← Сира

Сира · id 23668

محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب المقدسة

سامى عامرى

Полный текст (472 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[التصدير] بسم الله الرّحمن الرّحيم قال ﷺ : " والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار" (صحيح مسلم) قال الإمام ابن القيم: " لو لم يظهر محمد بن عبد الله- ﷺ لبطلت نبوة سائر الأنبياء، فظهور نبوته تصديق لنبواتهم وشهادة لها بالصدق، فإرساله من آيات الأنبياء قبله، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى بعينه في قوله: " بل جاء بالحق وصدق المرسلين". "

стр. 2

الإهداء إلى الإمام الغائب، الشاهد.. شيخ الإسلام.. مفتي الأنام بلسم السنة.. ناصر الملّة في زمن الذلّة.. ابن تيميّة.. ﵀ رحمة واسعة، وأبقى ذكره الطيّب في العالمين!

стр. 3

توطئة إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائل: " فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ" (الروم ١٥- ١٦) .. والصلاة والسلام على حبيبي وقرّة عيني، ومعلّمي الخير ودليلي إلى الفلاح: محمد بن عبد الله ﷺ حجة الله على الناس أجمعين، والمبشّر به على لسان الأنبياء الأوّلين. صلّى عليه إلهه وخليله ... مادامت الغبراء والخضراء فهو الذي فاق الأنام كرامة ... واستبشرت بقدومه الأنباء أما بعد، فإن أمتنا تعيش في معترك حام، تحت سماء حمراء متوهجة، وفوق أرض صخرية متأججة، تملؤها سنابك خيل الدعاة البغاة المعجّجة، وتتخطفها الأيادي الآثمة، وتنخر أرضها الطاهرة تمددات سرطانية عابثة. ولا شكّ أنّ هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الإنسانية تستحث المسلم لنثل سهام من كنانة الحق رغبة في إخماد وساوس الباطل وشقاشقه.. ولا شكّ أنّ حماية بيضة الدين وصيانة حوزة التوحيد هي أهم المهمات في زمن الملمات. ومما لا يستريب فيه عاقل أنّ مرحلة التيه التي تتخبّط فيها طوائف مليونية وتحترق في أتونها يوميا، تستدعي من حاملي مشاعل النور أن يخرجوا إلى الذين قد سكنهم

стр. 4

الضياع ليرشدوهم إلى معالم طريق الهدى وليأخذوا بأيديهم إلى أبواب السكينة. لأجل كل ذلك يتحدث إليكم اليوم، أحد المسلمين عن البشارة بمحمد ﷺ في الكتب المقدسة عند النصارى واليهود والهندوس والبوذيين والصابئة والمجوس.. وليس علينا إلا أن نبسط القول في كشف دلائل الحق، وتسليط الأنوار عليها، وقمع الظلام الذي يريد طمس روعة الهدى وإطفاء جذوته الحارة.. فإنّ أصرّ البغاة على أنفسهم وأشاحوا بالوجه عمّا جاءهم من الحقّ وغلّقوا العيون وسدّوا الآذان، قال قائلنا: هذا بلاغي لكم والبعث موعدنا ... وعند ذي العرش يدري الناس ما الخبر وحديثنا المتواضع، يأتي بعد سلسلة من الكتب التي ألفها دعاة إلى الله في محاولة حثيثة إلى استقطاب النصارى واليهود والمجوس والبوذيين والهندوس إلى الإسلام. وقد جمعت تلك النخبة من الكتب الحجة القاطعة إلى الأسلوب الرائق دون تحريف الواقع أو التزييف الباقع.. وقد كان ردّ فعل الأقوام المدعية إلى جنة عرضها السماوات والأرض متباينا: فمن مهرول إلى الحق راكع في محرابه.. ومتأنّ في مشيّه بطيء في حركته.. ومتلعثم متعثر قبل تخطي عتبة الباب.. ورافض مشتط في الغواية نصب سيف الحرب على الوحي ليستعلن بباطله المنتفش انتفاشه الزبد الرابي سريع الزوال!! والمتابع لردود فعل أهل الديانات الأربع السابقة، منذ القرون الأولى، من إعلان النبي الخاتم ﷺ بعثته المباركة، يلحظ بكلّ يسر أنّ أكثر ديانة وقفت بعقائدها ضد قرآن الإسلام في القرون الهجرية الأولى هي الديانة المجوسية التي بلغت درجة" متقدمة" من منطقة أصولها والدفاع عنها، ويظهر من كتاب" الفهرست" لابن النديم الوراق (؟ - ت ٣٨٥ هجري) أنّ الردود الإسلامية على المجوسية المتمثلة في كتب

стр. 5

وردود مؤلفة في القرون الهجرية الأولى أكبر بكثير من الكتب التي ألفت في تلك الفترة في الحديث عن النصرانية وفي إبطالها، فقد تناول ابن النديم في المقالة التاسعة، الديانات الفارسية والهندية فيما يزيد عن خمسين صحيفة (من ص ٤٤١- ٤٩٣) ، في حين أنه خصص للفرق النصرانية صحيفة واحدة (ص ص ٣٣- ٣٦) . وكانت هذه العاصفة الإسلامية على المجوسية التي عاشت لفترة هامة تحت حماية امبراطورية مترامية الأطراف وفي ظلّ تأييدها، سببا في اندثار المجوسية باعتناق أهلها الإسلام وانسلاخهم من دين التثنوية. استمر دين الصابئة محصورا في فئة قليلة، وكان لظهور الإسلام على جميع الأديان في بلاد الشام والعراق والحجاز سدا قطع شرايين هذا الدين وآماله في الانتشار والتوسّع. أما النصرانية واليهودية والبوذية والهندوسية فقد تقلّص حجم تمددها الأرضي والبشري لصالح الإسلام وإن لم تندثر عقائدها.. وقد كان لصدق دين الإسلام ووضوحه وكماله وسعته والجلد الذي أظهره من اعتنقوه، أثر غير مسبوق في انتشاره في قلوب الناس وتمكّنه من الصدور.. وقد شهد كبار الباحثين الغربيين لمعجزة سرعة انتشار الإسلام على حساب بقية العقائد والأديان، معربين عن عظيم دهشتهم من السرعة الفائقة التي اكتسح بها الإسلام الأراضي والنفوس. فقال المؤرخ الهولندي دوزي: " إنّ هذه الظاهرة تبدو لأول وهلة لغزا غريبا، لا سيما متى علمنا أنّ الدين الجديد لم يفرض فرضا على أحد". وقال ماركس مايرهوف في مؤلفه" العالم الإسلامي": " ويكاد يكون مستحيلا أن نفهم كيف أنّ أعرابا منقسمين إلى عشائر ليست عندهم العدد والعدة اللازمة يهزمون

стр. 6

في مثل هذا الوقت القصير جيوش الرومان والفرس الذين كانوا أكثر منهم مرارا في الأعداد والعتاد وكانوا يقاتلونهم وهم كتائب منظمة". وقال لورد ستروب: " فكلما زدنا استقصاء، باحثين عن سر تقدم الإسلام زادنا ذلك العجب العجاب بهرا فارتددنا عنه بطرف كسير.. عرفنا أنّ سائر الأديان العظمى إنما نشأت تسير في سبيلها سيرا بطيئا متلافية كل صعب، حتى قيّض الله لكل دين من أراده من ملك ناصر وسلطان قاهر انتحل ذلك الدين ثم أخذ في تأييده والذب عنه حتى رسخت أركانه وضمت جوانبه. إنما ليس الأمر كذلك في الإسلام.. الإسلام الذي نشأ في بلاد صحراوية" ... وقد رجّت هذه الحركة التوسعية السريعة الوثّابة معاقل كثير من الأديان الوافرة الأتباع وجعلتها تتقلّب في مواقفها وتتلجلج في ردود أفعالها.. فقد بدأت في أوّل أمرها بالطعن الشديد والافتراء الفجّ والكذب السمج- واقرأ لزاما كتاب د. عبد الرحمن" دفاع عن القرآن ضد منتقديه" لترى العجب العجاب وما يضحك الثكلى التي فقدت الأولاد، من الأباطيل السخيفة المدعاة على القرآن-. وصار أقطابها اليوم يعلنون اعترافهم ب" ثورة" موج الإسلام وأنّه رقم صعب في معادلة العقائد.. لكنهم لم يقبلوا الهدى ولم يعبروا المدى، وإنّما غيّروا" التكتيك" في التعامل مع دين الله الحقّ.. فطفت على الساحة آراء جديدة ومناهج طريفة في الصدّ عن الضدّ بأسلوب لبق خفي، من ذلك إبطال الكنيسة الكاثوليكية في النصف الثاني من القرن العشرين ما سبق أن أعلنه أحد الرؤساء السابقين في نهاية القرن الحادي عشر، من اعتبار المسلمين كفارا (!؟) ، فهم لا كفار ولا مؤمنين- مترلة بين مترلتين-!!، وذلك في بحوثها التي عرضت في المجمع الثاني للفاتيكان، والذي عقد في فترة ١٩٦٣- ١٩٦٥.

