خطوا على وجه هذا الدهر منقبة ... آلت إلى خلف من بعدهم فمحا
أعظم بهم سلفا واعجب له خلفا ... للذل والهون من بعد العلى جنحا
أنىّ تسكعت الإسلام في ظلم ... وكان دينهم نورا وما برحا
المسلمون وما يحصى لهم عدد ... دارت على جمعهم للنائبات رحى
المسلمون وما يحصى لهم عدد ... دارت على جمعهم للنائبات رحى
لا سيما العرب منهم إنّ دهرهم ... أشاح عنهم بوجه عابس كلحا
مستضعفون عبيد في ديارهم ... يد الشقاق أدارت بينهم قدحا
على تقاسمهم من دون غيرهم ... يبيت مختلف الأقوام مصطلحا
ما من قبيل ولا شعب له خطر ... إلّا ومن دمهم أو مالهم نضحا
وكل شعب شريك في دمائهم ... فمجهز هبّ يعدو إثر من جرحا
إذا شكوا ضرّهم كانت شكايتهم ... شكوى الذبيح بعينيه لمن ذبحا
أقول والعين لا تنفك دامعة ... والقلب بالهمّ والأحزان قد طفحا
يا منقذ العرب والإسلام انهما ... تحت إضطهاد شعوب الأرض قد رزحا «١»
стр. 37
عيد البرية
(للشاعر القروي)
عيد البريّة عيد المولد النبوي ... في المشرقين له والمغربين دوي
عيد النبي بن عبد الله من طلعت ... شمس الهداية من قرآنه العلوي
بدا من القفر نورا للورى وهدى ... يا للتمدّن عمّ الكون من بدوي
يا صاحب السيف لم تفلل مضاربه ... اليوم يقطر ذلا سيفك الدموي
يا فاتح الأرض ميدانا لقوته ... صارت بلادك ميدانا لكل قوي
يا حبذا عهد بغداد وأندلس ... عهد بروحي أفدي عوده وذوي
من كان في ريبة من ضخم دولته ... فليتل ما في تواريخ الشعوب روي
يا قوم هذا مسيحيّ يذكركم ... لا ينهض الشرق إلّا حبّنا الأخوي
فإن ذكرتم رسول الله تكرمة ... فبلغوه سلام الشاعر القروي
стр. 38
ذكرى محمد ﷺ في عيد ميلاد
(محمود غنيم)
هو عيد ميلاد ابن عبد مناف ... لا عيد مخترع ولا كشاف
أكبرت قدرك يا ابن عبد الله عن ... تأليف أوزان ونحت قواف
ما أنت إلا عيلم لم يكتشف ... يطغى بلجّته على الوصّاف
بحر خضمّ غير أن جمانه ... ما زال سرّا داخل الأصداف
لولاك لانقطع الزمان فلم تكن ... حلقاته موصولة الأطراف
دجت القرون فقام دينك حارسا ... يحمي ذمار حضارة الأسلاف
هزّ الوجود بكفّه في مهده ... طفل يتيم من كنانة عاف
جادت به الفلوات أصفى طينة ... وطوية من جوّهنّ الصّافي
وأشدّ من هضباتهنّ صلابة ... وأهبّ من إعصارهن السّافي
فإذا الأكاسر خاضعون لحكمه ... وإذا القياصر مرغمو الآناف
فتحت مبادئه الحصون أمامه ... قبل الصورام والقنا الرعّاف
غزت القلوب بسحرها فكأنها ... قد لامست منهنّ كل شغاف
أين الذي يغزو القلوب من الذى ... يغزو الرقاب بحدّة الأسياف؟
تلك المبادىء- وهي شتى- جمعت ... في مبدأين: الحقّ والإنصاف
آخى ابن عبد الله بين معاشر ... يتناحرون تناحر الأخياف
لانت قناتهمو لدعوته وما ... لانت قناتهمو لغمز ثقاف
ولقد يروض الأسد رائضها ولا ... يتغيّر الطبع الغليظ الجافى
стр. 39
هذا هو الإعجاز لا بحر ولا ... بدر قد انشقّا إلى أنصاف
آي من الذكر الحكيم أتى بها ... فإذا القلوب تلين بعد جفاف
ولو أنّ ألفى دوحة سجدا له ... ما كان ذلك بالدليل الكافى
عجبا! أجاء محمد بالسحر فى ... آياته أم شابها بسلاف؟
أم كان تنويما خضوعهمو له ... ما ذلك السر العويص الخافي؟
أسرت قريش مسلما في غزوة ... فمضى بلا وجل إلى السياف
سألوه هل يرضيك أنك سالم ... ولك النبي فدى من الإتلاف
فأجاب كلا لا سلمت من الردى ... ويصاب أنف محمد برعاف
أقسمت ما كان النبي محمد ... بمشعوذ كلا ولا عرّاف
ليس النبي بساحر يتلو الرّقى ... ويخيف بالأشباح والأطياف
لكنه الإيمان من يظفر به ... يلق المفاوز سهلة الأكناف
لو آمن الجبل ارتقى فوق السّهى ... بقودام من ريشه وخواف
هذا الذي جعل النبيّ ورهطه ... إن حاربوا انتصروا على الأضعاف
يزداد في ساح الوغى إيمانهم ... فيقابلون الموت باستخفاف
يستضعفون لقلّة لكنهم ... بوثوقهم في الله غير ضعاف
فإذا دعوا للحرب هبّوا أودعوا ... للمال عفّوا عنه أىّ عفاف
قم سائل الأعراب أية دولة ... نهضوا بها حملا على الأكتاف
بزّت أثينا في الحضارة أمة ... لم تأو غير مضارب وفياف
شغلوا بفلسفة وعلم بعد ما ... شغلوا بوصف منازل وأثاف
تخذو القصور مساكنا وتسر بلوا ... بالخز لا الأوبار والأصواف
فإذا الجزيرة بعد جدب جنة ... ميّاسة مهتزّة الأعطاف
يا ربّ أسطول بنوه كأنه ... بحر خضمّ فوق آخر طاف
السّوقة الأجلاف قد حكموا الورى ... أنعم بحكم السوقة الأجلاف
ما شئت من عدل وتسوية ومن ... شورى فيا لثلاثة الأحلاف
стр. 40
يا شرق يا مهد الشرائع رحمة ... لك، ما لأهلك فيك كالأضياف؟
يا شرق أنت لكل شمس مطلع ... ما بال أفقك حالك الأسداف
أعزز علينا أن نراك تئنّ من ... تقييد أقدام وشدّ كتاف
بدأت من الشرق الحضارة سيرها ... أفما لرحلتها من استئناف؟
стр. 41
نور على الأفق
(أنور العطار)
صفوة الخلق أي نور على الأف ... ق بهى جم التلاميح حائم!
