ولا عيب فيها غير سحر جفونها ... وأحبب بها سحّارة حين تسحر
اذا جردت من برودها فهي عبلة ... وان جردت الحاظها فهي عنتر
واين نضع قول ابن حجة الحموي تجاه نبوية ابن نباتة المصري التي عارض بها قصيدة كعب بن زهير، التي يقول في مطلعها «٥٢» :
ما الطرف بعدكم بالنوم مكحول ... هذا وكم بيننا من ربعكم ميل
ومنها:
أبكي اشتياقا اليها وهي قاتلتي ... يا من رأى قاتلا يبكيه مقتول
مسكية الخال، اما ورد وجنتها ... فبالجنى من عيون الناس مبلول
فإن يفح من نواحي خدّها عبق ... فالمسك فيه بماء الورد مجبول
تفتر عن شنب حلو لذائقه ... في ذكره لمجاج النحل تعسيل
стр. 37
مصحّح النقل عن شهد وعن برد ... لانّه منهل بالراح معلول
ويبدو ان اعجاب ابن حجة الحموي بشعر ابن نباتة المصري الذي خصص لمدح الرسول ﷺ ست قصائد أنساه ما فيه من غزل حسي تناول فيه مفاتن المرأة ووصفها وتجسيد صور الحسن فيها والقاء الظلال الجميلة عليها:
وقد اسرف ابو حيان الاندلسي في كشف مواطن الجمال وسحر الاعضاء عند الحبيبة، واول قصيدته «٥٣» :
لا تعذلاه فما ذو الحبّ معذول ... العقل مختبل والقلب متبول
هزت له أسمرا من خوط قامتها ... فما انثنى الصبّ الا وهو مقتول
ومنها:
فالنحر مرمرة، والنشر عنبرة ... والثغر جوهرة، والريق معسول
والطّرف ذو غنج، والعرف ذو أرج ... والخصر مختطف، والمتن مجدول
стр. 38
هيفاء ينبس في الخصر الوشاح لها ... درماء تخرس في الساق الخلاخيل «٥٤»
من اللواتي غذاهنّ النعيم فما ... يشفّين أباؤها الصيد البهاليل
وتتوالى الابيات في هذا الغزل حتى يخلص الى مدح النبي ﷺ ، وهو- كما مر- يتناول اعضاء المرأة ويعرضها للسامع بأسلوب مثير وكأنه يعرض جارية للبيع.. وهذه حالة لا يتعاطف القلب معها ولا تستأنس النفس بذكرها.
اما الغزل بالمذكر او المرد- كما قال ابن حجة الحموي- فهو قليل اذا ما قيس بحجم الغزل بالمؤنث، وهو لا يهبط- كما بدا لنا- الى الدرك الاسفل من الادب المرذول كما هو الحال عند الشعراء المشهورين بالمجون والتهتك وقلة الحياء، واليك هذا المثال لشمس الدين محمد بن عفيف الدين (سليمان) التلمساني المعروف بالشاب الظريف (ت ٦٨٨ هـ) في مطلع قصيدة يمدح بها الرسول ﷺ ، ويذكر فيها قسوة المحبوب وعدم مبالاته بما يعاني المحب من أرق وقلق «٥٥» :
стр. 39
هذا الذي أحبّه ... قاس عليّ قلبه
نام ولم يعلم بما ... بات يقاسي صبّه
واعجبا كم عاج بي ... دلاله وعجبه
آها لمعننىّ واله ... لم يدر كيف ذنبه