стр. 7

فقد جاء في تلك الوثيقة: " إنّ كنيسة المسيح تعترف بأنّ مبادئ عقيدتها قد بنيت لدى الرسل والأنبياء طبقا لسر الخلاص الإلهي. فهي تعترف فعلا بأنّ جميع المؤمنين وهم أبناء إبراهيم- حسب العقيدة- داخلون في رسالة ذلك النبي. وبدافع المحبة نحو إخواننا فلننظر بعين الاعتبار إلى الآراء والمذاهب، التي وإن تباينت كثيرا عن آرائنا ومذهبنا، فإنها تضم نواة من تلك الحقيقة التي تنير قلب كل إنسان يولد في هذا العالم.. ولنعانق أولا المسلمين الذين يعبدون إلها واحدا، والذين هم أقرب إلينا في المعنى الديني وفي علاقات ثقافية إنسانية واسعة". ولنا نحن أن نعلن أنّه على الكنيسة الكاثوليكية أن تسير إلى الأمام خطوات أكبر، لتعلن بكل جرأة أنّ الحق كلّه هو في الإسلام فقط، أما بقية الأديان السماوية فهي لا تحمل غير" نواة من تلك الحقيقة"!! إنّ ما أعلنته الكنيسة الكاثوليكية هو أحد علامات إحساس القوم بالزحف الإسلامي الحثيث إلى أرض النواقيس ... حتى بلغ الأمر بالصحف الشهيرة في الغرب أن صرّحت أنّ الإسلام يشرق على العالم من جديد ولكنه يشرق هذه المرة من الغرب.. بل ها هي صحيفة" إيل جورنالي" الإيطالية تصرّح أنها تتوقع أن تتخذ المجتمعات الأوروبية الإسلام دينا لها بعد ٢٠٠ سنة، وأنّ الإسلام قد نفذ اليوم إلى قلب أوروبا. وقد أعلن الكثير من الباحثين ومراكز الإحصاء أنّ الإسلام هو أكثر الأديان انتشارا في العالم. جاء هذا الاعتراف في أحد دراسات مركز" رصد العقائد" في مدينة" برن" بسويسرا.. وقالت الباحثة الكهنوتية كارول أنوي: " الإسلام هو أسرع الأديان انتشارا في أمريكا الشمالية"، وأعلن الدتور هستون سميث أنّ: " الإسلام في هذا العصر كما في العصور السابقة أسرع الأديان إلى كسب الأتباع المصدّقين"!!

стр. 8

إنّ الإسلام يعود إلى البروز من جديد.. ولكن لا تزال طبائع النفوس الحائدة عن الحق كما كانت، ما بين نفس متعطّشة للهداية في مسلاخ عامي جاهل.. ونفس رجل مترددة بين الظلمة والنور والظل والحرور.. وأخرى قد غلفها السواد واستوطنها الفساد فركبت الهوى، ومن ركب الهوى هوى، ومن رضي الهوان هان! ولا زالت أصوات الدعاة إلى الحق تتردد في أجواء الكون أن أقبلوا على الله.. أن فرّوا إلى الله.. وأن لا ملجأ من الله إلا إلى الله.. ولكن عبّاد الآباء لا يكفون عن الافتئات على الدين الحق، والتمسّك بآثار الأوّلين ولو كانوا من عمّار السعير وحصب الجحيم. ولا يزال النهج العملي الواقعي (لا الرسمي النظري) لرسل الكنائس في مكاتباتهم ومحاضراتهم هو السبّ والتجديع ورشّ السهام والتعنيف، وهو ولا شك، نهج الذين يعتزون إلى ما لا يحسنون ممن فاق ما أخطؤوا فيه ما يحسنون. وغاية أمرهم التلبيس والتدليس، ممّا لا يخفى عمّن خبر مواقفهم من الإسلام. فقد جاء مثلا في مؤتمر كولورادو- ١٩٧٨ م- لتنصير المسلمين، تصريح المجتمعين أنّ الإسلام" هو الدين الوحيد الذي تناقض مصادره الأصلية أسس النصرانية، والنظام الإسلامي هو أكثر النظم الدينية المتناسقة اجتماعيا وسياسيا.. ونحن بحاجة إلى مئات المراكز، لفهم الإسلام، ولاخترقه في صدق ودهاء. "!!! وعلى الضفة الأخرى، على ذرى المجد، وفي بؤرة النور، تنطلق في أجواء الكون صيحات عقلاء مبصرين، محّصوا العقائد الرائجة بين الخلق، فاختاروا منها ما وافق العقل ولامس شغاف الفطرة. صيحات تنادي أن أقبلوا على جنان الدنيا والآخرة.. على سعادة الدارين. إنها دعوة من مسلم واع بما أوتيه من حقّ، إلى غيره من بني البشر من الذين لم ترشد عقولهم، ومن الذين ران الغبش على بصائرهم، أنّ هذا هو الدواء لعلّتكم وأنّ هذا هو الطريق إلى سعادتكم.

стр. 9

إنها دعوة إلى الاصغاء لنبضات القلب وهمساته.. لصرخاته المكبوتة في الصدر عند لحظة الميلاد. «١» إنّها دعوة إلى مراجعة ما في القلب والتثبّت في ما انطبع عليه من ذكر" الله" سبحانه. «٢»

стр. 10

وها هو موضوع البشارة بمحمد ﷺ في الكتب المقدسة لأشهر الأمم السابقة بين يديك، نعرضه في سياق سجالي، بعيدا عن النهج التلقيني أو العرض التمويهي، وإنما نسوق أمامك ما نراه حقيقة ونردّ على اعتراضات المخالفين وشبهات المكابرين، وبالذات النصارى، سواء أكانت اعتراضات عامة على فكرة وجود البشارة ذاتها في تلك الأسفار، أو كانت اعتراضات تفصيلية على بشارات بعينها.. وطريقتنا هي: استنطاق النصوص في ضوء ما يكشفه لفظها، والاستعانة بما نستنتجه من التراجم الحديثة والتعاليق التي جاءت في هوامشها وما انبثق من حقائق توصّل إليها غيرنا من الباحثين الذين لا نتحرّج من نقل الكثير من استنباطاتهم. علما أنّنا قد نشتد في العبارة ونظهر التصريح لا الإشارة، لا رغبة في التشفّي، ولكن حتى لا يقع الغرّ في الجبّ. وقد أردنا لكتابنا، بعون الله وفضله، أن يكون أشبه بالدليل العملي للدعوة والمناظرة. ونرجوا أن نكون قد أضفنا لبنة جديدة صلبة في هذا الباب. وهذا الكتاب هو أيضا يد نمدّها إلى الكنائس في بلاد العرب، رعاة ورعايا، أن تعالوا إلى ما يدفع الفتن عن بلاد المسلمين التي نسكن كلّنا أرضها، وأقبلوا لتدفع عنكم وعن أبنائكم كربات يوم القيامة وحسراته القاتلة فتلك والله الحالقة.. فالبدار البدار إلى صراط الجنان!! وندعوا الله أن يكون الجهد المتواضع الذي بذلناه، خالصا لوجهه الكريم، وأن يغفر لنا حظ النفس فيه، وأن يهبه القبول في الدنيا بين من ينشدون الحق ويرغبون في النجاة في يوم لا يفلح فيه من فوّت على نفسه قارب النجاة إلى مرسى الجنّات: شهادة أن" لا إله إلّا الله، محمد رسول الله". والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.. ربّ اشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي!

