، في شيء! .. أفيكون مع ذلك ينشد من وراء دعوته هذه ملكا ويسعى وراء ثروة أو مجد؟! .. ويصف عدي ﵁ بعد ذلك، حديث رسول الله ﷺ ، وكيف استشف فيه الغيب المتعلق بمستقبل الإسلام والمسلمين. قال له: «ليوشكن المال أن يفيض في المسلمين حتى لا يوجد من يأخذه» . وصدق رسول الله ﷺ ، فقد بعث عمر بن عبد العزيز عامله بأموال الزكاة لتوزيعها على المستحقين في جهات من إفريقية ولكنه عاد بها ثانية لأنه لم يجد من يأخذها، فاشترى بها أرقاء وأعتقهم. وقال له: «ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف» . وصدق رسول الله ﷺ ، فقد امتد فوق هذه الرقعة أمن الإسلام وسلامه، فما من عابر سبيل فيها يخاف شيئا غير الله والذئب على غنمه، كما قال ﵊ في حديث آخر. وقال له: «وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت على المسلمين» ، وصدق رسول الله ﷺ ، فقد سمعنا بذلك ورأينا، والحمد لله الذي أنجز ما وعد به رسوله ﵊. لقد وجد عدي سمات النبوة الصادقة في مظهر معيشته وحياته، ووجد هذه السمات أيضا في لون حديثه وكلامه، ووجد مصداق ذلك فيما بعد، في وقائع الزمن والتاريخ، فكان ذلك سبب إسلامه، وانخلاعه عن مظاهر الأبهة والترف التي كان قد أسبغها عليه قومه. وإذا توفر عقل مفكر، وتوفرت معه حرية في التأمل، فلا مفر إذن من قبول الحق والإيمان به مهما شقّ السبيل إلى ذلك. أما إذا فقدت حريّة الفكر وضاعت قدسية العقل، ونبتت في مكانها قدسية الحقد الهوي، فلا مناص من العكوف على الباطل، ولا مفر من معانقة الجهل أو التجاهل، ولا نعمة تفوق نعمة العمى أو التعامي. وصدق رب العالمين إذ يبين لنا صفات هؤلاء: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ [فصلت ٤١/ ٥] .

стр. 317

بعوث رسول الله ﷺ إلى الناس لتعليمهم مبادئ الإسلام وكما أقبلت الوفود تسعى إلى رسول الله ﷺ لإعلان إسلامها: فقد أخذ هو أيضا يبعث رسله يتفرقون في شتى الجهات، وخاصة في جنوب الجزيرة، لتعليم الناس مبادئ الإسلام وأحكامه. فقد انتشر أمر الإسلام في الجزيرة ومختلف أطرافها، وأصبحت الحاجة داعية إلى معلمين ودعاة ومرشدين يشرحون للناس حقائق الإسلام حتى يستقر في قلوبهم بعد أن انتشر في ربوعهم. فأرسل ﷺ خالد بن الوليد إلى نجران ليدعو من هناك إلى الإسلام ويعلمهم مبادئه وأحكامه، كما أرسل عليا ﵁ إلى اليمن «١٢٩» . وأرسل ﷺ أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن أيضا بثّ كلّا منهما إلى طرف من أطرافها، ووصّاهما قائلا: «يسرا ولا تعسّرا، وبشرا ولا تنفّرا، وتطاوعا» «١٣٠» وقال لمعاذ: «إنك ستأتي قوما من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» «١٣١» . وفي مسند الإمام أحمد أنه ﷺ خرج مع معاذ إلى ظاهر المدينة يوصيه ومعاذ راكب، ورسول الله ﷺ يمشي تحت راحلته. ثم قال: «يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا! ولعلك أن تمرّ بمسجدي هذا وقبري» فبكى معاذ لفراق رسول الله ﷺ «١٣٢» . ولبث معاذ في اليمن إلى ما بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فكان الأمر كما أخبر به ﵊. العبر والعظات: أهم ما ينبغي على المسلم أن يفهمه من أمر هؤلاء الرسل وأمثالهم الذين بعثهم رسول الله ﷺ

стр. 318

لأمر الدعوة إلى الإسلام وتعليم مبادئه وأحكامه أن مسؤولية الإسلام في أعناق المسلمين في كل عصر وزمن ليست من السهولة واليسر كما يتصور معظمهم اليوم. فلا يكفي أن ندّعي الإسلام بألسنتنا المجردة، كما لا يكفي أن يكون نصيبه من حياتنا بعض أعمال يسيرة، كانت في أصلها جليلة، ثم تحولت في حياتنا إلى عادات وتقاليد، بل ولا يكفي أن يتمسك الواحد منا بالإسلام لنفسه فقط، ثم يغلق بابه دونه لا يسأل عن شيء. لا ترتفع مسؤولية الإسلام عن أعناق المسلمين حتى يضيفوا إلى هذا، القيام بواجب الدعوة إليه والتبشير به، والسفر في سبيل ذلك إلى شتى الجهات والقرى والبلدان. تلك هي الأمانة التي ألقاها رسول الله ﷺ في أعناقنا، وذلك هو الواجب الذي لا محيص عنه في كل عصر ومكان. وقد أجمع العلماء والأئمة الأربعة أن القيام بحق هذه الدعوة في داخل البلدة التي يقيم بها المسلمون وخارجها، فرض كفاية على كل المسلمين، ولا يتحللون من مسؤوليته وجريرة التقصير فيه إلا بقيام جمهرة منهم تنتشر فيما تستطيع أن تنتشر فيه من الجهات والبلدان داعية إلى الله تعرض حجج الإيمان وبراهين الإسلام وتزيل ما قد يعترض أذهان الناس إلى ذلك من الشبه والوساوس المختلفة، بحيث تقع أعمال هذه الجمهرة موقعا من الكفاية في القيام بهذا الواجب. وما لم تتوفر هذه الفئة في كل بلدة من بلاد الإسلام فجميع أهل تلك البلدان آثمون. والصحيح الذي ذهب إليه جمهور الأئمة والفقهاء، أن هذا الواجب الخطير لا يتعلق بأعناق الذكور من المسلمين فقط، بل هو عام يشمل الرجال والنساء والأحرار والعبيد، ما داموا داخلين في ربقة التكليف قادرين على القيام بأعباء الدعوة والتوجيه، كل حسب حدود إمكاناته ووسائل استطاعته ١٣» . *** ثم إن التوصية التي زود بها رسول الله ﷺ معاذا وأبا موسى الأشعري، تدل على بعض الآداب التي يجب أن يتحلى بها الداعي إلى الله تعالى أثناء ما يقوم به من توجيه وتعليم. فمن ذلك أن يغلّب جانب التيسير على التشديد والتضييق، وأن يعتمد على التبشير أكثر من الإنذار أو التهديد، وهو ما سماه رسول الله ﷺ بالتنفير. وقد أوضح ذلك رسول الله ﷺ بمثال تطبيقي، فأمر معاذا أن يدعو الناس أولا إلى الإقرار بالشهادتين، فإن هم استجابوا لذلك، فليدعهم إلى إقام الصلاة، فإن هم استجابوا لذلك، فليدعهم إلى دفع الزكاة.. وهكذا.

стр. 319

غير أن مظاهر التيسير والتبشير، ينبغي أن لا تتجاوز حدود المشروع والمباح، فليس من التيسير المطلوب أو المشروع تبديل بعض الأحكام أو التلاعب بمفاهيم الإسلام بغية التيسير على الناس، وليس منه الإقرار على المعصية مهما كان شأنها، وإن كان للتيسير المشروع دخل في اختيار الوسيلة التي ينبغي أن تستعمل لإنكارها. ومن آداب الدعوة إلى الله، (وهي من آداب الإمارة والولاية أيضا) الاحتراز عن التلبس بظلم أي إنسان، وخاصة ما يكون منه بأخذ شيء من أموال الناس بغير حق، وهو نوع خطير من الظلم قد يتعرض له الدعاة إلى الله تعالى إذا ما غفلوا عن حقيقة مسؤولياتهم ومراقبة الله لهم، كما يتعرض له أرباب الولاية والسلطان. ولما كان معاذ ﵁ متسما بكلا الصفتين لدى إرسال الرسول ﷺ له إلى اليمن: أي صفة الدعوة، وصفة الإمارة والولاية، فقد شدّد النبي عليه في التحذير من الوقوع في أي نوع من أنواع الظلم، قائلا: «واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» . حجة الوداع وخطبتها روى الإمام مسلم بسنده عن جابر ﵁ قال: «مكث رسول الله ﷺ بالمدينة المنورة تسع سنين لم يحجّ، ثم أذّن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله. وخرج ﷺ من المدينة لخمس ليال بقين من ذي القعدة «١٣٤» ، قال جابر: فلما استوت به ناقته في البيداء، نظرت إلى مدّ بصري بين يدي رسول الله ﷺ من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن» .

стр. 320

واختلف الرواة، فأهل المدينة يروون أنه ﷺ أهلّ بالحج مفردا، ويروي غيرهم أنه قرن مع حجته عمرة، وروى بعضهم أنه دخل مكة متمتعا بعمرة ثم أضاف إليه حجة. ودخل مكة من أعلاها من طريق كداء حتى انتهى إلى باب بني شيبة، فلما رأى البيت قال: «اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وزد من عظّمه ممن حجّه واعتمره تشريفا وتكريما ومهابة وتعظيما وبرا» «١٣٥» . ثم مضى رسول الله ﷺ في حجه، فعلّم الناس مناسكهم وبيّن لهم سنن حجهم «١٣٦» . وألقى رسول الله ﷺ في يوم عرفة خطبة جامعة في جموع المسلمين الذين احتشدوا حوله في الموقف، هذا نصها: «أيها الناس: اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا. أيها الناس، إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا وإن كلّ شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وإنّ أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث وربا الجاهلية موضوع، وأوّل ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كلّه. أيها الناس، إنّ الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم. أيها الناس، إنّ النسيء زيادة في الكفر يضلّ به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرّمونه عاما ليواطئوا عدّة ما حرم الله فيحلوا ما حرّم الله ويحرموا ما أحل الله، وإنّ الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق الله السموات والأرض. السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان. اتقوا الله في النساء، فإنكم إنما أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله. إنّ لكم عليهنّ حقا ولهنّ عليكم حقا: لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه «١٣٧» فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرّح، ولهن عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف. فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلغت، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله وسنة رسوله. يا أيها الناس، اسمعوا وأطيعوا وإن أمّر عليكم عبد حبشي مجدّع ما أقام فيكم كتاب الله تعالى.

стр. 321

أرقاءكم أرقاءكم.. أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون، وإن جاؤوا بذنب لا تريدون أن تغفروه، فبيعوا عباد الله ولا تعذبوهم «١٣٨» . أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمنّ أن كلّ مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحلّ لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمنّ أنفسكم، اللهم هل بلغت؟ وستلقون ربكم فلا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلّغ الشاهد الغائب، فلعلّ بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلّغت وأدّيت ونصحت. فقال بأصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد (ثلاث مرات) » «١٣٩» . ثم لم يزل النبي ﷺ في عرفات حتى غربت الشمس، وحينئذ دفع بمن معه إلى المزدلفة، وهو يشير بيده اليمنى قائلا: «أيها الناس، السكينة، السكينة» ، فصلى في المزدلفة المغرب والعشاء جمع تأخير، وبات تلك الليلة في المزدلفة ثم دفع قبل أن تطلع الشمس إلى منى فرمى جمرة العقبة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنة ثم أعطى عليا فنحر ما غبر (أي تتمة المئة) . ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، وأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال: «انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم» ، فناولوه دلوا فشرب منه «١٤٠» . ثم قفل رسول الله ﷺ عائدا إلى المدينة. العبر والعظات: أولا- عدد حجات الرسول ﷺ وزمن مشروعية الحج: اختلف العلماء: هل حجّ رسول الله ﷺ غير هذه الحجة في الإسلام؟ فقد روى الترمذي وابن ماجه أنه ﷺ حج ثلاث حجج قبل هجرته إلى المدينة. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وهو مبنيّ على عدد وفود الأنصار إلى العقبة بمنى بعد الحج. فإنهم قدموا أولا فتواعدوا، ثم قدموا ثانيا فبايعوا البيعة الأولى، ثم قدموا ثالثا فبايعوا البيعة الثانية «١٤١» . ومنهم من روى أنه ﵊ كان يحج كل سنة قبل أن يهاجر. وأيّا ما كان

