← Указатели

Указатели · id 23672

المدائح النبوية في أدب القرنين السادس والسابع للهجرة

ناظم رشيد

Полный текст (134 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المحتوى المقدمة ٥ التمهيد ٧ المديح النبوي في عصر الحروب الصليبية ٢٣ الخاتمة ٨١ مختارات من المدائح النبوية ٨٤ المصادر والمراجع ١٣٣

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة تعاقبت على المسلمين ويلات وأحزان، ومصائب وأشجان، ولا سيما في العصر العباسي الاخير. وقد لاقى الكثيرون من شدة وطأتها القهر والألم، والضنى والسقم، وجعلتهم يعيشون في تعب ونكد، وقلق وكمد خاصة بعد الهجمات المتوالية: الصليبية الجائرة من الغرب، والتترية الغادرة من الشرق. وكانت وسائل الناس آنذاك ضعيفة لا تقوى على الوقوف بوجه الاعداء الطامعين والبغاة الجائرين، وابعاد بلواهم ودفع اذاهم، فما كان منهم الا التوجه الى الله- ﷻ والتضرع اليه كي ينجيهم من الكرب الذي وقع عليهم والضيم الذي لحق بهم. والالتجاء الى رسوله الكريم محمد- ﷺ متوسلين اليه ان يكون شفيعا لهم عند الله وينجيهم من النوائب التي كادت تقصم ظهورهم وتقضي على وجودهم.

стр. 3

وكان الشعر خير وسيلة للتعبير عن الألام والامال ولا سيما شعر المديح النبوي الذي كثر النظم فيه، واقبل الناس عليه بشغف ولهفة، يجدون فيه فرحتهم وسعادتهم وراحتهم النفسية، ويتدارسونه وينشدونه في مجالسهم ومحافلهم واماكن عبادتهم. وغدا شعراء كثيرون لا ينظمون الا في هذا الغرض، لا يتجاوزونه ولا يحيدون عنه. لقد قمت في هذا الكتاب الوجيز بدراسة الشعر الذي قيل في مدح الرسول- ﷺ في عصر الحروب الصليبية، وإبانة قيمته الفنية، واخترت للقارىء الكريم نماذج منه. وأملي كبير ان يكون هذا العمل الطيب خالصا لوجه الله تعالى، ودافعا لدراسة اوسع واشمل للاخوة الباحثين، والله ولي التوفيق. الدكتور ناظم رشيد

стр. 4

التمهيد آل الشرق الاسلامي في أواخر القرن الخامس للهجرة الى فئات مبعثرة، واحيانا متباغضة، لا يجمع بينها وفاق، ولا يضمها سلطان قوي، ففي كل ولاية أمير او ملك يناوىء جاره، ويكيد له، ويتربص به الدوائر؛ ليشن الغارات على ولايته، ويؤوب من عنده بالغنائم والاسلاب، ويدع له الاشلاء والدماء والدمار والخراب، انصياعا لهوى الاطماع، ودواعي المآرب والغايات. على حين كان الغرب يضمّ اليه أدانيه وأقاصيه، ويلمّ شعثه، ويرتق فتقه، ويرأب صدعه، ويتهيأ للانقضاض على الشرق المتداعي، والهيمنة عليه، طمعا في خيراته، ووافر ثرواته، لا- كما زعم أبناؤه- لتخليص قبر السيد المسيح- ﵇ من ايدي المسلمين. فلما استجمعوا قواتهم، واستحضروا عددهم، وخفقت راياتهم، وتعالت بالحقد الاعمى اصواتهم، اندفعوا موجات متتابعة، مدة قرنين من الزمان. ابتداء من سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة للهجرة، فأهلكوا الحرث والنسل والضرع، وأشاعوا الدمار في القرى والامصار، حتى قدر المؤرخون عدد الذين قتلوا في مذبحة انطاكية بعشرة الاف

стр. 5

نفس، وفي معرة النعمان بمئة الف، وفي بيت المقدس بسبعين الفا «١» . وقال ريموند دي اكليس الذي شاهد المذبحة الاخيرة: «ان الدماء قد وصلت في رواق المسجد الى الركب» «٢» . فما لم يشاهده قد يربو على التقدير ويفوق النعت والتعبير. لقد فر الناجون الى الله من هول هذه الحرب الضروس، وتضرعوا اليه ان يدفع عنهم الكرب الشداد، ويحسر اسجاف البلايا الصفيقة. وتوزع الشعراء آنذاك الى فريقين، ذهب فريق الى الاعراب عن دخائل النفوس وكوامن الافئدة، والإفصاح عن ضراوة الاحداث، وجسامة الاهوال والكوارث بقصائد عامرة، منها قصيدة الامام أبي حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) المعروفة بدعاء المنفرجة في ثمان وخمسين بيتا، مطلعها «٣» : الشدّة أودت بالمهج ... يا ربّ فعجّل بالفرج ومنها: والأزمة زادت شدّتها ... يا أزمة علّك تنفرجي

стр. 6

جئناك بقلب منكسر ... ولسان بالشكوى لهج قال محمد سيد گيلاني معقبا على هذه القصيدة: «مات الغزالي عام ٥٠٥ هـ، اي بعد هجوم الصليبيين على الشام بخمسة عشر عاما، وجال مدّة في بلاد الشام، وشاهد الافرنج يكتسحون المدن والقرى، ويغيرون على السكان الآمنين، وينهالون عليهم قتلا وأسرا، ورأى المسلمين لا حول لهم ولا قوة، ذلّوا وهانوا واستكانوا، واضحوا ولا راعي يرعاهم، ولا زعيم يجمع شملهم، ويتصدى للدفاع عنهم، ولا قائد يوقف الغزاة عند حدهم ... في هذا الوسط المظلم، وفي هذا الجو القاتم شرع الناس يلتمسون العون من الله ويسألونه التعجيل بالفرج. وماذا كانوا فاعلين وهم رعية بغير رعاة؟ أمراؤهم مشغولون بمصالح أنفسهم، يكيد بعضهم لبعض ... وهكذا عانى أهل الشام المصائب والاهوال يتلو بعضها بعضا، فرفعوا ايديهم الى السماء متضرعين ومتوسلين بالقرآن وسوره، والانبياء والمرسلين، ملحفين في الدعاء، طالبين التعجيل بالفرج، ذلك لأنّ الشدة التي أصابتهم أودت بالمهج، والناس اضحوا في ضيق وحرج، ومن غير الله يرفع هذا الحرج؟ وهكذا عبر الغزالي عن شعور المسلمين في هذا الوقت ونطق بألسنتهم، وترجم عن حالة الضيق الشديد التي المت بهم. ثم أخذ يتوسل الى الله بالانبياء وبالقرآن وبما أودع فيه من الأسرار الالهية، وذكر في شيء من الالم والحزن ان المسلمين ضعاف، وانهم لا يجدون أمامهم ملجأ غير

