النتيجة القطعية لهذا الإيحاء أن يضيق أكثر الناس ذرعا بهذا الميراث القديم الذي يراد فرضه على المجتمع في عصر كل ما فيه متطور ومتقدم وجديد.
والواقع أن إطلاق هذا الشعار على الأحكام الإسلامية، ليس في مصدره خطيئة عفوية، وإنما هو حلقة في سلسلة حرب الإسلام بالشعارات الباطلة والمدسوسة.
فالغرض الأول من ترويج كلمة (التقاليد الإسلامية) ، هو أن يؤتى بمعظم نظم الإسلام وأحكامه، ويسدل فوقها شعار (التقاليد) حتى إذا مرّ على ذلك زمن، وارتبط معنى التقاليد بنظم الإسلام وأحكامه في أذهان الناس، ونسوا أن هذه النظم إنما هي في حقيقتها مبادئ قائمة على أساس ما يقتضيه العقل والبحث السليم، أصبح من السهل على أعداء الإسلام أن يحاربوه من النقطة التي تنفذ إليها حرابهم وسهامهم.
إن جميع ما أتى به الإسلام من نظم وتشريعات، إنما هو مبادئ والمبدأ هو ما يقوم على أساس من التفكير والعقل، ويستهدف الوصول إلى مقصد معين. وإذا كانت المبادئ البشرية قد تخطئ الصواب أحيانا لشذوذ في أفكار أصحابها، فإن مبادئ الإسلام لا تخطئ الصواب أبدا لأن الذي شرعها هو خالق العقول والأفكار. وفي هذا وحده دليل عقلي كاف للاقتناع بهذه المبادئ واليقين بوجاهتها وصوابها.
إذ لا ريب أن المسلمين إذا استفاقوا ليجدوا معظم مبادئ الإسلام وأحكامه، كشؤون الزواج والطلاق، وحجاب المرأة وصيانتها، وعامة قضايا السلوك والأخلاق، قد أسبل من فوقه رداء (التقاليد) ، فإن من الطبيعي أن يجدوا بعد ذلك من يدعو إلى نبذ التقاليد والخروج عن أسرها وكسر قيودها، خصوصا في هذا العصر الذي أصبحت السيادة فيه لحرية الرأي والتفكير.
ولكن الحقيقة أن الإسلام لا تقاليد فيه.
إنه الدين الذي جاء لتخليص العقل من براثن التقاليد، كما رأينا في أولى خطوات الدعوة التي قام بها رسول الله ﷺ .
أما التقاليد، فإنما هي تلك التيارات السلوكية التي ينجرف فيها الناس تلقائيا بمجرد باعث المحاكاة والتقليد لدى الإنسان.
المبادئ، هي الخط الذي يجب أن ينضبط به تطور الزمن، لا العكس.
والتقاليد، هي مجموعة الطفيليات التي تنبت تلقائيا وسط الحقول الفكرية للمجتمع. فهي الحشائش الضارة التي لا بد من اجتثاثها وتنقية سبيل التفكير السليم عنها.
стр. 72
الإيذاء
ثم إن قريشا اشتدت في معاداتها لرسول الله ﷺ وأصحابه. أما رسول الله ﷺ ، فقد لاقى من إيذائهم أنواعا كثيرة. من ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: «بينا النبي ﷺ يصلي في حجر إسماعيل إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه، ودفعه عن النبي ﷺ وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟» «٦» . ومنه ما روى عبد الله بن عمر قال: «بينا النبي ﷺ ساجد وحوله ناس من قريش، جاء عقبة بن أبي معيط بسلا جزور فقذفه على ظهر النبي ﷺ ، فلم يرفع رأسه، فجاءت فاطمة ﵂ فأخذته من ظهره ودعت على من صنع ذلك» ٧، ومنه ما كانوا يواجهونه به من فنون الهزء والغمز واللمز كلما مشى بينهم أو مرّ بهم في طرقاتهم أو نواديهم.
ومنه ما رواه الطبري وابن إسحاق أن بعضهم عمد إلى قبضة من التراب فنثرها على رأسه وهو يسير في بعض سكك مكة، وعاد إلى بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته تغسل عنه التراب وهي تبكي ورسول الله يقول لها: «يا بنية لا تبكي، فإن الله مانع أباك» «٨» .
وأما أصحابه رضوان الله عليهم، فقد تجرع كل منهم ألوانا من العذاب، حتى مات منهم من مات تحت العذاب وعمي من عمي، ولم يثنهم ذلك عن دين الله شيئا. ويطول البحث لو ذهبنا نسرد نماذج عن العذاب الذي لاقاه كل منهم. ولكنا ننقل هنا ما رواه الإمام البخاري عن خبّاب بن الأرتّ أنه قال: «أتيت النبي ﷺ وهو متوسد بردة وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت يا رسول الله: ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمر الوجه، فقال: لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه.
وليتّمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله» «٩» .
العبر والعظات:
أول ما قد يخطر في بال المتأمل، حينما يرى قصة ما لقيه رسول الله ﷺ وأصحابه من المشركين، من صنوف الإيذاء والتعذيب، هو أن يتساءل: فيم هذا العذاب الذي لقيه النبي وأصحابه وهم على الحق؟ ولماذا لم يعصمهم الله منه وهم جنوده وفيهم رسوله يدعون إلى دينه ويجاهدون في سبيله؟
стр. 73
والجواب: أن أول صفة للإنسان في الدنيا، أنه مكلف، أي أنه مطالب من قبل الله بحمل ما فيه كلفة ومشقة. وأمر الدعوة إلى الإسلام والجهاد لإعلاء كلمته من أهم متعلقات التكليف، والتكليف من أهم مستلزمات العبودية لله تعالى، إذ لا معنى للعبودية لله تعالى إن لم يكن ثمة تكليف. وعبودية الإنسان لله ضرورة من ضرورات ألوهيته .
فلا معنى للإيمان بها إن لم ندرك عبوديتنا له.
فقد استلزمت العبودية- إذن- التكليف، واستلزم التكليف تحمل المشاق ومجاهدة النفس والأهواء.
ومن أجل هذا كان واجب عباد الله في هذه الدنيا تحقيق أمرين اثنين:
أولهما: التمسك بالإسلام وإقامة المجتمع الإسلامي الصحيح.
ثانيهما: سلوك السبل الشاقة إليه واقتحام المخاطر وبذل المهج والمال من أجل تحقيق ذلك.
أي إن الله كلفنا بالإيمان بالغاية، وكلفنا إلى جانب ذلك بسلوك الوسيلة الشاقة الطويلة إلى هذه الغاية مهما بلغت المسألة في خطورتها وصعوبتها.
ولو شاء الله لجعل السبيل إلى إقامة المجتمع الإسلامي بعد الإيمان به، سهلا معبّدا، ولكن السير في هذه السبيل لا يدل حينئذ على شيء من عبودية السالك لله وعلى أنه قد باع حياته وماله له يوم أن أعلن الإيمان به، وعلى أن جميع أهوائه تابعة ومنقادة لما جاء به الرسول ﷺ ، ولأمكن حينئذ أن يلتقي على هذه الجادة المؤمن والمنافق والصادق والكاذب، فلا يتمحص الواحد منهم عن الآخر.
وإذن فإن ما يلاقيه الدعاة إلى الله تعالى والمجاهدون في سبيل إقامة المجتمع الإسلامي، سنة إلهية في الكون منذ فجر التاريخ تقتضيها حكم ثلاث:
أولا: صفة العبودية الملازمة للإنسان، لله ، وصدق الله إذ يقول: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات ٥١/ ٥٦] .
ثانيا: صفة التكليف المتفرعة عن صفة العبودية، فما من رجل أو امرأة يبلغ أحدهما، عاقلا، سن الرشد، إلا وهو مكلف من قبل الله بتحقيق شرعة الإسلام في نفسه وتحقيق النظام الإسلامي في مجتمعه، على أن يتحمل في سبيل ذلك كثيرا من الشدة والأذى، حتى يتحقق معنى التكليف.
ثالثا: إظهار صدق الصادقين وكذب الكاذبين. فلو ترك الناس لدعوى الإسلام ومحبة الله تعالى على ألسنتهم فقط، لاستوى الصادق والكاذب. ولكن الفتنة والابتلاء، هما الميزان الذي يميز الصادق عن الكاذب. وصدق الله القائل في محكم كتابه:
стр. 74
الم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ [العنكبوت ٢٩/ ١، ٣] والقائل: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران ٣/ ١٤٢] .
وإذا كانت هذه هي سنة الله في عباده، فلن تجد لسنة الله تبديلا حتى مع أنبيائه وأصفيائه.
من أجل ذلك أوذي رسول الله ﷺ ، وأوذي من قبله جميع الأنبياء والرسل، ومن أجل ذلك أوذي أصحاب رسول الله ﷺ حتى مات منهم من مات تحت العذاب، وعمي من عمي، رغم عظيم فضلهم وجليل قدرهم عند الله .
فإذا أدركت طبيعة العذاب الذي يلقاه المسلم في طريقه إلى إقامة المجتمع الإسلامي، علمت أنه ليس في حقيقته عقبات أو سدودا تصد السالك أو المجاهد عن بلوغ الغاية، كما قد يتوهم بعض الناس. بل هو سلوك في الطريق الطبيعي الذي خطه الله تعالى بين المسلم والغاية التي أمره بالسير إليها. أي أن المسلمين يقربون من الغاية التي كلفهم الله بالوصول إليها، بمقدار ما يجدونه في طريقهم إلى ذلك من العذاب، وبمقدار ما يتساقط منهم من الشهداء.
ولذا، فإنه لا ينبغي للمسلم أن يتوهم اليأس، إذا ما عانى شيئا من المشقة أو المحنة. بل العكس هو الأمر المنسجم مع طبيعة هذا الدين. أي إن على المسلمين أن يستبشروا بالنصر كلما رأوا أنهم يتحملون مزيدا من الضر والنكبات سعيا إلى تحقيق أمر ربهم .
وتأمل فإنك ستجد برهان هذا جليا في قوله تعالى:
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ، وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ؟ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة ٢/ ٢١٤] . فقد كان جواب أولئك الذين لم يفهموا طبيعة العمل الإسلامي، وتوهموا أن هذا الذي يرونه من الأذى والعذاب إنما هو عنوان ودليل على ابتعادهم عن النصر، كان جواب هؤلاء من الله تعالى: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ.
وتجد برهان هذا جليا فيما رويناه من قصة خباب بن الأرتّ ﵁، حينما جاء إلى رسول الله ﷺ وقد غالبه العذاب الذي اكتوى به معظم جسده، يشكو إليه ﷺ ذلك ويسأله الدعاء للمسلمين بالنصر. فقد كان جواب رسول الله ﷺ له بهذا المعنى:
«إن كنت تتعجب من العذاب والأذى وتستغرب أن ترى ذلك في سبيل الله ، فاعلم أن هذا هو السبيل.. وتلك هي سنة الله في جميع عباده الذين آمنوا به: مشّط الكثير منهم في سبيل دينه بأمشاط الحديد ما بين المفرق والقدم فما صدهم ذلك عن شيء من دين الله، وإن كنت ترى في العذاب دلائل اليأس والقنوط من النصر، فأنت متوهم. بل الحق هو أن تجد في
стр. 75
العذاب والألم سيرا في الطريق ودنوا من النصر. وسينصرن الله هذا الدين حتى يسير الرجل من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله» وفي رواية بزيادة: «والذئب على غنمه» .
وهذا المعنى نفسه هو السر في أن النبي ﵌ بشّر أصحابه بأن الله سيفتح لهم بلاد الفرس والروم، ومع ذلك فلم تفتح عليهم هذه البلاد إلا بعد وفاة الرسول ﷺ بزمن غير يسير ولقد كان من مقتضى فضل رسول الله ﷺ عند ربه ومدى محبة الله له، أن تفتح كل تلك البلاد في حياته وبقيادته وتحت إشرافه، بدلا من أن يسجل التاريخ فتحها بقيادة أحد أتباعه.
لقد كان هذا قريبا من مقتضى محبة الله لرسوله، لولا أن النصر مرتبط بالقانون الذي ذكرناه.
لم يكن المسلمون في حياة النبي ﷺ قد دفعوا، من أجل انتصارهم في بلاد الشام والعراق، أقساط الثمن كله. ولا بد قبل النصر من دفع كامل الثمن. لا بدّ من ذلك ولو كان رسول الله ﷺ موجودا بينهم. وليست المسألة أن ترتبط الفتوحات باسم رسول الله ﷺ وتتم بقيادته وتحت إشرافه من أجل عظيم محبة الله تعالى له. ولكن المسألة هي أن يبرهن المسلمون الذين بايعوا الله ورسوله على صدقهم في هذه المبايعة، وأن يصدقوا فيما عاهدوا الله عليه يوم أن وقعوا بالقبول والرضا تحت قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [التوبة ٩/ ١١١] .
سياسة المفاوضات
جاء في ما يرويه ابن هشام عن ابن إسحاق أن عتبة بن ربيعة- وكان سيدا ذا بصيرة ورأي في قومه- قال في نادي قريش: «يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه، وأعرض عليه أمورا لعلّه يقبل بعضها فنعطيه أيّها شاء ويكف عنا؟ فقالوا: بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلّمه، فجاء عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فقال: يا بن أخي، إنك منا حيث قد علمت من الشرف في العشيرة والمكانة في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرّقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم.. فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها. فقال له رسول الله ﷺ : قل يا أبا الوليد، أسمع.
