← Сира

Сира · id 23657

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

محمد سعيد البوطي

Полный текст (395 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

معجزات كثيرة على يديه، لا مناص من قبولها ولا مجال لردها، لأنها نقلت إلينا بالأسانيد الصحيحة المتواترة التي ترتقي بالفكر والعقل إلى درجة القطع واليقين. فمن ذلك حديث نبع الماء من بين أصابعه الشريفة، أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، ومسلم في كتاب الفضائل، ومالك في الموطأ في كتاب الطهارة. وغيرهم من أئمة الحديث بطرق مختلفة كثيرة، حتى نقل الزرقاني عن القرطبي قوله: «إن نبع الماء من بين أصابعه ﷺ تكرر في عدة مواطن في مشاهد عظيمة، وورد من طرق كثيرة يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي» «٢٥» . ومن ذلك حديث انشقاق القمر على عهده ﷺ حينما سأله المشركون ذلك، فقد أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، وأخرجه مسلم في كتاب صفة القيامة، وأخرجه غيرهما من عامة علماء الحديث. وقال ابن كثير: «وقد وردت بذلك الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة..» . وهذا أمر متفق عليه بين العلماء: أنه وقع في زمان النّبي ﷺ ، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات «٢٦» . ومن ذلك حديث الإسراء والمعراج الذي نسوق هذا البحث بمناسبته، وهو حديث متفق عليه لا تنكر قطعية ثبوته. وهو بإجماع جماهير المسلمين من أبرز معجزاته. ومن العجيب أن هؤلاء الذين لا يفتأون يروجون صفة العبقرية، والعبقرية وحدها للرسول ﷺ ويبعدون اسم المعجزات والخوارق عن حياته يتجاهلون هذه الأحاديث المتواترة التي بلغت من الصحة درجة القطع، فلا يتحدثون عنها سلبا ولا إيجابا كأن كتب الحديث غير ممتلئة بها، يعدّ لكل منها ما قد يزيد على عشرة طرق. ومن الواضح أن سبب هذا التجاهل هو التهرب من الإشكال العويص الذي سيواجهونه لدى النظر في هذه الأحاديث: إذ هي تناقض في خط صريح واضح النظرية التي تطوف برؤوسهم «٢٧» . ثالثا: المعجزة؛ كلمة لا يوجد لها معنى ذاتي عند التأمل والتدبّر، وما يراد بها إنما هو معنى نسبي مجرد. فالمعجزة فيما تواضع عليه اصطلاح الناس كل أمر خارج على المألوف والعادة. وكل من المألوف يتطور بتطور الأزمنة والعصور، ويختلف باختلاف الثقافات والمدارك والعلوم. فربّ

стр. 107

أمر كان قبل فترة من الزمن معجزة فانقلب اليوم إلى شيء معروف ومألوف. وربّ أمر مألوف في بيئة متمدنة مثقفة، ينقلب معجزة بين أناس بدائيين غير مثقفين. بل الحق الذي يفهمه كل عاقل، أن المألوف وغير المألوف، معجزة في أصله. فالكواكب معجزة، وحركة الأفلاك معجزة، وقانون الجاذبية معجزة، والمجموعة العصبية في الإنسان معجزة، والدورة الدموية فيه معجزة، والروح التي فيه معجزة، والإنسان نفسه معجزة، وكم كان دقيقا ذلك العالم الفرنسي (شاتوبريان) الذي أطلق على الإنسان اسم (الحيوان الميتافيزيقي) أي الحيوان الغيبي المجهول. غير أن الإنسان ينسى- من طول الإلف واستمرار العادة- وجه المعجزة وقيمتها في هذا كله، فيحسب جهلا منه وغرورا أن المعجزة هي تلكم التي تفاجئ ما ألفه واعتاده فقط! .. ثم يمضي يتّخذ مما ألفه واعتاده مقياسا لإيمانه بالأشياء أو كفره بها! .. وهذا جهل عجيب من الإنسان مهما ترقى في مدارج المدنيّة والعلم! .. وتأمل يسير من الإنسان، يوضح له بجلاء أن الإله الذي خلق معجزة هذا الكون كله، ليس عسيرا عليه أن يزيد فيه معجزة أخرى أو أن يبدل ويغيّر في بعض أنظمته التي أنشأ العالم عليها ولقد تأمل مثل هذا التأمل المستشرق الإنكليزي (وليم جونز) ، حينما قال: «القدرة التي خلقت العالم، لا تعجز عن حذف شيء منه أو إضافة شيء إليه، ومن السهل أن يقال عنه أنه غير متصور عند العقل، لكن الذي يقال عنه أنه غير متصور، ليس غير متصور إلى درجة وجود العالم!» . يقصد أنه لو لم يكن هذا العالم موجودا، وقيل لواحد ممن ينكر المعجزات والخوارق ولا يتصور وجودها: سيوجد عالم كذا، فإنه سيجيب رأسا، إن هذا غير متصور، ويأتي نفيه لتصور ذلك أشد بكثير من نفيه لتصور معجزة من المعجزات. فهذا ما ينبغي أن يفهمه كل مسلم عن الرسول ﷺ وما أكرمه الله به من المعجزات. ثانيا: موقع معجزة الإسراء والمعراج من الأحداث التي كانت تمرّ برسول الله ﷺ في ذلك الحين. لقد عانى رسول الله ﷺ ألوانا كثيرة من المحن التي لاقاها من قريش، وكان آخرها ما عاناه لدى هجرته إلى الطائف مما مرّ ذكره وبيانه. ولقد ظهر في دعائه الذي ناجى به ربّه بعد أن جلس يستريح في بستان ابني ربيعة ما يتعرض له كل بشر من الشعور بالضعف والحاجة إلى النصير وذلك هو مظهر عبودية الإنسان لله تعالى. وظهر في التجائه ذلك شيء من معنى الشكاة

стр. 108

إليه ، والطمع منه في عافيته ومعونته، ولعله خشي أن يكون الذي يلاقيه إنما هو بسبب غضب من الله عليه لأمر ما. ولذلك كان من جملة دعائه قوله: «إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي» . فجاءت ضيافة الإسراء والمعراج من بعد ذلك تكريما من الله تعالى له، وتجديدا لعزيمته وثباته، ثم جاءت دليلا على أن هذا الذي يلاقيه ﵊ من قومه ليس بسبب أن الله قد تخلّى عنه، أو أنه قد غضب عليه، وإنما هي سنّة الله مع محبيه ومحبوبيه. وهي سنّة الدعوة الإسلامية في كل عصر وزمن. ثالثا: المعنى الموجود في الإسراء به ﷺ إلى بيت المقدس. إن في الاقتران الزمني بين إسرائه ﵊ إلى بيت المقدس والعروج به إلى السموات السبع، لدلالة باهرة على مدى ما لهذا البيت من مكانة وقدسية عند الله تعالى. وفيه دلالة واضحة أيضا على العلاقة الوثيقة بين ما بعث به كل من عيسى بن مريم ومحمد بن عبد الله عليهما الصلاة والسلام، وعلى ما بين الأنبياء من رابطة الدين الواحد الذي ابتعثهم الله به. وفيه دلالة على مدى ما ينبغي أن يوجد لدى المسلمين في كل عصر ووقت، من الحفاظ على هذه الأرض المقدسة، وحمايتها من مطامع الدخلاء وأعداء الدين، وكأن الحكمة الإلهية تهيب بمسلمي هذا العصر أن لا يهنوا ولا يجبنوا ولا يتخاذلوا أمام عدوان اليهود على هذه الأرض المقدسة، وأن يطهروها من رجسهم، ويعيدوها إلى أصحابها المؤمنين. ومن يدري؟ فلعل واقع هذا الإسراء العظيم هو الذي جعل صلاح الدين الأيوبي ﵀ يستبسل ذلك الاستبسال العظيم ويفرغ كل جهده في سبيل صدّ الهجمات الصليبية عن هذه البقعة المقدسة حتى ردهم على أعقابهم خائبين. رابعا: وفي اختيار النّبي ﷺ اللبن على الخمر حينما قدمها له جبريل ﵇ دلالة رمزية على أن الإسلام هو دين الفطرة، أي الدين الذي ينسجم في عقيدته وأحكامه كلها مع ما تقتضيه نوازع الفطرة الإنسانية الأصيلة، فليس في الإسلام شيء مما يتعارض والطبيعة الأصيلة في الإنسان ولو أن الفطرة كانت جسما ذا طول وأبعاد، لكان الدين الإسلامي الثوب المفصل على قدره. وهذا من أسرار سعة انتشاره وسرعة تقبّل الناس له. إذ الإنسان مهما ترقى في مدارج الحضارة وغمرته السعادة المادية، فإنه يظل نزاعا إلى استجابة نوازع الفطرة لديه، ميالا إلى الانعتاق عن

стр. 109

ربقة التكلفات والتعقيدات البعيدة عن طبيعته، والإسلام هو النظام الوحيد الذي يستجيب لأعمق نوازع الفطرة البشرية. خامسا: كان الإسراء والمعراج بكل من الروح والجسد معا. على ذلك اتّفق جمهور المسلمين من المتقدمين والمتأخرين. قال النووي في شرح مسلم ما نصه: «والحق الذي عليه أكثر الناس ومعظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين أنه أسري بجسده ﷺ ، والآثار تدل عليه لمن طالعها وبحث عنها، ولا يعدل عن ظاهرها إلا بدليل ولا استحالة في حملها عليه فيحتاج إلى تأويل» «٢٨» . ويقول ابن حجر في شرحه على البخاري: «إن الإسراء والمعراج وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسده وروحه، وإلى هذا ذهب جمهور من علماء الحديث والفقهاء والمتكلمين وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة ولا ينبغي العدول عن ذلك إذ ليس في العقل ما يحيله حتى يحتاج إلى تأويل» «٢٩» . ومن الأدلة التي لا تقبل الاحتمال، على أن الإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح، ما ذكرنا من استعظام مشركي قريش لذلك، وتعجبهم للخبر وسرعة تكذيبهم له. إذ لو كانت المسألة مسألة رؤيا وكان إخباره إياهم لذلك على هذا الوجه، لما استدعى الأمر منهم أي تعجّب أو استعظام أو استنكار، لأن المرئيات في النوم لا حدود لها، بل يجوز مثل هذه الرؤيا حينئذ على المسلم والكافر. ولو كان الأمر كذلك لما سألوه أيضا عن صفات بيت المقدس وأبوابه وسواريه بقصد الإلزام والتّحدي. أما، كيف تّمت هذه المعجزة، وكيف يتصورها العقل؟ فكما تتم كل معجزة غيرها من معجزات الكون والحياة! .. لقد قلنا آنفا أن كل مظاهر هذا الكون ليست في حقيقتها إلا معجزات، فكما تتصورها العقول في سهولة ويسر يمكن لها أن تتصور هذه أيضا في سهولة ويسر. سادسا: احذر وأنت تبحث عن قصة الإسراء والمعراج أن تركن إلى ما يسمى ب (معراج ابن عباس) فهو كتاب ملفّق من مجموعة أحاديث باطلة لا أصل لها ولا سند، وقد شاء ذاك الذي فعل فعلته هذه أن يلصق هذه الأكاذيب بابن عباس ﵁، وقد علم كل مثقف بل كل إنسان عاقل أن ابن عباس بريء منه، وأنه لم يؤلف أي كتاب في معراج الرسول ﷺ ، بل وما ظهرت حركة التأليف إلا في أواخر عهد الأمويين.