стр. 7

الله، اليه يلجؤون وبه يستغيثون واياه يدعون» «٤» . ومن القصائد التي حظيت بالقبول الواسع، وذاعت شهرتها، واكتسبت رضا الكثيرين، وداعبت قلوب المكلومين ونفوس المظلومين، قصيدة يوسف بن محمد التوزري المعروف بابن النحوي (ت ٥١٣ هـ) المشهورة ب «المنفرجة» أو «الفرج بعد الشدة» ، ومطلعها «٥» : اشتدّي أزمة تنفرجي ... قد آذن ليلك بالبلج وكانت هذه القصيدة محط أنظار الشراح، مثل الاضواء البهجة في إبراز دقائق المنفرجة، والأنوار المنبلجة في بسط أسرار المنفرجة، والسريرة المنزعجة في شرح المنفرجة، وغير ذلك «٦» . وذهب فريق آخر الى التضرع بالرسول الكريم محمد- ﷺ والتوسل لديه، والتعلق باعتابه، أن يزيل عنهم الاحزان الجاثمة، ويردّ الامن والدعة الى نفوسهم الهائمة، ويلج بهم ابواب الرحمة الواسعة، الى ساحات الرضا السرمدي والراحة الخالدة، وخير مثال على ذلك القصائد التي قيلت سنة أربع وخمسين وست مئة للهجرة حينما انفجر بركان بالقرب من المدينة المنورة وأخذ يقذف الحمم النارية ويهدد بالدمار والخراب. قال السيوطي: «وفي هذه السنة، في يوم الاثنين، مستهل

стр. 8

جمادى الاخرة، وقع بالمدينة الشريفة صوت يشبه صوت الرعد البعيد تارة وتارة، واقام على هذه الحالة يومين، فلما كان ليلة الاربعاء تعقب الصوت زلزلة عظيمة، رجفت منها الارض والحيطان، واضطرب المنبر الشريف، واستمرت تزلزل ساعة بعد ساعة الى يوم الجمعة خامس الشهر، ظهر من الحرة نار عظيمة، وسالت أودية منها سيل الماء، وسالت الجبال نارا، وسارت نحو طريق الحاج العراقي، فوقفت واخذت تأكل الارض أكلا، ولها كل يوم صوت عظيم من آخر الليل الى الضحوة، واستغاث الناس بنبيهم- ﷺ واقلعوا عن المعاصي» «٧» ، واجود قصيدة نظمت آنذاك في ذكر هذه الحادثة ومدح الرسول- ﷺ كانت للشاعر سيف الدين علي بن عمر بن قزل المعروف بابن المشد (ت ٦٥٦ هـ) ، مطلعها «٨» : ألا سلّما عنّي على خير مرسل ... ومن فضله كالسّيل ينحطّ من عل ومنها وصف للصورة المخيفة التي اذهلت الناس وأرعبتهم: لها شرر كالبرق لكن شهيقها ... فكالرعد عند السامع المتأمل

стр. 9

وأصبح وجه الشمس كالليل كاسفا ... ويدر الدجى في ظلمة ليس تنجلي وهبّت سموم كالحميم فأذبلت ... من الباسقات الشمّ كلّ مذلّل وأبدت من الآيات كلّ عجيبة ... وزلزلت الارضون أيّ تزلزل وأيقن كلّ الناس ان عذابهم ... تعجّل في الدّنيا بغير تمهّل وأعولت الاطفال مع أمهاتها ... فيا نفس جودي، يا مدامعي اهملي وينهي الشاعر قصيدة بالسلام على المبعوث الهادي محمد ﷺ : فيا خير مبعوث وأكرم شافع ... وأنجح مأمول وافضل موئل عليك سلام الله بعد صلاته ... كما شفع المسك العبيق بمندل ووصف المؤرخ شهاب الدين ابو محمد عبد الرحمن بن اسماعيل المعروف بابي شامة المقدسي هذا البركان الثائر وصفا دقيقا وأورد قصيدة لشاعر لم يذكر اسمه، أولها «٩» :

стр. 10

يا كاشف الضّرّ صفحا عن جرائمنا ... لقد أحاطت بنا يا ربّ بأساء نشكو اليك خطوبا لا نطيق لها ... حملا ونحن بها حقا أحقاء زلازلا تخشع الصمّ الصلاب لها ... وكيف يقوى على الزلزال شمّاء أقام سبعا ترج الارض فانصدعت ... عن منظر منه عين الشمس عشواء بحر من النار يجري فوقه سفن ... من الهضاب لها في الارض إرساء ودعا الله ان يفرج عن المسلمين هذا الخطب الكبير الذي ألمّ بهم، ويبعد عنهم نقمته التي تمثلت في هذا البركان الغاضب الذي القى حجارة حامية وشواظا من نار، وأخاف الناس ان يمتد لهيبه الى المدينة المنورة التي تضمّ قبر الرسول- ﷺ والصحابة الصالحين، واختتم قصيدته بقوله: ونحن أمة هذا المصطفى ولنا ... منه الى عفوك المرجو دعاء هذا الرسول الذي لولاه ما سلكت ... محجّة في سبيل الله بيضاء فارحم وصلّ على المختار ما خطبت ... على علا منبر الاوراق ورقاء

стр. 11

وللامام ابي زكريا يحيى بن يوسف الصّرصري (ت ٦٥٦ هـ) قصيدة في خمس وتسعين بيتا يمدح بها الرسول- ﷺ ويذكر النار الحامية التي تتفطر منها القلوب «١٠» : فشاهدتم مرأى فظيعا وشدّة ... تكاد لها الاحشاء أن تتفطرا وجاء في القصيدة قوله: فيا أيّها الحادي الذي اعتسف الفلا ... وحثّ المطايا مدلجا ومهجرا اذا ما أرحت العيس بعد لغوبها ... وطول وجاها من معالجة السّرى فقف وقفة الاحباب في ذلك الحمى ... وعفّر أديم الخدّ في ذلك الثرى وبلغ تحياتي الى من سما به ... وأحرز من رياه نشرا معطرا ومنها: وسل ربّك النصر العزيز لأمة ... بجاهك ترجو ان تعزّ وتنصرا