سطعت من سناك هذي السموا ... ت ورفت بك الدنا والعوالم
أنت نجوى الأرواح في كل جيل ... وشعاع الهدى، وروح النواسم
تتناجى بك القلوب الحيارى ... وتغنى بك النفوس الهوائم
ياسماء الجلال يا رفرف الخل ... د ويا صورة النعيم الدائم
لأصوغن من نداك الأناشي ... د وأفتن في ضروب الملاحم
كل بيت يكاد يقطر بالرف ... ق ويخضل بالدموع السواجم
يا نداء المعذبين الأسارى ... ودعاء المروعات النوادم!
كلهم لا جىء إليك يرجي ... ك، وكل معلق بك هائم
ظفروا منك بالسماحات تترى ... وغنوا بالرضا الشهي المناعم
دينك السمح شرعة من علاء ... وحنان وطيبة ومراحم
الهدايات حانيات عليه ... والعنايات طائفات حوائم
سعدت بالهدى رحاب الصحارى ... وتلالت فيها الموامى الطواسم
أعشب القفر منه وازدهر الحجر الصل ... د، وفاضت منه العيون النواجم
وتندت هذى الرمال العطاشى ... كالآلى فرائدا، وتوائم
تتغنى فيهتف الكون جذلا ... ن وتهتز في العلا الغمائم
стр. 42
فهي حلم على الليالي جميل ... وهي ناى على مدى الدهر ناغم
يا نبي الهدى لقد ذلت العر ... ب وقيدت الى الردى بالشكائم
سلبت حقها وديس حماها ... واستكانت لمستبد هادم
يا سماء اهبطي، ويا أرض ميدي ... غصب الألأمون مجد الأكارم
стр. 43
الكعبة الزهراء
(بدوي الجبل) (مهداة إلى أعتاب أبي الزهراء صلوات الله عليه)
بنور على أم القرى وبطيب ... غسلت فؤادي من أسى ولهيب
لثمت الثّرى سبعا وكحّلت مقلتي ... بحسن كأسرار السماء مهيب
وأمسكت قلبي لا يطير إلى (منى) ... بأعبائه من لهفة ووجيب
فيا مهجتي: وادي الأمين محمد ... خصيب الهدى: والزرع غير خصيب
هنا الكعبة الزهراء. والوحي والشذا ... هنا النور. فافني في هواه وذوبي
ويا مهجتي: بين الحطيم وزمزم ... تركت دموعي شافعا لذنوبي
وفي الكعبة الزهراء زيّنت لوعتي ... وعطّر أبواب السماء نحيبي
مواكب كالأمواج، عجّ دعاؤها ... ونار الضحى حمراء ذات شبوب
стр. 44
وردّدت الصحراء شرقا ومغربا ... صدى نغم من لوعة ورتوب
تلاقوا عليها، من غني ومعدم ... ومن صبية زغب الجناح وشيب
نظائر فيها: بردهم برد محرم ... يضوع شذا: والقلب قلب منيب
أناخوا الذنوب المثقلات لواغبا ... بأفيح- من عفو الإله- رحيب
وذلّ لعزّ الله كلّ مسوّد ... ورقّ لخوف الله كل صليب
ولو أنّ عندي للشّباب بقيّة ... خففت إليها فوق ظهر نجيب
أنام على الكثبان يؤنس وحدتي ... بغام مهاة أو هماهم ذيب
ولي غفوة في كل ظلّ لقيته ... ووقفة سقيا عند كل قليب
هتكت حجاب الصمت بيني وبينها ... (بشبّابة) سكرى الحنين خلوب
حبست بها جنّيّة (معبدية) «١» ... وفرّجت عن غمّائها بثقوب
стр. 45
وركب عليها، وسم أخفاف عيسهم ... وهام تهاوت للكرى وجنوب
وألف سراب ما كفرت بحسنها ... وإن فاجأت غدرانها بنضوب
وضجّة صمت جلجلت. ثمّ وادعت ... ورقّت، كأخفى همسة ودبيب
وأطياف جنّ في بحار رمالها ... تصارع حالي طفوة ورسوب
وتعطفني الأرام فيها نوافرا ... إلى رشأ في الغوطتين ربيب
يعلّلني- والصدق فيه سجية ... بوعد مطول باللقاء كذوب
وبدّلت حسنا ضاحك الدلّ ناعما ... بحسن عنيف في الرمال كئيب
ومن صحب الصحراء هام بعالم ... من السحر جنّي الطيوف رهيب
وللفلك الأسمى، فضول لسرها ... ففي كلّ نجم منه عين رقيب
أرى بخيال السحب- خطو محمد ... على مخصب من بيدها وجديب
وسمر خيام مزّق الصمت عندها ... حماحم خيل بشّرت بركوب
стр. 46
ونارا على نجد من الرمل أوقدت ... لنجدة محروم وغوث حريب
وتكبيرة في الفجر سالت مع الصّبا ... نعيم فياف واخضلال سهوب
أشمّ الرمال السمر: في كل حفنة ... من الرّمل، دنيا من هوى وطيوب
على كل نجد منه نفح ملائك ... وفي كل واد منه سرّ غيوب
توحّدت بالصحراء. حتّى مغيبها ... ومشهدها من مشهدي ومغيبي
ومن هذه الصحراء، أنوار مرسل ... ورايات منصور. وبدع خطيب
ومن هذه الصحراء، شعر تبرّجت ... به كل سكرى بالدلال عروب
تعطّر في أنغامه ورحيقه ... وريّاه: عطري مبسم وسبيب «١»
ترشّ النجوم النور فيها ممسّكا ... فأترع أحلامي وأهرق كوبي
وما أكرم الصحراء ... تصدى ... ونمنمت ... لنا برد ظل كالنعيم رطيب
ويغفو بها التاريخ، حتى ترجّه ... بداهية صلب القناة أريب
شكا الدهر مما أتعبته رمالها ... ولم تشك فيه من وفى ولغوب
стр. 47
وصبر من الصحراء، أحكمت نسجه ... سموت به عن محنتي وكروبي
ومن هذه الصحراء.. صيغت سجيّتي ... فكل عجيب الدهر غير عجيب
يرنّح شعري باللوى كلّ بانة ... ويندى بشعري فيه كل كثيب
ولولا الجراح الداميات بمهجتي ... لأسكر نجدا والحجاز نسيبي
وهيهات ما لوّم الكريم سجيّتي ... ولا بغضه عند الجفاء نصيبي
نقلت إلى قلبي حياء وعفّة ... أسارير وجهي من أسى وقطوب
وعرّتني الأيام ممن أحبهم ... كأيك- تحاماه الربيع- سليب
وربّ بعيد عنك أحلى من المنى ... وربّ قريب الدار غير قريب