стр. 110

ولما وقف دعاة السوء على هذا الكتاب ووجدوا فيه من الأكاذيب المنسوبة إلى رسول الله ﷺ ما يكفل زعزعة إيمان الكثيرين من الناس، راحوا يروجون له ويدعون إليه (وكان في جملة من كتب عنه مادحا ومعظما الدكتور لويس عوض، وما أدراك من هو لويس عوض) ، مع أنهم يعلمون قبل سائر الناس أنه كتاب مكذوب على ابن عباس وأن أحاديثه باطلة، ولكن الكذب سرعان ما ينقلب عندهم صحيحا إذا كان فيه ما يشوش أفكار المسلمين ويلبس عليهم دينهم. عرض الرسول نفسه على القبائل وبدء إسلام الأنصار كان النّبي ﷺ ، خلال هذه الفترة كلها، يعرض نفسه في موسم الحج من كل سنة على القبائل التي تتوافد إلى البيت الحرام، يتلو عليهم كتاب الله ويدعوهم إلى توحيد الله فلا يستجيب له أحد. يقول ابن سعد في طبقاته: «كان رسول الله ﷺ يوافي الموسم كل عام يتّبع الحجاج في منازلهم في المواسم بعكاظ ومجنة وذي المجاز، يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربّه ولهم الجنة، فلا يجد أحدا ينصره، ويقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا وتملكوا بها العرب وتذلّ لكم العجم، وإذا آمنتم كنتم ملوكا في الجنة» ، وأبو لهب وراءه يقول: «لا تطيعوه فإنه صابئ كاذب» ، فيردون على رسول الله أقبح الرّد ويؤذونه» «٣٠» . وروى ابن إسحاق عن الزهري: «أنّ النّبي ﷺ أتى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم نفسه، فقال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال الأمر إلى الله، يضعه حيث يشاء، قال، فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك» «٣١» . وفي السنة الحادية عشرة من البعثة عرض نفسه على القبائل شأنه كل عام، فبينما هو عند

стр. 111

العقبة (موضع بين منى ومكة منها ترمى جمرة العقبة) لقي رهطا «٣٢» من الخزرج أراد الله بهم الخير، فسألهم: «من أنتم؟» . قالوا: نفر من الخزرج. قال: أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى. فجلسوا معه فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن. وكان مما مهّد أفئدتهم لقبول الإسلام، أن اليهود كانوا معهم في بلادهم، ومعلوم أنهم أهل كتاب وعلم، فكان إذا وقع بينهم وبين اليهود نفرة أو قتال، قال لهم اليهود: إن نبيّا مبعوث الآن قد أطلّ زمانه، سنتّبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم!. فلما كلّم الرسول هؤلاء النفر، ودعاهم إلى الإسلام، نظر بعضهم لبعض وقالوا: «تعلمون والله إنه للنّبي الذي توعّدكم به يهود، فلا يسبقنّكم إليه» . فأجابوه إلى ما دعاهم إليه من الإسلام، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك. ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعزّ منك. ثم انصرفوا ووعدوه المقابلة في الموسم المقبل» «٣٣» . بيعة العقبة الأولى وانتشر الإسلام خلال تلك السّنة في المدينة، ولما كان العام الذي يليه، وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا، فلقوه بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله ﷺ على بيعة النساء (أي على نمطها في البنود التي بايع النساء عليها، أي إنه لم يبايعهم فيها على الحرب والجهاد، وكانت بيعة النساء ثاني يوم الفتح على جبل الصفا بعد ما فرغ من بيعة الرجال) وكان منهم: أسعد بن زرارة، ورافع بن مالك، وعبادة بن الصامت، وأبو الهيثم ابن التيهان. وقد روى عبادة بن الصامت خبر هذه المبايعة، فقال: كنا اثني عشر رجلا، فقال لنا رسول الله ﷺ : «تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن

стр. 112

وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه» . قال عبادة بن الصامت: «فبايعناه على ذلك» «٣٤» . فلما أرادوا الانصراف بعث رسول الله ﷺ معهم مصعب بن عمير وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين، فكان يسمى مقرئ المدينة. العبر والعظات: أرأيت كيف بدأ التحول في طبيعة ما كان يلاقيه النّبي ﷺ طوال هذه السنوات التي خلت من عمر بعثته ﷺ ؟ لقد أينع الصبر، وبدأ الجهد يثمر، واستغلظ زرع الدعوة وأخذ يستوي على سوقه ليعطي النتيجة والثمار. ولكن، فلنلتفت مرة أخرى- قبل البحث عن الثمرة والبشائر- إلى طبيعة ذلك الصبر النّبوي العظيم، أمام كل تلك الشدائد المختلفة الجسام. لقد رأينا أن النّبي ﷺ لم يكن يقصر الدعوة على قومه من قريش الذين لم يألوا جهدا في إذاقته كل أصناف المحن والمصائب. بل كان يدخل بين القبائل الآتية من خارج مكة من شتى الجهات والأطراف بمناسبة موسم الحج، فيعرض نفسه كدلال عليهم ويدعوهم إلى بضاعة الدّين وكنز التوحيد، ويذهب ويجيء بينهم فلا يرى مجيبا له. روى أحمد وأصحاب السّنن والحاكم وصححه: أن رسول الله ﷺ كان يعرض نفسه على الناس بالموسم فيقول: «هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشا منعوني أن أبلّغ كلام ربّي؟!» «٣٥» . إحدى عشرة سنة، والرسول ﷺ (بأبي هو وأمي) يعاني من حياة لا راحة فيها ولا استقرار، تتربص قريش في كل دقيقة منها بقتله، وتصب عليه ألوانا من المحن والشدائد، فلا ينقص ذلك شيئا من عزيمته ولا يضعف شيئا من قوته وسعيه. إحدى عشرة سنة، والرسول ﷺ يعاني من غربة هائلة مظلمة بين قومه وجيرانه وكافة الجماعات والقبائل المحيطة به، فلا ييأس ولا يضجر ولا يؤثر ذلك على شيء من أنسه بربّه . إحدى عشرة سنة من الجهاد والصبر المتواصل في سبيل الله وحده، هي الثمن والطريق إلى

стр. 113

نشأة مدّ إسلامي زاخر عظيم ينتشر في مشرق العالم وغربه، تتساقط أمامه قوة الروم وتتهاوى بين يديه عظمة فارس، وتذوب من حوله قيم النظم والحضارات. ثمن من الجهاد والصبر والتعب وخوض الشدائد، كان من السهل جدا على الله أن يقيم دعائم المجتمع الإسلامي بدونه. ولكن تلك هي سنّة الله في عباده، أراد أن يتحقق فيهم التعبّد له اختيارا، كما تحققت فيهم صفة العبودية له إجبارا. ولا يتحقق التعبّد بدون بذل الجهد، ولا يمحّص الصادق من المنافق بدون عذاب أو استشهاد، وليس من العدل أن يكسب الإنسان الغنم دون أن يبذل على ذلك شيئا من الغرم. من أجل ذلك كلّف الله الإنسان بأمرين اثنين: ١- إقامة شرعة الإسلام ومجتمعه. ٢- السير إلى ذلك في طريق شائكة مجهدة غير معبدة. والآن فلنتأمل في هذه الثمار التي أخذت تبدو على رأس إحدى عشرة سنة من دعوة الرسول ﵊، وطبيعتها، وكيفية نموها: أولا: جاءت هذه الثمار المنتظرة من خارج قريش بعيدة عن قومه ﵊ على الرغم من جواره معهم واحتكاكه بهم، فلماذا؟ قلنا في أوائل هذا الكتاب: لقد اقتضت حكمة الله الباهرة أن تسير الدعوة الإسلامية في سبيل لا تدع أي شك للمتأمل في طبيعتها ومصدرها، حتى يسهل الإيمان بها، ولا يقع أي التباس بينها وبين غيرها من الدعوات الأخرى. من أجل ذلك كان رسول الله ﷺ أميّا لا يقرأ ولا يكتب، ومن أجل ذلك بعث في أمة من الأميين الذين لم يقتبسوا حضارة ولم يعرفوا بمدنية أو ثقافة معينة، ومن أجل ذلك جعله الله مثال الخلق الكريم والأمانة والنزاهة. ومن أجل ذلك اقتضت حكمة الله أن يكون أنصاره الأول من غير بيئته وقومه، حتى لا يظن ظان بأن دعوة الرسول ﷺ كانت في حقيقتها دعوة قومية حاكتها رغبات قومه وظروف بيئته. وهذا في الواقع من أجلّ الدلائل التي تكشف للمتأمل أن يدا إلهية تحوط حياة الدعوة النبوية وظروفها من كل جانب، كي لا توجد في أي جانب منها ثغرة لمطعن، يقوم به مشكك أو محترف غزو فكري. وهذا ما قاله واحد من الباحثين الأجانب أنفسهم، فقد جاء في كتاب حاضر العالم الإسلامي، نقلا عن «دينه» قوله: «إن هؤلاء المستشرقين الذين حاولوا نقد سيرة النّبي ﷺ بهذا الأسلوب الأوربي المحض،

стр. 114

لبثوا ثلاثة أرباع قرن، يدققون ويمحصون بزعمهم، حتى يهدّموا ما اتفق عليه الجمهور من المسلمين من سيرة نبيّهم، وكان ينبغي لهم بعد هذه التدقيقات الطويلة العريضة أن يتمكنوا من هدم الآراء المقررة، والروايات المشهورة من السيرة النبوية، فهل تسنّى لهم شيء من ذلك؟ الجواب: لم يتمكنوا من إثبات أقل شيء جديد، بل إذا أمعنّا النظر في الآراء الجديدة التي أتى بها هؤلاء المستشرقون من فرنسيين وإنكليز وألمان وبلجيكيين وهولانديين، لا نجد إلا خلطا وخبطا، وإنك لترى كل واحد منهم يقرر ما نقضه غيره» «٣٦» . ثانيا: يتجلى لدى التأمل فيما سردناه من كيفية بدء إسلام الأنصار، أن الله قد مهّد حياة المدينة وبيئتها لقبول الدعوة الإسلامية، وأنه كان في صدور أهل المدينة تهيؤ نفسي لقبول هذا الدين، فما هي مظاهر هذا التهيؤ النفسي؟ لقد كان سكان المدينة المنورة خليطا من سكانها الأصليين وهم العرب المشركون واليهود المهاجرون إليها من أطراف الجزيرة، وكان المشركون ينقسمون إلى قبيلتين كبيرتين إحداهما الأوس، والثانية الخزرج. وكان اليهود ثلاث قبائل: بني قريظة، وبني النضير، وبني قنيقاع. ولقد احتال اليهود طويلا- كعادتهم- حتى زرعوا الضغائن بين قبيلتي الأوس والخزرج، فراح العرب يأكل بعضهم بعضا في حروب طاحنة متلاحقة. ويقول محمد بن عبد الوهاب في كتابه (مختصر سيرة الرسول ﷺ : «أن الحرب لبثت بينهم مئة وعشرين سنة» «٣٧» . وفي غمار هذه الخصومة الطويلة حالف كل من الأوس والخزرج قبيلة من اليهود، فحالف الأوس بني قريظة، وحالف الخزرج بني النضير وبني قنيقاع، وكان آخر ما بينهم من المواقع موقعة بعاث، وذلك قبل الهجرة بسنوات قليلة، وكان يوما عظيما مات فيه أكثر رؤسائهم. وفي أثناء ذلك، كان كلما وقع شيء بين العرب واليهود، هدد اليهود العرب بأنّ نبيّا قد آن أوان بعثته وأنهم سيكونون من أتباعه، ويقتلونهم معه قتل عاد وإرم. فهذه الظروف، جعلت لدى أهل المدينة تطلّعا إلى هذا الدين، وعلقت منهم آمالا قوية به، عسى أن تتوحد بفضله صفوفهم ويعود فيلتئم شملهم وتذوب وتمحى أسباب الشقاق مما بينهم. ولقد كان هذا مما صنعه الله لرسوله، كما يقول ابن القيم في زاد المعاد «٣٨» : «حتى يمهد بذلك

стр. 115

لهجرته إلى المدينة، حيث اقتضت حكمة الله أن تكون هي المنطلق للمدّ الإسلامي في أرجاء الأرض كلها» . ثالثا: في بيعة العقبة الأولى، كان قد تمّ إسلام عدد من كبار أهل المدينة، كما ذكرنا. فكيف كانت صورة إسلامهم؟ وما هي حدود مسؤولياتهم التي حمّلهم الإسلام إياها؟ لقد رأينا أن إسلامهم لم يكن مجرد نطق بالشهادتين، بل كان إسلامهم هو الجزم القلبي والنطق اللساني بهما، ثم التزاما بالبيعة التي أخذها رسول الله ﷺ عليهم، أن ينصبغ سلوكهم بالصبغة الإسلامية عن طريق التمسك بنظمه وأخلاقه وعامة مبادئه، أخذ عليهم أن لا يشركوا بالله شيئا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصوا رسول الله ﷺ في أي معروف يأمرهم به. وهذه هي أهم معالم المجتمع الإسلامي الذي بعث رسول الله ﷺ لإنشائه. فليست مهمته أن يلقن الناس كلمة الشهادة ثم يتركهم يرددونها بأفواههم وهم عاكفون على انحرافاتهم وبغيهم ومفاسدهم. صحيح أن الإنسان يصدق عليه اسم المسلم إذا صدّق بالشهادتين وأحلّ الحلال وحرّم الحرام وصدّق بالفرائض، ولكن ذلك لأن التصديق بوحدانية الله ورسالة محمد ﵊ هو المفتاح والوسيلة لإقامة المجتمع الإنساني وتحقيق نظمه ومبادئه، وجعل الحاكمية في كل الأمور لله تعالى وحده. فحيثما وجد الإيمان بوحدانية الله تعالى ورسالة نبيه محمد ﵊ لا بدّ أن يتبعه الإيمان بحاكمية الله تعالى وضرورة اتّباع شريعته ودستوره. ومن أعجب العجب، ما يعمد إليه بعض الذين تأسرهم النظم والتشريعات الوضعية، ممن لا يريدون المجاهرة بنبذ الإسلام واطّراحه، حيث يحاولون أن يسلكوا مع خالق هذا الكون ومالكه مسلكا أشبه ما يكون بمسلك الصلح والمفاوضات. وسبيل المفاوضة عندهم، أن يقسموا مظاهر المجتمع بينهم وبين الإسلام، فللإسلام من المجتمع مساجده وسائر مظاهره العبادية، يحكم ضمن ذلك على الناس بكل ما يريد، ولهم منه نظمه وتشريعاته وأخلاقه يغيرون منها ويبدلون كما يريدون! .. ولو أن المتألهين والبغاة الذين أرسلت إليهم الرسل فكذبوا برسالاتهم تنبهوا لهذا الحلّ الطريف إزاء دعوتهم إلى الإسلام، لما توانوا عن الدخول فيه وإظهار الطواعية له، مادام أنه لا يكلفهم التنازل عن حاكميتهم ولا ترك شيء من قوانينهم وتنظيماتهم، ولما بخلوا في مقابل ذلك بكلمة يرددونها أو طقوس يتركون السبيل إليها. ولكنهم علموا أن هذا الدين يكلفهم أول ما يكلفهم الدخول في نظام وحكم جديدين، التشريع والحكم فيه إلى الله وحده، فمن أجل ذلك شاقوا الله ورسوله وعزّ عليهم أن يعلنوا إسلامهم لدعوة الله .

