المحتوى
الموضوع الصفحة المحتوى ٥
المقدمة ٩
الباب الأول: بواعث ازدهار المديح النبوي وانتشاره ١٥
الفصل الأول: الأسباب السياسية ١٩
الصراع الخارجي ١٩
الصراع الداخلي ٢٠
الفصل الثاني: الأسباب الاجتماعية ٢٣
المظالم والكوارث ٢٣
المفاسد الاجتماعية ٢٤
الفصل الثالث: الأسباب الدينية ٢٦
مجادلة أهل الكتاب ٢٧
مخالفة الشريعة ٣٠
المظاهر الدينية ٣١
الجدل المذهبي ٣٧
انتشار التصوف ٣٩
الرؤيا ٤١
الباب الثاني: نشأة المدح النبوي وحدوده ٤٥
الفصل الأول: نشأة المدح النبوي ٤٧
القسم الأول- المديح والرثاء والمديح النبوي ٤٧
القسم الثاني- المدح النبوي في حياة الرسول ٥٧
القسم الثالث- في العصر الراشدي والأموي ٧٥
القسم الرابع- في العصر العباسي ٨٧
стр. 2
الموضوع الصفحة
القسم الخامس- في العصر الفاطمي والأيوبي ١٠٦
الفصل الثاني: حدود المديح النبوي ١٢٥
القسم الثاني- مدح آل البيت ١٢٩
القسم الثالث- الشعر الصوفي ١٥٠
القسم الرابع- التشوق إلى المقدسات ١٧١
القسم الخامس: المولد النبوي ١٨٥
الباب الثالث: المدحة النبوية ٢٠٥
الفصل الأول: المضمون ٢٠٩
القسم الأول- المدح بالقيم التقليدية ٢٠٩
القسم الثاني- المدح الديني ٢١٨
محبته ٢١٩
فضائله ٢٢٠
هديه ٢٢٢
السيرة ٢٢٦
المعجزات ٢٣٠
تفضيله ٢٤٢
الحقيقة المحمدية ٢٤٧
الرسول والبشرية ٢٥٤
التوسل به والصلاة عليه ٢٥٩
آثار النبي الكريم ٢٧٦
ذكر الآل والصحابة ٢٧٨
القسم الثالث- مواضيع أخرى ٢٨٠
الحديث عن المديح النبوي في قصائد المديح ٢٨٥
القسم الرابع- المعاني ٢٩١
стр. 3
الموضوع الصفحة
الفصل الثاني- الأسلوب ٣١٠
القسم الأول- الشكل الشعري ٣١٦
ذكر الأماكن ٣١٦
الغزل ٣٢٠
الرحلة ٣٢٤
وصف الطبيعة ٣٢٥
الوعظ ٣٢٧
الدعاء ٣٢٩
المباشرة بالمدح ٣٣٠
الانتقال ٣٣٢
الرجز ٣٣٤
المقطوعات ٣٣٥
ضروب النظم ٣٣٧
الأشكال المتميزة ٣٤٩
القيود الشكلية ٣٥٢
النظم ٣٥٤
المعارضة ٣٥٨
الوزن والقافية ٣٦٢
القسم الثاني- الصياغة والأسلوب ٣٧٧
النظم ٣٨٣
التصنع ٣٨٩
الألفاظ ٣٩٧
القسم الثالث- الصنعة الفنية ٤٠٦
الصنعة الخيالية ٤٠٩
الصنعة اللفظية ٤١٩
стр. 4
الموضوع الصفحة
الباب الرابع: أثر المدائح النبوية ٤٢٧
الفصل الأول: أثر المدائح النبوية في المجتمع ٤٢٩
القسم الأول- الأثر الاجتماعي ٤٢٩
النصح والإرشاد ٤٣١
الاعتقاد بالمدائح النبوية ٤٣٢
الجدل العقائدي ٤٤٢
إظهار النزعة العربية ٤٤٨
القسم الثاني- الأثر التعليمي للمدائح النبوية ٤٥٨
القدوة والمثل ٤٥٩
المعرفة ٤٦٩
الفصل الثاني: أثر المدائح النبوية في الثقافة ٤٧٣
القسم الأول- أثر المدائح النبوية في الشعر ٤٧٣
أثره في الإبداع الشعري ٤٧٤
أثره في قصائد الشعر الآخرى ٤٧٧
الملاحم ٤٨٧
القسم الثاني- البديع ٥٠٦
القسم الثالث- التأليف ٥١٩
الخاتمة ٥٢٧
المصادر والمراجع ٥٤٥
المصادر المخطوطة ٥٤٥
المصادر المطبوعة ٥٤٦
المراجع ٥٦٦
الفهارس ٥٦٩
فهرس الآيات الكريمة ٥٧٠
فهرس الأحاديث الشريفة ٥٧١
الفهرس التفصيلي العام ٥٧٣
стр. 5
المقدمة
حين بدأت الاطلاع على أدب العصر المملوكي، لاحظت ظواهر أدبية مختلفة، لا زالت بحاجة إلى الدرس الجاد والمتأني، ولا زالت تنتظر من يخرجها إلى النور بعد أن قبعت قرونا متطاولة في ظلام الإهمال الذي تعامل به الدارسون مع أدب العصر المملوكي بحجج مختلفة ومسوغات واهية.
فقد أعرض معظم الباحثين عن دراسة أدب العصر، ورموه بالانحطاط والتقليد والجمود، ولم يقفوا عنده إلا وقفة عجلى لا تغني ولا تفيد، فاكتنفه الغموض في أذهان طلاب الأدب وشداته، لا يعرفون عنه غير الأحكام الجاهزة الظالمة التي اعتدنا إطلاقها عند الحديث عن أدب العصر المملوكي وما بعده.
ولم تقتصر أوصاف الجمود والانحطاط على الأدب فقط، بل أطلقت على العصر كله، وجوانب الحياة فيه، ولا ندري ما مسوغات أصحاب هذه الأحكام، ولكنها بلا شك لم تأت نتيجة دراسة مستفيضة، وأبحاث جادة، وتقييم منصف، ويبدو أن إهمال أنشطة العصر المختلفة وظلمها، يرجع إلى أمور خارجة عن نطاق الأدب والثقافة، وتتعلق بقضايا أخرى تخص الدارسين أنفسهم، الذين تابعوا في دراستهم للأدب العربي ما جاء به المستشرقون، وهؤلاء لهم نظرتهم الخاصة إلى التاريخ العربي والأدب العربي، تختلف عن نظرتنا إليهما. والعصر المملوكي هو عصر إنهاء الوجود الصليبي من وطننا العربي، وعصر رد الاجتياح المغولي المدمر، وعصر توقيف الامتداد الأوروبي نحو الشرق، وأدبه يطفح بتمجيد الانتصارات العربية على الفرنجة الأوربيين، ويظهر ذلّهم حين أرادوا سلخ بلاد الشام عن الجسد العربي الإسلامي، والقضاء على الوجود العربي الإسلامي المستقل.
стр. 6
ومن التناقض الظاهر في أحكام هؤلاء الدارسين أنهم وسموا العصر المملوكي بأنه عصر انحطاط، وأن وسائل التعبير فيه عاجزة قاصرة، يفتقر إلى الأديب الكبير والشاعر العظيم، وإلى جانب ذلك ازدهر فن العمارة، واتسعت دائرة الفنون الزخرفية، وشهد ظهور الموسوعات الكبيرة، والمؤلفات العظيمة في حقول المعرفة المختلفة، ولا ندري كيف استقامت لهم هذه الأحكام المتناقضة.
لكن سرعان ما تصدى الباحثون المخلصون للتراث العربي، والحريصون على إظهار حقائقه، لمثل هذه الآراء، فأشادوا بهذا العصر ذي الأثر العظيم، وبما أنجزته أمتنا خلاله في مناحي الحياة المختلفة.
وقد تعود قلة الاهتمام بالعصر المملوكي وأدبه- كما قيل- إلى أن الباحثين توجهوا في دراساتهم إلى عصور الإسلام الأولى التي شهدت قيام الدولة العربية الإسلامية وفتوحاتها، وازدهار حضارتها، حتى إذا وصلوا إلى العصر المملوكي فترت همّتهم، واكتفوا بما أشيع حول هذا العصر من آراء، ورددوا ما أطلق عليه من أحكام.
والذي أشيع عن الأدب المملوكي، أنه أدب الزينة الثقيلة والألاعيب اللفظية، وأنه خلا من الإبداع، وقد يكون في هذا شيء من الصحة، لكنه لا ينطبق على الأدب المملوكي كله، والشعر منه خاصة، ففيه ما هو جيد، وفيه ما هو غير ذلك، وهذه ميزة عصور الأدب جميعها، بل هي ميزة كل شاعر، وربما زادت نسبة الشعر الذي لم يرق للدارسين في هذا العصر عن غيرها في العصور السابقة، وكان هذا الشعر مقبولا عند أهله، وليس لنا أن نحاكمه بغير حكمهم، وليس لنا أن نهمله لأنه لم يجد قبولا في أنفسنا، فالناس كانوا يقبلون على شعر عصرهم ويستسيغونه، ويتذاكرونه وينفعلون به.
