← Указатели

Указатели · id 23671

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

محمود سالم محمد

Полный текст (576 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ويظهر تأثر شعراء المدائح النبوية بالتصوف في قصائدهم وفي معانيهم، فتلاقى الشعر الصوفي مع المدائح النبوية في التوجه الديني وفي التشوق للمقدسات، وفي ذكر رسول الله ﷺ . الرؤيا: شاع في العصر المملوكي أيضا رؤيا رسول الله ﷺ في المنام، أو أحد صحابته أو أحد الصالحين، فكثرت الروايات حول ذلك، يتحدث فيها الرائي عن حديث دار بينه وبين رسول الله ﷺ ، يأمره فيه النبي وينهاه، أو يعلمه بأمر سيقع، وغير ذلك مما يتعلق بالدين والمذاهب الدينية. ومن ذلك ما ذكر عن أحمد بن محمد الأخوي «١» الذي «جاور، ورام الانتقال قبل موته بأشهر، فرأى النبي ﷺ في المنام، وقال له: أرغبت عن مجاورتي.. فالى على نفسه ألا يتحرك منها، فلم يلبث قليلا ومات، وكان يلقّب بمقبول رسول الله ﷺ » «٢» . فهل بعد هذا اللقب من لقب؟ إن كل ما يعزى إلى رسول الله ﷺ ، ولو كان ذلك رؤيا في المنام، يلقى عند الناس قبولا وترحابا، فكم ستكون فرحة من أدّى فريضة الحج مع محمد بن بورسة البخاري «٣» ، الذي «أراد الرجوع إلى بلاده، فذكر أنه رأى النبي ﷺ في المنام، فقال له: إن الله قد قبل حج كل من حج في هذا العام، وأنت منهم» «٤» .

стр. 37

أيجد الإنسان راحة بعد الراحة التي يشعر بها من يوقن أنه من الفرقة الناجية، بعد أن يتحدث من يذهب مذهبه «أنه أخبر برؤية النبي ﷺ في المنام..، وأخبر بأنه من الفرقة الناجية» «١» . بل إن أحدهم قال عن أحد الصالحين: (رؤي النبي ﷺ في المنام، وهو يأمر بالسلام عليه، قال: لأنه من أهل الجنة، أو قال: من سلّم عليه دخل الجنة..) «٢» . فلماذا لا يبادر الناس إلى السلام على هذا الرجل الصالح، ويقدّرونه التقدير الذي يليق بمن يدخل السلام عليه الجنة؟. ولنتخيل كيف سيكون إقبال الناس على ورد من الأوراد حين يذكر أحدهم أنه «تلقن ذكرا عن النبي ﷺ في المنام» «٣» . وهكذا كثرت الروايات عن رؤيا الناس في ذلك العصر للنبي الكريم في المنام، يأمرهم وينهاهم، وهم ينفذون، لأن الناس كانوا يعتقدون في مثل هذه الرؤيا، فقد روي أن امرأة صالحة «رأت النبي ﷺ في المنام، وهو يقول لها: قولي للنساء ينتهوا عن لبس الشاش، ثم إن تلك المرأة رأت النبي ﷺ في المنام مرة ثانية، فقال لها: قد نهيتكم عن لبس الشاش فلم تنتهوا» «٤» . وقد علّل صاحب كتاب التيسير والاعتبار تأليفه لكتابه، الذي يبحث في أحوال عصره، ويظهر مفاسده ويقدم النصائح لتجاوز هذه المفاسد، برؤيا رسول الله ﷺ في المنام، فقال: (ولما رأى العبد الأصغر الفقير في المنام سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد قلّده أمرا، يفهم من تأويله النصيحة للإسلام والمسلمين، وفهم من معنى

стр. 38

قوله ﵇، صحة الوعد بالنجاح والفلاح بإذن الله رب العالمين، فأقام العبد منتظرا ما رآه في المنام من وعد الصادق الأمين.. إلى أن ألهمه الله تعالى أن يكتب ما يفتح عليه من العلم المبرهن، الدال على النصيحة والتذكرة) «١» . فالكاتب قد يتعرض لنقمة أولياء الأمور، لكن تصريحه بأنه انصاع لأمر رسول الله ﷺ يجعل أصحاب السلطان في حرج من أخذه بما يذكره في كتابه. وقد أذكت هذه الرؤيا المتكررة لرسول الله ﷺ الشوق إليه، والحب لذاته، وحرّكت قرائح الشعراء وألسنتهم لتمجيده ومدحه، علاوة على أن بعض روايات رؤيا النبي الكريم كانت لها علاقة مباشرة بالمديح النبوي، وكانت وراء قصائد عظيمة في المدح النبوي، مثل بردة البوصيري، واستمر شعراء المديح النبوي، يذكرون رؤياهم لرسول الله ﷺ ، وعلاقة هذه الرؤيا بمدحهم له. وبذلك نرى أن ارتباط الناس في العصر المملوكي بالدين الإسلامي، وبروز المظاهر الدينية المتباينة المرتبطة بالأوضاع السياسية والاجتماعية، جعلت الأسباب الدينية من أهم الأسباب التي دفعت الشعراء إلى مدح رسول الله، والاتساع في هذا المدح اتساعا لا يقع تحت حصر، فاصطلحت الدوافع الدينية العامة في المجتمع، والدوافع الدينية الشخصية لكل شاعر على حفز الشعراء إلى الإكثار من المديح النبوي، ومشاركة الناس كافة في هذا الفن الشعري، وانفعالهم به.

стр. 39

الباب الثاني نشأة المدح النبوي وحدوده

стр. 40

الفصل الأول نشأة المدح النبوي القسم الأول: المديح والرثاء والمديح النبوي: المدح فن عريق من فنون الشعر العربي، وأكثرها تناولا عند شعراء العربية، منذ عرف الشعر العربي على صورته المعروفة، فيه تبارى الشعراء وتفاضلوا، وفيه كان معاشهم. وقد وقف المهتمون بالشعر العربي قديما وحديثا مواقف متباينة من فن المديح، فمنهم من أشاد به لأنه يؤثر في حياة العرب، وينشر الفضائل العربية ويحبّذها، وينهى عن النقائص الذميمة، ويدعو إلى اجتنابها. ومنهم من انتقد المديح وهاجمه، لأنه يجعل الشعر مرتبطا بأولي الأمر، ولا يلتفت إلى عامة الناس، ولأنه يجانب الصدق في أوصاف الممدوح، ويجافي الحقيقة في أعماله، ويضفي على الممدوح فضائل لا يستحقها. والمدح وصف لأخلاق الممدوح، وإشادة بفضائله، وبيان لميزاته، وحمد لأفعاله، وقد ذهب به شعراء العربية كل مذهب للدواعي القوية التي تدفع إليه، فالشاعر المنقطع إلى الشعر، المتفرغ له لا يوجد أمامه سبيل للعيش إلا عطاء الموسرين، وهؤلاء لا يقدمونه إلى الشاعر لبراعته الفنية، ولكن جزاء مدحه لهم، فكان الشاعر مضطرا إلى مدح ذوي الجاه والسلطان وذوي المال والغنى. ولا يقتصر إقدام الشاعر على مدح رجل أو قوم رغبة في المال، بل قد يمدح خوفا من بطش أو اتقاء لشر، أو يمدح لسبب سياسي، فعندما يميل إلى مذهب سياسي، يشيد برجاله، ويظهر حسن مذهبهم، وقد يمدح لسبب ديني، كما هو معروف في مدح آل

стр. 41

البيت ومدح بعض رؤساء المذاهب الدينية، وربما مدح لإعجابه بالممدوح فقط، دون أن يطمح من وراء مدحه إلى مال أو جزاء. وهكذا تنوع المديح وتنوعت دواعيه، فأفرغ فيه الشعراء ما جادت به قرائحهم، وما جمعته عقولهم. وتلون بألوان مختلفة في كل عصر وفي كل بيئة، ووفق قدرات كل شاعر واستعداداته، ولم يكن تكرارا مملا على مر العصور، بالإضافة إلى أن قصيدة المدح كانت تجمّل بالغزل الرقيق، وبذكر الديار والأحبّة وبوصف الطبيعة، وبكثير من أحوال النفس الإنسانية في فرحها وترحها، وفي صفائها وتعقيدها، إلى جانب ما يودعها الشاعر من خلاصة تجاربه في الحياة، ونظرته إليها في قالب حكم ومواعظ. وقد جرت العادة في الجاهلية أن يتوجه الشعراء إلى الرجال البارزين بالمدح والثناء، وخاصة إذا كان الممدوح من رجال قبيلة الشاعر، وكان المدح يدور حول القيم الجاهلية التي اعتز بها العربي من شجاعة وكرم وطيب المحتد، وشرب الخمر، والمقدرة على الغزو والسلب والسبي إلى غير ذلك من القيم التي اقتضتها البيئة الجاهلية، وعندما بعث الرسول ﷺ اتجهت إليه أنظار العرب في الجزيرة العربية، وانقسموا اتجاه رسالته السماوية ما بين مؤيد لها ومؤمن بها، ومتنكر لها كافر بها، فالجاحد لهدي النبي الأمين هاجمه وأظهر الخوف على القيم الجاهلية التي تحفظ امتيازاته، والمصدق المؤمن توجه بالمدح إلى الرسول الكريم ﷺ . ومن هنا نشأ المدح النبوي، وافترق عن غيره من المدح لأنه مرتبط بذات النبي المصطفى والنبي ﷺ يختلف عن غيره من البشر. فشخصية الرسول الكريم ﷺ العظيمة، شغلت العرب وبهرتهم، فاتجه الشعراء إليه بالمدح كما فعل الأعشى وغيره من شعراء الجاهلية، وكما فعل الشعراء المسلمون الذين آمنوا بدعوته، وانضووا تحت رايته. ومن ثم نشأ الجدل حول الشعر، والمدح منه خاصة، واختلف الناس في إباحة