стр. 116

وفي بيان هذه الحقيقة والتحذير من فهم الإسلام على أنه كلمات وعبادات فقط، يقول الله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً [النساء ٤/ ٦٠] . رابعا: ما من ريب أن رسول الله ﷺ ، كان هو المتكفل بعبء الدعوة إلى دين الله، إذ هو رسوله إلى الناس كافة فلا بدّ له من تبليغ دعوة ربّه. ولكن ماذا عن أولئك الذين يدخلون في الإسلام وعن علاقتهم بعبء هذه الدعوة؟ إنك لتجد الجواب على هذا، في إرسال الرسول ﷺ مصعب بن عمير مع أولئك الإثني عشر إلى المدينة بدعوة أهل المدينة إلى الإسلام وتعليمهم قراءة القرآن وأحكامه وإقامة الصلاة. ولقد انطلق مصعب بن عمير سعيدا بتلبية أمر الرسول ﵊، وراح يدعو أهل المدينة إلى الإسلام ويقرأ عليهم القرآن ويبلغهم أحكام الله، ولقد كان الرجل يدخل عليه وفي يده حربة يريد أن يقتله بها، فما هو إلا أن يتلو عليه شيئا من كتاب الله ويذكر له بعض أحكام الإسلام، حتى يلقي حربته ويتخذ مجلسه مع من حوله مسلما موحدا يتعلم القرآن وأحكام الإسلام، حتى انتشر الإسلام في دور المدينة كلها ولم يكن بينهم حديث إلا عن الإسلام. وهل تعلم من هو مصعب بن عمير هذا؟! إنه ذاك الذي كان أنعم غلام بمكة، وأجود شبانها حلّة وبهاء. فلما دخل الإسلام، طوى كل تلك الرفاهية وذلك النعيم، وانطلق في سبيل الدعوة الإسلامية من وراء رسول الله ﷺ يتجرع كل شدة ويستعذب كل عذاب حتى قضى نحبه شهيدا في غزوة أحد، وليس له مما يلبسه إلا ثوب واحد، أرادوا أن يكفنوه به، فكانوا إذا غطوا به رأسه خرجت رجلاه وإذا غطوا رجليه خرج رأسه فأخبروا بذلك رسول الله ﷺ ، فبكى للذي كان فيه من النعمة في صدر حياته، ثم قال: «ضعوه مما يلي رأسه واجعلوا على رجليه شيئا من الإذخر» «٣٩» . فليست مهمة الدعوة الإسلامية وقفا على الرسل والأنبياء وحدهم، ولا خلفائهم وورثتهم العلماء الذين يأتون من بعدهم، وإنما الدعوة الإسلامية جزء لا يتجزأ من حقيقة الإسلام نفسه، فلا مناص ولا مفر لكل مسلم من القيام بعبئها مهما كان شأنه أو عمله واختصاصه، إذ حقيقة الدعوة إنما هي (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وهو جماع معنى الجهاد كله في الإسلام، وأنت خبير أن الجهاد فرض من فروض الإسلام تستقر تبعته على كل مسلم.

стр. 117

ومن هنا تعلم أنه لا معنى ولا مكان لكلمة رجال الدين، في المجتمع الإسلامي، حينما تطلق على فئة معينة من المسلمين. ذلك أن كل من دخل الإسلام فقد بايع الله ورسوله على الجهاد من أجل هذا الدين، ذكرا كان أم أنثى عالما أو جاهلا، ومهما كان شأنه أو اختصاصه، فالمسلمون كلهم رجال لهذا الدين، اشترى منهم الله أرواحهم وأموالهم بأن لهم الجنة يسخرونها في سبيل إقامة دينه ونصر شريعته. ومن المعلوم أن هذا كله لا علاقة له بما للعلماء من اختصاص البحث والاجتهاد وتبصير المسلمين بأحكام دينهم، وحلّ ما قد يجدّ من المشكلات في حياتهم، على ضوء نصوص الشريعة الثابتة مع الزمن. بيعة العقبة الثانية ثم إن مصعب بن عمير عاد إلى مكة في موسم العام التالي، ومعه جمع كبير من مسلمي المدينة، خرجوا مستخفين مع حجاج قومهم المشركين. قال محمد بن إسحاق يروي عن كعب بن مالك: «فواعدنا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق. فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ لها، نمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلل تسلّل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب، وأسماء بنت عمرو بن عدي. قال: فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، فتكلم القوم وقالوا: خذ منا لنفسك ولربّك ما أحببت.. فتكلم رسول الله ﷺ ، فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغّب في الإسلام ثم قال: «أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم» . فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: «نعم، والذي بعثك بالحق نبيا لنمنّعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة (أي السلاح كله) ورثناها كابرا عن كابر» . فاعترض القول- والبراء يتكلم- أبو الهيثم بن التيّهان فقال: «يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها- يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟» . فتبسّم رسول الله ﷺ ثم قال: «بل الدّم الدّم والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم» .

стр. 118

وقد كان قال رسول الله ﷺ : «أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومهم بما فيهم، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، فلما تخيّرهم قال للنقباء: أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي» . وكان أول من ضرب على يد رسول الله ﷺ البراء بن معرور ثم بايع القوم كلهم بعد ذلك. فلما بايعنا رسول الله ﷺ قال: «ارفضّوا إلى رحالكم» ، فقال له العباس بن عبادة بن نفلة: «والله الذي بعثك بالحق إن شئت لنميّلن على أهل منى غدا بأسيافنا» ، فقال رسول الله ﷺ : «لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم» . فرجعنا إلى مضاجعنا، فنمنا عليها حتى أصبحنا، فلما أصبحنا غدت علينا جلّة قريش، فقالوا: يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حيّ من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم» . فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله: «ما كان من هذا شيء وما علمناه. وقد صدقوا، لم يعلموه. قال: «وبعضنا ينظر إلى بعض» . ونفر الناس من منى، فتحرى القوم الخبر فوجدوا أن الأمر قد كان. فخرجوا في طلبنا فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر «٤٠» ، والمنذر بن عمرو- وكلاهما كان نقيبا- فأما المنذر فأعجز القوم فهرب، وأما سعد فأخذوه، فربطوا يديه إلى عنقه بشراك رحله، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجبهته، وكان ذا شعر كثير. قال سعد: فو الله إني لفي أيديهم يسحبونني، إذ أقبل إليّ رجل ممن كان معهم، فقال: «ويحك.. أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد؟» قلت: «بلى والله، لقد كنت أجير لكل من جبير بن مطعم والحارث بن أمية تجّارهما وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي» ، قال: «ويحك فاهتف باسمهما» ، قال ففعلت، فجاء مطعم بن عدي والحارث بن أمية فخلّصاه من أيديهم» . قال ابن هشام: «وكانت لبيعة الحرب حين أذن الله لرسوله في القتال شروطا سوى شرطه عليهم في بيعة العقبة الأولى. كانت الأولى على بيعة النساء، وذلك أن الله لم يكن أذن لرسوله ﷺ في الحرب، فلما أذن الله له فيها وبايعهم رسول الله ﷺ في العقبة الأخيرة على حرب الأحمر والأسود أخذ لنفسه واشترط على القوم لربه، وجعل لهم على الوفاء بذلك الجنة» .

стр. 119

قال عبادة بن الصامت: «بايعنا رسول الله ﷺ بيعة الحرب، على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول الحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم» . وكانت أول آية نزلت في الإذن بالحرب للرسول ﷺ قوله ﵎: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ، وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ «٤١» [الحج ٢٢/ ٣٩، ٤٠] . العبر والعظات: هذه البيعة الثانية تتفق في جوهرها مع بيعة العقبة الأولى. فكل منهما إعلان عن الدخول في الإسلام أمام رسول الله، وأخذ للمواثيق والعهود على السمع والطاعة والإخلاص لدين الله، والانصياع لأوامر رسوله. إلا أننا نلحظ فارقين مهمين جديرين بالملاحظة والدرس، بين كل من بيعة العقبة الأولى، وبيعة العقبة الثانية. الفارق الأول: أن عدد المبايعين من أهل المدينة في المرة الأولى كان اثنى عشر أما عددهم في البيعة الثانية فقد كان بضعة وسبعين بينهم امرأتان. فقد عاد أولئك الاثنا عشر في السنة الأولى- ومعهم مصعب بن عمير- لا لينطوي كل على نفسه وينعزل في بيته، بلى ليبشر بالإسلام كل من كان حوله من رجال ونساء، يتلو عليهم قرآنه ويبين لهم أحكامه ونظامه. فمن أجل ذلك انتشر الإسلام تلك السنة في المدينة انتشارا عظيما حتى لم يبق دار إلا دخلها الإسلام، وأصبح حديث أهلها في عامة الأوقات عن الإسلام وخصائصه وأحكامه. وتلك هي وظيفة المسلم في كل عهد وفي كل مكان. الفارق الثاني: أن البنود المنصوص عليها في البيعة الأولى، خالية عن الإشارة إلى الجهاد بالقوة، ولكنها في البيعة الثانية تضمنت الإشارة بل التصريح بضرورة الجهاد والدفاع عن رسول الله ﷺ والدعوة إلى دينه بكل وسيلة. وسبب هذا الفارق أن أرباب البيعة الأولى انصرفوا وهم على موعد مع رسول الله ﷺ في المكان ذاته في الموسم التالي، ليعودوا إليه بعدد أوفر من المسلمين ويجددوا العهد والمبايعة، فلم يكن

стр. 120

ثمة ما يستوجب مبايعته على القتال، مادام أن الإذن به لم يأت بعد، وما دام أن هؤلاء المبايعين سيلتقون بعد عام مرة أخرى برسول الله. لقد كانت البيعة الأولى إذن بيعة مؤقتة، بالنسبة لاقتصارها على تلك البنود فقط، وهي البنود التي بايع عليها النساء فيما بعد. أما البيعة الثانية، فقد كانت الأساس الذي هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة بناء عليه، ولذا فقد كانت شاملة للمبادئ التي ستتم مشروعيتها بعد الهجرة إلى المدينة، وفي مقدمتها الجهاد والدفاع عن الدعوة بالقوة، وهو حكم وإن لم يكن قد أذن الله بشرعيته في مكة ولكن الله قد ألهم رسوله ﷺ أن ذلك سيشرع في المستقبل القريب. ومن هنا تعلم أن مشروعية القتال في الإسلام لم تكن إلا بعد هجرته ﷺ على الصحيح، وليس كما قد يفهم من كلام ابن هشام في سيرته أنه إنما شرع قبل الهجرة عند بيعة العقبة الثانية. وليس في بنود تلك البيعة ما قد يدل على مشروعية القتال حينئذ، لأن النبي ﷺ إنما أخذ على أهل المدينة عهد الجهاد نظرا للمستقبل، عندما سيهاجر إليهم ويقيم بينهم في المدينة. والدليل على هذا ما سبق ذكره أن العباس بن عبادة قال بعد البيعة: «والله الذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا» ، فقال رسول الله ﷺ : «لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم» . ومن المتفق عليه أن أول آية نزلت في الجهاد ومشروعيته هي قوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، وقد روى الترمذي والنسائي وغيرهما عن ابن عباس قال: «لما أخرج النبي ﷺ من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكنّ. قال ابن عباس: فأنزل الله أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ قال أبو بكر ﵁: فعرفت أن سيكون قتال» «٤٢» . أما لماذا تأخرت مشروعية الجهاد بالقوة إلى هذه الفترة فللحكم التالية: ١- من المناسب أن يسبق القتال تعريف بالإسلام، ودعوة إليه وإقامة لحججه، وحل للمشكلات التي قد تقف في سبيل فهمه. ولا ريب أن هذه هي المراحل الأولى في الجهاد. ولذا كان القيام بتحقيقها فرض كفاية يشترك المسلمون في المسؤولية عنها. ٢- اقتضت رحمة الله بعباده أن لا يحمّلهم واجب القتال، إلى أن توجد لهم دار إسلام، تكون لهم بمثابة معقل يأوون إليه، ويلوذون به. ولقد كانت المدينة المنورة أول دار في الإسلام.