إن الغبن الذي لحق بالأدب المملوكي، وسوء الحكم عليه، جعلني أبحث عن
стр. 7
صورة مشرقة من صور الأدب المملوكي، تترك لدى المطلع انطباعا مغايرا لما هو سائد عنه، فوقعت على المدائح النبوية، الفن الشعري الذي نما وتكامل في هذا العصر، فكان أبرز فنونه وأرقاها، وأكثرها تأثيرا في الحركة الشعرية وفي مجتمع ذلك الوقت، وهو الفن الذي استمر وجوده والإقبال عليه إلى أيامنا هذه.
ولم يرزق هذا الفن إلى الآن من يدرسه دراسة جادة متأنية، تحيط بكل قضاياه، وتبرز أهميته وأثره، ومن التفت إليه كانت التفاتته عجلى، اقتصرت على الوصف والتعداد دون الدخول إلى جوهره، وبسط النظر في تركيبه، وبيان تطوره، وإذا غاص فيه، قصر ذلك على قصائد بعينها أو شاعر بعينه، فاحتاج الأمر إلى بسط القول فيه، وإيضاح معالمه في أذهان من سمعوا به أو قرؤوا شيئا منه، وفي أذهان من يهتزون طربا للمدائح النبوية المنشدة، ولمعانيها البديعة في أيامنا هذه.
وربما تساءل بعض المطلعين حول صحة هذا الادعاء، فللدكتور (زكي مبارك) كتاب بعنوان (المدائح النبوية في الأدب العربي) ، وهو يظهر من عنوانه أنه أوسع وأشمل من عنوان البحث الذي اخترته، وهذا صحيح، فللدكتور مبارك فضل الريادة في هذا الباب، لكنه لم يكن يقصد التأليف في المدائح النبوية، ولم يتوسع في دراستها، وجاء كتابه أقرب إلى التعريف منه إلى الدراسة المستأنية، خلط فيه المديح النبوي مع الشعر الديني باتجاهاته المختلفة. فقد عرضه ضمن دراسة أخرى، ثم فصله عنها كما قال في مقدمة كتابه: «هذا كتاب لم يكن ظهوره في الحسبان، فهو في الأصل باب من كتاب قدمته إلى الجامعة المصرية عن (أثر التصوف في الأدب والأخلاق) ورأت اللجنة المؤلفة بدرسه أن الباب الخاص بالمدائح النبوية خليق بأن يظهر مستقلا عن الأصل بعض الاستقلال» «١» .
стр. 8
«ومن الخير أن أصارح القارئ بأن هذه الفصول نسخت نسخا من الكتاب الأصيل، فلم يحذف منها شيء، ولم يضف إليها شيء» «١» .
ولم يكن فن المدائح النبوية لذلك العصر فنا طارئا على الأدب العربي، فقد عرف في حياة رسول الله ﷺ وهو جزء من الشعر الديني، الذي يعد أقدم ألوان الشعر عند الأمم جميعها، فالتقاء الفن بالدين قديم ضارب في أعماق التاريخ، فقبل الأديان السماوية كانت الصلاة مقرونة بالرقص والترنّم بالأغاني تقربا للإله، وكانت العبادة ألوانا من الفنون إلى جانب النصوص التي كانت تتلى، والتي كانت تعد من الأدب الجميل، الذي يحتفل في إنشائه ليؤثر في سامعيه.
وكان الدين وما يزال من المصادر الهامة التي تمد الأدباء بموضوعات أدبهم، وترقق مشاعرهم وأحاسيسهم وتوحي لهم بكثير من إبداعاتهم.
ويلتقي الدين والأدب في هدفهما، وهو تقويم النفس الإنسانية والمجتمع الإنساني، وإشباع الحاجة الإنسانية إلى الخير والجمال، وقد خدم الأدب العقيدة منذ القدم، فسجل دعوتها، وبث شعائرها بين البشر، وشرح مضامينها، وشاركها في بث الفضائل في نفوس الناس، وترغيبهم بالأخلاق الحسنة وتنفيرهم من الرذائل.
ومن هنا جاءت المدائح النبوية فنا أصيلا من فنون الشعر الديني، له خطره وله مكانته عند المسلمين فهو متعلق بصاحب الدين والمثل الإنساني الأعلى، فرسول الله ﷺ شخصية إنسانية فريدة، هي أعظم شخصيات التاريخ الإنساني، فكان لا بد للأدب من أن يغتني بالحديث عنها، وكان لا بد للأدب من أن يشيد بها وبفضائلها، ويقدم للناس فيضا من خصائص الإنسان الكامل، ليقتدوا بها، وتصفو نفوسهم بتملّيها، وشخصية رسول الله ﷺ استوجبت المدح من المسلمين وغيرهم لعظمتها وسموها.
стр. 9
نعم إن لرسول الله ﷺ حق الحمد أو المدح على الناس، وهو الذي أثنى عليه الله تعالى في كتابه العزيز، وهو الذي شجع الشعراء على أن يرتقوا بفنهم إلى آفاق إنسانية رحبة، ووجههم نحن الحق والخير بالقول والفعل، فقال: «إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة» «١» .
ورمى إلى كعب بن زهير بردته حين مدحه، وكان إذا أنشد حسان شعره يشرق وجهه الكريم ويدعو له ويشجعه ويثيبه، وكذلك كان يفعل مع عبد الله بن رواحة وكعب ابن مالك.
فكان المديح النبوي الفن الشعري الصادق الذي لا يخالطه رياء ولا يشوبه غرض، وكان المديح النبوي المضمون السامي لشعر انتشر انتشارا كبيرا بين الناس.
لقد عرف المديح النبوي منذ بعثة رسول الله هاديا ونذيرا، ونظمه الشعراء من الصحابة وشعراء العصور اللاحقة، لكنه لم يصبح ظاهرة متفردة إلا بعد مدة طويلة من الزمن، ولم يستقر ويتكامل إلا في العصر المملوكي، أو قبيله بقليل؛ إذ أضحت له قواعده وأصوله، وتقاليده المعنوية والفنية.
لقد كانت المدائح النبوية أرقى الفنون الشعرية في ذلك الوقت، وأكثرها سيرورة وتأثيرا، فجمعت بين الفن الرفيع والقبول العام، تذاكرها الناس على اختلاف مشاربهم وتباين ثقافاتهم، ورددوها وحفظوها.
لذلك كله، استحق فن ذلك العصر، المدائح النّبوية، دراسة شاملة، تخلّصه من أي لبس يحيق به وبحقيقته، وتظهر تأثيره وجماله، وتبرز ماله من انتشار وفاعلية، ما زالت حية بيننا، وأظنها ستظل كذلك إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.
стр. 10
ولم أشأ أن أقيد نفسي بقيود شديدة من الزمان والمكان، فأشرت إلى فن المدح النبوي قبيل العصر المملوكي وبعده بقليل، وإلى ما جادت به قرائح الشعراء خارج حدود الدولة المملوكية في مشرق الوطن العربي ومغربه، لأن الأدب لا ينقسم ويتميز بانتهاء دولة وقيام دولة، ولأن الحدود لم تكن تمنع الانتقال والتواصل والتكامل، ولو اقتصرت على الحدود الزمانية والمكانية لدولة المماليك، لجاء البحث ناقصا مفتقرا إلى جوانب هامة من المدح النبوي، وإلى النظرة الشمولية إليه.
وآمل أن تكون هذه الدراسة إضافة للدراسات التي توضح حقيقة الأدب المملوكي، وتخدم الأدب العربي ولغته الشريفة.
فلم أقصد في هذا البحث إلا الحق وإيضاح إحدى ظواهر الأدب العربي، ولم أعمد إلى الإساءة لمذهب أو التشكيك في معتقد، فالصعوبات والإشكالات الفكرية تحيط بالموضوع، وتجعل التصرف به عسيرا، فالمواقف بنت زمنها وظروفها، وعرضها من مستلزمات البحث العلمي.
د. محمود سالم محمد
стр. 11
الباب الأول بواعث ازدهار المديح النبوي وانتشاره
стр. 12
بواعث ازدهار المديح النبوي وانتشاره اتسعت المدائح النبوية في العصر المملوكي اتساعا كبيرا، وانتشرت بين الأدباء والعلماء، يتنافسون في نظمها، ويذهبون بها كل مذهب، ويسارعون إلى إنشادها في المجالس الخاصة والمحافل العامة، وفي المناسبات الدينية المختلفة التي كثرت في هذا العصر كثرة مفرطة.
وعدّ منشدو المدائح النبوية من أصحاب الشهرة، وصاروا يذكرون في كبار القوم، فابن إياس يقول في وفيات سنة (٨٤١ هـ) : «توفي ابن القرداح، المادح المنشد الواعظ، وكان فريد عصره في فن الموسيقا» «١» . ويقول في وفيات سنة (٨٧٣ هـ) : «توفي الواعظ المادح المنشد عبد القادر بن محمد الوفائي، وكان ممن له ذكر وشهرة في فنه، وكان لا بأس به» «٢» .