стр. 12

لها كلّ عام كائد متهدد ... يدير لها بالرعب كأسا ممرّرا أجرها وثبتها فمن كنت جاره ... فأجدر أن يحمى ويحيا ويجبرا عليك سلام من إلهك دائم ... مديد جدير ان يزاد ويكثرا لقد كانت هذه النار التي داهمت الارض الطاهرة واخاف الناس وصول شررها الى المدينة، مدعاة لمدح الرسول- ﷺ قال ابن الوردي: «وظهرت نار بالحرّة عند مدينة النبي- ﷺ وكانت تضيء بالليل من مسافة بعيدة جدا ... ونظم الشعراء عند ظهور هذه النار مدائح في النبي ﷺ » «١١» . ومن هؤلاء الشعراء ايضا شرف الدين ابو عبد الله محمد بن سعيد البوصيري (ت ٦٩٦ هـ) ، فله قصيدة في ثمان وتسعين بيتا سماها: «تقديس الحرم من تدنيس الضرم» مطلعها «١٢» : إلهي على كلّ الامور لك الحمد ... فليس لما اوليت من نعم حدّ وفيها يقول: تدمر ما تأتي عليه كعاصف ... من الريح ما ان يستطاع له ردّ

стр. 13

تمرّ على الارض الشديد اختلافها ... فتنجد غورا او يغور بها نجد وترمي الى الجوّ الصخور كأنّما ... بباطنها غيظ على الجوّ او حقد ويطيل الحديث عن اوصاف النبي المباركة، ويرجو من الله في خاتمة القصيدة ان يحظى بزيارته والتعطر بأريج التربة التي تحرك عليها في نشر رسالة الايمان والهداية والرشاد: فهب لي رسول الله قرب مودّة ... تقرّ به عين وتروى به كبد وإني لارجو أن يقريني الى ... جنابك إرقال الركائب والوخد ولولا وثوقي منك بالفوز في غد ... لما لذّ لي يوما شراب ولا برد عليك صلاة الله يضحي بطيبة ... لديك بها وفد ويمسي بها وفد ودامت كأنفاس الورى في تردّد ... عليك من الله التحية والرّدّ إنّ منزلة الرسول- ﷺ ومكانته عظيمة في نفوس المسلمين، يستذكرون سيرته العطرة، ويستوحون منها ما ينفعهم في الدنيا

стр. 14

والاخرة. وقد خصص كثير من الشعراء دواوين في مديحه، منها على سبيل المثال لا الحصر: «التنوير في مولد السراج المنير» «١٣» لابن دحية الكلبي، وقد اهداه سنة أربع وست مئة للهجرة للسلطان مظفر الدين كوكبري بن زين علي صاحب اربل، و «أهنى المنائح في اسنى المدائح» «١٤» لشهاب الدين محمود بن سليمان الحلبي، و «بشرى اللبيب بذكرى الحبيب» «١٥» لابن سيد الناس اليعمري، و «نظم الدّرر في مدح سيد البشر» «١٦» لابي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن ابي بكر العطار، و «القصائد الوترية في مدح خير البرية» «١٧» لابي عبد الله محمد بن ابي بكر بن رشيد الواعظ البغدادي، وديوان الامام يحيى بن يوسف الصرصري الذي قال عنه قطب الدين اليونيني: ان مدائحه فيه- صلوات الله عليه وسلامه- تقارب عشرين مجلدا «١٨» . وهكذا زها شعر المديح النبوي في تلك الحقبة الهائجة المائجة، وكثر الاقبال عليه، وعم تعاطيه من أرباب القريض، وراجت سوقه رواجا مشهودا، غصّ فيها على كل الاصناف والالوان، بعد ان تضافرت له

стр. 15

الدواعي والاسباب، ووجدت له الاجواء المشجعة للقبول والاستحسان. فها هم أولاء الافرنج قد عاثوا فسادا في ديار الشام ومصر، وامتلكوا ناصية القدس الشريف، واشرأبت أعناقهم الى البيت الحرام، وشردوا الالاف الآمنين من ديارهم وتركوهم يهيمون على وجوههم في البراري والقفار، يطاردهم الطوى والعوز، ويلاحقهم البؤس والشقاء، ويعتادهم المرض والوباء. وقد جرّ هذا الوضع المزري الى اختلال التوازن الاجتماعي، وتردي الاحوال، وشيوع الفقر والجوع، ونقص الاموال والثمرات، واضطراب حبل الأمن، وانتشار المنكرات والموبقات، وفشو التطفيف في الموازين والمكاييل. وما سوى ذلك من ضروب الفساد والانحلال. وعند ذلك جال المسلمون بأبصارهم فيما حولهم- ما خلا بعض الاوقات- فلم يجدوا من يجمعهم ويدفع الضيم والعدوان عنهم، وعجزت وسائلهم المادية الضعيفة عن الدفاع والمقاومة ورد الغزاة الباغين عن حماهم واوطانهم، فالتجأوا الى الله ﷻ ورسوله الكريم، جاعلين التضرع والتوسل سبيلين الى الرحاب العلوية والنفحات المحمدية. والذبّ عن الاسلام فرض عين على كل مسلم، فان عجز اللسان واليد عن هذا الذب، ففي التضرع والدعاء الكفاية والغناء كما عبر عن ذلك ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ) في احدى قصائده «١٩» : هذا ونصر الدين فرض لازم ... لا للكفاية بل على الأعيان