стр. 121

كلمة عامة عن الجهاد ومشروعيته: هذا، وما دام البحث سيسوقنا منذ الآن، إلى الحديث عن الجهاد والقتال، فمن الجدير أن نقف هنا قليلا، لنتبيّن فكرة صحيحة عن الجهاد ومشروعيته ومراحله. فقد كان الحديث عنه ولا يزال أهم تكأة يعتمد عليها محترفو الغزو الفكري في خلط حق بباطل وفي محاولة فتح الثغرات في جوانب صرح هذا الدين الحنيف بغية التشكيك فيه والنيل منه. ولن تعجب من الدوافع إلى حصر كل همهم في مشروعية (الجهاد) بخصوصه، إذا علمت بأن أخطر ركن من أركان الإسلام في نظر أعدائه يخيفهم ويرعبهم، إنما هو (الجهاد) !. فهم يدركون أن هذا الركن إذا استيقظ في نفوس المسلمين وأصبح ذا أثر في حياتهم في أي عصر من الزمن فلن تقف أي قوة بالغة ما بلغت من الأهمية، في وجه الدفع الإسلامي. ولذا ينبغي أن يكون البدء في القيام بأي عمل، بغية إيقاف المدّ الإسلامي، من هذه النقطة ذاتها.. وسنوضح في هذه الكلمة أولا معنى الجهاد وغايته في الإسلام والمراحل التي تدرج فيها ثم المرحلة التي استقر عندها. ثم نبين المغالطات التي دخلت مفهومه والتقسيمات المتكلفة التي حملت عليه مما لا وجه له البتة. أما معنى الجهاد: فهو بذل الجهد في سبيل إعلاء كلمة الله وإقامة المجتمع الإسلامي، وبذل الجهد بالقتال نوع من أنواعه. وأما غايته، فهو إقامة المجتمع الإسلامي وتكوين الدولة الإسلامية الصحيحة. وأما المراحل التي مرّ بها، فقد كان الجهاد في صدر الإسلام، كما علمنا، مقتصرا على الدعوة السلمية مع الصمود في سبيلها للمحن والشدائد. ثم شرع إلى جانبها- مع بدء الهجرة- القتال الدفاعي، أي رد كل قوة بمثلها. ثم شرع بعد ذلك قتال كل من وقف عقبة في طريق إقامة المجتمع الإسلامي، على أن لا يقبل من الملاحدة والوثنيين والمشركين إلا الإسلام وذلك لعدم إمكان الانسجام بين المجتمع الإسلامي الصحيح وما هم عليه من الإلحاد أو الوثنية، أما أهل الكتاب فيكفي خضوعهم للمجتمع الإسلامي وانضواؤهم في دولته على أن يدفعوا للدولة ما يسمى (الجزية) مكان ما يدفعه المسلمون من الزكاة. وعند هذه المرحلة الأخيرة استقر حكم الجهاد في الإسلام. وهذا هو واجب المسلمين في كل عصر إذا توفرت لديهم القوة والعدة اللازمة. وعن هذه المرحلة يقول الله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [التوبة ٩/ ١٢٣] ، وعنها أيضا

стр. 122

يقول رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله» «٤٣» . ومن هنا تعلم أنه لا معنى لتقسيم الجهاد في سبيل الله إلى حرب دفاعية وأخرى هجومية إذ مناط شرعة الجهاد ليس الدفاع لذاته ولا الهجوم لذاته، إنما مناطه الحاجة إلى إقامة المجتمع الإسلامي بكل ما يتطلبه من النظم والمبادئ الإسلامية، ولا عبرة بعد ذلك بكونه جاء هجوما أو دفاعا. أما القتال الدفاعي المشروع، كدفاع المسلم عن ماله أو عرضه أو أرضه أو حياته، فذلك نوع آخر من القتال لا علاقة له بالجهاد المصطلح عليه في الفقه الإسلامي، وهو ما يسمى بقتال الصائل، وقد أفرد له الفقهاء بابا مستقلا في كتب الفقه وما أكثر ما يخلط الباحثون اليوم بينه وبين الجهاد الذي نتحدث فيه! .. هذه خلاصة معنى الجهاد وغايته في الشريعة الإسلامية. أما المغالطات والتشويهات التي دست عليه، فتتمثل في نظريتين متناقضتين في الظاهر، ولكنهما منسجمتان في باطن الأمر وحقيقته، إذ يتكون من كليهما وسيلة واحدة متسعة تهدف إلى إلغاء مشروعية الجهاد من أساسه. أما النظرية الأولى، فهي تلك التي تنادي بأن الإسلام لم ينتشر إلا بحد السيف وأن النبي ﷺ وأصحابه سلكوا مسلك الإكراه، فكان الفتح الإسلامي على أيديهم فتح قهر وبطش لا فتح قناعة وفكر «٤٤» . وأما النظرية الثانية، فهي تلك التي تهتف بعكس ذلك تماما، أي أنه دين سلام ومحبّة، لا يشرع الجهاد فيه إلا لرد العدوان المداهم، ولا يحارب أهله إلا إذا أرغموا على ذلك وبودئوا به. وعلى الرغم من أن هاتين النظريتين متناقضتان كما ذكرنا، فإن أرباب الغزو الفكري أرادوا أن يستولدوا منهما غاية معيّنة، هي وحدها المقصودة من كلا هاتين الأطروحتين. وإليك إيضاح ذلك: لقد أشاعوا وروجوا أولا أن الإسلام دين بطش وحقد على الآخرين. ثم انتظروا إلى أن آتت هذه الشائعة ثمارها من ردود الفعل لدى المسلمين وإنكار هذا الظلم في حق الإسلام.. .. وبينما المسلمون يلتمسون الرد على هذا الباطل، قام من أولئك المشككين أنفسهم من اصطنع الدفاع عن الإسلام بعد طول علم وبحث متجردين، وراح يردّ هذه التهمة قائلا: «إن

стр. 123

الإسلام ليس كما قالوا دين سيف ورمح وبطش، بل هو على العكس من ذلك: دين محبة وسلام لا يشرع فيه الجهاد إلا لضرورة رد العدوان المداهم، ولا يرغّب أهله في الحرب ما وجدوا إلى السلام من سبيل» . فصفق بسطاء المسلمين طويلا لهذا الدفاع (المجيد) في غمرة تأثرهم من الظلم الشنيع الأول، وصادف ذلك في نفوسهم المتحفزة للرد عليه قبولا حسنا، فأخذوا يؤيدون ويؤكدون، ويستخرجون البرهان تلو الآخر على أن الإسلام فعلا كما قالوا.. دين مسالمة وموادعة لا شأن له بالآخرين إلا إذا داهموه في عقر داره، وأيقظوه من هدأته وسباته. وفات أولئك البسطاء أن هذه هي النتيجة المطلوبة، وهذا بعينه هو الغرض الذي التقى عليه في السر كل من روّج الشائعة الأولى ثم أشاع الباطل الثاني. فالمقصود هو السلوك بمقدمات ووسائل مدروسة مختلفة، تنتهي إلى نسخ فكرة الجهاد من أذهان المسلمين، وإماتة روح الطموح في نفوسهم. ونحن نسوق لك شاهدا على هذا، ما ذكره زميلنا الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه (آثار الحرب في الفقه الإسلامي) ، على لسان المستشرق الإنكليزي المعروف (أندرسن) . ولننقل لك عبارته من مبدئها: «يخاف الغربيون لا سيما الإنكليز من ظهور فكرة الجهاد في أوساط المسلمين حتى لا تتوحد كلمتهم فيقفوا أمام أعدائهم، ولذلك يحاولون الترويج لفكرة نسخ الجهاد، وصدق الله العظيم إذ يقول فيمن لا إيمان لهم: فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ولقد قابلت المستشرق الإنكليزي (أندرسن) في مساء الجمعة ٣ حزيران ١٩٦٠، فسألته عن رأيه في هذا الموضوع فكان من نصيحته لي أن أقول: إن الجهاد اليوم ليس بفرض بناء على مثل قاعدة (تتغير الأحكام بتغير الأزمان) . إذ أن الجهاد في رأيه لا يتفق مع الأوضاع الدولية الحديثة لارتباط المسلمين بالمنظمات العالمية والمعاهدات الدولية، ولأن الجهاد هو الوسيلة لحمل الناس على الإسلام، وأوضاع الحرية ورقي العقول لا تقبل فكرة تفرض بالقوة» «٤٥» . ونعود إلى ما كنا عليه من حديث بيعة العقبة الثانية: لأمر ما أراده الله ، انتهى إلى سمع المشركين من أهل مكة خبر هذه البيعة، وما تمّ فيها بين النبي ﷺ والمسلمين من أهل المدينة.

стр. 124

ولعل من حكمة ذلك تهييء أسباب هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، فسنجد أن لهذا الخبر الذي انتهى إلى سمع المشركين أثرا كبيرا في تضييقهم الأمر على رسول الله ﷺ ، وإجماعهم الرأي على قتله والتخلص منه. ومهما يكن، فإن بيعة العقبة الثانية، كانت المقدمة الأولى لهجرته ﵊ إلى المدينة المنورة. إذن رسول الله ﷺ لأصحابه بالهجرة إلى المدينة قال ابن سعد في طبقاته يروي عن عائشة ﵂: «لما صدر السبعون من عند رسول الله ﷺ طابت نفسه، فقد جعل الله له منعة وقوما أهل حرب وعدة ونجدة، وجعل البلاء يشتد على المسلمين من المشركين لما يعلمون من الخروج، فضيّقوا على أصحابه وتعبّثوا بهم، ونالوا ما لم يكونوا ينالون من الشتم والأذى. فشكا ذلك أصحاب رسول الله ﷺ واستأذنوه في الهجرة، فقال: «قد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها» فجعل القوم يتجهزون ويتوافقون ويتواسون ويخرجون ويخفون ذلك، فكان أول من قدم المدينة من أصحابه ﷺ أبو سلمة بن عبد الأسد ثم قدم بعده عامر بن ربيعة ومعه امرأته ليلى بنت أبي حشمة، فهي أول ظعينة «٤٦» قدمت المدينة ثم قدم أصحاب رسول الله ﷺ أرسالا فنزلوا على الأنصار في دورهم، فآووهم ونصروهم وآسوهم» «٤٧» . ولم يهاجر أحد من أصحاب رسول الله ﷺ إلا متخفيا غير عمر بن الخطاب ﵁، فقد روى علي بن أبي طالب ﵁ أنه لما همّ بالهجرة تقلّد سيفه وتنكب قوسه، وانتضى في يده أسهما، واختصر عنزته (عصاه) ومضى قبل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها فطاف في البيت سبعا متمكنا مطمئنا، ثم أتى المقام فصلى، ثم وقف فقال: «شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن يثكل أمه أو يوتم ولده أو يرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي» . قال علي: فما اتّبعه إلا قوم من المستضعفين علّمهم ما أرشدهم ثم مضى لوجهه «٤٨» . وهكذا تتابع المسلمون في الهجرة إلى المدينة حتى لم يبق بمكة منهم إلا رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعلي، أو معذب محبوس، أو مريض أو ضعيف عن الخروج.

стр. 125

العبر والعظات: كانت فتنة المسلمين من أصحاب النبي ﷺ ، في مكة، فتنة الإيذاء والتعذيب وما يرونه من المشركين من ألوان الهزء والسخرية. فلما أذن لهم الرسول بالهجرة، أصبحت فتنتهم في ترك وطنهم وأموالهم ودورهم وأمتعتهم. ولقد كانوا أوفياء لدينهم مخلصين لربهم، أمام الفتنة الأولى والثانية. قابلوا المحن والشدائد بصبر ثابت وعزم عنيد. حتى إذا أشار لهم الرسول بالهجرة إلى المدينة، توجهوا إليها وقد تركوا من ورائهم الوطن وما لهم فيه من مال ومتاع ونشب، ذلك أنهم خرجوا مستخفين متسللين. ولا يتم ذلك إلا إذا تخلصوا من الأمتعة والأثقال، فتركوا كل ذلك في مكة ليسلم لهم الدين، واستعاضوا عنه بالإخوة الذين ينتظرونهم في المدينة ليؤووهم وينصروهم. وهذا هو المثل الصحيح للمسلم الذي أخلص الدين لله، لا يبالي بالوطن ولا بالمال والنشب في سبيل أن يسلم له دينه. هذا عن أصحاب رسول الله في مكة. أما أهل المدينة الذين آووهم في بيوتهم وواسوهم ونصروهم، فقد قدّموا المثل الصادق للأخوة الإسلامية والمحبة في الله . وأنت خبير أن الله قد جعل أخوة الدين أقوى من أخوة النسب وحدها، ولذلك كان الميراث في صدر الإسلام على أساس وشيجة الدين، وأخوته والهجرة في سبيله. ولم يستقر حكم الميراث على أساس علاقة القرابة إلا بعد أن تكامل الإسلام في المدينة، وصارت للمسلمين دار إسلام قوية منيعة. يقول الله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا، أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا، ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا [الأنفال ٨/ ٧٢] . ثم إنه يستنبط من مشروعية هذه الهجرة حكمان شرعيان: ١- وجوب الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام. روى القرطبي عن ابن العربي: «أن هذه الهجرة كانت فرضا في أيام النبي ﷺ ، وهي باقية مفروضة إلى يوم القيامة. والتي انقطعت بالفتح، إنما هي القصد إلى النبي ﷺ ، فإن بقي في دار الحرب عصى» «٤٩» . ومثل دار الحرب في ذلك كل مكان لا يتسنى للمسلم فيه إقامة الشعائر الإسلامية من صلاة وصيام وجماعة وأذان، وغير ذلك من أحكامه الظاهرة.