قال يا بن أخي: إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه.
стр. 76
فقال له رسول الله ﷺ : أفرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم.. قال: فاسمع مني. ثم قال:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ، وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ. قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ [فصلت ٤١/ ١- ٦] .
ثم مضى رسول الله في القراءة وعتبة يسمع حتى وصل إلى قوله تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [فصلت ٤١/ ١٣] فأمسك عتبة بفيه وناشده الرحم أن يكف عن القراءة، وذلك خوفا مما تضمنته الآية من تهديد.
ثم عاد عتبة إلى أصحابه فلما جلس بينهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولا ما سمعت بمثله قط والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة. يا معشر قريش:
أطيعوني وخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم.
قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم» .
وروى الطبري وابن كثير وغيرهما أن نفرا من المشركين فيهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل جاؤوا فعرضوا على رسول الله ﷺ أن يعطوه من المال حتى يكون أغناهم وأن يزوجوه أجمل أبكارهم على أن يترك شتم آلهتهم وتسفيه عاداتهم، فلما رفض إلا الدعوة إلى الحق الذي بعث به، قالوا: فتعبد آلهتنا يوما ونعبد إلهك يوما، فرفض ذلك أيضا ونزل تعليقا على ذلك قوله تعالى:
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ، وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون ١٠٩/ ١- ٦] .
ثم إن أشراف قريش عادوا فكرروا المحاولة التي قام بها عتبة بن ربيعة فذهبوا إليه مجتمعين، وعرضوا عليه الزعامة والمال، وعرضوا عليه الطب إن كان هذا الذي يأتيه رئيّا من الجان.
فقال لهم رسول الله ﷺ : «ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل عليّ كتابا وأمرني أن أكون بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه علي، أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم» .
فقالوا له: «فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك، فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدا ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسيّر عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا وليفجر لنا أنهارا كأنهار الشام والعراق وليبعث لنا من
стр. 77
مضى من آبائنا، وليكن فيمن بعث لنا منهم قصيّ بن كلاب، فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول: أحق هو أم باطل وليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي.. فإن صنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا منزلتك من الله وأنه بعثك رسولا كما تقول» .
فقال لهم: «ما أنا بفاعل وما أنا بالذي يسأل ربه هذا» .
ثم إنهم قالوا له- بعد طول كلام وخصام-: «إنا قد بلغنا أنه إنما يعلّمك هذا، رجل في اليمامة يقال له: الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلك أو تهلكنا. ثم قاموا وانصرفوا عنه» .
العبر والعظات:
في هذا المشهد الذي عرضناه من سيرته ﷺ ثلاث دلالات، كل واحدة منها على جانب كبير من الأهمية.
الدلالة الأولى: وهي توضح لنا في تمحيص دقيق حقيقة الدعوة التي قام بها رسول الله ﷺ ، وتفصلها عن كل ما قد يلتبس بها من الأهداف والأغراض التي قد يضمرها في أنفسهم عادة أرباب الدعوات الجديدة والمنادون بالثورة والإصلاح.
هل النبي ﷺ يضمر من وراء دعوته الوصول إلى ملك؟ أو لعله يضمر الوصول إلى مستوى رفيع من الزعامة أو الغنى، أو لعل الأمر لا يعدو خيالات تتراءى له بسبب مرض يعانيه؟
كل هذه الاحتمالات، وسائل قد يتذرع بها محترفو الغزو الفكري وأعداء هذا الدين.. ولكن يا لأسرار الحياة العظيمة التي هيأها رب العالمين لرسوله! .. لقد ملأ الله حياة رسوله بالمواقف والمشاهد التي تقطع دابر كل احتمال، وتقطع السبيل إلى كل وسواس، وتدع أرباب الغزو الفكري حيارى في الطريقة التي ينبغي لهم أن يسلكوها في حربهم الفكرية.
كان من جليل حكمة الله تعالى أن يقوم مشركو قريش بسلسلة من المفاوضات مع رسول الله ﷺ ، بعد أن صوروا في أنفسهم كل هذه الاحتمالات، وهم أدرى الناس بطبيعة دعوته والغاية البعيدة من رسالته وبأنه لن ينزل عند شيء من مغرياتهم. ولكن هكذا شاءت الإرادة الإلهية حتى ينطق التاريخ بتكذيب كل من سيأتي من محترفي التشكيك والغزو الفكري مع الزمن.
لقد فكر أمثال كريمر وفان فلوتن طويلا.. ثم لم يجدوا من سبيل لأداء مهمة التشكيك والغزو إلا أن يغمضوا أعينهم عن الحقيقة ويزعموا أن دوافع محمد ﵊ في دعوته إنما كانت الرغبة في السيادة والملك، وإن صدموا رؤوسهم في هذا الزعم بصخور عاتية تقذفهم وتردهم إلى الوراء أشواطا.
стр. 78
لقد سخر الله من قبلهم عتبة بن ربيعة وأمثاله، لحمل هذه الدوافع والآمال ووضعها بين يدي محمد ﵊ لينالها قريبة سائغة وليبصر قريشا كلها وقد دانت له وألقت من يدها ما رفعته من السلاح ووسائل التعذيب في وجهه ووجه أصحابه، فلماذا لم يلن الرسول لهم، ولم يتحول إلى هذه الغنيمة التي سيقت إليه مادام أنها الدافع له من وراء رسالته ودعوته؟
وهل ينصت طالب الملك والزعامة لمن سعى يعرضهما عليه، في مفاوضة طويلة وتخويف ورجاء وتهديد، ليقول لهم أخيرا: «ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم. ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل عليّ كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا.. فإن تقبلوا مني ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردّوه عليّ، أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم» ؟!.
ثم إن معيشته الحياتية كانت مطابقة لكلامه هذا، فهو لم يعرض عن الزعامة والملك بلسانه، ليصل إليهما خلسة بسعيه وعمله. بل كان ﷺ بسيطا في مأكله ومشربه، لا يعلو عما عليه حالة الفقراء والمساكين. قالت عائشة فيما يرويه البخاري: «لقد توفي النبي ﷺ وما في رفّي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي فأكلت منه حتى طال عليّ» . ويقول أنس ﵁ فيما يرويه البخاري أيضا: «لم يأكل النبي ﷺ على خوان حتى مات وما أكل خبزا مرققا حتى مات» .
وكان بسيطا للغاية في ملبسه وأثاث بيته، يؤثر في جنبه الحصير وما عرف أنه نام قط على شيء وثير. حتى إن نساءه جئن إليه يوما وفيهن السيدة عائشة ﵂ يشتكين إليه الفاقة ويطالبنه بمزيد من النفقة لزينتهن ولباسهن حتى لا تكون إحداهن أقل شأنا من مثيلاتها من نساء الصحابة، فأطرق مغضبا ولم يجب ثم نزل قول الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا، وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً [الأحزاب ٣٣/ ٢٨، ٢٩] ، فتلى رسول الله ﷺ عليهن هاتين الآيتين، ثم خيرهن بين قبول العيش معه على الحالة التي هو فيها، أو الإصرار على مطالبهن من النفقة وزيادة الزينة والمال وحينئذ يفارقهن ويسرحهن سراحا جميلا، فاخترن العيش معه على ما هو عليه «١٠» .
فكيف يشك العقل- أيّ عقل- بعد هذا كله، في صدق نبوته، وكيف يصح أن يتوهم الفكر أو الخيال بأنه قد يكون مدفوعا برغبة الزعامة أو الطمع في الغنى؟ .. فهذه هي الدلالة.
الأولى التي تؤخذ من هذا المشهد الذي ذكرناه.
стр. 79
الدلالة الثانية: وهي تبين لنا معنى الحكمة التي كان رسول الله ﷺ يتمسك ويتصف بها.
هل الحكمة أن تضع أنت السياسة التي تراها في سير الدعوة مهما كانت كيفيتها ومهما كان نوعها؟
وهل أعطاك الشارع صلاحية أن تسلك أي سبيل أو وسيلة تراها ما دام هدفك من وراء ذلك هو الحق؟
لا.. إن الشريعة الإسلامية تعبدتنا بالوسائل كما تعبّدتنا بالغايات. فليس لك أن تسلك إلى الغاية التي شرعها الله لك إلا الطريق المعينة التي جعلها الله وسيلة إليها. وللحكمة والسياسة الشرعية معان معتبرة، ولكن في حدود هذه الوسائل المشروعة فقط.
والدليل ما رويناه آنفا، فقد كان من المتصور في باب الحكمة والسياسة أن يرضى رسول الله ﷺ معهم بالزعامة أو الملك على أن يجمع في نفسه اتخاذ الملك والزعامة وسيلة إلى تحقيق دعوة الإسلام فيما بعد، خصوصا وإن للسلطان والملك وازعا قويا في النفوس، وحسبك أن أرباب الدعوات والمذاهب ينتهزون فرصة الاستيلاء على الحكم كي يستعينوا بسلطانه على فرض دعوتهم ومذاهبهم على الناس.
ولكن النبي ﷺ لم يرض سلوك هذه السياسة والوسيلة إلى دعوته، لأن ذلك ينافي مبادئ الدعوة نفسها.
لو جاز أن يكون مثل هذا الأسلوب نوعا من أنواع الحكمة والسياسة الرشيدة، لا نمحى الفرق بين الصادق الصريح في صدقه والكاذب الذي يخادع في كذبه، ولتلاقى الصادقون في دعوتهم مع الدجالين والمشعوذين، على طريق واحدة عريضة اسمها: الحكمة والسياسة.
إن فلسفة هذا الدين تقوم على عماد الشرف والصدق في كل من الوسيلة والغاية. فكما أن الغاية لا يقوّمها إلا الصدق والشرف وكلمة الحق، فكذلك الوسيلة لا ينبغي أن يخطّها إلا مبدأ الصدق والشرف وكلمة الحق.
ومن هنا يحتاج أرباب الدعوة الإسلامية في معظم حالاتهم وظروفهم إلى التضحية والجهاد، لأن السبيل التي يسلكونها لا تسمح لهم بالتعرج كثيرا ذات اليمين وذات الشمال.
ومن الخطأ أن تحسب مبدأ الحكمة في الدعوة إنما شرع من أجل تسهيل عمل الداعي أو من أجل تفادي المآسي والأتعاب، بل السرفي مشروعية الحكمة في الدعوة إنما هو سلوك أقرب الوسائل إلى عقول الناس وأفكارهم. ومعنى هذا أنه إذا اختلفت الأحوال وقامت عثرات الصدّ والعناد دون سبيل الدعوة، فإن الحكمة حينئذ إنما هي إعداد العدة للجهاد والتضحية بالنفس والمال، إن الحكمة إنما هي أن تضع الشيء في مكانه.
وهذا هو الفرق بين الحكمة والمخادعة، وبين الحكمة والمسالمة.
стр. 80
وأنت خبير أن رسول الله ﷺ لما استبشر بما رآه مرة من دلائل إقبال بعض زعماء قريش على فهم الدين، انصرف إليهم بكليته مبتهجا يكلمهم ويشرح لهم ما يستفسرون عنه من حقائق الإسلام، حتى دعاه ذلك الاستبشار والطمع في هدايتهم إلى أن يعرض عن الصحابي الضرير عبد الله بن أم مكتوم حينما مرّ بهم فوقف إلى جانبهم يستمع، وأخذ هو الآخر يسأل رسول الله ﷺ ، وكان ذلك منه ﵊ حرصا على الفرصة أن لا تفوته وأملا في أن يجيب عبد الله بن أم مكتوم في أي وقت آخر.
فعاتبه الله على ذلك في سورة: عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى [عبس ٨٠/ ١، ٢] ، وأنكر عليه اجتهاده هذا، وإن كانت غايته مشروعة ونبيلة، ذلك لأن الوسيلة قد انطوت على كسر خاطر مسلم أو ما يدل على الإعراض عنه وعدم الالتفات إليه من أجل اجتذاب قلوب المشركين.
فهي ليست بمشروعة ولا مقبولة.
والخلاصة، أنه ليس لأحد من الناس أن يغير شيئا من أحكام الإسلام ومبادئه، أو يتجاوز شيئا من حدوده أو يستهين بها، باسم اتباع الحكمة في النصيحة والدعوة، لأن الحكمة لا تعتبر حكمة إلا إذا كانت مقيدة ومنضبطة ضمن حدود الشريعة ومبادئها وأخلاقها.
الدلالة الثالثة: ونستفيدها من موقف الرسول ﵊ من تلك المطالب التي طلبتها قريش منه ﷺ شرطا لاتباعها له. وهو موقف أيده الله فيه، ففيه- كما ذكر عامة المفسرين- نزل قوله تعالى: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً، أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا
[الإسراء ١٧/ ٩٠- ٩٣] .
