← Сира

Сира · id 23669

محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة

ويليام مونتغمري وات

Полный текст (335 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المصطنع» نتيجة للأحلاف أو الجوار (الشكل الاصطلاحى لمنح الحماية) ولأسباب كثيرة، كان الحليف أو الجار يعامل كأحد أفراد القبيلة أو العشيرة، ويكون الحلف أو التحالف عادة بين أنداد، ولكن هذا لا يمنع جماعة ضعيفة من أن تكون حليفة لقبيلة قوية للحفاظ على وجودها. بينما كانت القبيلة أو تحالف القبائل يمثل أعلى درجات الواحدة السياسية، كان العرب يدركون أيضا أنهم يمثلون واحدة بصورة أو أخرى، وكانت هذه الواحدة على أساس من واحدة اللغة (وان كان هناك بعض الاختلاف بين اللهجات) ، والتراث الشعرى المشترك، والعادات والأعراف والأفكار المشتركة وكذلك الأصل المشترك. وكانت اللغة هى الأساسى الأصلى للتمييز بين العرب و «الأجانب» (العجم) ، وكذلك كان الحال بين الاغريق و «البرابرة» . وكانت الصحراء العربية والشامية هى الأساس الجغرافى للواحدة، وغالبا ما كانت كلمة العرب تعنى «البدو» . أما الأصل المشترك فكان، على وجه التحديد، من واحد من اثنين عدنان أو قحطان، ولكن امتزجت الجماعتان بعد ذلك. وحتى لو كان هذا الأصل المشترك مجرد خيال، كما يدعى بعض علماء الغرب (وربما كانوا مبالغين فى الشك الى درجة كبيرة) ، فان مجرد وجود هذا الاعتقاد يتضمن بعض الاقرار بالواحدة. ولقد أصبح لهذا المفهوم عند العرب بأنهم أمة واحدة، وما تبع ذلك من أنهم مميزون عن باقى الشعوب (وأعلى منهم) - أهمية كبرى فى الفترة المدنية من حياة محمد ﵊ ، حيث كان يتطلع الى درجة من الواحدة السياسية بين العرب لم يسبقه اليها أحد من القادة العظام فى الجاهلية. تنطبق مبادىء التكافل القبلى التى ذكرناها بصفة عامة على مجتمع مكة، ولكن لم تكن الواحدة المؤثرة فى زمان محمد ﵊ هى قبيلة قريش ككل ولكن العشائر المستقلة، ولا يزال أمن الفرد وممتلكاته متوقفا على استعداد عشيرته للانتقام لمقتله أو سرقته، وقد يؤدى الامساك برجل بدون اذن زعيم عشيرته الى نزاع، وكان هذا هو الحال فى المدينة فى السنين الأولى القليلة لهجرة محمد ﵊ ، وكان هذا المبدأ أيضا هو الذى مكنه من الدعوة فى مكة

стр. 72

بالرغم من المعارضة طالما كان بنو هاشم على استعداد لحمايته، واذا أراد أحد من قبيلة أخرى أن يعيش فى مكة، وكان هناك الكثيرون فى هذا الوضع، فان عليه أن يكون حليفا لأحد كبار أهل مكة أو لاحدى العائلات الكبيرة، وبالنظر الى سيادة قريش، فان هذا الوضع يتضمن بعض الانتقاص من قدر الاخرين. مع ذلك كله، لم يكن التكافل القبلى أبدا مطلقا، فأبناء القبيلة ليسوا أناسا اليين بل ادميين ينزعون الى الأنانية، أو ما يسميها لامانس «الفردية» ، لهذا فمن الطبيعى أن يضع أحدهم مصلحته الشخصية فوق مصلحة القبيلة، فكانت هناك دائما قلة من «المشاغبين» ، وهم الذين يثيرون المشاكل بغض النظر عما يكبده ذلك للقبيلة، فكان على القبيلة أن تتبرأ منهم، وكان أحدهم يطلق عليه الخليع*. وبينما استمر التكافل القبلى فى التحكم فى تصرفات علية القوم، بدأ نوع من الفردية فى تفكيرهم فى الظهور كما تدل على ذلك أشعارهم، فحتى زمن معين، بقدر ما عندنا من العلم، كان الرجل يرضى باظهار مجد قبيلته ودوره فى ارساء هذا المجد، ولكن بدأ الاحساس بوجود الفرد مستقلا عن القبيلة فى النمو وتبع ذلك مشكلة انتهاء وجوده المستقل عند الموت، فما المصير النهائى للانسان؟ وهل الموت هو النهاية؟ عززت ظروف الحياة التجارية فى مكة الاتجاه الى الفردية والبعد عن التكافل القبلى، فبالرغم من أن النظام العام كان معتمدا على نظام العشيرة، الا أنه كان فى امكان عائلة واحدة، أو حتى فرد واحد مع أقربائه أن يكون واحدة قادرة على الاستمرار فى الوجود. ولهذا، كثيرا ما نرى رجالا يعارضون عشائرهم، فأبو لهب** مثلا اتخذ من محمد ﵊ موقفا خالف فيه باقى بنى هاشم. كما جاءت المعارضة لعثمان بن الحويرث من عشيرته، وكذلك أسلم أتباع محمد ﵊ الأوائل بالرغم من معارضة عشائرهم بل حتى ابائهم، ويبدو أن المشاركة التجارية كانت تعلو أحيانا على القرابات.

стр. 73

فى نفس الوقت كانت هناك ظاهرة جديدة هامة فى مكة، وهى ظهور الاحساس بالواحدة على أساس المصالح الماديه المشتركة، وكانت هذه الظاهرة، وليس انتماؤهم الى قريش، هى التى أدت الى ما حدث من صراع بين الأحلاف والمطيبين، وكانت هذه الظاهرة أيضا هى التى أدت الى تناسى المنافسات وانشاء «حكومة ائتلاف» بعد هزيمة بدر. وأهمية ذلك فى أنها تدل على ضعف روابط قرابة الدم، وتدل على وجود فرصة لتأسيس واحدة أوسع نطاقا على أساس جديد. واذا أردنا أن نبحث عن تغيير اقتصادى مرتبط ببداية الاسلام، فان علينا أن ننظر هنا (تعنى كلمة «ارتباط» هنا شيئا يختلف تماما عن العلاقة بين الدين والنظريات الخاصة بالعوامل الاقتصادية كما ينادى بها الماركسيون) . فبزيادة ثروة مكة وقوتها، انتقل اقتصادها من اقتصاد بدوى الى اقتصاد تجارى ورأسمالى. وفى زمان محمد ﷺ ، لم يكن قد حدث أى تغيير فى الاتجاهات الاجتماعية والأخلاقية والفكرية والدينية للمجتمع التى كانت لا تزال تناسب الجزء الأكبر من المجتمع البدوى، وكان التوتر الذى شعر به محمد ﵊ وبعض معاصريه لا شك فى النهاية نتيجة لهذا التناقض بين الاتجاهات الواعية للرجال والأسس الاقتصادية لحياتهم. وسنضطر الى الحديث عن هذا التوعك (الخلل) فى الأمة بتفصيل أكثر فيما بعد*.

стр. 74

(ب) المثل العليا الأخلاقية يمكن أن نطلق على المثل الأعلى الأخلاقى لعرب الصحراء، طبقا لما قاله جولد تسيهر، اسم المروءة. وقد أحسن ر. أ. نيكلسون R.A.Nicholson وصفه عندما قال: «هى الشجاعة فى القتال، والصبر عند المصيبة، والاصرار عند الانتقام وحماية الضعيف وتحدى القوى» . هذه الفضائل هى فى الحقيقة الأمور المطلوبة لنجاح القبيلة فى صراعها من أجل البقاء فى الصحراء. ومفهوم الشجاعة عند العرب ليس هو نفس مفهومها عندنا*، فالعرب لا يؤمنون بالدخول فى مخاطرات لا داعى لها، فطالما أنه لم يستقر فانه يتحاشى مثل هذه الأخطار والشدائد بقدر امكانه، فحياة الصحراء قاسية بما يكفى وليست فى حاجة الى المزيد. وربما يفسر ذلك اعتبار الاصرار على الانتقام من الفضائل، ففى كثير من الحالات قد يكون من الأسهل ترك الكلاب النائمة فى حالها، ولكنها تكون علامة على الضعف وقد تؤدى الى اضمحلال نسبى فى القوة العددية للقبيلة. أما تحدى القوى فهو انعكاس للحقيقة التى تقول ان استمرار الوجود يتوقف على القوة العسكرية، ومع ذلك فان القوى مستعد دائما لحماية الضعيف اذا اعترف الضعيف بسيادة القوى، ويعتبر هذا الى حد ما حالة من حالات التعاون الانسانى ضد القوى الطبيعية وتساعد على زيادة قوة القبيلة القوية. كان الكرم وحسن الضيافة من الصفات التى تثير الاعجاب الى درجة كبيرة فى حياة الصحراء، ولا زالتا من الفضائل المشهورة عند العرب، وكانت الكومة الكبيرة من الرماد أمام خيمة الزعيم علامة على درجة عالية من التميز.. لأن هذا يعنى أنه قد استضاف عددا كبيرا من الضيوف. وقد يكون مثل هذا التقليد الى حد ما نتيجة لحاجة الانسان للمساعدة من زملائه فى مواجهة قسوة الطبيعة، ولكن ربما كان له معنى أكبر من ذلك. فالكرم صفة تثير الاعجاب حتى لو بلغت حد التبذير، كما حدث مثلا عندما نحرت امرأة فقيرة بعيرها الذى لم تكن تملك غيره لاطعام عابر