стр. 11

محمّد ﷺ في أسفار النصارى واليهود

стр. 12

مقدمة: هى إجابة على سؤالين: * هل لا بدّ، للإقرار بنبوة محمد ﷺ ، أن تخبر به الكتب السابقة؟ * هل القرائن والأخبار العامة، بعيدا عن البحث التفصيلي في نصوص الأسفار المقدسة للنصارى واليهود تشهد لتنبئ هذه الكتب بخروج محمد ﷺ نبي الإسلام؟ يجيب على السؤال الأول شيخ الإسلام، بحر العلوم، ابن تيمية، نوّر الله قبره، في كتابه" الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح": " والنصارى لهم سؤال مشهور بينهم، وهو أن فيهم من يقول محمد: " لم تبشر به النبوات، بخلاف المسيح فإنه بشرت به النبوات". وزعموا أن من لم تبشر به فليس بنبي. وهذا السؤال يورد على وجهين: أحدهما: أنه لا يكون نبيا حتى تبشر به. والثاني: أن من بشرت به أفضل أو أكمل، ممن لم تبشر به، أو أن هذا طريق يعرف به نبوة المسيح، اختص به. وأنتم قد قلتم: ما من طريق تثبت به نبوة نبي إلا ومحمد تثبت نبوته بمثل تلك الطريق وأفضل. فأما هذا الثاني، فيستحق الجواب وأما الأول نجيبهم عنه أيضا لكن هل تجب الإجابة عنه؟ فيه قولان بناء على أصل وهو أنه هل من شرط النسخ الإشعار بالمنسوخ

стр. 13

ولنظّار المسلمين فيه قولان: أحدهما: أنه لا بد إذا شرع حكما يريد أن ينسخه فلا بد أن يشعر المخاطبين بأنه سينسخه لئلا يظنوا دوامه فيكون ذلك تجهيلا لهم. والثاني: لا يشترط ذلك. وأيضا، فمن بعث بعد موسى بشريعة، هل يجب أن يكون مبشرا به؟ فيه قولان. وبكل حال، فلا ريب عند علماء المسلمين أن المسيح ﵇ بشّر بمحمد كما قال تعالى" وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ" (سورة الصف ٦) . قال تعالى: " الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ" (الأعراف ١٥٧) . وقال تعالى: " مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً" (سورة الفتح ٢٩) وقال تعالى: " الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" (البقرة ١٤٦) و (الأنعام ٢٠) ( ... ) وقال تعالى: " وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ" (سورة البقرة ٨٩)

стр. 14

وقال تعالى: " أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ" (سورة الأنعام ١١٤) ( ... ) وإذا كان كذلك، فيقال: معلوم باتفاق أهل الملل، أنه ليس من شرط نبوة كل نبي أن يبشر به من قبله، إذ النبوة ثابتة بدون ذلك، لا سيما ونوح وإبراهيم وغيرهما لم يعلم أنه بشر بهما من قبلهما، وكذا عامة الأنبياء الذين قاموا في بني إسرائيل لم تتقدم بهم بشارات إذ كانوا لم يبعثوا بشريعة ناسخة كداود وأشعيا وغيرهما. وإنما قد يدعى هذا فيمن جاء بنسخ شرع من قبله، كما جاء المسيح بنسخ بعض أحكام التوراة وكذلك محمد ﷺ ، ففي مثل هذا يتنازع المتنازعون من علماء المسلمين وغيرهم: هل يشترط أن يكون قد أخبر بذلك قبل النسخ؟ على قولين. وحينئذ فالمسلمون يقولون: شريعة التوراة والإنجيل، لم تشرع شرعا مطلقا، بل مقيدا، إلى أن يأتي محمد. وهذا مثل الحكم المؤقت بغاية لا يعلم متى يكون، كقوله تعالى: " فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ" وقوله تعالى: " فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا" ومثل هذا جائز باتفاق أهل الملل. وهل يسمى هذا نسخا؟ فيه قولان. قيل لا يسمى نسخا، كالغاية المعلومة. كقوله تعالى: " وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ" فإن ارتفاع وجوب الصيام بمجيء الليل، لا يسمى نسخا باتفاق الناس. فقيل إن الغاية المجهولة، كالمعلومة. وقيل: بل هذا يسمى نسخا، ولكن هذا النسخ جائز باتفاق أهل الملل، اليهود وغيرهم.

стр. 15

وعلى هذا، فثبوت نبوة المسيح ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما، لا تتوقف على جواز النسخ المتنازع فيه، فإن ذلك إنما يكون في الحكم المطلق، والشرائع المتقدمة لم تشرع مطلقا. وسواء قيل: إن الإشعار بالناسخ واجب، أو قيل: إنه غير واجب، فعلى القولين قد أشعر أهل الشرع الأول، بأنه سينسخ ( ... ) . وإذا كان هذا هو الواقع، فنبوة المسيح محمد صلى الله عليهما وسلم، لا تتوقف على ثبوت النسخ المتنازع فيه. وحينئذ فنقول: العلم بنبوة محمد ونبوة المسيح، لا تتوقف على العلم بأن من قبلهما بشر بهما، بل طرق العلم بالنبوة متعددة. فإذا عرفت نبوته بطريق من الطرق، ثبتت نبوته عند من علم ذلك، وإن لم يعلم أن من قبله بشّر به. لكن يقال: إذا كان الواجب أو الواقع أنه لا بد من إخبار من قبله بمجيئه، وأن الإشعار بنسخ شريعة من قبله واجب، أو واقع، صار ذلك شرطا في النبوة. ومن علم نبوته علم أن هذا قد وقع وإن لم ينقل إليه. فإذا قال المعارض: عدم إخبار من قبله به يقدح في نبوته، وأنه إذا قدر أنه لم يخبر به من قبله، والإخبار شرط في النبوة، كان ذلك قدحا. قيل: الجواب هنا من طريقين: أحدهما: أن يقال: إذا علمت نبوته بما قام عليها من أعلام النبوة، فإما أن يكون تبشير من قبله لازما لنبوته واجبا، أو واقعا، وإما أن لا يكون لازما. فإن لم يكن لازما لم يجب وقوعه، وإن كان لازما علم أنه قد وقع، وإن كان ذلك لم ينقل إلينا، إذ ليس كل ما قالته الأنبياء المتقدمون علمناه ووصل إلينا. وليس كل ما أخبر به المسيح ومن قبله من الأنبياء وصل إلينا، وهذا مما يعلم بالاضطرار.

стр. 16

ولو قدّر أن هذا ليس في الكتب الموجودة، لم يلزم أن المسيح ومن قبله لم يذكروه، بل يمكن أنهم ذكروه وما نقل، ويمكن أنه كان في كتب غير هذه، ويمكن أنه كان في نسخ غير هذه النسخ فأزيل من بعضها ونسخت هذه مما أزيل منه، وتكون تلك النسخ التي هو موجود فيها غير هذه، فكل هذا ممكن في العادة لا يمكن الجزم بنفيه. فلو قدر أنه ليس في هذه الكتب الموجودة اليوم بأيدي أهل الكتاب، لم يقطع بأن الأنبياء لم يبشروا به، فإذا لم يمكن لليهود أن يقطعوا بأن المسيح لم يبشر به الأنبياء، ولا يمكن أهل الكتاب أن يقطعوا بأن محمدا لم يبشر به الأنبياء، لم يكن معهم علم بعدم ذلك، بل غاية ما يكون عند أحدهم ظن لكونه طلب ذلك فلم يجده. ودلائل نبوة المسيح ومحمد قطعية يقينية لا يمكن القدح فيها بظن فإن الظن لا يدفع اليقين، لا سيما مع الآثار الكثيرة المخبرة بأن محمدا كان مكتوبا باسمه الصريح فيما هو منقول عن الأنبياء، كما في صحيح البخاري أنه قيل لعبد الله بن عمرو، أخبرنا ببعض صفة رسول الله في التوراة، فقال إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: " يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وحرزا للأميين. أنت عبدي ورسولي. سميتك المتوكل. لست بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق، ولا تجزي بالسيئة السيئة، ولكن تجزي بالسيئة الحسنة، وتعفو وتغفر. ولكن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء، فأفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، بأن يقولوا لا إله إلا الله". ولفظ التوراة والإنجيل والقرآن والزبور قد يراد به الكتب المعينة، ويراد به الجنس، فيعبر بلفظ القرآن عن الزبور وغيره، كما في الحديث الصحيح عن النبي، خفف على داود القرآن، فكان ما بين أن تسرج دابته إلى أن يركبها يقرأ القرآن. والمراد به قرآنه، وهو الزبور، ليس المراد به القرآن الذي لم ينزل إلا على محمد.