стр. 16

بيد وإمّا باللسان فان عجز ... ت فبالتوجه والدّعا بجنان وكان للمتصوفة- ولا سيما ايام السلاطين من الايوبيين والمماليك- دور مشهود في شيوع شعر المديح النبوي والاحتفاء به، اذ كانوا يعطرون تكاياهم وزواياهم ورباطاتهم بقراءة القصائد التي تتناول سيرة الرسول- ﷺ وتذكر صفاته وفضائله «كما اتخذوا شفاعته والتوسل اليه طريقا الى الله» «٢٠» . وقد اتخذوا يوم ميلاده في كل سنة، وهو اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الاول، مناسبة مفرحة لبعث التوسل والشفاعة والتضرع. وكان الملك المظفر كوكبري بن زين الدين علي زوج ربيعة خاتون أخت صلاح الدين الايوبي وصاحب إربل (ت ٦٣٠ هـ) أبرز شخصية آنذاك اهتمت بعيد المولد النبوي وجعلته من أطيب الايام واسعد الاوقات، ذكر ابن خلكان- وقد التقى بهذا الملك وحضر مجالسه- اخبارا مفصلة عنه، نقتصر منها على ما يأتي: «أمّا احتفاله بمولد النبي- ﷺ فإنّ الوصف يقصر عن الاحاطة به، لكن نذكر طرفا منه، وهو ان اهل البلاد كانوا قد سمعوا بحسن اعتقاده فيه، فكان في كلّ سنة يصل اليه من البلاد القريبة من إربل- مثل بغداد والموصل والجزيرة وسنجار ونصيبين وبلاد العجم وتلك النواحي- خلق كثير من

стр. 17

الفقهاء والصوفية والوعاظ والقراء والشعراء، ولا يزالون يتواصلون من المحرم الى اوائل شهر ربيع الاول، ويتقدم مظفر الدين بنصب قباب من الخشب، كل قبة اربع او خمس طبقات، ويعمل مقدار عشرين قبة او اكثر، منها قبة له، والباقي للامراء واعيان دولته، لكل واحد قبة.. وكانت القباب منصوبة من باب القلعة الى باب الخانقاه المجاورة للميدان، فكان مظفر الدين ينزل كل يوم بعد صلاة العصر ويقف على قبة قبة الى آخرها، ويسمع غناءهم، ويتفرج على خيالاتهم وما يفعلونه في القباب، ويبيت في الخانقاه ويعمل السماع، ويركب عقيب صلاة الصبح يتصد، ثم يرجع الى القلعة قبل الظهر. هكذا يعمل كل يوم الى ليلة المولد، ... فاذا كان قبل المولد بيومين اخرج من الإبل والبقر والغنم وشيئا كثيرا زائدا عن الوصف.... ثم يشرعون في نحرها، وينصبون القدور ويطبخون الالوان المختلفة؛ فاذا كانت ليلة المولد عمل السماعات بعد ان يصلي المغرب في القلعة، ثم ينزل وبين يديه من الشموع المشتعلة شيء كثير، وفي جملتها شمعتان او اربع- اشك في ذلك- من الشموع الموكبية التي تحمل كل واحدة منها على بغل، ومن ورائها رجل يسندها وهي مربوطة على ظهر البغل حتى ينتهي الى الخانقاه؛ فاذا كان صبيحة يوم المولد انزل الخلع من القلعة الى الخانقاه على ايدي الصوفية، على يد كل شخص منهم بقجة، وهم متتابعون كل واحد وراء الاخر، فينزل من ذلك شيء كثير لا اتحقق عدده. ثم ينزل الى الخانقاه وتجتمع الاعيان والرؤساء وطائفة كبيرة من بياض الناس، وينصب كرسي للوعاظ، وقد نصب لمظفر الدين برج خشب له شبابيك الى

стр. 18

الموضع الذي فيه الناس والكرسي، وشبابيك آخر للبرج أيضا الى الميدان، وهو ميدان كبير في غاية الاتساع، ويجتمع فيه الجند، ويعرضهم ذلك النهار، وهو تارة ينظر الى عرض الجند، وتارة الى الناس والوعاظ، ولا يزال كذلك حتى يفرغ الجند من عرضهم، فعند ذلك يقدم السماط في الميدان للصعاليك، ويكون سماطا عاما فيه من الطعام والخبز شيء كثير لا يحد ولا يوصف، ويمد سماط ثان في الخانقاه للناس المجتمعين عند الكرسي، وفي مدة العرض ووعظ الوعاظ يطلب واحدا واحدا من الاعيان والرؤساء والوافدين لأجل هذا الموسم ممن قدمنا ذكره من الفقهاء والوعاظ والقراء والشعراء، ويخلع على كل واحد ثم يعود الى مكانه، فاذا تكامل ذلك كله، حضروا السماط وحملوا منه لمن يقع التعيين على الحمل الى داره، ولا يزالون على ذلك الى العصر او بعدها، ثم يبيت تلك الليلة هناك، ويعمل السماعات الى بكرة، وهكذا يعمل في كل سنة، وقد لخصت صورة الحال، فان الاستقصاء يطول، فاذا فرغوا من هذا الموسم تجهز كل انسان للعود الى بلده، فيدفع لكل شخص شيئا من النفقة» «٢١» . وزادت في هذه الحقبة الرغبة في الذهاب الى الديار الحجازية والمكوث الى جوار الكعبة في مكة المكرمة او الى جوار ضريح الرسول محمد ﷺ في المدينة المنورة وتدبيج القصائد المدحية التي تشيد برسالته وتذوه بفضائله ومناقبه. وكان الملك مظفر الدين صاحب اربل

стр. 19

كما يقول ابن خلكان: «يقيم في كل سنة سبيلا للحاج، ويسير معه جميع ما تدعو حاجة المسافر اليه في الطريق، ويسير صحبته أمينا معه خمسة او ستة الاف دينار ينفقها بالحرمين على المحاويج وارباب الرواتب، وله بمكة- حرسها الله تعالى- آثار جميلة.. وهو اول من اجرى الماء الى جبل عرفات ليلة الوقوف، وغرم عليه جملة كثيرة، وعمر بالجبل مصانع للماء، فان الحجاج كانوا يتضررون من عدم الماء، وبنى له تربة ايضا هناك» «٢٢» . لقد تفجرت قرائح الشعراء بمدح الرسول- ﷺ وطفقت تسبح بحمده، وتطوف حوله، وتتمسح باعتابه، وتسفح العبرات شوقا الى رحابه ولهفة الى سامق جنابه. وتجدر الاشارة الى ان هؤلاء الشعراء كانوا يتالمون من تهجم الافرنج على الدين الاسلامي والرسول- ﷺ ولذلك تراهم ينبرون بالرد عليهم بشدة، ويريشون السهام الى نحورهم ويناقشون عقيدتهم وينافحون عن نبيهم ورسالته الخالدة التي بشر بها العالمين وهدى الضالين «٢٣» .