стр. 75

سبيل، وربما يكون هناك وجه شبه بين هذا الاستخدام المتساهل والسخى بحق للأشياء النادرة الوجود، والاسراف فى شرب الخمر الذى يتفاخر به الشعراء. هل نرى فى هذين الأمرين مظهرا من مظاهر فضيله «عدم التفكير فى الغد» ؟ من المحتمل أنه فى الحياة فى الصحراء اذا فكر الانسان فى جميع احتمالات الكوارث المخيفة وحاول أن يقى نفسه منها جميعا، فانه يتحول الى حطام انسان فاقد لأعضائه وينتهى به الأمر اما الى فناء أو الى أن يترك الحياة فى الصحراء أو أن يتحول الى تابع لقبيلة أقوى. وفى الصحراء، هناك الكثير من الأمور لا يمكن التوصل اليها «بالتفكير» ، فالظروف غالبا ما تكون غير مؤكدة ولا يمكن التنبؤ بها وشاذة تماما، وعلى هذا فان توفير قدر من خلو البال من الهموم لهو الحكمة العالية، ولا شك فى أن هذا هو السبب فى الاعجاب الشديد بفضيلة الكرم. كان الوفاء والاخلاص أيضا من الفضائل الهامة، فمن الناحية المثالية، كان على الرجل أن يكون مستعدا للاسراع الى مساعدة أحد أبناء قبيلته فور طلب المساعدة، وعليه أن يتصرف فى الحال بدون انتظار معرفة تفاصيل الحدث. وكذلك على الفرد أن يكون مع القبيلة حتى لو لم يكن موافقا على قرارات شيوخها، ومرة أخرى، بالرغم من أن الرجال لم يكونوا يترددون فى الاستيلاء على ممتلكات القبائل الاخرى، الا أنه كان هناك قدر كبير من الاخلاص فى حفظ الأمانة، ومن الأمثلة المشهورة فى ذلك السموءل بن عادياء الذى اثر أن يترك ابنه يقتله الجيش المحاصر على أن يفرط فى بعض الأسلحة التى تركها امرؤ القيس وديعة عنده، وقد يعتبر هذا الموقف امتدادا للولاء المتوقع بين أفراد القبيلة وأولئك الذين بينهم وبينها تكافل مصطنع نتيجة لاتفاقيات. ونتيجة لاستقلال شيوخ القبائل، لم يكن فى الصحراء قانون أعلى يحكم الجميع، وفى الحقيقة كان من المستحيل المحافظة على القانون والنظام فى المساحات الشاسعة للبادية العربية والشامية الا حيثما يوجد حاكم قوى وحكيم بدرجة غير عادية، أو حيثما يكون للحاكم تفوق ساحق فى القوات والعتاد (مثل الطائرات والسيارات المصفحة فى مواجهة

стр. 76

البندقية والجمل) ، وسواء قبل الاسلام أو بعده، لم يكن عند العرب أية فكرة مجردة عن القانون، حتى التأثيرات الاغريقية لم تنجح فى ادخاله فى العلوم الاسلامية، وبدلا من قانون أعلى للكون، فان المسلمين يعتقدون فى ارادة الله كحاكم للكون معبرا عنها بما يوحى من أوامر. تستمد مكانة القانون والفكرة المجردة للصواب والخطأ الى حد ما من مفهوم الشرف، شرف القبيلة أولا ثم شرف الفرد، فكرم الضيافة وحفظ الأمانة كانا دليلين على وضع اجتماعى جدير بالاحترام، بينما كان كل من البخل والجبن شيئا مشينا، وكان القيم والمسجل للشرف هو الرأى العام، ولهذا الرأى العام الذى كان يتكون من الشعراء وينعكس فيما يقولون قوة معينة، وكان المسئولون يتضاءلون أمام الأعمال التى قد تجلب لهم الخزى أو لقبيلتهم، وتحتوى الأشعار القديمة على قدر كبير من المدائح لفضائل قبيلة وحسناتها، وهجاء لرذائل قبائل أخرى وأخطائها. ولقد لعبت المروءة كمثل أعلى دورا هاما فى حياة العرب، فقد كانوا يحترمون الذين استطاعوا تحقيقه الى درجة ما، والعائلات التى كان هذا الخلق من عادتها، وكانت السلطة تتوقف الى حد كبير على مدى الاحترام الذى يحظى به الرجل، وكان هذا بدوره يتوقف على صفاته الشخصية، أو بمعنى اخر درجة مروءته، ولم يكن مبدأ خلافة الابن الأكبر لوالده موجودا عند العرب لأسباب واضحة، فلو كان الابن الأكبر للزعيم لا يملك الخبرة الكافية عند وفاة والده (وكثيرا ما كان يحدث ذلك) ، فان القبيلة لا تجازف بتعريض وجودها للخطر بتوليته الزعامة، فالزعيم يجب أن يكون حكيما وذا حكم سليم على الأمور، وهذه هى الصفات التى كان يتحلى بها عادة أكثر الرجال احتراما فى العائلة القائدة. فى هذا الجانب من الامتياز الأخلاقى، وفى قدرتهم على قبول ما يمليه عليهم، توصل العرب الى مزيح من الأرستقراطية والمساواة، أو قاعدة الأفضل مع الاعتراف بأن أفراد القبيلة متساوون.

стр. 77

وكما يقول أ. ج. توينبى A.J.Toynbee فى دراسته الممتعة عن البداوة: هى دورة العنف، فالبداوة تلاحق الحياة الزراعية، لأن تربية الضأن والجمال.. الخ لا يمكن تعلمها الا هناك. والان، عندما جعلت دورة الجفاف المتكررة- فى بدايتها التالية- الحياة أكثر صعوبة فى الواحات، ومن باب أولى فى البادية، عاد اباء الحضارة البدوية الى السهوب بجسارة لينتزعوا منها ليس مجرد زاد اضافى، وانما أسباب العيش كلها، وذلك فى ظروف مناخية تجعل كلا من الصياد والزارع يريان فى السهوب الحياة مستحيلة. فى كل ما ذكرناه هناك عملية انتقاء، ففى البداية كان هناك عدد من الأفراد جربوا اسلوب حياة البادية، ويمكننا أن نفترض أنهم كانوا مميزين بصفات مثل حب المغامرة والحرية، ثم أدى الصراع الضارى من أجل البقاء الى عملية انتقاء ليس على أساس الصفات البدنية فحسب بل أيضا على أساس الصفات الأخلاقية، اذ يتطلب النجاح فى حياة الصحراء درجة عالية من التكافل وهذا مرتبط بدوره بدرجة عالية من احترام الشخصية وتقدير القيامة الانسانية. ففى أتون الصحراء، يحترق خبث الاتجاهات والأفعال الدنيا تاركا ذهب الاخلاق العالية ودستور العلاقات الانسانية الراقية وتقاليدها والمستوى العالى من التفوق الانسانى خالصا نقيا. وان من مباحث هذا الكتاب بيان أن عظمة الاسلام تعود الى درجة كبيرة الى انصهار هذا العنصر* مع بعض مفاهيم التوحيد فى اليهودية والمسيحية. ٤- الخلفية الدينية والفكرية (أ) تدهور الديانة القديمة أفضل دراسة بالانجليزية عن الديانة القديمة فى شبه الجزيرة العربية نجدها فى المقالة التى كتبها نولدكه Noldeke بعنوان

стр. 78

«العرب (القدماء) » فى دائرة معارف الدين والأخلاق، The Encyclopaedia of Religion and Ethics أما الدراسة المقننة فتتمثل فى كتاب ج. فلهوزن J.Wellhausen وعنوانه Reste Arabischen Heidentums والمبنى أساسا على كتاب الأصنام لابن الكلبى وأضاف لامانس H.Lammens بعض الاضافات والتنقيحات فى مقاله Lex Culte des Petyles et les procession riligieuses chez les Arabes Preislamites (Arabie, ١٠١- ٧٩) . أما نظريات ديتلف نيلسن Dietlef Nielsen المنحرفة فهى- عادة- مرفوضة. وتسجل هذه الدراسات ما هو معروف عن عدد كبير من الالهة والربات والطقوس المتبعة فى عبادتهم. ونظرا لأن هذه المعلومات متفرقة، وبصرف النظر عن أنها مخطوطات، فانها تأتى من مصادر اسلامية، مما يجعل فيها مجالا واسعا للتخمين. ولن نتناول هذه الموضوعات هنا بأية درجة من التفصيل، حيث انه من المجمع عليه أن الديانة الوثنية القديمة لم تكن مؤثرة نسبيا فى زمان محمد ﵊ . كانت هذه الديانة نتيجة تطور استغرق وقتا طويلا. ومن الأشياء المشهورة التى عبدت من البداية الأحجار والأشجار. وفى بعض الأحيان لم تكن هذه الأشياء تعتبر الهة، بل كانت ينظر اليها على أنها مساكن الالهة أو منازلهم، ثم بعد ذلك نسبوا لها خصائص معنوية، ربما كان ذلك بتأثير أجنبى، وكان هناك اعتقاد بأن لهم صلة بأجسام سماوية*. ويبدو أن اعتقاد البدو فى هذه الالهة لم يكن على درجة كبيرة من الجدية، ربما لأنها كانت فى الأصل الهة لمجتمعات زراعية، ولكن مع المعارضة التى واجهها محمد ﵊ فى مكة، يمكننا أن نتصور أن بعض الجماعات الصغيرة فيها- ربما أولئك المهتمون بطقوس دينية معينة- كانوا على درجة أعلى من التدين، ومن ناحية أخرى استمرت بعض الممارسات مثل الحج الى الأماكن المقدسة فى مكة وحولها. مما أدام احترام الحرم أو المنطقة المقدسة التى فيها مكة، ولكن الانتهاكات التى