стр. 126

ومما يستدل به على ذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ؟ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ، قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها، فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً، إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ، لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا [النساء ٤/ ٩٧، ٩٨] . ٢- وجوب نصرة المسلمين بعضهم لبعضهم، مهما اختلفت ديارهم وبلادهم ما دام ذلك ممكنا. فقد اتفق العلماء والأئمة على أن المسلمين إذا قدروا على استنقاذ المستضعفين أو المأسورين أو المظلومين من إخوانهم المسلمين، في أي جهة من جهات الأرض، ثم لم يفعلوا ذلك، فقد باؤوا بإثم كبير. يقول أبو بكر بن العربي: «إذا كان في المسلمين أسراء أو مستضعفون فإن الولاية معهم قائمة، والنصرة لهم واجبة بالبدن، بأن لا تبقى منا عين تطرف، حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم، حتى لا يبقى لأحد درهم من ذلك» «٥٠» . وكما تجب موالاة المسلمين بعضهم لبعضهم، فإنه يجب أن تكون هذه الموالاة فيما بينهم، ولا يجوز أن يشيع شيء من الولاية أو التناصر أو التآخي بين المسلمين وغيرهم. وهذا ما يصرح به كلام الله ، إذ يقول: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ [الأنفال ٨/ ٧٣] . يقول ابن العربي: «قطع الله الولاية بين الكفار والمؤمنين، فجعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض، وجعل الكافرين بعضهم أولياء بعض، يتناصرون بدينهم ويتعاملون باعتقادهم» «٥١» . ولا ريب أن تطبيق مثل هذه التعاليم الإلهية، هو أساس نصرة المسلمين في كل عصر وزمن، كما أن إهمالهم لها وانصرافهم إلى ما يخالفها هو أساس ما نراه اليوم من ضعفهم وتفككهم وتألب أعدائهم عليهم من كل جهة وصوب.

стр. 127

هجرة الرسول ﷺ جاء في صحاح السنة وما رواه علماء السيرة أن أبا بكر ﵁ لما وجد المسلمين قد تتابعوا مهاجرين إلى المدينة، جاء يستأذن رسول الله ﷺ هو الآخر في الهجرة. فقال له رسول الله ﷺ : «على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي» فقال أبو بكر: «وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟» قال: «نعم» . فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده، وأخذ يتعهدهما بالرعاية أربعة أشهر «٥٢» . وفي هذه الأثناء رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، فحذروا خروج رسول الله ﷺ إليهم وخافوا أن يكون قد أجمع لحربهم. فاجتمعوا له في دار الندوة (وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها) يتشاورون فيما يصنعون بأمر رسول الله ﷺ ، فاجتمع رأيهم أخيرا على أن يأخذوا من كل قبيلة فتى شابا جلدا، ثم يعطى كل منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه، كي لا يقدر بنو عبد مناف على حربهم جميعا، وضربوا لذلك ميعاد يوم معلوم فأتى جبريل ﵇ رسول الله ﷺ يأمره بالهجرة، وينهاه أن ينام في مضجعه تلك الليلة «٥٣» . قالت عائشة فيما يروي البخاري: «فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في حرّ الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: «هذا رسول الله ﷺ متقنعا، في ساعة لم يكن يأتينا فيها» . فقال أبو بكر: «فدا له أبي وأمي. والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر» ، قالت: فجاء رسول الله ﷺ ، فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: «أخرج من عندك» ، فقال أبو بكر: «إنما هم أهلك بأبي أنت وأمي يا رسول الله» . قال: «فإني قد أذن لي في الخروج» ، فقال أبو بكر: «فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتيّ» ، قال رسول الله ﷺ : «بالثمن» . قالت عائشة: فجهزناهما أحثّ الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاق «٥٤» . وانطلق رسول الله ﷺ إلى علي بن أبي طالب ﵁ فأمره أن يتخلف بعده بمكة ريثما

стр. 128

يؤدي عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده للناس، إذ لم يكن أحد من أهل مكة له شيء يخشى عليه إلا استودعه عند رسول الله ﷺ لما يعلمون من صدقه وأمانته. وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يتسمّع لهما ما يقوله الناس عنهما في بياض النهار، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون معه من الأخبار. وأمر عامر بن فهيرة (مولاه) أن يرعى غنمه نهاره، ثم يريحها عليهما إذا أمسى، إلى الغار (غار ثور) ليطعما من ألبانها، وأمر أسماء بنته أن تأتيهما من الطعام بما يصلحهما في كل مساء. وروى ابن إسحاق والإمام أحمد، كلاهما عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: «لما خرج رسول الله ﷺ وخرج معه أبو بكر، احتمل أبو بكر ماله كله معه: خمسة. آلاف درهم أو ستة آلاف درهم، قالت: وانطلق بها معه» . قالت: «فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، قلت: كلا يا أبت، إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا، قالت: فأخذت أحجارا فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده، فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه قال: لا بأس، إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم. ولا والله ما ترك لنا شيئا ولكني أردت أن أسكت الشيخ بذلك» «٥٥» . ولما كانت عتمة تلك الليلة التي هاجر فيها النبي ﷺ اجتمع المشركون على باب رسول الله ﷺ يتربصون به ليقتلوه، ولكنه ﵊ خرج من بينهم وقد ألقى الله عليهم سنة من النوم بعد أن ترك عليا ﵁ في مكانه نائما على فراشه، وطمأنه بأنه لن يصل إليه أي مكروه. وانطلق رسول الله وصاحبه أبو بكر إلى غار ثورليقيما فيه، وكان ذلك على الراجح في اليوم الثاني من ربيع الأول الموافق ٢٠ أيلول سنة (٦٢٢ م) بعد أن مضى ثلاث عشرة سنة من البعثة، فدخل أبو بكر قبل الرسول ﷺ فلمس الغار، لينظر أفيه سبع أو حية، يقي رسول الله ﷺ بنفسه، فأقاما فيه ثلاثة أيام، وكان يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر يخبرهما بأخبار مكة، ثم يدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت بها، وكان عامر بن فهيرة يروح عليهما بقطعة من الغنم، فإذا خرج من عندهما عبد الله تبع عامر أثره بالغنم كي لا يظهر لقدميه أثر.

стр. 129

أما المشركون فقد انطلقوا- بعد أن علموا بخروج النبي ﷺ ينتشرون في طريق المدينة ويفتشون عنه في كل المظانّ، حتى وصلوا إلى غار ثور، وسمع الرسول وصاحبه أقدام المشركين تخفق من حولهم فأخذ الروع أبا بكر وهمس يحدث النبي ﷺ : «لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا» . فأجابه ﵊: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟» «٥٦» . فأعمى الله أبصار المشركين حتى لم يحن لأحد منهم التفاتة إلى ذلك الغار، ولم يخطر ببال واحد منهم أن يتساءل عما يكون بداخله.. ولما انقطع الطلب عنهما خرجا، بعد أن جاءهما عبد الله بن أرقط (وهو من المشركين، كانا قد استأجراه ليدلهما على الطرق الخفية إلى المدينة بعد أن اطمأنّا إليه، وواعداه مع الراحلتين عند الغار) فسارا متبعين طريق الساحل بإرشاد من عبد الله بن أرقط. وكان قد جعل مشركو مكة لكل من أتى برسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁ دية كل منهما. وذات يوم، بينما كان جماعة من بني مدلج في مجلس لهم، وبينهم سراقة بن جعشم، إذ أقبل إليهم رجل منهم فقال: إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل، أراهما محمدا وأصحابه. فعرف سراقة أنهم هم، ولكنه أراه أن يثني عزم غيره عن الطلب، فقال له: إنك قد رأيت فلانا وفلانا، انطلقوا بأعيننا يبتغون ضالّة لهم. ثم لبث في المجلس ساعة، وقام فركب فرسه ثم سار حتى دنا من الرسول فعثرت به فرسه فخرّ عنها، ثم ركبها ثانية وسار حتى صار يسمع قراءة النبي ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، فساخت قائمتا فرس سراقة في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخرّ عنها ثم زجرها حتى نهضت، فلم تكد تخرج يديها حتى سطع لأثرهما غبار ارتفع في السماء مثل الدخان، فعلم سراقة أنه ممنوع عن رسول الله ﷺ ، وداخله رعب عظيم، فناداهما بالأمان. فوقف ﵊ ومن معه حتى وصل إليهم، فاعتذر إليه وسأله أن يستغفر له، ثم عرض عليهما الزاد والمتاع، فقالا له: لا حاجة لنا، ولكن عم عنا الخبر، فقال: كفيتم «٥٧» . ثم عاد سراقة أدراجه إلى مكة وهو يصرف أنظار الناس عن الرسول ومن معه بما يراه من القول ... وهكذا انطلق إليهما في الصباح جاهدا في قتلهما، وعاد في المساء يحرسهما ويصرف الناس عنهما.

стр. 130

قدوم قباء ووصل رسول الله ﷺ قباء، فاستقبله من فيها وأقام فيها بضعة أيام نازلا على كلثوم بن هدم، حيث أدركه فيها علي ﵁ بعد أن أدّى عنه الودائع إلى أصحابها. وأسس النبي ﷺ هناك مسجد قباء، وهو المسجد الذي وصفه الله بقوله: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ.. الآية [التوبة ٩/ ١٠٨] . ثم واصل سيره إلى المدينة فدخلها لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول على ما ذكره المسعودي «٥٨» فالتفّت من حوله الأنصار، كل يمسك زمام راحلته يرجو النزول عنده فكان ﷺ يقول لهم: «دعوها فإنها مأمورة» ، فلم تزل راحلته تسير في فجاج المدينة وسككها حتى وصلت إلى مربد «٥٩» لغلامين يتيمين من بني النجار أمام دار أبي أيوب الأنصاري، فقال النبي ﷺ : «ههنا المنزل إن شاء الله» . وجاء أبو أيوب فاحتمل الرحل إلى بيته، وخرجت ولائد من بني النجار- فيما يرويه ابن هشام- فرحات بمقدم النبي ﷺ ، وجواره لهن، وهنّ ينشدن: نحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار فقال ﵇ لهنّ: «أتحببنني؟» فقلن: «نعم» فقال: «الله يعلم أن قلبي يحبكنّ» . صورة عن مقام النبي ﷺ في بيت أبي أيوب روى أبو بكر بن أبي شيبة وابن إسحاق والإمام أحمد بن حنبل من طرق متعددة بألفاظ متقاربة أن أبا أيوب ﵁ قال وهو يحدث عن أيام رسول الله ﷺ عنده: «لما نزل رسول الله ﷺ في بيتي نزل في أسفل البيت وأنا وأم أيوب في العلو، فقلت له: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي إني لأكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي، فاظهر أنت فكن في الأعلى، وننزل نحن نكون في السفل. فقال: يا أبا أيوب، إنه لأرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في أسفل البيت. قال: فكان رسول الله ﷺ في سفله وكنا فوقه في المسكن، ولقد انكسرت جرّة لنا فيها ماء يوما، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا، ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء، تخوفا أن يقطر على رسول الله ﷺ منه شيء يؤذيه، فنزلت إليه وأنا مشفق، فلم أزل أستعطفه حتى انتقل إلى العلو. قال: وكنا نضع له العشاء، ثم نبعث به إليه، فإذا ردّ علينا فضله تيممت أنا وأم أيوب

стр. 131

موضع يده، فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة، حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه وقد جعلنا له فيه بصلا وثوما، فردّه رسول الله ﷺ ولم أر ليده فيه أثرا، فجئته فزعا فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك، وكنت حينما ترد علينا فضل طعامك أتيمم أنا وأم أيوب موضع يدك نبتغي بذلك البركة. فقال: إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أناجى، فأما أنتم فكلوه. قال: فأكلناه، ثم لم نضع في طعامه شيئا من الثوم أو البصل بعد» «٦٠» . العبر والعظات: تحدثنا في فصل سابق، عن معنى الهجرة في الإسلام، عند تعليقنا على هجرة المسلمين إلى الحبشة، وقلنا إذ ذاك ما خلاصته: «إن الله جعل قداسة الدين والعقيدة فوق كل شيء، فلا قيمة للأرض والوطن والمال والجاه إذا كانت العقيدة وشعائر الدين مهددة بالحرب أو الزوال، ولذا فرض الله على عباده أن يضحوا بكل ذلك- إذا اقتضى الأمر- في سبيل العقيدة والإسلام» . وقلنا أيضا: «إن سنّة الله تعالى في الكون اقتضت أن تكون القوى المعنوية التي تتمثل في العقيدة السليمة والدين الحق هي الحافظة للمكاسب والقوى المادية، فمهما كانت الأمة غنية في خلقها السليم متمسكة بدينها الصحيح فإن سلطانها المادي المتمثل في الوطن والمال والعزة يغدو أكثر تماسكا وأرسخ بقاء وأمنع جانبا. ومهما كانت فقيرة في أخلاقها مضطربة تائهة في عقيدتها فإن سلطانها المادي المتمثل فيما ذكرنا يغدو أقرب إلى الاضمحلال والزوال. وقلنا: إن التاريخ أعظم شاهد على ذلك» . ولذلك شرع الله مبدأ التضحية بالمال والأرض في سبيل العقيدة والدين عندما يقتضي الأمر ذلك. فبه يضمن المسلمون لأنفسهم المال والوطن والحياة، وإن بدا لأول وهلة أنهم تعروا عن كل ذلك وفقدوه. وحسبنا دليلا على هذه الحقيقة هجرة رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة. لقد كانت بحسب الظاهر تركا للوطن وتضييعا له، ولكنها كانت في واقع الأمر حفاظا عليه وضمانة له، ورب مظهر من مظاهر الحفاظ على الشيء يبدو في صورة الترك له والإعراض عنه. فقد عاد بعد بضع سنوات من هجرته هذه- بفضل الدين الذي أقام صرحه ودولته- إلى وطنه الذي أخرج منه، عزيز الجانب، منيع القوة، دون أن يستطيع أحد من أولئك الذين تربصوا به ولا حقوه بقصد القتل أن يدنوا إليه بأي سوء..