وويح الغواني: ما أمنت خطوبها ... وقد أمنت بعد المشيب خطوبي
وكيف وثوبي للزّمان وأهله ... وللشيب أصفاد يعقن وثوبي
أفي كل يوم لوعة بعد لوعة ... لغربة أهل أو لفقد حبيب
ويا رب: في قلبي ندوب جديدة ... تريد القرى من سالفات ندوب
стр. 48
يريد حسابي ظالم بعد ظالم ... وما غير جبّار السماء حسيبي
ويا رب: صن بالحب قومي مؤلّفا ... شتات قلوب لا شتات دروب
ويا رب: لا تقبل صفاء بشاشة ... إذا لم يصاحبه صفاء قلوب
تداووا من الجلى بجلى ... وخلّفوا ... وراءهم الإسلام خير طبيب
ويا رب: في الإسلام نور ورحمة ... وشوق نسيب نازح لنسيب
فألّف على الإسلام دنيا تمزّقت ... إلى أمم مقهورة وشعوب
وكلّ بعيد حجّ للبيت أوهفا ... إليه- وإن شطّ المزار- قريبي
سجايا من الإسلام: سمح حنانها ... فلا شعب عن نعمائها بغريب
وآمنت أنّ الحب خير ونعمة ... ولا خير عندي في وغى وحروب
وكل خضيب الكف فتحا وصولة ... فداء لكف بالعبير خضيب
وآمنت أنّ الحب والنور واحد ... ويكفر باللألاء كل مريب
стр. 49
ولو كان في وسعي حنانا ورحمة ... لجنّبت أعدائي لقاء شعوب «١»
ويا رب: لم أشرك ولم أعرف الأذى ... وصنت شبابي عنهما ومشيبي
وإني- وإن جاوزت هذين سالما ... لأكبر لولا جود عفوك حوبي «٢»
وأهرب كبرا أو حياء لزلتي ... ومنك، نعم، لكن إليك هروبي
وأجلو عيوبي نادمات حواسرا ... وأستر إلّا في حماك عيوبي
وأيّ ذنوب ليس تمحى لشاعر ... معنّى بألوان الجمال طروب
ولو شهدت حور الجنان مدامعي ... ترشّفن في هول الحساب غروبي «٣»
وأنزلت أحزاني على قبر أحمد ... ضيوف كريم النبعتين وهوب
مدحت رسول الله أرجو ثوابه ... وحاشا الندى أن لا يكون مثيبي
стр. 50
وقفت بباب الله ثمّ ببابه ... وقوف ملحّ بالسؤال دؤوب
صفاء على اسم الله غير مكدّر ... وحبّ لذات الله غير مشوب
وأزهى بتظليل الغمام لأحمد ... وعذب برود من يديه سروب
فإن كان سرّ الله فوق غمامة ... تظل وماء سائغ لشروب «١»
ففي معجز القرآن والدولة التي ... بناها عليه مقنع للبيب
ويا رب، عند القبر قبر محمد ... دعاء قريح المقلتين سليب
بجمر هوى عند الحجيج لمكة ... ودمع على طهر (المقام) سكوب
بشوق على نعماه، ضمّ جوانح ... ووجد على ريّاه زرّ جيوب
ترفّق بقومي واحمهم من ملمّة ... لقد نشبت أو آذنت بنشوب
وردّ الحلوم العازبات إلى الهدى ... فقد ترجع الأحلام بعد عزوب
وردّ القلوب الحاقدات إلى ند ... من الحبّ فوّاح الظلال عشيب
стр. 51
تدفقت الأمواج والليل كافر ... وهبّ جنون الريح كلّ هبوب
رمى اليمّ أنضاء السفين بمارد ... من اليمّ تيّاه الحتوف غضوب
يزلزلها يمنى ويسرى مزمجرا ... ويضغمها من هوله بنيوب
يرقّصها حينا وحينا يرجّها ... ويوجز حالي هدأة ووثوب
وترفعها عجلى وعجلى تحطها ... لعوب من الأمواج جدّ لعوب
وأيقن أنضاء السفينة بالردى ... يطالعهم في جيئة وذهوب
ولما استطال اليأس يكسو وجوههم ... بألوانه من صفرة وشحوب
دعوا يا أبا الزهراء والحتف زاحف ... عليهم: لقد وفّقتم بمجيب
وأسلست الريح القياد كأنها ... نسيم هفا من شمأل وجنوب
وباده لطف الله من يمن أحمد ... ببرد على غري الرجاء- قشيب
وأقعدني عنك الضّنى فبعثتها ... شوارد شعر لم ترع بضريب
стр. 52
أقمت وآمالي إليك مجدّة ... تلفّ شروقا معتما بغروب
وترشدها أطياب قبرك في الدجى ... فتعصمها من حيرة ونكوب
وعند أبي الزهراء حطّت رحالها ... بساح جواد للثناء كسوب
جلوت على وادي العقيق فريدتي ... ففاز حسيب منهما بحسيب
تتيه حضارات الشعوب بشاعر ... وتكمل أسباب العلى بأديب
стр. 53
يوم أحمد
(بشائر النعمى)
(سليم الزركلي)
جلالك وحي الشّعر، إنك مسعدي ... فهب لي سحر القول في يوم «أحمد»
صحا الكون من ضلّاته، وغدا به ... يسير على نهج الرشاد المسدّد
فأشرق مرجوّ الهدايات، وانبرى ... يوطّىء للسّارين سبل التّجدّد
وراحت قريش بالسّماحة والنّدى ... وبالوحي والتّنزيل في ظلّ مرشد
أطلّ على الدّنيا كأنّ فتونه ... نواسم تغدو بالرّبيع المنضّد
تفتّح آفاق النّفوس وتنثني ... تروض مغاليق الفؤاد المصفّد
وتنفح بالهدي الحلوم، فتغتدي ... سوافر عما استودعت من توقّد
أطلّ وأجناد الحياة نقائص ... وأبناؤها أسرى الهوى والتّردّد
ولا ضير في شين، ولا ضير في أذى ... ولا عار في غدر، ولا في توجّد
إذا الشرّ ما استشرى فللشرّ وثبة ... تقطّع أسباب الوفا والتّودّد
فأيقظ للخير الفصائل، فاستوت ... تقوّم من شأن الحياة المؤوّد
فطافت بها للنعيمات بشائر ... وحلّق في أجوائها كلّ مجهد
«فيض النور»
فديتك أنشدني على الوجد والأسى ... ملاحم فجر في الزّمان مخلّد
وخذ بيدي، والذّكريات تحفّ بي ... نواجي، للماضي الدّفين الموسّد
دع اللّيل والأفلاك بين شعابه ... تهدهد أحلام الخليّ المسهّد
وعد نجتل الأسحار، والفيض مسعف ... وذو الوجد في السّلوى يروح ويغتدي