стр. 79

حدثت أثناء حرب الفجار ربما كانت علامات على ضعف العقيدة «١» . وفى الأزمة التى مرت بأهل مكة فى غزوة أحد أخذ أبو سفيان الالهتين اللات والعزى معه الى المعركة ضد المسلمين، وهذا يذكرنا ببنى اسرائيل عندما كانوا يأخذون التابوت معهم فى معاركهم، ويوحى بأن بقايا المعتقدات الوثنية فى شبه الجزيرة العربية قد انحطت الى مستوى السحر. وبهذا المعنى يبدو أن الكثير من الطقوس القديمة قد بقيت، ولكن يمكن اعتبارها مجرد خرافة وليست دينا. (ب) «الانسانية القبلية» فى مقابل الدين القديم هناك ما يمكن أن نسميه «الانسانية القبلية» ، وقد كانت هذه الانسانية القبلية هى الدين المؤثر عند العرب فى زمان محمد ﵊ ، بالرغم من أنها كانت أيضا فى تدهور. وهذا هو الدين الذى نجده فى أشعار الجاهلية. فبالنسبة للشعراء، كان ما يجعل للحياة معنى هو الانتماء الى قبيلة تستطيع أن تتفاخر بالأعمال الفذة التى تتطلب الشجاعة والكرم والمشاركة فيها بنفسه، فمن وجهة النظر هذه، فان تحقيق التفوق الانسانى بالعمل هو هدف فى حد ذاته، وفى الوقت نفسه غالبا ما كان يساهم فى بقاء القبيلة، وهو الهدف الاخر العظيم من أهداف الحياة. هذه هى «الانسانية القبلية» بمعنى أن أهميتها تأتى أساسا من القيم الانسانية أو من القوة أو من سلوك الرجال. ولكنها تختلف عن معظم الفلسفات الانسانية الحديثة، فى أنها تعتبر القبيلة وليس الفرد محل هذه القيم. وسنرى (فى الفصل الثالث) أنه بينما لم يهاجم القران فى آياته الأولى الوثنية القديمة، فقد قاوم هذه الفلسفة الانسانية فى مظهرها الدينى، ومن ذلك يجب تمييز المفهوم الأخلاقى للانسانية، أو المثل الأعلى الأخلاقى الذى احترمه القران بصفة عامة.

стр. 80

بينما كان الايمان بالشرف وامتياز القبيلة هو محور الحياة البدوية، فقد كانت هناك خلفية فكرية لهذا الاعتقاد تستحق الملاحظة. فايمان العرب بالقضاء والقدر مشهور، ولكن يبدو أنه ايمان محدود، فانهم لا يعتقدون أن جميع أعمال الانسان مقدورة عليه وانما فقط بعض أمور حياته. ولقد ذكرت فى موضع اخر أننا نجد فى بعض الأحاديث المعترف بها أفكارا جاهلية فى ثوب اسلامى، وبصفة خاصة الأمور التى كانت تنسب الى الدهر أو القدر أصبحت تنسب الى الله بشكل مباشر أو غير مباشر. فاذا كان الأمر كذلك، فان الأمور الأربعة التى تنحصر داخلها الحياة الانسانية فى حدود ضيقة بالقضاء والقدر هى: الرزق والأجل وجنس الطفل وسعادته أو شقاؤه، ولم يكن ذلك دينا، فان القدر لم يكن معبودا، بل كان نوعا من العلم لأنه كان أساسا اقرارا بحقائق، ففى ظروف المعيشة فى الصحراء، تكون الأمور التى ذكرناها وراء قدرة عقل الانسان وحكمته، فالرزق غير مستقر الى درجة كبيرة، فربما تمتعت قبيلة بمطر غزير ومرعى خصيب، بينما تحرم قبيلة مجاورة من كليهما، والأمل فى الحياة قليل، اذ غالبا ما يأتى الموت فجأة وعلى غير توقع نتيجة صدام يحدث بالصدفة، وحتى فى أيامنا، فاننا لا نستطيع بكل ما أوتينا من علم أن نتنبأ بجنس الجنين فضلا عن أن نتحكم فيه. «وكذلك فان التقلبات الحادة فى الثروة أمر معتاد فى الصحراء، حتى ان خبرة العمل عند البدوى ليس فيها شىء غير متوقع» *. وهكذا كان تحقيق المثل الأعلى للمروءة، بالصورة التى كان عليها، فى اطار ثابت، فمن المحتمل أن جريان دم نبيل فى عروق أحدهم كان

стр. 81

يعتبر أمرا يسهل القيام بأعمال نبيلة، بالرغم من أن الصفات الخلقية للفرد لم تتوقف أبدا على نبل النسب واحده. ونتيجة للتكافل القبلى عند العرب لم تشغلهم مشكلة الحرية الفردية الا قليلا. ولكن من المحتمل أن يكون نمو الفردية قد أدى، فى زمان شباب محمد ﵊ ، الى اضمحلال هذه «الانسانية القبلية» كقوة دينية حيوية. فحتى ذلك الحين لم يهتم الرجال كبير اهتمام بقدر الفرد طالما أن القبيلة باقية، أما الان فقد بدموا يتسائلون عن المصير النهائى للانسان، ولم يكن هناك طريق للانتقال من الانسانية القبلية الى الانسانية الفردية، لأنه فى غياب الايمان بخلود الانسان لم يكن هناك شىء دائم بالنسبة للفرد، أما فى حالة الانسانية القبلية، فقد كان فى امكان الرجال أن يروا أن القبيلة باقية، وكذلك وقبل كل شىء، الدم الذى ربما كانوا يعتبرونه مصدر الصفات النبيلة للقبيلة. وفى مجال العقيدة، يبدو أن المشكلة الرئيسية فى زمان محمد ﷺ كانت انهيار «الانسانية القبلية» ، فى مواجهة التنظيم الجديد للمجتمع الذى تتزايد فيه الفردية. (ج) ظهور الاتجاه نحو التوحيد نوقشت العلاقة بين تعاليم الاسلام و «المصادر» اليهودية المسيحية الى درجة مثيرة للغثيان، ولن نتناول هذا الموضوع هنا بأية درجة من التفصيل، ولكن يستحسن أن نقول شيئا عن الزاوية التى يجب أن يناقش منها، نظرا لأن اتجاه علماء الغرب كان غالبا غير صحيح لأنه يتضمن- أو يبدو أنه يتضمن- انكارا للمذاهب الدينية الاسلامية. وحتى من وجهة نظر أفضل علماء الغرب، فان الدراسات الغربية للقران كانت غالبا غير صحيحة، فقد ركزت على الجانب الأدبى، ونسى أصحابها أن الجانب الأدبى ليس الا جانبا واحدا من جوانب الصورة، وأن الأعمال الأدبية فيها أيضا العمل الخلاق للشاعر أو الكاتب المسرحى أو القصصى، ولم يثبت وجود الجانب الأدبى أبدا غياب الأصالة الخلاقة. ويشبه الدين الأدب كما يختلف عنه أيضا، ففى مقدورك أن تبين أن عاموس Amos أو حزقيال Ezekiel قد أخذا كثيرا من المفاهيم

стр. 82

ممن سبقوهما، ولكنك اذا درستهما من هذه الناحية فقط فانك ستفقد الاحساس بأصالتهما وتفردية الوحى الالهى الذى جاء عن طريقهما. ينظر المسلمون الى القران على أنه وحى الهى، أو كلام الله، ومن ناحية أخرى فان القران يتحدث بصراحة عن معتقدات الوثنيين العرب كما يتحدث عن بعض الأفكار التى مرت بخاطر محمد ﵊ والمسلمين، كما أن هناك ايات يمكن منها استنتاج مستقبل محمد ﵊ ومعاصريه بدرجة عالية من اليقين، وهذه الحقائق توحى بطريقة معالجة مسألة التأثيرات اليهودية المسيحية التى ترضى علماء الغرب بينما لا يكاد يقبلها المسلمون، والمفروض أن تكون المرحلة الأولى هى السؤال: ماذا ذكر القران أو تضمن عن معتقدات العرب فى زمان محمد ﵊ ، سواء منها التقدمية المثقفة أو المتحفظة؟ ثم بعد ذلك يمكننا أن نسأل الى أى مدى نستطيع أن نتتبع اثار التأثير اليهودى المسيحيي. تعطى الايات الأولى للقران «١» انطباعا بأنها موجهة لقوم يؤمنون بالله، وان كان هذا الايمان يشوبه الكثير من الابهام والارتباك. وقد فسر القران كلمات غريبة اذا ذكرت واحدها لم يفهمها السامع مثل سقر والقارعة والحطمة وأمثالها ولكنه لم يفسر كلمات مثل رب أو اله، ويدل التعبير «رب هذا البيت» (أى الكعبة) فى سورة قريش على أن المثقفين من أهل مكة كانوا يعتبرون أنفسهم عبادا لله. وكلمة الله اختصار للتعبير «الاله» * كما يعنى تعبير هوثيوس hotheos فى الاغريقية، ولكنه يفهم على أن المقصود به هو الاله الأعلى. ومن المحتمل أن الوثنيين فى مكة قبل زمان محمد ﵊ كانوا يستعملون أسم الله للدلالة على الاله الرئيسى للكعبة، كما كان الاله المعبود فى الطائف يسمى

стр. 83

اللات، أى الالهة. فاذا كانت كلمة الله قد استخدمها اليهود والمسيحيون بنفس المعنى؛ فان فرصة اختلاط الأمور تكون كبيرة، ويكون الاحتمال الأرجح هنا أنه بينما امن بعض أهل مكة بالله، فانهم لم يروا أن معتقداتهم القديمة فى تعدد الالهة تتعارض مع اعتقادهم فى الله حتى يرتضوها. هذه الأحاسيس الداخلية بالتوحيد بين العرب لابد أنها نتيجة للتأثيرات المسيحية واليهودية بصفة أساسية «١» ، *، فقد كان أمام العرب فرص كثيرة للاتصال بالمسيحيين واليهود، فالامبراطورية البيزنطية، التى كان العرب معجبين الى درجة كبيرة بقوتها وحضارتها