стр. 17

وكذلك ما جاء في صفة أمة محمد، أناجيلهم في صدورهم، فسمى الكتب التي يقرؤونها وهي القرآن، أناجيل. وكذلك في التوراة، إني سأقيم لبني إسرائيل نبيا من اخوتهم، أنزل عليه توراة مثل توراة موسى، فسمى الكتاب الثاني توراة. فقوله أخبرني بصفة رسول الله في التوراة، قد يراد بها نفس الكتب المتقدمة كلها، وكلها تسمى توراة، ويكون هذا في بعضها. وقد يراد به التوراة المعينة، وعلى هذا فيكون هذا في نسخة لم ينسخ منها هذه النسخ، فإن النسخ الموجودة بالتوراة التي وقفنا عليها ليس فيها هذا. لكن هذا عندهم في نبوة أشعيا، قال فيها: " عبدي الذي سرت به نفسي، أنزل عليه وحيي، فيظهر في الأمم عدلي، ويوصيهم بالوصايا. لا يضحك، ولا يسمع صوته في الأسواق. يفتح العيون العور، والآذان الصم، ويحيي القلوب الغلف. وما أعطيه لا أعطي أحدا. يحمد الله حمدا جديدا. يأتي من أقصى الأرض، وتفرح البرية وسكانها. يهللون الله على كل شرف، ويكبرونه على كل رابية. لا يضعف، ولا يغلب، ولا يميل إلى الهوى، مشقح. ولا يذل الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة، بل يقوى الصديقين، وهو ركن المتواضعين، وهو نور الله الذي لا يطفى، أثر سلطانه على كتفيه". وهذه صفات منطبقة على محمد ﷺ وأمته، وهي من أجل بشارات الأنبياء المتقدمين به. ولفظ التوراة، قد عرف أنه يراد به جنس الكتب التي يقرّ بها أهل الكتاب، فيدخل في ذلك الزبور، ونبوة أشعيا، وسائر النبوات غير الإنجيل.

стр. 18

فإن كان المراد بلفظ التوراة والإنجيل في القرآن هذا المعنى، فلا ريب أنّ ذكر النبي ﷺ في التوراة بهذا الاعتبار، كثير متعدد ( ... ) . الطريق الثاني من الجواب: أن نبين أن الأنبياء قبله، بشروا به. وهذا هو دليل مستقل على نبوته وعلم عظيم من أعلام رسالته. وهذا أيضا يدل على نبوة ذلك النبي، إذ أخبر بأنباء من الغيب مع دعوى النبوة. ويدل على نبوة محمد لإخبار من تثبت نبوته بنبوته، هذا إذا وجد الخبر ممن لا نعلم نحن نبوته ولم يذكر في كتابنا. وأما من ثبتت نبوته بطرق أخرى، كموسى والمسيح، فهذا مما تظاهر فيه الأدلة على المدلول الواحد، وهو أيضا يتضمن أن كل ما ثبتت به نبوة غيره، فإنه تثبت به نبوته، وهو جواب ثان، لمن يجعل ذلك شرطا لازما لنبوته. " يجيب عن السؤال الثاني الإمام المجدد، شيخ الإسلام ابن القيم في كتابه الموسوم ب" هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى" بقوله، تحت عنوان" إثنا عشر وجها تدلّ على أنه (محمد ﷺ مذكور في الكتب المنزلة: " العلم بأنه ﷺ مذكور في الكتب المتقدمة يعرف من وجوه متعددة: أحدها: أخبار من قد ثبتت نبوته قطعا بأنه مذكور عندهم في كتبهم فقد أخبر به من قام الدليل القطعي على صدقه فيجب تصديقه فيه إذ تكذيبه والحالة هذه ممتنع لذاته هذا لو لم يعلم ذلك إلا من مجرد خبرة فكيف إذا تطابقت الأدلة على صحة ما أخبر به. الثاني: أنه جعل الإخبار به من أعظم أدلة صدقه وصحة نبوته وهذا يستحيل أن يصدر إلا من واثق كل الوثوق بذلك وأنه على يقين جازم به.

стр. 19

الثالث: أن المؤمنين به من الأحبار والرهبان الذين آثروا الحق على الباطل صدقوه في ذلك وشهدوا له بما قال. الرابع: أن المكذبين والجاحدين لنبوته لم يمكنهم إنكار البشارة والأخبار بنبوة نبي عظيم الشأن صفته كذا وكذا وصفة أمته ومخرجه وشأنه لكن جحدوا أن يكون هو الذي وقعت به البشارة وأنه نبي آخر غيره وعلموا هم والمؤمنون به من قومهم أنهم ركبوا متن المكابرة وامتطوا غارب البهت. الخامس: أن كثيرا منهم صرح لخاصته وبطانته بأنه هو هو بعينه وأنه عازم على عداوته ما بقي كما تقدم. السادس: أن إخبار النبي ﷺ بأنه مذكور في كتبهم هو فرد من أفراد اخباراته بما عندهم في كتبهم من شأن أنبيائهم وقومهم وما جرى لهم وقصص الأنبياء المتقدمين وأممهم وشأن المبدأ والمعاد وغير ذلك مما أخبرت به الأنبياء وكل ذلك مما يعلمون صدقه فيه ومطابقته لما عندهم وتلك الاخبارات أكثر من أن تحصى ولم يكذبوه يوما واحدا في شيء منها وكانوا أحرص شيء على أن يظفروا منه بكذبة واحدة أو غلطة أو سهو فينادون بها عليه ويجدون بها السبيل إلى تنفير الناس عنه فلم يقل أحد منهم يوما من الدهر انه أخبر بكذا وكذا في كتبنا وهو كاذب فيه بل كانوا يصدقونه في ذلك وهم مصرون على عدم إتباعه وهذا من أعظم الأدلة على صدقه فيما أخبر به لو لم يعلم إلا بمجرد خبره. السابع: أنه أخبر بهذا لأعدائه من المشركين الذين لا كتاب عندهم وأخبر به لأعدائه من أهل الكتاب وأخبر به لأتباعه فلو كان هذا باطلا لا صحة له لكان ذلك تسليطا للمشركين أن يسألوا أهل الكتاب فينكرون ذلك وتسليطا لأهل الكتاب على الإنكار وتسليطا لاتبعاه على الرجوع عنه والتكذيب له بعد تصديقه وذلك ينقض الغرض المقصود بإخباره من كل وجه وهو بمنزلة رجل يخبر بما يشهد بكذبه ويجعل

стр. 20

أخباره دليلا على صدقه وهذا لا يصدر من عاقل ولا مجنون فهذه الوجوه يعلم بها صدق ما أخبر به وإن لم يعلم وجوده من غير جهة أخباره فكيف وقد علم وجود ما أخبر به. الثامن: أنه لو قدر أنهم لم يعلموا بشارة الأنبياء به وأخبارهم بنعته وصفته لم يلزم أن لا يكونوا ذكروه وأخبروا به وبشروا بنبوته إذ ليس كل ما قاله الأنبياء المتقدمون وصل إلى المتأخرين وأحاطوا به علما وهذا مما يلعم بالاضطرار فكم من قول قد قاله موسى وعيسى ولا علم لليهود والنصارى به فإذا أخبر به من قام الدليل القطعي على صدقه لم يكن جهلهم به موجبا لرده وتكذيبه. التاسع: أنه يمكن أن يكون في نسخ غير هذه النسخ التي بأيديهم فأزيل من بعضها ونسخت هذه مما أزيل منه ( ... ) . العاشر: أنه استشهد على صحة نبوته بعلماء أهل الكتاب وقد شهد له عدو لهم فلا يقدح جحد الكفرة الكاذبين المعاندين بعد ذلك قال تعالى: " وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ". وقال تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ". وقال تعالى: " ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ"، وقال تعالى: " الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ". وإذا شهد واحد من هؤلاء لم يوزن به ملء الأرض من الكفرة ولا تعارض شهادته بجحود ملء الأرض من الكفار كيف والشاهد له من علماء أهل الكتاب أضعاف أضعاف المكذبين له منهم وليس كل من

стр. 21

قال من أشباه الحمير من عباد الصليب وأمة الغضب أنه من علمائهم فهو كذلك وإذا كان أكثر من من يظن عوام المسلمين انه من علمائهم ليس كذلك فما الظن بغيرهم وعلماء أهل الكتاب إن لم يدخل فيهم من لم يعمل بعلمه فليس علماؤهم إلا من آمن به وصدقه وإن دخل فيهم من علم ولم يعمل كعلماء السوء لم يكن إنكارهم لنبوته قادحا في شهادة العلماء العاملين بعلمهم. الحادي عشر: أنه لو قدر أنه لا ذكر لرسول الله ﷺ بنعته ولا صفته ولا علامته في الكتب التي بأيدي أهل الكتاب اليوم لم يلزم من ذلك أن لا يكون مذكورا في الكتب التي كانت بأيدي أسلافهم وقت مبعثه ولا تكون اتصلت على وجهها إلى هؤلاء بل حرفها أولئك وبدلوا وكتموا وتواصوا وكتبوا ما أرادوا وقالوا هذا من عند الله ثم اشتهرت تلك الكتب وتناقلها خلفهم عن سلفهم فصارت المغيرة المبدلة هي المشهورة والصحيحة بينهم خفية جدا ولا سبيل إلى العلم باستحالة ذلك بل هو في غاية الامكان فهؤلاء السامرة غيروا مواضع من التوراة ثم اشتهرت النسخ المغيرة عند جميعهم فلا يعرفون سواها وهجرت بينهم النسخ الصحيحة بالكلية وكذلك التوراة التي بأيدي النصارى وهكذا تبدل الأديان والكتب ولولا أن الله سبحانه تولى حفظ القرآن بنفسه وضمن للأمة أن لا تجتمع على ضلالة لأصابه ما أصاب الكتب قبله قال تعالى" إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ". الثاني عشر: إنه من الممتنع أن تخلو الكتب المتقدمة عن الأخبار بهذا الأمر العظيم الذي لم يطرق العالم من حين خلق إلى قيام الساعة أمر أعظم منه ولا شأن أكبر منه فإنه قلب العالم وطبق مشارق الأرض ومغاربها واستمر على العالم على تعاقب القرون وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ومثل هذا النبأ العظيم لابد أن تتطابق الرسل على الإخبار به وإذا كان الدجال رجل كاذب يخرج في آخر الزمان وبقاؤه في الأرض أربعين يوما قد تطابقت الرسل على الإخبار به وأنذر به كل نبي قومه من نوح إلى خاتم