стр. 20

المديح النبوي في عصر الحروب الصليبية توقدت العاطفة الدينية ايام الحروب الصليبية التي دامت مئتي عام، واخذ مديح الرسول- ﷺ طريقه الى الشعر العربي بشكل قوي وواضح وبكثرة، وصار سمة من سمات هذا العصر ومن اظهر الاغراض الشعرية ومن احبها في نفوس الناس آنذاك، يقول الدكتور شوقي ضيف: «وانبثقت من الشعر الصوفي منذ ابن دريد في اوائل القرن الرابع الهجري مدائح نبوية عطرة بالسيرة الذكية، وما نصل الى القرن السادس والسابع حتى يتكاثر هذا المديح ويزدهر. ونظن ظنا انه كان للحروب الصليبية اثر في ذلك ... وعرف الشعراء انها حرب دينية يشنها الغرب على الرسالة النبوية ورسولها الكريم، فاستحثوا الناس للدفاع عن دينهم، بل مضوا يستصرخونهم للذود عن وطنهم ومقدساتهم، محاولين بكل ما وسعهم ان يحيلوها شعلا آدمية تشوي وجوه الصليبيين وتأتي عليهم كأن لم يكونوا شيئا مذكورا، وفي الوقت نفسه مضوا يمدحون النبي الامين بعرض سيرته وبعث شذاها العطر، ورفعوها شعارات، بل لواءات، ليجتمع من حولها ابطال الاسلام والعرب، ويقضوا على

стр. 21

الصليبيين قضاء مبرما «٢٤» . ان ما ذهب اليه الدكتور شوقي ضيف معقول ومقبول، اما رأي الدكتور علي صافي حسين ففيه نظر، فهو يقول: «المدائح النبوية فن استحدثه المصريون في القرن السابع، اذ لم يكن له من قبل وجود لا في مصر ولا في غيرها من الاقطار العربية والاسلامية على الاطلاق» «٢٥» . اقول: ان من يراجع تراثنا الادبي الكبير والزاخر بشعر كثير قبل القرن السابع للهجرة يجد قصائد ومقطوعات في مديح الرسول- ﷺ فيها جانب من سيرته العطرة ومعجزته القرآن العظيم الذي انزله الله ﷻ ليبشر به الناس ويهديهم الى الصراط المستقيم. فمن الشعراء الذين وصل الينا من نظمهم في مدح الرسول الكريم ابو عبد الله ابن ابي زكريا الشقراطيسي (ت ٤٩٦ هـ) في قصيدة اولها «٢٦» : الحمد لله منا باعث الرّسل ... هدى باحمد منا احمد السّبل خير البرية من بدو ومن حضر ... وأكرم الخلق من حاف ومنتعل ولأبي المظفر محمد بن احمد بن اسحاق الابيوردي (ت ٥٠٧ هـ) قصيدة في مدحه مطلعها «٢٧» :

стр. 22

خاض الدّجى ورواق الليل مسدول ... برق كما اهتزّ ماضي الحدّ مصقول وشارك ابو حفص عمر بن الحسن بن المظفر النيسابوري (ت ٥٣٢ هـ) في مدح الرسول ﷺ ، من ذلك قوله من قصيدة «٢٨» : وخاتم المرسلين سيدنا ... احمد ربّ السماء سمّاه أشرقت الارض بعد بعثته ... وحصحص الحقّ من محيّاه ومن الاصوات العالية والمجيدة في مدح النبي ﷺ صوت ابي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري (ت ٥٣٨ هـ) فله قصيدة لامية مطلعها «٢٩» : أضاء لي باللّوى والقلب متبول ... نجديّ برق بنار الحبّ موصول وقصيدة رائية مطلعها «٣٠» : قامت لتمنعني المسير تماضر ... أنّى لها وغرار عزمي باتر

стр. 23

ومن المكثرين في الاقبال على النظم في المديح النبوي الامام جمال الدين افضل الاسلام عبد الرحيم بن احمد بن محمد بن الاخوة البغدادي الشيباني (ت ٥٤٨ هـ) ، وقد رآه عماد الدين الاصبهاني الكاتب، فقال: «خصّه الله بالفضل الوافر، والخاطر الواقر، والعلم الكامل، والادب الشامل. وهو أعجوبة العراق، وجوابة الافاق» «٣١» وقال: «اتفق حضوري عنده في الجامع، وبيده جزء فيه مدائح النبي ﷺ » ، واورد له في خريدته اربع قصائد ومقطوعتين، من ذلك قوله «٣٢» : صلّى الاله على النبي محمد ... هادي البرية والامام المهتدي الصابر البر الرؤوف المرتضى ... الماجد الندب الكريم السيد الصادق المصدوق والبدر الذي ... عمّ البلاد بنوره المتجدد نجى به الله الانام من الردى ... والناس في ليل الظلام الاسود لا ينقضي بين الورى اعجازه ... فدليله في اليوم باق في غد فمن اهتدى بهداه فاز ومن عتا ... عنه تردّد في العذاب الموصد

стр. 24

وله قصيدة «٣٣» : سلام على احمد المصطفى ... سلام على الطاهر المرتضى سلام على صفوة العالمين ... سراج البريّة شمس الورى سلام على خاتم الانبيا ... محمد الماجد المجتبى به شيد الله ركن التقى ... به رفع الله شأن الهدى وأيّد ملّته فانطوى ... رداء الضلال بها وانجلى ونجد للشاعر علي بن محمد بن علي العمراني (ت ٥٦٠ هـ) قصيدة في مدح الرسول الكريم ﷺ نظمها في صباه، مطلعها «٣٤» : أضاء برق وسجف الليل مسدول ... كما يهزّ اليماني وهو مصقول وقد صاغها معارضا قصيدة «بانت سعاد» لكعب بن زهير في مدح