стр. 322

الأمر، فإن مما لا شك فيه أن وجوب الحج إنما شرع في العام العاشر من الهجرة، فلم يكن واجبا قبل ذلك ولم يحج النبي ﷺ بعدها غير هذه الحجة. ولذلك كان يطلق كثير من الصحابة على حجة الوداع هذه اسم حجة الإسلام، أو حجة رسول الله ﷺ ، وبها عنون الإمام مسلم حديث هذه الحجة. ومن الأدلة على ذلك، ما رواه الشيخان من خبر وفد عبد القيس الذين قدموا على النبي ﷺ ، فقد جاء فيه أنهم قالوا له ﷺ : سرنا بأمر فصل نأخذ به ونأمر به من وراءنا وندخل به الجنة، قال: «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع» ، وعدّد لهم الأوامر الأربعة فقال: «آمركم بالإيمان بالله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من الغنم» . ويبدو أنه إنما ذكر الأمر بالإيمان زيادة على الأربعة، إذ هو معروف لهم، غير أنه أعاد الأمر به للتأكيد ولبيان أنه أساس الأوامر الأربعة التي ذكرها بعد. وقد كان مجيء هذا الوفد في السنة التاسعة للهجرة. فلو كان الحج مفروضا إذ ذاك، لعدّه في جملة الأوامر التي وجهها إليهم. ثانيا- المعنى الكبير لحجة رسول الله ﷺ : إن لحجة رسول الله ﷺ هذه معنى جليلا يتعلق بالدعوة الإسلامية ويتعلق بحياته ﷺ ويتعلق بالمنهج العام للنظام الإسلامي. لقد تعلم المسلمون من رسول الله ﷺ صلاتهم وصيامهم وأمر زكاتهم وعامة ما يتعلق بهم من عبادات وواجبات، وبقي أن يعلمهم مناسكهم وكيفية أدائهم شعائر الحج بعد أن طويت تلك التقاليد الجاهلية المتوارثة أيام موسم الحج من تصدية وصفير وعري أثناء الطواف، وقضي عليها مع القضاء على الأوثان وتطهير بيت الله الحرام منها. وإن الدعوة إلى الحج لبيت الله الحرام ستظل قائمة إلى يوم القيامة، فهي دعوة أبي الأنبياء إبراهيم ﵊ بأمر من ربه . ولكنّ انحرافات الجاهلية وضلالات الوثنية قد زادت فيه تقاليد باطلة وصبغته بكثير من مظاهر الكفر والشرك، وقد جاء الإسلام ليغسل هذه الشعيرة مما قد علق بها من أدران، ويعيدها نقية صافية تشع بنور التوحيد وتقوم على أساس العبودية المطلقة لله تعالى. من أجل ذلك أذّن رسول الله ﷺ في الناس أنه حاجّ إلى بيت الله الحرام، ومن أجل ذلك أقبل الناس من كل حدب وصوب يريدون أن يأتموا به ليتعلموا الأعمال الصحيحة للحج فلا يقعوا في رواسب التقاليد الجاهلية البائدة. ويبدو أنه قد ألقي في روعه ﷺ ، أن مهمته في الأرض توشك ان تنتهي، فقد أدى

стр. 323

الأمانة، وأينعت أرض الجزيرة بغرس التوحيد وانتشر الإسلام يغزو الأفئدة والقلوب في كل مكان. وإن بالناس- وهم اليوم كثرة متفرقون- لشوقا إلى مزيد من اللقاء مع رسولهم والاستفادة من هديه ونصائحه، وبه هو أيضا ﷺ شوقا إلى مزيد من اللقاء معهم، لا سيما تلك الحشود التي دخلت في الإسلام حديثا من مختلف جهات الجزيرة العربية، ممن لم تتح لهم فرص اللقاء الكافي معه ﷺ . وإن أكبر وأجمل فرصة لذلك إنما هي فرصة اللقاء في الحج إلى بيت الله الحرام، وفي سفوح عرفات، لقاء بين أمة ورسولها في ظل شعيرة من أكبر شعائر الإسلام، لقاء اتضح أنه كان في علم الله تعالى وإلهام رسوله، لقاء توصية ووداع. ويريد رسول الله ﷺ أيضا أن يلتقي بهؤلاء الحشود المسلمة، الذين جاؤوا ثمرة جهاد استمر ثلاثة وعشرين عاما، ليلخص لهم تعاليم الإسلام ونظامه في كلمات جامعة وموعظة مختصرة يضمّنها كوامن وجدانه ونبرات محبته لأمته، وليستطلع من وجوههم صورة نسلهم وأعقابهم الذين سيأتون من بعد فينهي إليهم نصائحه وتوصياته من خلف حواجز الزمن ووراء أسوار القرون. تلك هي بعض معاني حجة رسول الله ﷺ : حجة الوداع، وإنك لتراها متجسدة في خطبته التي ألقاها في وادي عرنة في يوم عرفة. ثالثا- تأملات في خطبة الوداع: ولله ما أروعها من كلمات، تلك التي ألقاها في سفوح عرفات، وراح يخاطب فيها الأجيال والتاريخ بعد أن أدى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في سبيل الدعوة إلى ربه ثلاثة وعشرين عاما لا يكلّ ولا يملّ.. ولله ما أروعها من ساعة، تلك التي اجتمع حول رسول الله ﷺ فيها الآلاف المؤلفة، اجتمعوا حوله خاشعين متضرعين، وطالما تربّصوا به قبل ذلك متآمرين ومحاربين. آلاف مؤلفة يملؤون ما يمتد به النظر من كل الجهات، تردد بلسان حالها قول الله : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ [غافر ٤٠/ ٥١] . وأخذ رسول الله ﷺ ينظر من خلال وجوههم إلى الأجيال المقبلة، إلى العالم الإسلامي الكبير الذي سيملأ شرق الأرض وغربها. وراح يلقي على مسامع هذا العالم خطابه المودع: «أيها الناس اسمعوا قولي فإني لا أدري، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا ... » . وأنصتت الدنيا لتسمع قوله، وأنصت الحجر والقفر والمدر إلى الكلمة المودعة ينطق بها فم رسول الله ﷺ بعد أن أنست وسعدت به الدنيا كلها ثلاثة وستين عاما، ها هو اليوم يلمّح بالرحيل، بعد أن قام بأمر ربه وغرس الأرض بغراس الإيمان. وها هو الآن يلخص المبادئ التي جاء بها وجاهد في سبيلها في كلمات جامعة، وبنود معدودة، يلقي بها إلى سمع العالم.

стр. 324

فماذا كان أول بند منها؟ يا سبحان الله ما أجلّ وأروع!. لكأنه ﷺ إنما كان يستلهم توصياته تلك من واقع المنزلقات التي سيتنكب فيها أقوام من أمته خلال الزمن تائهين وراء غيرهم ضائعين عن القبس الذي سيتركه بين أيديهم فلقد كان أول بند منها هو قوله: «أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربّكم، كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا» . ولقد كرر هذه التوصية نفسها مرة أخرى في خاتمة خطابه، وأكد ضرورة الاهتمام بها وذلك عندما قال: «تعلمنّ أن كل مسلم أخ للمسلم وأن المسلمين إخوة، فلا يحلّ لا مرئ من أخيه إلّا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمنّ أنفسكم. ألا هل بلغت؟» . ونحن نقول: أجل والله، لقد بلغت يا سيدي.. ولعلنا اليوم أولى من ينبغي أن يجيبك: اللهم لقد بلّغت! .. وإن كنا في ذلك إنما نسجل مسؤولية على أعناقنا قصرنا كل التقصير في القيام بحقها. أما البند الثاني: فلم يكن مجرد توصية، ولكنه قبل ذلك قرار أعلن عنه للملأ كله.. لأولئك الذين كانوا من حوله، والأمم التي ستأتي من بعده. وهذه هي صيغة القرار: «ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية، تحت قدميّ موضوع! .. دماء الجاهلية موضوعة.. وربا الجاهلية موضوع..» . فما المعنى الذي تتضمنه صيغة هذا القرار؟ .. إنه يقول: إن كل ما كانت الجاهلية تفخر وتتمسّك به من تقاليد العصبية والقبلية، وفوارق اللغة والأنساب والعرق، واستعباد الإنسان أخاه بأغلال الظلم والمراباة، قد بطل أمره ومات اعتباره، فهو اليوم جيفة منتنة غيبتها شريعة الله في باطن الأرض، وأصبح مكانها من حياة المسلم اليوم تحت موطئ الأقدام. إنه رجس ولّى، وعماهة أدبرت، وغاشية بادت. فمنذا الذي يرجع بعد ذلك لينبش التراب عن الجيفة المنتنة فيعانقها؟ .. وأي عاقل يتقمم الأدران التي تخلص منها ليتمسح ثانية بها؟ .. وأيّ أبيّ يعمد إلى القيد الذي كسره البارحة وألقاه، ليصلحه ويعود فيتقيّد به اليوم؟! .. أرجاس من تقاليد الجاهلية، أبعدها الرسول ﷺ عن منطلق الإنسانية وتقدمها الفكري والحضاري، وأعلن أنها قد عادت حثالة مدفونة تحت قدميه، كي يثبت للدنيا كلها ويسجل على مسمع القرون والأجيال، أنه ما من تائه يزعم التقدم الفكري إذ يعمد فينبش شيئا من هذا الدفين

стр. 325

القديم، إلّا وهو يرجع القهقرى يسبح فى أغوار قصية من التاريخ المظلم القديم، وإن خيّل إليه وهمه أنه إنما يتقدم صعدا ويخطو مترقيا. وأما البند الثالث: فقد أعلن فيه رسول الله ﷺ عن تطابق الزمن إذ ذاك مع أسماء الأشهر المقسّم عليها، وذلك بعد طول تلاعب بها من العرب في الجاهلية وصدر الإسلام. فقد كانوا- كما قال مجاهد وغيره- يجعلون حجهم كل عامين في شهر معين من السنة، فيحجون في ذي الحجة عامين، ثم يحجون في المحرم عامين وهكذا. فلما حجّ رسول الله ﷺ هذا العام، وافق حجه شهر ذي الحجة وأعلن رسول الله ﷺ إذ ذاك أن الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق الله السموات والأرض. أي فلا تتلاعبوا بالأشهر تقديما وتأخيرا، ولا حجّ بعد اليوم إلا في هذا الزمن الذي استقر اسمه: ذو الحجة. وذكر بعضهم أن المشركين كانوا يحسبون السنة اثنى عشر شهرا وخمسة عشر يوما. فكان الحج في رمضان وفي شوال وذي القعدة.. وفي كل شهر من السنة، وذلك بحكم استدارة الشهر بسبب زيادة الخمسة عشر يوما. ولقد كان حجّ أبي بكر في السنة التاسعة من الهجرة واقعا في شهر ذي القعدة بسبب ذلك، فلما كان العام المقبل، (وفيه قام رسول الله ﷺ بحج الوداع) وافق حجّه ذا الحجة في العشر منه وطابق الأهلة. وأعلن حينئذ ﵊ نسخ الحساب القديم للزمن وأن السنة إنما تعتبر بعد اليوم اثنى عشر شهرا فقط، فلا تداخل بعد اليوم. قال القرطبي: وهذا القول أشبه بقول النبي ﷺ : «إن الزمان استدار..» أي إن زمان الحج عاد إلى وقته الأصلي الذي عينه الله يوم خلق السموات والأرض، بأصل المشروعية التي سبق بها علمه «١٤٢» وفي البند الرابع: أوصى رسول الله ﷺ خيرا بالنساء، وأكد في كلمة مختصرة جامعة القضاء على الظلم البائد للمرأة في الجاهلية، وتثبيت ضمانات حقوقها وكرامتها الإنسانية التي تضمنتها أحكام الشريعة الإسلامية. ولقد كانت هذه الحقيقة جديرة بتأكيد التوصية بها، بسبب أولئك المسلمين الذين كانوا قريبي عهد بتقاليدهم الجاهلية التي تقضي بإهمال شأن المرأة وعدم الاعتراف بأي حق لها، ولعل هنالك حكمة أخرى لهذه التوصية والاهتمام بها. وهي أن يكون المسلمون في كل عهد وطور من الزمن، على بيّنة من الفرق الكبير بين كرامة المرأة وحقوقها الطبيعية التي ضمنتها شرعة الإسلام، وما يهدف إليه بعضهم من استباحة الوسائل المختلفة إلى التمتع والتلهي بها، وهو ما حاربه الإسلام. وفي البند الخامس: وضع النبي ﷺ الناس من جميع المشكلات التي قد تعترض حياتهم،