стр. 84

العالية، كانت مسيحية، وكذلك كانت الحبشة، وحتى فى الامبراطورية الفارسية كانت المسيحية قوية، والحيرة التى كانت ولاية تابعة للفرس، وكان العرب على صلة وثيقة بها كانت قاعدة أمامية للكنيسة الشامية الشرقية أو النسطورية. ولا شك أن هذا المزيج من التوحيد والقوة العسكرية والسياسية والمستوى العالى للحضارة المادية قد أثر فى العرب تأثيرا كبيرا. وبالفعل، فقد تحولت القبائل البدوية والمجتمعات المستقرة القريبة من هذه الدول الى المسيحية تدريجيا، وحتى بعض التجار من أهل مكة الذين كانوا يرتحلون الى مدن الأسواق على الحدود للتجارة لم يكونوا بعيدين عن التأثر بما كانوا يرونه، وكذلك كان هناك مسيحيون فى مكة، تجارا وعبيدا، ولكن ربما لم يكن تأثير هؤلاء الأفراد بالدرجة الكافية من الأهمية. لم تكن فرص الاتصال باليهود كبيرة كما كانت بالنسبة للمسيحيين، ولكن ربما كانت بعض هذه الصلات حميمة، وبخاصة فى المدينة حيث عاش اليهود والعرب الوثنيون جنبا الى جنب، كما كان هناك أيضا عدد من القبائل اليهودية تعيش فى واحات فى شبه الجزيرة العربية وفى المناطق الخصبة من جنوبها، اما لاجئين من بنى اسرائيل أو قبائل عربية اعتنقت اليهودية، ولكن من الواضح أنه لم يكن هناك يهود فى مكة. اذا تحدثنا عن التفاصيل، نجد أن الجماعات اليهودية والمسيحية التى أثرت على العرب كان لها بلا شك الكثير من الأفكار الغريبة، ولا نعنى بذلك هرطقة الشاميين الشرقيين (النسطوريين) أو أصحاب مبدأ الطبيعة الواحدة للمسيح Monophysites الذى كان عليه باقى أهل الشام والحبشة، فقد كانت تعبيرات علماء اللاهوت التابعين لهاتين الكنيستين معتدلة بالمقارنة بكثير من الأفكار الشاذة المستقاة من بشارات الأسفار المشكوك فى صحتها وما أشبه، والتى يبدو أنها كانت منتشرة فى شبه الجزيرة العربية. ولا شك فى أن ايات القران التى تومىء الى أن الثالوث يتكون من الأب والابن ومريم العذراء انما هى نقد لبعض العرب

стр. 85

المسيحيين اسما والذين كانوا يعتقدون ذلك*. أما فى الجانب اليهودى، فان كثيرا من التفاصيل لم تأت أيضا من الكتب المقدسة بل من مصادر ثانوية مختلفة. لا نستطيع أن نستبعد تماما احتمال التأثر بالجماعات المواحدة غير اليهود والمسيحيين ولكنه كان فى أحسن الأحوال ضئيلا، فربما كانت هناك مجتمعات صغيرة تؤمن بتوحيد مؤسس على فلسفة اغريقية مثل الصابئة، وقد يكون ذلك بعض التفسيرات المحتملة لبعض استخدامات كلمة «حنيف» «١» ، **. وهنا يمكننى أن أقول ببساطة انه ليست هناك أية أدلة صحيحة عن أية حركة متفق عليها نحو التوحيد، واذا كانت هناك مثل هذه الحركة فمن المؤكد أنها كانت لدوافع سياسية مثل اعتناق عثمان بن الحويرث للمسيحية ليكون الحاكم الوحيد لمكة بمساعدة البيزنطيين، ومع ذلك فهناك قدر من الحقيقة فى الرواية التاريخية عن «الحنفاء» كباحثين عن دين جديد، ففى الوضع الدينى لشبه جزيرة العرب، وبصفة خاصة فى مكة، الذى كان فى نهاية القرن السادس، لا شك أنه كان هناك كثير من الرجال ذوى العقول الراجحة كانوا يشعرون بفراغ ويتوقون الى العثور على شىء يرضى احتياجاتهم. وأخيرا، يجب ملاحظة أنه قد حدثت بعض التعديلات فى الأفكار اليهودية- المسيحية حتى يمكن استيعابها فى المنظور العربى، وقد رأينا

стр. 86

كيف انتقلت الأفكار القديمة المتعلقة بالدهر الى التعلق بالله، وقد تغلغلت فكرة الاله فى نفوس العرب، الى درجة أن الوثنيين كانوا يقولون ان خرافتهم كانت أوامر من الله: «وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها» (الأعراف ٢٨) ، وربما كان التفسير الدينى لانسحاب أبرهة من مكة موجودا من قبل القران (حتى لو كان القران قد ذكر الحادثة) كما أن العلم بأن هودا وصالحا* كانا نبيين فى عاد وثمود ربما كان مثالا سابقا للقران لتطبيق المفهوم اليهودى- المسيحيي للنبوة. واذا كان مسيلمة بنى حنيفة قد ادعى النبوة قبل محمد ﵊ كما يقول البعض، فان هذا يبين كيف كان لمفهوم النبوة جذوره**. وقد انعكس الاستيعاب فى المنظور العربى فى قبول

стр. 87

المفاهيم اليهودية- المسيحية أو رفضها، بالرغم من أنه من الصعب عادة أن نبين أن العرب كانوا على علم بفكرة لم يرد لها ذكر، وأنهم لهذا قد رفضوها. لا يكاد يكون ضروريا، لدراسة حياة محمد ﵊ ، تحديد الأهمية النسبية للتأثيرات اليهودية والمسيحية، خاصة وأن كثيرا من التفاصيل موضع خلاف، ولكن الضرورة الرئيسية هى أن ندرك أن مثل هذه الأشياء كانت منتشرة قبل مجىء القران الى محمد ﵊ ، وأنها كانت جزا من اعداده واعداد بيئته لرسالته.

стр. 88

الفصل الثانى بواكير حياة محمد ﷺ ودعوة النبوة ١- نسب محمد ﷺ هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن قصى بن كلاب ... الخ. وكان قصى- كما رأينا- هو حاكم مكة القوى فى زمانه وورثت عنه سلالته كثيرا من سلطته، الا أن السلطة تقسمت بينهم- شيئا فشيئا- كلما تزايد عددهم. والسؤال الأساسى المتعلق بحياة محمد ﷺ هو ما اذا كان اباؤه وأجداده على هذا القدر من الأهمية فى سياسة مكة كما تشير المصادر، أم أن هذه الأهمية مبالغ فيها (كما يميل لذلك بعض الكتاب الغربيين) . فالعباسيون- مؤسسو الدولة العباسية- ادعوا الانتساب الى هاشم، بينما الأمويون- مؤسسو الدولة الأموية- يدعون الانتساب الى أخيه عبد شمس. وقد تناول المؤرخون الذين عاشوا زمن الدولة العباسية تاريخ الأمويين بطريقة خالية من التعاطف، فليس مستغربا ان هم أسبغوا على هاشم وأبنائه وأحفاده أهمية كبيرة ووضعوهم موضع الصدارة بطريقة قد لا تمثل حقيقة ما لهم من أهمية وصدارة. وعلى أية حال، فان التدقيق فى المصادر يشير الى أن هذه المبالغة المشار اليها لم تكن حقيقة يمكن ادراكها. وعلى أية حال، فالروايات المتعلقة بذلك قد تم عرضها- بلا شك- بروح التعاطف مع هاشم وبنيه وأحفاده، لكن لا أساس للافتراض بوجود قدر كبير من الأكاذيب أو التزييفات الخطيرة.

стр. 89

ويظهر أن أبناء عبد مناف الأربعة الأساسيين قد فعلوا الكثير لتطوير تجارة مكة. فعبد شمس ذهب الى اليمن، ونوفل ذهب الى بلاد فارس، والمطلب ذهب الى الحبشة، وهاشم ذهب الى الشام. وربما كان هذا أساسا جيدا لثرائهم، رغم أن اخرين بطبيعة الحال كان لهم أيضا أدوارهم فى هذه التجارة. وقصة أن عبد شمس قد تخلى لهاشم عن حقوق تقديم الطعام والماء للحجاج لأن هاشما كان أقل انشغالا بالرحلات التجارية، ربما كان لها أساس من الحقيقة. فربما تحقق عبد شمس أن تجارة المسافات الطويلة تنطوى على مكاسب أكثرهما تنطوى عليه التعاملات الصغيرة مع الحجاج. وأيا ما كانت الأهمية النسبية لأى منهما (التجارة مع البلدان البعيدة، والتعاملات التجارية مع الحجاج) ، فقد أضعف موت هاشم المبكر نسبيا فى غزة- سلالته والمرتبطين بها- عشيرة المطلب. وبعد موت هاشم أصبح المطلب- أخو هاشم- على رأس المجموعة كلها (عشيرتى هاشم والمطلب) لكن يبدو أنه لم يلعب دورا بارزا فى أمور مكة حتى أحضر- أى المطلب- ابن أخيه هشام وهو عبد المطلب من المدينة التى كان قد توقف فيها مع أمه. وبعبد المطلب يبدو أن وضع العشيرة قد ازدهر مرة أخرى، فحفره لبئر زمزم الى جوار الكعبة أظهره رجلا ذا همة ومبادأة. ورغم أن زمزم أصبحت بعد ذلك هى البئر المركزية لمكة وأسهمت فى زيادة أهمية الحرم، فلا يبدو أن عمل عبد المطلب قد أظهر أنه كان زعيم مكة، رغم أنه ارتبط بحق تقديم الماء للحجاج (السقاية) ذلك الحق الذى كان قد ورثه عن أبيه من خلال عمه. وأفضل برهان يمكن تقديمه لمعرفة مكانته فى مجتمع مكة هو ما روى عن تزويجه لبناته. فصفية (أمها من عشيرة زهرة) تزوجت الابن الأول لحرب بن أمية (زعيم عبد شمس) وبعد ذلك عوام بن خويلد (من أسد) . وبالنسبة لبناته الاخريات، فان عاتكة (أمها من مخزوم) تزوجت أبا أمية ابن المغيرة (من مخزوم) وابنته أميمة تزوجت من جحش حليف حرب بن أمية، وأما أروى فتزوجت أولا عمير بن وهب ثم تزوجت رجلا من عشيرة