стр. 132

ولنعد الآن إلى التأمل فيما سردناه من قصة هجرته ﵊ لنستنبط منها الدلالات والأحكام الهامة لكل مسلم: ١- من أبرز ما يظهر لنا من قصة هجرته ﵊، استبقاؤه لأبي بكر ﵁ دون غيره من الصحابة كي يكون رفيقه في هذه الرحلة. وقد استنبط العلماء من ذلك مدى محبة الرسول ﷺ لأبي بكر وأنه أقرب أصحابه إليه وأولاهم بالخلافة من بعده، ولقد عززت هذه الدلالة أمور كثيرة أخرى مثل استخلافه ﵊ له في الصلاة بالناس عند مرضه وإصراره على أن لا يصلي عنه غيره. ومثل قوله في الحديث الصحيح: «لو كنت متخذا خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا» «٦١» . ولقد كان أبو بكر ﵁ كما رأينا- على مستوى هذه المزية التي أكرمه الله بها، فقد كان مثال الصاحب الصادق بل والمضحي بروحه وكل ما يملك من أجل رسول الله ﷺ ، ولقد رأينا كيف أبى إلا أن يسبق رسول الله ﷺ في دخول الغاركي يجعل نفسه فداء له ﵊ فيما إذا كان فيه سبع أو حية أو أي مكروه ينال الإنسان منه الأذى، ورأينا كيف جنّد أمواله وابنه وابنته ومولاه وراعي أغنامه في سبيل خدمة رسول الله ﷺ في هذه الرحلة الشاقة الطويلة. ولعمري، إن هذا هو الذي يجب أن يكون عليه حال كل مسلم آمن بالله ورسوله. ولذا يقول رسول الله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» «٦٢» . ٢- قد يخطر في بال المسلم أن يقارن بين هجرة عمر بن الخطاب ﵁ وهجرة النبي ﵊، ويتساءل: لماذا هاجر عمر علانية متحديا المشركين دون أي خوف ووجل، على حين هاجر رسول الله مستخفيا محتاطا لنفسه؟ أيكون عمر بن الخطاب أشد جرأة من النبي ﵊؟! .. والجواب: أن عمر بن الخطاب أو أي مسلم آخر غير رسول الله ﷺ ، يعدّ تصرفه تصرفا شخصيا لا حجة تشريعية فيه، فله أن يتخير من الطرق والوسائل والأساليب ما يحلو له وما يتفق مع قوة جرأته وإيمانه بالله تعالى. أما رسول الله ﷺ ، فهو مشرّع، أي إن جميع تصرفاته المتعلقة بالدين تعتبر تشريعا لنا، ولذلك كانت سنته التي هي المصدر الثاني من مصادر التشريع مجموع أقواله وأفعاله وصفاته

стр. 133

وتقريره. فلو أنه فعل كما فعل عمر، لحسب الناس أن هذا هو الواجب! .. وأنه لا يجوز أخذ الحيطة والحذر، والتخفي عند الخوف. مع أن الله أقام شريعته في هذه الدنيا على مقتضى الأسباب ومسبباتها، وإن كان الواقع الذي لا شك فيه أن ذلك بتسبيب الله تعالى وإرادته. لأجل ذلك، استعمل الرسول ﷺ كل الأساليب والوسائل المادية التي يهتدي إليها العقل البشري في مثل هذا العمل، حتى لم يترك وسيلة من هذه الوسائل إلا اعتدّ بها واستعملها، فترك علي بن أبي طالب ينام في فراشه ويتغطى ببرده، واستعان بأحد المشركين- بعد أن أمنه- ليدله على الطرق الفرعية التي قد لا تخطر في بال الأعداء، وأقام في الغار ثلاثة أيام متخفيا، إلى آخر ما عبّأه من الاحتياطات المادية التي قد يفكر بها العقل، ليوضح بذلك أن الإيمان بالله لا ينافي استعمال الأسباب المادية التي أراد الله بعظيم حكمته أن يجعلها أسبابا. وليس قيامه بذلك بسبب خوف في نفسه، أو شكّ في إمكان وقوعه في قبضة المشركين قبل وصوله المدينة. والدليل على ذلك أنه ﵊ بعد ما استنفد الأسباب المادية كلها، وتحلق المشركون حول الغار الذي يختبئ فيه رسول الله ﷺ وصاحبه- بحيث لو نظر أحدهم عند قدمه لأبصر الرسول ﷺ استبد الخوف بقلب أبي بكر ﵁ على حين كان يطمئنه ﵊ قائلا: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟» ، ولقد كان من مقتضى اعتماده على كل تلك الاحتياطات أن يشعر بشيء من الخوف والجزع في تلك الحال. لقد كان كل ما فعله من تلك الاحتياطات إذن، وظيفة تشريعية قام بها، فلما انتهى من أدائها، عاد قلبه مرتبطا بالله معتمدا على حمايته وتوفيقه، ليعلم المسلمون أن الاعتماد في كل أمر لا ينبغي أن يكون إلا على الله ، ولكن لا ينافي ذلك احترام الأسباب التي جعلها الله في هذا الكون أسبابا. ومن أبرز الأدلة على هذا الذي نقوله أيضا، حالته ﷺ عندما لحق به سراقة يريد قتله وأصبح على مقربة منه. لقد كان من مقتضى كل تلك الاحتياطات الهائلة التي قام بها أن يشعر بشيء من الخوف من هذا العدوّ الذي يجدّ في اللحاق به. ولكنه لم يشعر بشيء من ذلك، بل كان مستغرقا في قراءته ومناجاته لربه لأنه يعلم أن الله الذي أمره بالهجرة سيمنعه من الناس ويعصمه من شرّهم كما بيّن في كتابه المبين. ٣- وفي تخلف علي ﵁ عن النبي ﷺ في أداء الودائع التي كانت عنده إلى أصحابها دلالة باهرة على التناقض العجيب الذي كان المشركون واقعين فيه. ففي الوقت الذي كانوا يكذبونه ويرونه ساحرا أو مخادعا لم يكونوا يجدون من حولهم من هو خير منه أمانة وصدقا،

стр. 134

فكانوا لا يضعون حوائجهم وأموالهم التي يخافون عليها إلا عنده! .. وهذا يدل على أن كفرانهم لم يكن بسبب الشك لديهم في صدقه، وإنما هو بسبب تكبرهم واستعلائهم على الحق الذي جاء به وخوفا على زعامتهم وطغيانهم من اتباعه. ٤- ثم إننا نلمح في النشاط الذي كان يبذله عبد الله بن أبي بكر ﵁، ذاهبا آيبا بين الغار ومكة، يتحسس الأخبار وينقلها إلى رسول الله ﷺ وأبيه، وفيما بدا على أخته أسماء ﵂ من مظاهر الاهتمام والجد في تهييء الزاد والراحلة واشتراكها في إعداد العدة لتلك الرحلة، نلمح في ذلك صورة مما يجب أن يكون عليه الشباب المسلم ذكورا وإناثا في سبيل الله ومن أجل تحقيق مبادئ الإسلام وإقامة المجتمع الإسلامي. فلا يكفي أن يكون الإنسان منطويا على نفسه مقتصرا على عباداته، بل عليه أن يستنفد طاقاته وأوجه نشاطه كلها سعيا في سبيل الإسلام. وتلك هي مزية الشباب في حياة الإسلام والمسلمين في كل زمن وعصر. وإذا تأملت فيمن كان حول النبي ﷺ إبان دعوته وجهاده، وجدت أن أغلبيتهم العظمى كانوا شبانا لم يتجاوزوا المرحلة الأولى من عمر شبابهم، ولم يألوا جهدا في تجنيد طاقاتهم وقوتهم من أجل نصرة الإسلام وإقامة مجتمعه. ٥- أمّا ما حدث لسراقة وفرسه وهو يلحق برسول الله ﷺ فينبغي أن لا يفوتنا أنها معجزة خارقة لرسول الله ﷺ اتفق أئمة الحديث على صحتها ونقلها. وفي مقدمتهم البخاري ومسلم. فأضفها إلى معجزاته الأخرى التي سبق الحديث عنها، فيما مضى. ٦- ومن أبرز المعجزات الخارقة في قصة هجرته ﵊ خروجه ﷺ من بيته وقد أحاط به المشركون يتربصون به ليقتلوه، فقد علق النوم بأعينهم جميعا حتى لم يحس به أحد منهم، وكان من تتمة السخرية بتآمرهم على حياته ما امتلأت به رؤوسهم من التراب الذي ألقاه رسول الله عليها إذ خرج من بينهم وهو يتلو قوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس ٣٦/ ٨] . لقد كانت هذه المعجزة بمثابة الإعلان لهؤلاء المشركين وغيرهم في كل عصر ووقت، بأن ما قد يلاقيه الرسول وصحبه من ألوان الاضطهاد والعذاب على أيديهم مدة من الزمن في سبيل دينه، لا يعني أن الله قد تخلى عنهم وأن النصر قد ابتعد عن متناولهم. فلا ينبغي للمشركين وسائر أعداء الدين أن يفرحوا ويستبشروا بذلك، فإن نصر الله قريب وإن وسائل هذا النصر توشك أن تتحقق بين كل لحظة وأخرى. ٧- وتكشف لنا الصورة التي استقبلت بها المدينة المنورة رسول الله ﷺ عن مدى المحبة الشديدة التي كانت تفيض بها أفئدة الأنصار من أهل المدينة رجالا ونساء وأطفالا. لقد كانوا

стр. 135

يخرجون كل يوم إلى ظاهر المدينة ينتظرون تحت لفح الشمس وصول رسول الله ﷺ إليهم، حتى إذا هبّ النهار ليدبر، عادوا أدراجهم ليعودوا إلى الانتظار صباح اليوم الثاني، فلما طلع الرسول عليهم جاشت العواطف في صدورهم وانطلقت ألسنتهم تهتف بالقصائد والأهازيج فرحا لمرآه ﵊ ومقدمه عليهم، ولقد بادلهم رسول الله ﷺ المحبة ذاتها، حتى إنه جعل ينظر إلى ولائد بني النجار من حوله، وهن ينشدن ويتغنين بمقدمه، قائلا: «أتحببنني؟ والله إن قلبي ليحبكن» . يدلنا كل ذلك أن محبة رسول الله ﷺ ليست في مجرد الاتّباع له، بل المحبة له هي أساس الاتباع وباعثه، فلولا المحبة العاطفية في القلب لما وجد وازع يحمل على الاتباع في العمل. ولقد ضلّ قوم حسبوا أن محبة رسول الله ﷺ ليس لها معنى إلا الاتباع والاقتداء. وفاتهم أن الاقتداء لا يأتي إلا بوازع ودافع، ولن تجد من وازع يحمل على الاتباع إلا المحبة القلبية التي تهز المشاعر وتستبد بالعواطف. ولذلك جعل الرسول ﷺ مقياس الإيمان بالله امتلاء القلب بمحبته ﵊، بحيث تغدو متغلبة على محبة الولد والوالد والناس أجمعين. وهذا يدلّ على أن محبة الرسول من جنس محبة الوالد والولد أي مصدر كل منهما العاطفة والقلب وإلا لم تصح المقارنة والمفاضلة بينهما. ٨- أما الصورة التي رأيناها في مقامه ﷺ عند أبي أيوب الأنصاري في منزله، فتكشف لنا مظهرا آخر من محبة أصحاب رسول الله ﷺ له. والذي يهمنا من ذلك هنا، هو التأمل في تبرك أبي أيوب وزوجه، بآثار أصابع رسول الله ﷺ في قصعة الطعام، حينما كان يردّ عليهما فضل طعامه. إذن فالتبرك بآثار النبي ﷺ أمر مشروع قد أقره. وقد روى البخاري ومسلم صورا كثيرة أخرى من تبرك الصحابة بآثار النبي ﵊ والتوسل بها للاستشفاء أو العناية والتوفيق وما شابه ذلك. من ذلك ما رواه البخاري في كتاب اللباس، في باب (ما يذكر في الشيب) ، من أن أم سلمة زوج النبي ﷺ كانت تحتفظ بشعرات من شعر النبي ﷺ في جلجل لها (ما يشبه القارورة يحفظ فيه ما يراد صيانته) فكان إذا أصاب أحدا من الصحابة عين أو أذى أرسل إليها إناء فيه ماء، فجعلت الشعرات في الماء، ثم أخذوا الماء يشربونه توسلا للاستشفاء والتبرك به. ومن ذلك ما رواه مسلم في كتاب الفضائل في باب طيب عرقه ﷺ أنه ﵊ كان يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها وليست هي في البيت، فجاء ذات يوم فنام على فراشها، فجاءت أم سليم وقد عرق رسول الله ﷺ واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش

стр. 136

ففتحت عتيدتها «٦٣» فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها، فأفاق النبي ﷺ فقال: «ما تصنعين يا أم سليم؟» فقالت: يا رسول الله، نرجو بركته لصبياننا، قال: «أصبت» «٦٤» . ومن ذلك ما جاء في الصحيحين من استباق الصحابة إلى فضل وضوئه ﵊ والتبرك بالكثير من آثاره كألبسته والقدح الذي كان يشرب به «٦٥» . فإذا كان هذا شأن التوسل بآثاره المادية، فكيف بالتوسل بمنزلته عند الله ﷻ ؟ وكيف بالتوسل بكونه رحمة للعالمين؟ ولا يذهبن بك الوهم إلى أننا نقيس التوسل على التبرك، وأن المسألة لا تعدو أن تكون استدلالا بالقياس. فإن التوسل والتبرك كلمتان تدلان على معنى واحد وهو التماس الخير والبركة عن طريق المتوسّل به. وكل من التوسل بجاهه ﷺ عند الله والتوسل بآثاره أو فضلاته أو ثيابه، أفراد وجزئيات داخلة تحت نوع شامل هو مطلق التوسل الذي ثبت حكمه بالأحاديث الصحيحة، وكل الصور الجزئية له تدخل تحت عموم النص عن طريق ما يسمى ب (تنقيح المناط) عند علماء الأصول. ولنكتف من تعليقنا على قصة هجرته ﷺ عند هذا القدر، لنتحدث بعد ذلك عن الأعمال الجليلة التي بدأ يقوم بها ﷺ ، في المجتمع الجديد في المدينة المنورة.

стр. 137

القسم الرابع أسس المجتمع الجديد الأساس الأول (بناء المسجد) لقد كانت هجرة رسول الله ﷺ إلى المدينة، تعني نشأة أول دار إسلام إذ ذاك على وجه الأرض، وقد كان ذلك إيذانا بظهور الدولة الإسلامية بإشراف منشئها الأول محمد ﵊. ولذا فقد كان أول عمل قام به الرسول ﷺ ، أن أقام الأسس الهامة لهذه الدولة ولقد كانت هذه الأسس ممثلة في هذه الأعمال الثلاثة التالية: أولا: بناء المسجد. ثانيا: المؤاخاة بين المسلمين عامة والمهاجرين والأنصار خاصة. ثالثا: كتابة وثيقة (دستور) حددت نظام حياة المسلمين فيما بينهم، وأوضحت علاقتهم مع غيرهم بصورة عامة واليهود بصورة خاصة. وسنبدأ، فنتحدث عن بناء المسجد أولا: «قلنا فيما مضى: إن ناقته ﷺ بركت في موضع كان لغلامين يتيمين من الأنصار، وكان أسعد بن زرارة قد اتخذه مصلّى قبل هجرة رسول الله ﷺ إلى المدينة، فكان يصلّي بأصحابه فيه. فأمر رسول الله ﷺ أن يبنى ذلك الموضع مسجدا، ودعا الغلامين- وكانا في كفالة أسعد بن زرارة ﵁ فسام رسول الله ﷺ فيه، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله ﷺ حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير «١» . وكان فيه شجر غرقد ونخل وقبور قديمة لبعض المشركين، فأمر رسول الله ﷺ بالقبور فنبشت وبالنخيل والشجر فقطعت، وصفّت في قبلة المسجد، وجعل طوله مما يلي القبلة إلى

стр. 138

مؤخره مئة ذراع، وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه، ثم بنوه باللبن، وكان رسول الله ﷺ يباشر البناء مع أصحابه وينقل معهم الحجارة بنفسه، وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعل عمده الجذوع، وسقفه بالجريد. وقيل له: «ألا نسقفه؟» . فقال: «عريش كعريش موسى: خشيبات وثمام- نبت ضعيف قصير- الشأن أعجل من ذلك» «٢» أما أرضه، فقد بقيت مفروشة بالرمال والحصباء. وروى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك، أنه ﷺ كان يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم، قال: «ثم إنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ من بني النجار فجاؤوا، فقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا، فقالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فقال أنس: فكان فيه ما أقول لكم: كانت فيه قبور المشركين، وكانت فيه خرب، وكان فيه نخل. فأمر رسول الله ﷺ بقبور المشركين فنبشت ثم بالخرب فسويت وبالنخل فقطع، قال: فصفوا النخل قبلة المسجد قال: وجعلوا عضادتيه حجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون ورسول الله ﷺ معهم وهو يقول: اللهم لا خير إلا خير الآخرة فانصر الأنصار والمهاجرة» «٣» . وقد ظل مسجد رسول الله ﷺ على هذا الشكل دون أي زيادة أو تغيير فيه مدة خلافة أبي بكر ﵁، ثم زاد فيه عمر ﵁ بعض التحسين. ولكنه بناه على بنائه في عهد النبي ﷺ باللبن والجريد وأعاد عمده خشبا. ثم غيّره عثمان ﵁، فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة (الجص) «٤» . العبر والدلائل: نأخذ من هذا الذي ذكرناه دلائل هامة نجملها فيما يلي: ١- مدى أهمية المسجد في المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية: فقد أقبل رسول الله ﷺ ، بمجرد وصوله إلى المدينة المنورة واستقراره فيها، على إقامة مجتمع إسلامي راسخ متماسك، يتألف من هؤلاء المسلمين، الأنصار والمهاجرين الذين جمعتهم المدينة المنورة. فكان أول خطوة قام بها في سبيل هذا الأمر: بناء المسجد. ولا غرو ولا عجب، فإن إقامة المسجد أول وأهم ركيزة في بناء المجتمع الإسلامي، ذلك أن المجتمع المسلم إنما يكتسب صفة الرسوخ والتماسك بالتزام نظام الإسلام وعقيدته وآدابه. وإنما ينبع ذلك كله من روح المسجد ووحيه.

стр. 139

إن من نظام الإسلام وآدابه شيوع آصرة الأخوة والمحبة بين المسلمين. ولكن شيوع هذه الآصرة لا يتم إلا في المسجد، فما لم يتلاق المسلمون يوميا، على مرات متعددة في بيت من بيوت الله، وقد تساقطت مما بينهم فوارق الجاه والمال والاعتبار، لا يمكن لروح التآلف والتآخي أن تؤلف بينهم. إن من نظام الإسلام وآدابه، أن تشيع روح المساواة والعدل فيما بين المسلمين في مختلف شؤونهم وأحوالهم. ولكن شيوع هذه الروح لا يمكن أن يتم ما لم يتلاق المسلمون كل يوم صفا واحدا بين يدي الله ، وقد وقفوا على صعيد مشترك من العبودية له، وتعلقت قلوبهم بربهم الواحد ﷻ ، ومهما انصرف كل مسلم إلى بيته يعبد الله ويركع له ويسجد دون وجود ظاهرة الاشتراك والاجتماع في العبادة، فإن معنى العدالة والمساواة لن يتغلب في المجتمع على معاني الأثرة والتعالي والأنانية. وإن من نظام الإسلام وآدابه، أن ينصهر أشتات المسلمين في بوتقة من الوحدة الراسخة يجمعهم عليها حبل الله الذي هو حكمه وشرعه، ولكن ما لم تقم في أنحاء المجتمع مساجد يجتمع فيها المسلمون على تعلم حكم الله وشريعته ليتمسكوا بهما عن معرفة وعلم، فإن وحدتهم تؤول إلى شتات، وسرعان ما تفرقهم عن بعضهم الشهوات والأهواء. فمن أجل تحقيق هذه المعاني كلها في مجتمع المسلمين ودولتهم الجديدة، أسرع رسول الله ﷺ قبل كل شيء فبادر إلى بناء المسجد. ٢- حكم التعامل مع من لم يبلغوا سن الرشد من الأطفال والأيتام: استدل بعض الفقهاء وهم الحنفية بهذا الحديث على صحة تصرف غير البالغ «٥» ، ووجه الدلالة على ذلك أن النبي ﷺ اشترى المربد من الغلامين اليتيمين، بعد أن ساومهما، ولو لم يصح تصرفهما لما اشترى منهما. غير أن الذين ذهبوا إلى عدم صحة تصرف غير البالغ سن الرشد- وهم جمهور الفقهاء- استدلوا بقوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ [الأنعام ٦/ ١٥٢] ، أما حديث شراء المربد فيجاب عنه بجوابين: أولهما: أنه جاء في رواية ابن عيينة أن النبي ﷺ كلم عمهما اللذين كانا في حجره وكفالته وابتاعه منهما بواسطته «٦» فلا حجة فيه لما ذهب إليه الحنفية.

стр. 140

ثانيهما: أن للنبي ﷺ ولاية في مثل هذه الأمور، وأنه ﵊ إنما اشترى الأرض منهما بوصف كونه وليا عاما لجميع المسلمين، لا بوصف كونه فردا منهم. ٣- جواز نبش القبور الدارسة، واتخاذ موضعها مسجدا إذا نظفت وطابت أرضها: ذكر الإمام النووي تعليقا على هذا الحديث فقال: فيه جواز نبش القبور الدارسة وأنه إذا أزيل ترابها المختلط بصديدهم ودمائهم جازت الصلاة في تلك الأرض، وجواز اتخاذ موضعها مسجدا، إذا طيبت أرضه. كما أن الحديث يدل على أن الأرض التي دفن فيها الموتى ودرست، يجوز بيعها وأنها باقية على ملك صاحبها، وورثته من بعده إذا لم توقف «٧» ، وقد قال علماء السيرة عن تلك القبور التي كانت في المربد أنها كانت قبورا قديمة دراسة، فلا يتأتى فيها تصور الصديد والدم، ومع ذلك فقد نبشت وأزيل ما فيها من بقايا. قلت: ومحل جواز نبش القبور الدارسة واتخاذ أرضها مسجدا، إذا لم تكن الأرض وقفا، أما إذا كانت كذلك فلا يجوز تحويلها إلى شيء آخر غير ما وقفت له. ٤- حكم تشييد المساجد ونقشها وزخرفتها: والتشييد أن تقام عمارة المسجد بالحجارة وشبهها مما يزيد في قوة بنائه ومتانة سقفه وأركانه، والنقش والزخرفة ما جاوز أصل البناء من شتى أنواع الزينة. فأما التشييد فقد أجازه واستحسنه العلماء عامة، بدليل ما فعله عمر وعثمان ﵄ من إعادة بناء مسجده ﵊، وهو وإن كان شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ، إلا أن عدم فعله لم يدل على المفهوم المخالف. أي المنع من التشييد والتقوية، إذ لا يتعلق بهما وصف يخل بالحكمة التي من أجلها شرع بناء المساجد، بل إن في ذلك زيادة في العناية والاهتمام بشعائر الله تعالى. واستدل العلماء أيضا على ذلك بقوله تعالى: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة ٩/ ١٨] ، والعمارة إنما تكون بالتشييد وتقوية البناء والعناية به. وأما النقش والزخرفة، فقد أجمع العلماء على كراهتهما، ثم هم في ذلك بين محرّم ومكرّه كراهة تنزيه، غير أن الذين قالوا بالحرمة والذين قالوا بالكراهة اتفقوا على أنه يحرم صرف المال الموقوف لعمارة المساجد على شيء من الزخرفة والنقش، أما إذا كان المال المصروف على ذلك من الباني نفسه فيرد الخلاف فيه، وقد ذكر الزركشي نقلا عن الإمام البغوي أنه لا يجوز نقش المسجد من غلة الوقف، ويغرم القيّم إن فعله، فلو فعله رجل بماله كره لأنه يشغل قلب المصلين «٨» .