وثمة طريقة اخرى في ابتداء القصائد المدحية هي التشبيب بالديار الحجازية وذكر معالمها، او الحنين اليها والتشوق الى ساكنيها، والبكاء على قاطينها، ووصف الابل الضامرة، وحديث السّرى، والمناهل والنباتات، والمواضع التي تقع على امتداد الطريق، والريح والبرق والرعد، وكل الظواهر الطبيعية التي تراها العين ... فهي تؤدي الى الحبيب والشفيع، الى من لا يخيب شفاعة مستجير ... مثل قول ابي زكريا جمال الدين يحيى بن يوسف الصّرصري «٥٦» :
ذكر العقيق فهاجه تذكاره ... صبّ عن الاحباب شطّ مزاره
стр. 40
وهفت الى سلع نوازع قلبه ... فتضرمت بين الجوانح ناره
كلف برامة ما تألق بارق ... من نحوها الا بدا اضماره
يشتاق واديها ولولا حبّها ... لم يصبه واد زهت أزهاره
شغفا بمن ملك الفؤاد بأسره ... وبودّه ألّا يفكّ إساره
لولا هواه لما ثنى اعطافه ... بان الحجاز ورنده وعراره
يا من ثوى بين الجوانح والحشا ... مني وان بعدت عليّ دياره
عطفا على قلب بحبك هائم ... ان لم تصله تصدعت أعشاره
وارحم كئيبا فيك يقضي نحبه ... أسفا عليك وما انقضت او طاره
لا يستفيق من الغرام وكلّما ... حجبوك عنه تهتكت استاره
ما اعتاض عن سمر الحمى ظلّا ولا ... طابت بغير حديثكم أسماره
стр. 41
هل عائد زمن تضوّع نشره ... أرجا ورقت بالرضا أشجاره
في مريع بقباب سلع موفق ... بالأنس تهتف بالمنى أطياره
لقد وجدنا مثل هذه المطالع عند كثير من الشعراء الذين خصصوا قصائد في مدح الرسول ﷺ ونوهوا بسيرته العطرة، امثال: فتيان الشاغوري «٥٧» ، ومحمد بن حمزة بن معد «٥٨» ، وابن جبير الاندلسي «٥٩» ، وداود بن عيسى الأيوبي «٦٠» ، واحمد بن عبد القوي الربعي «٦١» ، وكمال الدين الزملكاني «٦٢» ، وابن دقيق العيد «٦٣» ، ومحمد بن احمد بن عبد الرحمن «٦٤» ، ومحمد بن عيسى النصيبي «٦٥» ، وضياء الدين علي بن
стр. 42
محمد الغرناطي السكندري «٦٦» ، والامام البوصيري «٦٧» ... وعدد كبير من شعراء المغرب والاندلس الذين نأت اوطانهم عن المشرق «٦٨» .
ويعد شرف الدين أبو عبد الله محمد بن سعيد البوصيري فارس هذا الميدان، ولا سيما في قصيدته المعروفة ب (البردة) ، او (الكواكب الدرية في مدح خير البرية) ، التي مطلعها:
أمن تذكّر جيران بذي سلم ... مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
أم هبت الريح من تلقاء كاظمة ... واومض البرق في الظلماء من إضم
وهي من أشهر قصائده ذيوعا وانتشارا، لما امتازت به من قوة الاسلوب، وحسن الصياغة، وجودة المعاني، وجمال التشبيهات، وروعة الصور، يضاف الى ذلك ما نسج حولها بعض المعجبين بها، ولا سيما المتصوفة من قصص «٦٩» .