стр. 25

الرسول، وافتتحها متغزلا بسعدى، وواصفا وجده وهيامه ودموعه المدرارة، مما يمكن ان يعد من مظاهر المبالغة والاسراف في النعت: مهما تذكرتها فاض الجمان على ... خديّ حتى نجاد السّيف مبلول وانتقل الى قامتها الرشيقة فأدق النظر في الاعضاء وتقاطيعها، وأرهف النفس في البيان المحسوس والوصف المادي الملموس، شأنه شأن الشعراء الذين كانوا يجرون وراء المرأة، ويهيمون بهذا الضرب من الجمال، ويتطلعون الى النوال والوصال: ظمأى الموشح، ريّان مخلخلها ... عبل مؤزرها، والمتن مجدول كأنما هي اذ ترخي ذوائبها ... بدر عليها رواق الليل مسدول كأنما شعرها درّ اذا ابتسمت ... وريقها سحرا بالراح معلول يا حبذا زمن فيه نسرّ بها ... والشعب ملتئم والحبل موصول ثم تخلص في انتقالة موفقة الى مدح خاتم الانبياء ﷺ والحديث عن رسالته العظيمة المبعوث من اجلها التي بشربها الناس وهداهم الى سواء السبيل ونور طريقهم للمسير الى صالح الاعمال وخير الافعال، ومدح اصحابه الطيبين الطاهرين الذين تحملوا معه امانة هذه الرسالة.

стр. 26

ويبدو ان هذا الشاعر قد نظم شعرا كثيرا في مدح النبي ﷺ اعتمادا على ما ذكره ياقوت الحموي معقبا على هذه القصيدة بقوله: «ولهذا الامام اشعار من هذا النمط» . ومن الشعراء الذين خصصوا قصائد كثيرة لمدح نبي الهدى محمد ﷺ ، ابو نزار الحسن بن صافي بن عبد الله بن نزار الملقب بملك النحاة (ت ٥٦٨ هـ) ، يقول في احدى هذه القصائد «٣٥» : يا قاصدا يثرب الفيحاء مرتجيا ... ان يستجير بعليا خاتم الرّسل خذ من اخيك مقالا ان صدعت به ... مدحت في آخر الاعصار والأول قل يا من الفخر موقوف عليه فان ... تذوكر الفخر لم يصدف ولم يمل صيت اذا طلبت غاياته خرقت ... سبعا طباقا فبذّت كلّ ذي أمل علوت وازددت حتى عاد ممتدحا ... جبريل عمّا له قد كان لم يطل وعدت والكبر قد نافى علاك فما ... عددت شيمة سبط الخلق مبتهل أتتك غرّ قوافي المدح خاضعة ... لديك فاقبل ثناء غير منتحل

стр. 27

ثناء من لم يجد وجناء تحمله ... اليك او صدّ بالاقتار عن جمل صلى عليك إله العرش مشتملا ... عليك يا خير حاف ومنتعل ونلقى للشاعر صفوان بن ادريس بن ابراهيم (ت ٥٩٨ هـ) مدحا للرسول ﷺ حيث يقول «٣٦» : تحية الله وطيب السلام ... على رسول الله خير الانام على الذي فتح باب الهدى ... وقال للناس: ادخلوا بالسلام بدر الهدى سحب الندى والجدا ... وما عسى ان يتناهى الكلام تحية تهزأ أنفاسها ... بالمسك لا أرضى بمسك الختام تخصّه مني ولا تنتني ... عن آله الصيد السراة الكرام وقدرهم أرفع لكنني ... لم ألف أعلى لفظة من كرام

стр. 28

الشواهد الشعرية التي ذكرناها تدل من غير شك على وجود شعر في مديح الرسول ﷺ قبل القرن السابع للهجرة، اي لم يكن حكرا على هذا القرن وما تلاه، فهو موجود منذ وجدت البيئات الزهدية ثم الصوفية من بعد «٣٧» ، ولكنه لم يكن بتلك السعة التي نلاحظها في القرن السابع، اي بعد ضعف الدولة العباسية وتشتت شملها ثم زوالها وتوالي هجمات الصليبيين من الغرب والتتر من الشرق. نظم عدد كبير من الشعراء قصائد عامرة في مدح الرسول ﷺ ، تناولوا فيها سيرته وما تنطوي فيها من احداث مولده ورضاعته ونشأته وبعثته وكفاحه ومهاده ووفاته. كما تناولوا الدين الاسلامي الذي هدى الناس واضاء لهم النور، واخرجهم من ظلمات الجهل والضلال، وأبان لهم طريق الهداية والحق.. ثم افرغوا ما في نفوسهم من حسرات لاهبة وآهات حرى.. وكان على رأس هؤلاء الشعراء الامام العلامة الضرير جمال الدين ابو زكريا يحيى بن يوسف الصّرصري البغدادي (ت ٦٥٦ هـ) ، وهو «حسان وقته» «٣٨» ، يقول ابن شاكر الكتبي عنه: «صاحب المدائح النبوية السائرة في الافاق، لا اعلم شاعرا اكثر من مدائح النبي ﷺ اشعر منه، وشعره طبقة عالية» «٣٩» ، وقد انصف احد الباحثين في قوله: «من اهم الشعراء الذين نبغوا في فن المدائح

стр. 29

النبوية واجادوا فيها في جميع العصور الادبية» «٤٠» . جاء في مقدمة احدى قصائده الطويلة: «وقال ﵀ يمدحه صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ويذكر فيها احواله، وتقلباته منذ اراد الله خلقه، الى ان قبضه وادخله الجنة ﷺ وسماها الروضة الناضرة في اخلاق محمد المصطفى الباهرة، وعددها ثمان مئة وخمسون بيتا، رحم الله ناظمها على قافية النون» «٤١» ، واولها: سبحان ذي الجبروت والبرهان ... والعزّ والملكوت والسلطان والحمد لله الكريم الرازق ... الخلاق متقن صنعة الانسان والله اكبر لا إله سواه لي ... سبحانه هو للصواب هداني أصبحت أنظم مدح اكرم مرسل ... لهجا به في رائق الاوزان وتخذته لي جنّة ومعونة ... فيها أروم فصانني وكفاني حبّرت فيه قصيدة أودعتها ... من مسند الاخبار حسن معاني