стр. 42

الشعر وفي موقف الإسلام منه، وقد نقل عن الإمام الشافعي أنه قال: «إن إنشاء الشعر وإنشاده غير مذموم، والدليل عليه النص والمنقول» و «الشعر كلام حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام، غير أنه كلام باق سائر، فذلك فضله على الكلام» «١» . فالرسول ﷺ سمع الشعراء، وأجازهم على مدحهم، فكانت الخنساء تقدم على رسول الله و «كان يستنشدها، ويعجبه شعرها، وكانت تنشده، وهو يقول: هيه يا خناس، ويومئ بيده ﷺ » «٢» . وروي أن النبي الكريم «خرج علي كعب بن مالك «٣» وهو في مسجد رسول الله ﷺ ينشد، فلما رآه كأنه انقبض، فقال: ما كنتم فيه؟ فقال كعب: كنت أنشد، فقال رسول الله ﷺ : فأنشد، فأنشد» «٤» . فالنبي الأمين لم يكن يكره الشعر، ولم يكن يحارب المدح، لكنه كان يحارب فيه الكذب والتزيّد كما أوضح ذلك الأبشيهي في قوله: «أما قوله ﷺ : (إذا رأيتم المادحين، فاحثوا في وجوههم التراب) . فقد قال العتبي «٥» : هو المدح الباطل والكذب، وأما مدح الرجل بما فيه، فلا بأس به، وقد مدح أبو طالب والعباس وحسان وكعب وغيرهم رسول الله ﷺ ولما يبلغنا أنه حثا في وجه مادح ترابا وقد مدح هو ﷺ المهاجرين والأنصار ﵃» «٦» .

стр. 43

فموقف الإسلام من المديح مرتبط بالغاية من المديح وبصدقه، وليس بمبدأ المديح ذاته، ولذلك هجر الشعراء المسلمون من أغراض الشعر ومعانيه ما لا يتفق مع روح الإسلام وتعاليمه، وأبقوا على ما لا يتعارض مع الإسلام، وما يحث على الفضائل والعمل الصالح، ومن ذلك مدح الرسول الكريم وأصحابه. وقد أبقى الإسلام على الكثير من القيم الجاهلية، ونمّاها، وأكسبها دلالات جديدة تغاير دلالاتها في الجاهلية، فلم تبق الشجاعة والاستبسال في القتال من أجل التباهي والتفاخر والسلب والنهب وإنما أصبحت من أجل رفع كلمة الله، والاستشهاد في سبيله. ولم يبق الكرم للتفاخر وإظهار المقدرة، وإنما أضحى لمساعدة الإخوة في الدين، وللتعبير عن التضامن الاجتماعي، وهكذا. فمديح النبي الكريم في حياته، كان حبا به وإعجابا بشمائله، ونصرة لرسالته، وإن أعطى الرسول ﷺ على مدحه، فإنه استن سنة في أمته. وظلت دوافع المديح النبوي هذه عند الشعراء بعد أن انتقل إلى جوار ربه، وزادت على ذلك، إذا ابتغى الشعراء الأجر والثواب عند الله تعالى، وطلبوا المغفرة والرحمة، وأرادوا أن يقدموا لعصورهم المثل الأعلى للإنسان الكامل، ليقتدوا به، ويتبعوا سنته الغراء، ولإصلاح أوضاع خاطئة في مجتمعاتهم، فظلت دوافع مديحهم له تختلف عن دوافع المديح لسائر الخلق، وخلص لهم الصدق وحرارة العاطفة التي يؤججها الإيمان والحب، ولا يشوبها الرياء وطلب النوال، وقد نصّ على ذلك شعراء المديح النبوي، فقال البرعي: إذا مدح المدّاح أرباب عصرهم ... مدحت الذي من نوره الكون يبهج وإن ذكروا ليلى ولبنى فإنّني ... بذكر الحبيب الطّيّب الذّكر ألهج «١»

стр. 44

وأكد شعراء المديح النبوي أنهم لا يطلبون من مديحهم إلا وجه الله تعالى، وأن مديحهم هذا قد رفعهم إلى مكانة سامية، فقال الطرائفي «١» : مديح رسول الله أشرف مدحة ... إلّا أنّه الهادي الشّفيع المعظّم «٢» وقال أيضا: علوت مقاما بامتداحي لسيّدي ... وعلّقت آمالي بتلك المطامع «٣» وقد مدح الشعراء الرسول المختار بإظهار صفاته الكريمة وشمائله الطيبة، ومكانته السامية، وأفعاله الميمونة، وكان حيا بينهم، لكن مدحه ﷺ لم ينقطع بموته، فظل الشعراء يمدحونه إلى يومنا هذا، وكأنه حي يسمع ويجزي، ولم يسم هذا المديح رثاء أو ما يشابه الرثاء. والسبب في ذلك أن الأدباء خلطوا بين المديح والرثاء، فقالوا: إن الرثاء مدح للميت، ولم يفرق ابن رشيق بين المديح والرثاء إلا بالقرينة، فقال: «ليس بين الرثاء والمدح فرق، إلا أنه يخلط بالرثاء شيء يدل على أن المقصود به ميت، مثل- كان- أو- عدمنا به كيت وكيت- وما يشاكل هذا ليعلم أنه ميت» «٤» . وهذا الفهم للمديح والرثاء يعني أن الرثاء فرع من المديح، وأنه تطور عنه، لكنه لا يقدّم تفسيرا للحرقة واللوعة والحزن، أو البكاء والنحيب، ولا يقتضي التفجع وإظهار الأسى.

стр. 45

وهناك فهم آخر للرثاء يذهب إلى أنه «تطور عن تعويذات كانت تقال للميت، وعلى قبره، حتى يطمئن في لحده، وبمر الزمن تطور الرثاء عندهم إلى تصوير حزنهم العميق إزاء ما أصابهم فيه الزمن في فقيدهم» «١» . وإذا وجدنا ضربا من الرثاء يشيد بفضائل الميت وصفاته، فهو إما أن يكون وليد حزن ولوعة، تحيل الماضي إلى حقيقة ماثلة أمام عين الشاعر.. وإما أن يكون ذلك الرثاء سردا لصفات الفقيد فقط، دون أن يلمس جانب الحزن واللوعة في نفس الشاعر، وهو بذلك قد يقترب من المديح، ولكنه يبتعد عن أصالة الرثاء الحقيقي «٢» . وقد فصّل الدارسون في طبيعة الرثاء، وقسّموه إلى ثلاثة أقسام، هي الندب والتأبين والعزاء الذي هو الصبر، فالندب هو «بكاء الأهل والأقارب حين يعصف بهم الموت» «٣» . والشاعر ينظم قصائد يبثها لوعة قلبه وحرقته على موت بعض أهله، العزيزين على قلبه، وربما ندب الشاعر غير أهله. إذا كانوا ينزلون منه منزلة النفس والأهل، ومن ذلك ندب فاطمة- ﵂ لأبيها رسول الله ﷺ بقولها: اغبرّ آفاق السّماء وكوّرت ... شمس النّهار وأظلم العصران «٤» وقول صفيّة بنت عبد المطلب عمّة رسول الله ﷺ في ندبه: عين جودي بدمعة تسكاب ... للنّبيّ المطهّر الأوّاب واندبي المصطفى فعمّي وخصّي ... بدموع غزيرة الأسراب

стр. 46

عين من تندبين بعد نبيّ ... خصّه الله ربّنا بكتاب «١» أما التأبين فهو أدنى إلى الثناء منه إلى الحزن الخالص، وهو تصوير لخسارة الناس في كبير، «ومن هنا كان التأبين ضربا من التعاطف والتعاون الاجتماعي، فالشاعر فيه لا يعبّر عن حزنه هو، وإنما يعبّر عن حزن الجماعة، وما فقدته في هذا الفرد المهم من أفرادها، ولذلك يسجل فضائله ويلحّ في هذا التسجيل، وكأنه يريد أن يحفرها في ذاكرة التاريخ حفرا، حتى لا تنسى على مرّ الزمن» «٢» ، ويقرب من هذا التحديد قول كعب بن زهير «٣» في رثاء النبي الكريم: فجعنا بخير النّاس حيّا وميتا ... وأدناه من ربّ البريّة مقعدا وأفظعهم فقدا على كلّ مسلم ... وأعظمهم في النّاس كلّهم يدا لقد ورثت أخلاقه المجد والتّقى ... فلم تلقه إلّا رشيدا ومرشدا «٤» وهكذا يظهر لنا أن الشعر الذي يقال في ميت يسمى رثاء، لكنه في رسول الله ﷺ مديح. وكأن في ذلك ما دلّ على أنه موصول الحياة، لأن شريعته لا زالت حيّة، ويمكن أن يكون ما يقال في الميت مدحا إذا كان ذلك بعد الموت بزمن طويل، أما إذا قيل عقب الموت فهو رثاء، وإن التقت المعاني، وتشابهت، وكذلك الأمر في مضمون الشعر الذي يقال في الميت، فإذا غلب عليه التفجّع والأسى والبكاء يظل رثاء، وإن تطاول به الزمن، أما إذا كان ثناء محضا وإشادة خالصة، وذكرا للفضائل، فإنه يقرب من المديح ويكون في رسول الله ﷺ مديحا لا غير.

