وحياة محمد ﷺ وهو ما سنتناول جانبا منها فى هذه الفقرة- تؤكد ذلك. فعلى سبيل المثال: أتظل قيم الانسان ومفاهيمه كما هى بعد تغير أوضاعه المادية، أم أن هذه الأوضاع المادية أو الاجتماعية الجديدة تنسف كل ما مضى فى لمحة واحدة؟ بمعنى هل احتفظ أهل مكة- وهم بدو فى الأساس- لكنهم استقروا بعد ذلك، بقيمهم الأولى أم حوروها أو تحورت معهم؟ اننا نفهم من الفصل السادس أنهم ظلوا محتفظين بمبدأ صحراوى- كان غير مضر كثيرا فى الصحراء- وهو: «احتفظ بما يستطيع سلاحك الاحتفاظ به» . كان هذا مقبولا فى الصحراء الواسعة، وكان وضع اليد على مناطق المراعى يضمن لمن يفعل ذلك طعاما لقطعانه، وكان هذا أمرا مطلوبا الى حد ما.. لكنه عندما يطبق فى مجتمع مستقر تضيع أراضى الدولة، ويصبح الأمن مجرد قشرة تنطوى على الحقد والضغائن، بل وتصبح الاضطرابات والمناوشات أفضل من مثل هذا الأمن. وقيمة الكرم فى الصحراء ليست فضيلة فحسب وانما هى أمر ضرورى لاستمرار الحياة، وقد مسخ أهل مكة هذه القيامة فأصبحت مجرد مظاهر، والتماسك الأسرى أو القبلى مطلوب فى الصحراء، لكن المصالح المالية طغت عليه فى مكة، فأصبح مجرد شكل خال من المضمون، فأنا لا أنفعل دفاعا عن قريبى أو ابن قبيلتى الا ازاء القبائل الاخرى، أما بينى وبينه فاننى أسومه سوء العذاب.. الخ.
فعندما يستقر البدو لا يتحولون الى حضر ببساطة وبمجرد استقرارهم، وعندما يهاجر الفلاح الى المدينة لا يصبح مدنيا هكذا بمجرد انتقاله، وعندما يتحرر العبد أو المملوك، لا يصبح حرا- هكذا وببساطة- بمجرد عتقه. قضايا على هذه الشاكلة يسوقها وات فى مباحثه.
لكن، أمعنى هذا أن كل المفردات التاريخية التى أوردها وات صحيحة؟ هذا ما لا يمكن الجزم به، وهناك معلومات نميل الى أنها غير صحيحة، وقد علق الأخ حسين على بعض ما أورده وات فى المقدمة وفى الفصل الأول، وأقررته على غالبها، وقمت أنا بالتعليق على بقية فصول
стр. 37
الكتاب، وتلك أيضا قسمتنا فى الترجمة فقد ترجم الأخ حسين المقدمة والفصل الأول وجانبا من الفصل الثانى، وقمت بمراجعة ترجمته الطيبة. ومع هذا، فكل عمل لا يخلو من هنات، فالكمال لله واحده.
ونظرا لأهمية الموضوع ودقته كان من المفيد كثيرا عرضه على أستاذ جليل متخصص فى التاريخ الاسلامى ومقارنة الأديان، فأسعدنى كثيرا أن قام بمراجعته الأستاذ الدكتور أحمد شلبى، وأبدى تعليقات محدودة يجدها القارىء مشفوعة باسمه.
وعلى الله قصد السبيل.
د. عبد الرحمن عبد الله الشيخ
стр. 38
مقدمة
ليس من اللائق أن يظهر هذا الكتاب دون أن أؤدى دينا فى عنقى لذكرى أستاذى وصديقى ريتشارد بل Richard Bell، أستاذ اللغة العربية فى ادنبره سابقا، فقد كان أول من أرشدنى أثناء دراستى للاسلام، وفى الأعوام الأخيرة، كان كلما استشرته فى مسألة أعطانى من وقته وعمله وحكمته بلا حدود. قرأ المسودة الأولى لهذا الكتاب، وبالرغم من أنه لم يتقبل وجهه نظرى فيه قبولا تاما، الا أنه قدم الكثير من الاقتراحات النافعة بالاضافة الى السماح لى برؤية كتاباته التى لم تكن قد نشرت. وقد أخذت معظم استشهاداتى القرانية من ترجمته للقران، بعد اذن الناشرين السادة ت. وت كلارك T.T.Clark
كما أن الشكر واجب أيضا للأستاذ هـ. أ. ر. جيب H.A.R.Gibb
لمساعدته الكريمة وللزملاء فى ادنبره، وبخاصة الدكتور بيير كاشيا Pierre Cachia لقيامه باعداد الكشاف، ولمستر ج. ر. والش J.R.Walsh على تعليقاته النافعة وللمراجع التى قدمها.
ادنبره و. م. و.
ديسمبر ١٩٥٢
стр. 39
تمهيد
١- وجهة نظر
هذا الكتاب يهم ثلاث طوائف من القزاء على الاقل: الذين يهمهم الموضوع كدارسين للتاريخ، والذين يتناولونه لأنهم مسلمون أو مسيحيون، وعلى أية حال فهذا الكتاب موجه أولا وبصفة رئيسية للمهتمين بالتاريخ. ولقد حاولت المحافظة على الحياد فى المسائل اللاهوتية (الدينية) التى يدور حولها النقاش بين المسيحية والاسلام، فمثلا، لتجنب الجزم بما اذا كان القران كلام الله أم لا، فقد تحاشيت استخدام التعبير «يقول الله» أو «يقول محمد» واستخدمت التعبير «يقول القران» ، ومع ذلك فاننى لا أتبنى المنظور المادى بحجة التزامى بالنزاهة التاريخية، فأنا أكتب كمؤمن بالتوحيد.
هذا الاتجاه الأكاديمى يعتبر بطبيعة الحال غير تام، فمن حيث اتصال المسيحية بالاسلام، فان على المسيحيين أن يتخذوا من محمد ﵊ موقفا، لابد أن يكون قائما على أسس دينية (لاهوتية) .
وأعترف أن كتابى ناقص من هذه الناحية، ولكننى أقول انه يقدم للمسيحيين المادة التاريخية التى يجب أن تؤخذ فى الاعتبار عند تكوين الرأى اللاهوتى (الدينى) .
أما قرائى من المسلمين، فاننى أقول لهم شيئا مشابها. فقد حاولت- مع الالتزام بالمقاييس العلمية التاريخية الغربية- ألا أقول
стр. 40
شيئا يفهم منه رفض أى مبدأ من مبادىء الاسلام الأساسية، اذ لا يجوز أن تكون هناك هوة لا يمكن عبورها بين الثقافة الغربية والاسلام، فاذا كانت بعض النتائج التى توصل اليها علماء الغرب لا يتقبلها المسلمون، فربما كان السبب فى ذلك أن علماء الغرب لم يكونوا دائما مخلصين لمبادئهم العلمية وأن استنتاجاتهم تحتاج الى مراجعة، حتى من وجهة النظر التاريخية البحتة. ومن الناحية الاخرى، ربما كان صحيحا ذلك القول الذى مؤداه أن هناك مجالا لشىء من اعادة صياغة العقيدة الاسلامية، بدون أى تغيير فى الأساسيات.
شعر الدارسون للاسلام منذ فترة، وبخاصة المهتمون بالتاريخ، بالحاجة الى صياغة جديدة لحياة محمد ﵊ ، ولم يكن ذلك لاكتشافهم مادة جديدة- بالرغم من ان ليون كيتانى Leone Caetani مثلا عندما كتب عن محمد ﵊ فى كتابه) Annali dell ,Islam نشر عام ١٩٠٥) ، لم يكن قد اطلع على مجموعة ابن سعد لتراجم المسلمين الأوائل فى كتابه الطبقات الكبرى- وانما لتغيير اهتمامات واتجاهات المؤرخين خلال نصف القرن الماضى، فقد أصبحوا أكثر وعيا خاصة بالعوامل المادية التى يقوم عليها التاريخ، وهذا يعنى أن المؤرخ من منتصف القرن العشرين- مع عدم اهمال الجوانب الدينية والفكرية للحركة التى بدأها محمد ﵊ أو التقليل من شأنها- يريد أن يسأل أسئلة كثيرة عن الخلفية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وحتى أولئك الذين ينكرون (وأنا منهم) أن هذه العوامل هى واحدها التى تحدد مجريات الأحداث يعترفون بأهميتها. لهذا، فان السمة الخاصة لهذه السيرة لمحمد ﵊ هى أنها لا تنقب فى المصادر المتاحة بدقة أكثر فحسب، بل انها تعطى اهتماما أكثر لهذه العوامل المادية وتحاول الاجابة عن أسئلة لم تثر من قبل.
٢- ملاحظة عن المصادر
المصادر الرئيسية عن حياة محمد ﷺ هى أولا القران (الكريم) ، أو الكتاب الذى يضم الوحى الذى تلقاه من الله. وثانيا الأعمال التاريخية
стр. 41
لكتاب القرنين الهجريين الثالث والرابع. ومن المجموعة الثانية كانت الأعمال التى أتيح لى الاطلاع عليها:
١- السيرة النبوية لابن هشام (ت ٨٣٣ م/ ٢١٨ هـ) .
٢- الجزء الخاص بحياة محمد ﵊ فى تاريخ الرسل والملوك أو حوليات الطبرى، (ت ٩٢٢ م/ ٣١٠ هـ) (المجموعة الأولى، الأجزاء ٢- ٤) .
٣- المغازى أو تاريخ غزوات محمد ﵊ للواقدى (ت ٨٢٢ م/ ٢٠٧ هـ) - وقد نشرت طبعة منقحة فى bibliothea Indica بينما قدم فلهوزن Wellhausen ترجمة مختصرة منقحة فى كتابه محمد فى المدينة، وهناك تنقيح اخر قيد الاعداد.
٤- طبقات ابن سعد (ت ٨٤٥ م/ ٢٣٠ هـ) ، كاتب الواقدى، وهى مجموعة كبيرة تحتوى، الى جانب مادة كثيرة عن محمد ﵊ ، ترجمات كبار الصحابة والتابعين.