وللنّسمات الخاطرات نواديا ... خواطر قلب بالضّياء مسرّد
стр. 54
شدا الفجر في إرنانها يستحثّها ... تهلّل في إصباحه العاطر النّدي
فثمّة إشعاع يكحّل بالنّدى ... عيون رجاء بالضّلال مقيّد
تمرّ به الغايات خفق بروقه ... وتقعد من غاياته شرّ مقعد
وثمّ تلاحين تعلّ كؤوسها ال ... ملائك في ظلّ ظليل مبرّد
تسبّح للرحمن والعرش سجّدا ... وتنسم في ركب الرّجاء المهدهد
وثمّ خيالات من البطل تنطوي ... على أنّها جند الهزيم المشرّد
وثمّ ضلالات تذوب وتمّحي ... وكلّ عريق في الأثام هو الرّدي
وثمّ هدايات ترفّ طيوفها ... على أنّها جند العزيز المؤيّد
وثمّ سماء العبقريّات تنتشي ... بريح إمام في العباقر سيّد
حفين به، حتى إذا الغيد بشّرت ... بخير وليد في الأنام ومولد
تفتّحت الدّنيا، وفاض جلالها ... وسار علاها في ركاب «محمّد»
«حلم الصحراء»
سجا اللّيل، فالصّحراء حلم منمّق ... وملء إهابيها الأمانيّ في غد
تقلّب في دنيا من العطر والشّذا ... وتمرح في دهر من النّور سرمدي
وتخطر في وشي الأزاهر، والهوى ... يطوف بها، كالغيد في ظلّ أغيد
كأنّ تسابيح الرّمال بحمدها ... مزامير داوود، وألحان معبد
تفتّح للأمر الجليل جفونها ... وتغمض في إغفاءة المتلدّد
غدا تخطب الأجبال والبيد ودّها ... ونعم الذي تعطيه للمتودّد
غدا تخفق الرايات فوق ربوعها ... وتمعن في الفتح المبين الممهّد
وللملك الجبّار سجدة طائع ... وبذل نثار من نضار وعسجد
وللحقّ دولات، إذا البيد نضّرت ... بهنّ، سما فيها على كلّ فرقد
стр. 55
«صبح الحق»
تبلّج صبح الحقّ، فانماث باطل ... وتلك الفيافي، في نعيم وسؤدد
إذا ما نسيم الوحي فاح أريجه ... ونادى منادي اللّيل: يا كون فاسعد
وراحت بشاشات الرّمال نواجيا ... ورجّعت الأصداء ترجيع منشد
زها الملك في أعطافها، فكأنّها ... رءوم زكا في حجرها كلّ أصيد
تزجّ بأفلاذ العلى في مهامه ... تصيّد باز الكفر بالقلب واليد
وتبعثها كالشّهب تصدع غيهبا ... وتحطم أصنام الهوى والتّعدّد
فأصبحت الجنّات طوع يمينها ... ومن يهو جنّات الهدايات يرفد
حباها «ابن عبد الله» خير تراثها ... من المجد، والعيش السّعيد المرغّد
وألبسها من عزّة الملك ما غدت ... تتيه به عجبا على كلّ فدفد
«محمد» ﷺ
«محمّد» يا فخر العروبة، قد غدا ... يطيبب بهدي منك كل مهنّد
سننت على الأجيال شرعة ماجد ... يرى الهون في ذلّ النّفوس المبدّد
مهرت العلى كنز الصّدور إذا ونى ... أخو الهمّ عن بذل الفداء فلم يد
ولقّنتنا معنى الإباء مجرّدا ... وكيف يقاد الظّلم في شرّ مقود
وعلّمتنا صبر الكريم على الأذى ... إذا ما غدا رهنا بأشراف مقصد
وكيف نهوض العبقريّة عن هوى ... إلى المجد تحبوه بأكرم محتد
فديتك فاشفع بي إذا الخيل قصّرت ... وعيّ ركوبي في رضاك ومصعدي
فإنك كالبحر الذي لا يحدّه ... خيال ولا يحصيه قول معدّد
غنيت، ولم أفقر بحبّك مسلما ... وباسمك يحلو يا الأمين تشهّدي
تحنّ إلى أرض نزلت، جوارحي ... وتمعن في تحنانها والتّهجّد
إذا ما الهوى ألقى إليّ زمامه ... وكان طريفي في هواك ومتلدي
سكبت على قبر يضمّك مهجتي ... وصحت: أيا نفسي على الحبّ فاخلدي
стр. 56
لك المجد، فالأبطال عندك خشّع ... وخير عقول الناس منك بمرفد
«شكوى»
شكوت لك الجلى، وكم من مدامع ... أذرّفها في إثر عان ومقعد
وفوق خدود صيّر الذّلّ وردها ... هشيما، وكانت كالرّجاء المورّد
وعند ربوع كم أطافت سعودها ... وكم نفحت من صادح ومغرّد
سطا الشّرّ في أرض، تبارك ربّها، ... فأعمل فيها حدّ ناب ومبرد
وسيّرها دهماء، لا تعرف الونى، ... تصول على دنيا العلى والتّعبّد
فما تركت للآمنين مناعما ... ولا وجلت من هتك غيد وخرّد
ولا أجفلت من قتل شيخ، ولا عفت ... عن الرّضّع الأطهار، والناحل الصّدي
ونحن على حال من الهمّ مفجع ... نسام فلا نأبى، فنرمى بأنكد
شربنا القذى، حتّى استخفّ بنا القذى ... وهان على هاماتنا وطء معتد
ولم تتلهّب في الضّمائر نخوة ... لمحو هوان في الرّؤوس معرّد
يعزّ على الاسلام يا سيّد الورى ... نفوس تلقّى الذّلّ في خير معبد
أدرها على الأكوان صرخة أروع ... أضاع كريم المجد، في الله منجد
لعلّ ضمير العرب، في حالك الدّجى ... يثور فيستعلي، ويزهى بأيّد
نفخت به سالف الدهر فانبرى ... يشيد ويبني، والممالك تقتدي
فأحي به ميت العزائم ينتفض ... لرجع يهزّ الكبرياء وسدّد
عليك سلام الله ما ضاء كوكب ... وما لاح نور في خلود مؤبّد
стр. 57
لمحة
(عمر أو ريشة)
أوقفي الركب يا رمال البيد ... إنه تاه في مداك البعيد
ظمئت نوقه وجفّ فم الحا ... دي وغصّت لهاته بالنشيد
والأشدّاء يلهثون كخيل ال ... غزو عادت من يومها المشهود
عصفت في جفونهم ريحك الهو ... جاء والشمس عربدت في الخدود
والصبايا من الهوادج ينظر ... ن الى الأفق نظرة المفؤود
ليس يبصرن منك غير هضاب ... في هضاب مبعثرات الحدود!
