مع الهجرة على مشارف القرن الخامس عشر
( «محمد منذر لطفي» ) (مهداة إلى الرسول العربي الكريم محمد ﷺ بمناسبة انقضاء «١٤٠٠» سنة على هجرته الشريفة من مكة إلى المدينة المنورة.)
نجمان من غرر الأصول ... نجم الرسالة.. والرسول
هذا شفاء للنفوس.. ... وذاك هدي للعقول
قد كان في «أم القرى» ... ليلان.. ظلهما ثقيل
شرك وجهل مطبقان.. ... فهل إلى برء سبيل..؟
حتى تجلى النيران.. ... فأزهر الليل الطويل
يا موسم الفجر الندي.. ... وموسم الصبح الخضيل
ما انتما إلا الشروق، ... أطلّ يجتاح الأفول
ما أنتما إلا الخميل ... أظل صحراء الطلول
ما أنتما إلا الشباب ... يضوع في كل الفصول
ما أنتما في «مكة» ... إلا الرسالة والرسول
يا من أضاء دجى الدروب. ... .. فأشرقت كل الدروب
الحق شرعك ... فامضي فيه. ... . فأنت رائدنا الحبيب
عميت عقول الناس دهرا. ... .. والضمائر والقلوب
стр. 72
فانشر مصابيح الضياء ... على المدائن والشعوب
ضاقت «قريش» بنورك ... الوضاء ... بالدوح الرطيب
فمضت تدبر في الخفاء ... ... وفي الضحى أمرا عصيب
لكنّ من حفظ الإله ... فليس ندركه الخطوب
«فاصدع بما تؤمر» وهاجر ... ... إن مولاك «الحسيب»
خرج «الرسول» وراح يحس ... والترب في كل العيون
ويمر ... فالحراس في سن ... ة عن الكنز الثمين
حتى إذا طلع الصباح.. ... . ووشح البيت الحزين
دخلت «قريش» فهالها «اللا ... شيء» والصمت المبين
لم تلق في البيت الرسول ... ... ولم تجد إلا الخدين
حارت ... وحار دليلها الأ ... شقى ... وحاديها اللعين
حتى إذا لاحت له ... آثار أقدام «الأمين»
ثارت حفيظته.. وراح ... يدق ناقوس المنون
قصد الرسول «الغار» و «الصديق» في جنح الظلام ... والقوم ... يا للقوم كانوا غارقين مع النيام ... !
وبنية سمراء يعمر قلبها النور التمام ... راحت تشق نطاقها تخفي عن القوم الطعام
تسعى إلى الغار الذي قد ضم آمال الأنام ... نسجت عناكبه الخيوط ... وباض بالباب الحمام
حتى إذا وصلت «قريش» الغار.. واحتدم الكلام ... أوحى إليه الله أن القوم قد ضلوا المرام
стр. 73
فرنا إلى «الصديق» في بشر يزف له السلام ... ويقول: إن الله ثالثنا.. فلا تخشى اللئام
مرت ثلاث ... ثم لما أعقب الليل.. النهار ... حضر الغلام يقود راحلة.. فضاء الانتظار
هيا ... وراحا ينهبان السهل والبيد القفار ... ومضت «قريش» ببحثها المحموم تسأل كل دار
هذا الكمي «سراقة» أغرته جائزة الحرار «١» ... لكنّ من حفظ الإله فليس يدركه العشار
حتى إذا لاحت لهم واحات «يثرب» والجدار ... راحت مواكبها تموج.. وزين اللقيا انتصار
وطلعت بدرا «من ثنيات الوداع» على الديار ... من كل مثلك يا «محمد» لن يضل ولن يخيب
ما كان أحوجنا إليك.. وقد تكاثرت الخطوب ... ما كان أحوجنا لمن نشر الأخوة في الشعوب