كما يجدر بنا أن نذكر أيضا مجموعات الأحاديث (أو الروايات المختلفة لأقوال وأفعال محمد ﵊) ، مثل صحيح البخارى ومسلم ومسند أحمد بن حنبل، فان هذه الكتب تحتوى مادة تهم المهتم بالتاريخ بالرغم من أن اهتمام جامعى الأحاديث الانف ذكرهم كان فقهيا بالمقام الأول. وتحتوى كتب التراجم التى ظهرت بعد ذلك وتتناول حياة الصحابة مثل أسد الغابة لابن الأثير (١٢٣٤ م/ ٦٣١ هـ) والاصابة لابن حجر (١٤٤٧ م/ ٨٥١ هـ) على مادة تساعد على فهم الأحداث. وهناك مؤلفون متأخرون كتبوا عن سيرة محمد ﵊ ، ولكن لا يبدو أن أحدا منهم قد اطلع على أى مصادر أولية هامة أخرى غير التى استخدمها المؤلفون الذين ذكرناهم انفا.
هذه الأعمال المتوافرة لنا حاليا اعتمدت على مصادر سابقة، فأحسن وصف يمكن أن توصف به السيرة النبوية لابن هشام أنها رواية منقحة من
стр. 42
سيرة ابن اسحق (ت ٧٦٨ م/ ١٥١ هـ) . كما أن هناك من سبق ابن اسحق، الا أن اسهامه فى كتابة سيرة محمد ﵊ هو الأكثر أهمية وتأثيرا. وقد جمع ابن اسحق كل المعلومات التى كانت متاحة تقريبا بما فيها الشعر القديم، ثم رتب مادته واختار منها ما جعله يكتب قصة مترابطة. وكثيرا ما كان يشير الى مصادره بالطريقة الاسلامية المعتادة*. وقد أضاف ابن هشام بعض الملحوظات التفسيرية، ووجدت بعض الفقرات المفقودة فى طبعته فى أماكن أخرى، ولكن لا نستطيع أن نجزم بما اذا كان هو المسئول عن هذا الحذف.
ولقد اعتمد الطبرى أيضا على ابن اسحق ولكن ليس بقدر ما اعتمد عليه ابن هشام، وترجع أهمية الطبرى الى أنه لم يحاول صياغة الأحداث فى قصة مسلسلة، وانما يذكر جميع أوجه الخلاف. فكان لديه عدد كبير من النصوص المستقلة التى تناولت أول من أسلم من الرجال، فذكر بعضها انه على بن أبى طالب، وقال اخرون انه زيد بن حارثة وقال بعضهم انه أبو بكر، أما ابن اسحق فقد ذكر وجهة نظر واحدة فقط مؤداها أن عليا بن أبى طالب هو أول من أسلم. وقد كان ضمن مراجع الطبرى رجل من الأوائل هو عروة بن الزبير (ت ٧١٢ م/ ٩٤ هـ) ، وقد ترك عروة مادة مكتوبة أوردها الطبرى ولم ترو فى أى مصدر اخر.
وتعتبر مغازى الواقدى مجالا قيما للمقارنة مع ابن اسحق، لأن كلا منهما اعتمد على سلاسل اسناد مستقلة عن تلك التى اعتمد عليها الاخر، كما أن سلاسل اسناد الواقدى أتم وان كانت تتناول الفترة المدنية فقط. ويعطى كاتبه ابن سعد روايات مختلفة فى عناصر كثيرة، وان كانت مادته- رغم كثرتها- ذات قيمة تاريخية قليلة، ونادرا ما يكون ابن سعد هو المصدر الوحيد فى موضوع ذى أهمية، ومع هذا، تعتبر سبر الصحابة التى كتبها ثروة من المعلومات النافعة عن خلفية حياة محمد ﵊ .
стр. 43
أما التراجم التى كتبها ابن الأثير وابن حجر عن الأشخاص الذين عرفوا محمدا ﵊ فهى أكبر بكثير؛ اذ تحتوى على حوالى ٢٠٠٠٠ ترجمة وبها كثير من الحقائق لم يذكرها ابن سعد ولكن يفيد منها فى حياة محمد ﵊ قليل.
تتضمن الأحاديث التى جمعها مسلم والبخارى واخرون روايات مختلفة نوعا ما عن روايات ابن هشام والطبرى.
كتب علماء الغرب الكثير من النقد لهذه المصادر (المقصود تقويم المصادر) وبصفة خاصة الأحاديث النبوية، ولا تزال ملاحظات سير وليام موير Sir Wiiliam Muir عن هذه المصادر فى كتابه Life تعتبر مقدمة مفيدة فى هذا الموضوع (موضوع تقويم المصادر) ، ولكن أكثر الدراسات تفصيلا هى تلك التى كتبها كيتانى Caetani فى كتابه حوليات الاسلام، Annali DellIslam وليس من الصعب تصحيح مبالغته فى الشك أحيانا. وقد انتهى هنرى لامانس Henri Lammans فى دراساته الى أن كاد يرفض تماما أحداث الفترة المكية. ولكن العلماء الذين جاؤا بعده يعتقدون بشكل عام أنه قد بالغ كثيرا فى تشككه، وقد تعفينا ملاحظات تيودور نولدكه Teodor Noldeke فى مقالته «١» Die Tradition uber das Leben Mohammeds من الاستمرار فى مناقشة اراء لامانس شديدة التطرف.
تدفعنا استنتاجات ج. شاخت الهامة والمؤسسة على أساس متين حول التراث الاسلامى فى كتابه «أصول الشريعة المحمدية، Origins of Muhamadan Jurisprudence «الى أن نفرق بين التراث الفقهى والتراث التاريخى، وفى الحقيقة يمكن تطبيق أبحاث
стр. 44
جولد تسيهر Goldziher الخالدة فى كتابه) Muhemmedanischen Studien الجزء الثانى) على التراث الفقهى، بالرغم من أنها ليست كذلك تماما فى المجال الشرعى، اذ يبدو أن هناك بعض الأحاديث الموضوعة، لكن فى المجال التاريخى- بقدر ما يمكننا من فصل بين ما هو تاريخى وما هو تشريعى، باستثناء بعض الحالات الخاصة- فان أفضل المؤرخين الأوائل عمدوا
الى عزل هذه الأحاديث الموضوعة فى تشكيل خاص بها «١» . ويعبر فرانتس بول Frants عن ذلك بقوله: «عند التعامل مع الحديث، يجب على المرء أن يكون على حذر دائما عندما يكون هناك احتمال تحيز حزبى واضح، ولا يسمح أن يضلله المظهر الذى يبدو أحيانا بريئا» «٢» .
وعلى أية حال، فبعد أن يدرك الدارس الحديث اتجاهات المؤرخين القدامى ومصادرهم، يصبح فى مقدوره- الى حد ما- أن يتجاوز عن التحريف المحتمل ويقدم البيانات بصورة محايدة، ويكون من نتائج معرفة المادة المتحيزة (الأحاديث الموضوعة وغيرها) قبول باقى المادة الصحيحة بشكل عام، بالاضافة الى ذلك، فان كثيرا من القضايا التى تهم مؤرخ منتصف القرن العشرين لن تتأثر بالانحياز الموجود فى المصادر القديمة، لهذا لن تكون هناك صعوبة كبيرة فى الحصول على اجابة ويصبح أمامه- ولا بد- أن يواجه صعوبات قليلة للوصول الى اجابات عن أسئلته من المصادر.
كذلك يجب ملاحظة أن من أبسط أساليب «التشكيل المتحيز» أو (الوضع) هو عزو الدوافع أو المحركات لأفعال خارجية. لهذا؛ يجب أن يكون التمييز بين الأفعال الخارجية والدوافع المعلنة حاضرا فى الذهن دائما. فالفاعل نفسه وأصدقاؤه سيدعون أفضل الدوافع وأكثرها مدعاة للمديح، بينما يؤكدون أن دوافع أعدائهم مشينة، ولكن قد يكون الخلاف قليلا حول بعض الأحداث وفى حدود ضيقة، مثل تاريخ حدث
стр. 45
بالنسبة لحدث اخر. فعلى سبيل المثال، لا ينكر أحد أن السيدة عائشة تركت المدينة قبل اغتيال الخليفة عثمان رضى الله عنه بقليل، أما أن تكون دوافعها مقبولة أو غير مقبولة أو متعادلة (بمعنى أن مغادرتها فى ذلك الوقت كانت صدفة) ، فموضوع نقاش واسع.
لهذا؛ فان على المؤرخ الحديث أن يسقط من اعتباره الدوافع المعلنة فى مصادره ويستنتج ما يراه من الدوافع، على ضوء ما يعرفه من النمط العام لتصرفات الرجال.
هذا التمييز بين الفعل والدافع فى غاية الأهمية فى فترة ما بعد الهجرة، ولكنه أيضا ينطبق على الفترة المكية فى حياة محمد ﵊ وكذلك فى عصر ما قبل الاسلام. وان كان تاريخ فترة ما قبل الهجرة دائما غير واضح وكان هناك دائما احتمال وضع الأحداث. وربما كان التسلسل العقلى للأحداث شبيها بما يلى:
الفاعل، ولنسمه (أ) قام بالفعل ولنسم هذا الفعل (س) ، ولا يمكن أن يكون دافعه (ل) أو (م) مادام هذان الدافعان (ل وم) لا يتفقان مع طبيعته، لهذا لابد أن يكون دافعه هو (ن) لأن هذا يتفق مع طبيعة أفعاله المتفقة بالتالى مع طبيعة شخصه.
لهذا، فعندما تناولت خلفية سيرة محمد ﵊ والفترة المكية فى حياته، كان منهجى قبول ما ورد فى التراث بصفة عامة ولكن مع العناية والتصحيح بقدر الامكان اذا كان هناك شك فى وجود أخبار موضوعة «تشكيل متحيز» ولا أرفضها اجمالا الا اذا كان هناك تناقض خفى. فعلى سبيل المثال، لا يمكن تصور أن الأنساب التى ذكرها ابن سعد محض اختلاق، فمن هذا الذى يكبد نفسه مشقة تأليف هذه السلسلة المعقدة، ولماذا؟ واذا كنا- ونحن لا نهتم بالأنساب- نعرف شيئا عن أجدادنا لجيلين أو ثلاثة، فهل من الغريب أن نتصور أن العرب الذين كانوا يهتمون بأسلافهم اهتماما كبيرا يعرفون أجدادهم لستة أجيال أو ثمانية. أو حتى عشرة؟ ولقد تعرف جون فان اس
стр. 46
John Van Ess على صبى فى العاشرة كان يعرف خمسة عشر من أجداده «١» ، وأكثر من ذلك، فان ابن سعد يعطى انطباعا أنه عالم دقيق فى الأنساب، مدرك لصعوبة نقط الخلاف، لهذا فهو أهل للثقة فيما ذكره من انساب حتى زمن قصير فى مكة. أما الانساب والمادة التاريخية السابقة على الاسلام فيجب أن تؤخذ بحذر أكثر، كما أن هناك صعوبات خاصة بالنسبة للفترة المدنية، نظرا لبقايا النظام الأمومى (نظام الانتساب للأم Matrilineal System (
هذا المنهج الذى شرحناه يتضمن نظرة جديدة عن علاقة المادة التاريخية التقليدية بالقران الكريم، ولقد كان من المعتاد لفترة من الوقت التأكيد على أن القران هو المصدر الأساسى للفترة المكية، فلا شك فى أن القران معاصر لهذه الفترة، ولكن القران، اذا استبعدنا صعوبة تحديد الترتيب الزمنى للأجزاء المختلفة فيه (ترتيبه حسب تاريخ النزول) وعدم وضوح كثير من النتائج المتعلقة بذلك، لأن القران نزل مفرقا ومنجما Partial fraygmentary فهو لا يعطى لنا الصورة الكاملة لحياة محمد ﵊ والمسلمين فى الفترة المكية.