وصار للمنشد صفات ومؤهلات، عليه أن يتحلى بها ويحصّلها، ذكرها السبكي، فقال: «وينبغي أن يذكر من الأشعار ما هو واضح اللفظ، صحيح المعنى، مشتملا على مدائح سيدنا ومولانا وحبيبنا محمد ﷺ » «٣» .
وقد أولع الشعراء بفن المدائح النبوية في الأقطار العربية الإسلامية جميعها، وانشغلوا به، وقدموه ووضعوه في مقدمة فنون الشعر.
وإذا كان ظهور المدائح النبوية ظهورا مستقلا ذا شأن قد تمّ في المرحلة السابقة
стр. 13
للعصر المملوكي، إلا أن المديح النبوي قد اتسع ورسخ واتضحت معالمه في العصر المملوكي، وأضحت له تقاليده وأصوله، وظهر الشعراء الذين اشتهروا به وأجادوه، فشغلت المدائح النبوية قدرا كبيرا من دواوين الشعراء، ثم استقلت بدواوين خاصة بها.
إن السيرورة التي رزقها فن المدائح النبوية، لم تتهيأ في العصر المملوكي لفن شعريّ آخر، فنكاد لا نجد شاعرا من هذا العصر لم تكن له مشاركة في هذا الفن الشعري، وبلغ من الانتشار والكثرة والاتساع حدا استعصى معه على الحصر، وأي نظرة على فهرس مخطوطات أية مكتبة تثبت ذلك، وتجعل المرء في عجب من مشاركة معظم الشعراء في هذا الفن، فكيف تهيأت لهم المشاركة بعد أن أفنى غيرهم أعمارهم في نظمه والتفنن فيه؟.
وتميز قدر كبير من المدائح النبوية بطول لم نعهده في الشعر العربي، فتجاوز عدد أبياتها المئين، وذكرت قصائد مفرطة في الطول، يكاد المرء لا يصدق أن قصيدة عربية بلغت هذا العدد من الأبيات.
ومما يدل على احتفال الشعراء بفن المديح النبوي، إطلاق أسماء مختلفة على القصائد النبوية، فهذه (البردة) ، وتلك (نهج البردة) ، وهذه اسمها (تفصيل البردة) ، وتلك (أمان الخائف) ، وأخرى اسمها (ذخر المعاد على وزن بانت سعاد) ، فقصائد البوصيري وعائشة الباعونية مثلا، كلها لها أسماء، واحدة اسمها (الغرر في مدح سيد البشر) ، وأخرى اسمها (الفتح المبين) ، وثالثة (فتوح الحق) ، وهكذا ...
فما السبب وراء هذا الاتساع الكبير في فن المدائح النبوية؟ وما دواعي الإكثار منه؟
وما الغاية المتوخاة من وراء هذه الكثرة الكاثرة من المدائح؟.
إن إمعان النظر في جوانب العصر المملوكي المختلفة، وفي المدائح التي قيلت فيه، يقودنا إلى بعض الأسباب الظاهرة التي دفعت الشعراء إلى الاتساع في نظم المدائح النبوية، نستطيع إرجاعها إلى أسباب سياسية وأسباب اجتماعية، وأسباب دينية، إضافة إلى الانسياق وراء التوجه العام والتقليد.
стр. 14
الفصل الأول الأسباب السياسية
الصراع الخارجي:
كان وصول المماليك إلى الحكم في خضم اضطراب سياسي كبير، وأثناء تعرّض البلاد العربية الإسلامية إلى غزوات عاتية من الشرق والغرب. فلم تزل ممالك الصليبيين قائمة في بلاد الشام، وعادوا إلى التوسع مجددا، وجرّدوا حملة استهدفت مصر.
وكانوا في الأندلس يقتطعون الناحية إثر الناحية، وسفنهم تعتدي على الثغور العربية، وهدفهم احتلال المنطقة العربية واستيطانها ونهب خيراتها.
وفي هذه الحقبة بدأ الغزو المغولي للشرق العربي، فاجتاحوا العراق، وقضوا على الخلافة العباسية واحتلوا معظم بلاد الشام، وتقدموا نحو مصر ناشرين الذعر والدمار.
فالتقى الخطر المغولي والخطر الصليبي لتهديد الوجود العربي الإسلامي، وأدرك العرب أن هذه الغزوات تريد اقتلاعهم من الوجود، فنهضوا بقيادة المماليك لدرء الخطر الداهم عن أنفسهم.
وكان للشعراء مشاركة في حركة الجهاد العارمة لمواجهة الغزاة، فجاهد قسم منهم بنفسه وبشعره، وحث الناس على البذل والتضحية، وهاجم الغزاة وقلّل من شأنهم، ولجأ قسم آخر إلى الدين، يطلب الطمأنينة والمدد وكفّ شرّ الغزاة عن الأمة، ويدعو إلى الصلاح طريقا للخلاص من النكبات والويلات.
وقد اتخذ الفرنجة الصليب شعارا لهم في غزوهم، وتستروا بالدين لإخفاء مطامعهم السياسية والاقتصادية، وهاجموا الإسلام، فدافع الشعراء عن الإسلام ومقدساته، وردّوا على الغزاة انتقاصهم من قدر الإسلام ونبيه، فمدحوا رسول الله
стр. 15
صلّى الله عليه وسلّم، وجاءت مدائحهم النبوية دفاعا عن رسول الله ﷺ وإشادة بعظمته، ودعوة لنصرة الإسلام ومقاتلة أعدائه، وللجهاد في سبيل الله. وقدّمت القدوة والمثل من جهاد رسول الله ﷺ وصحبه، وشجاعتهم وصبرهم ومجالدتهم، إضافة إلى التشفّع برسول الله ﷺ وطلب نصرته.
الصراع الداخلي:
إذا كانت قضايا السياسة الخارجية الناتجة عن علاقة العرب المسلمين بغيرهم- وهي علاقة قتال وحرب وغزو- قد دفعت الشعراء إلى مدح الرسول الكريم والتشفع به، وطلب مدده وعونه. فإن قضايا السياسة الداخلية قد تضافرت معها على تقوية هذا التوجه نحو المدح النبوي. فالمماليك استأثروا بالسلطة، ولم يتركوا منها لرعيتهم العرب إلا بقدر ما يحتاجون إليه، فتألّم العرب من ذلك لاعتقادهم بأنهم أحق من المماليك بالملك، فهم أصحاب البلاد، ومنهم رسول الله ﷺ .
وإلى جانب ذلك كان كثير من سلاطين المماليك وأمرائهم مستبدّين، يأخذون المرء بأدنى جريرة أو دونها. ولذلك كان العرب الذين ابتعدوا قليلا عن القبضة المملوكية- أو (العربان) كما كان المؤرخون يطلقون عليهم- يثورون الثورة تلو الثورة، معبرين عن سخطهم على حكم غريب عنهم وعن بلادهم.
وكان العرب يعبرون عن هذا الشعور بالتفافهم حول آل البيت، مازجين الشعور السياسي بالشعور الديني، فال البيت عرب وهم قريبون من رسول الله ﷺ ، وأصحاب حق بالسلطة، وهو ما صرّح به حصن الدين ثعلب بن يعقوب حين قاد ثورة كبيرة ضد المماليك بقوله «نحن أحقّ بالملك من المماليك» «١» .
стр. 16
ومنهم من عاد إلى فكرة السفياني المنتظر التي راجت أيام بني أمية في موازاة فكرة المهدي المنتظر، فظهر في بلاد الشام رجل ادّعى أنه السفياني المنتظر، ناصره الفقهاء والعربان، ونادى ببطلان حكم الترك «١» .
أما الرمز العربي في السلطنة فهو الخلافة العباسية، التي أحياها المماليك عندما استقدموا أحد أبناء الخلفاء العباسيين، وبايعوه بالخلافة، ليعطوا لدولتهم الشرعية التي تفتقدها، وليأخذ كل سلطان شرعية حكمه منه، لكن الخليفة كان رمزا دينيا، ولم يكن له أي أثر محسوس في مجرى الأحداث إلا في أحيان قليلة. فالمماليك لم يحتفظوا بالخلافة العباسية إلا لإتمام إجراآت التقليد وتنصيب السلاطين، ولم يسمحوا للخليفة أن يقوم بأي عمل من أعمال السلطنة.
وكان الشعراء الذين يعتزّون بعروبتهم، يغتنمون كل فرصة لإظهار شعورهم هذا، ولو كان ذلك في الغزل بالعربيات في عصر شهد تمجيد كل ما هو تركي حتى في الجمال النسائي.