لا فرق في جنس ... وفي لون ... وفي حسب قريب ... الفرق بالأعمال.. فاصنع دولة.. تأبى الغروب
إن صوّحت جناتها ... فغدا تماوج بالطيوب
ولئن خبت نيرانها ... فغدا يباركنا اللهيب
أكبرت شرعك أن يغيبه زمان ... أو يغيب ... أكبرته.. أكبرت مكة، والمدينة، والحبيب
أدعو الإله بأن تكون لي الشفيع من الذنوب ... أدعوه ... وهو هو السميع.. هو الغفور.. هو المجيب
стр. 74
صفات الرّسول
(إلياس قنصل) (حلم الشاعر أنه في أرض النبوة فكانت هذه القصيدة)
حباك رضاء الله ما كنت تطلب ... فهل لك بعد الآن يا قلب ما رب؟
أنا اليوم في أرض النبوة والتقى ... يجللني من هالة الوحي كوكب
انطلق عهد الحق من جنباتها ... فضاء الهدى وانجاب للبطل غيهب
وعز بما فيه من الخير مشرق ... وأحرز منه رحمة الصفح مغرب
وزعزع دنيا بالحقود كئيبة ... وركز دنيا بالتساهل تطرب
على صخرة الإيمان قام أساسها ... فعي عن التهديم فيها المخرب
ووطد عدلا أفقه ليس ينتهي ... وركن آمنا بدره ليس يحجب
وسنرى فما في الناس يشمخ سيد ... تذل كما تهوي الرقاب وتضرب
ولا لاتقاء السوط جنس مصفد ... ولا لاحتمال اللطم شعب معذب
وليس للون المرء أية قيمة ... إذا لم يميّزه صنيع مطيب
ولا فضل للإنسان يغزر كسبه ... إذا لم يكن للفضل ما هو يكسب
لمن رام أن يحظى بنعمة ربه ... فما بسوى التقوى إلى الله يقرب
وخطط للدارين نهجا مسددا ... أماني من يجري به لا تخيب
وفك عن الأفهام أطواق غلها ... وكانت بصحراء الفدامة تغرب
نعست كما شاء الخيال طليقة ... طرائفها الغراء تنمو وتثقب
وأبعد خوفا لا يبرره غد ... وما الخوف إلا النزاع أو هو أصعب
وزلزل عدوان القوي تشده ... وجاهة مال من يد الفقر تسلب
وحض على المعروف من غير منة ... يزول بها الأجر الذي كان يرقب
وهيأ للأجيال شرعا محددا ... يسدد ما تحتاجه ويدرب
стр. 75
وثبت آلاء الأخوة جاليا ... مآثر يهديها الولا والتحبب
وقوم أسباب التعاون فاغتدى ... نظاما على فوضى الجفا يتغلب
وقائعها للباحثين خوارق ... وتفسير ما فيها من الفوز أغرب
وما انتصر الفولاذ في ساحة الوغى ... رماحا إلى صدر العدو تصوب
بل انتصر العزم الذي شد أزره ... وفاء لما أوحاه طبع مهذب
وما اندحر الجيش الذي عاش خائفا ... وباغته جيش جريء مدرب
بل اندحر العهد الذي كان أمره ... مشيئة من يردي ويطغو ويغصب
لئن شاءت الدنيا من العرب همة ... إذا جارت الأرزاء تعلو وتصلب
فما نشر الإسلام سيف مجرد ... ولا عمم الإسلام عزم مرتب
ولكن كتاب لم ير الناس مثله ... مناهله للخير تنمو وتعذب
يشع على هام الدهور بيانه ... ويخلد ملك الضاد منه ويقشب
شرائعه في كل عصر وبيئة ... مثال لما يلي الرشاد ويوجب
لو اتبعت أهدت إلى العالم المنى ... وبات على زهر الصفا يتقلب