стр. 47

فأسس التفريق بين الرثاء والمديح هي الزمن، وهو المدة التي تفصل وقت قول الشعر عن وقت الوفاة، والمضمون، وهو البكاء والندب في الرثاء، والثناء والحمد في المديح، والممدوح، فرسول الله ﷺ امتاز عن باقي البشر، فامتاز الشعر الذي قيل فيه بعد وفاته عن غيره من الشعر الذي قيل في سواه. فالشعر الذي قاله الصحابة بعد وفاة الرسول الهادي رثاء له، وإن التقى في معانيه مع شعر قيل في زمن آخر، وهذا الشعر الذي نحن بصدد الحديث عنه هو مديح خالص. والسبب في هذا التداخل هو أن الناس اعتادت على تعريف التقريظ أنه «مدح الرجل حيا، والتأبين مدحه ميتا» «١» . فالتقى التقريظ والتأبين في أن كلا منهما مدح، ولذلك تشابه الأمر على بعض الأدباء، فلم يفرّقوا بين رثاء رسول الله ﷺ ومدحه، ومنهم النبهاني «٢» حين صنع مجموعته، فإنه قال: «افتتحت هذه المجموعة بنظم الصحابة فيه ﷺ وقسمته إلى قسمين، الأول: المراثي، والثاني المديح» «٣» . ومجموعته مقصورة على المدائح النبوية، ولذلك أدرج المراثي معها دون أن يفرق بينها أو ينبّه على ذلك. وقد لاحظ محقق ديوان كعب بن مالك أن «المسلك الذي اتبعه كعب في رثائه هو

стр. 48

نقل ما كان يقوله في المديح من عالم الأحياء إلى عالم الأموات.. بالإضافة إلى ذلك، كان يظهر أثر فقد المرثي في الناس والمجتمع» «١» . والدليل على مسلك كعب هذا قوله: أيا عين فابكي بدمع ذرى ... لخير البريّة والمصطفى وبكّي الرّسول وحقّ البكا ... عليه لدى الحرب عند اللّقا على خير من حملت ناقة ... وأتقى البريّة عند التّقى على سيّد ماجد جحفل ... وخير الأنام وخير اللها «٢» فهذه المعاني في مجملها معاني مديح، وقد رددّها شعراء المديح النبوي إلى يومنا هذا، ونلحظ هذا التوجه عند حسان بن ثابت أيضا في رثائه للرسول الكريم فهو يقول: نبّ المساكين أنّ الخير فارقهم ... مع النّبيّ تولّى عنهم سحرا من ذا الذي عنده رحلي وراحلتي ... ورزق أهلي إذا لم يؤنسوا المطرا كان الضّياء وكان النّور نتبعه ... بعد الإله وكان السّمع والبصرا «٣» هذا النوع من الرثاء الذي يجمع بين الحزن لوفاة الرسول الكريم وبين الإشادة بفضائله الكريمة وأخلاقه السامية، وبيان أثره في الإنسانية، هو الذي جعل مفهومي المديح والرثاء يتداخلان، لكن رثاء الرسول الكريم لم يكن كله على هذه الصورة، فإننا نجد مقطوعات كثيرة لأهله ﷺ وأصحابه اقتصرت على الرثاء الخالص، وصوّرت الحزن لوفاته، والبكاء عليه، ومن ذلك ما روي عن أبي بكر الصديق- ﵁:

стр. 49

لمّا رأيت نبيّنا متجندلا ... ضاقت عليّ بعرضهنّ الدّور وارتعت روعة مستهام واله ... والعظم منيّ واهن مكسور أعتيق ويحك إنّ حبّك قد ثوى ... وبقيت منفردا وأنت حسير «١» فرثاء رسول الله ﷺ عند وفاته، شارك المديح في تكوين أساس لشعراء المدائح النبوية وعن هذا الأساس أخذوا الكثير من المعاني والأفكار، وعرفوا كيفية مخاطبة الرسول الكريم، أو الحديث عنه شعرا، كما استقوا كثيرا من الألفاظ والتعابير. ووفق هذه المقاييس سار شعراء المديح النبوي، وتحرروا من إشكال الرثاء والمديح، ولم يعد يدور في خلدهم أنهم يرثون، أو أن مديحهم للرسول الكريم به ما يميزه، فهم اطمأنوا إلى أنهم يمدحون رسول الله ﷺ ، وخاصة عند معرفتهم لبعض الأحاديث عن حياة الرسول الأمين وردّه السلام على من يسلم عليه «٢» . والغريب أننا لا نعدم رثاء للرسول الكريم بعد مضي مدة طويلة على وفاته، بل وبعد قرون طويلة، استدعى التأليف الرثاء، ففي كتاب (سلوة الكئيب في وفاة الحبيب) نجد قصيدة في رثاء النبي الكريم منها: لله هذا الموت لم يبق ذا ... تقوى لتقواه ولا ذا اجترام ولو يحاشي أحدا في الورى ... حاشى نبيّ الله خير الأنام

стр. 50

لكنّه أنهله كأسه ... وهو حبيب الله خير الأنام فماجت الأرض بمن فوقها ... لموته وانهلّ صوب الغمام لله موت المصطفى إنّه ... رزء عظيم لا يضاهي العظام «١» وبذلك نجد أن المديح النبوي، هو في بدايته قسم من المديح العام الذي عرف في أدبنا العربي، ولكنه انفرد عنه، لأنه مخصّص لسيد البشر، ولأن الممدوح يفترق عن عامة الناس، ولأن كل ما يرد في المدحة النبوية يلتزم نهجا خاصا في التأدب والسمو، لا نجده في المدائح الآخرى. وافترق المديح النبوي عن الرثاء، بعد أن تطاول الزمن على وفاة رسول الله ﷺ وبعد أن اتجه الشعراء نحو الإشادة بفضائله الكريمة وشمائله العطرة، وأفعاله المباركة، دون التعرّض للحزن والأسى، وهما من خصائص الرثاء، وبعد أن استقر في أذهان الشعراء تواصل حياة النبي المصطفى، اتسع نطاق المديح النبوي طلبا للمغفرة والرحمة، وتحقيقا لأهداف مختلفة أرادها الشعراء من وراء تسابقهم إلى المديح النبوي. القسم الثاني- المدح النبوي في حياة الرسول: حين بعث النبي الهادي واجه مقاومة شديدة من المشركين، الذين كفروا برسالته السمحة وخافوا على مكانتهم، ونمط معيشتهم، التي دعا الإسلام إلى تغييرها وإلى مساواة جميع الخلق تحت رايته، فتصدوا له منذ البداية، وخاضوا مع المسلمين صراعا طويلا استخدموا فيه جميع أسلحتهم إلى أن فلّت، وإلى أن كتب الله للإسلام النصر المبين. وكان الشعر من أمضى أسلحتهم، لما له من فاعلية وتأثير في مجتمعهم.

стр. 51

وقد أظهر رسول الله ﷺ من الصبر والمصابرة ومن الجلد والأخلاق الكريمة ما جعله محط أنظار العرب جميعا، الذين آمنوا برسالته، والذين لم يؤمنوا، ومنحه الله تعالى من مواهبه ما بهر نفوس القوم وأخذ بعقولهم، فلم يختلف إثنان على تقدمته والإشادة بشخصه الكريم، واتجهت إليه قرائح الشعراء، مادحة مثنية، ولم يتح لشعراء المشركين الانتقاص من أخلاقه وقدره، وكل ما فعلوه هو مهاجمة دعوته من منطلق الخوف على الامتيازات والمكانة، والتعصب الأعمى لباطلهم الموروث. وكان الشعر يحتل في نفوس العرب محلا عظيما، وكان فنهم الأول، فهو عندهم أكثر من وسيلة إعلامية، إنه مستودع أفكارهم ومشاعرهم ومثلهم، فكان لا بد من أن يكون له في شأن الدعوة الإسلامية وجود وأثر. بيد أن الإسلام أراد للشعر العربي غير ما كان عليه، أراده أداة للبناء لا للهدم وأراده منسجما مع المجتمع الجديد الذي يدعو إليه، فأشيع لذلك أن الإسلام حارب الشعر، ونفرّ الناس منه، وهذا لا يسلم عند التدقيق، فالإسلام استبعد من الشعر ما يثير الضغائن والمفاسد، وما يجانب الحق، وأراد للشعراء أن يحترموا أنفسهم وفنهم، وهذا ما يظهر من الآية الكريمة التي هاجمت الشعراء الذين يزينون الباطل، ويفسدون الذمم والعقول وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا.. «١» . وهنالك أحاديث شريفة، تنتقص من الشعر الذي يحمل القيم الجاهلية ويدعو إليها، وقد مرّ معنا الحديث الذي يتعلق بالمادحين الكاذبين، وهنالك حديث آخر هو «لئن امتلاء جوف أحدكم قيحا، خير له من أن يمتلئ شعرا» «٢» .