وظهر هذا الأمر في المدائح النبوية، فأكثر الشعراء العرب ذكر عروبة رسول الله ﷺ وأشادوا في مدحه بالعرب، وعرّضوا بغيرهم، لأن الإشادة بالعرب في هذا العصر قد تثير نقمة الأتراك، أو توغر صدورهم، فهي تعبر عن موقف سياسي مناوئ للحكام الغرباء، ولكن إدراجها ضمن المدائح النبوية لا تتيح لمعترض اعتراضا، وتظهر أنها إشادة بأهل الرسول الكريم وقومه، فلا يجرؤ أحد على إنكار ذلك. ومدح الرسول ﷺ يذكّر العرب أن صاحب الأمة ومنشئها منهم، وأن الصحابة الذين حملوا رسالة الإسلام إلى العالم منهم، وأنهم من أمة عزيزة عريقة، عليهم أن يعيدوا أمجادها، وليعي المماليك أنهم أتباع نبي عربي، يحق لأهله الكرامة.
стр. 17
إن كثيرا من المدائح النبوية قد حملت في ثناياها إشارات هامة إلى الأوضاع السياسية التي كانت سائدة في العصر المملوكي، مثل الغزو الخارجي الذي هدّد وجود الدولة العربية الإسلامية، ومثل استئثار فئة قليلة بالحكم وحرمان الأكثرية العربية منه، وهذا يظهر أن الآراء والمشاعر السياسية كانت وراء نظم بعض المدائح النبوية، أو أنها اشتركت مع مشاعر أخرى، دفعت الشعراء إلى نظم المديح النبوي، واتخاذه وسيلة لحمل هذه المشاعر وإظهارها، لأنها تداخلت مع المشاعر الدينية في معرض الحديث عن رسول الله، وهذا يمنع الاعتراض عليها، أو عقاب من يظهرها بالإضافة إلى أن النبي الكريم عربي، أنشأ الأمة العربية، وجعل لها مكانة سامية بين الأمم، وحمّلها رسالة سماوية خالدة إلى العالم، ومدحه يذكّر الناس بهذه الحقائق ويعلي من شأن الأمة التي بعث منها.
وكذلك الأمر في صراع الأمة العربية مع أعدائها، فإن هذا الصراع لبس لبوسا مغايرا لحقيقته، حين ادعى الغزاة أن عدوانهم على الأمة العربية دافعه الدين، فهاجموا الإسلام ونبيه، فكان الرد العربي الإسلامي في هذه الحال هو مدح رسول الله ﷺ والإشادة به، فكانت مدائحه من هذه الناحية سلاحا سياسيا يجابه به العرب أعداءهم.
وهكذا ظهر لنا بوضوح أن الدافع السياسي كان أحد الدوافع وراء نظم المدائح النبوية وانتشارها في هذا العصر.
стр. 18
الفصل الثاني الأسباب الاجتماعية
المظالم والكوارث:
كان المجتمع المملوكي مجتمعا طبقيا، يسوده نظام الإقطاع العسكري، وكان المماليك على رأس الهرم الاجتماعي، ويشكلون الطبقة الحاكمة، التي تستأثر بثروة البلاد وبالوظائف الكبرى في الدولة، ولا تترك لسواها من أمور الدولة إلا بقدر ما تحتاج إليه ولا تجيده.
وكان المماليك يؤلفون طبقة متميزة، سلطتهم مطلقة، لا يحدها إلا الشرع الإسلامي، وتجاوزوه أحيانا وخاصة عندما يكون السلطان وأمراؤه ممن لا تأخذهم في غيرهم رحمة ولا حرمة، ولذلك حفل تاريخهم بصور من المظالم، وإلى جانبها مظاهر العظمة التي أحاطوا أنفسهم بها، فبذخوا بذخا فاحشا وتركوا بقية الناس عرضة للفقر والجوع، وفريسة للأوبئة والكوارث.
بيد أن ما اتصف به حكم بعضهم من ظلم واضطهاد، وتناقض بين الحاكم والمحكوم في الوضع الاجتماعي، لم يأتوا به جملة، بل كانت هذه المظاهر موجودة من قبل، ولم تكن عند المماليك جميعهم، ولم تجتمع كلها في وقت واحد فكان من سلاطين المماليك وأمرائهم الحريص على العدل، وعلى رفع الكرب والضيق عن الناس.
وكانت العامة تعلن سخطها على المظالم، وتثور المرة تلو المرة، لترفعها عن كاهلها، وكان بعض العلماء يقولون كلمة الحق في وجه من يجور من المماليك، وينبهونهم على واجباتهم ومسؤولياتهم اتجاه من يحكمون، ويظهرون حكم الشرع فيما يتصرفون.
стр. 19
ولم يكن الشعراء بعيدين عن هذا الموقف، فكانوا يسجلون في شعرهم مشاعر السخط على مظاهر البؤس الذي يحكم حياة العامة، وإذا لم تسعف بعضهم الشجاعة الكافية للتصريح بما يجول في أنفسهم كانوا يعتمدون طريقة غير مباشرة، ويتجهون إلى الدين ومدح النبي الكريم، فيقدمون المثل الأعلى للعدل والرحمة بالناس، ويقارنون بين ما كان عليه المسلمون الأوائل، وبين ما آل إليه الأمر في عهدهم لعل حكامهم الذين يتمسّكون بالدين ويظلمونهم ينتبهون لذلك، فلا يستمرون فيما هم عليه، ولعل الناس تعي حقوقها، فتهب للمطالبة بها، وتضع حدا للأوضاع الخاطئة التي أضحت شيئا اعتاده الناس، فظنوه قدرا لا مفر منه.
وقد شهد العصر المملوكي الكثير من الأزمات الخانقة، وحدثت كوارث طبيعية حصدت الناس حصدا بالإضافة إلى المجاعات المتكررة التي أوصلت الناس إلى أكل لحوم البشر، فكانوا عندما تلمّ بهم مصيبة من هذه المصائب يضجون بالدعاء إلى الله تعالى، ويستشفعون برسوله، ليرفع عنهم هذا الكرب.
المفاسد الاجتماعية:
عرف العصر المملوكي بعض صور اللهو والمجون، والمفاسد الاجتماعية، وخاصة في أعياد النصارى، حيث يجهر الناس باللهو وشرب الخمر، ففي عيد الشهيد «يخرج عامة أهل القاهرة ومصر على اختلاف طبقاتهم، وينصبون الخيام على شطوط النيل وفي الجزائر، ولا يبقى مغني ولا مغنية، ولا صاحب لهو ولا رب ملعوب، ولا بغي ولا مخنث ولا ماجن ولا خليع ولا فاتك ولا فاسق إلا ويخرج لهذا العيد، فيجتمع عالم عظيم جدا، لا يحصيهم إلا خالقهم، وتصرف أموال لا تنحصر، ويتجاهر هناك بما لا يحتمل من المعاصي والفسوق وتثور فتن، وتقتل أناس، ويباع الخمر ... » «١» .
стр. 20
ووصل الأمر في عهد بعض السلاطين إلى حد ضمان الخمارات وأماكن الفسق، وحماية الفجور لقاء المال الذي يدفع إلى ضامن هذه الضروب من المفاسد، والذي يدفع قدرا معينا من المال للدولة.
وكانت هذه المظاهر في مد وجزر، وفقا لظروف الدولة من حروب وسواها، وحسب شخصية السلطان الحاكم، فإذا كان السلطان محبّا للهو، مجاهرا به، جاهر الناس بالمعاصي، واشتدّ ولعهم باللهو، وإذا كان السلطان جادا، منصرفا عن الملذات المحرّمة، استتر طالبو اللذة الرخيصة، وهدمت أماكن المجون، التي تباح فيها المفاسد.
وربما كان لاختلاط العناصر المختلفة، والأجناس المتباينة، أثر في انتشار مظاهر الفساد الاجتماعي، وظهور العادات الغريبة عن العرب والإسلام، وقد يكون إقبال الناس على اللهو والمجون من قبيل الهرب من قسوة الحياة، واشتداد الظلم والعسف، إلا أن هذه الحياة اللاهية لم ترق لكثير من الناس، وهاجمها رجال الدين، وعدوها أحد أسباب المصائب التي تحلّ بالأمة، وهذا ما جعل بعض الشعراء يضجّون بالدعاء إلى الله تعالى، ليخلّص المجتمع من هذه المفاسد، ويتوسلون برسوله مادحين مستشفعين ليذكّروا الناس بتعاليم الدين وحدوده، والحياة الإنسانية الحقة التي دعا إليها الإسلام، وطبقها رسول الله ﷺ ، وليشيعوا الروح الدينية بين الناس، ليعدلوا عن هذه المفاسد، أو ليقاوموها.
وقد نظم كثير من الشعراء القصائد الدينية، والمدائح النبوية منها خاصة، للتكفير عن مشاركتهم في اللهو والمجون بالفعل والقول، يطلبون فيها شفاعة رسول الله ﷺ للخلاص من ذنوبهم، ويعلنون فيها توبتهم عمّا كانوا عليه، ويأملون الأجر والثواب والمغفرة من وراء مدحهم للنبي الكريم.