стр. 326

أمام مصدرين لا ثالث لهما، ضمن لهم بعد الاعتصام بهما، الأمان من كل شقاء وضلال، هما: كتاب الله وسنة رسوله. وإنك لتجده يتقدم بهذا التعهد والضمان إلى جميع الأجيال المتعاقبة من بعده، ليبيّن للناس أن صلاحية التمسك بهذين الدليلين ليس وقفا على عصر دون آخر، وأنه لا ينبغي أن يكون لأيّ تطور حضاري أو عرف زمني أي سلطان أو تغلب عليهما. وأما البند السادس: فقد أوضح فيه ﷺ ما ينبغي أن يكون عليه علاقة الحاكم أو الخليفة أو الرئيس مع الرعية أو الشعب. إنها علاقة السمع والطاعة من الشعب للحاكم مهما كان نسبه وشأنه ومظهره ما دام يحكم بكتاب الله وسنة رسوله، فإذا حاد عنهما فلا سمع ولا طاعة، فلا مناط لولاء الحاكم وضرورة اتباعه إلا سيره على نهج الكتاب والسنة، وليكن بعد ذلك إن شاء عبدا حبشيا مجدّعا، فلا يخفضه ذلك قيد شعرة عن غيره عند الله تعالى. ولقد أوضح لنا رسول الله ﷺ بهذا، أنه لا امتياز للحاكم من وراء حدود كتاب الله تعالى وسنة نبيه، ولا يمكن لحاكميته أن ترفعه قيد شعرة فوق مستوى المنهج والحكم الإسلامي، إذ هو في الحقيقة ليس بحاكم ولا يتمتع بأي حاكمية حقيقية، ولكنه أمين من قبل المسلمين على تنفيذ حكم الله تعالى. ومن هنا لم تتعرف الشريعة الإسلامية على شيء مما يسمى بالحصانة أو الامتيازات لطبقة ما بين المسلمين في شؤون الحكم أو القانون والقضاء. وفي الختام ... يشعر رسول الله ﷺ أنه أخرج مسؤولية الدعوة وتبليغها من عنقه، فها هو الإسلام قد انتشر، وها هي ضلالات الجاهلية والشرك قد تبدّدت، وها هي أحكام الشريعة الإلهية قد بلّغت، وها هو الوحي ينزل عليه ﷺ ، يقول الله تعالى مخاطبا البشر كلهم: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة ٥/ ٣] . ولكنه ﷺ يريد أن يطمئن إلى شهادة أمته بذلك أمام الله تعالى يوم القيامة عندما يسألون.. فأعقب توصياته هذه لهم بأن نادى فيهم قائلا: إنكم ستسألون عني، فما أنتم قائلون؟ وارتفعت الأصوات من حوله تصرخ: نشهد أنك قد بلّغت، وأديت، ونصحت. وحينئد اطمأن الرسول العظيم ﷺ ! ... لقد كان يريد أن يستوثق من هذه الشهادة التي سيلقى بها وجه ربه .. ولقد اطمأن الحبيب الأعظم ﷺ إذ ذاك، وشعشع الرضى في عينيه، ونظر بهما إلى الأعلى مشيرا بسبابته إلى السماء ثم إلى الناس يقول: «اللهم اشهد ... اللهم اشهد ... اللهم اشهد» . ويا ما أعظمها من سعادة!؟ .. سعادة رسول الله ﵊ بشبابه الذي أبلاه

стр. 327

وعمره الذي أمضاه في سبيل نشر شريعة ربه ﷻ ، وذلك حينما ينظر فيرى حصيلة الجهد الذي قدّم والعمر الذي بذل، أصواتا ترتفع وتعج بتوحيد الله، وجباها تعنو ساجدة لدين الله وقلوبا خفاقة تجيش بحب الله. ألا ما أسعد حبيب الله إذ ذاك بذكرى ما لقيه من ظمأ الهواجر، وشتات السفر في القفار، وعذاب السخرية والإيذاء، في سبيل هذا الإيمان الذي شاده فوق أرض الله! .. فلتكتحل به عيناك يا سيدي سعادة وسرورا، وليبارك لك ربك في وجيب قلبك اليوم حمدا ونشوة وحبورا. ولا والله، ما كان ذلك شهادة تلك الآلاف المحتشدة من حولك فحسب، يا سيدي رسول الله. ولكنها شهادة المسلمين في كل جيل وعصر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها تعلن بلسان حالها ومقالها: نشهد يا رسول الله أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجزاك الله عنا خير ما جوزي نبي عن أمته. ولكن مسؤولية الدعوة قد انتقلت من بعدك إلى أعناقنا، وما أبعدنا اليوم عن القيام بحقها، وما أشد خيبتنا بلقائك يا سيدي غدا، وإن علينا أوزارا من التقاعس والتكاسل والركون إلى زهرة الحياة الدنيا، بينما يلتفّ من حولك أصحابك البررة الكرام وإن في أيديهم وعلى أبدانهم شهادة الدم الذي سفكوه والجهد الذي بذلوه والدنيا التي حطموها تحت أقدامهم نصرة لشريعتك ودفاعا عن دعوتك وتأسيا بجهادك. أصلح الله حالنا وحال المسلمين جميعا، وأيقظنا من سكرة الدنيا ونشوة الشهوات والأهواء، وتغمدنا بلطفه وكرمه وجوده. وأتم ﷺ حجه، وتضلع من شرب ماء زمزم، وعلّم الناس مناسكهم، ثم عاد أدراجه إلى المدينة، ليواصل السعي والجهاد في سبيل دين الله .

стр. 328

شكوى الرّسول ﷺ ولحاقه بالرّفيق الأعلى بعث أسامة بن زيد إلى البلقاء ما إن عاد رسول الله ﷺ إلى المدينة المنورة حتى أمر المسلمين بالتهيؤ لغزو الروم، واختار رسول الله ﷺ لإمرة هذا الغزو أسامة بن زيد ﵁، وكان ﵁ شابا حدثا، فأمره ﷺ أن يسير إلى موضع مقتل أبيه زيد بن حارثة، وأن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، وذلك مع بدء شكواه ﷺ من مرضه الذي توفي فيه. ولكن المنافقين راحوا يقولون مستنكرين: أمّر غلاما حدثا على جلّة المهاجرين والأنصار «١» ! فخرج رسول الله ﷺ إلى الناس وقد عصب رأسه وخطب فيهم قائلا: «إن تطعنوا في إمارة أسامة بن زيد فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله. وايم الله إن كان لخليقا بها، وايم الله إن كان لأحب الناس إليّ، وايم الله إنّ هذا لها لخليق- يريد أسامة بن زيد-، وايم الله إن كان لأحبّهم إليّ من بعده فأوصيكم به فإنه من صالحيكم» «٢» . فتجهز الناس، وأوعب مع أسامة المهاجرين والأنصار، وخرج أسامة بجيشه إلى ظاهر المدينة، فعسكر بالجرف (مكان على فرسخ من المدينة) . (شكوى رسول الله ﷺ وفي هذه الأثناء، اشتدت برسول الله ﷺ شكواه التي قبضه الله فيها، فأقام الجيش هناك، ينظرون ما الله قاض في هذا الأمر. وكان ابتداء شكواه ما رواه ابن إسحاق وابن سعد عن أبي مويهبة مولى رسول الله ﷺ ، قال: «بعثني رسول الله ﷺ من جوف الليل، فقال: يا أبا مويهبة، قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع، فانطلق معي. فانطلقت معه، فلما وقفنا عليهم قال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهن لكم ما أصبحتم فيما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن مثل قطع الليل المظلم يتبع آخرها أولاها، الآخرة شرّ من الأولى. ثم أقبل عليّ فقال: إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها،

стр. 329

فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة. فقلت: بأبي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا وتخلّد فيها، ثم الجنة. قال: لا والله أبا مويهبة، قد اخترت لقاء ربي والجنة. ثم استغفر لأهل البقيع ثم انصرف فابتدأ رسول الله ﷺ وجعه الذي قبض فيه» «٣» . وكان أول وجعه ﷺ صداعا شديدا يجده في رأسه، فقد روي عن عائشة ﵂ أنه ﷺ لما رجع من البقيع استقبلته وهي تقول: وارأساه، فقال لها ﷺ : «بل أنا والله يا عائشة وارأساه» «٤» . ثم ثقل عليه الوجع فكان حمّى شديدة تنتابه، وكان بدء ذلك في أواخر صفر من السنة الحادية عشرة للهجرة وكانت عائشة ترقيه ﷺ خلال ذلك بمعوذات من القرآن. روى البخاري ومسلم عن عروة أن عائشة ﵂ أخبرته أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده، فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه، طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات التي كان ينفث وأمسح بيد النبي ﷺ عنه. وشعرت نساؤه ﷺ برغبته في أن يمرّض في بيت عائشة ﵂، لما يعلمن من محبته لها وارتياحه إليها، فأذنّ له في ذلك، فخرج إلى بيتها من عند ميمونة يتوكأ على الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب ﵄. وفي بيت عائشة ﵂ اشتد به وجعه، وكان قد شعر بقلق أصحابه وحزنهم عليه، فقال: «أهريقوا عليّ من سبع قرب لم تحلل أو كيتهن لعلّي أعهد إلى الناس (أي أخرج إليهم لأكلمهم) » قالت عائشة ﵂: فأجلسناه في مخضب (ما يشبه الإجّانة يغسل فيها الثياب) ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتنّ. ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم «٥» ، خرج ﷺ عاصبا رأسه، فجلس على المنبر، ثم كان أول ما تكلم به أن صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم ثم قال: «عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده» فبكى أبو بكر ﵁ (إذ علم ما يقصده النبي ﷺ وناداه قائلا: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. فقال ﷺ : «على رسلك يا أبا بكر، أيها الناس إن أمن الناس عليّ في ماله وصحبته أبو بكر، ولو كنت

стр. 330

متخذا خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام. لا تبقينّ في المسجد خوخة إلا خوخه أبي بكر «٦» ، وإني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم وإني والله ما أخاف أن تشركوا من بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها» «٧» . وعاد رسول الله ﷺ إلى بيته، وما هو إلا أن اشتد به وجعه، وثقل عليه مرضه. روت عائشة ﵂ قالت: «قال لي رسول الله ﷺ في مرضه: ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك، حتى أكتب كتابا، فإني أخاف أن يتمنّى متمنّ ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» «٨» . وروى ابن عباس ﵁ قال: «لما اشتد برسول الله ﷺ المرض، قال لرجال كانوا في البيت: هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، فقال بعضهم: إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول قرّبوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله ﷺ : قوموا» «٩» . ولم يعد رسول الله ﷺ يطيق الخروج إلى الصلاة مع الناس، فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» ، فقالت عائشة ﵂: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف (رقيق) وإنه إذا قام مقامك لم يكد يسمع الناس، فقال: «إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس» «١٠» . فكان أبو بكر هو الذي يصلي بالناس بعد ذلك، وخرج النبي ﷺ خلال ذلك مرة- وقد شعر بخفة- فأتى فوجد أبا بكر وهو قائم يصلي بالناس، فاستأخر أبو بكر، فأشار إليه رسول الله ﷺ أن كما أنت، فجلس رسول الله ﷺ إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ وهو جالس، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر «١١» .

стр. 331

واستبشر الناس خيرا بخروجه ﷺ إذ ذاك، ولكن البرحاء اشتدت عليه، وكان ذلك آخر مرة خرج يصلي فيها مع الناس. روى ابن مسعود ﵁ قال: «دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك، فمسسته بيدي، فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكا شديدا فقال ﷺ : أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم، قال: فقلت: ذلك أن لك أجرين؟ .. فقال رسول الله ﷺ : أجل، ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطّ الله به سيئاته كما تحطّ الشجرة ورقها» «١٢» . كان ﷺ أثناء ذلك يطرح خميصة (غطاء) له على وجهه، فإذا اغتم وضايقه الألم كشفها عن وجهه فقال: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ١٣، كأنه ﷺ يحذّر المسلمين من أن يصنعوا صنيعهم به. رسول الله ﷺ وسكرة الموت وذلك هو حكم الله في عباده كلهم: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر ٣٩/ ٣٠] . فقد دخل فجر يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول من العام الحادي عشر للهجرة، وبينما الناس في المسجد يصلون حلف أبي بكر ﵁، إذا بالستر المضروب على حجرة عائشة قد كشف، وبرز رسول الله ﷺ من ورائه، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبه ليصل الصف، فقد ظن أن رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة، وهمّ المسلمون أن يفتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله ﷺ ، فأشار إليهم بيده ﷺ أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر «١٤» . وانصرف الناس من صلاتهم، وهم يحسبون أن النبي ﷺ قد نشط من مرضه. ولكن تبين أنها كانت نظرة وداع منه ﷺ إلى أصحابه، فقد عاد ﵊ فاضطجع إلى حجر عائشة ﵂، وأسندت ﵂ رأسه إلى صدرها، وجعلت تتغشاه سكرة الموت، قالت: «وكان بين يديه ركوة فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات» «١٥» . وكانت فاطمة ﵂ إذا رأت منه ذلك قالت:

стр. 332

«واكرب أباه؟ .. فيقول لها ﵊: ليس على أبيك كرب بعد هذا اليوم» «١٦» . قالت عائشة ﵂: «إن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، دخل عليّ عبد الرحمن وبيده السواك وأنا مسندة رسول الله ﷺ ، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك، فأشار برأسه أن نعم، فتناولته فاشتد عليه، فقلت: أليّنه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته فأمرّه، وبين يديه ركوة فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح وجهه ويقول: لا إله إلا الله إن للموت سكرات. ثم نصب يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قبض، ومالت يده» «١٧» . وانتشر خبر وفاته ﷺ في الناس، وأقبل أبو بكر ﵁ على فرس من مسكنه في السّنح (وكان قد ذهب إلى منزله هناك آملا أنه ﷺ قد عوفي من وجعه) ، حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمم رسول الله ﷺ وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكبّ عليه فقبله. وبكى، ثم قال: «بأبي أنت وأمي لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها» «١٨» . ثم خرج ﵁، وعمر يكلم الناس أن رسول الله ﷺ لم يمت، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران وأنه ﷺ لا يموت حتى يفني الله المنافقين؛ فأقبل أبو بكر يقول له: على رسلك يا عمر، أنصت ولكنه استمر في كلامه مهتاجا، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس فأقبلوا إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد أيها الناس، من كان منكم يعبد محمدا ﷺ فإن محمدا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت، قال الله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [آل عمران ٣/ ١٤٤] . فكأن الناس لم يعلموا أن الله نزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما سمعها بشر من الناس إلا وأخذ يتلوها. قال عمر ﵁: «والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت ما تقلّني رجلاي وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها وعلمت أن النبي ﷺ قد مات» «١٩» .