وما فعله كتاب سيرة محمد ﷺ من الغربيين فعلا هو أنهم افترضوا صحة الخطوط العريضة لصورة الفترة المكية كما وردت فى السيرة النبوية، واستخدموها كاطار يدخلون فيه المادة القرانية بقدر الامكان. ولكن المنهج الأفضل هو اعتبار القران والروايات التقليدية الأولى يكمل كل منهما الاخر فى صياغة تاريخ هذه الفترة. واذا كان القران يقدم أساسا الجانب الفكرى للمجموعة الضخمة من التغييرات التى حدثت فى مكة وحولها، الا أنه يجب أيضا أن نضع فى اعتبارنا الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية- اذا أردنا صورة متوازنة، بل اذا أردنا أن نفهم الجانب الفكرى نفسه فهما سليما.
قد يبدو هذا الفكر من الناحية النظرية ثوريا- أو رجعيا- ولكننا سنرى أنه لا يمثل أى تغير مروع عند التطبيق الا فى فترة ما قبل الاسلام.
стр. 47
وفى الحقيقة، قد يبدو أحيانا أننى أقل التصاقا بالتراث من أولئك الذين يعتبرون من الناحية النظرية أكثر شكا فى الروايات التقليدية. وبصفة خاصة، فان مبدأ التمييز بين الأحداث العامة والدوافع المعلنة وعدم قبول ما يقال عن الدوافع الا اذا تطابق مع نتائج الدراسة الدقيقة المستقلة للأحداث- يؤدى الى رفض كثير من تفاصيل روايات التراث كما فى حالة دراستنا للهجرة الى الحبشة مثلا.
ولقد تناولنا الأحاديث النبوية فى المرحلة الملكية من ناحية المتن أو المحتوى، ولم نعر الاسناد أو سلسلة الرواة اهتماما كبيرا. أما فى المرحلة المدنية؛ فان دراسة الاسناد تساعد على تقييم الحديث ومدى موثوقيته كما تساعد على تقدير اتجاهاته، أما فى فترة ما قبل الهجرة، فان دراسة الاسناد لا يبدو أنها تؤدى الى نتائج ذات قيمة*، والراوى الوحيد الذى تستحق روآياته الدراسة هو عروة بن الزبير، وقد تناولنا «اتجاهاته» فى الملحق (و) .
стр. 48
الفصل الأول الخلفية العربية
مع وجود المادة التاريخية التى أصبحت متاحة، يمكننا أن نخصص على الأقل جزا من هذا الكتاب لوصف الخلفية العربية لحياة محمد ﵊ . وعلى هذا، فان هذا الفصل له هدف محدد هو جذب الانتباه الى أهم سمات هذه الخلفية التى تساعد على فهم صحيح لسيرته وانجازاته.
ويعتمد هذا الفصل- الى درجة كبيرة- على أعمال المستشرقين والرحالة الاخرين، لهذا من المستحيل أن نقدم شكرا كاملا لمن نحن مدينون لهم (فهم كثيرون) .
اذا كنا نتحدث عن شبه الجزيرة العربية، فان ما يهمنا منها هو الجزء المحيط بمكة والمدينة- الذى يطلق عليه أرض الحجاز- وبادية نجد المجاورة لها.
١- الأسس الاقتصادية
أول ما يتبادر الى ذهن الغربى عند سماع كلمة شبة الجزيرة العربية هو الصحراء والبدو، لهذا فان الحديث عن اقتصاديات حياة الصحراء نقطة بداية مفيدة. وفى الواقع، لم تلعب الصحراء دورا خلاقا
стр. 49
فى نشوء مفهوم التوحيد عند محمد ﵊ ، ومع هذا فقد كان للصحراء الدور الأول فى ظاهرة الاسلام ككل. ومع ذلك، فقد كانت مكة والمدينة كجزيرتين فى بحر من الصحراء، أو على الأصح كمناطق سهوب، وكان لهما صلات اقتصادية وثيقة بالبدو وكان يسكنهما أحفاد للبدو لا زالوا يحتفظون بكثير من العادات التى اكتسبها أسلافهم من الحياة فى الصحراء، لهذا لا مفر من أن نولى الصحراء بعض الاهتمام.
تعتمد حياة البدو على تربية الأنعام، وبالذات الابل، وفى سهوب شبه الجزيرة العربية يمكننا أن نميز عدة أنواع من الأرض لا يهمنا منها الا نوعان، الأول هو تلك الأراضى التى تكون فى الصيف قاحله رملية، ولكنها فى الشتاء، بعد سقوط الأمطار- وهو الفصل الذى يسميه العرب الربيع*- يكتسى بنبات أخضر حلو المذاق وخاصة فى الوديان، مما يجعلها جنة للابل.. ثم هناك المناطق التى تنمو فيها الأشجار المعمرة والشجيرات- بشكل طبيعى- أغلبها عطرى الرائحة. ويفسر هذان النوعان من الأرض الحاجة الى حياة الهجرة، فبمجرد سقوط الأمطار (بالرغم من أنها غير منتظمة الى حد ما) ، تصبح الأرض التى من النوع الأول أفضل مرعى للابل، ولكن عندما يضمحل هذا المرعى ويختفى بدخول الصيف، يصبح على البدو أن ينتقلوا الى الأرض التى من النوع الثانى، ويعتمد البدو عندما يكونون فى النوع الأول من الأرض على الابل فى الشراب والطعام، أما عندما يكونون فى النوع الثانى فهناك ابار، وان كانت تستخدم عادة لشرب الابل أكثر مما تستخدم للاستهلاك الادمى. وفى الحالتين يعتبر اللبن هو الوجبة الرئيسية للبدوى، بالاضافة الى التمر الذى يحصل عليه من الواحات. كما انه يأكل اللحم بين الحين والاخر، أما الحبوب فكانت ترفا مقصورا على الأغنياء والعظماء.
ويعتمد البدوى الى حد ما على الأراضى المأهولة بالسكان، ولا يرى فى السرقة أية جريمة، سواء كانت بالاغارة على واحة أو على قافلة،
стр. 50
ولما كان البدوى عادة هو المقاتل الافضل فى المناوشات التى تحدث أثناء عمليات السطو هذه، فقد كان الزراع والتجار غالبا ما يلجأون الى احدى القبائل الصحراوية لحماية مساكنهم وأرضهم وقطعانهم ولتأمين قوافلهم فى مقابل مال يدفعونه لهم، وكانت هذه الأموال تمثل بالنسبة لكثير من البدو مصدرا منتظما للدخل، وهكذا كان فى مقدور البدوى أن يستمتاع ببعض منتجات الحضر.
وفى المنطقة التى تهمنا كانت هناك زراعة فى الواحات وبعض المناطق المرتفعه فى الجبال، وكان المحصول الاساسى فى الواحات هو التمر، فى حين كانت الحبوب المحصول الهام فى المناطق الجبليه مثل الطائف. وكانت يثرب (التى عرفت فيما بعد بالدينة) فى زمان محمد ﵊ واحة كبيرة ومزدهرة. وكان هناك عدد من المستعمرات الزراعية اليهودية مثل خيبر، بينما كان الحال فى مكة على العكس تماما، اذ كانت الزراعة هناك مستحيلة تماما، وهذه حقيقه يجب أن نتذكرها دائما. وكانت اليمن- وان كانت لا تدخل فى نطاق اهتمامنا الحالى- بلدا زراعيا خصبا تستخدم فيها وسائل الرى الاصطناعى من قديم الزمان، ومن المعتقد الان أنها الموطن الأصلى للساميين أو على الأقل «بلد المنشأ» و «أول موطن منفصل» «١» .
ومن المؤكد أن التراث العربى فى فترة ما قبل الاسلام قد تضمن الكثير من ذكريات الأرض الخصبة فى الجنوب. ولا شك أن هذه الصلة بالأرض الخصبة قد ساهمت فى الثقافة العربية فى زمان محمد ﵊ ، ولكن لم تؤد دراسة هذا التأثير الى أى نتائج مؤكدة حتى الان.
كانت مكة، مسقط رأس محمد ﵊ وموطنه لنصف قرن، مدينة تجارية تقع فى وسط صخور قاحلة، وقد كان نمو مكة كمركز تجارى نتيجة وجود الحرم، أو المنطقة الحرام، حيث كان الناس يأتون اليها امنين من أى تحرش، كما كانت الظروف الجغرافية
стр. 51
أيضا فى صالحها، فقد كانت تقع فى ملتقى الطرق من اليمن الى الشام ومن الحبشه الى العراق، لهذا كان البدو ياتون الى مكه للحصول على البصائع التى كانت تأتى مع القوافل من أركان المعمورة الأربعة، وربما كان أهل مكة فى البداية مجرد وسطاء وتجار تجزئه ولم يكونوا المستوردين أو أصحاب العمل المنظمين للقوافل، ولكنهم فى نهاية القرن السادس الميلادى كانوا يتحكمون فى معظم التجارة بين اليمن والشام، وهو طريق هام كانت تمر به بضائع الترف الهندية الى الغرب وكذلك اللبان والبخور من جنوب شبه الجزيرة العربية. وكانت الطائف تنافس مكة فى التجارة، ولكن من الواضح أن موقف مكة كان هو الأقوى.
كانت مكة أكثر من مجرد مركز تجارى، فقد كانت مركزا ماليا، ولا يبدو أن أحدا من الدارسين على علم أكيد بالتفاصيل مثل لامانس، «١» Lammans ولكن من الواضح أن عمليات مالية على درجة لا بأس بها من التعقيد كانت تتم فى مكة، وكان زعماء مكة فى زمان محمد ﵊ رجال مال قبل كل شىء، مهرة فى ادارة شئون المال، ذوى دهاء، وكانوا مهتمين بأى مجال لاستثمار مربح لأموالهم من عدن الى غزة أو دمشق، ولم يكن أهل مكة واحدهم الذين وقعوا فى الشبكة المالية التى نسجوها، ولكن أيضا كثير من كبار رجال القبائل المحيطة بها.