стр. 52

إن موقف الإسلام من الشعر، ليس موقفا معاديا ومكرّها، إنه موقف التصحيح لمفهوم الشعر وأثره، والدليل على ذلك مواقف الرسول ﷺ من الشعر والشعراء، وهذا الشعر الذي مدح به، فقد كان يستنشد الصحابة الشعر، ويستعيد ما يستحسنه منه، ويبدي إعجابه ببعضه. فقد كان عصر البعثة، عصر صراع بين القيم الإنسانية التي جاء بها الإسلام، وبين القيم الجاهلية الفاسدة، لكن الإسلام أبقى على كثير من القيم الجاهلية، وأعطاها مفهوما جديدا، ودلالات أعمق، لأنه يريد بناء مجتمع جديد، وأمة جديدة، تختفي منها القيم التي تفكك المجتمع أو تفسده، أو تنتقص من إنسانية الإنسان، وكان بناء العقيدة الجديدة في داخل النفس والمجتمع يقتضي أن يصحح الشعر الذي يؤثر في النفس والمجتمع. ومما قيل عن الشعر في عصر البعثة، أنه ضعف ولان عما كان عليه في الجاهلية، لأنه التزم الصدق، فالشعر يعتمد على التخيّل الكاذب، فإذا دخل في باب الخير لان، وقد ظلت هذه الفكرة موضع أخذ ورد بين النقاد القدامى والمحدثين، فقد لاحظ المتتبعون للحركة الشعرية في عصر البعثة اضطراب الشعر وتردده بين مد وجزر، وإضراب بعض شعراء الجاهلية عن نظم الشعر في الإسلام، أو التقليل منه، واضطرار الشعراء إلى قول ما يتوافق مع الإسلام، وهذا ما جعل الشعر الذي وصل من عصر البعثة أقل من الشعر الجاهلي، وأقل من الشعر الأموي الذي عاد إلى الطبيعة الجاهلية، وخاصة إذا عرفنا أن الإسلام حرم الشعراء من دوافع الشعر التي تدفعهم إلى الإكثار والإجادة وعوّضهم بدوافع أسمى، لكن تمثّل القيم الجديدة والوضع الجديد يحتاج إلى زمن طويل، تقصّر عنه مدة البعثة الوجيزة، إضافة إلى أن المسلمين انشغلوا بحركة الجهاد ومقاومة المشركين، فلم يكن أمامهم متسع للوقوف طويلا عند الشعر وتجويده، وقد حرصوا في مدة إرساء الدعوة على الفعل أكثر من القول بالإضافة إلى وجود القرآن الكريم الذي أعجز العرب وألجمهم، وجعلهم مشدوهين أمام بلاغته، فاتجهوا إليه،

стр. 53

يتلونه ويحفظونه ويتملون بلاغته، ولا يجدون في أنفسهم المقدرة على مجاراته في البلاغة المعجزة والبيان المفحم، أو الانصراف إلى صنوف القول الآخرى. وتظل مسألة ضعف الشعر مسألة نسبية، تختلف من متتبع لهذا الشعر إلى آخر ولكن الصحيح مما وصلنا لا يؤيد هذه النظرة إلى شعر عصر البعثة. ومن هنا تأتي مسألة ثانية لا بد من الإشارة إليها، وهي وجود شك في شعر هذا العصر، نبّه عليه النقاد القدامى، وجعل منه النقاد المحدثون معركة نقدية كبيرة لها خطرها، وخاصة الدكتور طه حسين الذي أضاف الشعر الإسلامي إلى الشعر الجاهلي في الشك بصحته، فقال: «ولم تكن العواطف والمنافع الدينية أقل من العواطف والمنافع السياسية أثرا في تكلف الشعر ونحله» «١» . وقال: «فكان هذا النحل في بعض أطواره يقصد به إلى إثبات صحّة النبوة وصدق النبي» «٢» وأضاف قائلا: «والغرض من هذا النحل- فيما نرجح- إنما هو إرضاء حاجات العامة الذين يريدون المعجزة في كل شيء» «٣» . وقد شكك ابن هشام «٤» مهذّب السيرة في بعض الشعر الذي ورد فيها، وأرجع ذلك إلى جهل ابن إسحاق «٥» بالشعر، واعتذاره عن ذلك «٦» ولهذا تحرّج كثير من الأدباء

стр. 54

قديما وحديثا من الخوض فيه، وخاصة شعر الصحابة وآل البيت، «لأن الشك يحوم حوله، وأن الأحداث التاريخية وملابسات أخرى أتاحت للخرافة أن تنسج خيوطها حول الصحابة، فحيكت شتى الأساطير.. وقد عظم على الناس أن يكون لهم ذلك البلاء في سبيل الله، ولا يكون لهم في ذلك شعر، فلفّق المتأخرون أشعارا ونسبوها إليهم» «١» . وأعطى طه حسين مثالا على الشعر المنحول، قصيدة الأعشى التي مدح بها رسول الله ﷺ فالأعشى كان مشركا، ولذلك شك الباحثون في شعره الذي يحمل معاني دينية إسلامية لا يعرفها الجاهليون، وخاصة حين يصل الأمر إلى التعابير القرآنية، وهذا مادعا طه حسين إلى القول: «هذه الدالية التي تروى للأعشى في مدح النبي منحولة، نحلها قاص ضعيف الحظ من الشعر، رديء النظم، مهلهل اللفظ، قليل المهارة في النحل ويكفي أن تقرأ هذه القصيدة لترى أنها أسخف ما يضاف إلى الأعشى وأنها، ولا سيما المدح فيها، إلى المتون أقرب منها إلى الشعر الجيد» «٢» . والأعشى يقول في قصيدته: نبيّ يرى ما لا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا له صدقات ما تغبّ ونائل ... وليس عطاء اليوم مانعه غدا أجدّك لم تسمع وصاة محمّد ... نبيّ الإله حين أوصى وأشهدا إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى ... ولا قيت بعد الموت من قد تزوّدا ندمت على أنّ لا تكون كمثله ... وإنّك لم ترصد لما كان أرصدا «٣»

стр. 55

فالوعظ ظاهر في هذه الأبيات، وفيها دعوة إلى التقى والعمل الصالح، والتزوّد لليوم الآخر، وأين الأعشى الجاهلي، شاعر الخمر، الذي ردّته قريش- كما روي- عن الوصول إلى النبي الهادي وأغرته بالمال، وحذرته من أن الإسلام يحرّم الخمر، الذي يعيش الشاعر من أجله وفي أجوائه، أين هو من الوعظ والتذكير باليوم الآخر. هذا التوجه الديني في قصيدة الأعشى هو الذي جعل ابن نباته «١» يلحق قصيدة الأعشى بالمدائح النبوية، ويسميها نبوية، فيقول عنه: «ومن محاسن شعره، قوله في القصيدة النبوية» «٢» . ومن أمثلة ذلك أيضا ما قيل عن شعر أبي طالب، ومدحه لرسول الله ﷺ ، فقد نصّ ابن سلام «٣» على أن أبا طالب كان: «شاعرا جيد الكلام، أبرع ما قال قصيدته التي مدح فيها النبي ﷺ ... وقد زيد فيها وطوّلت.. وسألني الأصمعي «٤» عنها، فقلت صحيحة جيدة، قال: أتدري أين منتهاها؟ قلت: لا» «٥» . والقصيدة هي: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلّاك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وفواضل

стр. 56

وأصبح فينا أحمد في أرومة ... تقصّر عنها سورة المتطاول حليم رشيد عادل غير طائش ... يوالي إليها ليس عنه بغافل «١» لاحظ الأصمعي في القصيدة متسعا للتّزيّد والإضافة، فالقصيدة تدعو إلى التساؤل، وخاصة حول دواعي هذا المدح، وأبو طالب حينذاك سيد قومه، ولم يكن ﷺ قد عرف قدره حق المعرفة بين الناس، ولذلك فسر ابن أبي الحديد «٢» هذا الأمر بقوله: «وإن سرا اختص به محمد ﷺ حتى أقام أبا طالب- وحاله مع حاله- مقام المادح له، لسرّ عظيم وخاصيّة شريفة.. وهذا في باب المعجزات عند المنصف، أعظم من انشقاق القمر وانقلاب العصا» «٣» . ومما يزيد من ظلال الشك التي تحيط شعر ذلك العصر، الشعر الذي نسب إلى الجن والذي كثرت رواياته كثرة مفرطة، حتى ألّفت فيها رسالة (هو اتف الجن) ، التي نقل مؤلفها عن المسعودي «٤» قوله: «فأما الهواتف، فقد كانت كثرت في العرب، واتصلت بديارهم، وكان أكثرها أيام مولد النبي ﷺ وفي أوّلية مبعثه، ومن حكم الهاتف أن يهتف بصوت مسموع وجسم غير مرئي» «٥» . وقد جمع المؤلف في رسالته هذه ما هتفت به الجن، أو نطقت به الكهان، مبشرة بمبعث رسول الله، وبدأه بقوله:

стр. 57

هذا كتاب هواتف الجنّان ... وعجيب ما يحكى عن الكهّان ممّا يبشرّ بالنّبيّ محمّد ... ويدلّ منه بواضح البرهان «١» ومن ذلك قصة سواد بن قارب ورئيّه الذي جاءه في النوم ثلاث مرات، يدعوه إلى الإسلام، ومما قاله له في المرّة الأولى: فارحل إلى الصّفوة من هاشم ... بين روابيها وأحجارها وفي المرة الثانية: فارحل إلى الصّفوة من هاشم ... فليس قداماها كأذنابها وفي المرة الثالثة: فارحل إلى الصّفوة من هاشم ... واسم بعينيك إلى رأسها فلما وصل إلى رسول الله ﷺ نظر إليه وقال: هات يا سواد بن قارب «٢» ، فقال: أتاني رئيّي بعد هدء ورقدة ... ولم أك فيما قد بلوت بكاذب وأشهد أنّ الله لا ربّ غيره ... وأنّك مأمون على كلّ غائب وأنّك أعلى المرسلين وسيلة ... إلى الله يا بن الأكرمين الأطائب وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... سواك بمغن عن سواد بن قارب قال: ففرح به رسول الله ﷺ وأصحابه فرحا شديدا «٣» .

стр. 58

ولم ينقطع الجن عن إخبار العرب عن أحوال رسول الله ﷺ بعد بعثته، ولم يقف عند دعوتهم إلى الإيمان به، بل ظل يعلمهم بأحواله أولا بأول، إلى أن توفاه الله تعالى، فإذا الهواتف تنعي إليهم الرسول الكريم، كما حدّث أبو ذؤيب «١» ، فقال: «بلغنا أن رسول الله ﷺ عليل، فاستشعرت حزنا، وبتّ بأطول ليلة لا ينجاب ديجورها، ولا يطلع نورها، فظللت أقاسي طولها، حتى إذا قرب السحر أغفيت، فهتف بي هاتف، وهو يقول: خطب أجلّ أناخ بالإسلام ... بين النّخيل ومعقد الآطام قبض النّبيّ محمّد فعيوننا ... تذري الدّموع عليه بالتّسجام» «٢» وهكذا حام الشك قديما وحديثا حول كثير من شعر زمن البعثة، ومن الشعر المتعلق بالنبي الكريم وهذا ما يجعل الباحث حذرا في التعامل مع هذا الشعر، حتى لا يخرج بنتائج مبنية على شواهد مشكوك بنسبتها إلى أصحابها وعصرها، فلا ينكر الشعر جملة، ولا يأخذه على عواهنه، وله فيما وثقه الرواة، واطمأنت إليه نفسه مادة جيدة دالة، تعصمه من أن يضل في هذا الكم الشعري الكبير الذي حملته كتب السيرة والتاريخ. فقصيدة من أشهر قصائد المديح النبوي وأوثقها، هي بردة كعب بن زهير، داخلها التزيد فلاحظ محقق شرحها (الزبدة) أن الشارح كان يشك في بعض أبيات البردة، و «أن شكه هذا جعله يهمل جزآ في ختام القصيدة المذكورة، وهو سبعة أبيات أضافها الشراح المتأخرون رغبة في التبرك والإكثار من الصلاة والسلام على الرسول الكريم ﷺ » «٣» .

стр. 59

والملاحظ على الشعر الذي مدح به رسول الله ﷺ غلبة القيم التقليدية عليه، وقد يكون ذلك راجعا إلى أن الشعراء لم يفقهوا الدين الجديد، ولم تدخل في روعهم مفاهيمه، لذلك لم يظهر في شعرهم التأثر القوي به، وكانت النّبوة جديدة عليهم، لا يعرفون كيف يخاطبون صاحبها، فكان مديحهم لرسول الله ﷺ مديحا تقليديا، وبالقيم الاجتماعية التي كانت سائدة في عصرهم، والتي يتمتع بها السيد في قومه، مثل الإشادة بالكرم في قول أحدهم: حباها رسول الله إذ نزلت به ... فأمكنها من نائل غير مفقد فأضحت بروض الخضر وهي حثيثة ... وقد أنجحت حاجاتها من محمّد «١» فهذا الشاعر وأمثاله كانوا يمدحون النبي الكريم بالقيم التي كانت موضع فخر في الجاهلية، وكأنهم يمدحون ملكا أو سيدا، وليس نبيا مرسلا. فمدّاح رسول الله ﷺ في حياته، كانوا في مديحهم يتبعون تقاليدهم الفنية الجاهلية، فظلوا يعبرون، بالطريقة التي ألفوها، والتي نتجت عن طبيعة مجتمعهم، وتكوينهم الفكري والخلقي والفني، ولذلك نجد أثر الدين ضئيلا، لكنه أخذ بالازدياد مع تقدم الوقت، فإذا بالشعراء يمدحون النبي الأمين بمعان دينية إسلامية إلى جانب القيم الاجتماعية التقليدية، ولم يكتفوا بذكر اسمه أو صفته فقط، مثل قول أبي عزّة الجمحي «٢» : ألا أبلغا عنّي النّبيّ محمّدا ... بأنّك حقّ والمليك حميد وأنت امرء تدعو إلى الرّشد والتّقى ... عليك من الله الكريم شهيد

стр. 60

وأنت امرؤ بوئت فينا مباءة ... لها درجات سهلة وصعود فإنّك من حاربته لمحارب ... شقي ومن سالمته لسعيد «١» فالقيم الإسلامية أخذت تظهر في مخاطبة الرسول الكريم ومدحه، وخاصة عند الشعراء من الصحابة، الذين لم يقتصروا على ذكر صفاته الجليلة وأخلاقه العظيمة، بل تحدثوا عن هدايته، وأوردوا المعاني الدينية في مدحه، مثل قول عبد الله بن رواحة «٢» : خلّوا بني الكفّار عن سبيله ... خلّوا فكلّ الخير في رسوله قد أنزل الرّحمن في تنزيله ... في صحف تتلى على رسوله بأنّ خير القتل في سبيله ... يا ربّ إنّي مؤمن بقيله أعرف حقّ الله في قبوله «٣» حتى إذا تحدث عن الرسول الهادي مادحا، مزج القيم التقليدية بالقيم الدينية الجديدة في قوله: تحمله النّاقة الأدماء معتجرا ... بالبرد كالبدر جلّى ليلة الظّلم وفي عطا فيه أو أثناء بردته ... ما يعلم الله من دين ومن كرم «٤» ويتقدم عبد الله بن رواحة في مدحه للرسول الكريم، فيفصّل في المعاني الدينية، ويتحدث عن يوم القيامة وعن الشفاعة، ويذكر غيره من الأنبياء، في قوله:

стр. 61

إنّي تفرّست فيك الخير أعرفه ... والله يعلم أن ما خانني البصر أنت النّبيّ ومن يحرم شفاعته ... يوم الحساب فقد أزرى به القدر فثبّت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا «١» إن مدح رسول الله ﷺ في حياته جاء ما بين الإشادة بخصاله الكريمة، على عادة شعراء المدح آنذاك وبين الإشادة بهدايته ونبوّته، وكل شاعر مدحه حسب موقفه من الإسلام، فالشعراء الذين قصدوا الرسول الكريم مثل شعراء الرفود، ولم يكونوا يعرفون الكثير عن الإسلام والنبوة، ولكن تناهى إلى أسماعهم صفاته العظيمة وأعماله الميمونة، توجهوا إليه بالمدح على طريقتهم التي اعتادوها في مخاطبة ساداتهم، أما الشعراء المسلمون الذين صاحبوا رسول الله ﷺ ، وتملّك الإيمان قلوبهم، وعرفوا مكانة الرسول الدينية، فإنهم مدحوا رسول الله ﷺ بما عرفوا عنه في دينهم السامي، ولذلك نجد من مدحه بالقيم الاجتماعية التقليدية فقط، ونجد من مدحه بالقيم الدينية فقط، ونجد من مزج بينها، فشاعر مثل مالك بن عوف «٢» اليربوعي سمع عن الرسول الكريم ومكانته وصفاته وأعماله، فمدحه بذلك وبكرمه، وذكر مقدرة الرسول العظيمة على التنبّؤ بالغيب، بدهشة وبساطة، وهذا يظهر أنه حين قال هذا الشعر لم يكن على دراية بالإسلام وموقع الرسول فيه: ما إن رأيت ولا سمعت بواحد ... في النّاس كلّهم بمثل محمّد أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى ... وإذا يشأ يخبرك عمّا في غد ومنهم من وجد في النبي الكريم ما تحدثت عنه أخبار الأوائل والرسل السابقين ﵈، وهذه أمور دينية محضة، مثل كليب بن أسد الحضرمي «٣» الذي قال:

стр. 62

أنت النّبيّ الذي كنّا نخبّره ... وبشّرتنا به الأخبار والرّسل «١» ووصل الشعراء إلى الحديث الديني الخالص في مدحهم لرسول الله ﷺ ، فدخل إلى شعرهم أصول الدين ومفاهيمه، كما في قول الطّفيل بن عمرو بن طريف الدّوسي «٢» : ألا أبلغ لديك بني لؤيّ ... على الشّنان والعضب المردّ بأنّ الله ربّ النّاس فرد ... تعالى جدّه عن كلّ ندّ وأنّ محمّدا عبد رسول ... دليل هدى وموضح كلّ رشد وأنّ الله جلّله بهاء ... وأعلى جدّه في كلّ جدّ «٣» وتحدث الشعراء أيضا عن فضل النبي على الناس، إذ حمل إليهم الهداية والنور والرحمة وأنقذهم مما كانوا فيه من ضلالة وجهالة، فقال جهيش بن أويس النخعي «٤» : ألا يا رسول الله أنت مصدّق ... فبوركت مهديّا وبوركت هاديا شرعت لنا دين الحنيفيّة بعد ما ... عبدنا كأمثال الحمير طواغيا «٥» ومضى الصحابة الكرام، الذين آمنوا بربهم وبرسولهم، وجاهدوا في الله حقّ جهاده، ونصروا النبي الهادي بكل ما يملكون، في تسجيل ما يرونه في الرسول- النبي

стр. 63

والإنسان-، فتحدثوا عن مكانته الدينية، ومنزلته عند الله تعالى، وقد سمعوا القرآن الكريم يمدحه ويشيد به. ومن ذلك قول العباس «١» بن مرداس: نبيّ أتانا بعد عيسى بناطق ... من الحقّ فيه الفصل منه كذلكا أمين على الفرقان أوّل شافع ... وآخر مبعوث يجيب الملائكا «٢» ووصل الأمر في التوجّه الديني عند مدح رسول الله ﷺ إلى الحديث عن الغيبيات، وعن كيفيّة خلق الرسول ﷺ ، وأوّلية خلقه، وهو تصريح بالحقيقة المحمدية التي انتشرت عند مادحي الرسول الأعظم، وقد نسب هذا المدح إلى العباس- ﵁ عمّ النبي الكريم، وهو ينحو فيه منحى رمزيا، لا نعهده عند شعراء تلك المرحلة، ولا المرحلة التي أعقبتها، فقد قيل: (كنّا عند رسول الله ﷺ ، فقال له عمه العباس: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك، فقال النبي ﷺ : «لا يفضض الله فاك، فأنشأ يقول: من قبلها طبت في الظّلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق ثمّ هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق بل نطفة تركب السّفين وقد ... ألجم نسرا وأهله الغرق تنقّل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق حتّى احتوى بيتك المهيمن من ... خندف علياء تحتها النّطق «٣» إن هذه القطعة على جانب كبير من الأهمية، وتكون قد سبقت زمنها، لأن مثل

стр. 64

هذه الأفكار التي اعتقد بها المتصوفة وروّجوها، والتي شغلت المسلمين بفرقهم كافة، ظهرت إلى النور في وقت متأخر، بعد أن كثرت الفرق الدينية، وتلقحت أفكارها بأفكار غريبة عن الفكر العربي الإسلامي. فالمعاني الدينية في مدح النبي الأمين اقتضتها صفة الممدوح، ومن غير المعقول أن يظل ما مدح به رسول الله ﷺ خالصا للمعاني التقليدية، وألا تشوبه القيم الدينية، وقد ظهر من الأمثلة السابقة أن تأثر الشعراء بالإسلام، وخاصة في مدح النبي الكريم، كان كبيرا جدا، وليس كما صوّره الباحثون وحتى الشعراء الذين هاجموا المسلمين أثناء الصراع بين المسلمين والمشركين، وأسلموا بعد فتح مكة، ومدحوا رسول الله ﷺ تكفيرا عما فرط منهم، واعتذارا عما سبقت إليه ألسنتهم، ظهر في شعرهم التأثر بالإسلام لأن المدة كانت كافية ليعرف المسلمون وغيرهم الكثير عن الإسلام ونبيّه الكريم ومن ذلك قول عبد الله بن الزبعرى «١» : يا رسول المليك إنّ لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور آمن اللّحم والعظام لربّي ... ثمّ قلبي الشّهيد أنت النّذير إنّ ما جئتنا به حقّ صدق ... ساطع نوره مضيء منير أذهب الله ضلّة الجهل عنّا ... وأتانا الرّخاء والميسور «٢» وهذا الأمر يظهر لدى الشعراء الذين اشتهروا في الجاهلية، وتكاملت عندهم التقاليد الفنية، وعرفوا القيم التي يمدحون بها أسياد قومهم، فإنهم مدحوا الرسول الكريم، وأشادوا بخصاله وفعاله على طريقتهم المعروفة، لكن ذلك لم يمنعهم من أن يكون مدحهم لرسول الله ﷺ متميزا عن مدح غيره وخاصة في النبوة فكان لا بد من أن

стр. 65

يذكر هؤلاء الشعراء ما لرسول الله ﷺ من مكانة سامية لا تدانيها مكانة، وكان لا بد من أن يظهر تأثرهم بالإسلام، وأن تجري المعاني الدينية في شعرهم الموجه إلى رسول الله ﷺ . ومن هؤلاء الشعراء كعب بن زهير، الذي أخذ عن أبيه أشهر شعراء الجاهلية فن الشعر، وكان قد قاله قبل البعثة، وبرع فيه، حتى إذا بعث رسول الله ﷺ تردّد في تصديقه، ثم جاءه معتذرا مادحا، فقال فيه: أنبئت أنّ رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول إنّ الرّسول لسيف يستضاء به ... مهنّد من سيوف الله مسلول «١» أما حسان بن ثابت، فهو شاعر رسول الله ﷺ نذر نفسه للدفاع عن الإسلام وعن النبي الأمين بشعره وكان رسول الله ﷺ يشجعه على ذلك. وشعره في الرسول المصطفى حافل بالمعاني الدينية، فهو قريب من رسول الله ﷺ وفي خضم الدعوة وتطوراتها، فكان لا بد أن يتأثر بالإسلام في شعره على الرغم من أنه قضى شطرا كبيرا من عمره في الجاهلية، وكان شاعرا مشهورا فيها، فإذا ما مدح رسول الله ﷺ جنح في شعره نحو التقاليد الشعرية الثابتة في نفسه، والمترسبة في وعيه، انسياقا وراء ما جرت عليه العادة في المدح من ناحية، وليلائم بين ما كان يهاجم به المسلمون من شعر وبين ردّه عليه فلم يكن يغيظ المشركين ما يتمتع به الرسول الكريم من مكانه دينية- وهم ينكرونها- ولكن يوثر فيهم أن يكون رسول الله ﷺ على أكمل ما يكون عليه السيد في قومه من خلق وعمل، ولذلك ظل مدحه للرسول ﷺ على هيئته الأولى، لكنه حفل بالمعاني الدينية وخاصة حين نعلم أن وراء مدحه للرسول ﷺ دافعا دينيا جعله يضفي على الرسول ﷺ صفات تسمو به عن مستوى سائر الناس، ولم تكن غايته من المديح إلا إرضاء شعوره الديني، والتعبير عن إعجابه بشخص النبي العظيم ﷺ لذلك نجد في شعره كثيرا من

стр. 66

المعاني الدينية الإسلامية، التي تبرز الرسول ﷺ على صورته الحقيقية، صورة النبي الكريم الذي أرسل لهداية النّاس، فاقتبس من صفاته ما يؤكد ذلك، وقال: أعني الرّسول فإنّ الله فضّله ... على البريّة بالتّقوى وبالجود مبارك كضياء البدر صورته ... ما قال كان قضاء غير مردود «١» وإذا كان حسان قد مزج في شعره هذا بين القيم التقليدية التي عرفها مجتمعه، وأقرها الإسلام وهذّبها، وبين المعاني الدينية الجديدة التي جاء بها الإسلام، فإنه في شعر آخر، خلص في مدحه لرسول الله ﷺ للمفاهيم الدينية، وفصّل فيها، فذكر مكانة النبي ﷺ الدينية، وصفاته وأثره في الناس، وتوجه إلى الله تعالى بالمناجاة والدعاء فقال: أغرّ عليه للنّبوّة خاتم ... من الله مشهود يلوح ويشهد وضمّ الإله اسم النّبيّ إلى اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذّن أشهد وشقّ له من اسمه ليجلّه ... فذو العرّش محمود وهذا محمّد فأمسى سراجا مستنيرا وهاديا ... يلوح كما لاح الصّقيل المهنّد وأنذرنا نارا وبشّر جنّة ... وعلّمنا الإسلام فالله نحمد «٢» إن هذا الشعر لا يمكن أن يوصف إلا بأنه شعر إسلامي خالص، فحسان يظهر أكثر من غيره تمثله للمفاهيم الإسلامية، إنه يظهر تأثره بالقرآن والتعبير القرآني، ويظهر أن مديحه للنبي الأمين كان من أجل فكر آمن به، وعقيدة التزم بمبادئها، لذلك جاء شعره هذا متأثرا- بقدر كبير- فيما جاء به الإسلام عن رسول الله ﷺ ، وفيما يختلف به عن غيره من البشر.