стр. 333

وقد أجمع الرواة وأهل العلم أنه ﷺ توفي عن ثلاثة وستين عاما من العمر، قضى أربعين منها قبل البعثة، وثلاثة عشر عاما يدعو إلى الله في مكة وعشر سنين قضاها في المدينة بعد الهجرة. وكانت وفاته في أول العام الحادي عشر. وروى البخاري عن عمرو بن الحرث، قال: «ما ترك رسول الله ﷺ دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة، إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه، وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة» . العبر والعظات: في أحداث هذا القسم الأخير من سيرة المصطفى ﷺ ، تلوح قصة الحقيقة الكبرى في هذا الوجود!. الحقيقة التي يسقط عندها جبروت المتجبرين وعناد الملحدين، وطغيان البغاة والمتألهين. إنها الحقيقة التي تمدّ صفحة هذا الوجود المائج كله، بغاشية الانتهاء والفناء. وتصبغ الحياة البشرية بصبغة العبودية والذل لقهار السموات والأرض. حقيقة تسربل بها (طوعا أو كرها) العصاة والطائعون، والرؤساء والمتألهون، والرسل والأنبياء، والمقربون والأصفياء، والأغنياء والفقراء، ودعاة العلم والاختراع!. إنها الحقيقة التي تعلن على مدى الزمان والمكان، وفي أذن كل سامع وعقل كل مفكر: «أن لا ألوهية إلا لله وحده، وأن لا حاكمية إلا لذاك الذي تفرد بالبقاء، فهو الذي لا مردّ لقضائه، ولا حدود لسلطانه، ولا مخرج عن حكمه، ولا غالب على أمره» . أيّ حقيقة تنطق بهذه الدلالة نطقا لا لبس فيه ولا غموض أعظم من حقيقة الموت وسكرة الموت إذ قهر الله بهما سكان الدنيا كلها منذ فجر الوجود إلى أن تغيب شمسه؟! .. لقد مرّ في معبر هذه الدنيا كثير من أولئك المفتريّن الذين غرقوا في شبر من القوة التي أوتوها، أو العلوم التي فهموها، أو المخترعات التي اكتشفوها، ولكن هذه الحقيقة الكبرى سرعان ما انتشلتهم وألقت بهم في بيداء العبودية وأيقظتهم إلى صحو التذلل لقيوم السماوات والأرض مالك الملك كله، فقدموا إلى الله عبيدا أذلاء خاضعين. كل نفس ذائقة الموت! .. إطلاق لا قيد فيه، وعموم لا مخصص له، وشمول ليس للدنيا كلها أن تجعل له حدّا. فليأت دعاة العلم الجديد، والرقي الحديث، ومتوثبو الغزو الفضائي فليجمعوا أمرهم وليضفروا جميع إمكاناتهم المختلفة وليحشدوا كل أقمارهم المصنوعة ومراكبهم المشروعة، فليستعينوا بذلك كله على أن يزيحوا عن أنفسهم شيئا من سلطان هذا الموت الذي قهرهم واستذلهم، وليبطلوا بذلك ولو جزءا من هذا التحدي الإلهي: كل نفس ذائقة الموت. فإن فعلوا ذلك فإن لهم حينئذ أن يشيدوا لأنفسهم صروحا عالية من الجبروت والطغيان والتأله والكفران، وإلا فأحرى بهم أن يتفرغوا

стр. 334

للتأمل في تلك القبور التي سيغيبون في أحشائها والتربة التي سيمتدون من تحتها، وفي القبضة التي سوف لن ينجوا من حكمها. ولقد كان من اليسير على الله أن يجعل مرتبة رسوله ﷺ فوق مستوى الموت وآلامه، ولكن الحكمة الإلهية شاءت أن يكون قضاء الله تعالى في تجرع هذا الكأس بشدتها وآلامها عاما لكل أحد مهما كانت درجة قربه من الله ﷻ ، حتى يعيش الناس في معنى التوحيد وحقيقته، وحتى يدركوا جيدا أن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا، فليس لأحد أن يتمطى ليعلو بنفسه عن مستوى العبودية بعد أن عاش رسول الله ﷺ خاضعا لحكمها ونزل به قضاؤها. وليس لأحد أن لا يكثر من ذكر الموت وسكرته، بعد أن عانى حبيب الله تعالى من برحائها وغشيته آلامها. وهذا المعنى هو ما أوضحه كلام الله ﷻ : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر ٣٩/ ٣٠] . وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ، أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ [الأنبياء ٢١/ ١٣٤، ١٣٥] . وإذن فنحن في هذا القسم الأخير من سيرته ﵊ أمام مشهد لحقيقتين هما دعامتا الإيمان بالله ، بل هما دعامتا الحقيقة الكونية كلها: حقيقة توحيد الله ، وحقيقة العبودية الشاملة التي فطر الله الناس كلهم عليها، ولا تبديل لحكم الله وأمره. *** والآن.. فلنستعرض ما يوجد في ثنايا هذا البحث من الدروس الأحكام. أولا- لا مفاضلة في حكم الإسلام إلا بالعمل الصالح: فقد كان زيد بن حارثة رقيقا وهو والد أسامة هذا، وهو في أصله مولى، وكان أسامة كما قلنا فتى صغيرا بين الثامنة عشر والعشرين من العمر. ومع ذلك فلا الصغر ولا الرق القديم منع رسول الله ﷺ من أن يجعله أميرا على عامة الصحابة في غزوة مهمة كبرى! .. ولئن وجد المنافقون في هذا مثارا للتعجب أو الاستنكار، فإن شريعة الإسلام لا تستغرب ذلك ولا تستنكره، فما جاء الإسلام إلا ليحطم مقاييس الجاهلية التي كانوا بها يتفاضلون ويتفاوتون. ولعلّ النبي ﷺ وجد في أسامة ميزة جعلته أولى من غيره بقيادة الجيش في هذه الغزوة. وليس على المسلمين في هذا الحال إلا السمع والطاعة وإن أمّر عليهم عبد حبشي، ولذلك كان أول عمل قام به أبو بكر ﵁ في خلافته هو إنفاذ جيش أسامة. وخرج ﵁ فشيّع جيشه بنفسه ماشيا وأسامة راكب، فقال له أسامة: يا خليفة رسول الله، لتركبن أو لأنزلن. فقال أبو بكر: والله

стр. 335

لا نزلت ولا ركبت، وما عليّ أن أغبر قدمي ساعة في سبيل الله؟ ولقد رجع أسامة ﵁ من هذه الغزوة منصورا ظافرا وكان في تسيير ذلك الجيش نفع عظيم للمسلمين «٢٠» . ثانيا- مشروعية الرّقية وفضلها: وهي التعويذة. ودليل ذلك ما رويناه من حديث البخاري ومسلم أنه ﷺ كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوّذات ومسح عنه بيده.. إلخ. وقد كان ﷺ يرقي أصحابه بالقرآن آنا، وبالأذكار والأدعية أخرى. روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم قال: أذهب البأس ربّ الناس، واشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما» ، وروى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أن النّبي ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتها. ومن أوضح الأدلة على مشروعية الرقية بالقرآن الكريم قوله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [الإسراء ١٧/ ٨٢] . والفرق بين الدعاء والرقية أن الرقية تزيد عليه المسح باليد والنفث بالفم، وهو النفخ بدون ريق، في الأصح ثم إنه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور إلى جواز أخذ الأجر على الرقية، وفصّل أبو حنيفة فمنعها على تعليم القرآن وأجازها على الرقية «٢١» ، ودليل ذلك حديث البخاري ومسلم أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا في سفر، فمروا بحي من أحياء العرب فاستضافوهم فلم يضيفوهم، فقالوا لهم: «هل فيكم راق، فإن سيّد الحي لديغ أو مصاب، فقال رجل منهم نعم، فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب، فشفي الرجل، فأعطي قطيعا من غنم فأبى أن يقبلها، وقال: حتى أذكر ذلك للنّبي ﷺ ، فأتى النّبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: يا رسول الله، والله ما رقيت إلا بفاتحة الكتاب، فتبسّم وقال: وما أدراك أنها رقية؟ ثم قال: خذوا منهم واضربوا لي بسهم معكم» . وقد نقل النووي والحافظ ابن حجر وغيرهما الإجماع على مشروعية الرّقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، وأن يكون باللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثّر بذاتها، بل بذات الله تعالى «٢٢» .

стр. 336

وقد دلّت على هذه الشروط أحاديث صحيحة مثل ما رواه مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنّا نرقي في الجاهلية، فقلنا: «يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرّقى ما لم يكن فيه شرك» . السحر والرّقية منه: ولقد كان من أهم ما رقى رسول الله ﷺ نفسه بالمعوّذات منه، السحر الذي سحره به لبيد بن الأعصم في الحديث الذي رواه الشيخان. ولقد ذكر العلماء أن جمهور المسلمين على إثبات السحر وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة، ودليله هذا الحديث، وذكر الله تعالى له في كتابه، وأنه مما يتعلم، وذلك لا يكون إلا فيما له حقيقة ما. وقوله عنه فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [البقرة ٢/ ١٠٢] ، والتفريق بين المرء وزوجه شيء حقيقي كما هو معروف. وقد يستشكل بعضهم هذا الذي نقول لسببين: الأول: كون السحر بحد ذاته حقيقة ثابتة، إذ هو فيما يتوهمه البعض أمر مناف لقضية التوحيد وانحصار التأثير لله وحده. الثاني: أن يقال إن رسول الله ﷺ قد سحر، فذلك مما يحط (في وهمهم) من منصب النّبوة ويشكّك الناس فيها. والحقيقة أنه لا إشكال في الأمر ألبتة. أما الجواب عن الوهم الأول، فهو أن اعتبار السحر حقيقة ثابتة لا يعني كونه مؤثرا بذاته بل هو كقولنا السّمّ له مفعول حقيقي ثابت، والدواء له مفعول حقيقي ثابت، فهذا كلام صحيح لا ينكر. غير أن التأثير في هذه الأمور الثابتة إنما هو لله تعالى. وقد قال الله تعالى عن السحر وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة ٢/ ١٠٢] ، فقد نفى الله عن السحر التأثير الذاتي، ولكنه أثبت له في الوقت نفسه مفعولا ونتيجة منوطة بإذن الله تعالى. وأما الجواب عن الوهم الثاني، فهو أن السحر الذي أصيب به ﷺ إنما كان متسلطا على جسده وظواهر جوارحه كما هو معروف. لا على عقله وقلبه واعتقاده. فمعاناته من آثاره كمعاناته من آثار أي مرض من الأمراض التي يتعرض لها الجسم البشري لأي كان، ومعلوم أن عصمة الرسول ﷺ لا تستلزم سلامته من الأمراض والأعراض البشرية المختلفة. قال القاضي عياض: «وأما ما جاء في الحديث من أنه ﷺ كان يخيّل إليه أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه ﷺ داخلة نقص أو عيب في شيء من تبليغه أو شريعته، لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا (أي مما يدخل أي داخلة نقص في تبليغ الشريعة) ، وإنما هذا فيما يجوز طروّه من أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها ولا فضّل من أجلها،