غابت الشمس يا رمال.. وهذا ال ... ركب في قبضة العياء الشديد
وحبا الليل يا رمال وهذا ال ... ركب أضنته وطأة التسهيد
فهوى فاقد الرجاء يرى المو ... ت مشيحا بمنجل من حديد
فتراءت اليه نار على البع ... د فكانت ايماءة للشريد
فسرى في سنائها فأطلت ... خلفها مكة الفخار التليد
يا عروس الرمال يا قبس التا ... ئه في مهمه الضلال المبيد
أمن الركب في حماك فردّيه ... إلى ذكريات تلك العهود
يوم أرخى على جوانيك الوحي ... جناحين من سماء الخلود
حاملا آية النبوة ما بين ... شفاه علوية التأييد!!
صبها قبلة على فم طفل ... قرشي النجار سامي الجدود!
وحواليه من حمام الفرادي ... س حسان مرنحات القدود
ساحبات بيض البرود كما لو ... جمد النور فوق تلك البرود
يتزاحمن واثبات ويلثم ... ن من الشوق مبسم المولود!
стр. 58
فاذا بالسماء تهمي تسابيح ... وتدوي أصداؤها في الوجود
وإذا الكون بعد عيسى تعرّى ... نصب عيني محمد من جديد!!
درج الطفل والهداية تحبو ... هـ بتاج من السناء فريد
«وبحيرا» في الدير يضرب في ال ... ناقوس بشرى بالسيد المنشود
والذؤآبات من قريش سكارى ... في هوى الجاهلية العربيد!
هتكت كبرياؤهم سنن العق ... ل وصالت بشرعها المردود
كم بنات لم تنفطم وأدتها ... كفّ باغ على القضاء عتيد
كم وراء الجدران في الكعبة العص ... ماء من عابد ومن معبود
جلجلت صرخة النبيّ فردّت ... رجع أصدائها أعالي النجود
وأشاحت يسراه بالمعول الصل ... د ويمناه بالكتاب المجيد!!
فتهاوت تلك الصفوف من الأص ... نام عن أوج عرشها المعقود
وتبارت- الله أكبر تعلو ... من شفاه المؤذن الغريد!!
أخذت غضبة البداوة تخبو ... بعد إعنات ضلة وجحود
إنها النفس لا تبدل طبعا ... ألفته فكيف نفس الحقود
ومن الصعب أن يشاهد أعمى ... قبس الحق في الليالي السود
يوم «بدر» فضّ النزاع وبث ال ... رعب في كل أشهب صنديد
«فقريش» مغلوبة وأبو سف ... يان في شبه رجفة الرعديد
والميامين في المدينة يطوو ... ن سيوف السلام طي الغمود
فأتم النبي آيته الكبرى ... على شعبه الكريم الودود
وانطوت بعدها الهيولى فثارت ... فتنة في النفوس ذات وقود
وتلاشت كأنها حلم الذعر ... بجفن المسهد المكدود!!
الفجاءآت كم تزلزل عزما ... وترد الرشيد غير رشيد!!
стр. 59
دفقت موجة الهدى تغسل الشر ... ك وتروي النفوس بالتوحيد
وتبث الوئام والحب والرح ... مة ما بين سيد ومسود
مذهب ضجت الأعاجم منه ... وتعاموا عن شرعه المحمود
ورأوا فيه ما يدكّ عروشا ... شيدوها بالظلم والتهديد
فرمت بالكتائب الخرس «روما» ... وبأبطالها الغزاة الصيد
وطغى الهول والكتائب ماجت ... في خضم من القنا والبنود
فأطلت تلك الفلول من العر ... ب بعزم النبوة المشدود
وانحنت فوق ضمّر تعلك اللج ... م وتنزو مجنونة في الصعيد!
وأغارت ترمي الفوارس رميا ... وتحز الوريد أثر الوريد
كلما انهار حائط من جنود ... اتبعته بحائط من جنود
وضفاف «اليرموك» ترسل منها ... زمزمات الحداء لابن الوليد!!
جولة ترعف الصورام فيها ... وتصيح الأكف هل من مزيد
جولة كفّنت بها الروم حلما ... بين أنقاض صرحها المهدود!
وكأن اندحارها لم يرد «ال ... فرس» عن نشر بغيها المعهود
سخرّت كلّ فيلق كسروي ... لم يذق قبل نكبة التشريد!
مزقته في القادسية تلك ال ... بيض والسمر في أكف الأسود
إن طود الرمال تحمله الريح ... وتذريه في الفضاء المديد
بسطت كفها الهداية والشر ... ق تفيّا بظلها الممدود
رافعا مشعل الحضارة والغر ... ب صريع في غفوة من جمود
إن في الشام من معاوية ... السمح بقايا من الدهاء السديد
وببغداد مسحة من نعيم ... تتغنى بذكريات «الرشيد»
وبغرناطة من الملك النا ... صر آثار روعة «التشييد»
أمة يعربية تركت في ... مسمع الدهر آية التمجيد؟
стр. 60
إنما عقبّها البنون فزجوا ... بالمروآت في بطون اللحود
أسكرتهم لذائذ الترف الأه ... وج عن يقظة القضاء العنيد
وتلوّت ما بينهم تنفث الس ... م أفاعي حفائظ وحقود!
وتناسوا ما بثه السيد الأع ... ظم من سنة الوئام الأكيد
وخبت نارهم وصبت عليهم ... عاصفات التعذيب والتنكيد
فاذا جبهة الشموخ لطيم ... تتنزى بالجرح عند السجود
وانتهت سيرة الجدود الينا ... فجررنا القيود أثر القيود!