وليس السبب في عدم استجابة الله لهم ذلك، ما قد يظنه البعض من أن الرسول ﷺ ما أوتي من المعجزات إلا معجزة القرآن، ولذلك لم تستجب لهم مطالبهم، وإنما السبب أن الله علم أنهم إنما يطالبون بذلك كفرا وعنادا وإمعانا في الاستهزاء بالنبي ﷺ ، كما هو واضح في أسلوب طلبهم ونوع المطالب التي عرضوها. ولو علم الله فيهم صدق الطلب وحسن النية وأنهم مقبلون في ذلك على محاولة التأكد من صدق النبي ﵊، لحقق لهم ذلك. ولكن أمر قريش في ذلك مطابق لما وصفه الله تعالى في آية أخرى وهي قوله: وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [الحجر ١٥/ ١٤، ١٥] ، وإذا علمت ذلك، أدركت أنه لا تنافي بين هذا وما ثبت من إكرام الله لنبيه ﵊ بالمعجزات الكثيرة المختلفة مما سنفصل القول فيه قريبا إن شاء الله.
стр. 81
الحصار الاقتصادي
ورد بأسانيد مختلفة عن موسى بن عقبة، عن ابن إسحاق، وعن غيرهما، أن كفار قريش أجمعوا أمرهم على قتل رسول الله ﷺ ، وكلموا في ذلك بني هاشم وبني المطلب، ولكنهم أبوا تسليمه ﷺ إليهم.
فلما عجزت قريش عن قتله ﷺ أجمعوا على منابذته ومنابذة من معه من المسلمين ومن يحميه من بني هاشم وبني المطلب، فكتبوا بذلك كتابا تعاقدوا فيه على ألا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يدعوا سببا من أسباب الرزق يصل إليهم، ولا يقبلوا منهم صلحا ولا تأخذهم بهم رأفة، حتى يسلم بنو المطلب رسول الله ﷺ إليهم للقتل، وعلقوا الكتاب في جوف الكعبة.
والتزم كفار قريش بهذا الكتاب ثلاث سنوات، بدءا من المحرم سنة سبع من البعثة إلى السنة العاشرة منها، وقيل بل استمر ذلك سنتين فقط.
ورواية موسى بن عقبة تدل على أن ذلك كان قبل أمر الرسول أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، وإنما أمرهم بها أثناء هذا الحصار. أما رواية ابن إسحاق فتدل على أن كتابة الصحيفة كانت بعد هجرة أصحابه ﷺ إلى الحبشة وبعد إسلام عمر.
وحوصر بنو هاشم وبنو المطلب ومن معهم من المسلمين، ومعهم رسول الله ﷺ ، في شعب بني المطلب، وإنما مكة شعاب متفرقة، واجتمع فيه من بني هاشم وبني المطلب المسلمون والكافرون، أما المسلمون فتدينا وأما الكافرون فحمية، إلا ما كان من أبي لهب، عبد العزى بن عبد المطلب، فإنه خرج إلى قريش، فظاهر النبي ﷺ وأصحابه.
فجهد النبي ﷺ والمسلمون جهدا شديدا في هذه الأعوام الثلاثة واشتد عليهم البلاء، وفي الصحيح أنهم جهدوا حتى كانوا يأكلون الخبط وورق الشجر. وذكر السهيلي أنهم كانوا إذا قدمت العير مكة، يأتي أحد أصحاب رسول الله إلى السوق ليشتري شيئا من الطعام يقتاته لأهله، فيقوم أبو لهب فيقول: «يا معشر التجار غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا شيئا معكم» ، فيزيدون عليهم في السلعة قيمتها أضعافا، حتى يرجع إلى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع وليس في يده شيء يعللهم به.
فلما كان على رأس ثلاث سنين من بدء هذا الحصار، تلاوم قوم من بني قصي، فأجمعوا أمرهم على نقض ما تعاهدوا عليه، وأرسل الله على صحيفتهم التي كتب فيها نص المعاهدة الأرضة، فأتت على معظم ما فيها من ميثاق وعهد، ولم يسلم من ذلك إلا الكلمات التي فيها ذكر الله .
وقد أخبر بذلك رسول الله ﷺ عمه أبا طالب، فقال له أبو طالب: «أربك أخبرك بذلك؟ قال: نعم، فمضى في عصابة من قومه إلى قريش، فطلب منهم أن يأتوه بالصحيفة موهما
стр. 82
إياهم أنه نازل عند شروطهم فجاؤوا بها وهي مطوية، فقال أبو طالب: إن ابن أخي قد أخبرني.
ولم يكذبني قط، أن الله تعالى قد سلط على صحيفتكم التي كتبتم الأرضة فأتت على كل ما كان فيها من جور وقطيعة رحم، فإن كان الحديث كما يقول فأفيقوا وارجعوا عن سوء رأيكم، فو الله لا نسلمه حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان الذي يقول باطلا دفعنا إليكم صاحبنا ففعلتم به ما تشاؤون.
فقالوا: قد رضينا بالذي تقول. ففتحوا الصحيفة فوجدوا الأمر كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ .
فقالوا: هذا سحر ابن أخيك!» .. وزادهم ذلك بغيا وعدوانا.
ثم إن خمسة من رؤساء المشركين من قريش، مشوا في نقض الصحيفة، وإنهاء هذا الحصار، وهم: هشام بن عمرو بن الحارث، وزهير بن أمية، والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود.
وكان أول من سعى إلى نقضها بصريح الدعوة زهير بن أمية، أقبل على الناس عند الكعبة فقال: «يا أهل مكة، أنأكل الطعام، ونلبس الثياب وبنو هاشم والمطلب هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم؟ .. والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة» .
ثم قال بقية الخمسة نحوا من هذا الكلام. ثم قام المطعم بن عدي إلى الصحيفة فمزقها، ثم انطلق هؤلاء الخمسة، ومعهم جماعة، إلى بني هاشم وبني المطلب ومن معهم من المسلمين فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم.
العبر والعظات:
هذه القطعة الظالمة، تصور قمة الشدة التي لقيها النبي ﷺ وأصحابه طوال ثلاثة أعوام.
وقد رأيت أن المشركين من بني هاشم وبني المطلب، شاركوا المسلمين في تحملها، ولم يرضوا أن يتخلوا عن رسول الله ﷺ .
وليس لنا من حديث عن هؤلاء المشركين وسبب موقفهم هذا، فقد كان الذي دفعهم إليه حمية القرابة والرحم، وإباء الذل الذي كان يتلبس بهم لو أنهم خلوا بين محمد ﷺ ومشركي قريش من غير بني هاشم وبني المطلب يقتلونه ويفتكون به، بقطع النظر عن العقيدة والدين.
فقد آثروا إذن أن يجمعوا بين رغبتين في صدورهم:
الأولى: الثبات على الشرك والاستكبار على الحق الذي جاءهم به محمد ﷺ .
الثانية: الانصياع للحمية التي تدعو إلى حماية القريب من بطشة الغريب وظلمه، بحق كان أو بباطل.
أما المسلمون، وعلى رأسهم رسول الله ﷺ ، فإنما صبّرهم على ذلك الانصياع لأمر الله وإيثار الآخرة على الدنيا، وهوان الدنيا عندهم في جنب مرضاة الله ، وهذا ما يهمنا أن نبحث فيه.
стр. 83
قد تسمع بعض المبطلين من محترفي الغزو الفكري، يقولون:
«إن عصبية بني هاشم وبني المطلب، كانت تكمن خلف دعوة محمد ﷺ وكانت تحوطها بالرعاية والحفظ! .. والدليل على ذلك موقفهم السلبي من مشركي قريش في مقاطعتهم للمسلمين» .
وإنها لمغالطة مكشوفة، لا يتماسك عليها حجاب أي منطق ولو كان صوريا.
ذلك لأن من الطبيعي جدا أن تقود الحمية الجاهلية بني المطلب وبني هاشم إلى الذود عن حياة ابن عم لهم، عندما تتهددها يد غريبة ويدنو إليها بالسوء شخص دخيل.
والحمية الجاهلية، إذ تدفع ذوي القرابة إلى مثل هذا التعصب، لا تنظر إلى مبدأ، ولا تتأثر في ذلك بحق أو بباطل، وإنما هي العصبية ولا شيء غير العصبية.
ولذلك أمكن أن يجتمع في ذوي قرباه ﷺ صفتان متناقضتان بحسب الظاهر، الاستكبار على دعوته والجحود بها، والانتصار له ضدّ سائر المشركين من قريش.
ومع ذلك، فأي فائدة حققوها للنبي ﷺ من وراء اعتصامهم معه؟ لقد أوذوا كما أوذي هو وأصحابه، ومضت قريش في قطيعتها للمسلمين بالضراوة والشراسة اللتين أرادتهما دون أن يخفف بنو هاشم وبنو المطلب من غلوائهما شيئا.
والمهم أن تعلم بأن حماية أقارب رسول الله ﷺ له، لم تكن حماية للرسالة التي بعث بها، وإنما كانت حماية لشخصه من الغريب، وإذا أمكن أن تستغلّ هذه الحماية، من قبل المسلمين، وسيلة من وسائل الجهاد والتغلب على الكافرين والرد لمكائدهم وعدوانهم، فأنعم بذلك من جهد مشكور، وسبيل يتنبهون إليها.
*** أما رسول الله ﷺ ، ومعه أصحابه المؤمنون، فما الذي كان يمسكهم على هذا الضيق الخانق؟ .. وأي غاية كانوا يتأملونها من وراء الثبات على الشدة؟ ..
بماذا يجيب على هذا السؤال، أولئك الذين يتأولون رسالة محمد ﷺ وإيمان أصحابه بها على أنها ثورة يسار ضدّ يمين أي ثورة الفقراء المضطهدين ضدّ الأغنياء المترفين؟
تصور هذه السلسلة التي استعرضناها، من حلقات الإيذاء والتعذيب، لرسول الله ﷺ والمسلمين، ثم أجب على ضوئها، كيف يستقيم أن تكون دعوة الإسلام ثورة اقتصادية ألهبها الجوع وقادها الحقد على تجار مكة وأرباب الفعاليات الاقتصادية فيها؟ ..
لقد عرض المشركون على محمد ﷺ الملك والثراء والزعامة، على أن يتخلى عن الدعوة إلى الإسلام، فلماذا لم يرض ﵊ بذلك؟ ولماذا لم يثر عليه أصحابه ولم يضغطوا عليه
стр. 84
- وإن غايتهم الشبع بعد الجوع- كي يقبل بعرض قريش؟ وهل يطمع أصحاب الثورة اليسارية بشيء أكثر من الحكم يكون في أيديهم والمال يكون في جيوبهم؟
ولقد قوطع محمد ﷺ ومعه أصحابه المسلمون عن سبيل كل معايشة اقتصادية واجتماعية مع بني قومه، فلم تترك سلعة تتسلل إلى أيديهم، ولم يترك طعام يدخل إلى بيوتهم، حتى راحوا يأكلون ورق الشجر، وهم على ذلك صابرون، محدقون برسولهم ﵊. أفهكذا يصنع من تعتلج وراء صدره الثورة من أجل لقمة العيش؟! ..
وعندما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، وهاجر إليها من قبله ومن بعده أصحابه، تركوا المال والأرض والممتلكات المختلفة واستقبلوا بوجوههم شطر المدينة المنورة، وقد تجردوا عن كل ما يتعلق به الطامعون في المال، لا يبتغون عن إيمانهم بالله بديلا، ولا يقيمون وزنا لدنيا فاتتهم ولملك أدبر عنهم، أفهذا هو الدليل على أنها ثورة يسارية قامت من أجل لقمة طعام؟! ..
قد يكون دليل هؤلاء الناس على ما يتصورون، ملاحظة الأمرين التاليين:
الأول: أن الجماعة الأولى من أصحاب محمد ﷺ في مكة، كانت على الأغلب من الفقراء والموالي والمضطهدين، وهو يدل على أنهم ينفّسون باتباعهم محمدا ﷺ عن شيء من كربهم، وأنهم كانوا يتأملون مستقبلا اقتصاديا أفضل لأنفسهم في ظل الدين الجديد.
الثاني: أن هؤلاء الأصحاب، ما لبثوا بعد حين أن فتحت عليهم آفاق الدنيا، وأقبل إليهم الثراء والمال، وهو دليل على أن خطة الرسول ﷺ كانت ترمي إلى تحقيق هذه الغاية.
وأنت إذا تأملت في استدلالهم على ما يتصورونه، بهاتين الملاحظتين، أدركت كم هو نصيب الخيال والوهم من عقولهم ومنهج تفكيرهم.
أمّا أن الجماعة الأولى من أصحابه ﷺ كانت على الأغلب من الفقراء والموالي، فنعم، ولكن ليس بين هذه الحقيقة وذلك الوهم أي علاقة أو نسب. إن شريعة تقضي بإرساء ميزان العدالة بين الناس، وبالضرب على يد كل ظالم وطاغية ومستكبر، من المسلم به أن يعرض عنها بل أن يحاربها أولئك الذين استمرؤوا حياة البغي والظلم، لأنها تحملهم المغارم أكثر من أن تقدم إليهم المغانم، كما أن من المسلم به أن يرحب بها كل مستضعف مظلوم، بل كل إنسان ليس له في تجارة البغي والاستغلال نصيب؛ لأنها تقدم لهم المغانم أكثر من أن تحملهم المغارم، أو لأنهم- على أقل تقدير- ليست لهم مع الناس مشكلات تجعلهم يستثقلون تبعاتها وتكاليفها.
إن معظم من كان حول رسول الله ﷺ ، كان مستيقنا أنه على حق وأنه نبي مرسل، ولكن أرباب الزعامة وعشاق العظمة والسيطرة، وجدوا من طبيعتهم وظروفهم ما أصبح عائقا لهم عن
стр. 85
الاستسلام لهذا الحق والتفاعل معه، أما الآخرون فلم يجدوا ما يعوقهم عن الاستسلام لشيء آمنوا به واستيقنوه.