стр. 337

وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر. فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها مالا حقيقة له ثم ينجلي عنه كما حصل» «٢٣» . قلت: وهو كما يحصل للمريض عند شدّة الحّمى، فمن الأعراض الطبيعية لذلك أن تطوف بالذهن أخيلة وأوهام غير حقيقية لشدة وطأة الحرارة، والأمر في ذلك وأشباهه من الأعراض البشرية التي يستوي فيها الأنبياء والرسل مع غيرهم من الناس. على أن خبر سحره ﷺ ، إنما يدخل في جملة الخوارق التي أكرم الله بها رسوله ﷺ ، فهو ليس مثار نقيصة له، وإنما هو دليل جديد من أدلة إكرام الله له، وحفظه إياه. فقد دعا رسول الله ﷺ وظل يكثر من الدعاء حين شعر بهذه الأعراض في جسمه إلى أن أطلعه الله على المكيدة التي صنعها له لبيد بن الأعصم في السّر، فذهب إلى حيث قد طوى الرجل أمشاطه وأسباب سحره فأبطل رسول الله ﷺ كل ذلك وإليك نص الحديث: روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: «سحر رسول الله ﷺ رجل من بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله. حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي، لكنه دعا ودعا. ثم قال يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه. أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب (أي مسحور) ، قال: من طبّبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة «٢٤» وجف طلع نخل ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان. فأتاها النّبي ﷺ في ناس من أصحابه.. فجاء فقال: يا عائشة كأن ماءها نقاعة الحناء، وكأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين! .. قلت يا رسول الله: أفلا استخرجته، قال: لقد عافاني الله فكرهت أن أثير على الناس فيه شرّا، فأمر بها (أي البئر) فدفنت» . فأنت ترى أن هذا الحديث دليل إكرام وعصمة من الله لرسوله أكثر من كونه دليل أذى قد أصابه في جسمه أو أي جانب يتعلق ببشنريته. بقي أن أحدا قد يستشكل قائلا: فكيف تتميز المعجزة الإلهية إذن عن السحر ومظاهره مادام أن له حقيقة؟ والجواب، أن المعجزة التي تحصل على يد النّبي ﷺ إنما تكون مقترنة بدعوى النّبوة والتحدي بها كدليل على صدق دعواه. وليس السحر كذلك فلا يمكن أن يتم على يد الساحر مع

стр. 338

دعوى أنه نبي «٢٥» . هذا إلى أن سلطان السحر محدود، فهو وإن كان له حقيقة كما قلنا، غير أن حقيقته لا تتجاوز حدودا معينة، ولا يمكن أن يتوصل به إلى قلب الحقائق وتبديل جواهر الأشياء، ولذلك عبر الله عن السحر الذي صنعه سحرة فرعون بقوله: قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [طه ٢٠/ ٦٦] ، فعبر عما رآه موسى، من صنيعهم بالخيال، أي فالحبال لم تنقلب في الحقيقة إلى ثعابين بسحرهم الذي فعلوه، وإنما الذي اتجه إليه سحرهم هو أبصار المشاهدين فقط فهي التي سحرت لا الحبال والعصيّ. وهذا ما أوضحته الآية الأخرى وهي قوله تعالى: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف ٧/ ٦٦] . وإذا تأملت في هذا الذي نقول، علمت أنه لا تنافي بين ما ذكرناه من أن السحر حقيقة ثابتة، وقوله تعالى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [طه ٢٠/ ٦٦] ، إذ إن انقلاب ٨ الحبال ثعابين تسعى، خيال. أما تأثّر العين بهذا الخيال وضعفها عن رؤية الحقيقة فذلك هو مفعول السحر وحقيقته لما أصاب العين هذا الذي أصابها، وهذا التحقيق يؤكد لك أيضا أن مناط السحر دائما هو جسم الإنسان أو حواسه وجوارحه، تظهر بسببه بعض المرئيات أو المحسوسات على غير حقيقتها. ثالثا- مظاهر من فضل أبي بكر ﵁: وفيما أسلفنا من قصة مرضه ﷺ أربع دلائل على ما لأبي بكر ﵁ من المزية والفضل عند رسول الله. الأولى: حينما بدأ رسول الله ﷺ خطابه بقوله: «عبد خيّره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده» . فقد أدرك أبو بكر ما يعنيه ﵊ ولذلك أخذه البكاء وصرخ قائلا: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، ولم ينتبه أحد غيره إلى هذا الذي استشعره ﵁ من كلام الرسول ﵊. فقد جاء في بعض طرق هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري أنه لما بكى أبو بكر لقول رسول الله ﷺ ، قلت في نفسي: «ما يبكي هذا الشيخ أن يكون رسول الله ﷺ يخبرنا عن عبد خيّر فاختار؟ قال: فكان رسول الله هو المخيّر، وكان أبو بكر أعلمنا به» . الثانية: قوله ﵊: إن أمن الناس عليّ في ماله وصحبته أبو بكر.. الحديث، وإنها لكلمات خوالد ما سجّل مثلها لغير أبي بكر ﵁. الثالثة: ما ذكرناه من رواية مسلم عن عائشة ﵂ أنه ﷺ قال لها: «ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمنّ ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» . وإن هذا الحديث ليعدّ بمثابة النص على استخلاف رسول الله ﷺ له من

стр. 339

بعده، ولئن كانت الحكمة الإلهية اقتضت أن لا يأخذ رسول الله ﷺ على أصحابه عهدا بذلك وأن لا يسجل لهم كتابا به، فكل ذلك كي لا يصبح توارث الحكم والخلافة سنّة متبعة من بعده، وفي ذلك من مفسدة القضاء على اتباع شروط الصلاح في الحاكم ما هو غير خاف على أحد. الرابعة: استخلافه ﵁ للصلاة بالناس في مكانه، ولقد رأيت مدى شدته في تعيين أبي بكر لذلك وردّه الشديد على عائشة ﵂ فيما راجعته به. ولئن كنا نقول إن هذه المزايا الثابتة في صحاح الأحاديث لأبي بكر ﵁، هي التي رجحت مبايعة المسلمين له بالخلافة بعد رسول الله ﷺ ، فهذا لا يغض من خصائص وميز الصحابة والخلفاء الآخرين خصوصا علي بن أبي طالب ﵁، فقد رأيت أنه ﷺ قال في غزوة خيبر: «لأعطينّ هذه الراية غدا لرجل يحبه الله ورسوله» ، فذهب الناس يتساءلون في تلك الليلة من سيكون صاحب الراية. فكان صاحبها هو علي بن أبي طالب ﵁. ولقد انتهى أمر الخلافة وأبرم المسلمون الحكم فيها عقب وفاته ﷺ ، دون أن يستلزم ذلك أي تفرق أو شقاق بينهم من وراء حدود المذاكرة والمناقشة التي لا بدّ منها. وظل كل من أبي بكر وعلى ﵄ مظهرا ولسانا ناطقا بفضل الآخر. ولا ريب أن من تافه القول والعمل أن نعمد بعد مرور ما يقارب أربعة عشر قرنا على ذلك التاريخ فنضيع الوقت ونستثير الشحناء والبغضاء، في سبيل القول بأن هذا كان أولى بالخلافة أم ذاك، مع أن أصحاب العلاقة أنفسهم لم يقم بينهم أي شقاق من هذا القبيل، وما مضوا للقاء ربّهم إلا وهم ينبضون بقلب واحد حبّا وتضامنا. رابعا- النهي عن اتخاذ القبور مساجد: ولقد رأيت من صيغة الحديث الدّال على ذلك شدة النهي والمبالغة في التحذير من الإقدام على هذا العمل. قال العلماء: «وإنما نهى النّبي ﷺ عن اتّخاذ قبره وقبر غيره مسجدا خوفا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية» . وتتحقق صورة النهي عنه بأن يشاد فوق القبر مسجد فيصبح ما حول القبر مصلى بذلك للناس، أو بأن يصلّى عند القبر وأن يتخذ مسجدا. والعلماء في حكمهم على الصلاة عند القبور، بين محرم ومكره، والذين قالوا بالكراهة شددوا بها عندما تكون الصلاة إلى القبر، أي بأن يكون القبر بين المصلي والقبلة، ولكنها صحيحة على كلّ، لأن الحرمة لا تستلزم البطلان. فيكون حكمها كحكم الصلاة في الأرض المغصوبة. قال الإمام النووي: «ولما احتاج الصحابة رضوان الله عليهم والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله ﷺ حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيها،

стр. 340

ومنها حجرة عائشة ﵂ مدفن رسول الله ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر ﵄، بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين على ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا، حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر» «٢٦» . خامسا- شعوره ﷺ وهو يعاني سكرة الموت: وإنا لنستطيع أن ندرك شعوره وما كان قد انصرف إليه تفكيره وهمّه في تلك الساعة مما ذكرنا. فقد رأينا أنه بينما كان الناس مصطفين لصلاة فجر يوم الإثنين إذا بالستر المضروب على حجرة عائشة ﵂ قد كشف، وبرز رسول الله ﷺ من ورائه، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسّم يضحك، حتى نكص أبو بكر على عقبه ليصل الصف وكاد الناس أن يفتنوا في صلاتهم فرحا به ﷺ ، ولكنه أشار إليهم بيده أن أتّموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر. لقد كان تفكيره إذن منصرفا تلك الساعة إلى أمته، وإلى ما سيكون عليه حالهم من بعده.. وإنك لتشعر من نظرته الباسمة إلى أصحابه وهم يقفون خاشعين بين يدي الله تعالى، بمعنى الحب العظيم يفيض به فؤاد رسول الله ﷺ لهم، بل وإنك لتجد في ابتسامته مظهرا لما كان يخفق به قلبه من حبّهم والدعاء لهم والتوجه إليهم. لقد أراد رسول الله ﷺ (بأبي هو وأمي) وهو يمرّ بآخر دقائق عمره أن يتزود من أصحابه رضوان الله عليهم بآخر نظره، وأن يطمئن إلى الحق الذي تركهم عليه والهداية التي أرشدهم إليها.. فأراه الله منهم ما طابت به نفسه وقرّت له عينه، حتى غلب ذلك المشهد آلام الموت السارية في جسده فغلبها، وإذا بالبشر والسرور والرضا يطفح كل ذلك على وجهه، حتى خيّل للصحابة أنه ﷺ قد نشط من أوجاعه، وعوفي من آلامه. ولكنهم ما عرفوا إلا أخيرا أنه إنما وقف ينظر إليهم تلك النظرة لينقلب بها إلى سكرة الموت، وهي آخر لوحة تسجل في ذهنه لمشهد أصحابه، بل وأمته كلها، كي تكون هي العهد الباقي بينهم وبين الله ، ولتكون هي الهمزة الواصلة بين لحظة الوداع لأمته في الدنيا ولحظة الاستقبال لها في الآخرة على حوضه الموعود. ولقد شاءت حكمة الله أن يكون هذا المشهد هو الصلاة! .. وشاءت إرادة الله تعالى أن تكون هي العهد الأخير.. فيا أخي المسلم: العهد العهد الذي فارقت عليه رسول الله ﷺ ، وهو راض يتبسّم.

стр. 341

خاتمة في بعض صفاته ﷺ وفضل زيارة مسجده وقبره كفّن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة، ولما أدرج في أكفانه، وضع على سريره على شفير القبر ثم دخل الناس أرسالا يصلون عليه فوجا فوجا لا يؤمهم أحد، فأولهم صلاة عليه العباس ثم بنو هاشم ثم المهاجرون ثم الأنصار، ثم سائر الناس. ودفن رسول الله ﷺ في مكانه الذي توفي فيه في حجرة عائشة. توفي ﵊ عن تسع من النساء هن: سودة، وعائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وجويرية، وصفية، وميمونة، ولم يتزوج رسول الله ﷺ بكرا غير عائشة ﵂. له ﷺ ثلاثة بنين: القاسم (وبه يكنى) ولد قبل النبوة وتوفي وهو ابن سنتين، وعبد الله وسمي الطيب والطاهر، ولد بعد النبوة، وإبراهيم ولد بالمدينة سنة ثمان ومات بها سنة عشر. وكان له أربع بنات: زينب، وفاطمة، ورقية، وأم كلثوم. وكان وفاة رقية يوم بدر في رمضان سنة اثنين من الهجرة، وتوفيت أم كلثوم في شعبان سنة تسع من الهجرة وكلتاهما كانتا عند عثمان بن عفان ﵁. كان ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، وكان أحسنهم خلقا وخلقا، وألينهم كفا وأطيبهم ريحا، وأحسنهم عشرة، وأشدهم لله خشية. لا يغضب لنفسه ولا ينتقم لها وإنما يغضب إذا انتهكت حرمات الله فلا يقوم لغضبه شيء حتى ينتصر للحق. وكان خلقه القرآن، وكان أكثر الناس تواضعا يقضي حاجة أهله ويخفض جناحه للضعفة، وكان من أشد الناس حياء، وما عاب طعاما قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه، ولا يأكل متكئا ولا على خوان، وكان يحب الحلواء والعسل ويعجبه الدبّاء (اليقطين) . وكان يأتي الشهر والشهران لا يوقد في بيت من بيوته نار. وكان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة. وكان يخصف النعل ويرقع الثوب ويعود المريض ويجيب من دعاه من غني وفقير. كان فراشه من أدم حشوه ليف، وكان متقللا من أمتعة الدنيا كلها، وقد أعطاه الله تعالى مفاتيح خزائن الأرض كلها فأبى أن يأخذها واختار الآخرة عليها. وكان كثير الذكر دائم الفكر، جلّ ضحكه التبسم، وكان يمزح ولا يقول إلا حقا.