стр. 67

إن المديح النبوي على عهد الرسول الكريم ﷺ تنوع وتباينت دوافعه ومنطلقاته، فشعراء مدحوا الرسول الكريم، ولم يكونوا قد التقوه من قبل، ولم يعرفوا الكثير عن الإسلام، فمدحوه على طريقتهم المعروفة بينهم مدح سيد عظيم، ولم يتطرقوا إلى صفته الأولى، وهي الصفة الدينية والنبوة، ومثل هؤلاء الشعراء الذين سمعوا عنه ﷺ فجاؤوا إليه يطلبون رفده، أو شعراء المسلمين الذين اتبعوا طريقتهم التقليدية في مدح العظماء، ليتلاءم مدحهم مع الشعر الذي يهاجم المسلمين والإسلام، ومع البيئة التي يودّون أن ينتشر شعرهم فيها، وهي الجزيرة العربية كلها، فلم يكونوا يريدون لشعرهم أن يبقى حبيسا في المدينة المنوّرة، ولا يتوجه لأهلها فقط، وإلّا لكان لمدحهم طابع آخر، هو الطابع الديني الإسلامي الذي برز عند الشعراء المسلمين، والذي اقتضته مكانة رسول الله ﷺ الدينية، وصفاته وسلوكه وأعماله، فظهر في شعرهم الذي مدحوا به رسول الله ﷺ تأثرهم بالإسلام ومفاهيمه، يمزجون بين المفاهيم الجديدة، وبين ما كانوا عليه من فن المديح، حتى إذا تشربت نفوسهم بتعاليم الإسلام الحنيف، واستقر في روعهم الإيمان به، وجدنا عندهم مديحا للنبي الكريم خالصا في توجهه الديني، وفي تأثره بالمعاني الدينية والتعبير القرآني. وهذا التردد في الاستجابة للمفاهيم الدينية وإظهارها في الشعر الذي مدح به النبي الأمين أمر طبيعي، فكل غرض فني، وكل طريقة أداء أدبية جديدة، تحتاج إلى وقت مناسب لتنضج وتستقر وتظهر في صورة ثابتة معروفة، لأن الإبداع الفني يمر في ثلاث مراحل هي الانفعال النفسي بالتجربة الجديدة، ثم استبطان هذا الانفعال داخل النفس، وتفاعله مع مكوّناتها، وبعد ذلك ترتد هذه التجربة إلى خارج النفس على هيئة إبداع فني. ولم تكن مدة البعثة كافية تماما لتتم هذه العملية في نفوس الشعراء جميعا.

стр. 68

وقد وصل إلينا من مديح النبي الكريم على عهده، ما يثبت أن الشعراء قد تأثروا بشخصية الرسول العظيمة، كل واحد من موقعه، فظهر ﷺ في شعرهم إنسانا كاملا، ونبيا كريما، ولم يكن يخطر ببالهم أنهم يرسون فنا جديدا من فنون الشعر العربي، سيكون له فيما بعد شأن أي شأن، ينشغل به النّاس، ويتبارون في إجادته. ومع ذلك فإنهم قدموا لمن جاء بعدهم طريقة مدح رسول الله ﷺ ، وإمكانية ذلك وكثيرا من المعاني والتعابير التي استخدمها الشعراء إلى يومنا هذا، وأصبحت بعض القصائد مثالا يحتذى في نظم المدح النبوي، كلامية كعب بن زهير وهمزية حسان بن ثابت. القسم الثالث- في العصر الراشدي والأموي: عند وفاة رسول الله ﷺ وقع المسلمون في حيرة حول خلافته، ولم يكونوا يفكرون في ذلك، ولم يتهيؤوا له، فتباينت آراؤهم فيمن يستحق خلافه رسول الله ﷺ وهو لم يوص لأحد، ولم يترك إشارات قاطعة حول خلافته، وترك الأمر شورى بين المسلمين، ولكن الصحابة الكرام سرعان ما حسموا هذه المسألة، وأنهوا هذه المشكلة التي أثيرت ثانية في القسم الأخير من خلافة عثمان- ﵁، الذي استشهد في خضم المعترك السياسي آنذاك، هذا المعترك تحول في خلافة علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه- إلى صراع دموي، انتهى بتسلم الأمويين للسلطة، وتحويل نظام الحكم من الشورى إلى الوراثة-، لكن الأمر لم يستتب لهم على الرغم من قوتهم، إذ تحولت الاتجاهات المتابينة في النظر إلى الخلافة، إلى أحزاب قوية، ظلت تقارع الأمويين حتى قوّضت دولتهم. ولمّا كان الصراع في جوهره صراعا حول الخلافة، والخلافة الإسلامية مركز ديني وسياسي في الآن ذاته فإن كل فرقة من الفرق المتصارعة، حاولت أن تجد لمطالبها

стр. 69

السياسية سندا دينيا يؤيد حقها في الخلافة وهكذا ظهر اسم الرسول الكريم ﷺ وأقواله في أحاديث هذه الأحزاب، وفي شعر شعرائها. وقد منع هذا الصراع المحتدم بين العرب من جهة، وبينهم وبين أعدائهم الخارجين من جهة ثانية الشعراء من أن يطيلوا التفكير في فنهم، ويلتقطوا أنفاسهم للنظر في هذا الفن، وتجديد مضمونه وأسلوبه، لكن دواعي الشعر القديمة عادت إلى الظهور بعد أن توارت في حياة الرسول الكريم ﷺ وفي معظم مدة الخلافة الراشدية، فعاد الشعر قريبا مما كان عليه أيام الجاهلية. لكن هذا الأمر لم يمنع أن يسجل بعض الشعراء عواطفهم الدينية، ومحبتهم الخالصة لرسول الله ﷺ وصاحب الفضل في تكوين هذه الأمة المنقسمة حول خلافته، فهؤلاء الشعراء لم ينحازوا إلى فئة معينة، لذلك لم يكن مديحهم لرسول الله ﷺ منطلقا من وجهة نظر حزب معين، ولا انتصارا لمذهب سياسي. ومن ذلك قول النابغة الجعدي «١» الذي وفد على النبي الكريم، يذكر فضل رسول الله ﷺ على أمته، وعليه خاصة: حتى أتى أحمد الفرقان يقرؤه ... فينا وكنّا بغيب الأمر جهّالا فالحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتّى لبست من الإسلام سربالا يا ابن الحيا إنّني لولا إلاله وما ... قال الرّسول لقد أنسيتك الخالا «٢» ولم يكن النابغة الجعدي في معزل عن الحركة التي تحيط به، فعبّر عن استيائه مما يراه بقوله:

стр. 70

فيا قبر النّبيّ وصاحبيه ... ألا يا غوثنا لو تسمعونا ألا صلّى إلهكم عليكم ... ولا صلّى على الأمراء فينا «١» والغريب أن نجد ما وصلنا من شعر قليل، يذكر فيه رسول الله ﷺ ، يعود إلى التقاليد القديمة في مدحه، وهذا المدح يصح في غير رسول الله ﷺ ، ولولا القرينة مثل ورود اسم النبي الكريم أو تصريح صاحب الكتاب الذي ذكر الشعر، أن هذه الأبيات أو تلك في مدح رسول الله ﷺ لما عرفنا فيمن تقال، وكان من المفروض أن يتابع الشعراء ما بدأه متقدموهم في حياة النبي الأمين، ويسيروا به إلى الأمام، حين ظهرت الآثار الدينية في مدحهم للرسول الكريم، وحين أخذوا في معرفة الطريقة التي يخاطبون بها رسول الله ﷺ والتي يمدحون بها نبيا يختلف عن باقي الناس ويفضلهم. فلولا تصريح صاحب الحماسة أو شارحها أن أبا دهبل الجمحي «٢» يمدح رسول الله ﷺ في الأبيات التالية، لما عرفنا فيمن تقال: إنّ البيوت معادن فنجاره ... ذهب وكلّ بيوته ضخم عقم النّساء فما يلدن شبيهه ... إنّ النّساء بمثله عقم متهلّل بنعم بلا متباعد ... سيّان منه الوفر والعدم نزر الكلام من الحياء تخاله ... ضمنا وليس بجسمه سقم «٣» وبعد ذلك لم يرد مدح النبي الكريم إلا في معرض المساجلة والمفاخرة بالانتساب إليه، وفي الحجاج المشتد بين الأحزاب السياسية، الذي تنازع فيه المتخاصمون حول