فما العلاقة بين هذه الحقيقة التي يفهمها كل باحث، وما يزعمه أولئك الزاعمون؟
وأما أن خطة الدعوة الإسلامية التي سلكها رسول الله ﷺ كانت تهدف إلى امتلاك المسلمين لمنابع الثروة واستيلاءهم على عروش الملوك واستلاب السيادة منهم، - بدليل أن المسلمين قد وصلوا فعلا إلى ذلك- فإنه والله أشبه بمحاولة الجمع بين المشرق والمغرب؟ ..
إذا كان المسلمون قد تمكنوا من فتح بلاد الروم وفارس، في حقبة يسيرة من الزمن، بعد أن صدقوا الله في إسلامهم، أفيكون ذلك دليلا على أنهم ما أسلموا إلا طمعا بعرش الروم والفرس؟!.
لو أنهم أرادوا من وراء إسلامهم الوصول إلى شهوة من شهوات الدنيا أيا كانت، لما تحقق لهم ولا الجزء اليسير من معجزة ذلك الفتح.
لو كان عمر وهو يجهز جيش القادسية ويودع قائده سعد بن أبي وقاص، يطمع في كنوز كسرى، ويسيل لعابه رغبة في أن يتقلب في مثل نعيمه ويجلس على مثل عرشه، لما عاد إليه سعد إلّا بأثقال من الخيبة والهوان، ولكنهم صدقوا الله في الجهاد من أجل نصرة دينه، فصدقهم فيما أكرمهم به من تمليكهم زمام الحكم وإغنائهم بما لم يكونوا يحلمون.
لو كان الحلم الذي يراود المسلمين في معركة القادسية، وصولا إلى ثروة وتقلبا في نعيم وتحقيقا للذائذ العيش، إذن لما دخل ربعي بن عامر ﵁ سرادق رستم مزدريا مظاهر الترف التي غمس فيها السرادق غمسا يتوكأ بزج رمحه على البسط والنمارق الفاخرة حتى أفسدها، ولما قال لرستم: «إن دخلتم الإسلام تركناكم وأرضكم وأموالكم» ! .. أهكذا يقول من جاء ليستلب الملك والأرض والمال؟
لقد أكرمهم الله بمقدرات الدنيا كلها، لأنهم لم يكونوا يفكرون فيها، وإنما كان تفكيرهم منصرفا إلى تحقيق مرضاة الله.
ولو كانوا يهدفون من جهادهم إلى هذه المقدرات لما وصلوا إلى شيء منها.
المسألة بما فيها ليست إلا تحقيقا للقانون الإلهي الذي يقول:
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً، وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ [القصص ٢٨/ ٥] .
وإن تفهم هذا القانون لأيسر ما يكون على العقل أي عقل كان، بشرط واحد، هو أن يكون صاحبه حرا عن العبودية لأي رغبة أو غرض.
стр. 86
أول هجرة في الإسلام
ثم إن رسول الله ﷺ لما رأى ما يصيب أصحابه من البلاء وأنه لا يقدر على أن يحميهم ويمنعهم مما هم فيه، قال لهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإنّ بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه» .
فخرج عند ذلك المسلمون إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام. وكان في مقدمة المهاجرين: عثمان بن عفان وزوجته، رقية بنت رسول الله ﷺ ، وأبو حذيفة وزوجته، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير وعبد الرحمن بن عوف ... حتى اجتمع في أرض الحبشة من أصحابه ﷺ بضعة وثمانون رجلا «١١» .
فلما رأت قريش ذلك، أرسلت إلى النجاشي عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص (ولم يكن قد أسلم بعد) بهدايا مختلفة كثيرة، إليه وإلى حاشيته وبطارقته، رجاء أن يرفض قبول هؤلاء المسلمين في جواره ويسلمهم مرة أخرى إلى أعدائهم.
فلما كلّما النجاشي في ذلك- وكانا قد كلّما من قبله بطارقته وقدّما إليهم ما جاءا به من الهدايا- رفض النجاشي أن يسلم أحدا من المسلمين إليهما حتى يكلمهم في شأن دينهم الجديد هذا.
فجيء بهم إليه، ورسولا قريش عنده، فقال لهم: «ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به في ديني ولا في دين أحد من الملل؟» .
فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال: «أيها الملك: كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم، ونهانا عن الفواحش.. فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان.. فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك» .
فسأله النجاشي أن يتلو عليه شيئا مما جاءهم به الرسول ﷺ من عند الله.
فقرأ عليه جعفر صدرا من سورة مريم، فبكى النجاشي حتى اخضلّت لحيته، ثم قال لهم:
стр. 87
«إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة. ثم التفت إلى رسولي قريش قائلا:
انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون» .
ثم إنهما عادا فقالا للنجاشي: «أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما، فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون» . فأرسل إليهم، في ذلك، فقال جعفر بن أبي طالب: «نقول فيه الذي جاءنا به نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقول: «هو عبد الله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول» .
فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عودا، ثم قال: «والله ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العود» .
ثم ردّ إليهما هداياهما، وزاد استمساكه بالمسلمين الذين استجاروا به، وعاد الرسل إلى قريش خائبين.
وبعد فترة من الزمن بلغهم إسلام أهل مكة، فرجعوا لما بلغهم ذلك حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن ما قد سمعوه من إسلام أهل مكة باطل، فلم يدخل أحد منهم إلا بجوار، أو مستخفيا وكان جميعهم ثلاثة وثلاثين رجلا. وكان من بين من دخل بجوار، عثمان بن مظعون، دخل بجوار الوليد بن المغيرة، وأبو سلمة دخل بجوار أبي طالب.
العبر والعظات:
نأخذ من حديث هجرة المسلمين إلى الحبشة ثلاث دلالات:
الدلالة الأولى: إن الدين والاستمساك به وإقامة دعائمه، أساس ومصدر لكل قوة، وهو السياج لحفظ كل حق من مال وأرض وحرية وكرامة، ومن أجل هذا كان واجب الدعاة إلى الإسلام والمجاهدين في سبيله أن يجندوا كل إمكاناتهم لحماية الدين ومبادئه، وأن يجعلوا من الوطن والأرض والمال والحياة وسائل لحفظ العقيدة وترسيخها، حتى إذا اقتضى الأمر بذل ذلك كله في سبيلها، وجب بذله.
ذلك أن الدين إذا فقد أو غلب عليه، لم يغن من ورائه الوطن والمال والأرض، بل سرعان ما يذهب كل ذلك أيضا من ورائه، أما إذا قوي شأنه وقامت في المجتمع دعائمه ورسخت في الأفئدة عقيدته، فإن كل ما كان قد ذهب في سبيله من مال وأرض ووطن يعود.. يعود أقوى من ذي قبل حيث يحرسه سياج من الكرامة والقوة والبصيرة..
ولقد جرت سنّة الله في الكون على مرّ التاريخ أن تكون القوى المعنوية هي الحافظة للمكاسب والقوى المادية. فمهما كانت الأمة غنية في خلقها وعقيدتها السليمة ومبادئها الاجتماعية الصحيحة، فإن سلطانها المادي يغدو أكثر تماسكا وأرسخ بقاء وأمنع جانبا. ومهما كانت فقيرة في
стр. 88
خلقها مضطربة في عقيدتها تائهة أو جانحة في نظمها ومبادئها فإن سلطانها المادي يغدو أقرب إلى الاضمحلال ومكتسباتها المادية أسرع إلى الزوال.
وقد تصادف أن تجد أمة تائهة في عقيدتها عن جادة الصواب منحطة في مستواها الخلقي والاجتماعي، وهي مع ذلك واقفة على قدميها من حيث القوة والسلطان المادي، ولكنها في الحقيقة والواقع تمر بسرعة نحو هاوية سحيقة. والسبب في أنك لا تحس بحركة هذا المرور وسرعته هو قصر عمر الإنسان أمام طول عمر التاريخ والأحقاب. ومثل هذه الحركة إنما تبصرها عين التاريخ الساهرة لا عين الإنسان الغافل الساهي.
وقد تصادف أن تجد أمة تعرّت عن كل مقوماتها المادية من ثروة ووطن ومال في سبيل الحفاظ على العقيدة الصحيحة وفي سبيل بناء النظام الاجتماعي السليم، ولكن ما هي إلا فترة قصيرة حتى تجد أرباب هذه العقيدة الصحيحة وما يتبعها من الخلق والنظام الاجتماعي السليمين قد استحوذوا على وطنهم المسلوب ومالهم المغصوب وعادت إليهم قوتهم مضاعفة معززة.
وأنت لن تجد الصورة الصحيحة عن الكون والإنسان والحياة إلا في عقيدة الإسلام الذي هو دين الله لعباده في الأرض ولن تجد من نظام اجتماعي عادل سليم إلا في نظام الإسلام وهديه. ولذا فقد كان من أسس الدعوة إلى الإسلام التضحية بالمال والوطن والحياة في سبيله، فبذلك يضمن المسلمون لأنفسهم المال والوطن والحياة.
ومن أجل هذا شرع مبدأ الهجرة في الإسلام. فأشار الرسول ﷺ على أصحابه- بعد أن نالهم من أذى المشركين ما خشي عليهم معه الفتنة في الدين- بالهجرة والخروج من الوطن.
وأنت خبير أن هذه الهجرة نفسها ضرب غير يسير من ضروب العذاب والألم في سبيل الدين، فهي ليست في الحقيقة هربا من الأذى والراحة، بل هي تبديل للمحنة ريثما يأتي الفرج والنصر.
وأنت خبير أيضا أن مكة لم تكن إذ ذاك دار إسلام حتى يقال: فكيف ترك أولئك الصحابة دار الإسلام وفروا ابتغاء سلامة أرواحهم إلى بلاد كافرة؟ فمكة والحبشة وغيرهما كانت سواء إذ ذاك، وأيها كانت أعون للصحابي على ممارسة دينه والدعوة إليه، فهي أجدر بالإقامة فيها.
أما الهجرة من دار الإسلام فحكمها بين الوجوب والجواز والحرمة، أما الوجوب فيكون عند عدم تمكن المسلم من القيام بالشعائر الإسلامية فيها كالصلاة والصيام والأذان والحج.. وأما الجواز فيكون عندما يصيبه فيها بلاء يضيق به، فيجوز له أن يخرج منها إلى دار إسلامية أخرى. وأما الحرمة فتكون عندما تستلزم هجرته إهمال واجب من الواجبات الإسلامية لا يقوم به غيره «١٢» .
стр. 89
الدلالة الثانية: ونأخذ منها حقيقة العلاقة القائمة بين ما جاء به سيدنا محمد وسيدنا عيسى عليهما الصلاة والسلام، فقد كان النجاشي على دين عيسى ﵊، وكان مخلصا وصادقا في نصرانيته. ولقد كان من مقتضى إخلاصه هذا أن لا يتحول عنها إلى ما يخالفها وأن لا ينتصر لمن تختلف عقيدتهم عما جاء به الإنجيل وما جاء به سيدنا عيسى ﵇.
أي فلو صحت تقولات أولئك الذين يزعمون انتماءهم إلى عيسى بن مريم وتمسكهم بالإنجيل، من أن عيسى ابن الله تعالى وأنه ثالث ثلاثة، لتمسك النجاشي- الذي كان من أخلص الناس لنصرانيته- بذلك، ولردّ على المسلمين كلامهم وانتصر لرسل قريش فيما جاؤوا من أجله.
ولكنا رأينا النجاشي يعلق على ما سمعه من القرآن وترجمته لحياة عيسى بن مريم بقوله:
«إن هذا والذي جاء به عيسى بن مريم ليخرج من مشكاة واحدة» . يقول ذلك على مسمع من بطارقة وعلماء الكتاب الذين من حوله.
وهذا يؤكد ما هو بديهي الثبوت من أن الأنبياء كلهم إنما جاؤوا بعقيدة واحدة لم يختلفوا حولها بعضهم عن بعضهم قيد شعرة، ويؤكد لنا أن اختلاف أهل الكتاب فيما بينهم ليس إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا من عند أنفسهم كما قال الله تعالى.
الدلالة الثالثة: أنه يجوز للمسلمين أن يدخلوا في حماية غير المسلمين إذا دعت الحاجة إلى ذلك، سواء أكان المجير من أهل الكتاب كالنجاشي إذ كان نصرانيا عندئذ، ولكنه أسلم بعد ذلك «١٣» ، أم كان مشركا كأولئك الذين عاد المسلمون إلى مكة في حمايتهم عندما رجعوا من الحبشة وكأبي طالب عم رسول الله ﷺ ، وكالمطعم بن عدي الذي دخل الرسول ﷺ مكة في حمايته عندما رجع من الطائف.
وهذا مشروط- بحكم البداهة- بأن لا يستلزم مثل هذه الحماية إضرارا بالدعوة الإسلامية، أو تغييرا لبعض أحكام الدين، أو سكوتا على اقتراف بعض المحرمات، وإلا لم يجز للمسلم الدخول فيها. ودليل ذلك ما كان من موقفه صلى الله عليه وعلى آله وسلم حينما طلب منه أبو طالب أن يبقي على نفسه ولا يحمّله ما لا يطيق فلا يتحدث عن آلهة المشركين بسوء، فقد وطن نفسه إذ ذاك للخروج من حماية عمه وأبى أن يسكت عن شيء مما يجب عليه بيانه وإيضاحه.