стр. 342

وكان يتألف أصحابه ويكرم كريم كل قوم ويولّيه أمرهم. ثبت في الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: «ما مسست ديباجا ولا حريرا ألين من كفّ رسول الله ﷺ ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحته، ولقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لي قط أفّ. ولا قال لشيء فعلته لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله ألا فعلت كذا؟» . واعلم أن زيارة مسجده وقبره ﷺ ، من أعظم القربات إلى الله ، أجمع على ذلك جماهير المسلمين في كل عصر إلى يومنا هذا. لم يخالف في ذلك إلا ابن تيمية غفر الله له، فقد ذهب إلى أنّ زيارة قبره ﷺ غير مشروعة. ودليل ما أجمع عليه المسلمين من دونه عدة وجوه: الوجه الأول: مشروعية زيارة القبور عموما واستحبابها، وقد ذكرنا فيما سبق أن النبي ﷺ كان يذهب كل ليلة إلى البقيع يسلّم على أهله ويدعو ويستغفر لهم، ثبت ذلك في الصحيح. والأحاديث الثابتة في تفصيل ذلك كثيرة. ومعلوم أن قبر رسول الله ﷺ داخل في عموم القبور فيسري عليه حكمها. الوجه الثاني: ما ثبت من إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم على زيارة قبره ﷺ والسلام عليه كلما مروا على الروضة الشريفة، روى ذلك الأئمة الأعلام وجماهير العلماء بمن فيهم ابن تيمية ﵀. الوجه الثالث: ما ثبت من زيارة كثير من الصحابة قبره ﷺ ، منهم بلال ﵁ رواه ابن عساكر بإسناد جيد، وابن عمر فيما رواه مالك في الموطأ وأبو أيوب فيما رواه أحمد، دون أن يؤثر عنهم أو عن أحد منهم أي استنكار أو نقد لذلك. الوجه الرابع: ما رواه أحمد ﵁ بسند صحيح أن النبي ﷺ لما خرج يودع معاذ بن جبل إلى اليمن قال له: «يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمرّ بمسجدي هذا وقبري» ، فكلمة (لعل) تأتي في أعمّ الأحوال للرجاء، وإذا دخلت (أن) على خبرها تمخضت للعرض والرجاء. فالجملة تنطوي بصريح البيان على توصية معاذ بأن يعرج عند رجوعه إلى المدينة على مسجده ﷺ وقبره ليسلم عليه «١» . إذا تبين هذا، فاعلم أنه لا وجه لما انفرد به ابن تيمية ﵀ من دفع هذه الأوجه كلها في غير ما دافع والقول بأن زيارة قبره ﷺ عمل غير مشروع! ..

стр. 343

وجملة ما اعتمده ابن تيمية في ذلك، قول رسول الله ﷺ : «لا تشد الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» ، وقوله: «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ، وقوله: «لا تجعلوا قبري عيدا» . وليس في شيء من هذه الأحاديث الثلاثة ما يصلح أن يكون مستندا لما انفرد به. ١- فقوله ﵊: لا تشد الرحال.. إلخ استثناء مفرغ كما هو معلوم والمستثنى منه محذوف، وإنما يقدر المستثنى من جنس المستثنى منه، وإلا كان استثناء منقطعا، وهو استثناء مجازي، ولا يجوز إضمار المجاز إلّا عند الضرورة التي لا تصلح معها الحقيقة. فتقدير الحديث: لا تشد الرحال إلى المساجد إلا إلى ثلاثة منها.. إلخ فالمستثنى منه هو المساجد، والمعنى أن جميع المساجد في الفضل سواء، إلا هذه المساجد الثلاثة، فلا وجه لتفضيل بعضها على البعض في زيارة أو اعتكاف أو نحو ذلك. وعملا بهذا الحديث قال الفقهاء: إنه لو نذر الاعتكاف وسمى مسجدا معينا غير هذه المساجد الثلاثة، لم يجب عليه قصد ذلك المسجد بخصوصه ولم يسنّ، بل يغنيه أن يعتكف في أي مسجد من مساجد الدنيا. أما حديثنا فهو عن زيارة قبر رسول الله ﷺ ، وهو ليس داخلا لا في المستثنى ولا في المستثنى منه، فالحديث بمعزل عن أي إشارة إليه، وهو كما لو قلت: لا يجوز أن تشد الرحال إلى زيارة الأرحام أو إلى العلماء لنتعلم منهم، لحديث لا تشد الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد.. إلخ!! .. ثم إننا نسأل بعد هذا: أفيفهم ابن تيمية من كلمة (شدّ الرحال) معناها الحقيقي، أم المعنى المجازي الذي هو القصد والعزم على الشيء؟ فإن كان يفهم منها المعنى الحقيقي، فينبغي ألا تحرم زيارة غير هذه المساجد الثلاثة من المساجد الأخرى إلّا إذا شدّ لذلك رحلا ثم مضى إليه بواسطة الرحل، قربت المسافة أو بعدت، فإن سعى إليه بوسيلة أخرى غير شدّ الرحال لم يعد ذلك حراما، وهل يقول عاقل بذلك؟ وإن كان يفهم من الكلمة معناها المجازي- وإنما المعنى المجازي لها هو الاتجاه إلى الشيء لا يقصد غيره- فإن عمل رسول الله ﷺ يعارضه ويرده. فقد كان صلوات الله عليه يزور مسجد قباء في كل أسبوع، وفي رواية كل يوم سبت، وقد كان مسجد قباء خارج المدينة. والخلاصة، أن المستثنى منه في الحديث هو المساجد، وزيارة الأرحام والقبور والأشخاص والمعالم غير داخلة في المستثنى منه، فلا شأن للحديث بها. ومعنى الحديث: إن أولى المساجد بالاهتمام للتوجه إليها من مسافات بعيدة هذه المساجد الثلاثة. ٢- وقوله ﷺ : «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» لا شأن له بموضوع الزيارة

стр. 344

إطلاقا. إذ هو نهي عن اتخاذ قبور الأنبياء وما حولها مصلى على نحو ما مرّ بيانه قريبا، تعلم هذا من قوله (مساجد) إذ المساجد أماكن الصلاة. ولو استقام أن يكون مجرد زيارة القبر اتخاذا له مسجدا، لكان من مقتضى ذلك أن يكون النبي ﷺ قد جعل من البقيع كله مسجدا له، إذ كان يزوره دائما. ٣- أما قوله ﷺ : «لا تجعلوا قبري عيدا» ، فإنما معناه لا تتخذوا لزيارة قبري وقتا معينا لا يزار إلا فيه كما هو شأن العيد، كما فسره بذلك الحافظ المنذري وغيره من علماء الحديث، ولا مانع أن يضاف إليه أيضا النهي عن إظهار الصخب واللهو ومظاهر الزينة عنده على نحو ما يكون في الأعياد. أما أن تدل الكلمة على النهي عن زيارة قبره، فإنها عن ذلك بمعزل وما كان النبي ﷺ لينهى الناس عن اتخاذ قبره عيدا بهذا المعنى المزعوم ثم يعمد هو فيتخذ من البقيع في كل يوم عيدا! .. ثم اعلم أن لزيارة قبره آدابا لابدّ من اتباعها، فإذا أكرمك الله تعالى بالتوجه إلى زيارته، فاعقد العزم أولا على زيارة مسجده ثم انو مع ذلك زيارة قبره الشريف. ثم اغتسل قبيل دخولك المدينة، والبس أنظف ثيابك، واستحضر في قلبك شرف المدينة وأنك في البقعة التي شرّفها الله بخير الخلائق. فإذا دخلت المسجد فاقصد الروضة الكريمة، وصلّ ركعتي تحية المسجد ما بين القبر والمنبر. فإذا دنوت إلى القبر الشريف بعد ذلك، فإياك أن تهجم عليه أو تلتصق بالشبابيك أو تتمسح بها كما يفعل كثير من الجهال، فتلك بدعة توشك أن تكون محرمة. بل قف بعيدا عن القبر نحو أربعة أذرع ناظرا إلى أسفل ما يستقبلك من جدار القبر، وأنت غاضّ الطرف تستشعر الهيبة والإجلال، ثم سلّم على رسول الله ﷺ بصوت خفيض قائلا: «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أشهد أنك قد بلغت رسالة ربك ونصحت لأمتك ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وعبدت الله حتى أتاك اليقين فصلى الله عليك وعلى آلك وأصحابك كثيرا كما يحبّ ربنا ويرضى» . ثم استقبل القبلة وانحرف إلى اليمين قليلا حتى تكون بين القبر والأسطوانة التي عند أول القبر وارفع كفيك بدعاء خاشع إلى الله ﷻ ، ولا تتوهم أن في هذا سوء أدب مع رسول الله ﷺ ، وأن الدعاء ينبغي أن يكون مع استقبال القبر، فإن الدعاء خطاب لله والخطاب لله لا يجوز أن يشرك فيه غيره. وخير اتجاه إلى الله لدعائه هو اتجاه القبلة، ولا تلتفت إلى كثرة من قد تراهم يخالفون هذا من الجهال والمبتدعين. وابدأ دعاءك قائلا: اللهم إنك قلت وقولك الحق: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [النساء ٤/ ٦٤] ، وقد أتيتك مستغفرا من ذنوبي مستشفعا برسولك إليك،

стр. 345

فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته. ثم أكثر من الدعاء لما تشاء من أمر دينك ودنياك ولإخوانك وعامة المسلمين. ولا تنس يا أخي أن تخصّني أنا أيضا بشيء من دعائك، قل: «اللهم إذا جمعت الأولين والآخرين لليوم الذي لا ريب فيه فأسبل جميل سترك على عبدك المذنب محمد سعيد بن ملا رمضان وأدخله بمحض منّك وفضلك في عبادك المغفورين، وامنحه شربة هنيئة من حوض نبيك محمد ﷺ يوم يقف عليه مشرق الوجه باسم المحيا يستقبل أصحابه الذين عرفهم وإخوانه الذين لم يرهم واشتاق إليهم، ولا تجعله من المطرودين أو المحرومين» . عهد يسألك الله عنه يا أخي المسلم أيا كنت، أن تدعو لأخيك عند ختمك لهذا الكتاب. فما أحوجني إلى دعاء خالص من أخ لي في ظهر الغيب. وأحمد الله تعالى وأشكره على توفيقه لتتميم هذا الكتاب، وأتضرع إليه أن يرزقني حسن التمسك بسنة حبيبه المصطفى ﷺ ، وأسأله سبحانه أن يتجاوز بالصفح عما قد أكون تلبست به في هذا الكتاب من زلات وأخطاء وأن يجعل شفيعي في ذلك سلامة القصد وبذل الجهد، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأميّ وعلى آله وصحبه أجمعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

стр. 346

خلاصة عن تاريخ الخلافة الراشدة خلافة أبي بكر الصديق اجتمع المسلمون في سقيفة بني ساعدة، بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وتشاوروا فيمن ينبغي أن يخلف رسول الله ﷺ في قيادة المسلمين ورعاية أمورهم، وبعد المذاكرة والمداولة واستعراض طائفة من الاقتراحات، اجتمعت كلمتهم جميعا على أن يكون أول خليفة لرسول الله ﷺ من بعده، خليفته في الصلاة بالمسلمين أيام مرضه، وصدّيقه الأكبر، ومؤنسه في الغار، أبو بكر ﵁. ولم يكن لعليّ ﵁ رأي مخالف لهذا الإجماع، وتأخّر مبايعته له كان لأمر يتعلق بالخلاف الذي وقع بين أبي بكر وفاطمة ﵄، من أجل مسألة ميراثها من رسول الله ﷺ «١» . أهم ما قام به في مدة خلافته: أولا- تجهيزه وتسييره لجيش أسامة. ما إن استقر الأمر لأبي بكر ﵁، حتى بدأ فسيّر جيش أسامة الذي كان قد أقام بمكان قرب المدينة يقال له (ذو خشب) لما بلغ أسامة مرض رسول الله ﷺ . ولم يبال ﵁ بالآراء التي كانت تفضل تجميد هذا الجيش نظرا لانتشار الرّدة في بعض الصفوف، ولا بالآراء التي ارتأت أن يستبدل بأسامة غيره.. وخرج الصدّيق ﵁ يودّع الجيش، وعلى رأسه أسامة، ماشيا. ولما أراد أسامة أن ينزل ليركب أبو بكر، قال له: والله لا نزلت ولا ركبت.. وأوصاهم أن لا يخونوا ولا يغدروا ولا يغلّوا ولا يمثّلوا ولا يقتلوا طفلا أو امرأة أو شيخا، وأن لا يحرقوا نخلا ولا يقطعوا شجرة، ولا يذبحوا شاة ولا بعيرا إلّا للأكل. وقال لهم: إذا مررتم بقوم تفرغوا للعبادة في الصوامع فدعوهم وما تفرغوا له. ثم قال الصدّيق ﵁ لأسامة: إن رأيت أن تأذن لعمر بالمقام عندي حتى أستعين برأيه على أمور المسلمين. فقال له أسامة: الأمر بيدك. ثم سار أسامة، فكان لا يمرّ بقبيلة انتشر فيها الارتداد إلّا أرجعها، لقد كانت الرهبة تشيع في أفئدتهم، موقنين أن المسلمين لو لم يكونوا من القوّة بمكان لما خرجوا في هذا الوقت بمثل هذا الجيش