وهكذا لم يظهر القران فى جو الصحراء بل فى جو اقتصادى مالى على درجة عالية من التعقيد.
بقيت نقطة أخرى، هل كان ظهور دين جديد فى الحجاز وانتشاره بعد ذلك بين العرب ثم انتقاله الى فارس والشام وشمال أفريقيا له ارتباط بأى تغير اقتصادى كبير؟ تقول احدى الاجابات ان الجفاف المتزايد فى البادية العربية وما أدى اليه من جوع كان الدافع الذى دفع العرب فى طريق الغزو، لندع الان جانبا وبصفة مؤقتة مسألة التغير الاقتصادى، ونكتفى بالقول بأنه ليس هناك دليل يوثق به على حدوث أى تدهور فى الظروف المناخية للبادية، وكانت الحياة فيها محتملة، فقد سمعنا عن
стр. 52
أتباع لمحمد ﵊ عادوا من الغزوات التى حدثت بعد وفاته خارج شبه الجزيرة العربية الى حياة الصحراء التى عشقوها.
والانطباع العام الذى نشعر به هو أن البدو لم يعودوا الى أسوأ ما كانوا عليه من قبل، بل بالعكس صاروا أفضل مما كانوا نظرا للمنافع التى حصلوا عليها نتيجة للرخاء المتزايد فى مكة. ثم بعد ذلك، مع الهجرة من شبه الجزيرة العربية فى فترة الفتوح، لا شك أن الضغط على موارد الطعام قد قل عن ذى قبل.
وكانت هناك صناعات محلية صغيرة فى الحجاز، وكان أغلبها لخدمة احتياجات البدو وسكان المدن، وان كنا قد سمعنا عن منتجات جلدية كانت تصدر من الطائف، ولكن من حيث منظور حياة محمد ﵊ ليس لها الأهمية التى تجعلنا ندرسها كعامل مستقل.
٢- السياسة المكية
كان هناك صراع دائم من أجل السلطة داخل هذا المجتمع التجارى فى مكة. وكانت المجموعات السياسية المشتركة فى هذا الصراع مرتبطة بدورها بعلاقات مع القبائل العربية التى تمر بها قوافل مكة، وكذلك مع القوى العظمى التى كانت هذه القوافل تنقل البضائع الى أسواقها.
بعض هذه الأمور معقد الى درجة كبيرة، ولكن نظرا لأن محمدا ﵊ كان منذ البداية رجل دولة الى حد كبير، فمن الضرورى دراسة النقط الأساسية على الأقل.
(أ) المجموعات السياسية فى قريش
تعطى المصادر العربية الكثير من المعلومات عن الأسر والحزازات القبلية والتحالفات داخل قريش.
стр. 53
وقد بالغ بعض النقاد الغربيين فى التأكيد على الجانب الاسطورى لهذه القصص، وركزوا بشكل مبالغ فيه على مناقشة ما اذا كانت الشخصيات المذكورة فى هذه المصادر أفرادا حقيقيين أم مجرد تجسيد للقبائل. وربما كانت هناك حقائق تاريخية أكثر مما ذكر فى هذا النقد المتطرف، ولكننا لا نعتزم أن نلمس هذا الموضوع الصعب هنا اذ انه يحول انتباهنا عن الحقيقة الهامة، وهى أن هذه القصص تبين لنا كيف كانت قريش تدرك العلاقات بين الأسر والعشائر فى زمان محمد ﵊ ، وربما تكون بعض جوانب الموضوع قد حدث فيها تعديل نتيجة للأحداث التى وقعت فيما بعد، مثل العداء بين العباسيين والأمويين الذى ربما يكون قد أثر على ما روى عن العلاقات بين بنى هاشم وبنى أمية. ولكننا نستطيع أن نثق فى الصورة بصفة عامة.
وقدسية مكة قديمة جدا، فبعد أن حكمتها قبيلة جرهم لفترة طويلة، انتقل أمرها الى قبيلة خزاعة التى ارتبط بها بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة، واحتفظت الأسر القديمة ببعض الامتيازات التى ربما كان لها سمة مقدسة مثل الاجازة، Ijazah التى ظلت فى يد بنى صوفه، Sufah ثم انتقلت السلطة من خزاعة وحلفائها الى قصى الذى استمد قوته فى جانب منها من حلفاء من بنى كنانة وقضاعة، وفى جانب اخر من توحيده لجماعات قريش المختلفة التى كانت حتى ذلك الوقت متفرقة وغير مؤثرة. وربما كان قصى المؤسس لمكة بعد أن كانت مجرد مخيم حول الحرم*.
كذلك ربما كان قصى هو الذى ميز بين قريش البطاح (أولئك الذين يعيشون حول الكعبة مباشرة) وقريش الظواهر (وهم الذين يعيشون فى الضواحى) ، ولا شك أن هذا التمييز موجود، ومن الطبيعى أن يفترض أنه يعود الى الرجل الذى خصص الأحياء فى بداية بناء مكة.
وتنتمى سلالة قصى بأكملها وكذلك سلالة جده العظيم كعب الى قريش
стр. 54
البطاح. وبين الجدول فى الصفحه ٧* التفاصيل طبقا لقائمتين للمسعودى.
وقد كانت هناك تقسيمات أكثر تفصيلا لقريش البطاح، ففى البداية خلف عبد الدار قصيا فى زعامته، ولكن مع الزمن تحدت عائلة ابن عبد مناف ممثله فى ابنه عبد شمس عائله عبد الدار بزعامة أحد أحفاده. وهكذا انقسمت مكة الى معسكرين متعاديين، وانضم الى عبد مناف بنو أسد وبنو زهرة وتيم والحارث بن فهر، بينما انحاز الى بنى عبد الدار قبائل مخزوم وسهم وجمح وعدى. بينما ذكرت الروايات ان بنى عامر بن لؤى ومحارب وهما من قريش الظواهر اعتزلا الفريقين. وعرف بنو عبد مناف وأحلافهم بالمطيبين، وعرف بنو عبد الدار ومن معهم بالأحلاف.
ويلاحظ أن التحالفات لم تتبع تماما الخطوط العائلية، فقد انقسمت عائلة قصى الى فريقين، عبد الدار فى مواجهة عبد العزى (أسد) وعبد مناف.
كما كان باقى مرة فى مواجهة مخزوم. (وهذه حجة ضد القول بأن الصلات الأسرية هلى المبرر للأحداث التى حدثت فيما بعد) وكاد الخلاف يؤدى الى قتال، ولكن أمكن التوصل الى حل وسط احتفظ بمقتضاء بنو عبد الدار ببعض الامتيازات الاسمية الى درجة كبيرة، بينما أعطى بنو عبد مناف أسباب السلطة، وقد تحقق الطرفان من حجم المكاسب التى سيحصلون عليها اذا اتفقا، وحجم الخسائر التى ستصيبهم اذا اختلفا.
قد يعتبر حلف الفضول تطويرا لحلف المطيبين وليس حلفا ضد الظلم كما ينظر اليه كيتانى، Caetani ويقول المسعودى انه- أى حلف الفضول- كان نتيجة محاولة لمساعدة يمنى على استرداد دين له عند العاص بن وائل من بنى سهم، وكان المشاركون فى الحلف عشائر هاشم والمطلب وأسد وزهرة وتيم وربما الحارث بن فهر**، أى المطيبين بدون بنى عبد شمس وبنى نوفل. ثم نشب الخلاف بين نوفل
стр. 55
وعبد المطلب بن هاشم وساند بنو المطلب عبد المطلب بن هاشم، وهكذا نمت قوة بنى عبد شمس ونوفل الى الدرجة التى جعلتهم فى غنى عن حلفائهم (المطيبين) ، فى حين رحب بنو هاشم والمطلب، الذين كانت قوتهم فى اضمحلال، بوجود حلفاء لهم.
وتؤكد الرواية التى رواها ابن اسحق عن دعوة بنى هاشم والمطلب بعد ذلك الى حلف الفضول هذا التفسير. وفى خلافة معاوية، قام نزاع بين والى المدينة الوليد وهو ابن اخى معاوية وبين الحسين بن على حول بعض أملاكه، وأنهى الوليد هذا الخلاف لصالحه، واعترض الحسين وقال انه يلجأ الى حلف الفضول، فتلقى عروضا بالمساعدة من عبد الله بن الزبير (أسد) والمسور (زهرة) وعبد الرحمن بن عثمان (تيم) ، ولم يستطع الوليد مواجهة هذا التهديد باحياء حلف قديم، حيث كان الرجال الذين ذكرناهم من بنى هاشم وأسد وزهرة وتيم على الترتيب، فلم يكن أمامه الا أن يتراجع. وفى زمن لاحق، دل حوار دار بين الخليفة عبد الملك (من بنى أمية أو عبد شمس) ورجل من بنى نوفل على أن هاتين العشيرتين كانتا قد خرجتا من الحلف منذ زمن بعيد، هذا ان كانتا قد دخلتا فيه أصلا.
وفى زمان بعثة محمد ﵊ ، كان من الواضح أنه قد حدثت تغيرات فى الاتجاهات السياسية، ولكن من الصعب أن نقول- على الأقل فى المراحل التالية- الى اى مدى كانت هذه التغيرات بعيدة عن تأثير الاسلام والى أى مدى كانت من نتائجه. والموقف الذى أراه يتلخص فيما يلى:
المجموعة أهى حلف الفضول القديم بدون بنى أسد وباضافة بنى عدى، وقد يكون لهذا التغير علاقة ما بدخول عمر بن الخطاب فى الاسلام، ولكن الاحتمال الأقرب أن يكون نتيجة للتحالف بين عبد شمس والمجموعة ج، وذلك للعداء المرير الذى نشب بين بنى عدى وبنى عبد شمس، وبالطبع كانت هناك عوامل اقتصادية. وكان انضمام المجموعة ب للمجموعة ج لعدة أسباب، فمن الواضح أن العلاقات بين
стр. 56
المجموعة االمجموعة ب المجموعة ج
هاشم عبد شمس مخزوم
المطلب- سهم
زهرة نوفل جمح
تيم أسد عبد الدار
الحارث بن فهر عامر-
عدى--
بنى عبد شمس والمجموعة ج كانت وثيقة، ولا شك أن ذلك كان بسبب المصالح التجارية المشتركة، أما المجموعة ج فهى مجموعة الأحلاف القديمة بدون بنى عدى.