والتفتنا فلم نجد غير ملك ... مزقته أصابع التبديد
ونهدنا للذود عنه ولكن ... ما حملنا غير الاباء الحميد!
ورجعنا فكم جريح كئيب ... يتلوّى وكم قتيل شهيد!!
يا عروس الرمال يا قبس التا ... ئه في مهمه الضلال المبيد
نحن في هذه البلاد كذاك ... الركب نمشي في طالع منكود
انظري فالجموع شاخصة الأب ... صار ترنو الى ضياك الوحيد
فامددي الكف للكرام فغبن ... أن تعيش الكرام عيش العبيد!
стр. 61
الدرارى واللآل لمدح محمد والآل
(صالح طه) (مدح الرسول ﷺ بقصيدة فيها ٩٩ بيتا من النوع المهمل (الكلمات ذات الأحرف غير المنقطة فقط) جاء فيها:)
اسر الأسود هلال سلع والحمى ... لمّا رعى آل اللّوى ولهم حمى
وسرى هواه الى المعالم كلّها ... ووصاله امر محال واللّمى
اسما وسلمى وعدهم وسراهموا ... واللى اعلم ما المراد له! ما
عسسّا له ملك الهصور مدرعا ... وهوارم المرأى رموه مكلّما
ووسامه ملك الكمال وأهله ... وله سواحر مهمهم سحر الدّمى
راح السرور وماله راح الكرو ... م سلامه وأرى اللّواحى حصرما
امّا هواه للودود مواصل ... ولكم دعى الى المدائح هوّما
ومحمّد لولا الهدى وكلومه ... ما هام صالح لا ولا همل الدما
стр. 62
صحراء يثرب
(جورج صيدح)
لا يعجز الله الذي ... إن قال كن للشيء كان
أمر الرمال فاطلعت ... صحراء يثرب أقحوان
للرسل آيات وهذا ال ... طفل آيته البيان
الروح يملي ما يتر ... جمه ونعم الترجمان
بالضاد آذن ربه ... فتخلدت لغة الأذان
يا صاحبي بأي آلا ... ء الرسول تكذبان؟
شرفا حراء الغار هل ... كحراء في الدنيا مكان
أخذ الشهادة من شفا ... هـ المصطفىء أخذ البنان
في صدره ضم النجى ... وصان معجزة الزمان
وتنزلت أم الكتا ... ب على اليتيم مع اللبان
فهدى الأعارب ذلك ... الأمي بالسور الحسان
أضحوا وفي الدنيا لهم ... شأن وعند الله شان
يا صاحبي بأي آلا ... ءالنبي تكذبان؟
يا من سريت على البرا ... ق وجزت أشواط العنان
آن الأوان لأن تجد ... د ليلة المعراج.. آن
عرج على القدس الشر ... يف ففيه أقداس تهان
стр. 63
ضج الحجيج به ور ... يع ضريحه والمسجدان
والقوم ألسنة ... مبللة كأن الحشر حان
هذي «سدوم» تصاعد ... النيران منها والدخان
والذعر يحدو الشاردين ... كأنهم قطعان ضان
ماذا دهاهم هل عصو ... ك فأصبح الغازي جبان
أنت الذي علمتهم ... دفع المهانة بالسنان
ونذرت للشهداء ... جنات وخيرات حسان
يا صاحبي بأي آلا ... ء النبي تكذبان؟
стр. 64
من القلب
(صالح جودت)
يا حبيبا لست أخشى فيه عين الرقباء ... أتمناه، ولا يمنعني عنه حيائي
هو في البأساء عوني، وهو في الليالي ضيائي ... وعليه صلواتي ... ولمغناه دعائي
يا حبيب الله والناس ... ويا نور السماء ... يا مجيري من مصيري، يا أمير الأنبياء
يا شفيعي، يوم لا يسأل عني شفعائي ... يا ثرائي يوم ألقى عرض الدنيا ورائي
أنا غنّيت بذكراك صباحي ومسائي ... وبذكراك انتشت روحي فأبدعت غنائي
وبنجواك ازدهت نفسي وتاهت خيلائي ... وعلى بابك يا أحمد ألقيت رجائي
كلما عانيت ناديتك فانداح عنائي ... يا بشير المسلمين المؤمنين الأتقياء
إن تكن عني رضيا فأنا في السعداء ... يا حبيب الله والناس ... ويا نور السماء
стр. 65
قصيدة إلى محمّد في ذكرى مولد الرّسول العربيّ الكريم مثل الإنسان الأعلى على مرّ العصور
(يوسف الخطيب)
إني لحاسر رأسي، غير منتعل ... حاد لك التوق، لم أرجع، ولم أصل
مسافر فيك، غاد عنك في سفر ... حلّي لديك، على الآفاق، مرتحلي
مطيتي خيل أحلامي أسابقها ... وصاحباي زمير الريح في الأسل
أدني الى الأرض أذني، أقتفي اثرا ... لو يصهل الرمل بالخيالة الأول
لكنني جثّني التاريخ ناحية ... لما عقدت زؤان الصيف في السّبل
فها أنا، ميت حي، تنازعني ... يدي اليك، وأيد جمة الغيل
стр. 66
مذ متّ جذري بأسباب الى حجر ... فانبتّ، خذني الى بستانك الخضل
إني لحاسر رأسي، غير منتعل ... حاد لك التوق، لم أرجع، ولم أصل
آنست نارك في الظلماء آن خبت ... على مدار الدجى كذابة الشعل
أهلي على جبل الزيتون مطغاة ... جراحهم، من أضان الكون من جبل
زيتونة الله حسبي دون شعلتها ... لو حلم مشكاتها في جفني السّمل
آتيك أنت، أنادي خلف أزمنة ... ما بيننا، وسواف وعرة السبل
ورائي الشمس ليل في هجيرتها ... وسدت الأرض، من خلفي، ومن قبلي
وجزت أهلي بأرض الطور، أعينهم ... مقروحة في دخان الجن والخبل
خلّفت جلدة وجهي فوق توسجة ... ورايتي في عجاج الرمل، والرّمل
وعارض لي بالأحقاف خاتلني ... عن وابل الأفق، في أفق من الوبل
مزقت في اللات صدري أستغيث به ... فما تغيّثت من لات ولا هبل
стр. 67
ولا الغرانيق أغنتها شفاعتها ... في يوم أبرهة، عنها، فتشفع لي
صماء، معوجة أنفا، وأعرفها ... واغيرة النّصب الأزلام إن أقل
بلى أقول، إله التمر ألعنه ... والنافحين بخور القات والبصل