стр. 347

إلى الروم. ولما وصل أسامة بجيشه إلى بلاد الروم حيث قتل أبوه، قاتلوهم، ونصرهم الله عليهم، ثم عادوا ظافرين «٢» . ثانيا- جهّز الجيوش لقتال أهل الرّدة ومانعي الزكاة، وعقد أحد عشر لواء، وأمر صاحب كل لواء بالتوجه إلى جهة، وتوجه هو على رأس لواء إلى (ذي القصة) . ولكن عليا ﵁ أصرّ عليه وناشده أن يرجع، وقال له- وقد أمسك بزمام راحلته-: يا خليفة رسول الله أقول لك ما قال رسول الله يوم أحد: لمّ سيفك وأمتعنا بنفسك. فو الله لئن نكب المسلمون بك لن تقوم لهم قائمة من بعدك. فعاد أبو بكر وكلّف باللواء غيره «٣» . وقد أيّد الله المسلمين وانقطع دابر الارتداد، واستقر الإسلام في أنحاء الجزيرة، وخضعت القبائل لدفع الزكاة. ثالثا- جهّز الصدّيق ﵁ خالدا إلى العراق، وبعث معه المثنى بن حارثة الشيباني، ففتحوا بلادا كثيرة، وعادوا منتصرين غانمين. رابعا- حدثته نفسه بغزو بلاد الروم، فجمع الصحابة وشاورهم في ذلك، فاستصوبوا رأيه فالتفت إلى عليّ وقال له: ما ترى يا أبا الحسن؟ فقال أرى أنك مبارك الأمر مفوق منصور إن شاء الله، فسرّ لذلك أبو بكر وشرح الله صدره للأمر. فجمع الناس وقام خطيبا فيهم يحثّهم على الجهاد، وكتب كتبا إلى الولاة وأمرهم بالحضور، فاجتمع جمع كبير وأقبلت القبائل أفواجا، فعقد أبو بكر الألوية وأمّر الأمراء وبعثهم إلى الشام متتابعين، وجعل أبا عبيدة أميرا على الجيوش، وكلما اتجه أمير يودعه ويوصيه بتقوى الله وحسن الصحبة والمواظبة على الصلوات بالجماعة في أوقاتها، وأن يصلح كل منهم نفسه حتى يصلح الله له الناس، وأن يكرموا رسل العدوّ إذا قدموا عليهم، وأن يعملوا على تقليل لبثهم عندهم حتى يخرجوا من عسكرهم وهم جاهلون بأمر المسلمين.. وتوجه المسلمون إلى بلاد الروم.. واجتمعوا في اليرموك، وأرسلوا إلى أبي بكر يخبرونه بكثافة جموع الروم، فكتب ﵁ إلى خالد بن الوليد بالعراق يأمره بالتوجه إلى الشام، وأن يأخذ نصف الجيش المرابط في العراق ليكون ردءا لجيش أبي عبيدة، وأن يستخلف على النصف الباقي المثنى بن حارثة، وأمره أن يتولّى جيوش الشام بمجرد أن يصل إليها. فسار خالد حتى وصل إلى المسلمين في الشام، وكتب كتابا لأبي عبيدة يقول له فيه: أما بعد، فإني أسأل الله لي ولك الأمن يوم الخوف، والعصمة في دار الدنيا من كل سوء. فقد أتاني كتاب خليفة رسول الله يأمرني فيه بالمسير إلى الشام وبالقيام على جندها والتولي لأمرها. وو الله

стр. 348

ما طلبت ذلك ولا أردته، فأنت على حالك التي كنت عليها، فلا نعصيك ولا نخالفك ولا نقطع دونك أمرا.. فلما قرأ أبو عبيدة كتاب خالد، قال: بارك الله بخليفة رسول الله فيما رأى وحيّا الله خالدا على ما صنع. وكان الصدّيق قد كتب لأبي عبيدة كتابا يقول فيه: أما بعد، فإني قد ولّيت خالدا على قتال العدو بالشام فلا تخالفه واسمع وأطع له. فإني يا أخي لم أبعثه عليك لأجل أنه عندي خير منك، ولكنني ظننت أن له فطنة في الحرب في هذا المكان الحرج، أراد الله بنا وبك الخير والسلام. ثم التقى المسلمون والروم، والتحم القتال بينهم، في سلسلة من المعارك، دامت مدة من الزمن. وكان نهايتها النصر للمسلمين، وقتل من الروم عدد كبير يصعب إحصاؤهم، كما أسر منهم عدد كبير أيضا. وفي هذه الأثناء وصل إلى خالد بن الوليد خبر يفيد أن أبا بكر قد توفي، وقد بويع بعده بالخلافة لعمر. كما تضمّن الكتاب أمرا بعزل خالد وتولية أبي عبيدة على الجيش. فأسرّ خالد الخبر في نفسه كي لا يقع اضطراب في صفوف المسلمين. ولما بلغ الخبر أبا عبيدة أسرّه هو الآخر ولم يعلم به أحدا للسبب ذاته «٤» . وفاة أبي بكر ﵁: كانت وفاته في السنة الثالث عشرة من الهجرة ليلة الثلاثاء لسبع بقين من جمادى الآخرة عن ثلاث وستين من عمره. وكانت مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام. ودفن في بيت عائشة بجانب قبر النّبي ﷺ . عهده بالخلافة إلى عمر: شاور أبو بكر ﵁ قبيل وفاته طائفة من المتقدمين ذوي النظر والمشورة من أصحاب رسول الله ﷺ ، فاتفقت كلمتهم على أن يعهد بالخلافة من بعده إلى عمر بن الخطاب. فكان أبو بكر بذلك أول من عهد بالخلافة من بعده إلى رجل معين، ونصّب خليفة بمقتضى ذلك. ولعلّ الخير أن نقول كلمة في تفصيل ذلك: ذكر الطبري وابن الجوزي وابن كثير أن أبا بكر ﵁ خشي على المسلمين أن يختلفوا من بعده ثم لا يجتمعوا على رأي، فدعاهم- لما ثقل عليه المرض- إلى أن يبحثوا لأنفسهم عن خليفة من بعده، ورغب أن يكون ذلك في حياته وبمعرفته. إلا أن المسلمين لم يتفقوا فيما بينهم على من يخلف أبا بكر في تلك الفترة القصيرة. فوضعوا

стр. 349

الأمر بين يديه، وقالوا له: رأينا إنما هو رأيك. وعندئذ أخذ يستشير أعيان الصحابة، كلّا منهم على انفراد، ولما رأى اتفاقهم على جدارة عمر وفضله، طلع على الناس وأخبرهم أنه لم يأل جهدا في اختيار من هو أصلح لهم من بعده، وأنه قد استخلف عليهم عمر، فقالوا جميعا: سمعنا وأطعنا «٥» . على أيّ أساس أصبح عمر خليفة ؟ قد يظن البعض أن هذه الطريقة في تنصيب الخليفة تشبه أن تكون باختيار شخص واحد بعيدا عن الشورى التي ينبغي أن تعتمد على أهل الحل والعقد من عامة المسلمين. غير أنّا إذا أمعنا النظر رأيناها في مضمونها قائمة على مشورة أهل الحلّ والعقد. إذ إن أبا بكر لم يستخلف عليهم إلا بعد أن استشار أعيان الصحابة فارتأوا جميعا عمر وزكّوه له. ومع ذلك فإن استخلافه له لم يصبح في حكم المنعقد والمستقر، إلّا بعد أن خطب في الصحابة وسألهم أن يسمعوا ويطيعوا لعمر، فقالوا جميعا سمعنا وأطعنا، وبعد أن أجمع المسلمون بعد وفاته على صحة ما فعله أبو بكر وشرعية استخلافه. فكان ذلك دليلا من الإجماع على انعقاد الإمامة عن طريق العهد والاستخلاف بشروطه الشرعية المعتبرة «٦» . كتاب العهد إلى عمر: بعد أن رأى أبو بكر موافقة الناس جميعا على استخلافه عمر عليهم، دعا عثمان بن عفان وأملى عليه الكتاب التالي: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عهد به أبو بكر خليفة رسول الله عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، في الحال التي يؤمن فيها الكافر ويوقن فيها الفاجر؛ إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فإن صبر وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه، وإن جار وبدّل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت، ولكل امرئ ما اكتسب، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون» . ثم ختمه، وخرج به عثمان فقرأه على الناس، وبايعوا عمر بن الخطاب. وكان ذلك في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة. العبر والعظات: يدلّنا ما ذكرناه من الأحداث التي وقعت في خلافة أبي بكر ﵁ على أمور ومبادئ كثيرة نجملها فيما يلي: أولا- إنما تّمت خلافة أبي بكر ﵁ عن طريق الشورى، وقد اشترك في الأخذ بها سائر أهل الحلّ والعقد من الصحابة بمن فيهم سيّدنا علي ﵁. وقد دلّ ذلك على أن شيئا

стр. 350

من النصوص في القرآن أو السّنة لم يقض بحقّ الخلافة بعد رسول الله لأحد. إذ لو كان في النصوص ما قضى بذلك، لما كان للشورى إلى ذلك من سبيل، ولما جاز للصحابة أن يتجاوزوا ما قضى به النص إلى ما اقتنعوا به واتفقوا عليه عن طريق الشورى. ثانيا- إن الخلاف الذي دار في سقيفة بني ساعدة، بين كبار الصحابة، بصدد التشاور في اختيار خليفة لهم، أمر طبيعي يقتضيه طرح القضية على بساط البحث والمشورة. وهو دليل بيّن قاطع على حماية الشارع للآراء والاقتراحات المختلفة، من أي مصادرة أو تقييد، في كل ما لم يرد به نصّ ثابت صريح. وإنما سبيل الوصول إلى الحق في كل ما سكت الشارع عنه، هو طرح أكثر من رأي، ومناقشتها جميعا بموضوعية وحرية وصدق. ولقد كانت المصيبة كبيرة، والمشكلة عويصة، لو أن الصحابة ﵃، لم يجدوا أنفسهم إلا أمام خيار واحد، طرحوه للتصويت ثم انفضوا عن اتفاق عليه. إذن لكانت هذه الشورى عندئذ شورى مزيفة، ولكان الاتفاق مدفوعا إليه بجبر خارجي. والعجب ممن ينشدون الشورى في الإسلام، ويتهمونه بالاستبداد، حتى إذا رأوا مظاهر الشورى ماثلة أمام أعينهم، سموها، جهلا منهم أو تجاهلا: صراعا وشقاقا. إذن فما هي الشورى التي في أذهانهم، وما هي صورتها، وكيف ينبغي أن تكون؟ ثالثا- نصيحة عليّ لأبي بكر، ﵄، أن لا يتوجه بنفسه لقتال المرتدين، خوفا على المسلمين إن أصابه سوء، تدلّ دلالة واضحة على شدة محبة علي لأبي بكر، وعلى قناعته التامة بخلافته لرسول الله وجدارته بتولي أمر المسلمين، كما تدلّ على المستوى الباسق من التعاون والإخلاص الساريين فيما بينهما. ومهما قيل عن تأخّر مبايعة علي لأبي بكر ﵄، ومهما ورد من خلاف في مدة تأخّر هذه المبايعة، فإن شيئا من ذلك لا يتعارض مع هذه الحقيقة الثابتة ولا يعكرها. ومن المعروف أن تأخّر مبايعة علي، إنما كانت مسايرة، أو مجاملة، لمشاعر فاطمة ﵂، التي كانت مقتنعة، من خلال اجتهادها، بأنها ترث من أبيها رسول الله، كما ترث كل أنثى من أبيها. ولم يكن هذا التأخّر بسبب حفيظة في نفس عليّ على أبي بكر. وأنى لصاحب هذه الحفيظة أن يقف هذا الموقف المليء بمعاني الغيرة والتعاون والحب؟! .. رابعا- لا يتأمل مسلم في الموقف الذي وقفه أبو بكر، من القبائل المرتدة، والعزيمة الماضية التي تمتع بها في مقاومة هذه القبائل، والتي أبرزته في وضع متميز تقاصر عنه في بادئ الأمر جلّ الصحابة، بل جميعهم إلّا ويستيقن حكمة الله التي وضعت الرجل المناسب في الوقت المناسب وأمام المهمة المناسبة. إن أيّا منّا لا يكاد يتصور أن في الصحابة كلهم من كان أجدر من أبي بكر بالوقوف في وجه تلك العاصفة، وردّها من حيث جاءت.