стр. 21
الفصل الثالث الأسباب الدينية
إن المتتبع لأحوال الناس في القرنين السادس والسابع، يلاحظ بوضوح غلبة الروح الدينية على مجمل النشاط الإنساني في الأمصار العربية الإسلامية، ويظهر أن ما شهدته من اضطرابات عنيفة بسبب الغزو الخارجي من جهة، وبسبب النزاع السياسي الذي تستر بالعقيدة بين القوى المتصارعة على السلطة من جهة ثانية، كان وراء التمسك بالدين والحرص على شعائره، طلبا للراحة والطمأنينة حينا واتخاذه سلاحا في الصراع الداخلي والخارجي حينا آخر.
فالغزو الفرنجي للأقطار العربية اتخذ الطابع الديني، وتستر بإنقاذ المقدسات المسيحية من أيدي المسلمين، لذلك عرف ذلك الغزو بالحروب الصليبية وعرف الغزاة بالصليبيين الذين لم يكتفوا بإظهار طمعهم بالأرض العربية وخيراتها، وإظهار عدائهم السياسي للعرب، بل أخذوا في مهاجمة الدين الإسلامي وصاحبه، وإنكار نبوته، وهذا ما دعا المسلمين إلى الرد عليهم، ومجادلتهم جدالا دينيا، كان له أثره في بعض المعتقدات الدينية، وفي الأدب والفكر.
وكان يوجد قبيل العصر المملوكي دولتان، تتنافسان تنافسا سياسيا وعقائديا، هما الدولة العباسية والدولة الفاطمية، وقد وصلت آثار هذا التنافس إلى العصر المملوكي.
ويضاف إلى ذلك أن تيار التصوف اشتد قوة واتساعا، وتعددت فرقه.
فكان من نتائج ذلك كله ظهور فرق متباينة، وجدال ديني، أعطى نشاطا ملحوظا للحركة الدينية، تجلّت في إقبال الناس على علوم الدين، وكثرة التأليف فيها، وفي الأدب الديني الذي تجسد في الشعر الصوفي وإضغاء الصفة الدينية على الممدوح، وفي المدائح النبوية.
стр. 22
وهكذا أخذ الشعور الديني ينمو ويشتد، ليتهيّأ الناس لصد الغزو الصليبي، فعمل الحكام على تغذية هذا الشعور بتقريب رجال الدين وتشجيعهم، ليتقرّبوا من العامة، فبنوا المساجد والمدارس والزوايا، وأحيوا الاحتفالات الدينية بأنفسهم.
وظهر أثر هذا الشعور الديني على مجمل نشاطات الحياة في الدولة المملوكية، والدول التي سبقتها، ووصل إلى الأسماء والكنى والألقاب، فكانت مضافة إلى الدين أو منسوبة إليه.
وهذا الشعور هو الذي هيّأ للأجناس المختلفة أن تحيا في مجتمع واحد، وأن تجاهد معا لدرء خطر الغزوات العاتية، وأن تواصل بناء الحضارة العربية الإسلامية وإثرائها.
مجادلة أهل الكتاب:
ظهر التوجه الديني في الأدب ظهورا كبيرا وعميقا، فكان ينشأ في سبيل الدين ويعكس المشاعر الدينية المتأججة، ويحمل آثار المناظرات والمجادلات التي كانت تحدث بين فرق المسلمين المختلفة من جهة، وبين المسلمين وأهل الكتاب من جهة أخرى، واشتدت هذه المناظرات خلال الحروب الصليبية إذ أخذ المسلمون يدافعون عن دينهم ونبيهم، ويثبتون له النبوة بدلائل مختلفة، فصنفوا في ذلك الكتب الكثيرة، واطلعوا على كتب النصارى واليهود، ليثبتوا ما يذهبون إليه، فشاع بينهم مثلا ما نسب إلى كعب الأحبار أنه قال:
«تجد مكتوبا- يعني في التوراة- محمد رسول الله، عبد مختار، لا فظ ولا غليظ ولا صخّاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر.. مولده بمكة ومهاجره بطابة، وملكه بالشام» «١» .
стр. 23
وفي وصايا موسى ﵇ لبني إسرائيل «سيأتيكم نبي من بني إخوتكم- أي أعمامكم فله صدّقوا ومنه فاسمعوا» «١» ومما ترجموا من الإنجيل أن عيسى ﵇ قال: «إذا جاء الفارقليط، فهو يشهد لي، وأنتم تشهدون لي أيضا لكينونتكم معي من أوّل أمري.
قوله الفارقليط، معناه الحكم السر، يعرف السر، والمراد به رسول الله ﷺ » «٢»
وأورد السيوطي في كتابه (الخصائص الكبرى) فيضا من مثل هذه الروايات، أيّد المحقق بعضها، وردّ بعضها الآخر، ومما أيّده ما ذهب إليه السيوطي من أن الأناجيل اشتملت «لا سيما إنجيل برنابا على بشارات صريحة بالنبي ﷺ » «٣» .
ومن ذلك أيضا ما جاء في التوراة: «طلع الرب من سينا، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبل فاران، ومعلوم أن بريّة فاران هي الحجاز «٤» .
ومسألة الجدال بين المسلمين وأهل الكتاب قديمة العهد، وتعود إلى بداية العصر العباسي حين أخذ العرب المسلمون يترجمون كتب العلوم المختلفة، ويظهر أنّ جدالا قد وقع بين بعض رجال الدين المسلمين وأحبار النّصارى واليهود، وقد عكس هذا الجدال في كتاب (الدين والدولة في إثبات النبوة) حيث قال مؤلّفه (شهادات الحق، ومقاييس العبر متوافرة مجتمعة للنبي ﷺ في عشرة معان، لم تجتمع إلّا للمسيح ﵇، منها.. ما كان عليه نسكه وعفته وصدقه ومحمود سنّته وشرائعه.. غلبته الأمم آية بيّنة بالضرورة والحجج التي لا تدفع.. الأنبياء ﵈ قد تنبّأت عليه قبل ظهوره بدهر طويل، ووصفت مبعثه وبلده ومسيرة وخضوع الأمم له، والملوك لأمته» «٥» .
стр. 24
وقد ظهر هذا الجدال في الشعر، وخاصة عند البوصيري «١» الذي لم تخل نبوية له من مجادلة النصارى واليهود في عقائدهم، والمقارنة بينها وبين العقيدة الإسلامية ونظم ذلك في قصيدة طويلة، شرحها بنفسه، سمّاها (المخرج والمردود على النصارى واليهود) أبدى فيها معرفته الواسعة بالتوراة والإنجيل، ومطالعته لكتب النصارى واليهود، والتمعن فيها، ومنها قوله عمّا جاء فيهما من إشارات تدلّ على رسول الله ﷺ :
تخبركم التوراة أن قد بشّرت ... قدما بأحمد أم بإسماعيلا
طوبى لموسى حين بشّر باسمه ... ولسامع من فضله ما قيلا
وجبال فاران الرّواسي إنّها ... نالت على الدّنيا به التّفضيلا
إن يدعه الإنجيل فارقليطه ... فلقد دعاه قبل ذلك إيلا
يأتي على اسم الله منه مبارك ... ما كان موعد بعثه ممطولا
وكما شهدت له سيشهد لي إذا ... صار العليم بما أتيت جهولا
والمنحمّنا لا تشكّوا إن أتى ... لكم فليس مجيئه مجهولا «٢»
ثم ينتقل ليثبت نبوة رسول الله ﷺ بما يعتقده المسلمون بعد ما أثبت ذلك بما جاء في التوراة والإنجيل ليخلص إلى أن تخرّصات أهل الكتاب حول رسول الله ﷺ ليست عائدة إلى أمور دينية وإنما إلى أمور سياسية وأحقاد قديمة، إذ استطاع رسول الله ﷺ أن ينتصر عليهم، ويظهر انحرافهم عن حقيقة الشريعة السماوية، فقال:
لم يجهلوه غير أنّ سيوفه ... أبقت حقودا عندهم وذحولا
ما لي أجادل فيه كلّ أخي عمىّ ... كيما أقيم على النّهار دليلا
стр. 25
فالصليبيون كانوا دائمي الانتقاد للإسلام ومهاجمة نبيّه، لذلك ردّ المسلمون على ذلك بالدفاع عن رسول الله ﷺ ومدحه.
مخالفة الشريعة:
كان الشعور الديني في عهد المماليك متّقدا، تذكيه في بعض الأحيان الحوادث المخالفة للدين التي كانت تظهر على يدي المماليك وعمّال الدولة، إذ عدّ الناس المظاهر المخالفة للشريعة من أهم أسباب انكسار المسلمين في حروبهم مع أعدائهم، وأسباب النكبات والكوارث التي كانت تحل بهم، وكأنها عقوبة لهم على سكوتهم عن كل ما ينافي الشريعة، وقد قيل في ذلك: «فالحوادث المخالفة للدين، إذا حدثت في هذه الأمة، فهي داء، والقيام بالحق- كما جاء عن الله ورسوله- هو الشفاء «١» .
فعندما ما يشعر الناس أن هناك ما يخالف الشريعة الإسلامية السمحة، عليهم أن يغيروا ذلك بكل استطاعتهم فإذا عجزوا عن ذلك، التفتوا إلى التشدد في تأدية الشعائر الدينية، وإلى الدعاء والاستغفار، حتى لا يلحقهم وزر ما يجري أمامهم.