أعلى العليين من فيهم، فأنبئه ... أحقّ والله في جنبيك سيف علي
هم أمنع الصخر أن تندى جباههمو ... وأطيع العير متن العار، والذّلل
من أعطو الذئب سلطانا ومقدرة ... فانظر قرونهمو في ربقّة الحمل
آتيك أنت، وما خليت من افق ... الا استطالت عليه راية الفشل
آتيك، أهمز خيلا غير مسرجة ... لما تعليت آلامي إلى أملي
كن عودتي في خيام الحزن انشرها ... حمراء الوية خفاقة الجذل
كن شعلتي في ضلوع الليل اغمدها ... كن غيمتي فوق قحط الروح وانهمل
كن همتي عندهم الحق اطلبه ... كن امتي، بعد، من جلت على الجلل
كن في ربيعك عودا خالدا، وعلى ... نقع الميادين، رفد النور والامل
стр. 68
أم اليتيم يتيم الدهر، لا عقب ... رحماك يا أمة وحمى بلا حبل
وما أنبيّك، لا الاقصى بذي سبب ... ولا الى الملأ الأعلى بذي رسل
تبدلت سحن، أخرى، بساحته ... الا عمائم رمز النسك والوجل
الا النقوش على التيجان من ذهب ... حال النهار على الدنيا، ولم تحل
حتى الإمام غدا بيّاع احجبة ... ألن يكيل إليّ اللص إن أكل
وفي المغارة، طفل الله شاخصة ... عيناه في موعد باك على الطّفل
أمّاه، يا أمّة، حبا ومرحمة ... صوغي لفوديه تاج الشمس والقبل
واحثي رمادك يا كنعان نازعة ... في الله من جدل أعلى، إلى جدل
لكنني عدت، يوحنا بلا وبر ... على الصحارى، قشيب الخفّ والحلل
آتيك أنت، بلا درب، يخاتلني ... عنك السراب، وموج الزيغ والزلل
ولو تناوبت درب القدس في عمر ... ما كان عبدي قضى نحبا، ولا جملي
стр. 69
لكن، أنخت بوادي الصخر راحلتي ... واد من السلف الأنباط يرجع لي
خزائني فيه صوان، وآلهتي ... اهش من رنة الفخار في القلل
عدت الشقيّ على رسم اماحكه ... وعاج غيري على زوّادتي بدلي
ضيّعت في إرم الفا أضيّعها ... برية السمن، والتاريخ، والعسل
ضيّعت، ضيّعت، للأحصي نثار يدي ... طائيّ قفر أداري قيلة البخل
ضيّعت، عن غنمي بالأمس، أدعيتي ... وانجمي في بهيم الليل، عن ابلي
بي، بعد، ذاك الذي هدّمت خيمته ... الوائد النسوة، الباكي على ظلل
الضائع، الأشعث، المغبّر من سفر ... في غير ما سفر يوما، ولا نزل
آتيك أنت، وبي غلّ، وأجنحة ... فصام حد الردى، والبعث، في رجل
ولو تقرّيتني ألفيت في جسدي ... غيري، وخلت بثغري ذات منتحل
ما أعلم النبض في صدري، أدفق دمي ... أم داب ناعورة دوّارة الملل
تقطّعت بي عرى، من أين اوصلها ... إن لم أصل بك أشلائي، ولم تصل
стр. 70
بي منك، أعلم، هام غير خافضة ... فلا تقل بك مني لفتة الخجل
يتيم مكّة، ما يتمي تراب أب ... يتمي تراب المدى ذي السهل والجبل
إخال لي وطن الدنيا وجنّتها ... وليس لي فيه حتى حفرة الأجل
وما عدوت بلا وجه على أحد ... حتى عدا قبلي المنحوت في بطل
قد جانب السيف لحمي في الوغي ودمي ... وحزني السيف في روحي وفي مثلي
قم داوني كرمة علويّة، ورؤى ... إني سئمت حواة السيف والعذل
هميّ لديك ثمالات معتقة ... يرعشن في جنان الغائب الثمل
أفض خوابي حراء من عرائشها ... وصبّ في الليل، ضوء الله في المقل
стр. 71
مع الهجرة على مشارف القرن الخامس عشر
( «محمد منذر لطفي» ) (مهداة إلى الرسول العربي الكريم محمد ﷺ بمناسبة انقضاء «١٤٠٠» سنة على هجرته الشريفة من مكة إلى المدينة المنورة.)
نجمان من غرر الأصول ... نجم الرسالة.. والرسول
هذا شفاء للنفوس.. ... وذاك هدي للعقول
قد كان في «أم القرى» ... ليلان.. ظلهما ثقيل
شرك وجهل مطبقان.. ... فهل إلى برء سبيل..؟
حتى تجلى النيران.. ... فأزهر الليل الطويل
يا موسم الفجر الندي.. ... وموسم الصبح الخضيل
ما انتما إلا الشروق، ... أطلّ يجتاح الأفول
ما أنتما إلا الخميل ... أظل صحراء الطلول
ما أنتما إلا الشباب ... يضوع في كل الفصول
ما أنتما في «مكة» ... إلا الرسالة والرسول
يا من أضاء دجى الدروب. ... .. فأشرقت كل الدروب
الحق شرعك ... فامضي فيه. ... . فأنت رائدنا الحبيب
عميت عقول الناس دهرا. ... .. والضمائر والقلوب
стр. 72
فانشر مصابيح الضياء ... على المدائن والشعوب
ضاقت «قريش» بنورك ... الوضاء ... بالدوح الرطيب
فمضت تدبر في الخفاء ... ... وفي الضحى أمرا عصيب
لكنّ من حفظ الإله ... فليس ندركه الخطوب
«فاصدع بما تؤمر» وهاجر ... ... إن مولاك «الحسيب»
خرج «الرسول» وراح يحس ... والترب في كل العيون
ويمر ... فالحراس في سن ... ة عن الكنز الثمين
حتى إذا طلع الصباح.. ... . ووشح البيت الحزين
دخلت «قريش» فهالها «اللا ... شيء» والصمت المبين
لم تلق في البيت الرسول ... ... ولم تجد إلا الخدين
حارت ... وحار دليلها الأ ... شقى ... وحاديها اللعين
حتى إذا لاحت له ... آثار أقدام «الأمين»
ثارت حفيظته.. وراح ... يدق ناقوس المنون
قصد الرسول «الغار» و «الصديق» في جنح الظلام ... والقوم ... يا للقوم كانوا غارقين مع النيام ... !