стр. 90
أول وفد إلى رسول الله ﷺ
وفي غمرة ما كان يلاقيه النبي ﷺ وأصحابه من العذاب والإيذاء وفد إلى رسول الله ﷺ أول وفد من خارج مكة لفهم شيء عن الإسلام. وكانوا بضعة وثلاثين رجلا من نصارى الحبشة جاؤوا مع جعفر بن أبي طالب لدى عودته إلى مكة. فلما جلسوا إلى رسول الله ﷺ واطّلعوا على صفاته وأحواله وسمعوا ما تلي عليهم من القرآن، آمنوا كلهم، فلما علم بذلك أبو جهل أقبل إليهم قائلا:
«ما رأينا ركبا أحمق منكم! .. أرسلكم قومكم تعلمون خبر هذا الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال. فقالوا: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيرا» .
فنزل في حقهم قوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ، وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ، إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ، أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ، وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ «١٤» [القصص ٢٨/ ٥٢- ٥٥] .
العبر والعظات:
يجب أن يسترعي انتباهنا من خبر هذا الوفد أمران اثنان:
أولا: في قدوم هذا الوفد إلى مكة للقاء رسول الله ﷺ والتعرف على الإسلام، في غمرة ما كان المسلمون يعانونه من عذاب وإيذاء ومقاطعة وتضييق، دلالة باهرة على أن ما قد يلاقيه أرباب الدعوة الإسلامية في طريقهم من الآلام والمصائب لا يعني بحال ما الخيبة أو الإخفاق، ولا يستلزم الضعف أو التخاذل أو اليأس. بل العذاب كما قلنا طريق لابد من سلوكها للوصول إلى النجاح والنصر. لقد جاء هذا الوفد، وكانوا يزيدون على ثلاثين رجلا من النصارى، وقيل بل كانوا يزيدون على أربعين رجلا، جاؤوا يمخرون عباب البحر إلى رسول الله ﷺ ، ليعلنوا الولاء للدعوة الجديدة، وليعلنوا بلسان الحال أن أعداء الدعوة الإسلامية لن يستطيعوا- مهما ضيقوا عليها ومهما عذبوا وآذوا أربابها ومهما قاطعوهم وائتمروا بهم- أن يمنعوها من أن تؤتي ثمارها أو أن يحبسوها عن الانتشار في مشارق الأرض ومغاربها.
وكأنما قد علم أبو جهل بهذه الحقيقة فتجلت آثارها على نفسه ولسانه في الكلمات الحاقدة التي واجه بها أفراد ذاك الوفد. ولكن ما عساه يصنع؟ إن كل ما يستطيع هو وأمثاله أن يصنعوه،
стр. 91
إنزال مزيد من التعذيب والإيذاء بالمسلمين. أما أن لا تبلغ الدعوة مداها وأن لا تؤتي ثمارها، فليس له إلى ذلك من سبيل.
ثانيا: ما هي نوعية الإيمان الذي آمنه أفراد هذا الوفد؟ هل هو إيمان من يخرج من ظلمات الكفر إلى النور؟
الواقع أن إيمانهم كان مجرد استمرار لإيمانهم السابق، ومجرد سلوك بمقتضى ما كانوا يتمسكون به من عقيدة ودين. فقد كانوا (على حد تعبير رواة السيرة) أهل إنجيل يؤمنون به، ويسيرون على هديه. ولما كان الإنجيل يأمر باتباع الرسول الذي يأتي من بعد عيسى ﵇ ويتحدث عن صفاته ومميزاته، فقد كان من مقتضى استمرار إيمانهم، الإيمان بهذا النبي وهو محمد ﵊.
وإذن فإن إيمانهم به ﵊ لم يكن عملية انتقال من دين إلى دين بسبب تفضيل أحدهما على الآخر، وإنما كان استمرارا لحقيقة الإيمان بعيسى ﵇ وما أنزل إليه.
وهذا هو معنى قولهم فيما تحكيه عنهم الآية الشريفة: وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا، إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [القصص ٢٨/ ٥٣] أي إنا كنا مسلمين ومؤمنين بهذا الذي يدعو إليه محمد ﷺ ، من قبل بعثته، لأنه مما يدعو الإنجيل إلى الإيمان به.
وهذا هو شأن كل من تمسك تمسكا حقيقيا بما جاء به عيسى ﵊ أو بما جاء به موسى ﵊ إذ الإيمان بالإنجيل والتوراة يستدعي الإيمان بالقرآن ومحمد ﵊. ولذلك أمر الله رسوله أن يكتفي من دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام بمجرد مطالبتهم بتطبيق ما في التوراة أو الإنجيل الذي يدّعون الإيمان به، فقال ﷻ : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ [المائدة ٥/ ٦٨] .
وهذا يقتضي تأكيد ما بينّاه من أن الدين الحق واحد لم يتعدد، منذ خلق آدم ﵇ إلى بعثة نبينا محمد ﵌، وأن كلمة (الأديان السماوية) التي يستعملها بعض الناس، كلمة لا معنى لها.
نعم، هناك شرائع سماوية متعددة وكل شريعة سماوية ناسخة للشريعة التي قبلها. ولكن ينبغي أن لا نخلط بين (الدين) الذي يطلق أوّل ما يطلق على العقيدة و (الشريعة) التي تطلق على الأحكام السلوكية المتعلقة بالعبادات أو المعاملات.
стр. 92
عام الحزن
وهو العام العاشر من بعثته ﷺ ، فقد توفيت فيه زوجته خديجة بنت خويلد ﵂، وتوفي فيه عمه أبو طالب، ويقول ابن سعد في طبقاته: «كان بين وفاة خديجة وأبي طالب شهر وخمسة أيام» .
وقد كانت خديجة ﵂، كما قال ابن هشام، وزير صدق على الإسلام، يشكو الرسول إليها ويجد عندها أنسه وسلواه. أما أبو طالب، فقد كان عضدا وحرزا في أمره، وكان ناصرا له على قومه.
يقول ابن هشام: «فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابا.
ودخل رسول الله ﷺ بيته والتراب على رأسه، فقامت إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله ﷺ يقول لها: لا تبكي يا بنية فإن الله مانع أباك» «١٥» .
ولقد أطلق النبي ﷺ على هذا العام اسم (عام الحزن) لشدة ما كابد فيه من الشدائد في سبيل الدعوة.
العبر والعظات:
ترى، ما الحكمة في أن يتعجل قضاء الله تعالى في استلاب أبي طالب من الحياة، قبل أن يشتد ساعد المسلمين في مكة ويتكون لهم شيء من المنعة؟ ومعلوم أنه قد كان يحمي الرسول- قدر الإمكان- من كثير من المصائب والشدائد، وما الحكمة في أن يتعجل القضاء باستلاب زوجته خديجة ﵂، وقد كان يجد عندها أنسه وسلواه، وينفض بمساعدتها عن كاهله كثيرا من أحاسيس الشدائد والآلام؟
تبرز هنا ظاهرة هامة تتعلق بأساس العقيدة الإسلامية.
فلو أن أبا طالب بقي إلى جانب ابن أخيه يكلؤه ويحميه إلى أن تقوم الدولة الإسلامية في المدينة وريثما ينجو الرسول من أذى المشركين وقبضتهم، لكان في ذلك ما قد يوهم أن أبا طالب كان من وراء هذه الدعوة، وأنه هو الذي كان يدفعها إلى الأمام ويحميها بمكانته وسلطانه بين قومه، وإن لم يظهر الإيمان بها والانضواء تحت لوائها، ولجاء من يطيل ويطنب في بيان الحظ
стр. 93
الحسن الذي تهيأ للرسول ﷺ أثناء قيامه في الدعوة، بسبب حماية عمه له، بينما لم يتهيأ هذا الحظ لغيره من المسلمين من حوله، فأوذوا وهو محفوظ الجانب، وتعذبوا وهو مستريح البال.
لقد قضت حكمة الله تعالى أن يفقد الرسول عمه أبا طالب وزوجته خديجة بنت خويلد، ويفقد من حوله من كان في الظاهر حاميا له ومؤنسا، حتى تتجلّى حقيقتان هامتان:
أولاهما: أن الحماية والعناية والنصر، إنما يأتي كل ذلك من الله . ولقد تعهد الله أن يعصم رسوله من المشركين والأعداء، فسواء كان ثمة من يحميه من الناس أو لم يكن، فهو معصوم من الناس وستبلغ دعوته منتهاها من النصر والتوفيق.
ثانيتهما: ليس معنى العصمة من الناس أن لا يرى منهم إيذاء أو عذابا أو اضطهادا، وإنما معنى العصمة التي تعهد بها الله بقوله: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة ٥/ ٦٧] العصمة من القتل ومن أي صد أو عدوان من شأنه إيقاف الدعوة الإسلامية، فقد قضت حكمة الله تعالى أن يذوق الأنبياء من ذلك قدرا غير يسير، وذلك لا ينافي العصمة التي وعد بها أنبياءه ورسله.
ولذلك يقول الله لنبيّه بعد قوله: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، يقول له: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر ١٥/ ٩٧، ٩٨] .
ومن الحكم الجليلة لما قضت به سنة الله ، من أن يلاقي الرسول ما لاقى من المحنة في طريق الدعوة، أن يستسهلها ويستخف بها عامة المسلمين في كل عصر ممن أنيطت بهم مسؤولية الدعوة الإسلامية.
فلو أن النبي ﷺ نجح في دعوته بدون أي مشقة أو جهد، لطمع أصحابه والمسلمون من بعده بأن يستريحو كما استراح، ولا ستثقلوا المصائب والمحن التي قد يجدونها في طريقهم إلى الدعوة الإسلامية.
أما، والحالة هذه، فإن مما يخفف وقع المحنة والعذاب على المسلمين شعورهم أنهم يذوقون مما ذاقه رسول الله ﷺ وأنهم يسيرون في الطريق ذاتها التي أو ذي فيها رسول الله.
ومهما أصابهم من ألم السخرية بهم وإهانة الناس لهم، فإن ذلك لا يفتّ في عضدهم بعد أن رأوا رسول الله ﷺ قد ألقي التراب في السوق على رأسه حتى اضطر أن ينقلب إلى بيته لتقوم إحدى بناته فتغسل عن رأسه التراب، مع أنه حبيب الله وصفوته من خلقه. وسنجد في هجرته ﷺ إلى الطائف وما لاقاه إذ ذاك ما يجعل المسلمين يستسهلون كل محنة وعذاب في سبيل أن يضربوا مع رسولهم بنصيب مما قاساه وعاناه في سبيل الدعوة الإسلامية.
هذا شيء.
стр. 94
والشيء الآخر، الذي يتعلق بهذا المقطع من سيرته ﵊ هو أن بعض الناس يحسبون أن سبب تسمية الرسول لهذا العام عام الحزن إنما هو مجرد فقده ﷺ لعمه أبي طالب وزوجته خديجة بنت خويلد، وربما استساغوا إقامة علائم الحزن والحداد على موتاهم مدة طويلة من الزمن مستدلين بهذا.
والواقع أن هذا خطأ في الفهم والتقدير.
فالنبي ﷺ لم يحزن على فراق عمه وفراق زوجه ذلك الحزن الشديد، ولم يطلق على تلك السنة: عام الحزن، لمجرد أنه فقد بعض أقاربه فاستوحش لفقدهم. بل سبب ذلك ما أعقب وفاتهما من انغلاق معظم أبواب الدعوة الإسلامية في وجهه، فقد كانت حماية عمه له تترك مجالات كثيرة للدعوة وسبلا مختلفة للتوجيه والإرشاد والتعليم.. وكان يرى في ذلك بعض النجاح في العمل الذي أمره به ربه.
أما بعد وفاته، فقد سدّت في وجهه تلك المجالات، فمهما حاول وجد صدا وعدوانا، وحيثما ذهب وجد السبل مغلقة في وجهه، فيعود بدعوته كما ذهب بها؛ لم يسمعها أحد ولم يؤمن بها أحد، بل الكل ما بين مستهزئ ومعتد، ومتهكم به، فيحزنه أن يعود وهو لم يأت من الوظيفة التي كلفه الله بها بنتيجة، فمن أجله سمى ذلك العام عام الحزن.
بل، لقد كان حزنه على أن لا يؤمن الناس بالحق الذي جاء به، شيئا غالبا على نفسه، في أكثر الأحيان. ومن أجل تخفيف هذا الحزن عليه كانت تنزل الآيات مواسية له ومسلية، ومذكّرة إياه بأنه ليس مكلفا بأكثر من التبليغ، فلا داعي إلى أن يذهب نفسه عليهم حسرات إذا لم يستجيبوا ولم يؤمنوا. استمع مثلا إلى هذه الآيات:
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ، فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ، وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ. وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ، وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ، وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ [الأنعام ٦/ ٣٣- ٣٥] .
стр. 95
هجرة الرسول إلى الطائف
ولما نالت قريش من النبي ﷺ ما وصفناه من الأذى، خرج إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف ويرجو أن يقبلوا منه ما جاءهم به من عند الله .
ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ ساداته، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله وكلمهم بما جاءهم من أجله، فردوا عليه ردا منكرا، وفاجؤوه بما لم يكن يتوقع من الغلظة وسمج القول. فقام رسول الله من عندهم وهو يرجوهم أن يكتموا خبر مقدمه إليهم عن قريش إذن، فلم يجيبوه إلى ذلك أيضا. ثم أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى أن رجلي رسول الله ﷺ لتدميان، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى لقد شجّ في رأسه عدة شجاج «١٦» ، حتى وصل رسول الله إلى بستان لعتبة بن ربيعة، فرجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد ﵊، وقد أنهكه التعب والجراح، إلى ظل شجرة عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه. فلما اطمأنّ النبي ﷺ في ذلك الظلّ، رفع رأسه يدعو بهذا الدعاء: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك أو يحلّ عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك» .
ثم إن ابني ربيعة- صاحبي البستان- تحركت الشفقة في قلبيهما، فدعوا غلاما نصرانيا لهما يقال له (عداس) فأرسلا إليه قطفا من العنب في طبق، فلما وضع عداس العنب بين يدي رسول الله ﷺ وقال له: كل، مدّ الرسول يده قائلا: بسم الله. ثم أكل، فقال عداس متعجبا:
والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له الرسول: ومن أي البلاد أنت؟
وما دينك؟ قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى (قرية بالموصل) ، فقال الرسول ﷺ :
من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ فقال عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله ﷺ : ذلك أخي، كان نبيا وأنا نبي.. فأكبّ عداس على رسول الله ﷺ يقبل رأسه ويديه وقدميه» «١٧» .
стр. 96
قال ابن إسحاق: «ثم إن رسول الله ﷺ انصرف من الطائف راجعا إلى مكة، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي، فمرّ به النفر من الجن الذين ذكرهم الله ﵎، فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولّوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا.
وقد قصّ الله خبرهم عليه ﷺ في قوله: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ إلى قوله: وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف ٤٦/ ٢٩] ، وقوله: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ.. الآيات [الجن ٧٢/ ١] .
ثم عاد رسول الله ﷺ ومعه زيد بن حارثة- يريد دخول مكة. فقال له زيد: «كيف تدخل عليهم يا رسول الله وهم أخرجوك؟ فقال: يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه» . ثم أرسل رجلا من خزاعة إلى مطعم بن عدي يخبره أنه داخل مكة في جواره، فاستجاب مطعم لذلك. وعاد رسول الله ﷺ إلى مكة» «١٨» .
العبر والعظات:
إذا تأملنا، في هذه الهجرة التي قام بها النبي ﷺ ، وما انطوت عليه من العذاب الواصب الذي رآه ﵊، ثم في شكل عودته إلى مكة، نستخلص الأمور التالية:
أولا: إن ما كان يلاقيه النبي ﵊ من مختلف ألوان المحنة، لا سيما هذا الذي رآه في ذهابه إلى الطائف، إنما كان من جملة أعماله التبليغية للناس..
فكما أنه جاء يبلغنا العقيدة الصحيحة عن الكون وخالقه، وأحكام العبادات والأخلاق والمعاملات، كذلك جاء يبلغ المسلمين ما كلفهم الله به من واجب الصبر، ويبين لهم كيفية تطبيق الصبر والمصابرة اللذين أمر بهما في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا [آل عمران ٣/ ٢٠٠] .
ولقد علمنا النبي ﷺ القيام بالعبادات بالوسيلة التطبيقية، فقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» . وقال: «خذوا عني مناسككم» . وبناء على هذا المبدأ نفسه قاسى أمرّ أنواع المحن في سبيل الدعوة ليقول بلسان حاله لجميع الدعاة من بعده: «اصبروا كما رأيتموني أصبر» . وليبين أن الصبر ومصارعة الشدائد من أهم مبادئ الإسلام التي بعث بها إلى الناس كافة.
وربما يتوهم من اطلع على ظاهر سيرة هجرته ﵊ إلى الطائف، أنه ﷺ قد غلب على أمره هناك، وأن الضجر قد نال منه، وأنه ربما استعظم كل تلك المحن والمشاق التي أصابته، ولذلك توجه إلى الله بذلك الدعاء بعد أن اطمأن في بستان ابني ربيعة.
стр. 97
ولكن الحقيقة أنه ﵇ قد استقبل تلك المحن راضيا، وتجرع تلك الشدائد صابرا محتسبا، وإلا فقد كان بوسعه- لو شاء- أن ينتقم من السفهاء الذين آذوه ومن الزعماء الذين أغروا به أولئك السفهاء وردوه ذلك الرد المنكر، ولكنه ﵇ لم يشأ ذلك.
ودليل ذلك، ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت لرسول الله ﷺ :
«يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟
فقال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال:
إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت. قال: فناداني ملك الجبال وسلم عليّ ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك. فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال رسول الله: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا» .
إذن فإن رسول الله ﷺ كان يعلّم أصحابه وأمته من بعده بما كان يلاقيه، الصبر، بل وفن الصبر أيضا على جميع الشدائد والمكاره في سبيل الله .
ربما يقول قائل: فما معنى ارتفاع صوته بالشكوى إذن، وما معنى دعائه الذي تدل ألفاظه وصيغته على الضجر والملل من طول المحاولة التي لم تأت بنتيجة إلا الأذى والعذاب؟
والجواب، أن الشكوى إلى الله تعبد، والضراعة له والتذلل على بابه تقرب وطاعة. وللمحن والمصائب حكم، من أهمها أنها تسوق صاحبها إلى باب الله تعالى وتلبسه جلباب العبودية له، فليس إذن بين الصبر على المكاره والشكوى إلى الله تعالى أي تعارض، بل الواقع أن رسول الله ﷺ كان يعلمنا في حياته كلا الأمرين، فكان بصبره الشديد على المحن يعلمنا أن هذه هي وظيفة المسلمين عامة والدعاة إلى الله خاصة، وكان بطول ضراعته والتجائه إلى الله تعالى يعلمنا وظيفة العبودية ومقتضياتها.
على أن النفس البشرية مهما تسامت فهي لا تتجاوز دائرة بشريتها على كل حال، والإنسان مجبول في أصل فطرته على الإحساس والشعور.. الشعور بلذة النعيم والشعور بألم العذاب، وهو مجبول على الركون إلى الأول والفزع من الثاني.
وهذا يعني أن رسول الله ﷺ ، حتى وهو يوطّن نفسه لتلقي كل أنواع الضر والعذاب في سبيل ربه فهو مع ذلك بشر، يتألم للضر ويستريح للنعيم.
стр. 98
ولكنه مع هذا يفضل الضر مهما كانت آلامه، على النعيم مهما كانت لذائذه، إرضاء لوجه ربه وأداء لحق العبودية عليه. ولا ريب أن هذا هو مناط استحصال الثواب وظهور معنى التكليف للإنسان.
ثانيا: إذا تأملت في مشاهد سيرته ﷺ مع قومه، وجدت أن ما كان يجده ﷺ من الأذى في هذه المشاهد قد يكون قاسيا شديدا، بيد أنك واجد في كل مشهد منها ما يعتبر ردا إلهيا على ذلك الإيذاء وما يهدف إليه أربابه. كي يكون في ذلك مواساة للرسول ﵊، وكي لا يتجمع في النفس من عوامل التألم والضجر ما يدخل إليها اليأس.
ففي مشهد هجرته ﷺ إلى الطائف، وما قد اكتنفها من العذاب المضني: عذاب الإيذاء وعذاب الخيبة- مما قد مرّ ذكره- تجد ردا إلهيا واضحا على سفاهة أولئك الذين آذوه ولحقوا به واعتذارا له عن سفاهتهم وغلظتهم، تجد ذلك في مظهر الرجل النصراني (عداس) حينما جاء يسعى إليه وفي يده طبق فيه عنب، ثم انكب فجعل يقبل رأسه ويديه ورجليه وذلك عندما أخبره ﵊ أنه نبي.
وحسبنا لتصوير مشهد هذا الاعتذار من إيذاء أولئك السفهاء، أن ننقل لك كلام مصطفى صادق الرافعي ﵀ في ذلك، بعد أن ذكر القصة:
«يا عجبا لرموز القدر في القصة! ..
لقد أسرع الخير والكرامة والإجلال، فأقبلت تعتذر عن الشر والسفاهة والطيش، وجاءت القبلات بعد كلمات العداوة.
وكان ابنا ربيعة من ألد أعداء الإسلام، وممن مشوا إلى أبي طالب عم النبي ﷺ من أشراف قريش يسألونه، أن يكفه عنهم أو يخلي بينهم وبينه، أو ينازلوه وإياه حتى يهلك أحد الفريقين. فانقلبت الغريزة الوحشية إلى معناها الإنساني الذي جاء به هذا الدين لأن المستقبل الديني للفكر لا للغريزة.
وجاءت النصرانية تعانق الإسلام وتعزه. إذ الدين الصحيح من الدين الصحيح كالأخ من أخيه، غير أن نسب الأخوة الدم، ونسب الدين العقل.
ثم أتم القدر رمزه في هذه القصة، بقطف العنب سائغا عذبا مملوءا حلاوة. فباسم الله كان قطف العنب رمزا لهذا العنقود الإسلامي العظيم الذي امتلأ حبّا، كل حبة فيه مملكة» «١٩» .
ثالثا: وفيما كان يفعله زيد بن حارثة ﵁، من وقاية للرسول ﷺ بنفسه، من حجارة السفهاء، حتى إنه شج في رأسه عدة شجاج، نموذج لما ينبغي أن يكون عليه حال المسلم
стр. 99
بالنسبة لقائد الدعوة، من حمايته له بنفسه ودفاعه عنه وإن اقتضى ذلك التضحية بحياته.
هكذا كانت حال الصحابة ﵃ بالنسبة لرسول الله ﷺ . ولئن كان رسول الله ﷺ غير موجود اليوم بيننا، فلا يتصور الدفاع عنه على النحو الذي كان يفعله أصحابه ﵃، فإن ذلك يتحقق على نحو آخر؛ هو أن لا نضن على أنفسنا بالمحن والعذاب في سبيل الدعوة الإسلامية وأن نسهم بشيء من تحمل الجهد والمشاق التي تحملها النبي ﵊.
على أنه ينبغي أن يكون هنالك قادة للدعوة الإسلامية في كل عصر وزمن، يخلفون قيادة النبي ﷺ في الدعوة. فعلى المسلمين كلهم أن يكونوا من حولهم جنودا مخلصين لهم، يفدونهم بالمهج والأموال، كما كان شأن المسلمين مع رسول الله ﷺ .
رابعا: فيما قصه علينا ابن إسحاق من استماع النفر من الجن إليه، وهو يصلي من جوف الليل بنخلة، دليل على وجود الجن وأنهم مكلفون، وأن منهم من آمن بالله ورسوله ومنهم من كفر ولم يؤمن. وقد ارتفعت هذه الدلالة إلى درجة القطع، بحديث القرآن عنهم في نصوص قاطعة صريحة، كالآيات التي في صدر سورة الجن، وكقوله تعالى في سورة الأحقاف: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ إلى قوله تعالى: وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف ٤٦/ ٢٩- ٣١] .
واعلم أن هذه القصة التي ساقها ابن إسحاق ورواها ابن هشام في سيرته، قد ذكرها البخاري ومسلم والترمذي على نحو قريب وبتفصيل آخر.
واللفظ الذي رواه البخاري بسنده عن ابن عباس «أنه ﷺ انطلق في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين فقالوا: ما لكم قد حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب؟ قال:
ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث، فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء؟ قال: فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ بنخلة وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلّي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن تسمعوا له، فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا، وأنزل الله على نبيه ﷺ : قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجن، وإنما أوحي إليه قول الجن» «٢٠» .
стр. 100
واللفظ الذي رواه مسلم والترمذي، متفق مع هذا، ولكنهما زادا عليه في صدر الحديث:
«ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم، انطلق في طائفة..» الحديث.
قال في الفتح: «فكأن البخاري حذف هذه اللفظة عمدا، لأن ابن مسعود أثبت أن النبي ﷺ قرأ على الجن، فكان ذلك مقدّما على نفي ابن عباس، وقد أشار إلى ذلك مسلم، فأخرج عقب حديث ابن عباس هذا حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ ، قال: أتاني داعي الجن فانطلقت معه فقرأت عليه القرآن، ويمكن الجمع بالتعدد» «٢١» أي يمكن الجمع بين الروايتين بتعدد الحادثة.
ثم إن هذا الذي رواه مسلم والبخاري والترمذي يختلف عما رواه ابن إسحاق من ناحيتين:
الأولى: أن رواية ابن إسحاق خالية عن الإشارة إلى أنه كان يصلي بأصحابه، بل هي تفيد أنه كان يصلي منفردا، في حين أن الروايات الأخرى ذكرت أنه كان يصلي بأصحابه.
الثانية: أن رواية ابن إسحاق ليس فيها تقييد الصلاة بالفجر، والروايات الأخرى تنص على أنه كان يصلي الفجر.