وقد استعرض السبكي بعض مظاهر مخالفة الشريعة على أيامه، وقارن بين أصحاب الأمر في زمانه، وما كان عليه أولو الأمر أيام رسول الله والخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم-، ثم خلص من ذلك كله إلى النتيجة التالية: «ومصلحة الخلق فيما شرعه خالقهم، وهو أعلم بمصالحهم ومفاسدهم، وشريعة نبينا محمد ﷺ متكفلة بجميع مصالح الخلق في معاشهم ومعادهم، ولا يأتي الفساد إلا من الخروج عنها، ومن لزمها صلحت أيامه واطمأنت» «٢» .
стр. 26
ومن أمثلة الخروج على أحكام الشريعة، محاولة بعض المماليك التهرب من دفع الزكاة باستصدار فتوى من أحد القضاة الذين باعوا ذممهم من أجل المال والمنصب والجاه، فقال ابن العطار في ذلك:
أمرت تركنا بمودع حكم ... حنفي لأجل منع الزّكاة
ربّ خذهم فإنّهم إن أقاموا ... نخشى أن يأمروا بترك الصّلاة «١»
ووصلت بعض الحوادث المخالفة للشريعة إلى حد الكفر الصريح، أو ما يقرب منه، فكان رجال الدين والعامة يضجّون منها، فيصل الأمر بمظهري ما يخالف الإسلام إلى القتل، ومن أمثلة ذلك، ضرب «عنق ابن سويرات بسبب أمور تنافي الشريعة» «٢» .
وقد ظهر «شخص أعجمي ادعى أنه يصعد إلى السماء، ويكلم الباري- في كل يوم، وأنه صرّفه في الكون فاعتقده جماعة كثيرة، وثبت أن في عقله خللا» «٣» .
هذه الأمور كلها دفعت الشعراء إلى مدح رسول الله، يتشفعون به من نقمة الله تعالى- على ما يغضبه، ويقدمون للناس المثل الأعلى في الأخلاق الطاهرة، والسيرة القويمة، ليقتدوا به، ويبتعدوا عن المفاسد ويتوقفوا عن مخالفة الشريعة.
المظاهر الدينية:
اهتم المماليك بالمظاهر الدينية التي تظهر تقاهم وتدينهم، واحتفلوا بالمناسبات الدينية والأعياد، ليتقربوا من الناس، ولظنهم أن ذلك يكفّر خطاياهم، فكانوا في كل
стр. 27
عام يظهرون اهتماما فائقا بمحمل الحج، ويحتفلون لذلك، ويدورون به في شوارع القاهرة قبل خروجه إلى مكة المكرمة، مملوآ بالأموال وكسوة الكعبة والإعانات لأهلها «١» ، فيضفون على الحج هالة من القداسة، ويثيرون شوق الناس إلى تأديته، ويحركون كوامن نفوس الشعراء الذين ينظمون قصائد التشوق للمقدسات، وقصائد مديح رسول الله ﷺ مثل قول نجم الدين القحفازي «٢» معبرا عن عواطفه الدينية حين رأى موكب الحج قادما من الحجاز:
يا نياق الحجيج لا ذقت سهدا ... بعدها لا ولا تجشّمت وخدا
لا فدينا سواك بالرّوح منّا ... أنت أولى من بات بالرّوح يفدى
مرحبا مرحبا وأهلا وسهلا ... بوجوه رأت معالم سعدى «٣»
ويظهر أن الحديث في هذا العصر حول زيارة قبر رسول الله ﷺ قد اتسع، وتباينت آراء رجال الدين حولها، فمنهم من جعلها قريبة من الفرض، ومنهم من جعلها سنّة محمودة، ومنهم من أنكر التوسل برسول الله ﷺ عند زيارته، وطالب بأن يتوجه الناس بالدعاء إلى الله- تعالى- مباشرة، لكن جميع المسلمين اتفقوا على تعظيم النبي الكريم وتبجيله، وتفضيله على الناس أجمعين، فقيل في ذلك: «اعلم أن زيارة قبره الشريف ﷺ ، والسفر إليه من أحسن وجوه تعظيمه المتّفق على مشروعيته، وهي مع ذلك من أكبر أنواع التوسل به ﷺ إلى الله- تعالى- لقضاء الحاجات الدنيوية والآخروية» «٤» .
إلا أن منتقدي طريقة زيارة قبر رسول الله والتوسل به لم يرضوا عن ذلك، فألّف
стр. 28
ابن تيمية كتابا في ذلك اسمه (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة) ، أنكر فيه مخاطبة الأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم، وفي مغيبهم، وخطاب تماثيلهم، وجعل ذلك نوعا من أنواع الشرك «١» .
وعلى الرغم من ذلك حرص المسلمون على زيارة قبر النبي العطر، وطلب الشفاعة عنده، وظلوا دائمي الشوق إلى المعاهد النبوية، يبثونها لواعج نفوسهم، ويرسلون إليها التحيات، ويدعون لها بالسقيا.
فزيارة رسول الله والتشوق إلى معاهده، استدعت من الشعراء أن يمدحوا رسول الله، وأن يعبروا عن حبهم له، وتعظيمهم لمقامه الكريم، ومنهم الصرصري «٢» الذي أظهر هيامه بمعاهد المدينة المنورة، وأبدى رغبته العارمة في زيارة الروضة الشريفة، لينشد فيها مدحه لرسول الله ﷺ ، فقال:
ألا ليت شعري هل أزور قبابها ... فتحمد فيها العيس شدّي ورحلتي
وأنشد في أكنافها متعرّضا ... لمن نظم مدحي فيه تاجي وحليتي «٣»
أما البرعي «٤» فإنه يجعل من زيارة رسول الله مخرجا لمعاناته وثقل ذنوبه، ومجلبة للمغفرة، فيقول:
ألوذ إلى ذاك الجناب فأحتمي ... بمن هو عند الكرب للكرب يفرج
وأدعوه في الدّنيا فتقضى حوائجي ... وإنّي إليه في القيامة أحوج «٥»
стр. 29
وبالإضافة إلى الاهتمام بالحج، والاحتفال بمواكبه، فإن المماليك حرصوا على الاحتفالات الدينية المختلفة من الأعياد الدينية والمواسم المقدسة، إلى المولد النبوي الذي احتفل له المماليك احتفالا عظيما، يليق بصاحب المناسبة، وشاركوا به إلى جانب جميع فئات الشعب، مضفين عليه العظمة والفخامة، موسعين على الفقراء والمحتاجين، فتقام الولائم، ويقرأ القرآن الكريم، وتنشد قصائد المديح النبوي.
فالمولد النبوي مناسبة هامة لنظم المدائح النبوية، فهي تذكّرهم بعظمة رسول الله ﷺ وفضله على أمته، وتثير فيهم الاحتفالات الدينية مشاعر المحبة للنبي الكريم، فتنثال المدائح على ألسنتهم، فالشعراء كانوا يحضّرون القصائد لينشدوها في هذه المناسبة وكان يطلق على هذه المدائح النبوية اسم (مولدية) ، ومنها قصيدة لصفي الدين الحلي «١» ، يقول فيها:
خمدت لفضل ولادك النّيران ... وانشقّ من فرح بك الإيوان
فوضعت لله المهيمن ساجدا ... واستبشرت بظهورك الأكوان «٢»
يضاف إلى ذلك اهتمام الناس في عهد المماليك بكل ما يتعلق برسول الله بسبب، وتعلق المسلمين عامة منذ القدم بكل ما يمت لرسول الله بصلة، فابن جبير «٣» يذكر في رحلته أنه «بني على موضع مولد النبي ﷺ مسجدا لم ير أحفل بناء منه، والموضع المقدس الذي سقط فيه ﷺ ساعة الولادة السعيدة المباركة، التي جعلها الله رحمة للأمة أجمعين، محفوف بالفضة ... يفتح هذا الموضع المبارك، فيدخله الناس كافة متبركين
стр. 30
به، في شهر ربيع الأول، ويوم الاثنين منه.. وفي اليوم المذكور.. تفتح المواضع المقدسة كلها، وهو يوم مشهود بمكة دائما» «١» .
وقد جدّ المسلمون في البحث والتقصي عن آثار رسول الله وتكريمها، فعندما عثر الملك الأشرف على النعل الشريف «بنى لأجله دار الحديث المجاورة للقلعة، وجعله فيها، يزار في عصر الاثنين والخميس» «٢» .
وكذلك فعل الوزير بهاء الدين علي بن حنا «٣» ، حين عثر على بعض آثار رسول الله، واستخلصها بأموال طائلة، فإنه بنى لذلك «رباط الآثار.. وفيه قطعة خشب وحديد، يقال إنها من آثار رسول الله ﷺ ، وهي به إلى اليوم، يتبرك الناس بها، ويعتقدون النفع بها، وفيها قال الصلاح خليل بن إيبك الصفدي «٤» :
أكرم باثار النّبيّ محمّد ... من زاره استوفى السّرور مزاره
يا عين دونك فانظري وتمتّعي ... إن لم تريه فهذه آثاره «٥»
فهذه الآثار ما فتئت تذكّر الناس برسول الله ﷺ ، وبضرورة اتباع سنّته، وتشعرهم بعظمته على بساطة عيشه وآثاره، وتثير مشاعر الشعراء لتمجيده ومدحه.