стр. 22

الرسل فكيف تتطابق الكتب الإلهية من أولها إلى آخرها على السكوت عن الإخبار بهذا الأمر العظيم الذي لم يطرق العالم أمر أعظم منه ولا يطرقه أبدا هذا مالا يسوغه عقل عاقل وتأباه حكمة أحكم الحاكمين بل الأمر بضد ذلك وما بعث الله سبحانه نبيا إلا أخذ عليه الميثاق بالإيمان بمحمد وتصديقه كما قال تعالى: ": " وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ". قال ابن عباس ما بعث الله من نبي إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به وليتابعنه"

стр. 23

لماذا يبحث المسلم في موضوع البشارة بمحمد ﷺ ؟ يندفع المسلم إلى دراسة موضوع البشارة بمحمد ﷺ في كتب السابقين بتحفيز مما جاء في وحي الله المنزّل على عبده محمد ﷺ في القرآن والسنة.. وقد تواترت النصوص واستفاضت معانيها المتدفقة من عيونها العذبة تخبر عن ولادة النور من قلب جزيرة العرب، وهي لم تلق معارضة تذكر من اليهود والنصارى في زمن تنزّلها، مما يقطع عند أهل العقول أنها صادقة لم تفتر على الله الكذب وأنها تصف حقيقة لا يستريب فيها مبصر ولا يرتاب في أمرها منصف.. من هذه الآيات قول الحق سبحانه: " الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" (الأعراف ١٥٧) . يقول الإمام ابن كثير: " وهذه صفة محمّد ﵌ في كتب الأنبياء بشّروا أممهم ببعثه وأمروهم بمتابعته ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم. كما روى الإمام أحمد حدّثنا إسماعيل عن الجريريّ عن أبي صخر العقيلي حدّثني رجل من الأعراب قال جلبت حلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله ﷺ فلمّا فرغت من بيعي قلت لألقينّ هذا الرّجل فلاسمعنّ منه قال فتلقّاني بين أبي بكر وعمر يمشون فتبعتهم حتّى أتوا على رجل من اليهود ناشر التّوراة يقرؤها يعزّي بها نفسه عن ابن له في الموت كأجمل الفتيان وأحسنها فقال رسول الله ﷺ " أنشدك يالّذي أنزل التّوراة هل

стр. 24

تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي؟ " فقال برأسه هكذا أي لا فقال ابنه إي والّذي أنزل التّوراة إنّا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك وإنّي أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنّك رسول الله فقال" أقيموا اليهوديّ عن أخيكم" ثمّ تولّى كفنه والصّلاة عليه"، هذا حديث جيّد قويّ له شاهد في الصّحيح عن أنس". وجاء في سورة البقرة الآية ١٠١: " وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ" يقول الإمام الطبري في تفسيره: " يعني جل ثناؤه بقوله: " ولمّا جاءهم" أحبار اليهود وعلماءها من بني إسرائيل. " رسول" يعني بالرّسول محمّدا ﷺ . ( ... ) . أمّا قوله: " مصدق لما معهم". إنّه يعني به أنّ محمّدا ﷺ يصدّق التّوراة، والتّوراة تصدّقه في أنّه لله نبيّ مبعوث إلى خلقه. وأمّا تأويل قوله: " لَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ" فإنّه للّذي هو مع اليهود، وهو التّوراة. فأخبر الله جلّ ثناؤه أنّ اليهود لمّا جاءهم رسول الله ﷺ من الله بتصديق ما في أيديهم من التّوراة أنّ محمّدا ﷺ نبيّ الله. " نبذ فريق"، يعني بذلك أنّهم جحدوه ورفضوه بعد أن كانوا به مقرّين حسدا منهم له وبغيا عليه. وقوله: " من الّذين أوثوا الكتاب" وهم علماء اليهود الّذين أعطاهم الله العلم بالتّوراة وما فيها. ويعني بقوله: " كتاب الله" التّوراة

стр. 25

وقوله: " نبذوه وراء ظهورهم" حملوه وراء ظهورهم؛ وهذا مثل يقال لكلّ رافض أمرا كان منه على بال: قد جعل فلان هذا الأمر منه بظهر وجعله وراء ظهره، يعني به أعرض عنه وصدّ وانصرف ... " وقال الله سبحانه: " مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً" (سورة الفتح ٢٩) قال سيد قطب في تفسيره: " إنها صورة عجيبة يرسمها القرآن الكريم بأسلوبه البديع. صورة مؤلفة من عدة لقطات لأبرز حالات هذه الجماعة المختارة، حالاتها الظاهرة والمضمرة. فلقطة تصور حالتهم مع الكفار ومع أنفسهم: " أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم" ولقطة تصور هيئتهم في عبادتهم: " تراهم ركعا سجدا". ولقطة تصور قلوبهم وما يشغلها ويجيش بها: " يبتغون فضلا من الله ورضوانا". ولقطة تصور أثر العبادة والتوجه إلى الله في سمتهم وسحنتهم وسماتهم: " سيماهم في وجوههم من أثر السجود".." ذلك مثلهم في التوراة". وهذه صفتهم فيها.. ولقطات متتابعة تصورهم كما هم في الإنجيل.. " كزرع أخرج شطأه"" فآزره".." فاستغلظ"" فاستوى على سوقه". " يعجب الزراع".." ليغيظ بهم الكفار". وجاء في سورة البقرة الآية ١٤٦: " الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ". ونقرأ في تفسير الجلالين- للإمامين جلال الدين المحلّى وجلال الدين السيوطي-: " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه أي محمدا كما يعرفون أبناءهم بنعته في كتبهم قال

стр. 26

ابن سلام: لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ومعرفتي لمحمد ﷺ أشد وإن فريقا منهم ليكتمون الحق (نعته) وهم يعلمون هذا الذي أنت عليه. " الآيات القرآنية كثيرة نقتصر منها على ما ذكرنا، وفيما يتعلق بالأحاديث الواردة عن الرسول ﷺ والآثار عن الصحابة فنكتفي منها بما رواه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه من أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّي عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بتأويل ذلك، دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى قومه، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني وقد خرج منها نور ساطع أضاءت منه قصور الشام". ويزداد المسلم إمعانا في الحرص على دراسة موضوع البشارة بمحمد ﷺ وتشوّفا لتلمّس ملامحه عندما يطّلع على ما كشفه الباحثون من المحققين من بشارات صريحة وضمنية عن مقدم" البشير النذير" ﷺ .. وقد كتب في شأن هذه البشارات جمع كبير من أهل العلم، وأفضل من فصّل الحديث فيها طائفة من رجال الذين النصارى لبّوا دعوة التوحيد لمّا بزغ نور الهداية في الظلام الدامس الذي ران على قلوبهم، فكتب عبد الأحد داود (دافيد كلداني، سابقا) كتابه" محمد في الكتاب المقدس"، وكتب القسيس المدرّس في كليّة اللاهوت إبراهيم خليل أحمد- ﵀" محمد ﷺ في التوراة والإنجيل والقرآن" وقد توفي منذ فترة قصيرة، وكتب القسيس دوراني: " محمد النبوءة الكتابية".. وغيرهم.. ويعلم النصارى وغيرهم حقيقة خبر محمد في أسفارهم لكنهم يزعمون غير ذلك" وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ" (النمل ١٤) .. وهذا الأمر معلوم مشهور تشهد له وقائع عديدة لا تستوعبها الأسفار الثقال، ولك منّي بعضها: قال إسحاق هلال مسيحة، رئيس لجنة التنصير بإفريقيا وآسيا، بعد اهتدائه إلى الإسلام، وهو يروي قصة إسلامه: " ... ثم عيّنت رئيسا لكنيسة المثال المسيحي بسوهاج، ورئيسا فخريا لجمعيات خلاص النفوس المصرية (وهي جمعية تنصيرية قوية