стр. 90

عبد الدار، وتزوجت بره فى البداية من عبد رحم (من عشيرة عامر) ، ثم من أبى الأسد بن هلال (من مخزوم) وأم حكيم تزوجت من كريز من عبد شمس. ومعنى هذا أن عبد المطلب كان قادرا على تزويج بناته من بعض أفضل أسرات مكة وأكثرها قوة ونفوذا «١» . والقول بأن عبد المطلب، وحرب بن أمية كانا فى حالة تنافس على زعامة مكة قول مشكوك فيه مادمنا لا نجد تفاصيل عن ذلك فى المراجع، ويبدو هذا القول انعكاسا لمنافسات حدثت بعد ذلك (يعنى أن مؤرخى العصر العباسى أسقطوا الحاضر على الماضى- المترجم) ، بالاضافة الى أن علاقات الزواج بينهما تظهر انهما كانا على علاقة طيبة. والرواية المتعلقة بلقاء عبد المطلب بأبرهة أثناء حملة الفيل ربما تكون مقبولة بشكلها العام، لكن باعتبار أن عبد المطلب كان فى مفاوضته تلك ممثلا لمجموعة صغيرة لا متحدثا باسم مكة كلها. وربما كانت كثرة التفاصيل فى الروايات المختلفة بمثابة محاولات لتقديم دوافع أو مبررات لسياسة عبد المطلب، خاصة وأن حملة الفيل لم تسفر فى النهاية عن شىء، وانتهت نهاية فاجعة بانسحابها، ولا نستطيع أن نحكم ما اذا كان موقف عبد المطلب من حملة الفيل قد أثر فى نفوذه بمكة أم لا، لأنه مات بعد ذلك بوقت قصير*. على أية حال، فمعنى اتخاذه هذه السياسة من الحملة أن عشيرته أصبحت- نسبيا- فى وضع أسوأ. وانتقلت زعامة بنى هاشم وبنى المطلب بعد ذلك لفترة وجيزة الى الزبير بن عبد المطلب، وشهدت هذه الفترة حرب الفجار (بكسر الفاء) وحلف الفضول، ولم يكن الزبير بن عبد المطلب شخصية بارزة فى هذه الأحداث. وكان حلف الفضول بمثابة تجمع للعشائر الضعيفة، وقد لعب عبد الله بن جدعان (من تيم) دورا بارزا فى تشكيل هذا الحلف مادام الاجتماع قد عقد فى بيته، وقد كان عبد الله بن جدعان من بين شخصيات مكة البارزة فى بداية حرب الفجار «٢» .

стр. 91

وشخصية أبى طالب أقل غموضا من شخصية الزبير بن عبد المطلب فقد أصبح أبو طالب زعيما للعشيرتين هاشم والمطلب لفترة بعد عقد حلف الفضول حتى موته قبل الهجرة بثلاث سنوات. ومع أن أبا طالب كان رجلا محترما كزعيم للعشيرة الا أن أمور عشيرته كانت- بشكل واضح- غير مزدهرة، وكان يشار اليه كراعى ابل فى الصحراء، وكانت هذه الاشارة عامرة بالازدراء «٣» . ويبدو أن هذه الاشارات كانت لارضاء بنى العباسى فى الأساس، الذين كانوا يحسون بالغيرة من بنى هاشم. ونظرا لظروف الفقر المحيط بأبى طالب، أخذ محمد ﷺ ابنه عليا ليعيش معهم، ولا شك أن هذه الأوضاع راجعة فى جانب منها الى نقص كفاات أبى طالب، وفى جانب اخر لتدهور أحوال العشيرة، ذلك التدهور الذى كان قد بدأ قبل موت عبد المطلب مرتبطا باستدعائه لمقابلة أبرهة. وكان عبد الله والد محمد ﷺ أخا شقيقا لكل من الزبير وأبى طالب، وكان يعمل فى تجارة القوافل مع الشام كسائر أفراد الأسرة، ومات عن عمر صغير نسبيا فى المدينة وهو فى طريق عودته من رحلة تجارية الى غزة «٤» ، وربما حدث هذا قبيل وقت قصير من ولادة محمد ﷺ . أما أم محمد ﷺ فهى امنة بنت وهب من عشيرة زهرة من قبيلة قريش، وكانت أمها من عشيرة عبد الدار وكان جدها لأمها من عشيرة أسد. وعلى هذا، فقد كان محمد ﷺ مرتبطا برباط القربى بعدد من الأسرات الرئيسية فى مكة. وبشكل عام، فان الانطباع الذى نخلص به هو أن عشيرة محمد ﷺ أصبحت مرة أخرى فى الصدارة عند تناول أمور مكة، لكن قبل بعثة محمد ﷺ بثلاثة قرون كان نفوذها فى حالة تدهور، وأصبحت الان- قبيل البعثة- لا تعدو أن تكون عضوا بارزا بين مجموعة العشائر الضعيفة والفقيرة. ورغم أن أفرادا فى العشيرة استمروا فى العمل بالتجارة مع

стр. 92

الشام (أو على الأقل لم تكن مشاركتهم فى هذه التجارة بقدر كبير) لكن ربما لم يشاركوا بقدر كبير مع عبد شمس ومخزوم، وربما لأسباب تجارية فان عشيرة هاشم والمطلب كانت على استعداد للتصرف بغير ود ازاء هاتين العشيرتين الثريتين (عبد شمس ومخزوم) رغم أنه ربما كان هناك ما يشير الى أن محمدا ﷺ قد اقترب منهما؛ اذ ان ابنته زينب تزوجت رجلا من عبد شمس (ابن خالتها) . ٢- مولد محمد ﷺ ، وسنواته الأولى ولد محمد ﷺ فى عام الفيل- عام حملة أبرهة غير الناجحة على مكة، وكان ذلك فى حوالى سنة ٥٧٠ م تقريبا. وكان ميلاده بعد وفاة أبيه، فكفله جده لأبيه عبد المطلب. وكان من عادة الطبقات العليا فى مكة أن تدفع بأبنائها الى حاضنات من القبائل البدوية حتى ينمو الطفل فى جو الصحراء النقى فيغدو قوى البنية. وهذا ما حدث مع محمد ﷺ طوال عامين أو أكثر، فقد رعته حليمة السعدية، وهى امرأة من بنى سعد ابن بكر من قبيلة هوازن. وتوالت الصعاب على الطفل اليتيم فماتت أمه وهو فى السادسة من عمره وبعد ذلك بعامين مات جده، فكلفه عمه أبو طالب الذى اصطحبه معه فى تجارته الى الشام، ونشبت حرب الفجار (بكسر الفاء) ومحمد بين الخامسة عشرة والعشرين من عمره، ويقال انه قام بدور صغير فى هذه الحرب الى جانب أعمامه. وربما كان حاضرا أيضا عند تشكيل حلف الفضول، وفى وقت لاحق (بعد البعثة النبوية) صرح محمد ﷺ أن هذا الحلف كان شيئا طيبا، وكان هدف الحلف هو اقرار مبادىء العدالة ضد الممارسات الظالمة لبعض القبائل القوية والغنية، وهو هدف قريب جدا من بعض جوانب تعاليم القران (الكريم) . تلك هى الحقائق الأساسية عن محمد ﷺ قبل زواجه، وذلك من وجهة نظر المؤرخين الذين يركزون على الحقائق الموضوعية (الدنيوية) ،

стр. 93

ومع ذلك فثمة جدال حول بعض هذه النقاط. وعلى أية حال، فهناك أيضا حكايات كثيرة تصوره على أنه كان شخصية ذات أبعاد غيبية theological character فى هذه المرحلة المبكرة من عمره. وهناك طائفة من المؤرخين الذين لا يؤمنون بالغيبيات يكادون يجزمون بعدم صحة هذه الروايات، لأنها تشير الى أمور من المنطقى أن نتوقع الاشارة اليها بعد أن أصبح نبيا، وهو ما لا نجد اشارة اليه. لكن المؤكد أن هذه الروايات تعبر عن شىء بالنسبة للمسلمين المؤمنين. وبالتالى فهى حقيقية بالنسبة لهم ومناسبة لاطالة حياة نبيهم، وربما كانت أيضا تعبيرا عما كان يمكن أن يراه كل ذى عينين ان كان حاضرا وقت حدوثها. وسيكون كافيا أن نقدم أشهر هذه الروايات بنص كلمات ابن اسحق: «كانت حليمة بنت أبى ذؤيب من بنى سعد، مرضعة رسول ﷺ تروى كيف كانت تبحث عن الرضعاء هى وزوجها وصبى لها صغير. خرجت من أرضها مع بعض نساء من بنى سعد بن بكر طلبا للرضعاء، قالت: كانت سنة شهباء* لم تترك شيئا، فخرجت على أتان** لى سمراء مصفرة*** ومعنا شارف**** والله ما تبض بقطرة***** وما ننام ليلنا ذلك أجمع من صبينا ذاك يبكى من الجوع، ما نجد فى ثديى ما يغنيه ولا فى شارفنا ما يغذيه، ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتانى تلك فلقد أذمت بالركب****** حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا، فقدمنا مكة فو الله ما علمت منا امرأة الا وقد عرض عليها رسول الله ﷺ فنأباه، اذا قيل انه يتيم تركناه وقلنا ماذا عسى أن تصنع الينا أمه، انما نرجو المعروف من أبى الولد، فأما أمه وجده فماذا عسى أن يصنعا الينا، فلم نكن نرغب فيه. فو الله ما بقى من صواحبى امرأة الا أخذت رضيعا غيره، فلما لم نجد غيره وأجمعنا الانطلاق قلت لزوجى: والله انى لأكره أن أرجع من بين صواحبى ليس معى رضيع، لأنطلقن الى