стр. 30

في وصفه من بدء تشريفاته ... حتى الختام بحسن نظم معان وقد وصل الينا ديوانه وفيه اكثر من احد عشر الف بيت اغلبه في المديح النبوي وبيان حال المسلمين في عصره. وليس لنا- امام ما نراه ملائما لهذا البحث- الا ان نعرف بأشهر القصائد ونكشف عن بنيتها الفنية، والموضوعات التي احتوتها واهتمت بها اكثر من غيرها. كان اغلب القصائد التي خصصت لمدح النبي ﷺ ممهدة بأبيات قد تطول او تقصر تخلص الى الغرض الاساس، وللشعراء مسالك شتى فيها، وكان للغزل القدح المعلّى والنصيب الاوفر، وهذا الغزل اذا ما امعن الناظر اليه يجده لا يختلف في شكله ومضمونه عن الغزل الحسي الذي يتناول وصف مفاتن النساء ومحاسنهن، واقبالهن وادبارهن، وغنجهن ودلالهن ... وما يعاني المحب من سهر وأرق، واشتياق وقلق.. وغالبا ما يلمح القارىء ذلك في القصائد التي نظمها الشعراء معارضة لقصيدة كعب بن زهير المشهورة التي يقول في مطلعها «٤٢» : بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول

стр. 31

قال ابو جعفر الابيري في معرض حديثه عن هذه القصيدة: «هي حجة الشعراء فيما سلكوه، وملاك أمرهم فيما ملكوه، حدثني بعض شيوخنا بالاسكندرية باسناده ان بعض العلماء كان لا يستفتح مجلسه الا بقصيدة كعب» «٤٣» . وقد ساهم عدد كبير من الشعراء في عصر الحروب الصليبية وما بعدها. نظم قصائد على وزنها ورويها ومنهجها، منهم ابن الساعاتي (ت ٦٠٤ هـ) ، وشرف الدين عبد العزيز بن محمد الانصاري (ت ٦٦٢ هـ) ، ومحيي الدين بن عبد الظاهر (ت ٦٩٢ هـ) ، وشبيب بن حمدان (ت ٦٩٥ هـ) ، وشرف الدين محمد بن سعيد البوصيري (ت ٦٩٦ هـ) ، واحمد بن عبد الملك العزازي (ت ٧١٠ هـ) ، وفتح الدين بن سيد الناس اليعمري (ت ٧٣٤ هـ) ، وابو حيان الاندلسي (ت ٧٤٥ هـ) ، وابن نباتة المصري (ت ٧٦٨ هـ) ، والفيروز أبادي (ت ٨١٧ هـ) ... وتجدر الاشارة الى أن للامام جمال الدين أبي زكريا يحيى بن يوسف الصّرصري قصيدتين على وزن هذه القصيدة وقافيتها: «٤٤» ولو امعنا النظر في هذا الغزل لوجدناه- في الاعم الاغلب- قريب المأخذ، سهل المعنى، قليل التلاعب اللفظي، تكلله هالة من العفة والطهر والرزانة. ولا بد من الاشارة الى ان شرف الدين عبد العزيز بن محمد الانصاري الوحيد الذي ضمن اغلب ابيات قصيدته اشطرا من

стр. 32

قصيدة كعب بن زهير، نأخذ منها الابيات الاولى «٤٥» : أوهمت نصحا لوان النصح مقبول ... (لا ألهينك اني عنك مشغول بان التجلد عنّي والتصبر مذ ... (بانت سعاد فقلبي اليوم متبول) تياهة آثرت صدا لمغرمها ... (متيم إثرها لم يفد مكبول) ثرت دموعي اذ افترت بذي أشر ... (كأنه منهل بالراح معلول) «٤٦» جديدة الحسن يبدو في مقسمها ... (عتق متين وفي الخدّين تسهيل) حلمت عند تمنيها بزورتها ... (إن الاماني والاحلال تضليل) خوّانة حقّقت فينا توعّدها ... (وما مواعيدها الّا الاباطيل) دعني فإن فاتني منها النوال فلي ... (من الرسول باذن الله تنويل) لقد اعتز المسلمون بقصيدة كعب بن زهير، وتوارثوها، وشرحوها،

стр. 33

وعارضوها، وشطروها، وخمسوها، حتى قال المقرّي: «ولم تزل الشعراء من ذلك الوقت الى الان ينسجون على منوالها، ويقتدون بأقوالها، تبركا بمن أنشدت بين يديه، ونسب مدحها اليه» «٤٧» . وقد ذكر الباحث المحقق هلال ناجي ثلاثة وخمسين شرحا بين مطبوع ومخطوط لهذه القصيدة في مقدمة تحقيقه لكتاب (شرح بانت سعاد) لعبد اللطيف بن يوسف البغدادي المتوفى سنة ٦٢٩ للهجرة «٤٨» . ومن القصائد التي نظمت معارضة لقصيدة كعب بن زهير قصيدة شهاب الدين احمد بن عبد الملك العزازي وقد جاء الغزل في مقدمتها، من ذلك قوله «٤٩» : دمي بأطلال ذات الخال مطلول ... وجيش صبري مهزوم ومفلول ومن يلاق العيون الفاتكات بلا ... صبر يدافع عنه فهو مخذول لم يدر من سلب العشاق انفسهم ... بأنه عن دم العشاق مسؤول وبي أغنّ غضيض الطرف معتدل ال ... قوام لدن مهزّ العطف مجدول

стр. 34

كأنّه في تثنيه وخطرته ... غصن من البان مطلول ومشمول سلافة منه تسبيني وسالفة ... وعاسل منه يصبيني ومعسول وكلّما مرضت أجفان مقلته ... يصح الا غرامي فهو منحول يا برق كيف الثنايا الغرّ من إضم ... يا برق أم كيف لي منهنّ تقبيل ويا نسيم الصّبا كرّر على أذني ... حديثهنّ فما التكرار مملول التجربة الشعورية- كما يبدو- خافتة في هذه الابيات، والانتقال من المؤنث الى المذكر لا نعهده عند شاعر اخر، وغزله لا يتجاوز وصف القد والخد والريق والسالفة والاجفان.. ان التجاوز في التغزل والتشبيب والالتجاء الى المذكر في مطالع القصائد، والافراط فيه، قد جعل ابن حجة الحموي أن يقول: «إنّ الغزل الذي يصدر به المديح النبويّ يتعيّن على الناظم ان يحتشم فيه ويتأدب، ويتضاءل ويتشبب، مطريا بذكر سلع وسفح العقيق والعذيب والغوير ولعلع واكناف حاجر، ويطرح ذكر محاسن المرد، والتغزل في ثقل الارداف، ورقة الخصر، وبياض الساق، وحمرة الخد، وخضرة العذار،