стр. 27

جدا ولها جذور في كثير من البلدان العربية وبالأخص دول الخليج) . وكان البابا يغدق عليّ الأموال حتى لا أعود لمناقشة مثل تلك الأفكار، لكني مع هذا كنت حريصا على معرفة حقيقة الإسلام، ولم يخبو النور الإسلامي الذي أنار قلبي فرحا بمنصبي الجديد بل زاد، وبدأت علاقتي مع بعض المسلمين سرا. وبدأت أدرس وأقرأ عن الإسلام. وطلب منّي إعداد رسالة ماجستير حول مقارنة الأديان وأشرف على الرسالة أسقف البحث العلمي في مصر سنة ١٩٧٥، واستغرقت في إعدادها أربع سنوات. وكان المشرف يعترض على ما جاء في الرسالة حول صدق نبوّة محمد ﷺ وأميته وتبشير المسيح بمجيئه. وأخيرا تمّت مناقشة الرسالة في الكنيسة الإنكليكية بالقاهرة واستغرقت المناقشة تسع ساعات وتركزّت حول قضية النبوّة والنبي ﷺ علما بأنّ الآيات صريحة في الإشارة إلى نبوّته وختم النبوّة به. وفي النهاية قرّر البابا سحب الرسالة منّي وعدم الاعتراف بها ... "!!! أمّا الواقعة الثانية فقد كان بطلها الدكتور أحمد حجازي السقا، الباحث المعروف في النصرانية، بل أغزر الباحثين المسلمين العرب تأليفا، وتحقيقا للكتب القديمة حول النصرانية. قال الدكتور في كتابه (أطروحته) " البشارة بنبيّ الإسلام في التوراة والإنجيل" ص ٤٥- ٤٦: " كنت أعدّ رسالة الدكتوراه في كليّة أصول الدين- جامعة الأزهر في موضوع" مجلّة الأزهر وأثرها في الدعوة الإسلامية" في سنّة ١٩٧٣ م وذات يوم التقيت ب" قمص" نصراني ظنّ أنّي نصراني مثله، لأنّي كنت أقرأ في الكتاب المقدس وأحمل منه نسخة أخرى، لصديق لي. فسألني قائلا: " أتعرف أنّ الإصحاح الثامن من سفر دانيال النبيّ يشير إلى معركة سنة ١٩٦٧ م التي حدثت بين المسلمين وبين اليهود في أرض فلسطين؟ ". قلت: " قد قرأت ذلك في كتاب" إظهار الحق" ولكنّي لم أدرس جيّدا! ". قال: " أحبّ أن أطّلع عليه! ". ونزلنا من القطار إلى منزل الشيخ حامد عبد الحميد إبراهيم قلبه، في محطة المطرية بمصر.

стр. 28

وفي الطريق سألته: " أمحمد نبيّ المسلمين لا يشير إليه الكتاب المقدّس؟ ". قال: " يشير إليه في آيات كثيرة. " ثم سرد لي كثيرا من هذه الآيات. وفي منزل هذا الشيخ الذي كنت نازلا عليه ضيفا، قرأ ما أراد. ثم انصرف مندهشا لما عرف أنّي مسلم فيما بعد. وكان بين الشيخ وبين أستاذنا صاحب الفضيلة الدكتور" الشيخ محمد بن محمد أبو شهبة" موعد آخر النهار، فاصطحبني معه. وقصصنا عليه ما حدث فتبسّم ضاحكا وقال: " يعرفونه كما يعرفون أبناءهم" وكررها كثيرا. ثم قال: " وددت لو يكتب أحد رسالة في موضوع: " البشارة بنبيّ الإسلام في التوراة والإنجيل" فشرح الله صدري للذي قال، وتنازلت عن الموضوع الأول. وأشرف هو عليه وساعدني فيه كثيرا. ومن عجيب المصادفات أنّني التقيت بهذا القمص، واسمه" جرجس سلمون فيلمون" وكيل الدير المحرق في القوصية بأسيوط، في مسجد الجامع الأزهر بعد سنتين من الزمان في حجرة الأساتذة وذكر لي نصوصا أخرى. " وقد تمّ نشر رسالة الدكتوراه تلك ونشر بعدها الدكتور السقا عدة أبحاث في موضوع البشارة وحده حتى أصبح المجال الأول لكتاباته. وخذ ثالثة من يهودي.. ذكر الباحث قيس الكلبي في كتابه: " محمد خاتم الرسل في التوراة والإنجيل =Prophet Muhammad the Last Messenger in the Bible ="ص ٣٧ الطبعة السابعة، أنه بينما كان يعدّ كتابه الطويل المليء بالوثائق، والذي أسلم بعد قراءته أكثر من ٣٦٠ شخص، التقى بأحد مشاهير أحبار اليهود في أمريكا واسمه يعقوب، وناقشه في كلّ أعداد التوراة باللغة العبرية فيما يتعلّق بالبشارة بمحمد ﷺ . وفي أثناء النقاش، انبثقت شرارة الصدق من اصطلام نار النور في صدر الحبر

стр. 29

فبكى وذرف الدمع الشحيح، وأقرّ أنه لا شكّ أنّ محمدا ﷺ هو كموسى عليهما الصلاة والسلام نبي من عند الله.. ولكنّ الرجل لم يسلم!!؟؟ وبعد ذكر هذه الوقائع يحسن بنا أن نقدّم نموذجا آخر لثبوت علم أهل الكتاب ببشارة" الكتاب المقدس" ببعثة محمد ﷺ ، وهو اعتراف صدر من أبي الفتح بن أبي الحسن السامري الذي لم يسلم، بأنّ سلفه من اليهود السامريين* كانوا يعلمون أنّ محمدا ﷺ هو حقا رسول الله، فقد قال في كتابه" التاريخ مما تقدّم عن الآباء" ص ١٧٢ إنّ ثلاثة رجال، أحدهم من اليهود السامريين في نابلس ويسمّى صرماصة، وثانيهم من اليهود العبرانيين في أورشليم ويلقّب بكعب الأحبار، وثالثهم نصراني راهب ويسمّى عبد السلام. هؤلاء الثلاثة اجتمعوا معا وانطلقوا إلى مقابلة النبي ﷺ . يقول ما نصّه (وترجمته العربية ركيكة) : " وجاءوا حتى وصلوا إلى المدينة التي هو فيها. وقالوا لبعضهم البعض: من يتقدم أولا؟ فقال كعب الأحبار: أنا. فتقدم إليه وسلّم عليه. فردّ ﵇. وقال له: من أنت من أولاد اليهود؟ فقال له: أنا رجل من مقدمي اليهود، وجدت في توراتي أن يقوم ملك من نسل إسماعيل ويملك الدنيا ولا يقف بين يديه أحد. فتقدّم عبد السلام بعده وقال: هكذا وجدت في الإنجيل. وتقدم إليه صرماصة. وقال له: أنت تدين بدين وسيعة وتملك رقاب العالم". ثم يقول بعد ذلك ما نصّه: " ومحمد ما أساء إلى أحد من أصحاب الشرائع، وسمعت من لفظ الحكيم وهو نقل عن كاتبه المنقول منه العلامة فاضل الوجود الشيخ نفيس الدين أبو الفرج بن كثار أنّه جاء في نقل السلف عن محمد وهو ... الخ".

стр. 30

ثم نقل النص باللغة العبرية السامرية التي كانت شائعة قبل تغيير العبرانيين للخط العبري.. وقد نسخ هذا الاعتراف الدكتور السقا في كتابه" المسيّا المنتظر نبي الإسلام ﷺ " ص ١٦٨ وفي غيره.