стр. 94

ذلك اليتيم فلاخذنه، فقال: لا عليك أن تفعلى، فعسى أن يجعل الله لنا فيه بركة. فذهبت فأخذته، فو الله ما أخذته الا أنى لم أجد غيره، فما هو الا أن أخذته فجئت به رحلى فأقبل عليه ثدياى بما شاء من لبن فشرب حتى روى وشرب أخوه (تقصد ابنها) حتى روى، فأخذ كل منهما كفايته ثم ناما ولم نكن ننام من بكاء صبينا، وقام صاحبى الى شارفنا تلك فاذا انها لحافل فحلب منها ما شرب وشربت حتى روينا، فبتنا بخير ليلة فقال صاحبى حين أصبحنا: يا حليمة، والله انى لأراك أخذت نسمة مباركة فأجبته: والله انى لأرجو ذلك. ثم خرجنا راجعين الى بلادنا وركبت أتانى حاملة الصبى، فو الله لقطعت أتانى بنا الركب حتى ما يتعلق بها حمار، حتى ان صواحبى ليقلن: ويلك يا بنت أبى ذؤيب، انتظرينا، أهذه أتانك التى خرجت عليها معنا؟ فأقول: نعم والله انها لهى، فقلن: والله ان لها لشأنا. حتى قدمنا أرض بنى سعد وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فان كانت غنمى لتسرح ثم تروح شباعا لبنا (بضم اللام وسكون الباء) فنحلب ما شئنا وما حوالينا أو حولنا أحد تبض له شاة بقطرة لبن، وان أغنامهم لتروح جياعا حتى انهم ليقولون لرعاتهم: ويحكم انظروا حيث تسرح غنم بنت أبى ذؤيب فاسرحوا معهم، فتروح أغنامهم جياعا ما فيها قطرة لبن، وتروح أغنامى شباعا لبنا تحلب ما شئنا، فلم يزل الله يرينا البركة نتعرفها حتى بلغ سنتين من العمر وفطمته، فكان يشب شبابا لا تشبه الغلمان، فو الله ما بلغ السنتين حتى كان غلاما جفرا*، فقدمنا به على أمه ونحن أضن شىء به مما رأينا فيه من البركة، فلما رأته أمه قلت لها دعينا نرجع بابننا هذه السنة الاخرى فاننا نخشى عليه وباء مكة، فو الله ما زلنا بها حتى قالت نعم فسرحته معنا فأقمنا به شهرين أو ثلاثة، فبينما هو خلف بيوتنا مع أخ له من الرضاعة فى بهم** لنا جاء أخوه ذلك يشتد، فقال: ذاك أخى القرشى جاءه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه وهم يبحثون عن شىء بداخله، فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه فنجده قائما منتقعا لونه، فاعتنقته واعتنقه أبوه وقلنا له: ما شأنك يا بنى، قال: جاءنى رجلان عليهما ثياب بيض، أضجعانى وشقا بطنى ثم استخرجا منه شيئا فطرحاه

стр. 95

ثم رداه كما كان، فرجعنا به معنا. فقال أبوه: يا حليمة، لقد خشيت أن يكون ابنى قد أصيب فانطلقى بنا نرده الى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف منه، فاحتملنا فقدمنا به على أمه، فقالت ما رد كما به يا ظئر*؟ فقد كنتما عليه حريصين، قلت: ان الله قد أدى عنا وقضينا الذى علينا وقلنا نخشى الاتلاف والأحداث، نرده الى أهله، فقالت: ما ذاك بكما فاصدقانى شأنكما، فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره، فقالت: أخشيتما عليه الشيطان؟ كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل، والله انه لكائن لابنى هذا شأن، ألا أخبر كما خبره؟ قلنا بلى. قال حملت به فما حملت** حملا قط أخف منه، فأريت فى النوم حين حملت به كأنه خرج منى نور أضاءت له قصور بصرى فى الشام، ثم وقع معتمدا على يديه رافعا رأسه الى السماء، فاتركاه عنكما، وصاحبتكما السلامة الى بلادكما***. وقال ابن اسحق: حدثنى ثور بن يزيد عن أحد العلماء لا أظنه أحدا غير خالد بن معدان الخلاعى أن بعضا من أصحاب رسول الله ﵊ قالوا له: أخبرنا عن نفسك قال نعم، أنا دعوة أبى ابراهيم وبشرى عيسى ﵉ «٥» ، ورأت أمى حين حملت بى أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام واسترضعت فى بنى سعد بن بكر، فبينما أنا فى بهم لنا خلف خيامنا أتانى رجلان عليهما ثياب بيض معهما طست من ذهب مملوءة ثلجا، فأضجعانى فشقا بطنى ثم استخرجا قلبى

стр. 96

فأخرجا منه علقة سوداء فألقياها، ثم غسلا قلبى وبطنى بذلك الثلج حتى اذا أنقياه رداه كما كان، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمته، فوزننى بعشرة فوزنتهم*، ثم قال: زنه بمئة من أمته، فوزننى بمائة فوزنتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته، فوزننى بألف فوزنتهم، فقال: دعه عنك، فلو وزنته بأمته لوزنهم «٦» **. قال ابن اسحق: ثم ان أبا طالب خرج فى ركب تاجرا الى الشام. فلما تهيأ للرحيل وأجمع المسير صب*** به رسول الله ﷺ فيما يزعمون، فرق له أبو طالب وقال: والله لاخرجن به معى ولا أفارقه ولا يفارقنى أبدا، أو كما قال، فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام**** وبها راهب يقال له بحيرى فى صومعة له، وكان اليه علم أهل النصرانية، ولم يزل فى تلك الصومعة منذ قط راهبا*****، اليه يصير علمهم عن كتاب فيها، فيما يزعمون، يتوارثونه كابرا عن كابر، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى، وكانوا كثيرا ما يمرون به فلا يكلمهم ولا يعرض لهم، حتى كان ذلك العام، فلما نزلوا قريبا من صومعته، صنع لهم طعاما كثيرا، وذلك، فيما يزعمون، عن شىء راه وهو فى صومعته، يزعمون أنه رأى رسول الله ﷺ فى الركب حين أقبل وغمامة تظلله من بين القوم، ثم أقبلوا فنزلوا فى ظل شجرة قريبا منه، فنظر الى الغمامة حين أظلت الشجرة، وانهصرت****** أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ حتى استظل تحتها، فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته وقد أمر بطعام فصنع، ثم أرسل اليهم فقال: انى صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، فأنا أحب أن تحضروا كلكم، كبيركم وصغيركم وعبدكم وحركم، فقال له رجل منهم: والله يا بحيرى ان لك لشأنا اليوم، ما كنت

стр. 97

تصنع هذا بنا وقد كنا نمر بك كثيرا، فما شأنك اليوم؟ قال له بحيرى: صدقت، قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف وقد أحببت أن اكرمكم واصنع لكم طعاما فتأكلون منه كلكم، فاجتمعوا اليه وتخلف رسول الله ﷺ من بين القوم لحداته سنه فى رحال القوم تحت الشجرة، فلما راهم بحيرى لم ير الصفة التى يعرف ويجدها عنده (فى كتابه) ، فقال: يا معشر قريش. لا يتحلفن احد منكم عن طعامى، قالوا: يا بحيرى، ما تخلف أحد ينبغى له أن يأتيك الا غلام وهو أحدتنا سنا فتخلف فى رحالنا، قال: لا تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم. فقال رجل من قريش مع القوم: واللات والعزى ان كان للؤم منا أن يتخلف محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا، ثم قام اليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم. فلما راه بحيرى جعل يلحظه لحظا شديدا، وينظر الى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته، حتى اذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام اليه بحيرى وقال له: يا غلام، أسألك بحق اللات والعزى الا اخبرتنى عما أسألك عنه، وانما قال له بحيرى ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال له: لا تسألنى باللات والعزى شيئا فو الله ما أبغضت شيئا قط بغضهما، فقال له بحيرى: فبالله الا ما أخبرتنى عما أسألك عنه، فقال له: سلنى عما بدا لك، فجعل يسأله عن أشياء من حاله فى نومه وهيئته وأموره، فجعل رسول الله ﷺ يخبره، فوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته (فى كتابه) ، ثم نظر الى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التى عنده (فى كتابه) . قال ابن هشام: كان مثل طبعة المحجم*. قال ابن اسحق: فلما فرغ أقبل على عمه أبى طالب فقال له: ما هذا الغلام منك، قال: ابنى، قال: ما هو بابنك، وما ينبغى لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال: فانه ابن أخى، قال فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به، قال صدقت، ارجع بابن أخيك الى بلده واحذر عليه اليهود، فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليمسنه منهم شر فانه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع

стр. 98

به الى بلاده، فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام «٧» *. ٣- زواج محمد ﵊ من خديجه يعتبر زواج محمد ﵊ من خديجة بنت خويلد ابن أسد نقطة تحول فى الجزء الأول من حياته، وتقول الرواية التقليدية أن خديجة (رضى الله عنها) لما سمعت عن أمانة محمد ﵊ وصدق حديثه وكرم أخلاقه، عرضت عليه أن يخرج لها فى مال تاجرا الى الشام، وكانت قد تزوجت مرتين وكان اخر زوجيها من بنى مخزوم، ولكنها كانت الان تتاجر فى مالها الخاص عن طريق عمال تستأجرهم. ولقد سرت خديجة (رضى الله عنها) بما فعل محمد ﵊ وبلغ اعجابها بشخصيته أن عرضت عليه الزواج منها فوافق. ويقال انها كانت فى الأربعين من عمرها** فى ذلك الوقت. بينما كان محمد ﵊ فى الخامسة والعشرين. ربما كان عمر خديجة مبالغا فيه، فقد ذكرت المصادر أسماء سبعة ولدتهم لمحمد ﵊ ، وهم: القاسم ورقية وزينب وأم كلثوم وفاطمة وعبد الله (الطيب) والطاهر «٨» ، وقد مات الصبية جميعا صغارا، وحتى لو كان السبعة قد ولدوا فى سنوات متتالية كما يذكر أحد رواة ابن سعد، فان هذا يعنى أن عمرها (رضى الله عنها) كان قد بلغ الثامنة والأربعين قبل أن تلد الابن الأخير، وهذا أمر مستحيل