وبنية سمراء يعمر قلبها النور التمام ... راحت تشق نطاقها تخفي عن القوم الطعام
تسعى إلى الغار الذي قد ضم آمال الأنام ... نسجت عناكبه الخيوط ... وباض بالباب الحمام
حتى إذا وصلت «قريش» الغار.. واحتدم الكلام ... أوحى إليه الله أن القوم قد ضلوا المرام
стр. 73
فرنا إلى «الصديق» في بشر يزف له السلام ... ويقول: إن الله ثالثنا.. فلا تخشى اللئام
مرت ثلاث ... ثم لما أعقب الليل.. النهار ... حضر الغلام يقود راحلة.. فضاء الانتظار
هيا ... وراحا ينهبان السهل والبيد القفار ... ومضت «قريش» ببحثها المحموم تسأل كل دار
هذا الكمي «سراقة» أغرته جائزة الحرار «١» ... لكنّ من حفظ الإله فليس يدركه العشار
حتى إذا لاحت لهم واحات «يثرب» والجدار ... راحت مواكبها تموج.. وزين اللقيا انتصار
وطلعت بدرا «من ثنيات الوداع» على الديار ... من كل مثلك يا «محمد» لن يضل ولن يخيب
ما كان أحوجنا إليك.. وقد تكاثرت الخطوب ... ما كان أحوجنا لمن نشر الأخوة في الشعوب
لا فرق في جنس ... وفي لون ... وفي حسب قريب ... الفرق بالأعمال.. فاصنع دولة.. تأبى الغروب
إن صوّحت جناتها ... فغدا تماوج بالطيوب
ولئن خبت نيرانها ... فغدا يباركنا اللهيب
أكبرت شرعك أن يغيبه زمان ... أو يغيب ... أكبرته.. أكبرت مكة، والمدينة، والحبيب
أدعو الإله بأن تكون لي الشفيع من الذنوب ... أدعوه ... وهو هو السميع.. هو الغفور.. هو المجيب
стр. 74
صفات الرّسول
(إلياس قنصل) (حلم الشاعر أنه في أرض النبوة فكانت هذه القصيدة)
حباك رضاء الله ما كنت تطلب ... فهل لك بعد الآن يا قلب ما رب؟
أنا اليوم في أرض النبوة والتقى ... يجللني من هالة الوحي كوكب
انطلق عهد الحق من جنباتها ... فضاء الهدى وانجاب للبطل غيهب
وعز بما فيه من الخير مشرق ... وأحرز منه رحمة الصفح مغرب
وزعزع دنيا بالحقود كئيبة ... وركز دنيا بالتساهل تطرب
على صخرة الإيمان قام أساسها ... فعي عن التهديم فيها المخرب
ووطد عدلا أفقه ليس ينتهي ... وركن آمنا بدره ليس يحجب
وسنرى فما في الناس يشمخ سيد ... تذل كما تهوي الرقاب وتضرب
ولا لاتقاء السوط جنس مصفد ... ولا لاحتمال اللطم شعب معذب
وليس للون المرء أية قيمة ... إذا لم يميّزه صنيع مطيب
ولا فضل للإنسان يغزر كسبه ... إذا لم يكن للفضل ما هو يكسب
لمن رام أن يحظى بنعمة ربه ... فما بسوى التقوى إلى الله يقرب
وخطط للدارين نهجا مسددا ... أماني من يجري به لا تخيب
وفك عن الأفهام أطواق غلها ... وكانت بصحراء الفدامة تغرب
نعست كما شاء الخيال طليقة ... طرائفها الغراء تنمو وتثقب
وأبعد خوفا لا يبرره غد ... وما الخوف إلا النزاع أو هو أصعب
وزلزل عدوان القوي تشده ... وجاهة مال من يد الفقر تسلب
وحض على المعروف من غير منة ... يزول بها الأجر الذي كان يرقب
وهيأ للأجيال شرعا محددا ... يسدد ما تحتاجه ويدرب
стр. 75
وثبت آلاء الأخوة جاليا ... مآثر يهديها الولا والتحبب
وقوم أسباب التعاون فاغتدى ... نظاما على فوضى الجفا يتغلب
وقائعها للباحثين خوارق ... وتفسير ما فيها من الفوز أغرب
وما انتصر الفولاذ في ساحة الوغى ... رماحا إلى صدر العدو تصوب
بل انتصر العزم الذي شد أزره ... وفاء لما أوحاه طبع مهذب
وما اندحر الجيش الذي عاش خائفا ... وباغته جيش جريء مدرب
بل اندحر العهد الذي كان أمره ... مشيئة من يردي ويطغو ويغصب
لئن شاءت الدنيا من العرب همة ... إذا جارت الأرزاء تعلو وتصلب
فما نشر الإسلام سيف مجرد ... ولا عمم الإسلام عزم مرتب
ولكن كتاب لم ير الناس مثله ... مناهله للخير تنمو وتعذب
يشع على هام الدهور بيانه ... ويخلد ملك الضاد منه ويقشب
شرائعه في كل عصر وبيئة ... مثال لما يلي الرشاد ويوجب
لو اتبعت أهدت إلى العالم المنى ... وبات على زهر الصفا يتقلب
وأمسى التراضي سنة مستحبة ... وزال التجافي واضمحل التحزب
فلست تلاقي من يجور ويعتدي ... ولست تلاقي من يخاف ويكأب
وما نشر الإسلام جيش مرتب ... عليم بأسرار الوقائع محرب
ولكن صفات في الرسول كريمة ... ببوتقة، الأحداث تسمو وتنجب
تجلى بها «الإنسان» يدنو بخلقه ... إلى قمة فيها الكمال المنصب
يقابل بالصبر الجميل ضغائنا ... تمادى بها وغد يسب ويثلب
ويعفو عن الأسرى وكان وعيدهم ... بما في نواياهم من الثأر يلهب
ويطلب رأي الآخرين ورأيه ... متى بدت الآراء أعلى وأصوب
ويوصي بإسعاف الفقير وإن يكن ... عدوا لدودا في الوقيعة يدأب
إذا جاءه الملهوف فهو له أخ ... وإن جاءه المحروم فهو له أب
وإن عاد ذو إثم عن الإثم نادما ... يغض عن الماضي ولا يتعتب
ويحنو على الشيخ الذي جف عزمه ... ويحبو مع الطفل البريء ويلعب