стр. 31

لماذا على غير المسلم أن يبحث في موضوع البشارة بمحمد ﷺ ؟ إذا كان المسلم يحمل تلك الحوافز التي تستحثّه على تقليب الصفحات ونفض الغبار عن الآثار واستخراج الدرّ من ركام الحقائق المطمورة في قاع سحيق من المعارف المستكنّة في بطون الأسفار القديمة.. فإنّ الكتابيّ هو أيضا معني بدراسة هذا الموضوع لأسباب عديدة ودواع خطيرة، من أهمها أنه لم يأت نص في التوراة أو الأناجيل يقرّر ختم النبوّة في عهد المسيح أو قبله. فالباب مفتوح لا يغلق إلا بعد عبور النبي الخاتم.. وما لم يأت هذا النبي، فإنّ البحث عنه وعن أوصافه وشخصه واجب على كلّ نصراني ويهودي.. لم يقبر عقله ولم يئد فكره ولم يرض لأنفاس الصدر أن تتبخّر تحت حرّ الغفلة. وقد كان قوم المسيح ﵇ يوم بعثته ينتظرون ظهور" نبي آخر الزمان".. فقد جاء في إنجيل يوحنا ٧: ٤٠- ٤١: " ... ولما سمع الحاضرون هذا الكلام قال بعضهم: " هذا هو النبي حقا". وقال آخرون: " هذا هو المسيح". وإنجيل يوحنا ١٩: ١- ٢١: " وهذه شهادة يوحنا حين أرسل اليهود من أورشليم بعض الكهنة واللاويين يسألونه: " من أنت؟ " فاعترف ولم ينكر، بل أكّد قائلا: " لست أنا المسيح". فسألوه: " ماذا إذن؟ هل أنت إيليّا؟ " قال: " لست إيّاه! "، " أو أنت النبي؟ " فأجاب" لا! ". لقد كان النصارى ينتظرون كلا من" المسيح".. و" النبي"- بالألف واللام- أي نبي خاص، هو الأعظم بين الأنبياء والأكثر تألقا والأكثر تألقا وإشراقا.. و" المسيح" هو غير" ال.. نبي".. ولقد بعث المسيح في القرن الأول ميلادي، وما بعث حتى ذاك الزمان

стр. 32

" ال.. نبي" الذي ستشرق أرجاء الأرض بنور دعوته البهيّة التي لا تذر بيت وبر أو مدر إلا وتنثر فيه عبقها وتزهر فيه الأمل وتنشر فيه السكينة. إنّ المسيح ﵇ كان يعلّم تلاميذه ومن سيتبعهم ويقتفي آثارهم ويلزم غرزهم من الأجيال اللاحقة، السبيل إلى اكتشاف شخصية هذا النبي، قائلا: " احذروا الأنبياء الدجالين الذين يأتون إليكم لابسين ثياب الحملان، ولكنهم من الداخل ذئاب خاطفة! من ثمارهم تعرفونهم. هل يجنى من الشوك عنب، أو من العليق تبن؟ " (متى ٧: ١٥- ١٦) . المعيار لمعرفة هذا النبي الآتيّ هو آثار دعوته في خاتمة رحلته.. ولا ينكر عاقل منصف الأثر العظيم والجنى الطيب والحصاد الحلو لدعوة محمد ﷺ .. وصدق الشاعر عند ما قال مخاطبا محمدا ﷺ : أخوك عيسى دعا ميتا فقام له ... وأنت أحييت أجيالا من الرمم وقد جاء في الكتب التي تناولت تاريخ النصارى ذكر خبر علم القوم بأنّ محمدا ﷺ هو من بشّر به الإنجيل، من ذلك ما نقله محمد فؤاد الهاشمي، النصراني المهتدي إلى الإسلام، في كتابه" سرّ إيماني" نقلا عن الجزء الأول من كتاب" المسيح الصريح،، Clear Cris،، "ص ١٧٣ للمؤرخ الألماني. =Lodfing = ونصّه: " ذهب وفد من نصارى العرب الذين كانوا يسكنون يثرب إلى نبي العرب محمد، وكان الوفد مكونا من ثلاثة أشخاص أولهم يسمى" عبد المسيح" وكان أمير قومه، والثاني يسمى" آثيوس" وكان أسقفا وسط قومه يشار إليه بالبنان. وكان ميتاءوس متعجرفا ظهرت صورة عجرفته في امتطائه ظهر بغلته وهو يحدث النبي، وفي جوار بغلته وقف أخوه" ايكوزناس" الذي اهتزّ غضبا لظهور معجزة لهذا النبي بأن غاصت أرجل بغلة ميتاءوس في الرمال مما جعله يوجه ألفاظا نابية

стр. 33

إلى محمد، مما جعل ميتاءوس يعنّف أخاه ايكوزناس، ويقول له: " إنّ الكتب التي لدينا تقول: " إنّ هذا نبيّ، ولولا شرفنا في قومنا وخوفنا من ضياع هيبتنا بين الرومان الذين يعينوننا بالأموال لاتّبعناه وبشّرنا به بين قومنا" (سرّ إيماني ص ص ١١٠- ١١١) . فكتب التاريخ عند النصارى تشهد لبشارة الأناجيل بنبيّ الإسلام وحادي المسلمين ... ولكنّ الهوى قد صاغ من طوب الجهل والغفلة، سورا للتيه والضلالة، ليحجب عن البصائر رونق الهداية البديعة وشمسها المتوهجّة.. فقل الحق، أخي،، واجهر بالصدق.. فستتفتح بصائر وتشرئبّ إليك أعناق.. أمّا من استمسكوا بالباطل وعضّوا عليه بالنوجذ، فقل لهم.. عليّ تحت القوافي من مكامنها ... ولا ذنب لي إن لم تفهم البقر

стр. 34

شبهات المنصّرين حول البشارة بمحمد ﷺ في" الكتاب المقدس " " أقول له زيدا، فيسمع خالدا ويكتبه عمرا، ويقرؤه بشرا!؟ "

стр. 35

إنّ النصارى وعلى رأسهم المنصّرين منهم يعمدون إلى محاولة إحراج المسلمين والتشغيب على اقوالهم، إذا ما حدّثوا عن البشارة بمحمد ﷺ في الكتاب المقدس. والمتأمل في اعتراضاتهم ومدافعاتهم يلحظ بيسر أنّ القوم لا يبالون بإحقاق الحقّ وإبطال الباطل وكشف معالم الهدى ونشر النور بعد حلكة الدجى، وإنما الغاية كلّ الغاية هي التشويش على الحقائق التي يذكرها المسلم بل وإيهامه، خاصة إن كان عاميا، أنها لا تؤدّي إلى ما يريد أو أنّها مفتعلة منبتة عن أرض الواقع. وها نحن نضع بين يديك شبهاتهم الكسيحة واعتراضاتهم الخلقة و" طنطناتهم" المختنقة. وقد بذلنا ما في الوسع لجمعها سواء بالنقل عن القوم أو بملاحظة مؤدّى أقوالهم ولوازم اعتراضاتهم. ولنا بعد ذلك أن نستحثّ أقطاب النصارى العرب أن يبرزوا لمقارعة دعاة الإسلام في هذا المبحث العلمي العقدي الخطير بدل تخدير النصارى بكتاباتهم الباردة التي تتعمّد بتر الكلام وتشويه حجج المسلمين ومحاولة تقزيم براهينهم والتعتيم على شمس دينهم ... فليفعلوا.. وإلا قلنا: إذا ما خلا الجبان بأرض قوم ... طلب الطعن وحده والترالا

стр. 36

شبهة: يقول عابد الأجداد: البابوات والكرادلة، هم أعلم الناس بما في الأسفار المقدسة، وهم ينكرون ذكر محمد ﷺ في التوراة والإنجيل، وهم الذين قرؤوا" النصوص المقدسة" مستنرين بهداية الروح القدس حتى أشربت قلوبهم فهمها، فكيف أترك قولهم السديد، إلى قول المسلمين المعاندين المتعصّبين إلى أوهامهم!؟! " الردّ: إنّ البابوات والكرادلة والأساقفة.. يعلمون أنهم إن جاهروا بالاعتراف ببشارة الكتاب المقدس بمحمد ﷺ ، فإنهم سيسلبون مناصبهم وسينسلّ من بين أيديهم ذاك الضرع الذي يدرّ سيول الذهب والفضة.. فلا يلتفت، وكالأمر كما ترى، إلى مذاهبهم وأقوالهم، فالحق أحق أن يتبع.. والرجال يعرفون بالحق ولا يعرف الحق بالرجال، فاعرف الحقّ تعرف أهله.. وثقل القول في حجّته لا في من احتج به.. إنّ الكثير من رجال الدين النصارى، كما ينقلون هم عن بعضهم البعض، يتخذون الدين غرضا ومغنما.. وهم يتمرغون في أموال رعايا الكنيسة.. وقد أشربت قلوبهم العطايا.. واسترقّهم نزقهم الثمل بسكرة المتعة الجامحة..!! ويعرّي الإمام ابن القيّم أحد هؤلاء، في كتابه" هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى".. فيقول ﵀ وأنعم الله علينا وعليه بالجنان: " ولقد ناظرت بعض علماء النصارى معظم يوم فلمّا تبيّن له الحق بهت، فقلت له وأنا وهو خاليين: ما يمنعك الآن من اتباع الحق؟ فقال لي: إذا قدمت على هؤلاء الحمير- هكذا لفظه- فرشوا لنا الشقاق تحت حوافر دابتي وحكّموني في أموالهم ونسائهم ولم يعصوني في ما آمرهم به، وأنا لا أعرف صنعة ولا أحفظ قرآنا ولا نحوا ولا فقها، فلو أسلمت لدرت في الأسواق أتكفف الناس، فمن الذي يطيب نفسا بهذا؟!