ومثل ذلك الظواهر الطبيعية التي لم يعتدها الناس كالزلازل والبراكين، فهي كانت وما تزال ترهب الإنسان، وتشعره بجلالة الخالق وقدرته، وتجبره على التوجه إليه
стр. 31
بالدعاء، وإلى الأنبياء وغيرهم بالتوسل، فحين ظهرت نار بالقرب من المدينة المنورة، ووقعت زلزلة عظيمة، و «طال أمر هذه النار على أهل المدينة، صار يودع بعضهم بعضا، وتابوا من ذنوبهم، وتصدقوا، ولزموا العبادة، حتى كشف الله عنهم هذه النار، وانجابت تلك الظلمة» «١» .
فإن هذه الحادثة وأمثالها جعلت الناس يتشفعون برسول الله ﷺ ويتوسلون به مادحين، ليرفع الله عنهم الكرب، ويقيهم هولها، وقد حدث بعد ذلك أن احترق المسجد النبوي، فكان احتراقه مناسبة هامة أفاض فيها الشعراء في مدح النبي الكريم، وتأويل سبب هذه النار.
فكان كلّ ما يتعلق برسول الله بسبب، من آثار وحوادث، يثير عواطف الناس، ويستحث قرائح الشعراء على مدحه وتمجيده، والتشفع به.
وقد شهد العصر المملوكي ظهور عدد من البدع الدينية، التي اتصف بعضها بالقبول واستمر، واتصف بعضها بالاستهجان، وكان لبعض هذه البدع علاقة برسول الله ﷺ مثل التوسل بجاه النبي الكريم عقب صلاة الصبح، الذي أمر به القاضي الشافعي المؤذنين، ففعلوه «٢» .
ومثل التذكير يوم الجمعة على الماذن، الذي أمر به الناصر محمد بن قلاوون، لتستعد الناس للصلاة «٣» وكذلك «أمر المحتسب أن يزاد بعد كل آذان، الصلاة على النبي ﷺ كما يصنع ذلك في ليلة الجمعة بعد العشاء، فصنعوا ذلك إلا في المغرب لضيق وقتها بزعمهم» «٤» .
стр. 32
وفي سنة (٧٨٢ هـ) «رسم الأتابكي برقوق بأن يحدثوا في آذان العشاء عقيب الآذان (السلام عليك يا رسول الله) فاستمر ذلك من يومئذ» «١» .
فهذه الزيادات في الآذان أو بعد الصلاة، تؤكد تعلق أهل العصر برسول الله ﷺ وتزيد من شيوع ذكره بينهم في كل أوقاتهم، وتدفع الشعراء إلى ذكره ومدحه.
أما البدع السيئة التي انتشرت في هذا العصر فإنها تتمثل في ظواهر الشعوذة والتنجيم والتنبؤ بالمستقبل، والتي ترضي حاجة الناس الذين يعيشون حياة مضطربة وفي خوف دائم مما يمكن أن تأتي به الأيام، فإن المشعوذين كانوا يحتالون على الناس باسم الدين، وأدخلوا في أذهانهم أوهاما باطلة عن مقدرتهم الخارقة على استجلاء الغيب ومعرفة ما سيحدث. ووصل الأمر بهؤلاء المشعوذين إلى أن «ادّعى شخص فقير أنه محمد بن عبد الله، النّبي الأمي» «٢» و «قبض على رجل ادّعى النبوة، وزعم أن حروف القرآن تنطق له، وأن الوحي يأتيه على لسان جبرائيل تارة، وعلى لسان ميكائيل تارة، وزعم أنه أنزل عليه قرآن يختص به فسجن ورجع عن قوله» «٣» .
وكانت هذه البدع تدفع الناس إلى الاستغفار من شرّها، وتجعلهم يتوسلون برسول الله ﷺ حتى لا تحلّ بهم جرائرها.
الجدل المذهبي:
وصل في هذا العصر الجدل الديني إلى أشده بين المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب من ناحية وبين الفرق الإسلامية المختلفة من ناحية ثانية، واحتدم بين الاتجاهات الدينية
стр. 33
الإسلامية، التي تمثّلت في أصحاب المذاهب الأربعة من السنة، والمذاهب الشيعية المختلفة، والفرق الصوفية المتباينة.
وكان من نتيجة هذا الجدل انشغال الناس بأمور العقيدة، وظهور آراء دينية جديدة، فيها شيء من الغرابة، وانقسام الناس بين المذاهب المختلفة، وتعصبهم لمذاهبهم، وتطرف بعض الفرق في آرائها، مستفيدة من الفلسفات الغريبة والأديان المختلفة.
وقد دفع التطرف في آراء بعض الفرق علماء الدين إلى محاربة هذه الانحرافات في العقيدة، وحضوا أصحاب الأمر على التصدي لهؤلاء، فقال السبكي: «من واجب أولياء الأمور، دفع أهل البدع والأهواء، وكف شرهم عن المسلمين» «١» .
وطالب الفقهاء بفرض عقوبات قاسية على من يتعرض للشريعة السمحة بسوء، «ومنها سفك دم من ينتقص جناب سيدنا ومولانا وحبيبنا محمد المصطفى ﷺ ، أو من يسبّه، فإن ذلك مرتد كافر، ذهب كثير من العلماء إلى أن توبته لا تقبل» «٢» .
فهذا الجدل الديني، جعل الشعراء يحصرون اهتمامهم برسول الله في المقام الأول، ويبثونه حبهم وإجلالهم، ويمدحونه بشعر غزير، يتغنّون فيه بشمائله الكريمة ويتشفعون به من ذنوبهم وسوء أحوال الأمة.
والطريف في الجدل الديني آنذاك تباين آراء المسلمين حول وراثة رسول الله ﷺ فالشيعة يرون أن أئمتهم ورثوا رسول الله وخلافته نصا وشرعا، لأنهم آل بيته وأقاربه، والمتصوفة ادعوا وراثتهم الولاية والطريقة عن رسول الله، ومنها استمدوا كراماتهم، وظل خلفاء بني العباس على اعتقادهم بوراثة رسول الله، فقد جاء في مبايعة الخليفة الحاكم بأمر الله: «إن أمير المؤمنين لما أكسبه الله من ميراث النبوة ما كان لجده وآتاه من خاتم الأنبياء ما امتد به أبوه سليمان وتصرف..» «٣» .
стр. 34
أما أهل السنة، فإنهم يرون أنهم ورثة رسول الله، لأنهم اتبعوا سنته، ولأن رسول الله ﷺ لم يورث غير حديثه فقال ابن الوزير «١» :
العلم ميراث النّبيّ كذا أتى ... في النّصّ والعلماءهم ورّاثه
فإذا أردت حقيقة تدري بها ... ورّاثه وعرفت ما ميراثه
ما ورّث المختار غير حديثه ... فينا وذاك متاعه وأثاثه
قلنا (الحديث) وراثة نبويّة ... ولكلّ محدث بدعة إحداثه «٢»
ولذلك ضج بعض شعراء المديح النبوي من هذا الجدل الديني، ومن هذا التباين بين المسلمين، فتوجهوا في مدائحهم النبوية إلى رسول الله ﷺ ، يستنجدون به، ويطلبون شفاعته لتتخلص الأمة من الفرقة والخلاف، فتكون قادرة على مواجهة أعدائها.
انتشار التصوف:
من المظاهر الدينية التي سادت هذا العصر، وكان لها أثر كبير في انتشار المدائح النبوية واتساعها، ظاهرة التصوف الذي انتشرت طرقه انتشارا كبيرا، وتغلغت بين الناس، ونالت الاعتراف الرسمي من الدولة، فكان تعيين شيوخ الطرق يتم من قبل السلطان.
وقد شجعت الصوفية إظهارا للتدين، وحثا على الجهاد. لذلك حرص المماليك مثل سابقيهم من الأيوبيين، على بناء التكايا والزوايا للمتصوفة وأهل العلم والفقراء والغرباء، لكن بعض هذه الزوايا تحول إلى مأوى للعجزة، الذين أصبحوا مضرب المثل
стр. 35
وقد كان التصوف في مراحله الأولى تصوفا إسلاميا محضا، لا يخرج عمّا أتى به الإسلام، وعمّا عرف عن زهد الصحابة والتابعين، ثم أخذ المتصوفة يتسعون في مذهبهم، فأخذوا عن الشيعة بعض عقائدهم، وخاصة التنظيم الهرمي، وفكرة القطب أو الإنسان الكامل أو الحقيقة المحمدية، التي أخذ بها المتصوفة والفرق الإسماعيلية، وظل التصوف يتسع في العقيدة حتى خرج بها أحيانا عن حدود الدين، واستمد بعض الأفكار من الديانات السماوية وغيرها، والفلسفات القديمة، لذلك حاربها كثير من رجال الدين وردوا عليها، فتهكم الشعراء من معتقداتهم الغامضة، وطريقتهم المميزة في التعبير عنها، وقسا بعضهم في مهاجمتهم وانتقاد معتقدات الفرق المتطرفة منهم.