وأمسى التراضي سنة مستحبة ... وزال التجافي واضمحل التحزب
فلست تلاقي من يجور ويعتدي ... ولست تلاقي من يخاف ويكأب
وما نشر الإسلام جيش مرتب ... عليم بأسرار الوقائع محرب
ولكن صفات في الرسول كريمة ... ببوتقة، الأحداث تسمو وتنجب
تجلى بها «الإنسان» يدنو بخلقه ... إلى قمة فيها الكمال المنصب
يقابل بالصبر الجميل ضغائنا ... تمادى بها وغد يسب ويثلب
ويعفو عن الأسرى وكان وعيدهم ... بما في نواياهم من الثأر يلهب
ويطلب رأي الآخرين ورأيه ... متى بدت الآراء أعلى وأصوب
ويوصي بإسعاف الفقير وإن يكن ... عدوا لدودا في الوقيعة يدأب
إذا جاءه الملهوف فهو له أخ ... وإن جاءه المحروم فهو له أب
وإن عاد ذو إثم عن الإثم نادما ... يغض عن الماضي ولا يتعتب
ويحنو على الشيخ الذي جف عزمه ... ويحبو مع الطفل البريء ويلعب
стр. 76
ويرفض إلا الصدق في كل موقف ... ولو كان فيه ما يضر وينكب
ويمعن في صوغ المديح لمحسن ... ويحبس عنه عذله حين يذنب
تواضعه، والنبل فيه فضيلة ... وليس كلالا خلفه الضعف يسرب
صفات نبي أحسن الله خلقه ... نفوس الورى من رفدها تتهذب
стр. 77
هذان أنت
(مصطفى عكرمة)
ضمنت للحق عمر الدهر ما يجب ... يا من بك الحق يزهى حين ينتسب
وعشت للحق لا ترضى به بدلا ... وإن اصابتك في تأييده النوب
ما اثاقلت نفسك المثلى بفطرتها ... ولا صبوت لما لم يرتضى الأدب
عرفت ربك قبل الوحي في خلد ... ما داخلته، ولا مرت به الريب
فكنت أكمل من تمت خلائقه ... وعز في مثلها أن تفخر العرب
هذان أنت.. قبيل الوحي خير فتى ... ويوم أرسلت نالت عزها الحقب
دعوت قومك للتوحيد يعصمهم ... فما استجابوا. ولكن رأسهم ركبوا
أنت الحريص عليهم والرؤوف بهم ... وما يزال رحيما قلبك الحدب
يزداد حلمك فيهم عند كل أذى ... فأنت أم لهم، رغم الأذى وأب
وأنت وحدك في إنقاذهم سبب ... وكي يزيلوك كل عنده سبب
أغروك بالمال. بالدنيا. بما ملكت ... يد الزمان.. وكان الموقف العجب
لله كوكبة قد آمنت رغبا ... وياله رغبا ما مثله رغب!!
سموا بهديك عما نالهم.. ورأوا ... جنات ربك تدعوهم، وتقترب
هم المشوقون.. وهي الشوق برحها ... ما ضر من أجلها لو أنهم صلبوا
عذبا رأوا كل تعذيب، وكم صبروا ... وزاد ما عذبوا الإيمان والدأب
الصدق إن عاهدوا يزهى وإن بذلوا ... حسبت أن أياديهم هي السحب
يستكثر الناس منهم بعض ما وهبوا ... وهم يرون قليلا كل ما وهبوا
جيل سيبقى فريدا في عقيدته ... وأعجب الأمر ما في أمرهم كذب
هل كان مثل (أبي بكر) أخو ورع ... وأين من بأسه إما دهت نوب!!
وأين من (عمر) عدلا؟! وأين ترى ... في الزهد مثل (أبي ذر) إذا نسبوا
стр. 78
وأين مثل (بلال) في الثبات؟! وهل ... (كآل ياسر) صبرا تعرف الكتب!!
لله أنت.. ولله الذي فعلت ... آيات ربك فيهم حيثما طلبوا!