الأدلة الرئيسية التى تؤكد افتراض هذا التقسيم للعشائر هى:
١- كان زعماء جيش المشركين فى غزوة بدر من المجموعتين ب وج باستثناء العباس (من بنى هاشم) ، وحتى أمر هذا مشكوك فيه، اذ ربما يكون اسمه قد أضيف فيما بعد لاكساب ذريته مجدا*، وقد روى أن أفراد عشيرة طالب بن أبى طالب قد انسحبوا من المعركة. ومن ناحية أخرى نرى أن بنى زهرة وبنى عدى لم يشتركوا فى هذه المعركة، كما كان المشاركون فيها من أعضاء المجموعة (أ) قليلين.
стр. 57
عشائر قريش فهر (قريش)
стр. 58
٢- كان الذين سعوا فى انهاء مقاطعة بنى هاشم من بنى عامر ونوفل وأسد. كما ذكر معهم أيضا مخزومى، ولكن ربما وقف هذا المخزومى ضد غالب عشيرته لأن أمه كانت من بنى هاشم.
٣- كان الذين طلب محمد ﵊ جوارهم بعد عودته من الطائف من بنى زهرة وعامر ونوفل. وليس منهم أحد من المجموعة (ج) .
٤- كان المسلمون الأوائل الذين لم يهاجروا الى الحبشة أعضاء فى حلف بنى هاشم والمطلب وزهرة وتيم وعدى باستثناء حالتين (كانت ظروفهما غير عادية) ، وهذه حقيقة لها مغزاها حتى لو كان تفسيرها غير مؤكد.
(ب) ادارة الأمور فى مكة
يكاد يكون التنظيم الحكومى الوحيد فى مكة هو الملأ وهو تجمع من شيوخ العشائر وزعمائها. وكان هذا المجلس استشاريا فقط وليس له سلطة تنفيذية، كانت كل عشيرة مستقلة عن غيرها ولها حرية التصرف فى أمورها. لهذا، كانت القرارات المؤثرة التى يصدرها الملأ هى فقط التى تصدر بالاجماع. وكانت هناك بالطبع وسائل للتعامل مع الأقليات المتمردة، وتعتبر مقاطعة العشائر لبنى هاشم والمطلب مثالا لكيفية ممارسة الضغط الاقتصادى والاجتماعى.
يكمن جزء كبير من قوة مكة فى قدرة شيوخها وزعمائها على توحيد فكرهم واضعاف المنافسات الثانوية لصالح المجموع. وتعتبر تسوية النزاع الذى نشب بين الأحلاف والمطيبين أحد الأمثلة على ذلك، كما كان اعداد مكة للقتال بعد هزيمة بدر مثالا اخر. وبجانب هذا المجلس المركزى (الملأ) ، لا شك أنه كانت هناك اجتماعات تعقد بين شيوخ العشائر المستقلة عند الضرورة لمناقشة الأمور، كما حدث عندما جمع أبو طالب
стр. 59
بنى هاشم وبنى المطلب ليحثهم على الموافقة على حماية محمد ﵊ .
كذلك ذكرت المصادر بعض المهام والوظائف، منها مثلا النسىء (وهو حق تقرير متى يزاد فى شهر قمرى ليتوافق مع السنة الشمسية) ، والسقاية (الاشراف على موارد الماء وتوفيرها للحجيج) والرفادة (اطعام الحجيج) واللواء (حمل العلم فى الحرب أو تعيين من يحمله) ، ويكاد ذلك أن يكون ادارة محلية بالمعنى الذى نفهمه الان أو كما فهمه الاغريق والرومان. وكانت هذه المهام تعتبر امتيازات لأصحابها، وكان بعضها على الأقل يعطى أصحابها فرصة لجمع المال، فبالنسبة للسقاية، كان على الحاج أن يدفع مبلغا فى مقابل استخدام ماء زمزم (لامانس، Lammens مكة، ٦٥) ، كما سمعنا عن ضرائب متنوعة كانت تجبى من الحجاج والتجار، وان كان أسلوب جمعها غير واضح*.
стр. 60
وكان تأثير الفرد فى مجريات الأمور فى مكة يقوم على أمرين:
عشيرته وكفاءته الشخصية. وكانت قوة العشيرة تتناسب مع ثروتها بالرغم من أن الثروة فى مثل هذا المجتمع التجارى كانت متحركة الى درجة كبيرة وتتغير تبعا لمدى الأعمال التى يمارسها الفرد والعشيرة ونجاحها، وقد تكون البداية ثروة موروثة وعلاقات عمل، ولكن كان تأثير الفرد فى النهاية يعتمد أساسا على صفاته الشخصية: دهائه التجارى والاقتصادى، سياسته مع العشائر والقبائل الاخرى ومع ممثلى القوى الكبرى، وقدرته على فرض رئاسته على أقرانه فى العشيرة والدوائر الأوسع. فلم تكن سيطرة أبى سفيان على سياسة مكة فى بداية بعثة محمد ﵊ لأنه كان متوليا منصبا له سلطة، بل لأهمية عشيرته بنى عبد شمس أو أمية وثروتها ولأنه كان يتمتاع بالصفات التى ذكرناها. وكانت العشيرة الاخرى ذات السيادة فى ذلك الوقت هى بنى مخزوم، ولذلك كان لأعضائها البارزين- مثل الوليد بن المغيرة وأبى جهل- دور هام فى ادارة شئون مكة.
قد يكون من الطريف المقارنة بين مكانة أبى سفيان فى مكة وبير كليس فى أثينا. كانت الديموقراطية العربية أقل مساواة منها فى أثينا. فقد كان كل فرد فى العشيرة فى مكة لا يمثل الا فردا واحدا ولم يكن هناك من يمثل أكثر من واحد، ومع ذلك تمكن العرب بطريقة أو أخرى من ايجاد وسيلة لاختيار الأعضاء البارزين فى العشيرة الذين يحضرون اجتماعات الملأ.
وكان الملأ المكى أكثر حكمة ومسئولية من الاكليزيه ekklesia الأثينى، ونتيجة لذلك كانت قراراته تتخذ بناء على الجدارة الحقيقية
стр. 61
للرجال وسياساتهم وليست بناء على خطب رنانة تجعل أسوأ الأسباب يبدو أحسنها، ومن ناحية أخرى كان الأثينيون يقدرون المبادىء الأخلاقية ويقبلون الرجل لأنه أمين ومستقيم، بينما كان أهل مكة يهتمون بالمهارة العملية للرجل وقدرته على أن يكون زعيما فعالا، وهذا يؤدى بنا الى موضوع القسم الثالث.
(ج) قريش والقبائل العربية
كانت النبالة والهيبة بين عرب الصحراء مسألة تتعلق بالقوة العسكرية الى درجة كبيرة، فكانت الزعامة بين القبائل لمن يستطيع حماية أتباعه، والثأر للاهانات أو الايذاء أو القتل، وقد قيل فيما بعد ان قريشا سادة العرب وان الخلافة لا تكون فى غيرهم. وفى صورته المطلقة، ربما كان هذا الاعلاء لشأن قريش قراءة لأحداث العقد السابق للهجرة فى ضوء ظروف جدت فيما بعد، ولكن حتى لو كانت هناك بعض المبالغة فى هذا التعبير، فقد كان الاعتراف بقريش سيدة قبائل غرب شبه الجزيرة العربية وغرب وسطها، أى بين القبائل ذات الصلة الوثيقة بها، حقيقة لا جدال فيها. فعلى أى أساس كانت هذه السيادة؟
لم يستطع لامانس أن يدلل على صحة نظريته عن جيش المرتزقة من العبيد السمود الا عن طريق لى الحقائق والشواهد. ويبين التذييل (أ) بعض الأسباب التى تجعل هذه النظرية على غير أساس. ومع ذلك، فان وجود عدد من العبيد السود فى قريش حقيقة لا تنكر، وكان بعضهم يستخدم فى القتال اذا لزم الأمر. كما أنه من الحقائق المعروفة أن قريشا جذبت الكثير من العرب من أبناء القبائل الاخرى الى مكة كحلفاء (مفردها حليف) ، وكان بعضهم يشارك فى التجارة والبعض الاخر من الفرسان قاطعى الطريق، وهذا النوع على الأقل كان دائما مستعدا للقتال. كما أنه من الحقائق المعروفة أن الأغنياء من تجار قريش كانوا راغبين عن القتال فى معركة بدر. بالرغم من أنهم لم يكونوا جبناء وكانوا قادرين على الظهور بمظهر مشرف، وكذلك أبلى المسلمون من قريش فى
стр. 62
بدر بلاء حسنا حتى لو كانت بطولات على وحمزة مبالغا فيها الى درجة كبيرة، وحتى لو كان الأنصار هم المقاتلين الأفضل من جميع النواحى.
لكل هذه الأسباب، نرى أنه من الواضح أن رياسة قريش لم تكن بسبب براعتهم فى القتال كأفراد.
كان سر مهابتهم قوتهم العسكرية التى يستطيعون أن يواجهوا بها أى خصم، ولم تكن هذه القوة قوتهم واحدهم بل كانت قوتهم مع أحلافهم، وقد تأسست هذه الأحلاف على أساس أعمالهم التجارية. فقد كانت القوافل الى اليمن والشام والبلاد الاخرى تتطلب خدمات من عدد كبير من البدو كأدلاء وحراس ورعاة للابل.. الخ. وقد يدفعون مبلغا من المال لزعيم قبيلة لضمان سلامة المرور فى منطقة نفوذه، أو للحصول على الماء أو أنواع أخرى من الزاد، وهكذا كانت قبائل البدو تشارك فى تجارة مكة، وسرعان ما عرفوا من أين تؤكل الكتف، فقد كان رخاء مكة رخاء لهم كما كانت خسارة مكة خسارة لهم، وقد زاد هذا الشعور بالتكامل مع مكة عمقا بالمصاهرة التى كانت بين زعماء مكة والقبائل المختلفة، وباشراك زعماء القبائل فى تجارات مكة ذات رؤوس الأموال المشتركة.
ومن هذا نرى أن القول بأن أهل مكة كانوا يدفعون للرجال ليقاتلوا من أجلهم صحيح الى حد ما، ولكن هؤلاء الرجال لم يكونوا بأية حال مرتزقة، فلا وجه للمقارنة بينهم وبين الحرس السويسرى أو الفرقة الأجنبية الفرنسية مثلا، فقد كانوا جميعا عربا أحرارا دخلوا فى أحلاف واتفاقيات مع قريش على أساس من الندية. وكان زعماء تلك الطائفة الغامضة التى يطلق عليها الأحابيش يعلنون اراءهم صريحة فى مواجهة أهل مكة «١» ، وعندما هاجم البراد من بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة احدى القوافل، وهى الحادثة التى أدت الى اشتعال حرب الفجار، كان لا شك يعلم أن فعله هذا يسير فى نفس الخط مع سياسة مكة وأن قريشا سوف تؤيده، ولكن ربما كان تصرفه هذا نابعا من نفسه ولم يكن تنفيذا لأوامر أهل مكة.