تقع قصيدة البردة للبوصيري في اثنين وثمانين ومئة بيت، وقد
стр. 43
استأنس- كما يبدو- عند نظمها بميمية ابن الفارض التي مطلعها «٧٠» :
هل نار ليلى بدت ليلا بذي سلم ... أم بارق لاح في الزوراء فالعلم
وبميميتي الامام يحيى بن يوسف الصّرصري الاولى مطلعها «٧١» :
أمط رحال السّرى يا حادي النّعم ... عنها فهذا مقيل الرّوح والنّعم
والثانية مطلعها «٧٢» :
هذي تهامة فاحبس غير متّهم ... واعلم بأنّ الهوى عن يمنة العلم
وقد ظلت قصيدة البوصيري تستهوي قلوب المسلمين وتستلهم الشعراء لمعارضتها لجماليتها اللغوية والايقاعية وما تحمله من صور وأخيلة تداعب نفوس الكثيرين وتشدهم الى حب نبيهم ﷺ نأخذ منها الابيات الاتية «٧٣» :
стр. 44
لولا الهوى لم ترق دمعا على طلل ... ولا أرقت لذكر البان والعلم
فكيف تنكر حبا بعدما شهدت ... به عليك عدول الدمع والسقم
وأثبت الوجد خطّي عبرة وضنى ... مثل البهار على خديك والعنم «٧٤»
نعم سرى طيف من هوى فأرقني ... والحب يعترض اللذات بالألم
عدتك حالي لا سري بمستتر ... عن الوشاة ولا دائي بمنحسم
محضتني النصح لكن لست أسمعه ... إن المحبّ عن العذال في صمم
ومنها:
هو الحبيب الذي ترجى شفاعته ... لكلّ هول من الاهوال مقتحم
دعا الى الله فالمستمسكون به ... مستمسكون بحبل غير منفصم
стр. 45
فاق النبيين في خلق وفي خلق ... ولم يدانوه في علم ولا كرم
ولابد من التنويه بان شعر الحنين الى ارض الحجاز والاماكن المقدسة وذكر معالمها ومباهجها وما دب فيها من انسان وحيوان، وما نبت فيها من شجر وزرع لم يكن من ابتداع هؤلاء الشعراء الذين ذكرناهم، بل سبقهم شعراء كثيرون منذ زمن الشريف الرضي، واشتهر بذلك حسام الدين عيسى بن سنجر الإربلي المعروف بالحاجري (ت ٦٣٢ هـ) نسبة الى حاجر، احدى المواضع الحجازية التي تغنى بها واكثر من ذكرها في شعره «٧٥» .
لقد استطاب الشعراء هذا اللون في مطالع قصائدهم المدحية لحبهم وشوقهم الى الرسول ﷺ الذي ضمته تلك الديار كما عبر عن ذلك ابن دقيق العيد في قوله «٧٦» :
تهيم نفسي طربا عندما ... استملح البرق الحجازيّا
ويستخف الوجد عقلي وقد ... أصبح لي حسن الحجى زيّا
стр. 46
يا هل أقضّي حاجتي من منى ... وأنحر البزل المهاريّا
فأرتوي من زمزم فهي لي ... ألذّ من ريق المهاريّا
ويتخلل بعض مطالع الحنين والشوق الى الديار الحجازية وصف الابل التي تقلّهم وما تعاني من تعب ومشقة في قطع الفيافي والمسير في مضارب الصحارى وهي صابرة على الطعام والماء، من ذلك الابيات الاتية من قصيدة لعمر بن النصير الحريري (ت ٧١١ هـ) الذي اجاد في تصوير حالتها وهي تدبّ في سيرها وتسعى حثيثا وهي تحمل اثقالها للوصول الى مثوى حبيب المسلمين محمد ﷺ «٧٧» :
ما لمطايانا تميل مالها ... أظنّ رمل رامة بدا لها
لا تحسبنّ ميلها عن ملل ... وإنّما سكر الهوى أمالها
وربّما كلّت ولكن شوقها ... يمنعها ان تشتكي كلالها
وكلّ صعب في سراها هيّن ... لا سيما ان بلغت آمالها
стр. 47
تبدي نشاطا عندما يطلقها ... حابسها بحلّه عقالها
تجد وجدا في الحزون كلما ... تذكرت من يثرب اطلالها
وإن حدا الحادي بذكر طيبة ... هيج ذكر طيبة بلبالها
فشوقها يسوقها حتى ترى ... آمالها هناك او آجالها
ترى أراني زائرا منازلا ... أقصد من كلّ الورى نزّالها
فيها أجلّ مرسل لأمّة ... كانت ترى رشادها ضلالها
المطايا لا يقل شوقها الى يثرب ومن فيها عن شوق راكبيها وحداتها، فهي لا تكلّ ولا تملّ ولا تشتكي، تستسهل الصعب، وتستهين بالحزون والشعاب، من اجل ان تحط رحالها عند أجلّ مرسل واكرم نبي واهدى مبعوث.