فأما رواية ابن إسحاق فلا إشكال فيها. غير أن الرواية الأخرى تشكل من ناحيتين:
الأولى: أن النبي ﷺ لم يكن معه في ذهابه إلى الطائف ورجوعه منها إلا زيد بن حارثة، كما قد علمت، فكيف يستقيم أنه كان يصلي بطائفة من أصحابه؟
الثانية: أن الصلوات الخمس لم تشرع إلا ليلة الإسراء والمعراج، وإنما كان المعراج بعد ذهاب الرسول إلى الطائف، على ما ذهب إليه كثير من المحققين، فكيف يستقيم أنه كان يصلي الفجر؟
والجواب عن الإشكال الأول، أنه يحتمل أن يكون قد التقى ببعض من أصحابه عندما وصل إلى نخلة (وهو مكان قريب من مكة) فصلى بهم الفجر هناك.
أما الإشكال الثاني، فجوابه، أن يقال بأن حادثة الجن واستماعهم للقرآن منه ﷺ تكرر أكثر من مرة، فقد رويت مرة عن ابن عباس ورويت بصورة أخرى عن ابن مسعود، وكل منهما صحيح، وهذا ما ذهب إليه جمهور المحققين «٢٢» هذا على القول بأن حادثة الإسراء والمعراج كانت بعد الهجرة إلى الطائف أما على القول بأنها كانت قبل ذلك فلا إشكال ألبته.
والذي يهمنا أن نعلمه بعد هذا كله، هو أن على المسلم أن يؤمن بوجود الجن، وبأنهم كائنات حية كلفها الله بعبادته كما كلفنا بذلك، ولئن كانت حواسنا ومداركنا لا تشعر بهم، فذلك
стр. 101
لأن الله جعل وجودهم غير خاضع للطاقة البصرية التي بثها في أعيننا، ومعلوم أن أعيننا إنما تبصر أنواعا معينة من الموجودات بقدر معين وبشروط معينة.
ولما كان وجود هذه الخليقة مسندا إلى أخبار يقينية متواترة وردت إلينا من الكتاب والسنة، وكان أمرها معلوما من الدين بالضرورة أجمع المسلمون على أن إنكار الجن أو الشك في وجودهم يستلزم الردة والخروج عن الإسلام. إذ أن إنكارهم إنكار لشيء علم أنه من الدين بالضرورة، عدا أنه يتضمن تكذيب الخبر الصادق المتواتر الوارد إلينا عن الله وعن رسوله.
ولا ينبغي أن يقع العاقل في أشد مظاهر الغفلة والجهل من حيث يزعم أنه لا يؤمن إلا بما يتفق مع (العلم) ، فيمضي يتبجح بأنه لا يعتقد بوجود الجان، من أجل أنه لم ير الجان ولم يحسّ بهم.
إن من البداهة بمكان أن مثل هذا الجهل المتعالم، يستدعي إنكار كثير من الموجودات اليقينية لسبب واحد هو عدم إمكان رؤيتها. والقاعدة العلمية المشهورة تقول: عدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود؛ أي عدم رؤيتك لشيء تفتش عنه لا يستلزم أن يكون بحد ذاته مفقودا أو غير موجود.
خامسا: ما موقع كل ما رآه النبي ﷺ في سياحته هذه في الطائف وما أثر كل هذا الذي عاناه، في نفسه؟
يتضح الجواب على هذا فيما قاله النبي ﵊ لزيد بن حارثة، حينما سأله زيد متعجبا: «كيف تعود يا رسول الله إلى مكة وهم أخرجوك» ؟ فقد أجابه في ثقة واطمئنان قائلا:
«يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيّه» .
وإذن فإن كل ذاك الذي رآه وعاناه في الطائف، بعد القسوة والعذاب اللذين رآهما في مكة، لم يكن له أي تأثير على ثقته بالله تعالى أو على قوة العزيمة الإيجابية في نفسه.
ولا والله، ليست هذه عزيمة بشر أوتي طبعه مزيدا من التحمل أو قوة الإرادة.
ولكنه يقين النبوة كان ثابتا في قلبه ﷺ فهو يعلم أنه إنما ينفذ أمر ربه ويسير في الطريق التي أمره الله أن يسير فيها، ومما لا ريب فيه أن الله بالغ أمره، وقد جعل لكل شيء قدرا.
والفائدة التعليمية لنا في هذا الأمر، هي أن لا تصدنا المحن والعقبات التي تكون في طريق الدعوة الإسلامية عن السير، وأن لا تبثّ فينا روح الدعة والكسل، ما دمنا نسير على هدى من
стр. 102
الإيمان بالله وتوفيقه فمن استمد القوة من الله جدير به أن لا يعرف لليأس والكسل معنى، إذ مادام هو الآمر، فلا شك أنه هو الناصر أيضا.
وإنما يأتي التخاذل والكسل واليأس بسبب العقبات والمحن التي تعترض السبل والمبادئ الأخرى التي لم يأمر بها الله ، إذ في مثل هذه الحال يركن العاملون إلى قوتهم الخاصة بهم وجهودهم التي يستقلون بها. ومعلوم أن كل ذلك محدود بنطاق بشري معين، فمن الطبيعي أن ينقلب كل من القوة والتصميم بسبب طول المعاناة والآلام والمحن، إلى يأس وتخاذل نظرا لمقياس القوة البشرية المحدودة.
стр. 103
معجزة الإسراء والمعراج
ويقصد بالإسراء الرحلة التي أكرم الله بها نبيه من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بالقدس، أما المعراج فهو ما أعقب ذلك من العروج به إلى طبقات السماوات العلا ثم الوصول به إلى حد انقطعت عنده علوم الخلائق من ملائكة وإنس وجن، كل ذلك في ليلة واحدة.
وقد اختلف في ضبط تاريخ هذه المكرمة الإلهية هل كانت في العام العاشر من بعثته ﷺ أم بعد ذلك. والذي رواه ابن سعد في طبقاته الكبرى أنها كانت قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا.
وجمهور المسلمين على أن هذه الرحلة كانت بالجسم والروح معا، ولذلك فهي من معجزاته الباهرة التي أكرمه الله بها.
أما قصة ذلك فقد رواها البخاري ومسلم بطولها.
وفيها أنه ﷺ أتي بالبراق، وهو دابة فوق حمار ودون بغل، يضع حافره عند منتهى طرفه.. وفيها أنه ﷺ دخل المسجد الأقصى فصلى فيه ركعتين، ثم أتاه جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاختار ﵊ اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة.. وفيها أنه عرج به ﷺ إلى السماء الأولى فالثانية فالثالثة.. وهكذا حتى ذهب به إلى سدرة المنتهى وأوحى الله إليه عندئذ ما أوحى.. وفيها فرضت الصلوات الخمس على المسلمين، وهي في أصلها خمسون صلاة في اليوم والليلة «٢٣» .
ولما كانت صبيحة اليوم التالي وحدث رسول الله ﷺ الناس بما شاهد، طفق المشركون يجمع بعضهم بعضا ليتناقلوا هذا الخبر الطريف ويضحكوا منه. وتحداه بعضهم أن يصف لهم بقايا بيت المقدس ما دام أنه قد ذهب إليه وصلى فيه، والرسول حينما زاره لم يخطر في باله أن يجيل النظر في أطرافه ويحفظ أشكاله وعدد سواريه، فجلّى له الله صورته بين عينيه وأخذ يصفه لهم وصفا تفصيليا كما يسألون. روى البخاري ومسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لما كذبتني قريش قمت في الحجر، فجلّى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه» .
стр. 104
أما أبو بكر ﵁ فقد حدثه بعض المشركين عما يقوله الرسول، رجاء أن يستعظمه فلا يصدقه، فقال: «إن كان قال ذلك لقد صدق، إني لأصدقه على أبعد من ذلك» .
وفي صبيحة ليلة الإسراء جاء جبريل وعلم رسول الله ﷺ كيفية الصلاة وأوقاتها. وكان ﵇ قبل مشروعية الصلاة يصلي ركعتين صباحا ومثليهما مساء كما كان يفعل إبراهيم ﵇.
العبر والدلالات:
أولا- كلمة عن الرسول والمعجزات:
يولع بعض الباحثين بالمبالغة في تصوير حياة النبي ﷺ على أنها حياة بشرية عادية، وذلك من خلال الإطناب في بيان أن حياته ﷺ ، لم تكن معقدة وراء الخوارق والمعجزات، بل كان منكرا لها غير عابئ بها ولا ملتفت إلى المطالبين بها، وأنه كان يؤكد دائما أن المعجزات والخوارق ليست من شأنه وليس له إليها سبيل، ويكثرون في هذا من الاستشهاد بمثل قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ بحيث يخيل إلى القارئ أو السامع أن سيرته ﷺ كانت بعيدة كل البعد عن المعجزات والآيات التي يؤيد الله بها في العادة أنبياءه الصادقين.
وإذا أمعنا في منبع هذه النظرية عن رسول الله ﷺ ، نجد أنها في الأصل فكرة بعض المستشرقين والباحثين الأجانب من أمثال غوستاف لوبون، وأوجست كونت، وهيوم، وجولد زيهر، وغيرهم. وأساس هذه النظرية عندهم وسببها، هو عدم الإيمان بخالق المعجزات أولا. ذلك لأن الإيمان بالله إذا استقر في النفس، سهل الإيمان بكل شيء بعد ذلك ولم يبق شيء في الدنيا يستحق أن يسمى في الحقيقة معجزة.
ثم تلقف هذه النظرية منهم، أناس من المسلمين، كان من سوء حظ العالم الإسلامي، أن جندوا كل مساعيهم وعلومهم للتبشير بأفكار أولئك الأجانب دون أي مؤيد سوى الافتتان بزخرف خداعهم وانخطاف أبصارهم بمظهر النهضة العلمية التي هبت في أنحاء أوربا. وكان من هؤلاء المسلمين الشيخ محمد عبده، ومحمد فريد وجدي، وحسين هيكل..
ثم نظر محترفو التشكيك وأرباب الغزو الفكري، فوجدوا في هذا الذي يقوله بعض من المسلمين أنفسهم ما يفتح لهم آفاقا وميادين جديدة لغزوهم الفكري وتشكيك المسلمين بدينهم، يغنيهم عن وسيلتهم العتيقة.. وسيلة الحرب المباشرة للعقيدة الإسلامية وغرس الأفكار الإلحادية في الرؤوس.
فراحوا يروجون صفات معينة لرسول الله ﷺ كالبطولة والعبقرية والقيادة في عبارات من الإعجاب والإطراء، ويبالغون في الوقت ذاته في تصوير حياته العامة بعيدة عن كل ما لا يدركه
стр. 105
العقل من المعجزات وخوارق العادات، كي يتم لهم إنشاء صورة جديدة للنبي ﷺ في أذهان المسلمين مع مرور الزمن، قد تكون صورة (محمد العبقري) أو تكون صورة (محمد القائد) أو تكون صورة (محمد البطل) ولكنها لا ينبغي أن تكون على أي حال من الأحوال صورة (محمد النبي والرسول) إذ تكون جميع حقائق النبوة بما يحف بها ويستلزمها من وحي.. وغيبيات وخوارق، قد قذف بها- بعامل هذا الترويج لألقاب العبقرية والبطولة البعيدين عن المعجزات والخوارق- إلى عالم ما يسمونه: الميثيولوجيا (الأساطير) ذلك لأن ظاهرة الوحي والنبوة تعتبران في رأس المعجزات.
وحينئذ لا ينبغي أن يتصور- بطبيعة الحال- أي سبب لتكاثر مختلف الناس والأمم من حول الرسول وانضوائهم تحت لوائه وانسياقهم في دعوته، إلا التأثر بعبقريته ومقومات القيادة في حياته. وانظر! .. فإن هذا القصد الذي يهدفون إليه يتجلى واضحا في إشاعة كلمة (محمديين) كتسمية جديدة بدلا عن: مسلمين.
ولكن ما هو موقع هذا التخيّل والتّصور من حقيقة أمر محمد ﷺ وشأنه، إذا ما حاولنا استجلاء الحقيقة على ضوء البحث المنطقي والموضوعي؟
أولا: إذا عدنا إلى التأمل في ظاهرة الوحي التي تجلت واضحة في حياته ﵊ (وقد مرّ البحث فيها بتفصيل واف) رأينا أن أبرز صفة في حياته ﵊ هي (النّبوة) لا شك في ذلك ولا ريب، والنّبوة هي من المعاني الغيبية التي لا تخضع لمقاييسنا المحسوسة وإذن فإن معنى المعجزة الخارقة قائم في أصل كيانه ﵊. فلا يتسنى نفي المعجزات والخوارق عنه ﷺ إلا بهدم معنى النّبوّة نفسها ونسخها من حياته، وذلك يساوي بالبداهة إنكار الدين نفسه. ولئن لم يصرح بهذه النتيجة بعض الباحثين من المستشرقين، مكتفين ببيان ذكاء الرسول ومدى عبقريته وشجاعته وسياسته للأمور، فذلك اكتفاء منهم برسم المقدمات عن بيان النتائج، إذ النتيجة تأتي بطبيعتها بعد التسليم بمقدماتها.
على أن كثيرين صرّحوا بالنتيجة، بعد أن ضاقت بها صدورهم، مثل شبلي شميل حينما سمى الإيمان بالدين إيمانا بالمعجزة المستحيلة «٢٤» ! ..
وأنت خبير أنه لا معنى للبحث في إنكار جزئيات المعجزات أو إثباتها، إذا كان أصل الدين محل شك أو إنكار.