стр. 141

والفرق بين عموم التشييد وخصوص الزخرفة والنقش واضح. فالأول كما قلنا لا يترتب عليه وصف أو معنى يخل بالحكمة التي من أجلها شرع بناء المسجد أما الزخرفة والنقش فإن كلّا منهما يترتب عليه معنى يخل بالحكمة، إذ من شأنه صرف قلوب المصلين عن الخشوع والتدبر وشغلها بمظاهر الدنيا، على حين يقصد من الدخول في المسجد الهرب من التصورات الدنيوية وتفريغ البال من زينتها ومغرياتها. وهذا ما نبه إليه عمر ﵁. فقد روى البخاري في صحيحه أنه أمر ببناء مسجد فقال: «أكنّ الناس من المطر وإياك أن تحمّر أو تصفّر، فتفتن الناس» . وقد اختلف العلماء في كتابة آية من القرآن في قبلة المسجد هل هي داخلة في النقش الممنوع أم لا؟ يقول الزركشي في كتابه إعلام الساجد: «ويكره أن يكتب في قبلة المسجد آية من القرآن أو شيئا منه، قال مالك، وجوزه بعض العلماء، وقال: لا بأس به، لما روي من فعل عثمان ذلك بمسجد رسول الله ﷺ ولم ينكر ذلك عليه» «٩» . ومما ذكرناه يتبين لك خطأ ما يعمد إليه كثير ممن يهتمون بتعمير المساجد وتشييدها اليوم، حيث ينصرفون بكل جهودهم إلى التفنن في تزيينها ونقشها وإضفاء مختلف مظاهر الأبهة عليها، حتى أن الداخل إليها لا يكاد يستشعر أي معنى من ذل العبودية لله ، وإنما يستشعر ما ينطق به لسان حالها من الافتخار بما ارتقى إليه فن الهندسة المعمارية، وفنون الزخرفة العربية. ومن أسوأ نتائج هذا التلاعب الشيطاني ببسطاء المسلمين، أن الفقراء لم يعودوا يستطيعون أن يتهربوا من مظاهر الإغراء الدنيوي إلى أي جهة، لقد كان في المساجد ما يعزي الفقير بفقره، ويخرجه من جو الدنيا وزخرفها إلى الآخرة وفضلها، فأصبحوا يجدون حتى في مظهر هذه المساجد ما يذكّرهم بزخارف الدنيا التي حرموها ويشعرهم بنكد الفقر وأوضاره. فيالله، ما أسوأ ما وقع فيه المسلمون من هجران لحقائق إسلامهم وانشغال بمظاهر كاذبة ظاهرها الدين وباطنها الدنيا بكل ما فيها من شهوات وأهواء.

стр. 142

الأساس الثاني (الأخوة بين المسلمين) ثم إن الرسول ﷺ آخى بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، آخى بينهم على الحق والمواساة، وعلى أن يتوارثوا بينهم بعد الممات، بحيث يكون أثر الأخوة الإسلامية في ذلك أقوى من أثر قرابة الرحم. فجعل جعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أخوين، وجعل حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة أخوين، وجعل أبا بكر الصديق ﵁ وخارجة بن زهير أخوين، وعمر بن الخطاب وعتبان بن مالك أخوين، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخوين.. وهكذا.. «١٠» . ثم ربط النبي ﷺ هذا التآخي بين أفراد الصحابة بنطاق عام من الأخوة والموالاة، كما سنجد فيما بعد. وقد قامت هذه الأخوة على أسس مادية أيضا، وكان حكم التوارث فيما بينهم من بعض هذه الظواهر المادية. وظلت حقوق هذا الإخاء مقدمة على حقوق القرابة إلى موقعة بدر الكبرى، حيث نزل في أعقابها قوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال ٨/ ٧٥] ، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها وانقطع أثر المؤاخاة الإسلامية في الميراث، ورجع كل إنسان في ذلك إلى نسبه وذوي رحمه، وأصبح المؤمنون كلهم إخوة. روى البخاري عن ابن عباس قال: «كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجريّ الأنصاريّ دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ نسخت. ثم قال: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ [النساء ٤/ ٣٣] أي من النصر والرفادة والنصيحة. وقد ذهب الميراث «١١» . العبر والدلائل: وهذا هو الأساس الثاني الذي اعتمده رسول الله ﷺ في سبيل بناء المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية. وإن أهمية هذا الأساس تظهر في الجوانب التالية: أولا: إن أي دولة لا يمكن أن تنهض وتقوم إلا على أساس من وحدة الأمة وتساندها،

стр. 143

ولا يمكن لكل من الوحدة والتساند أن يتم بغير عامل التآخي والمحبة المتبادلة. فكل جماعة لا تؤلف بينها آصرة المودة والتآخي الحقيقية، لا يمكن أن تتحد حول مبدأ ما، وما لم يكن الاتحاد حقيقة قائمة في الأمة أو الجماعة فلا يمكن أن تتألف منها دولة. على أن التآخي أيضا لا بد أن يكون مسبوقا بعقيدة يتم اللقاء عليها والإيمان بها، فالتآخي بين شخصين يؤمن كل منهما بفكرة أو عقيدة مخالفة للأخرى، خرافة ووهم، خصوصا إذا كانت تلك الفكرة أو العقيدة مما يحمل صاحبها على سلوك معين في الحياة العملية. ومن أجل ذلك، فقد جعل رسول الله ﷺ أساس الأخوة التي جمع عليها أفئدة أصحابه، العقيدة الإسلامية التي جاءهم بها من عند الله تعالى والتي تضع الناس كلهم في مصاف العبودية الخالصة لله تعالى دون الاعتبار لأي فارق إلا فارق التقوى والعمل الصالح، إذ ليس من المتوقع أن يسود الإخاء والتعاون والإيثار بين أناس شتتتهم العقائد والأفكار المختلفة فأصبح كل منهم ملكا لأنانيته وأثرته وأهوائه. ثانيا: إن المجتمع- أي مجتمع- إنما يختلف عن مجموعة ما من الناس منتثرة متفككة، بشيء واحد، هو قيام مبدأ التعاون والتناصر فيما بين أشخاص هذا المجتمع، وفي كل نواحي الحياة ومقوماتها، فإن كان هذا التعاون والتناصر قائمين طبق ميزان العدل والمساواة فيما بينهم، فذلك هو المجتمع العادل السليم، وإن كانا قائمين على الحيف والظلم، فذلك هو المجتمع الظالم والمنحرف. وإذا كان المجتمع السليم إنما يقوم على أساس من العدالة في الاستفادة من أسباب الحياة والرزق، فما الذي يضمن سلامة هذه العدالة وتطبيقها على خير وجه؟ إن الضمانة الطبيعية والفطرية الأولى لذلك، إنما هي التآخي والتآلف، يليها بعد ذلك ضمانة السلطة والقانون. فمهما أرادت السلطة أن تحقق مبادئ العدالة بين الأفراد، فإنها لا تتحقق ما لم تقم على أساس من التآخي والمحبة فيما بينهم، بل إن هذه المبادئ لا تعدو أن تكون حينئذ مصدر أحقاد وضغائن تشيع بين أفراد ذلك المجتمع، ومن شأن الأحقاد والضغائن أن تحمل في طيها بذور الظلم والطغيان في أشد الصور، والأشكال. من أجل هذا، اتخذ رسول الله ﷺ من حقيقة التآخي الذي أقامه بين المهاجرين والأنصار أساسا لمبادئ العدالة الاجتماعية التي قام على تطبيقها أعظم وأروع نظام اجتماعي في العالم. ولقد تدرجت مبادئ هذه العدالة فيما بعد بشكل أحكام وقوانين شرعية ملزمة، ولكنها كلها إنما تأسست وقامت على تلك (الأرضية) الأولى، ألا وهي الأخوة الإسلامية ولولا هذه الأخوة العظيمة، التي

стр. 144

تأسست بدورها على حقيقة العقيدة الإسلامية، لما كان لتلك المبادئ أي أثر تطبيقي وإيجابي في شدّ أزر المجتمع الإسلامي ودعم كيانه. ثالثا: المعنى التفسيري الذي صاحب شعار التآخي: لم يكن ما أقامه الرسول ﷺ بين أصحابه من مبدأ التآخي مجرد شعار في كلمة أجراها على ألسنتهم، وإنما كان حقيقة عملية تتصل بواقع الحياة وبكل أوجه العلاقات القائمة بين الأنصار والمهاجرين. ولذلك جعل النبي ﷺ من هذه الأخوة مسؤولية حقيقية تشيع بين هؤلاء الإخوة، وكانت هذه المسؤولية محققة فيما بينهم على خير وجه، وحسبنا دليلا على ذلك ما قام به سعد بن الربيع الذي كان قد آخى الرسول ﷺ بينه وبين عبد الرحمن بن عوف، إذ عرض على عبد الرحمن بن عوف أن يشركه في بيته وأهله وماله في قسمة متساوية، ولكن عبد الرحمن شكره وطلب منه أن يرشده إلى سوق المدينة ليشتغل فيها، ولم يكن سعد بن الربيع منفردا عن غيره من الأنصار فيما عرضه على أخيه كما قد يظن، بل كان هذا شأن عامة الصحابة في علاقتهم وتعاونهم بعضهم مع بعض. خصوصا بعد الهجرة وبعد أن آخى النبي ﷺ فيما بينهم. ولذلك أيضا، جعل الله حق الميراث منوطا بهذا التآخي، دون حقوق القرابة والرحم. فقد كان من حكمة هذا التشريع أن تتجلى الأخوّة الإسلامية حقيقة محسوسة في أذهان المسلمين، وأن يعلموا أن ما بين المسلمين من التآخي والتحابب ليس شعارا وكلاما مجردين، وإنما هي حقيقة قائمة ذات نتائج اجتماعية محسوسة يتكون منها أهم الأسس اللازمة لنظام العدالة الاجتماعية. أما حكمة نسخ التوارث على أساس هذه الأخوة، فيما بعد، فهي أن نظام الميراث الذي استقر أخيرا، إنما هو نفسه قائم على أخوة الإسلام بين المتوارثين، إذ لا توارث بين ذوي دينين مختلفين، إلا أن الفترة الأولى من الهجرة وضعت كلّا من الأنصار والمهاجرين أمام مسؤولية خاصة من التعاون والتناصر والمؤانسة، بسبب مفارقة المهاجرين لأهلهم وتركهم ديارهم وأموالهم في مكة ونزولهم ضيوفا على إخوانهم الأنصار في المدينة، فكان ما أقامه الرسول ﷺ من التآخي بين أفراد المهاجرين والأنصار ضمانة لتحقيق هذه المسؤولية. ولقد كان من مقتضى هذه المسؤولية أن يكون هذا التآخي أقوى في حقيقته وأثره من أخوّة الرحم المجردة. فلما استقر أمر المهاجرين في المدينة وتمكن الإسلام فيها، وغدت الروح الإسلامية هي وحدها العصب الطبيعي للمجتمع الجديد في المدينة، أصبح من المناسب انتزاع القالب الذي كان قد صب فيه نظام العلاقة بين المهاجرين والأنصار إثر التقائهم في المدينة، إذ لا يخشى على هذا النظام

стр. 145

بعد اليوم من التفكك والتميع في ظل الأخوة الإسلامية العامة وما يترتب عليها من المسؤوليات المختلفة. ولا ضير حينئذ أن يعود تأثير قرابة الرحم بين المسلمين من حيث كونها مؤثرا زائدا على قرابة الإسلام وأخوته. ثم إن هذا التآخي الذي عقده رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار كان مسبوقا بمؤاخاة أخرى أقامها النبي ﷺ بين المهاجرين في مكة. قال ابن عبد البر: «كانت المؤاخاة مرتين: مرة بين المهاجرين خاصة، وذلك بمكة، ومرة بين المهاجرين والأنصار» «١٢» . وهذا يؤكد لنا أنّ مناط الأخوة وأساسها إنما هو رابطة الإسلام. غير أنها احتاجت إلى تجديد وتأكيد بعد الهجرة بسبب ظروفها وبسبب اجتماع المهاجرين والأنصار في دار واحدة. فهي ليست في الحقيقة شيئا آخر غير الأخوة القائمة على أساس جامعة الإسلام ووحدة العقيدة، وإنما هي تأكيد لها عن طريق التطبيق. الأساس الثالث (كتابة وثيقة بين المسلمين وغيرهم) وهذا الأساس هو أهم ما قام به النبي ﵊ مما يتعلق بالقيمة الدستورية للدولة الجديدة. روى ابن هشام أن النبي ﵊ لم تمض له سوى مدة قليلة في المدينة حتى اجتمع له إسلام عامة أهل المدينة من العرب، ولم يبق دار من دور الأنصار إلا أسلم أهلها، عدا أفرادا من قبيلة الأوس، فكتب رسول الله ﷺ كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه اليهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم. وقد ذكر ابن إسحاق هذا الكتاب بدون إسناد، وذكره ابن خيثمة فأسنده: حدثنا أحمد بن جناب أبو الوليد، ثنا عيسى بن يونس، ثنا كثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله ﵊ كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار، فذكر نحو ما ذكره ابن إسحاق «١٣» ، وذكره الإمام أحمد في مسنده فرواه عن سريج قال: حدثنا عباد عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار.. إلخ «١٤» . ونحن لن نأتي بنص الكتاب كله، فهو طويل، ولكننا نجتزئ منه البنود الهامة بنصوصها الواردة في كتابه ﵊، كي نقف من ورائها على مدى القيمة الدستورية للمجتمع
следующие страницы →