стр. 63
كان للمال أهمية فى المحافظة على مثل هذه الأحلاف، ولكن المال واحده لا يكفى، فرجال بمثل هذه الشخصية العنيدة حادة الطبع لا يمكن التعامل معهم الا بلباقة ودبلوماسية دائمتين، وتتطلب هاتان الصفتان تحكما تاما فى مشاعر الانسان، وقد كان هذا الأسلوب فى الحكم المتعقل الصبور، أو ما أطلق عليه حلم قريش، الذى مكنهم من المحافظة على أحلافهم. «وكانت هذه الحكمة السياسية، التى أشرق فيها كل حلم قريش، هى الضمان الذى به احتفظت مكة بسيادتها على جيرانها من البدو لسنوات طويلة قبل الاسلام» (لامانس، مكة، ٨١/ ١٧٧) «١» .
(د) سياسة مكة الخارجية
كانت مكة واقعة فى دائرة اهتمام قوتين عظيمتين، الامبراطورية البيزنطية والامبراطورية الفارسية وقوة ثالثة أقل وهى مملكة الحبشة، وكانت الأسباب الأساسية التى جذبت انتباه الامبراطوريتين الى شبه الجزيرة العربية تجارية، فكانت الامبراطورية البيزنطية ترغب فى الحصول على المواد الترفية من الشرق، ولكن فارس كانت تسد عليها جميع طرق التجارة تقريبا، البرية منها من الصين والهند (باستثناء الطريق الذى يمر شمال بحر قزوين) والبحرية من الهند وسيلان عن طريق الخليج الفارسى. وكانت فارس تكبد البيزنطيين أسعارا فادحة فى مقابل الحرير والتوابل فى زمن السلم، أما فى زمن الحرب فكانت هذه البضائع تنقطع تماما، ولكن كان هناك الطريق البرى عبر غرب شبه الجزيرة العربية الى الشام (وكان أيضا طريق البخور من جنوب شبه الجزيرة العربية) وطريق البحر الأحمر الذى لم يكن يستخدم كثيرا لسبب غير واضح.
كان جوستنيان، Justinian الذى أدار السياسة البيزنطية تحت حكم جوستين Justin من ٥١٨ الى ٥٢٧ ثم صار هو الامبراطور
стр. 64
حتى ٥٦٥ م، حريصا على استعادة الممتلكات الرومانية فى الغرب، لهذا اتبع سياسة التهدئة مع فارس الى درجة الموافقة على دفع جزيه سنوية للفرس لضمان السلام. كما أسند الى أمير الغساسنة شبه المستقل والذى تقع امارته على حدود الشام منصبا رسميا فى الامبراطورية وعهد اليه بمهمة حفظ النظام بين قبائل البدو العربية التى تعيش على الحدود ونشر النفوذ الرومانى (البيزنطى) بقدر الامكان، كذلك شجع جوستنيان على استخدام المسيحية كعامل يساعد على الواحدة والدخول فى طاعة الامبراطورية الرومانية، واستطاع أن يصل الى نوع من التفاهم مع الحبشة. ويروى ابن اسحق كيف استطاع رجل يدعى دوس ذا ثعلبان الهرب من ذى نواس فى الأحداث الدموية التى حدثت فى مملكة جنوب شبه الجزيرة* وذهب الى قيصر يستنجد به. وبدلا من مساعدته بشكل مباشر أرسل معه كتابا الى ملك الحبشة.
وربما كان هذا الخبر صحيحا بصورة أو أخرى، ولكن على أقل تقدير يبين كيف فهم العرب العلاقة بين البيزنطيين والحبشة، ولا شك أن جوستنيان قد وافق على غزو الحبشة لليمن وجنوب شبه الجزيرة العربية حوالى ٥٢٥ م، وبالرغم من أنه كان أرثوذكسيا، الا أنه فضل وجود مذهب الطبيعة الواحدة للمسيح هناك على كل من اليهودية أو النسطورية، وكل منهما له صلات بالفرس «١» .
بعد وفاة جوستنيان، تغيرت العلاقات بين الامبراطوريتين ودخل صراعهما القديم فى مرحلته النهائية، قفى عام ٥٧٠ أو ٥٧٥ طرد الفرس الحبشيين من شبه الجزيرة العربية وأقاموا الادارة المفضلة لديهم، وان لم تكن تحت السيطرة التامة لفارس، وحاول الفرس توجيه التجارة البرية من اليمن الى فارس بمساعدة أمراء اللخميين فى الحيرة (الذين كانوا يقومون بدور بالنسبة لفارس يشبه دور الغساسنة بالنسبة للبيزنطيين) .
وكانت حرب الفجار ومعركة ذى قار بسبب القوافل التى كانت تنقل
стр. 65
اللبان والبخور والمنتجات المحلية الاخرى (وربما بضائع من الحبشة) فضلا عن البضائع المستوردة من الهند. ومع ذلك، فقد كان الكثير من التجارة يمر فى طريق الساحل الغربى بدليل استمرار ازدهار مكة، مما يدل على أن الفرس لم يكونوا من القوة بحيث يستطيعون السيطرة على هذا الطريق الى الغرب.
ماذا كان موقف مكة فى هذا الصراع بين العملاقين؟ ما السياسة التى سارت عليها؟ ربما كانت هناك صداقة متوارثة مع البيزنطيين، فقد ذكر ابن قتيبة معلومة تثير الدهشة تفيد أن قيصر قد ساعد (قصى) ضد خزاعة، فاذا كان مفهوم ذلك أن قصيا قد تلقى المساعدة من الغساسنة أو بعض الحلفاء الاخرين للرومان، فقد يكون ذلك صحيحا الى درجة بعيدة. فمن المؤكد أن قصيا كانت له صلات ببنى عذرة، وهى قبيلة مسيحية تعيش قرب حدود الشام، وبالتالى ربما كانت تحت النفوذ البيزنطى، وربما كان غزو قصى لمكة مرتبطا بنمو التجارة بين مكة والشام، ويبدو أنه بعد قصى ظل الطريق بين اليمن ومكة فى أيدى اليمنيين لفترة من الزمن. وقد كان أحد التجار اليمنيين قد أحضر بضائع الى مكة عند انشاء حلف الفضول (حوالى ٥٨٠) *. فلو كان الاهتمام الرئيسى لمكة حينئذ هو التجارة الى الشمال، فقد كان لا بد من وجود علاقات طيبة بالبيزنطيين وحلفائهم.
وسهل غزو الحبشة لليمن الأمور على أهل مكة وذلك للعلاقات الطيبة التى كانت بين الحبشة والبيزنطيين، وربما كانت هذه الفترة من السلام النسبى هى التى نمى فيها أهل مكة تجارتهم بدرجة كبيرة وأرسلوا فيها قوافلهم الى جميع الجهات، وكانت النتيجة التى توارثتها الأجيال أن من أبناء عبد مناف الأربعة، وطد عبد شمس علاقاته مع الحبشة، ووطد هاشم علاقاته بالشام، ووطد المطلب علاقاته باليمن، ووطد نوفل
стр. 66
علاقاته بالعراق. وربما أخذت عشيرة مخزوم أيضا نصيبا من تجارة جنوب شبه الجزيرة العربية، أو على الأقل كانت لهم اهتمامات بها فيما بعد، ولكن لا شك فى أن العلاقات مع الحبشة قد تدهورت فيما بعد نظرا لأن أبرهة نائب الملك قاد حملة ضد مكة كان غرضها الظاهرى هو تدمير الكعبة كى يحج العرب الى كنيسته التى بناها فى الجنوب، ويمكننا أن نخمن أن الاهتمامات التجارية قد اختلطت بالاهتمامات الدينية، اذ ربما فزع أبرهة من النجاح التجارى المتزايد لأهل مكة، الذين يفترض أنهم كانوا يحققون أرباحا لا بأس بها كوسطاء حتى بين الحبشة والبدو.
وقد تحقق أبرهة من الدور الهام الذى تلعبه المنطقة المقدسة حول مكة فيما يمكننا أن نسميه «النظام المكى» . وربما كان هناك أيضا كنز فى الكعبة أو حولها، فاذا أريد الانقاض من قوة مكة وثروتها، فانه يجب تدمير الحرم المكى ووضع حرم اخر مكانه كمركز لتجارة التجزئة لعرب الصحراء.
ذكر ابن اسحق كيف تفاوض عبد المطلب مع أبرهة، وبينما نرى أن بعض ملامح هذه القصة (مثل قوله ان عبد المطلب كان كبير قريش وسيدها) هى بلا شك لتعظيم بنى هاشم، الا أنه ربما كانت حادثة المفاوضة صحيحة ولكن يجب أن تفسر على أنها حركة جماعية من مجموعة صغيرة من قريش (مع قبيلتى بنى الديل وهذيل) وقف فيها الجزء الرئيسى الذى من قريش موقفا متحفظا، فاذا كان الأمر كذلك، فمن المحتمل أن عبد المطلب كان يحاول الاستعانة بالأحباش ضد خصومه من قريش مثل بنى شمس ونوفل ومخزوم*.
وكان من الواضح أن بنى عبد شمس ونوفل قد وضعا أيديهما على معظم التجارة مع الشام واليمن التى كانت قبل ذلك فى أيدى بنى هاشم والمطلب، وعلى هذا فان العشائر الأكثر ثروة كانت ترغب فى سياسة
стр. 67
محايدة من الواضح أنها كانت أفضل لمصالحهم، وذلك فى مواجهه سياسة عبد المطلب المؤيدة للحبشة. ولا نستطيع أن نؤكد ما اذا كان أبرهة قد وافق على مقترحات عبد المطلب أم أنه رفضها بعد أن تحقق من أنه ليس قويا بالدرجة الكافية. وعلى أية حال، فقد فشلت الحملة فى الجزيرة العربية ولم تتحقق الأهداف الحبشية، اذ دمر الجيش الحبشى بالطاعون فيما يظهر*.