стр. 99

بأية حال*، ويعتبر أمرا غير عادى بالدرجة التى تجعله يستحق التعليق، بل انه من الأمور التى يمكن اعتبارها معجزة، ومع ذلك فلم ترد كلمة تعليق واحدة فيما كتبه هشام أو ابن سعد أو الطبرى. من وجهة نظر المجتمع المكى، كان محمد ﵊ قد وضع قدمه على أول درجة على الأقل من درجات النجاح الدنيوى. وربما لم تكن خديجة (رضى الله عنها) من الثروة كما يقال عنها أحيانا، ولكننا نستطيع أن نفترض أن محمدا ﵊ قد أصبح لديه رأس مال يكفيه للحصول على نصيب متوسط من الأعمال التجارية «٩» . ولا يعنى عدم وجود أخبار عن أنه سافر الى الشام مرة ثانية أنه لم يذهب، مع الوضع فى الاعتبار أنه من الممكن دائما أن يكلف اخرين بالاشراف على تجارته، كذلك يجب أن نتذكر دائما احتمال أن يكون التجار قد استبعدوه من مجالسهم، ومن معظم العمليات المربحة. ومع ذلك، فمن المحتمل أنه لم يستبعد تماما؛ لأنه كان قادرا على أن يزوج ابنته زينب لأحد أفراد عشيرة عبد شمس، هو ابن أخت خديجة (رضى الله عنها) ، والتى لا شك فى أنه كان لها دور بارز فى هذه الزيجة، كما أن خطبة ابنتيه الاخريين لابنى أبى لهب، الذى ربما كان ينظر اليه على أنه الزعيم التالى لبنى هاشم، تدل على أن محمدا ﵊ كان ينظر اليه أيضا على أنه أكثر شباب بنى هاشم رجاء.

стр. 100

فى الوقت الذى لا نستطيع فيه أن نتوقع أن تكون امرأة تاجرة من أهل مكة فى القرن السادس* غافلة عن العوامل المادية، فان لدينا الكثير من الأسباب التى تجعلنا نعتقد أن خديجة (رضى الله عنها) قد أدركت بعضا من قدرات محمد ﵊ الروحية، وأنها انجذبت اليها. ومن المؤكد أنها لعبت دورا هاما فى الأوقات الحرجة من حياته؛ وذلك بتشجيعه على الاستمرار فى طريقه كنبى. بالاضافة الى ذلك، كان ابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد رجلا ذا عقلية دينية دعته فى النهاية الى أن يكون مسيحيا «١٠» ، ويكاد يكون من المؤكد أن خديجة قد تأثرت به، وربما يكون محمد ﵊ قد اكتسب بعضا من الاهتمام بنبواته. كانت الأعوام التى تبعت زواج محمد ﵊ سنين اعداد للمهمة التى تنتظره. ومع ذلك، فليس لدينا من المعلومات ما يمكننا من اعادة تصور عملية الاعداد، وأفضل ما يمكننا عمله أن نستدل على هذه العملية مما حدث فيما بعد. فهناك مثلا ايات فى سورة الضحى يبدو أنها تشير الى تجارب محمد ﵊ الأولى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى، وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى) . من هذه الايات يمكننا أن نتصور أن احدى مراحل هذا الاعداد كانت معرفة أن يد الله تعينه بالرغم من المحن التى مرت به. وستأتى اشارات أخرى عن هذه السنين المجهولة فى سياق الحديث.

стр. 101

٤- الدعوة للنبوة (أ) رواية الزهرى فى سن الأربعين، طبقا لما جاء فى كتب السيرة، بعث الله محمدا ﵊ بالنبوة وبدأ نزول الوحى عليه. وأفضل بداية هى رواية الزهرى مع ذكر ما رواه عن الفترة أو انقطاع الوحى. ولم نذكر هذه الرواية هنا، كما فعلنا مع رواية ابن هشام، لنعطى تتابعا متسلسلا، وانما لنضم مقتطفات من المادة الأصلية كما وصلت للزهرى. ليس فى النص الأصلى كما وصل الينا تقسيم، وانما أدخلنا بعض التقسيم للتوضيح، وقد وضعنا هذا التقسيم فى الفواصل التى فى المادة التى كتبها الزهرى عند تغير الراوى. (أ) ... سمعت النعمان بن رشيد يروى عن الزهرى عن عروة عن عائشة (رضى الله عنها) أنها قالت: (أول ما بدىء به رسول الله ﷺ من الوحى الرؤيا الصادقة فى النوم، وكان لا يرى رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح) . (ب) ثم حبب اليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه (يتعبد؟) الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع* الى أهله ويتزود لذلك**، ثم يرجع الى خديجة فيتزود لمثلها، حتى فجأه*** الحق وقال: يا محمد، أنت رسول الله. (ج) قال رسول الله ﷺ : (كنت واقفا فجثيت**** منه رعبا، فرجعت ترجف بوادرى***** فرجعت الى خديجة فقلت زملونى

стр. 102

زملونى الى أن ذهب عنى الروع) . فجاءنى* فقال: (يا محمد، أنت رسول الله) . (د) قال (أى محمد ﵊ ، (لقد عزمت أن أتردى من رؤس شواهق الجبال) ولكنه ظهر لى وقال: (يا محمد، أنا جبريل وأنت رسول الله) . (هـ) ثم قال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارىء (أو «ماذا أقرأ» ) ، قال (أى محمد ﵊ : (فأخذنى فغطنى** حتى بلغ منى الجهد ثلاث مرات ثم قال: «اقرأ باسم ربك الذى خلق» ) فقرأتها***. (و) ثم جئت خديجة فقلت: (ما لى؟ أى شىء عرض لى؟ وأخبرتها بأمرى) قالت: (أبشر، كلا والله لا يخزيك الله أبدا، انك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتؤدى الأمانة وتحمل الكل**** وتقرى الضيف) ***** وتعين على نوائب الحق) ******. (ز) ثم أخذتنى******* الى ورقة بن نوفل بن أسد وقالت: اسمع من ابن أخيك، فسألنى فأخبرته بما رأيت، قال: هذا الناموس

стр. 103

الذى أنزل على موسى بن عمران، يا ليتنى فيها جذعا*، يا ليتنى أكون حيا حين يخرجك قومك، قلت: أو مخرجى هم؟ قال: نعم، انه لم يأت أحد بمثل ما جئت به الا عودى، وان يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا. (ح) كان أول ما نزل الى من القران بعد اقرأ: (ن. وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ. ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ. وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ. فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ) و: (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ) ، و: (وَالضُّحى. وَاللَّيْلِ إِذا سَجى) «١١» . (ط) قال الزهرى: ثم فتر الوحى عن رسول الله ﷺ حتى حزن النبى ﷺ حزنا غدا منه مرارا كى يتردى من رؤس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكى يلقى بنفسه تبدى له جبريل فقال: (يا محمد، انك رسول الله حفا) فيسكن لذلك حاله وتقر نفسه فيرجع. (ى) كان النبى ﷺ يحدث عن فترة الوحى، قال: (فبينما أنا أمشى سمعت صوتا من السماء فرفعت بصرى قبل السماء فاذا الملك الذى جاءنى بحراء قاعد على كرسى بين السماء والأرض، فجثيت منه فرقا** حتى هويت الى الأرض، فجئت أهلى فقلت: زملونى زملونى) . (ك) فدثرناه فأنزل الله تعالى: (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ) . (ل) أضاف الزهرى: كان أول ما نزل عليه من الوحى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، الى: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (العلق ١- ٥) «١٢» .

стр. 104

ذكر الزهرى، المعروف ايضا بابن شهاب، رواية اخرى للفقرتين (ى) و (ك) تبدا هكذا: «قال جابر بن عبد الله الانصارى، سمعت رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحى قال: فبينما أنا امشى» ، وتتجنب هذه الرواية تغير المتحدث من الفقرة (ى) للفقرة (ك) وذلك بقوله ﷺ : (فدثرونى) ، أى وضعوا دثارا على، وهذه الرواية لها أهميتها لأنها رواية عن جابر تجعل سورة المدثر هى أول الوحى* «١٣» . من الواضح أن الفقرات من (أ) الى (ح) متصلة الاحداث فى رواية الزهرى ولكن ليس من الضرورى أن تكون كلها عن السيدة عائشة (رضى لله عنها) ، وربما كان قطع ابن اسحق لرواية عائشة بعد أول جملة فى الفقرة (ب) بسبب تفضيله لروايات أخرى لما (بكسر اللام) تبقى ولا يعنى هذا بالضرورة انقطاع الأصل عند هذه النقطة، ومع ذلك فليس هناك فائدة كبيرة فى مناقشة هذا الاسناد. وبدلا من ذلك أقترح دراسة الأدلة العقلية لهذه الفقرات، وبالذات دراسة ما يمكن أن نسميه «السمات» المختلفة للروايات. (ب) رؤى محمد ﵊ ليس هناك أى سبب وجيه يجعلنا نتشكك فى النقطة الأساسية فى الفقرة أ، وهى أن بداية النبوة كانت «الرؤيا الصادقة» ، وهذه الرؤى تختلف تماما عن الأحلام، وقد ذكرت الرؤى أيضا فى الفقرتين (ب) و (ى) [بصرف النظر عن ظهور جبريل فى (د) و (ط) ] . ويؤكد ما ورد فى (أ) ما نعرفه من سورة النجم، ولكن يمكن أيضا معرفته من ملاحظات محمد ﵊ . وقد ذكرت رؤيتان فى القران:

стр. 105

(وَالنَّجْمِ إِذا هَوى. ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى. وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى. وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى. ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى. فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى. فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ... ) . (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى. عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى. ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى. لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى) «١٤» . والتفسير المعتاد لهذه الايات عند المسلمين أن المرئى كان جبريل، ولكن هناك أسبابا تدعونا الى أن نظن أن محمدا ﵊ قد فسرها فى الأصل على أنها رؤية لله ذاته، فان جبريل لم يذكر فى القران الا فى المدينة، والتعبير «عبده» فى الاية ١٠ لابد أنه يعنى عبد الله كما يجمع المسلمون، ولكن ذلك يجعل التركيب اللفظى غير منسجم الا اذا كان الله هو المعنى بالأفعال*. كذلك فان الجملة التى فى نهاية الفقرة (ب) وهى قول الزهرى: «حتى فجأه الحق وقال ... » لها أهمية مشابهة، لأن كلمة «الحق» من أساليب الاشارة الى الله**، وكذلك يمكننا أن ننظر الى الفقرة (ج)

стр. 106

بنفس الطريقة، لأن النص يقول: «فجاءنى وقال» ، وكذلك فان بعض روايات جابر فى شرح سورة النجم تقول، على لسان محمد ﵊ : «فنوديت فنظرت بين يدى وخلفى وعن يمينى وعن شمالى فلم أر شيئا ثم نظرت الى السماء فاذا هو على العرش..» «١٥» *. ربما كان هذا هو تفسير محمد ﵊ الأصلى لهذه الروايات**، الا أنها لم تكن بأية حال التفسير النهائى، لأنه يتناقض مع ما ورد فى سورة الأنعام، الاية ١٠٣: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ» ***، ومع ذلك، فان سورة النجم، بالرغم من أنها تحتمل هذا التفسير، الا أنه يمكن أيضا النظر اليها بطرق أخرى، فان التعبير «مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى» لا تعنى رؤية الله بالطبع، ولكن يمكن فهمها على أنها تعنى أن ما راه محمد ﵊ كان علامة أو رمزا لمجد الله وجلاله. كما توحى الاية ١١ «ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى» والتى

стр. 107

ربما أضيفت فيما بعد* «١٦» ، بتطور اخر فى هذه النظرية، بمعنى أنه بينما أدركت العينان العلامة أو الرمز، أدرك القلب الشىء المرموز. فاذا كان محمد ﵊ قد فسر الرؤية فى البداية على أنها رؤية الله مباشرة، فان هذا يتضمن أنه بالرغم من أن تفسيره لم يكن دقيقا تماما الا أنه لم يكن مخطئا فى الأساسيات**، وربما كان يحسن بنا أن نترجم الاية بحيث نقول: «لم يخطىء القلب فيما رأى الانسان» . وبهذه الطريقة يمكننا أن نتفادى أن يكون المرئى هو جبريل***، وهو أمر مخالف للتاريخ، كما يمكننا أيضا أن نتفادى التناقض مع النظرة الاسلامية فى أن محمدا لم ير الله «١٧» . هذا التفسير المنهجى للرؤية ليس له أهمية كبيرة بالنسبة لحياة محمد ﵊ بقدر ما له أهمية فى تطوره الدينى. وسنتناول ذلك عند حديثنا عن «أنت رسول الله» . (يرى كارل ارنز Karl Ahrens «١٨» أن التعبير «رَسُولٍ كَرِيمٍ» (التكوير، ١٩) هو الذى ذكر من قبل باسم «الروح» . ويدلل

стр. 108

على ذلك بأنه لا ذكر لاسم جبريل فى السور المكية وانما ذكرت «الملائكة» بالجمع فقط مثل «تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها» (القدر، ٤) ، وأيضا «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ» «الشعراء، ١٩٣) ، وهذا الرأى يتوافق مع وجهة النظر التى ذكرتها هنا) . (ج) الاختلاء فى حراء، التحنث ليس هناك ما يدعو الى الشك فى أن محمدا ﷺ كان يذهب الى حراء، وهو تل على مسافة قريبة من مكة، سواء كان ذلك مع عائلته أو بدونها. وربما كان ذلك وسيلة للهروب من حرارة مكة فى موسم متعب لمن كانوا لا يستطيعون الذهاب الى الطائف*، وتبين التأثيرات اليهودى- مسيحية مثل الرهبان، أو بعض التجارب الشخصية، الحاجة والرغبة فى العزلة. المعنى الدقيق لكلمة التحنث، وكذلك اشتقاقها، غير مؤكد بالرغم من أنه من الواضح أنها تعنى نوعا من الرياضة التعبدية، وربما كان أفضل الاراء هو ما ذكره هـ. هيرشفيلد «١٩» H.Hirschfeld أنها مشتقة من الكلمة العبرية تحنوت أو تحنوث، والتى تعنى التعبد لله. ومع ذلك فربما تأثر المعنى بالأصل العربى، فان كلمة حنث (بكسر الحاء وسكون النون) تعنى الرجوع فى قسم أو عدم القدرة على الوفاء به، وذلك يعتبر بصفة عامة خطيئة. وبالتالى فان كلمة «تحنث» تعنى «فعل ما يخرج به من الخطيئة أو الجريمة» ، وهكذا قد يكون استخدام كلمة «تحنث» هنا دليلا على أن مادتها قديمة وأنها بهذا المعنى أصيلة «٢٠» .

стр. 109

ربما نستطيع أن نتصور هذا الملخص لما حدث قبل النداء الاول لمحمد ﵊ وما نزل فيه من الوحى. لا شك أن محمدا ﵊ كان مدركا منذ شبابه لبعض المشاكل الاجتماعية والدينية فى مكة. ولا شك أيضا أن وضعه كيتيم جعله أكثر ادراكا للانحرافات التى فى المجتمع. ومن الناحية الدينية، يمكننا أن نفترض أنه كان يدين بالتوحيد المبهم الذى كان عليه أغلب المتنورين من أهل مكة. ولكن لا بد أنه كان، بالاضافة الى ذلك، يتطلع الى نوع من الاصلاح فى مكة. وكان كل شىء حوله يوحى بأن هذا الاصلاح يجب أن يكون دينيا، وفى هذا الاطار الفكرى كان من الواضح أن يتعمد محمد ﵊ السعى الى الواحدة ليلجأ الى الأمور الالهية ويؤدى بعض العبادة، ربما طلبا للتكفير عن الخطايا. وربما سبقت بعض الممارسات الدينية هذه (الخلوة) ولكننا لا نعرف شيئا عنها. وتذكر الروايات التقليدية أن الرؤى أتت أثناء الخلوة، ولكن التواريخ المقارنة للأحداث المختلفة فى بعثة محمد ﵊ ليست مؤكدة بصفة عامة. فأحيانا يقال ان الظهور* لم يكن متوقعا، وفى أحيان أخرى يبدو أن خديجة (رضى الله عنها) ، لم تكن بعيدة**. (د) «أنت رسول الله» وردت جملة «أنت رسول الله» أربع مرات فى الفقرات (ب) ، (ج) ، (د) ، (ط) من حديث الزهرى. قالها جبريل فى المرتين الأخيرتين، وفى المرة الأولى قالها «الحق» ، وفى الثانية ذكر بصيغة الغائب «فجاءنى» ، وتختلف الملابسات فى الحالات الأربع، فهل هذه مجرد روايات أربع لحادثة واحدة ولكن اختلفت الألفاظ بطريقة أو أخرى؟ ونظرا لأن جبريل لم يذكر فى القران الا بعد فترة طويلة، فان ذكره فى

стр. 110

هذه المرحلة المبكرة مشكوك فيه*. ظاهريا يمكننا أن نصنف هذه الأخبار صنفين على الأقل: (ب) وربما معها (ج) تصفان النداء الأصلى له بأنه رسول، بينما يبدو أن (د) ، (ط) كانا تأكيدين لذلك ليطمئن فى وقت كان فيه قلقا. اذا كانت الفقرة (ب) تشير الى النداء الأصلى، فما العلاقة بينها وبين الرؤى؟ لقد جاء وصف الرؤية الأولى فى سورة النجم فى اية تفند اعتراضات معينة أثارها أهل مكة ضد الموثوقية فى الوحى الذى نقله محمد ﵊ اليهم، ومعنى ذلك أنه كان قد أعلن بعض ما أوحى به اليه على الأقل وربما أكثر. فالحديث عن الرؤية فى هذا السياق يبين أنه لابد أن يكون للرؤية علاقة بتلقى الوحى، ومع ذلك فليس هناك ما يدل على أن الرؤية قد صاحبها تلقى ايات معينة، بل اننا اذا ناقشنا أكثر من ايتين نجد أن ذلك مستحيل. ويبدو أن النتيجة العامة للرؤية شىء أكثر عمومية مثل التأكيد على أن هذه الايات كانت رسائل من الله. وربما التأكيد أيضا على أن محمدا ﵊ قد أمر باعلانها، وهذا يعنى الافتراض المسبق بأن محمدا ﵊ قد تلقى الوحى بالفعل عدة مرات. ولكنه لم يكن واثقا من حقيقة طبيعة هذه الكلمات التى جاءت اليه، أما الان فقد أخبر بذلك وجاءه التأكيد. أو يمكننا أن نعتبر الرؤية نداء كى يلتمس الوحى، وربما كان محمد يعرف شيئا عن طرق استقرائه**. ولكن الرأى الأول أكثر احتمالا بصفة عامة، ويتفق مع هذا الرأى وجهة النظر «٢١» التى تقول
следующие страницы →