стр. 37

فقلت له: هذا لا يكون، وكيف تظنّ بالله أنّك إذا آثرت رضاه على هواك يخزيك ويضلّك ويحوجك؟! ولو فرضنا أنّ ذلك أصابك فما ظفرت به من الحق والنجاة من النار ومن سخط الله وغضبه، فيه أتمّ العوض عمّا فاتك. فقال: حتى يأذن الله. فقلت: القدر لا يحتج به! ولو كان القدر حجة لكان حجة لليهود على تكذيب المسيح وحجة للمشركين على تكذيب الرسل، ولا سيما أنتم تكذبون بالقدر فكيف تحتجّ؟!! فقال: دعنا الآن من هذا. وأمسك. " لاحظ أيها العاقل كيف ناظر الإمام ابن القيّم هذا" العالم" النصراني المقدّم عند قومه الجالس على عرش سرابي زائل، فأقام عليه الحجة، وأحمد وساوسه، وأبطل شبهاته، ومما لا شكّ فيه أنه قد أثبت له بشارة الكتاب المقدس ببعثة محمد ﷺ لركنية هذا الموضوع في مثل ذلك النقاش، ولكنّ عند ما تنقاد النفس الطمّاعة لشهوة النفس وتسير في ركابها فإنّها تتأبّى عندها على الخضوع والذلّ على بابه تصديقا والتزاما! ولنا أن نسأل هذا النصراني المعترض: إنّكم ومن تتبعون، تكررون دائما أنّ التوراة (العهد القديم) متخمة بالبشارات بالمسيح عيسى بن مريم ﵉، بل لا تكاد تخلو صفحة من صفحاتها من التصريح أو التلميح بمقدم ابن العذراء!! فهل تنكرون علينا أن قلنا إنّ أحبار اليهود أرسخ منكم قدما وأطول باعا في تفسير التوراة (العهد القديم) وتأويلها، وبالتالي فتكذيبهم لقولكم السابق لا يخلو من وجاهة.. وهو المقدم على زعمكم لأنّ التوراة نزلت فيهم!

стр. 38

طبعا.. اعتراض باعتراض!! ثمّ.. هل المراجع المزعومة للكنيسة التي تنوء أسماؤها وكناها بألفاظ القداسة والطهارة، هي في حقيقة أمرها على هذه الدرجة من الأهلية ليكون بأيديها وحدها حقّ البتّ والقطع في هذه القضايا؟!! ملامح الإجابة تظهر في ما جاء في" قاموس الكتاب المقدس" (الذي نشرته كنائس عربية ضمن البرنامج الإلكتروني" البشارة: الموسوعة المسيحية العربية الإلكترونية") تحت اسم" هرماس" حيث نقرأ: " اسم يوناني ( ... ) ورد كإسم لأحد سكان روما المسيحيي. أرسل إليه الرسول سلامه في خاتمة رسالته إلى روما (رو ١٦: ١٤) . وقد نسب إليه خطأ الآباء الأولون (لفظة" الآباء" وردت هكذا مطلقة دون تقييد أو حصر!!!) في الكنيسة المسيحية كتابة السفر المعروف براعي هرماس، الذي يحتوي على رؤى وأمثال ووصايا روحية وخلقية. " ... وقد جاء في كتاب" عيسى ليس أسطورة =Jesus Not a Myth ="ص ١٢٠ ل أ. د. هوّل سميث A.D.Howell Smith أنّ هذا السفر كان مضمّنا في المخطوطة السينائية (والتي هي أقدم مخطوطة معتمدة للكتاب المقدس) أيّ أنّ النصارى قبل القرن الرابع ميلادي كان يرون إلهامية هذا السفر، قبل أن" يهتدي" المتأخرون من أرباب الكنائس بعد قرون عددا إلى أنّ رسالة الراعي هرماس ليست من عند الله ... !! ونقول: إنّ الذي يخطئ في قضية خطيرة جدا كنسبة سفر بأكمله إلى الوحي أو الإلهام، هو أقرب إلى أن يخطئ في فهم بعض البشارات القليلة الكلمات!! وكيف يفرض علينا النصراني المخالف أنّ نجعل أئمة الكنيسة مراجعا لنا في فهم بشارات الكتاب المقدّس ونحن نقرأ ما جاء في" كتابات العهد الجديد) sgnitirW of the New Testament The،، "النسخة المراجعة، سنة ١٩٩٩ م) للوك تيموثي جونسن nosnhoj yhtomiT ekuL ص ١٥٩ من أنه: " لم

стр. 39

يظهر أيّ تعليق على إنجيل مرقس حتى القرن السادس ميلادي، ولم يظهر تعليق تال له حتى القرن التاسع". فقوم يتركون أحد أناجيلهم القليلة دون تعليق هذه المدة الطويلة، من المحال أن يقدّموا تفسيرا شاملا سليما للنصوص المقدّسة المتنازع في فهم معناها ومؤاداها.. فكيف يعتبرون" مراجعا".. و" فاقد الشيء لا يعطيه!!! " وإن أصرّ المعاند على وجوب الاستئسار لمذاهب أئمة الكنيسة وحرمة مخالفة قولهم أو مجانبة فهمهم، فليخبرنا عن موقفه مما نشره موقع BBC العربي بتاريخ ٢٧- ١٢- ١٩٩٩ عن أحد استطلاعات الرأي في بريطانيا: " أظهر استطلاع للرأي في بريطانيا أن غالبية الشخصيات البارزة في المجتمع البريطاني بمن فيهم كبار رجال الدين المسيحي لا يؤمنون بأن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام. وقد أعرب ثلاثة فقط من بين ١٠٣ من رجال الدين المسيحي شملهم الاستطلاع عن اعتقادهم في صحة رواية خلق العالم التي وردت في التوراة والإنجيل. "!! فها هي غالبية الآباء، تتنكّر للكتاب المقدّس رأسا، فهل تراك تقول بقولهم وتنهج نهجهم وتحذو حذوهم.. أم أنّك" سترتد" إلى إعمال عقلك وتقليب فكرك في ما تقرأ وتسمع؟!! ثم نضيف.. بأنّ البابا ألكسندر بابا الكنيسة كان يؤمن بنبوّة محمد ﷺ وذاك ظاهر من قوله- في ما نقله عنه الشيخ رحمة الله الهندي في" إظهار الحق" في كتابه" بدنيد" طبعة لندن لسنة ١٨٠٦ الصفحة ٣٠٣: " يا محمّد إنّ الحمامة عند أذنك".. ومعلوم أنّ" الحمامة" يقصد بها هنا: أمين الوحي جبريل ﵇، كما هو ظاهر من قصة تعميد يوحنا المعمدان للمسيح ﵇ (متّى ٣: ١٦، مرقس ١: ١٠، لوقا ٣: ٢٢) .

стр. 40

كما جاء في المؤتمر التنصيري الثالث لطائفة الإنجليكانين الذي انعقد في كندا سنة ١٩٦٣، في ما قاله" كانون وارن" سكرتير جمعية التبشير الكنيسة، في بحثه المقدّم إلى هذا المؤتمر: " لقد تجلّى الله بطرق مختلفة، ومن الواجب أن تكون لدينا الشجاعة الكافية لنصر على القول بأنّ الله كان يتكلّم في ذلك الغار الذي يقع في تلك التلال خارج مكة" (عن (p. ١٨ Peter Whiteley Frontier Fission an Account of the Toronto Congress وهذا الملك النصراني القح" أوفّا ٧٥٧) Mercians =King Offa of the م- ٧٩٦ م) الذي حكم وسط إنجلترا، بعد قرن من وفاة رسول الله ﷺ في بلاد العرب، والذي جاء في" الموسوعة البريطانية الجديدة (١٩٧٤) =The New Encyclopedia Britanica ="في وصفه أنّه: " كان واحدا من أقوى الملوك في الزمن الأول لإنجلترا الانجلوسكسيونية". والذي كان على علاقة جيّدة بالبابا أدريان الأول (٧٧٢ م- ٧٩٥ م) ، هذا الملك قد كتب على عملته الذهبية شهادة الإسلام" لا إله إلا الله وحده لا شريك له" باللغة العربية على وجه، وباللغة الإنجليزية على الوجه الآخر. وقد اكتشفت هذه العملة سنة ١٨٤١ م، وهي معروضة في المتحف البريطاني. أفليس هذا الملك من أكابر النصارى.. وقد أسلم في بلد لم تطأه أقدام المسلمين، وأكاد أجزم أنّ بشارات الكتاب المقدّس هي التي قادته إلى دين الإسلام وما كان الأمر عن سخط على الكنيسة، لأنّه ما أعلن الهجوم عليها!
следующие страницы →