أصبح الحياد أمرا أكثر أهمية لمكة بعد غزو فارس لجنوب شبه الجزيرة العربية بعيدا عن سيطرة الفرس، ويبدو أن أهل مكة قد استفادوا من هذا الموقف فى زيادة قوتهم. وكانت حرب الفجار التى ربما بدأت بعد طرد الأحباش بفترة، نتيجة لهجوم- لم تأمر به مكة- من أحد حلفائها على قافلة كانت فى طريقها من الحيرة الى اليمن عن طريق الطائف، وهذا قد يعنى، من الناحية الاقتصادية أن أهل مكة كانوا يحاولون اغلاق هذا الطريق تماما أو ضمان بعض السيطرة منهم عليه، ونظرا لانتصارهم الواضح فى الحرب، فانه يمكن افتراض أنهم قد حققوا أهدافهم.
فى ضوء هذه الخلفية، يأخذ حلف الفضول الذى ذكرناه من قبل أهمية جديدة، فان السبب المعلن، وهو رفض أحد بنى سهم دفع ثمن بضائع اشتراها من تاجر يمنى، وردود الفعل الواسعة لهذه الحادثة تدل على أنها قد أصبحت علامة على اتجاه جديد هام فى السياسة، وباختصار كان هذا الاتجاه هو ذروة المحاولات التى قامت بها العشائر الأكثر ثروة لاستبعاد اليمنيين من تجارة الجنوب وتركيزها فى أيديهم، وهنا يمكننا فهم رد فعل بنى هاشم وباقى العشائر المكونة للحلف، فان هذه العشائر لم تكن قوية اقتصاديا بالدرجة الكافية التى تجعلهم يسيرون قوافلهم الى اليمن، ولكننا نستطيع أن نفترض أنهم استفادوا من الصفقات التى كانوا يعقدونها مع التجار اليمنيين فى مكة، فلو كانت القوافل الى اليمن تحت
стр. 68
السيطرة الكاملة لعشائر مثل بنى عبد شمس وبنى مخزوم، فان العشائر الأصغر تفقد جزا لا بأس به من تجارتها وربما لا يجدون بضائع ينقلونها شمالا الى الشام، أو على أحسن الفروض يسمح لهم بالمشاركة فى القوافل ولكن بالشروط التى يمليها التجار الأغنياء، وبالتأكيد لن يترك لهم الا ربح ضئيل.
وتساعد حادثة عثمان بن الحويرث، كما فصلها لامانس (مكة ٢٧٠- ٩/ ٣٦٦- ٧٥) على تصوير سياسة الحياد التى كانت عليها مكة، فقد دخل عثمان فى مفاوضات مع البيزنطيين أو عملائهم وحصل على وعد بالمساعدة. ولا شك فى أن البيزنطيين كانوا يفكرون فى شىء يشبه امارة الغساسنة، فى حين ذكرت المصادر أن عثمان كان يطمع فى أن يكون ملكا على مكة، وكان هذا جزا من رد فعل البيزنطيين لغزو فارس للجنوب، ويشير لامانس الى أن عثمان لم يعلن عن هدفه هذا بالطبع، وانما كان يقول ان البيزنطيين سيغلقون الحدود ما لم تقدم لهم «هدايا» معينة، وانهم وكلوا اليه مهمة جمع هذه الهدايا، ولكن يبدو أن قول لامانس بعد ذلك ان عثمان قد استمال رؤوس بنى أمية وبنى مخزوم الى خطته هو مجرد افتراض أسسه على أنه لم يرد أى ذكر لمعارضتهم لذلك. ومن الواضح أن الحادثة التى قضت على خطة عثمان هى تحذير أحد أبناء عشيرته بنى أسد ويدعى الأسود بن المطلب أبا زمعة له من أن يسعى للملك، فمن الطبيعى أن يعترض الأغنياء على الوضع الخاص الذى كان سيحصل عليه عثمان نتيجة لخطته، ولكنهم كانوا بالاضافة الى ذلك يرون أنه ليس من الحكمة الخروج عن سياسة الحياد، وربما كانوا يشعرون بقوة مركزهم لحاجة البيزنطيين للبضائع التى يحملونها اليهم (لم يكن لرفض مقترحات البيزنطيين أى نتائج ذات قيمة فيما عدا سجن عدد قليل من الرجال لفترة من الوقت) . وفى هذه الظروف قاد بنو أمية وبنو مخزوم المعارضة ضد عثمان، الأمر الذى ربما يعيد الحياة لحلف الفضول الذى كان بنو أسد أحد أعضائه، وقد تجنبوا مثل ردود الفعل هذه باسناد القيادة لرجل من بنى أسد.
وليس من المنطقى أن نفترض، كما فعل لامانس، أن الدافع الوحيد للأسود هو الحسد، فمن الواضح أنه كان على درجة لا بأس بها من
стр. 69
الثراء، ولهذا فمن المحتمل أن المعارضة ضده كانت طبقا للسياسة العامة لزيادة الروابط مع البيزنطيين.
حدثت هذه الحادثة بعد حرب الفجار لأن عثمان بن الحويرث قد شارك فيها، وبذلك يكون بيننا وبين اعلان محمد ﵊ لرسالته عشرون عاما أو أقل، وهى السنوات التى أكدت فيها الحروب الطاحنة التى نشبت بين الامبراطوريتين العظميين، أهمية وقوف أهل مكة على الحياد. ونظرا لقلة المعلومات المتاحة، فان الكثير مما يقال عن سياسات أهل مكة يخضع للحدس والتخمين. ولكن حتى لو كان الكثير من التفاصيل غير صحيح، فاننى أعتقد أن الصورة العامة معقولة، وعلى ذلك فان محمدا ﵊ قد ترعرع فى عالم اختلطت فيه الأمور المالية فى المستويات الرفيعة مع السياسات الدولية اختلاطا لا سبيل الى فصله.
٣- الخلفية الاجتماعية والأخلاقية
(أ) التضامن القبلى والفردية
التماسك القبلى شىء ضرورى للبقاء على قيد الحياة فى ظروف المعيشة فى الصحراء. فالانسان يحتاج الى المساعدة فى مواجهة القوى الطبيعية وخصومه الادميين. ولا شك فى أن التجمعات القبلية وجدت قبل أن يصبح الانسان فى الصحراء ولم تنشأ فيها. ولكن من المؤكد أن أهمية التكامل تأكدت فى ظروف المعيشة الصحراوية. فكلما كانت الجماعة أكبر كانت أقوى، وبالتالى أكثر نجاحا فى التغلب على صعوبة المعيشة، ولكن هذا لا يستمر الا الى درجة معينة يصبح من الصعب بعدها على الجماعة أن تتصرف كواحدة واحدة وبالتالى تتجه الى الانقسام، وعلى هذا فان القبائل ليست كيانات دائمة، ولكنها اما تتزايد وتنقسم واما تضمحل وتنتهى.
стр. 70
ويبدو ذلك واضحا فى عشائر مكة، فان التسمية العربية الشائعة للقبائل أو العشائر أو العائلات هى «بنو فلان» أى أبناء فلان، وفى فترة من تاريخ مكة كان اسم «بنو عبد مناف» يتردد كثيرا، لكن بعد فترة من الزمن بطل استعما لهذا الاسم لأن هذه العشيرة نمت ثم انقسمت فأصبحنا نسمع أسماء «بنى عبد شمس» و «بنى هاشم» ... الخ، حيث كان عبد شمس وهاشم ابنى عبد مناف. كذلك كانت أكثر الحروب دموية فى شبه الجزيرة العربية أيضا بين عشائر تربط بينها صلات قرابة، ولا شك فى أن ذلك كان بسبب اضطرارهم للمشاركة فى مكان محدود للمعيشة.
كانت كل قبيلة رئيسية أو من قبائل الدرجة الأولى مستقلة عن باقى القبائل وليس لها أية أهمية سياسية تفوق القبائل الاخرى، ولذلك فمن المقصود، وغالبا ما كان ذلك يحدث بالفعل، أن تجد نفسها قد اشتبكت فى قتال مع أية قبيلة مجاورة، وفى مثل هذا الموقف الذى تكون فيه «يد الرجل ضد كل الرجال وأيدى كل الرجال ضده» ، يصبح أمن القبيلة- بل مجرد وجودها- متوقفا على قوتها العسكرية. فبالقوة واحدها يمكن حماية قطعان الماشية طالما أن شن الغارات هو «الرياضة القومية» للعرب.
يصور ثأر الدم مكانة التكافل القبلى، وهذا أسلوب بدائى- ولكن ربما كان الأسلوب الوحيد فى ظروف المعيشة الصحراوية، بعيدا عن المخترعات الحديثة، للتأكد من أن الجريمة لا ترتكب بسهولة وبدون احساس بالمسئولية فتعتبر قبيلة القاتل مسئولة عن فعلته، والعقوبة هى القصاص، «حياة بحياة» ، وبصرف النظر عن الاتجاه الانسانى لأن تكون العقوبة أكبر من الجريمة، فان هذه طريقة بسيطة للاحنفاظ بالقبائل فى نفس الدرجة من القوة النسبية.
تقوم القبيلة على أساس من القرابة، سواء من ناحية الرجال أو من ناحية النساء. وقبل بزوغ الاسلام، كانت المصاهرة، على ما يبدو، هى الأكثر انتشارا. وكان هناك أيضا ما يمكن أن يسمى «بالتكامل
стр. 71
المصطنع» نتيجة للأحلاف أو الجوار (الشكل الاصطلاحى لمنح الحماية) ولأسباب كثيرة، كان الحليف أو الجار يعامل كأحد أفراد القبيلة أو العشيرة، ويكون الحلف أو التحالف عادة بين أنداد، ولكن هذا لا يمنع جماعة ضعيفة من أن تكون حليفة لقبيلة قوية للحفاظ على وجودها.
بينما كانت القبيلة أو تحالف القبائل يمثل أعلى درجات الواحدة السياسية، كان العرب يدركون أيضا أنهم يمثلون واحدة بصورة أو أخرى، وكانت هذه الواحدة على أساس من واحدة اللغة (وان كان هناك بعض الاختلاف بين اللهجات) ، والتراث الشعرى المشترك، والعادات والأعراف والأفكار المشتركة وكذلك الأصل المشترك. وكانت اللغة هى الأساسى الأصلى للتمييز بين العرب و «الأجانب» (العجم) ، وكذلك كان الحال بين الاغريق و «البرابرة» . وكانت الصحراء العربية والشامية هى الأساس الجغرافى للواحدة، وغالبا ما كانت كلمة العرب تعنى «البدو» . أما الأصل المشترك فكان، على وجه التحديد، من واحد من اثنين عدنان أو قحطان، ولكن امتزجت الجماعتان بعد ذلك.