بوركت قائدهم.. بوركت صاحبهم ... وبوركوا صحبة وفوا لمن صحبوا
أدنى الأقارب صار الأبعدون، وما ... أغنى مع الكفر لا قرب ولا نسب
يدا (أبي لهب) تبت، وتب بها ... والزوج تبت، وتب المال والحطب
ما كان أغناه وهو العم لو لمست ... كف الهدى قلبه.. واستبرد اللهب
ضاقت قوى الشر بالحق الذي ظهرت ... آياته.. وتنزى الحقد والغضب
وأجمعوا الأمر في سر، وقد جعلوا ... لقاتليك نياقا دونها الذهب
في كل نفس أثاروا الحقد فارتفعت ... كل السيوف. وأنت القصد والطلب
تجمعوا زمرا بالباب واحتشدوا ... مدججين ... وموج الحقد يصطخب
وظل روحك في قدسي رفرفة ... وأنت تبسم لا حقد ولا رهب
ما كان همك إلا أن ترد لهم ... ما أمنوك عليه رغم ما ارتكبوا
هذا هو الدين.. هذا ما بعثت به ... وتلك اخلاق من عن دينهم رغبوا
أوحى لك الله هاجر للأولى صدقوا ... فالمؤمنون هم الأوطان والنسب
ولا ترعك حشود الأرض أجمعها ... فانما الأمر بعد الصبر ينقلب
خرجت من بعد أن أبقيت مؤتمنا ... على ودائعهم.. تعطى متى طلبوا
أقام ربك سدا فوق أعينهم ... وقد أحسوا وكل رأسه ترب
شاهت وجوه ولولا ما دعوت لما ... شاهت.. فأحقادهم في وجههم تثب
تركت (مكة) خير الأرض قاطبة ... ورحت عنها برب البيت تحتسب
وما التفت إلى أهل، ولا نشب ... فدون ما تبتغيه الأهل والنشب
صاحبت في الرحلة الكبرى أخا ثقة ... من مثل صاحبك (الصديق) يصطحب
أقمت في (الغار) أياما على سغب ... وفي رضى الله كم يحلو لك السغب
من قاب قوسين أو أدنى قد اقتربوا ... وما رأوك ومنك النور ينكسب
إرادة الله أعمتهم، ونلت بها ... برد اليقين، وعانوا الذل وانسحبوا
طلعت من غارك المحروس شمس ضحى ... والكون صعد شكرا قلبه الطرب
стр. 79
من ذا الذي هب مثل الريح يسبقه ... حقد.. ويحمله من قومه الغضب؟!
هذا (سراقة) يرجو نيل ما وعدوا ... وكاد يظفر لولا (غارت الركب)
وعدته بسوار الملك يلبسه ... أملك كسرى وأنت اللائذ التعب؟!
وارتد عنك كمن بالكف يمسكه ... حتى بوعدك هذا دونك الكذب
يا شوق (طيبة) والبشرى تظللها ... ما مثل ما ارتقبت في الدهر مرتقب
بدر بدا من (ثنيات الوداع) لها ... إلا له لا يليق الشوق والطرب
كأن تربتها تبرا قد انقلبت ... كأنما هي ثراها أمست الشهب
هي الجنان وأهلوها ملائكة ... لو كان في الأرض أملاك لها انتسبوا
المال، والنفس، والأهلون إن طلبت ... فداء دين الذي ما كان منسحب
الدين تممت الأنصار نصرته ... ولم يحل دونها بذل ولا تعب
وكل شرك تولى. وامحى، وغدت ... رايات جندك تعلو أينما ركبوا
وعدت للبيت عودا لا أعز، وها ... أنت القدير عليهم أينما ذهبوا
وجاءك القوم في ذل، وقد نكسوا ... رؤوسهم.. وعليهم سيطر الرعب
(ماذا تظنون إني فاعل بكم) ... ساءلتهم.. وقلوب القوم تضطرب
قالوا: وأدنى أذى منهم أتاك إذا ... عدلت فيهم أبيدوا.. بعد أن غلبوا
أخ كريم علينا أنت، وابن أخ ... وران صمت.. وكل قلبه يجب
قلت: اذهوا انتم الطّلقاء. فانقلبوا ... لكن على ما مضى منهم قد انقلبوا
قلت اذهبوا؟! يا له الرحمن من خلق ... هو الرسالة شقت دونها الحجب!!
وجاءك النصر. نصر الله واكتملت ... بك الرسالات وانقادت لك الحقب
يا أكمل الناس في قول، وفي عمل ... أمسى لهجرتك التاريخ ينتسب
تمضي القرون وتبقى أنت قدوتها ... فأنت من بهداه تمت الكتب