стр. 351

وحتى عمر الذي عرف بين الصحابة بشدته ومضاء عزمه، تقاصر عزمه وتراجعت شدته، أمام هذه العاصفة عن القوة التي تمتع بها أبو بكر. فمنذا الذي يرى هذه الحكمة الإلهية الباهرة، ثم يعتب على التاريخ وأهله، خضوعهما لسلطان هذه الحكمة الإلهية العادلة؟! .. خامسا- قد يظن بعض الناس أن مجرد العهد والاستخلاف، يعدّ طريقة من طرق ثبوت الإمامة والحكم، مستدلّا بما عمل أبو بكر ﵁ من العهد بالخلافة إلى عمر. ولكن الأمر ليس كذلك، بل إن ثبوت الإمامة لا يتم إلا بعرض الأمر على المسلمين، ثم إعلانهم الرضا عن إمامة هذا الذي قد عهد إليه بها. فاستقرار الإمامة إنما يتم بهذا الرضا، أي فلو أن أبا بكر عهد بالخلافة إلى عمر، ولم يرض الناس به، فلا قيمة لذلك العهد. ومن هنا نعلم، كما ذكرنا من قبل، أن خلافة عمر إنما قامت على مشورة ضمنية، اندرجت في إجماع الصحابة على الرضا عمن اختاره لهم أبو بكر.

стр. 352

خلافة عمر بن الخطاب هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، لقّبه رسول الله ﷺ بالفاروق، لأنه فرق بين الحق والباطل، بويع له بالخلافة في اليوم الذي توفي فيه الصدّيق. فقام بمثل سيرته وجهاده وصبره، وأعز الله به الإسلام. وكان أول عمل قام به عزله لخالد عن الإمارة وتولية أبي عبيدة مكانه. وشهد فتح بيت المقدس، وأقام بها عشرة أيام، ثم رجع إلى المدينة وأخذ معه خالدا، ولما عاتبه خالد على معاملته له، قال له: والله يا خالد إنك عليّ لكريم وإنك إليّ لحبيب «١» ، وكتب إلى البلاد والأمصار يقول لهم: إني لم أعزل خالدا عن سخطة ولا خيانة، ولكن عزلته شفقة على النفوس من سرعة هجماته وشدة صدماته ٢، وكان خالد ابن خالة عمر ﵄، وتوفي في خلافة عمر بحمص. وقد تمّ فتح دمشق ما بين صلح وعنوة، وفتح حمص وبعلبك صلحا، والبصرة والأبلّة كلاهما عنوة، وكان ذلك كله في سنة أربع عشرة. وفي هذه السنة جمع عمر الناس على صلاة التراويح عشرين ركعة. وفي سنة خمس عشرة فتحت الأردن كلها عنوة إلا طبرية فإنها فتحت صلحا. وفيها كانت وقعة اليرموك والقادسية. قال ابن جرير في تاريخه: وفيها مصّر سعد الكوفة، وفيها فرض عمر الفروض ودوّن الدواوين وأعطى العطاء بمقتضى السابقة في الإسلام «٣» . وفي سنة ست عشرة فتحت الأهواز والمدائن، وأقام بها سعد الجمعة في إيوان كسرى، وهي أول جمعة جمعت بالعراق. وقد استشار عمر الصحابة وفيهم عليّ ﵁ في أن يخرج بنفسه لقتال الفرس والروم، فكان فيما أشار عليه عليّ ﵁ قوله: «إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، وهو دين الله الذي أظهره وجنده الذي أعدّه وأمدّه حتى بلغ ما بلغ وطلع حيث طلع.. ومكان القيّم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه. فإن انقطع النظام تفرق الخرز وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا.. فكن قطبا واستدر الرحا بالعرب، وأصلهم دونك نار الحرب،

стр. 353

فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك» «٤» . وفيها كانت وقعة جلولاء، وهزم فيها يزدجرد بن كسرى وتقهقر إلى الريّ، وفيها فتحت تكريت، وفيها سار عمر ففتح بيت المقدس وخطب بالجابية خطبته المشهورة، وفيها فتحت قنسرين عنوة، وحلب وأنطاكية ومنبج صلحا، وفي ربيع الأول من هذا العام، كتب التاريخ الهجري بمشورة عليّ ﵁. أما في سنة سبع عشرة، فقد زاد في المسجد النبوي، وفيها كان عام الرمادة، واستسقى عمر للناس، متوسلا بالعباس، فارتفع القحط. وقد روى ابن سعد أن عمر لما خرج يستسقي، خرج وعليه برد رسول الله ﷺ . وفي هذه السنة أيضا فتحت الأهواز صلحا «٥» . طاعون عمواس: وفي سنة ثماني عشرة وقع بالشام طاعون أتى على كثير من جند المسلمين، وبلغ عمر خبره وهو متجه إلى الشام للمرة الثانية، فاستشار الصحابة فاختلفوا في بادئ الأمر، ثم أقبل عبد الرحمن بن عوف فأخبرهم أن النّبي ﷺ قال: «إذا سمعتم بالوباء ببلد فلا تقدموا عليه وإذا وقع ببلد وأنتم فيه فلا تخرجوا فرارا منه» ، فعاد عمر بالناس إلى المدينة. وفي سنة تسع عشرة فتحت قيسارية عنوة. وفي سنة عشرين فتحت مصر عنوة، وقيل بل فتحت كلها صلحا إلا الإسكندرية فعنوة. وفيها فتحت المغرب عنوة، وفيها هلك قيصر عظيم الروم، وفيها أجلى عمر اليهود عن خيبر وعن نجران. وفي سنة إحدى وعشرين فتحت الإسكندرية عنوة ونهاوند، ولم يكن للأعاجم بعدها جماعة. وفي سنة اثنتين وعشرين فتحت أذربيجان عنوة وقيل صلحا والدينور عنوة، وهمدان عنوة، وطرابلس الغرب والرّي، وفي سنة ثلاث وعشرين فتحت بقية بلاد الفرس: كرمان وسجستان، وأصبهان ونواحيها. وفي أواخرها حجّ عمر ﵁، قال سعيد بن المسيب: لما نفر عمر من منى أناخ بالأبطح، ثم استلقى، ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط. فما انسلخ شهر ذي الحجة من ذلك العام حتى قتل «٦» . وقد أخرج البخاري عن أسلم أن عمر دعا قائلا: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك.

стр. 354

مقتل عمر ﵁: وقد كان مقتل عمر على يد غلام مجوسي اسمه عبد المغيرة يكنى أبا لؤلؤة. وقد ذكر في سبب قتله له أنه جاء إلى عمر يشكو من شدة الخراج وكثرته، فقال له: ما خراجك بكثير. فانصرف ساخطا يقول: يسع الناس كلّهم عدله غيري!! .. وأضمر قتله. واتّخذ خنجرا وشحذه وسمّه، وقد كان صاحب صناعات ومهارات شتى، فكمن له في إحدى زوايا المسجد، ولما خرج عمر كعادته إلى صلاة الفجر، هجم عليه فطعنه ثلاث طعنات سقط منها ﵁، ثم جعل يطعن كل من دنا إليه، فألقى عليه أحدهم ثوبا، ولما رأى أن قد تقيّد وتعثر فيه قتل نفسه بخنجره «٧» . وهذا ما ذكره الرّواة في خبر مقتله، ولعل وراء ذلك مؤامرة ذات أطراف واسعة، تلاقت على حوكها أصابع يهودية ونجوسية وزنادقة من فئات شتى. ويبعد أن تكون هذه الجريمة نتيجة تصرف أو ضيق شخصي بسبب كثرة الخراج، والله أعلم. ولما أخبر عمر ﵁ بأن قاتله هو أبو لؤلؤة قال: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام. ثم قال لابنه: يا عبد الله انظر ما عليّ من الدّين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألف درهم. فقال: إن وفى مال آل عمر فأدّه من أموالهم، وإلّا فاسأل في بني عديّ، فإن لم تف أموالهم فاسأل في قريش. ثم قال له: اذهب إلى أمّ المؤمنين عائشة، فقل: يستأذن عمر أن يدفن مع صاحبيه، فذهب إليها، فقالت: كنت أريده- تعني المكان- لنفسي، ولأوثرنّه اليوم على نفسي. فلما رجع وأخبر بذلك عمر حمد الله . استخلاف عمر لواحد من أهل الشورى: قال بعض الصحابة لعمر استخلف من تراه صالحا من بعدك. فجعل الأمر من بعده شورى بين ستة أشخاص، وهم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف ﵃. وتحرّج أن يجعلها لواحد من هؤلاء على التّعيين، وقال: لا أتحمل أمرهم حيّا وميتا، وإن يرد الله بكم خيرا يجمع أمركم على خير هؤلاء كما جمعكم على خيركم بعد نبيّكم ﷺ . وهكذا، فإن عمر أول من شكّل هذه الفئة من الصحابة، وسميت بأهل الشورى. وعهد بأمر الخلافة من بعده إليها، فكانوا بذلك بمثابة أعلى هيئة سياسية في الحكم. وقد أوصى عمر ﵁ أن يحضر مجلسهم عبد الله بن عمر مستشارا وناصحا فقط، لا مرشّحا أو منتخبا، كما أوصى أن يصلي بالناس صهيب الرومي ثلاثة أيام، ريثما ينقضي التشاور في الأمر ويجتمع المسلمون على خليفة لهم.

стр. 355

كيف تمّ اختيار عثمان: اجتمع أهل الشورى الذين عيّنهم عمر في بيت من البيوت يتشاورون في هذا الأمر، ووقف طلحة بوابا يمنع دخول الناس عليهم، وانتهوا إلى أن فوّض ثلاثة منهم الأمر إلى الثلاثة الآخرين، ففوّض الزبير الأمر إلى عليّ، وفوّض سعد إلى عبد الرحمن بن عوف، وترك طلحة حقه إلى عثمان. فقال عبد الرحمن لعليّ وعثمان: أيكما يبرأ من هذا الأمر فنفوّض الأمر إليه؟ فسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: إني أترك حقي من ذلك، والله عليّ والإسلام أن أجتهد فأوليّ أولا كما بالحق، فقالا: نعم، ثم خاطب كلّا منهما بما فيه من الفضل، وأخذ عليه العهد والميثاق لئن ولّاه ليعدلنّ، ولئن ولّي عليه ليسمعن ويطيعن، فقال كل منهما نعم، ثم تفرقوا. ثم نهض عبد الرحمن بن عوف يستشير الناس فيهما، فاستشار رؤوس الناس وقادتهم جميعا وأشتاتا، مثنى وفرادى ومجتمعين، سرّا وجهرا، وانتهى إلى النساء المخدّرات في حجبهن، ثم سأل الولدان في المكاتب، وسأل من يرد من الركبان والأعراب إلى المدينة، طوال ثلاثة أيام بلياليها. فلم يجد اثنين يختلفان في تقديم عثمان بن عفان، إلا ما ذكر من أن عمار بن ياسر والمقداد أشارا بعليّ ﵁، ثم انضمّا إلى رأي عامة الناس. ثم اجتمع عبد الرحمن في اليوم الرابع بعليّ وعثمان في دار ابن أخته المسور بن مخرمة. فقال: إني سألت الناس عنكما فلم أجد أحدا يعدل بكما أحدا. ثم خرج بهم إلى المسجد وبعث إلى وجوه الناس من الأمصار والمهاجرين، فامتلأ المسجد حتى غصّ بالناس. ثم صعد عبد الرحمن بن عوف منبر رسول الله ﷺ ، فتكلم ودعا دعاء طويلا، ثم قال: أيها الناس إني سألتكم سرّا وجهرا بأمانيكم، فلم أجدكم تعدلون بأحد من هذين الرجلين، إما علي وإما عثمان. فقم إليّ يا عليّ، فقام إليه فأخذ عبد الرحمن بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيّه وفعل أبي بكر وعمر؟ فقال: اللهم لا، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي. فأرسل يده وقال: قم إليّ يا عثمان. فأخذ بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنّة رسوله وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم نعم. قال فرفع عبد الرحمن رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان قائلا: اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم إني قد خلعت ما في رقبتي من ذلك وجعلته في رقبة عثمان. فازدحم الناس يبايعون عثمان تحت المنبر، وبايعه عليّ ﵁ أول الناس وقيل آخرهم «٨» . العبر والعظات: أولا- علمنا أن من أول الأعمال التي قام بها عمر ﵁ عزله لخالد بن الوليد. ولقد
следующие страницы →