وهناك مذهب آخر سلكه فريق من الشعراء في مطالع المدائح النبوية، هو التوجه الى المسلمين باللوم والتقريع، او النصح والارشاد وبيان مضار الغواية والضلال والاعمال المشينة والافعال المقرفة والعواقب الوخيمة التي تنتظر الخارجين عن جادة الصواب والحساب
стр. 48
العسير الذي سيلاقونه ان هم تمادوا في غيهم وافعالهم الضالة، من ذلك ما جاء في لامية شرف الدين البوصيري التي مطلعها «٧٨» :
الى متى انت باللذات مشغول ... وأنت عن كلّ ما قدمت مسؤول
في كلّ يوم ترجي ان تتوب غدا ... وعقد عزمك بالتسويف محلول
ومنها:
فجرد العزم إنّ الموت صارمه ... مجرد بيد الآمال مسلول
واقطع حبال الاماني التي اتصلت ... فإنما حبلها بالزور موصول
انفقت عمرك في مال تحصله ... وما على غير إثم منك تحصيل
ورحت تعمر دارا لا بقاء لها ... وأنت عنها وان عمّرت منفول
جاء النذير فشمّر للمسير بلا ... مهل فليس مع الانذار تمهيل
وصن مشيبك عن فعل تشان به ... فكلّ ذي صبوة بالشيب معذول
стр. 49
ان الكثير من قصائد المديح النبوي يبدأ بواحد من التمهيدات السابقة، والقليل يخلو منها، ولا سيما القصائد القصيرة والمقطوعات، كما هو الحال عند الصاحب شرف الدين عبد العزيز بن محمد الانصاري (ت ٦٦٢ هـ) حيث نجد في ديوانه مجموعة نبويات تبدأ بالمديح مباشرة، يظهر عليها التصنع والعناية بالمحسنات اللفظية والمعنوية، حتى انه بنى قوافي احداها على لزوم ما لا يلزم، منها «٧٩» :
جلّ ربعا بطيبة حلّ فيه ... خير حال بسؤدد وعفاف
حجرات كم للملوك وللأم ... لاك فيهنّ من حفا واحتفاف
واليه خفت بنا العيس في عر ... ض الفيافي قوادما وخوافي
يمّمت ما جدا سرت مدح الا ... يات منه، ثم اقتضتها القوافي
وبعد ان عرضنا المقدمات والوانها في اشهر القصائد التي تناولت مدح الرسول ﷺ ، ننتقل الى متون هذه القصائد لنرى مضامينها وكيف عالجها الشعراء. فأول ما يطالعنا منها الغزل بذات الرسول وذكر حسنه وبهائه وجماله وصفاته وسحر عينيه ورموشه وثغره وطيب أريجه وحلو
стр. 50
حديثه وبشر وجهه وطلاقته، من ذلك قول شرف الدين البوصيري «٨٠» :
نبيّ كامل الاوصاف تمت ... محاسنه فقيل له الحبيب
وصفت شمائلا منه حسانا ... فما أدري امدح أم نسيب
وتناول جمال الدين يحيى بن يوسف الصّرصري في كثير من نبوياته، وبأسلوب شيّق جذّاب، نعت النبي ﷺ ونوره الساطع وحسن شعره، وبريق ثغره، وطيب نشره، مثل قوله «٨١» :
اوجهك أم ضوء الصباح تبلّجا ... أم البدر في برج الجمال جلى الدّجى
أم الشمس يوم الصّحو في برج سعدها ... وفرعك أم ليل المحبّ اذا سجا
وبرق سرى أم نور ثغرك باسما ... ونشرك أم مسك ذكيّ تأرجا
أتتك جنود الحسن طوعا بأسرها ... فصرت مليكا في الجمال متوّجا
فأضحت ابيّات القلوب أسيرة ... لديك فلم يملكن عنك معرّجا
стр. 51
فطوبى لعبد انت سيده لقد ... سما بين ارباب البصائر والحجى
هام هذا الشاعر حبا في النبي ﷺ ، وشغف به شغفا لا نجده عند كبار الشعراء المحبين، قال عنه ابن تغري بردي «٨٢» : «كان من العلماء الفضلاء الزهاد العباد، وكان له اليد الطولي في النظم، وشعره في غاية الجودة، ومدح النبي ﷺ بقصائد لا تدخل تحت الحصر كثرة» .