وأصبحت أحوال الصوفية وأعمالهم وأقوالهم مدار حديث الشعراء، وأضحى التصوف أحد مكونات الثقافة في العصر، وخاصة ثقافة الشعراء، وكان للمتصوفة شعراؤهم الذين عبروا عن مذهبهم وأظهروا وجدهم في الذات الإلهية، وشوقهم إلى الصفاء والمقدسات، وكان لرسول الله ﷺ مكان لائق في شعرهم، يمدحونه على طريقتهم، ويظهرون مكانته في عالمهم، فهم ينسبون أنفسهم إليه، ويدّعون وراثتهم لحقيقته، فقالوا: «الناس ثلاثة، عالم وعابد وعارف صوفي، وكلهم قد أخذوا من الوراثة النبوية ... العالم ورث أقواله ... والعابد ورث أفعاله ... والصوفي ورث الجميع» «١» .
وبرز في المدائح النبوية شعراء متفوقون من المتصوفة، مثل البوصيري الذي عرف بأنه من أتباع الطريقة الشاذلية، فمدائحه النبوية تعبق بالنفحات الصوفية، وبعض مدائحه تبدو أنها نظمت لتنشد في حلقات الذكر مثل قصيدته التي مطلعها:
يا ربّ صلّ على المختار من مضر ... والأنبيا وجميع الرّسل ما ذكروا «٢»
стр. 36
ويظهر تأثر شعراء المدائح النبوية بالتصوف في قصائدهم وفي معانيهم، فتلاقى الشعر الصوفي مع المدائح النبوية في التوجه الديني وفي التشوق للمقدسات، وفي ذكر رسول الله ﷺ .
الرؤيا:
شاع في العصر المملوكي أيضا رؤيا رسول الله ﷺ في المنام، أو أحد صحابته أو أحد الصالحين، فكثرت الروايات حول ذلك، يتحدث فيها الرائي عن حديث دار بينه وبين رسول الله ﷺ ، يأمره فيه النبي وينهاه، أو يعلمه بأمر سيقع، وغير ذلك مما يتعلق بالدين والمذاهب الدينية.
ومن ذلك ما ذكر عن أحمد بن محمد الأخوي «١» الذي «جاور، ورام الانتقال قبل موته بأشهر، فرأى النبي ﷺ في المنام، وقال له: أرغبت عن مجاورتي.. فالى على نفسه ألا يتحرك منها، فلم يلبث قليلا ومات، وكان يلقّب بمقبول رسول الله ﷺ » «٢» .
فهل بعد هذا اللقب من لقب؟ إن كل ما يعزى إلى رسول الله ﷺ ، ولو كان ذلك رؤيا في المنام، يلقى عند الناس قبولا وترحابا، فكم ستكون فرحة من أدّى فريضة الحج مع محمد بن بورسة البخاري «٣» ، الذي «أراد الرجوع إلى بلاده، فذكر أنه رأى النبي ﷺ في المنام، فقال له: إن الله قد قبل حج كل من حج في هذا العام، وأنت منهم» «٤» .
стр. 37
أيجد الإنسان راحة بعد الراحة التي يشعر بها من يوقن أنه من الفرقة الناجية، بعد أن يتحدث من يذهب مذهبه «أنه أخبر برؤية النبي ﷺ في المنام..، وأخبر بأنه من الفرقة الناجية» «١» .
بل إن أحدهم قال عن أحد الصالحين: (رؤي النبي ﷺ في المنام، وهو يأمر بالسلام عليه، قال: لأنه من أهل الجنة، أو قال: من سلّم عليه دخل الجنة..) «٢» .
فلماذا لا يبادر الناس إلى السلام على هذا الرجل الصالح، ويقدّرونه التقدير الذي يليق بمن يدخل السلام عليه الجنة؟.
ولنتخيل كيف سيكون إقبال الناس على ورد من الأوراد حين يذكر أحدهم أنه «تلقن ذكرا عن النبي ﷺ في المنام» «٣» .
وهكذا كثرت الروايات عن رؤيا الناس في ذلك العصر للنبي الكريم في المنام، يأمرهم وينهاهم، وهم ينفذون، لأن الناس كانوا يعتقدون في مثل هذه الرؤيا، فقد روي أن امرأة صالحة «رأت النبي ﷺ في المنام، وهو يقول لها: قولي للنساء ينتهوا عن لبس الشاش، ثم إن تلك المرأة رأت النبي ﷺ في المنام مرة ثانية، فقال لها: قد نهيتكم عن لبس الشاش فلم تنتهوا» «٤» .
وقد علّل صاحب كتاب التيسير والاعتبار تأليفه لكتابه، الذي يبحث في أحوال عصره، ويظهر مفاسده ويقدم النصائح لتجاوز هذه المفاسد، برؤيا رسول الله ﷺ في المنام، فقال: (ولما رأى العبد الأصغر الفقير في المنام سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد قلّده أمرا، يفهم من تأويله النصيحة للإسلام والمسلمين، وفهم من معنى
стр. 38
قوله ﵇، صحة الوعد بالنجاح والفلاح بإذن الله رب العالمين، فأقام العبد منتظرا ما رآه في المنام من وعد الصادق الأمين.. إلى أن ألهمه الله تعالى أن يكتب ما يفتح عليه من العلم المبرهن، الدال على النصيحة والتذكرة) «١» .
فالكاتب قد يتعرض لنقمة أولياء الأمور، لكن تصريحه بأنه انصاع لأمر رسول الله ﷺ يجعل أصحاب السلطان في حرج من أخذه بما يذكره في كتابه.
وقد أذكت هذه الرؤيا المتكررة لرسول الله ﷺ الشوق إليه، والحب لذاته، وحرّكت قرائح الشعراء وألسنتهم لتمجيده ومدحه، علاوة على أن بعض روايات رؤيا النبي الكريم كانت لها علاقة مباشرة بالمديح النبوي، وكانت وراء قصائد عظيمة في المدح النبوي، مثل بردة البوصيري، واستمر شعراء المديح النبوي، يذكرون رؤياهم لرسول الله ﷺ ، وعلاقة هذه الرؤيا بمدحهم له.
وبذلك نرى أن ارتباط الناس في العصر المملوكي بالدين الإسلامي، وبروز المظاهر الدينية المتباينة المرتبطة بالأوضاع السياسية والاجتماعية، جعلت الأسباب الدينية من أهم الأسباب التي دفعت الشعراء إلى مدح رسول الله، والاتساع في هذا المدح اتساعا لا يقع تحت حصر، فاصطلحت الدوافع الدينية العامة في المجتمع، والدوافع الدينية الشخصية لكل شاعر على حفز الشعراء إلى الإكثار من المديح النبوي، ومشاركة الناس كافة في هذا الفن الشعري، وانفعالهم به.
стр. 39
الباب الثاني نشأة المدح النبوي وحدوده
стр. 40
الفصل الأول نشأة المدح النبوي
القسم الأول: المديح والرثاء والمديح النبوي:
المدح فن عريق من فنون الشعر العربي، وأكثرها تناولا عند شعراء العربية، منذ عرف الشعر العربي على صورته المعروفة، فيه تبارى الشعراء وتفاضلوا، وفيه كان معاشهم.
وقد وقف المهتمون بالشعر العربي قديما وحديثا مواقف متباينة من فن المديح، فمنهم من أشاد به لأنه يؤثر في حياة العرب، وينشر الفضائل العربية ويحبّذها، وينهى عن النقائص الذميمة، ويدعو إلى اجتنابها. ومنهم من انتقد المديح وهاجمه، لأنه يجعل الشعر مرتبطا بأولي الأمر، ولا يلتفت إلى عامة الناس، ولأنه يجانب الصدق في أوصاف الممدوح، ويجافي الحقيقة في أعماله، ويضفي على الممدوح فضائل لا يستحقها.
والمدح وصف لأخلاق الممدوح، وإشادة بفضائله، وبيان لميزاته، وحمد لأفعاله، وقد ذهب به شعراء العربية كل مذهب للدواعي القوية التي تدفع إليه، فالشاعر المنقطع إلى الشعر، المتفرغ له لا يوجد أمامه سبيل للعيش إلا عطاء الموسرين، وهؤلاء لا يقدمونه إلى الشاعر لبراعته الفنية، ولكن جزاء مدحه لهم، فكان الشاعر مضطرا إلى مدح ذوي الجاه والسلطان وذوي المال والغنى.
ولا يقتصر إقدام الشاعر على مدح رجل أو قوم رغبة في المال، بل قد يمدح خوفا من بطش أو اتقاء لشر، أو يمدح لسبب سياسي، فعندما يميل إلى مذهب سياسي، يشيد برجاله، ويظهر حسن مذهبهم، وقد يمدح لسبب ديني، كما هو معروف في مدح آل