ثانيا: إذا تأملنا في سيرته ﷺ ووقائع حياته، وجدنا أن الله أجرى
стр. 106
معجزات كثيرة على يديه، لا مناص من قبولها ولا مجال لردها، لأنها نقلت إلينا بالأسانيد الصحيحة المتواترة التي ترتقي بالفكر والعقل إلى درجة القطع واليقين.
فمن ذلك حديث نبع الماء من بين أصابعه الشريفة، أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، ومسلم في كتاب الفضائل، ومالك في الموطأ في كتاب الطهارة. وغيرهم من أئمة الحديث بطرق مختلفة كثيرة، حتى نقل الزرقاني عن القرطبي قوله: «إن نبع الماء من بين أصابعه ﷺ تكرر في عدة مواطن في مشاهد عظيمة، وورد من طرق كثيرة يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي» «٢٥» .
ومن ذلك حديث انشقاق القمر على عهده ﷺ حينما سأله المشركون ذلك، فقد أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، وأخرجه مسلم في كتاب صفة القيامة، وأخرجه غيرهما من عامة علماء الحديث. وقال ابن كثير: «وقد وردت بذلك الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة..» . وهذا أمر متفق عليه بين العلماء: أنه وقع في زمان النّبي ﷺ ، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات «٢٦» .
ومن ذلك حديث الإسراء والمعراج الذي نسوق هذا البحث بمناسبته، وهو حديث متفق عليه لا تنكر قطعية ثبوته. وهو بإجماع جماهير المسلمين من أبرز معجزاته.
ومن العجيب أن هؤلاء الذين لا يفتأون يروجون صفة العبقرية، والعبقرية وحدها للرسول ﷺ ويبعدون اسم المعجزات والخوارق عن حياته يتجاهلون هذه الأحاديث المتواترة التي بلغت من الصحة درجة القطع، فلا يتحدثون عنها سلبا ولا إيجابا كأن كتب الحديث غير ممتلئة بها، يعدّ لكل منها ما قد يزيد على عشرة طرق.
ومن الواضح أن سبب هذا التجاهل هو التهرب من الإشكال العويص الذي سيواجهونه لدى النظر في هذه الأحاديث: إذ هي تناقض في خط صريح واضح النظرية التي تطوف برؤوسهم «٢٧» .
ثالثا: المعجزة؛ كلمة لا يوجد لها معنى ذاتي عند التأمل والتدبّر، وما يراد بها إنما هو معنى نسبي مجرد. فالمعجزة فيما تواضع عليه اصطلاح الناس كل أمر خارج على المألوف والعادة. وكل من المألوف يتطور بتطور الأزمنة والعصور، ويختلف باختلاف الثقافات والمدارك والعلوم. فربّ
стр. 107
أمر كان قبل فترة من الزمن معجزة فانقلب اليوم إلى شيء معروف ومألوف. وربّ أمر مألوف في بيئة متمدنة مثقفة، ينقلب معجزة بين أناس بدائيين غير مثقفين.
بل الحق الذي يفهمه كل عاقل، أن المألوف وغير المألوف، معجزة في أصله.
فالكواكب معجزة، وحركة الأفلاك معجزة، وقانون الجاذبية معجزة، والمجموعة العصبية في الإنسان معجزة، والدورة الدموية فيه معجزة، والروح التي فيه معجزة، والإنسان نفسه معجزة، وكم كان دقيقا ذلك العالم الفرنسي (شاتوبريان) الذي أطلق على الإنسان اسم (الحيوان الميتافيزيقي) أي الحيوان الغيبي المجهول.
غير أن الإنسان ينسى- من طول الإلف واستمرار العادة- وجه المعجزة وقيمتها في هذا كله، فيحسب جهلا منه وغرورا أن المعجزة هي تلكم التي تفاجئ ما ألفه واعتاده فقط! .. ثم يمضي يتّخذ مما ألفه واعتاده مقياسا لإيمانه بالأشياء أو كفره بها! .. وهذا جهل عجيب من الإنسان مهما ترقى في مدارج المدنيّة والعلم! ..
وتأمل يسير من الإنسان، يوضح له بجلاء أن الإله الذي خلق معجزة هذا الكون كله، ليس عسيرا عليه أن يزيد فيه معجزة أخرى أو أن يبدل ويغيّر في بعض أنظمته التي أنشأ العالم عليها ولقد تأمل مثل هذا التأمل المستشرق الإنكليزي (وليم جونز) ، حينما قال:
«القدرة التي خلقت العالم، لا تعجز عن حذف شيء منه أو إضافة شيء إليه، ومن السهل أن يقال عنه أنه غير متصور عند العقل، لكن الذي يقال عنه أنه غير متصور، ليس غير متصور إلى درجة وجود العالم!» .
يقصد أنه لو لم يكن هذا العالم موجودا، وقيل لواحد ممن ينكر المعجزات والخوارق ولا يتصور وجودها: سيوجد عالم كذا، فإنه سيجيب رأسا، إن هذا غير متصور، ويأتي نفيه لتصور ذلك أشد بكثير من نفيه لتصور معجزة من المعجزات.
فهذا ما ينبغي أن يفهمه كل مسلم عن الرسول ﷺ وما أكرمه الله به من المعجزات.
ثانيا: موقع معجزة الإسراء والمعراج من الأحداث التي كانت تمرّ برسول الله ﷺ في ذلك الحين.
لقد عانى رسول الله ﷺ ألوانا كثيرة من المحن التي لاقاها من قريش، وكان آخرها ما عاناه لدى هجرته إلى الطائف مما مرّ ذكره وبيانه. ولقد ظهر في دعائه الذي ناجى به ربّه بعد أن جلس يستريح في بستان ابني ربيعة ما يتعرض له كل بشر من الشعور بالضعف والحاجة إلى النصير وذلك هو مظهر عبودية الإنسان لله تعالى. وظهر في التجائه ذلك شيء من معنى الشكاة
стр. 108
إليه ، والطمع منه في عافيته ومعونته، ولعله خشي أن يكون الذي يلاقيه إنما هو بسبب غضب من الله عليه لأمر ما. ولذلك كان من جملة دعائه قوله: «إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي» .
فجاءت ضيافة الإسراء والمعراج من بعد ذلك تكريما من الله تعالى له، وتجديدا لعزيمته وثباته، ثم جاءت دليلا على أن هذا الذي يلاقيه ﵊ من قومه ليس بسبب أن الله قد تخلّى عنه، أو أنه قد غضب عليه، وإنما هي سنّة الله مع محبيه ومحبوبيه. وهي سنّة الدعوة الإسلامية في كل عصر وزمن.
ثالثا: المعنى الموجود في الإسراء به ﷺ إلى بيت المقدس.
إن في الاقتران الزمني بين إسرائه ﵊ إلى بيت المقدس والعروج به إلى السموات السبع، لدلالة باهرة على مدى ما لهذا البيت من مكانة وقدسية عند الله تعالى. وفيه دلالة واضحة أيضا على العلاقة الوثيقة بين ما بعث به كل من عيسى بن مريم ومحمد بن عبد الله عليهما الصلاة والسلام، وعلى ما بين الأنبياء من رابطة الدين الواحد الذي ابتعثهم الله به.
وفيه دلالة على مدى ما ينبغي أن يوجد لدى المسلمين في كل عصر ووقت، من الحفاظ على هذه الأرض المقدسة، وحمايتها من مطامع الدخلاء وأعداء الدين، وكأن الحكمة الإلهية تهيب بمسلمي هذا العصر أن لا يهنوا ولا يجبنوا ولا يتخاذلوا أمام عدوان اليهود على هذه الأرض المقدسة، وأن يطهروها من رجسهم، ويعيدوها إلى أصحابها المؤمنين.
ومن يدري؟ فلعل واقع هذا الإسراء العظيم هو الذي جعل صلاح الدين الأيوبي ﵀ يستبسل ذلك الاستبسال العظيم ويفرغ كل جهده في سبيل صدّ الهجمات الصليبية عن هذه البقعة المقدسة حتى ردهم على أعقابهم خائبين.
رابعا: وفي اختيار النّبي ﷺ اللبن على الخمر حينما قدمها له جبريل ﵇ دلالة رمزية على أن الإسلام هو دين الفطرة، أي الدين الذي ينسجم في عقيدته وأحكامه كلها مع ما تقتضيه نوازع الفطرة الإنسانية الأصيلة، فليس في الإسلام شيء مما يتعارض والطبيعة الأصيلة في الإنسان ولو أن الفطرة كانت جسما ذا طول وأبعاد، لكان الدين الإسلامي الثوب المفصل على قدره.
وهذا من أسرار سعة انتشاره وسرعة تقبّل الناس له. إذ الإنسان مهما ترقى في مدارج الحضارة وغمرته السعادة المادية، فإنه يظل نزاعا إلى استجابة نوازع الفطرة لديه، ميالا إلى الانعتاق عن
стр. 109
ربقة التكلفات والتعقيدات البعيدة عن طبيعته، والإسلام هو النظام الوحيد الذي يستجيب لأعمق نوازع الفطرة البشرية.
خامسا: كان الإسراء والمعراج بكل من الروح والجسد معا. على ذلك اتّفق جمهور المسلمين من المتقدمين والمتأخرين. قال النووي في شرح مسلم ما نصه:
«والحق الذي عليه أكثر الناس ومعظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين أنه أسري بجسده ﷺ ، والآثار تدل عليه لمن طالعها وبحث عنها، ولا يعدل عن ظاهرها إلا بدليل ولا استحالة في حملها عليه فيحتاج إلى تأويل» «٢٨» .
ويقول ابن حجر في شرحه على البخاري: «إن الإسراء والمعراج وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسده وروحه، وإلى هذا ذهب جمهور من علماء الحديث والفقهاء والمتكلمين وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة ولا ينبغي العدول عن ذلك إذ ليس في العقل ما يحيله حتى يحتاج إلى تأويل» «٢٩» .
ومن الأدلة التي لا تقبل الاحتمال، على أن الإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح، ما ذكرنا من استعظام مشركي قريش لذلك، وتعجبهم للخبر وسرعة تكذيبهم له. إذ لو كانت المسألة مسألة رؤيا وكان إخباره إياهم لذلك على هذا الوجه، لما استدعى الأمر منهم أي تعجّب أو استعظام أو استنكار، لأن المرئيات في النوم لا حدود لها، بل يجوز مثل هذه الرؤيا حينئذ على المسلم والكافر. ولو كان الأمر كذلك لما سألوه أيضا عن صفات بيت المقدس وأبوابه وسواريه بقصد الإلزام والتّحدي.
أما، كيف تّمت هذه المعجزة، وكيف يتصورها العقل؟ فكما تتم كل معجزة غيرها من معجزات الكون والحياة! .. لقد قلنا آنفا أن كل مظاهر هذا الكون ليست في حقيقتها إلا معجزات، فكما تتصورها العقول في سهولة ويسر يمكن لها أن تتصور هذه أيضا في سهولة ويسر.
سادسا: احذر وأنت تبحث عن قصة الإسراء والمعراج أن تركن إلى ما يسمى ب (معراج ابن عباس) فهو كتاب ملفّق من مجموعة أحاديث باطلة لا أصل لها ولا سند، وقد شاء ذاك الذي فعل فعلته هذه أن يلصق هذه الأكاذيب بابن عباس ﵁، وقد علم كل مثقف بل كل إنسان عاقل أن ابن عباس بريء منه، وأنه لم يؤلف أي كتاب في معراج الرسول ﷺ ، بل وما ظهرت حركة التأليف إلا في أواخر عهد الأمويين.
стр. 110
ولما وقف دعاة السوء على هذا الكتاب ووجدوا فيه من الأكاذيب المنسوبة إلى رسول الله ﷺ ما يكفل زعزعة إيمان الكثيرين من الناس، راحوا يروجون له ويدعون إليه (وكان في جملة من كتب عنه مادحا ومعظما الدكتور لويس عوض، وما أدراك من هو لويس عوض) ، مع أنهم يعلمون قبل سائر الناس أنه كتاب مكذوب على ابن عباس وأن أحاديثه باطلة، ولكن الكذب سرعان ما ينقلب عندهم صحيحا إذا كان فيه ما يشوش أفكار المسلمين ويلبس عليهم دينهم.
عرض الرسول نفسه على القبائل وبدء إسلام الأنصار
كان النّبي ﷺ ، خلال هذه الفترة كلها، يعرض نفسه في موسم الحج من كل سنة على القبائل التي تتوافد إلى البيت الحرام، يتلو عليهم كتاب الله ويدعوهم إلى توحيد الله فلا يستجيب له أحد.
يقول ابن سعد في طبقاته: «كان رسول الله ﷺ يوافي الموسم كل عام يتّبع الحجاج في منازلهم في المواسم بعكاظ ومجنة وذي المجاز، يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربّه ولهم الجنة، فلا يجد أحدا ينصره، ويقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا وتملكوا بها العرب وتذلّ لكم العجم، وإذا آمنتم كنتم ملوكا في الجنة» ، وأبو لهب وراءه يقول: «لا تطيعوه فإنه صابئ كاذب» ، فيردون على رسول الله أقبح الرّد ويؤذونه» «٣٠» .
وروى ابن إسحاق عن الزهري: «أنّ النّبي ﷺ أتى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم نفسه، فقال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال الأمر إلى الله، يضعه حيث يشاء، قال، فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك» «٣١» .
وفي السنة الحادية عشرة من البعثة عرض نفسه على القبائل شأنه كل عام، فبينما هو عند