стр. 35

وما اشبه ذلك» «٥٠» ، وهذا القول اطلقه ابن حجة الحموي في معرض حديثة عن احدى نبويات ابن نباتة المصري وعفتها وحشمتها وبراعة استهلالها، وهي «٥١» : صحا القلب لولا نسمة تتخطر ... ولمعة برق بالغضا تتسعر والقارىء للقصيدة يجد ابن نباتة المصري يساير الشعراء الاخرين الذين سبقوه في بناء قصائدهم المدحية، ولا يختلف عنهم في تغزله ووصف غانيته الحسناء وفاتنته الغيداء، ذلك الوصف الذي يخرج عن مبادىء ابن حجة الحموي في صفات الغزل الموجودة في مطالع المدائح النبوية التي ذكرها آنفا كما في قوله من القصيدة نفسها: يروقك جمع الحسن في لحظاتها ... على أنّه بالجفن جمع مكسّر من الغيد تحتفّ الظّبا بحجابها ... ولكنها كالبدر في الماء يظهر يشف وراء المشرفية خدّها ... كما شفّ من دون الزجاجة مسكر

стр. 36

ولا عيب فيها غير سحر جفونها ... وأحبب بها سحّارة حين تسحر اذا جردت من برودها فهي عبلة ... وان جردت الحاظها فهي عنتر واين نضع قول ابن حجة الحموي تجاه نبوية ابن نباتة المصري التي عارض بها قصيدة كعب بن زهير، التي يقول في مطلعها «٥٢» : ما الطرف بعدكم بالنوم مكحول ... هذا وكم بيننا من ربعكم ميل ومنها: أبكي اشتياقا اليها وهي قاتلتي ... يا من رأى قاتلا يبكيه مقتول مسكية الخال، اما ورد وجنتها ... فبالجنى من عيون الناس مبلول فإن يفح من نواحي خدّها عبق ... فالمسك فيه بماء الورد مجبول تفتر عن شنب حلو لذائقه ... في ذكره لمجاج النحل تعسيل

стр. 37

مصحّح النقل عن شهد وعن برد ... لانّه منهل بالراح معلول ويبدو ان اعجاب ابن حجة الحموي بشعر ابن نباتة المصري الذي خصص لمدح الرسول ﷺ ست قصائد أنساه ما فيه من غزل حسي تناول فيه مفاتن المرأة ووصفها وتجسيد صور الحسن فيها والقاء الظلال الجميلة عليها: وقد اسرف ابو حيان الاندلسي في كشف مواطن الجمال وسحر الاعضاء عند الحبيبة، واول قصيدته «٥٣» : لا تعذلاه فما ذو الحبّ معذول ... العقل مختبل والقلب متبول هزت له أسمرا من خوط قامتها ... فما انثنى الصبّ الا وهو مقتول ومنها: فالنحر مرمرة، والنشر عنبرة ... والثغر جوهرة، والريق معسول والطّرف ذو غنج، والعرف ذو أرج ... والخصر مختطف، والمتن مجدول

стр. 38

هيفاء ينبس في الخصر الوشاح لها ... درماء تخرس في الساق الخلاخيل «٥٤» من اللواتي غذاهنّ النعيم فما ... يشفّين أباؤها الصيد البهاليل وتتوالى الابيات في هذا الغزل حتى يخلص الى مدح النبي ﷺ ، وهو- كما مر- يتناول اعضاء المرأة ويعرضها للسامع بأسلوب مثير وكأنه يعرض جارية للبيع.. وهذه حالة لا يتعاطف القلب معها ولا تستأنس النفس بذكرها. اما الغزل بالمذكر او المرد- كما قال ابن حجة الحموي- فهو قليل اذا ما قيس بحجم الغزل بالمؤنث، وهو لا يهبط- كما بدا لنا- الى الدرك الاسفل من الادب المرذول كما هو الحال عند الشعراء المشهورين بالمجون والتهتك وقلة الحياء، واليك هذا المثال لشمس الدين محمد بن عفيف الدين (سليمان) التلمساني المعروف بالشاب الظريف (ت ٦٨٨ هـ) في مطلع قصيدة يمدح بها الرسول ﷺ ، ويذكر فيها قسوة المحبوب وعدم مبالاته بما يعاني المحب من أرق وقلق «٥٥» :

стр. 39

هذا الذي أحبّه ... قاس عليّ قلبه نام ولم يعلم بما ... بات يقاسي صبّه واعجبا كم عاج بي ... دلاله وعجبه آها لمعننىّ واله ... لم يدر كيف ذنبه وثمة طريقة اخرى في ابتداء القصائد المدحية هي التشبيب بالديار الحجازية وذكر معالمها، او الحنين اليها والتشوق الى ساكنيها، والبكاء على قاطينها، ووصف الابل الضامرة، وحديث السّرى، والمناهل والنباتات، والمواضع التي تقع على امتداد الطريق، والريح والبرق والرعد، وكل الظواهر الطبيعية التي تراها العين ... فهي تؤدي الى الحبيب والشفيع، الى من لا يخيب شفاعة مستجير ... مثل قول ابي زكريا جمال الدين يحيى بن يوسف الصّرصري «٥٦» : ذكر العقيق فهاجه تذكاره ... صبّ عن الاحباب شطّ مزاره

стр. 40

وهفت الى سلع نوازع قلبه ... فتضرمت بين الجوانح ناره كلف برامة ما تألق بارق ... من نحوها الا بدا اضماره يشتاق واديها ولولا حبّها ... لم يصبه واد زهت أزهاره شغفا بمن ملك الفؤاد بأسره ... وبودّه ألّا يفكّ إساره لولا هواه لما ثنى اعطافه ... بان الحجاز ورنده وعراره يا من ثوى بين الجوانح والحشا ... مني وان بعدت عليّ دياره عطفا على قلب بحبك هائم ... ان لم تصله تصدعت أعشاره وارحم كئيبا فيك يقضي نحبه ... أسفا عليك وما انقضت او طاره لا يستفيق من الغرام وكلّما ... حجبوك عنه تهتكت استاره ما اعتاض عن سمر الحمى ظلّا ولا ... طابت بغير حديثكم أسماره
следующие страницы →