стр. 71

الأحقية في الخلافة وقد شهد العصر الأموي عودة الصراع القبلي، والنعرات القبلية، لأن الأمويين كانوا يستندون في حكمهم على مجموعة قبائل معينة، وكانت بعض القبائل تتعصّب للهاشميين وكانت قبائل أخرى تهوى هوى الخوارج، لذلك اشتدت المفاخرات بين القبائل وشعرائها، وأكبر هذه المفاخرات ما كان يجري بين العدنايين والقحطانيين، الفرعين الرئيسيين للقبائل العربية، فكان العدنانيون يفخرون بأن رسول الله ﷺ منهم، وكان القحطانيون يفاخرون بنصرته. وهكذا كان الشعراء في عهد بني أمية يتفاخرون بانتسابهم إلى رسول الله ﷺ مهما ابتعد هذا النسب، مثلما فعل عثمان بن عتبة بن أبي سفيان، أمه بنت الزبير بن العوّام، في قوله: أبونا أبو سفيان أكرم به أبا ... وجدّي الزّبير ما أعفّ وأكرما حواري رسول الله يضرب دونه ... رؤوس الأعادي حاسرا وملأمّا «١» وكذلك فعل عثمان بن واقد الذي ينتسب إلى الخليفة الفاروق- ﵁ عند ما قال مفتخرا: جدّي وصاحبه فازا بفضلهما ... على البريّة لا جارا ولا ظلما هما ضجيعا رسول الله نافلة ... دون البريّة مجد عانق الكرما «٢» فكل رجل وكل قبيلة عادوا إلى البحث عما يفخرون به، في زمن زاد فيه التفاخر بالأمجاد والأنساب، ولو كانت هذه الأمجاد جاهلية، فتباهوا بأيام قبائلهم وبغزواتها وسلبها ونهبها، فكيف لا يتباهى من ينتسب إلى صحابي، أو إلى قبيلة ناصرت رسول الله ﷺ ، وكان لها معه أثر؟

стр. 72

فقد قدم على عمر بن عبد العزيز رجل من ولد قتادة بن النعمان «١» ، وعند ما سأله الخليفة، ممن الرجل؟ قال: أنا ابن الذي سالت على الخدّ عينه ... فردّت بكفّ المصطفى أحسن الرّدّ فعادت كما كانت لأوّل أمرها ... فيا حسن ما عين ويا حسن ما خدّ «٢» فقتادة بن النعمان صحابي أصيب في عينه في إحدى الغزوات، وخرجت عينه من محجرها، فأعادها رسول الله ﷺ ، وردّها، فكانت أحسن عينيه، وهذه إحدى معجزات الرسول العظيمة التي ردّدها شعراء المديح النبوي فيما بعد. ومثل هذا ما روي عن الصحابي معاوية بن ثور البكائي «٣» ، الذي قدم إلى النبيّ الكريم ومعه ابن له يقال له بشرا، فقال: يا رسول الله، امسح وجه ابني هذا ففعل، وقد فخر ابن بشر محمد بذلك فيما بعد، فقال: وأبي الذي مسح النّبيّ برأسه ... ودعا له بالخير والبركات أعطاه أحمد إذ أتاه أعنزا ... عفرا ثواجل لسن باللّجبات بوركن من منح وبورك مانح ... وعليه منّي ما بقيت صلاتي «٤» فإذا كان هذا حال من ينتسب إلى صحابي كريم، فكيف بمن ينتسب إلى الهاشميين، وهم آل الرسول وبنو عمه؟

стр. 73

إن فخرهم ليشتد ويعلو على كل فخر، مثل قول الفضل بن العباس «١» بن عتبة بن أبي لهب يساجل الفرزدق: من يساجلني يساجل ماجدا ... يملأ الدّلو على عقد الكرب برسول الله وابني عمّه ... وبعبّاس بن عبد المطّلب «٢» وقد نال علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه- وأبناؤه، النصيب الأوفر من محبة الناس، وتشيعوا لهم ولحقهم في الخلافة، فأشادوا بفضائلهم، وفي مقدمتها قرابتهم من رسول الله ﷺ ، ومن ذلك قول كثيّر عزّة في محمد «٣» بن علي بن أبي طالب، ابن الحنفية: ومن ير هذا الشّيخ بالخيف من منى ... من النّاس يعلم أنّه غير ظالم سميّ النّبيّ المصطفى وابن عمّه ... وفكّاك أغلال ونفّاع غارم «٤» ولم تقتصر المفاخرة على الانتساب إلى رسول الله ﷺ بشكل أو باخر، كما فعل الشعراء السابقون، بل كثيرا ما قارن الشعراء بين عمل يقوم به أحد الأمراء أو القادة، وعمل قام به الرسول الأمين، يطلبون من وراء هذه المقارنة تعظيم العمل والقائم به، وإضفاء الشرعية عليه، مثلما فعل سراقة بن مرداس «٥» في وصف انتصار المختار الثقفي على الأمويين في قوله:

стр. 74

نصرت على عدوّك كلّ يوم ... بكلّ كتيبة تنعي حسينا كنصر محمّد في يوم، بدر ... ويوم الشّعب إذ لاقى حنينا «١» وربما أراد الشاعر من المقارنة مهاجمة فئة معينة، مثل قول الكميت: وعطّلت الأحكام حتّى كأنّنا ... على ملّة غير التي نتنحّل كلام النّبيّين الهداة كلامنا ... وأفعال أهل الجاهليّة نفعل «٢» وقد أخذ الحنين إلى الحجاز يطل علينا في شعر هذا العصر بعد أن انساح العرب في الأقطار المفتوحة لسبب أو لآخر، ولمّا طال بهم الأمد اشتد بهم الشوق إلى مرابع الصبا في الجزيرة العربية، وقد ذكر بعضهم في شعر الحنين هذا، مدينة الرسول المنورة وقبره الشريف، ومن ذلك قول أبي قطيفة «٣» بن أبي معيط يتشوق إلى المدينة المنورة: ألا ليت شعري هل تغيّر بعدنا ... قباء وهل زال العقيق وحاجره وهل برحت بطحاء قبر محمّد ... أراهط غرّ من قريش تباكره لهم منتهى حبّي وصفو مودّتي ... ومحض الهوى منّي وللنّاس سائرة «٤» وسنرى فيما بعد أن ذكر الأماكن المقدسة والتشوق إليها أضحى فنا شعريا خاصا، وصار من مستلزمات قصيدة المدح النبوي. وأهم ما يطالعنا في المديح النبوي في أثناء العصر الأموي، هو هاشميات الكميت ابن زيد الأسدي التي انتصر فيها لحقّ الهاشميين في الخلافة، ومدحهم فيها، واتسع في

стр. 75

الإشادة بهم، فذكر فضائلهم، وأحقيتهم في الخلافة، وكان رائدا في هذا الباب، جعل من قصائده التي مدح بها بني هاشم مناظرات مثيرة في حقوق الهاشميين، لا تعتمد كما هو الحال في الشعر- على العاطفة والإقناع العاطفي، لكنها اعتمدت أولا على الإقناع العقلي. إن أول ما مدح به الهاشميين هو انتسابهم لرسول الله ﷺ وهذا ما جعله يمدح الرسول الكريم ﷺ ، فإن ذكر النبي الأمين يدفع المرء دفعا إلى مدحه، فتذكّر هذه الشخصية العظيمة يجعل من يتمثّلها لا يملك إلا أن يشيد بها، وخاصة إذا كان مؤمنا مسلما، ومنتميا إلى هذه الأمة التي يرجع فضل تكوينها إليه ﷺ ، فالكميت مدح الهاشميين في إحدى قصائده، فلما وصل إلى انتسابهم إلى نبي الإنسانية قال: أسرة الصّادق الحديث أبي القا ... سم فرع القدامس القدّام خير حيّ وميّت من بني آ ... دم طرّا مامومهم والإمام أنقذ الله شلونا من شفيّ النّ ... نار به نعمة من المنعام طيّب الأصل طيّب العود في ال ... بنية والفرع يثربيّ تهامي صحيح أن الكميت لم ينشئ قصيدته هذه، ولا قصائده الآخرى من أجل مدح رسول الله ﷺ خاصة، وإنما كان مديحه للرسول الأمين مما استدعاه مدحه لآله، لكنه لا يمدح آل البيت لذواتهم فقط، وإنما يعلّل مدحه لهم بقرابتهم من رسول الله ﷺ ، لذلك فصّل في هذا المدح كما نرى، فأشاد بذات النبي الكريم، وفضّله على كل البشر، وأشار إلى أثره في أمته، وفضله على الإنسانية، فجمع في مديحه بين المعاني الدينية والمعاني الاجتماعية التقليدية. ولم يخرج الكميت عن سنته هذه، فهو يمدح الهاشميين حتى إذا وصل إلى ذكر قرابتهم من الرسول الكريم ﷺ أخذ يمدحه، ففي قصيدة ثانية جادل في حق الهاشميين في الخلافة وحقهم في إرث رسول الله ﷺ وقال بعد ذلك:
следующие страницы →