وحتى لو كان هذا الأصل المشترك مجرد خيال، كما يدعى بعض علماء الغرب (وربما كانوا مبالغين فى الشك الى درجة كبيرة) ، فان مجرد وجود هذا الاعتقاد يتضمن بعض الاقرار بالواحدة. ولقد أصبح لهذا المفهوم عند العرب بأنهم أمة واحدة، وما تبع ذلك من أنهم مميزون عن باقى الشعوب (وأعلى منهم) - أهمية كبرى فى الفترة المدنية من حياة محمد ﵊ ، حيث كان يتطلع الى درجة من الواحدة السياسية بين العرب لم يسبقه اليها أحد من القادة العظام فى الجاهلية.
تنطبق مبادىء التكافل القبلى التى ذكرناها بصفة عامة على مجتمع مكة، ولكن لم تكن الواحدة المؤثرة فى زمان محمد ﵊ هى قبيلة قريش ككل ولكن العشائر المستقلة، ولا يزال أمن الفرد وممتلكاته متوقفا على استعداد عشيرته للانتقام لمقتله أو سرقته، وقد يؤدى الامساك برجل بدون اذن زعيم عشيرته الى نزاع، وكان هذا هو الحال فى المدينة فى السنين الأولى القليلة لهجرة محمد ﵊ ، وكان هذا المبدأ أيضا هو الذى مكنه من الدعوة فى مكة
стр. 72
بالرغم من المعارضة طالما كان بنو هاشم على استعداد لحمايته، واذا أراد أحد من قبيلة أخرى أن يعيش فى مكة، وكان هناك الكثيرون فى هذا الوضع، فان عليه أن يكون حليفا لأحد كبار أهل مكة أو لاحدى العائلات الكبيرة، وبالنظر الى سيادة قريش، فان هذا الوضع يتضمن بعض الانتقاص من قدر الاخرين.
مع ذلك كله، لم يكن التكافل القبلى أبدا مطلقا، فأبناء القبيلة ليسوا أناسا اليين بل ادميين ينزعون الى الأنانية، أو ما يسميها لامانس «الفردية» ، لهذا فمن الطبيعى أن يضع أحدهم مصلحته الشخصية فوق مصلحة القبيلة، فكانت هناك دائما قلة من «المشاغبين» ، وهم الذين يثيرون المشاكل بغض النظر عما يكبده ذلك للقبيلة، فكان على القبيلة أن تتبرأ منهم، وكان أحدهم يطلق عليه الخليع*.
وبينما استمر التكافل القبلى فى التحكم فى تصرفات علية القوم، بدأ نوع من الفردية فى تفكيرهم فى الظهور كما تدل على ذلك أشعارهم، فحتى زمن معين، بقدر ما عندنا من العلم، كان الرجل يرضى باظهار مجد قبيلته ودوره فى ارساء هذا المجد، ولكن بدأ الاحساس بوجود الفرد مستقلا عن القبيلة فى النمو وتبع ذلك مشكلة انتهاء وجوده المستقل عند الموت، فما المصير النهائى للانسان؟ وهل الموت هو النهاية؟
عززت ظروف الحياة التجارية فى مكة الاتجاه الى الفردية والبعد عن التكافل القبلى، فبالرغم من أن النظام العام كان معتمدا على نظام العشيرة، الا أنه كان فى امكان عائلة واحدة، أو حتى فرد واحد مع أقربائه أن يكون واحدة قادرة على الاستمرار فى الوجود. ولهذا، كثيرا ما نرى رجالا يعارضون عشائرهم، فأبو لهب** مثلا اتخذ من محمد ﵊ موقفا خالف فيه باقى بنى هاشم. كما جاءت المعارضة لعثمان بن الحويرث من عشيرته، وكذلك أسلم أتباع محمد ﵊ الأوائل بالرغم من معارضة عشائرهم بل حتى ابائهم، ويبدو أن المشاركة التجارية كانت تعلو أحيانا على القرابات.
стр. 73
فى نفس الوقت كانت هناك ظاهرة جديدة هامة فى مكة، وهى ظهور الاحساس بالواحدة على أساس المصالح الماديه المشتركة، وكانت هذه الظاهرة، وليس انتماؤهم الى قريش، هى التى أدت الى ما حدث من صراع بين الأحلاف والمطيبين، وكانت هذه الظاهرة أيضا هى التى أدت الى تناسى المنافسات وانشاء «حكومة ائتلاف» بعد هزيمة بدر.
وأهمية ذلك فى أنها تدل على ضعف روابط قرابة الدم، وتدل على وجود فرصة لتأسيس واحدة أوسع نطاقا على أساس جديد.
واذا أردنا أن نبحث عن تغيير اقتصادى مرتبط ببداية الاسلام، فان علينا أن ننظر هنا (تعنى كلمة «ارتباط» هنا شيئا يختلف تماما عن العلاقة بين الدين والنظريات الخاصة بالعوامل الاقتصادية كما ينادى بها الماركسيون) . فبزيادة ثروة مكة وقوتها، انتقل اقتصادها من اقتصاد بدوى الى اقتصاد تجارى ورأسمالى. وفى زمان محمد ﷺ ، لم يكن قد حدث أى تغيير فى الاتجاهات الاجتماعية والأخلاقية والفكرية والدينية للمجتمع التى كانت لا تزال تناسب الجزء الأكبر من المجتمع البدوى، وكان التوتر الذى شعر به محمد ﵊ وبعض معاصريه لا شك فى النهاية نتيجة لهذا التناقض بين الاتجاهات الواعية للرجال والأسس الاقتصادية لحياتهم. وسنضطر الى الحديث عن هذا التوعك (الخلل) فى الأمة بتفصيل أكثر فيما بعد*.
стр. 74
(ب) المثل العليا الأخلاقية
يمكن أن نطلق على المثل الأعلى الأخلاقى لعرب الصحراء، طبقا لما قاله جولد تسيهر، اسم المروءة. وقد أحسن ر. أ. نيكلسون R.A.Nicholson وصفه عندما قال: «هى الشجاعة فى القتال، والصبر عند المصيبة، والاصرار عند الانتقام وحماية الضعيف وتحدى القوى» . هذه الفضائل هى فى الحقيقة الأمور المطلوبة لنجاح القبيلة فى صراعها من أجل البقاء فى الصحراء. ومفهوم الشجاعة عند العرب ليس هو نفس مفهومها عندنا*، فالعرب لا يؤمنون بالدخول فى مخاطرات لا داعى لها، فطالما أنه لم يستقر فانه يتحاشى مثل هذه الأخطار والشدائد بقدر امكانه، فحياة الصحراء قاسية بما يكفى وليست فى حاجة الى المزيد. وربما يفسر ذلك اعتبار الاصرار على الانتقام من الفضائل، ففى كثير من الحالات قد يكون من الأسهل ترك الكلاب النائمة فى حالها، ولكنها تكون علامة على الضعف وقد تؤدى الى اضمحلال نسبى فى القوة العددية للقبيلة. أما تحدى القوى فهو انعكاس للحقيقة التى تقول ان استمرار الوجود يتوقف على القوة العسكرية، ومع ذلك فان القوى مستعد دائما لحماية الضعيف اذا اعترف الضعيف بسيادة القوى، ويعتبر هذا الى حد ما حالة من حالات التعاون الانسانى ضد القوى الطبيعية وتساعد على زيادة قوة القبيلة القوية.
كان الكرم وحسن الضيافة من الصفات التى تثير الاعجاب الى درجة كبيرة فى حياة الصحراء، ولا زالتا من الفضائل المشهورة عند العرب، وكانت الكومة الكبيرة من الرماد أمام خيمة الزعيم علامة على درجة عالية من التميز.. لأن هذا يعنى أنه قد استضاف عددا كبيرا من الضيوف.
وقد يكون مثل هذا التقليد الى حد ما نتيجة لحاجة الانسان للمساعدة من زملائه فى مواجهة قسوة الطبيعة، ولكن ربما كان له معنى أكبر من ذلك.
فالكرم صفة تثير الاعجاب حتى لو بلغت حد التبذير، كما حدث مثلا عندما نحرت امرأة فقيرة بعيرها الذى لم تكن تملك غيره لاطعام عابر
стр. 75
سبيل، وربما يكون هناك وجه شبه بين هذا الاستخدام المتساهل والسخى بحق للأشياء النادرة الوجود، والاسراف فى شرب الخمر الذى يتفاخر به الشعراء. هل نرى فى هذين الأمرين مظهرا من مظاهر فضيله «عدم التفكير فى الغد» ؟ من المحتمل أنه فى الحياة فى الصحراء اذا فكر الانسان فى جميع احتمالات الكوارث المخيفة وحاول أن يقى نفسه منها جميعا، فانه يتحول الى حطام انسان فاقد لأعضائه وينتهى به الأمر اما الى فناء أو الى أن يترك الحياة فى الصحراء أو أن يتحول الى تابع لقبيلة أقوى. وفى الصحراء، هناك الكثير من الأمور لا يمكن التوصل اليها «بالتفكير» ، فالظروف غالبا ما تكون غير مؤكدة ولا يمكن التنبؤ بها وشاذة تماما، وعلى هذا فان توفير قدر من خلو البال من الهموم لهو الحكمة العالية، ولا شك فى أن هذا هو السبب فى الاعجاب الشديد بفضيلة الكرم.
كان الوفاء والاخلاص أيضا من الفضائل الهامة، فمن الناحية المثالية، كان على الرجل أن يكون مستعدا للاسراع الى مساعدة أحد أبناء قبيلته فور طلب المساعدة، وعليه أن يتصرف فى الحال بدون انتظار معرفة تفاصيل الحدث. وكذلك على الفرد أن يكون مع القبيلة حتى لو لم يكن موافقا على قرارات شيوخها، ومرة أخرى، بالرغم من أن الرجال لم يكونوا يترددون فى الاستيلاء على ممتلكات القبائل الاخرى، الا أنه كان هناك قدر كبير من الاخلاص فى حفظ الأمانة، ومن الأمثلة المشهورة فى ذلك السموءل بن عادياء الذى اثر أن يترك ابنه يقتله الجيش المحاصر على أن يفرط فى بعض الأسلحة التى تركها امرؤ القيس وديعة عنده، وقد يعتبر هذا الموقف امتدادا للولاء المتوقع بين أفراد القبيلة وأولئك الذين بينهم وبينها تكافل مصطنع نتيجة لاتفاقيات.
ونتيجة لاستقلال شيوخ القبائل، لم يكن فى الصحراء قانون أعلى يحكم الجميع، وفى الحقيقة كان من المستحيل المحافظة على القانون والنظام فى المساحات الشاسعة للبادية العربية والشامية الا حيثما يوجد حاكم قوى وحكيم بدرجة غير عادية، أو حيثما يكون للحاكم تفوق ساحق فى القوات والعتاد (مثل الطائرات والسيارات المصفحة فى مواجهة