كان هذا الشاعر الهائم بحب النبي ﷺ ، يأتي بأجمل النعوت، بل بكل جميل في الوجود، يقول في تضاعيف احدى قصائده «٨٣» :
هو الأبلج البادي الوضاءة وجهه ... كبدر الدّجى كان أبهى وأجملا
كأنّ مجال النور فوق جبينه ... سنا بارق أو واضح الصبح اقبلا
قسيم وسيم أوطف الهدب عينه ... بها دعج يسمو فيحسب أكحلا
وأشرب خداه البياض بحمرة ... كورد ندّ هبت له الريح شمألا
أغرّ الثنايا واضح النحر جيده ... من الفضة البيضاء أحسن مجتلى
стр. 52
أجلّ الورى فرعا وانور مفرقا ... وأجمل عرنينا وأحلى مقبّلا
واقومهم قدّا والين معطفا ... وأعذب الفاظا واصدق مقولا
وكان الكثيرون من المسلمين يقبلون على سماع الغزل في ذات النبي ﷺ إقبالا واسعا ويهتزون له، وشاع في اوساط العامة شيوعا كثيرا، ورددوه في احتفالهم سنويا بمولده، وتغنوا به، مما دعا بعض العلماء من رجال الدين الى انكاره، فقال صاحب المجموعة النبهانية في المدائح النبوية: «واقبح من التشبيب بالنساء والولدان في ذلك ما يستحسنه بعض الجهال القاصرين من سماع الاشعار المشتملة على المعاني الغزلية في وصف الذات الشريفة المحمدية مما يأباه كلّ ذي طبع سليم ولا يستحليه الا كلّ ذي ذوق سقيم. وقد ادخلوا بعض تلك الاشعار في قصة المولد الشريف المنسوبة الى بعض العلماء، وصارت تقرأ في مجالس العوام فلا تذكر، وذلك من أقبح المذكر، فليتجنب سماعه وليحذر، ومن ذا الذي يستحسن ان يتغزل به أو بأبيه او برجل جليل من قومه او ممن يعتقدهم ويجلهم من العلماء والاولياء وغيرهم من الاكابر والاجلاء، كما يتغزل بالولدان والنساء؟ لا شك في ان ذلك لا يستحسنه احد من العقلاء» «٨٤» .
стр. 53
ومن الشعراء من تناول مولد الرسول ﷺ ورضاعته ونشأته وبعثته واسراءه ومعراجه وجهاده ومعجزاته وما ظهر عند مولده وعند بعثته وتعد قصيدة جمال الدين يحيى بن يوسف الصّرصري النونية من اطول القصائد في هذا المجال، فهي في ثماني مئة واثنين وخمسين بيتا، وضع فيها سيرة الرسول كاملة «٨٥» ، منها قوله:
لما اصطفى الله الخليل وزاده ... شرفا ونجاه من النيران
اختار اسماعيل من اولاده ... وبني كنانة من بني عدنان
ثم اصطفى منهم قريشا واصطفى ... ابناء هاشم الفتى المطعان
ثم اصطفى خير الانام محمدا ... من هاشم فسمت على قحطان
وأبان كعب جدّه في خطبة ... بعروبة في سائر الاخوان «٨٦»
فضل النبي وودّ ان يبقى الى ... أيامه لقتال ذي شنآن
стр. 54
ولقد بدت أنواره بجبين عب ... د الله ظاهرة لذي عرفان
وبدت لآمنة الحصان لحملها ... بأخفّ حمل راجح الميزان
ولدته عام الفيل يوم الاثنين فاح ... تاز الفخار بفضله الاثنان
بربيع الأدنى بثاني عشرة ... ويوافق العشرين من نيسان
واغلب قصائد هذا الشاعر الطويلة تتناول السيرة العطرة للنبي المصطفى ﷺ وسيرة صحابته المؤمنين المجاهدين الذين صارعوا قوى الكفر والبغي والضلال «٨٧» .
ويعد شرف الدين البوصيري من الشعراء الذين بلغت شهرتهم القمة في المديح النبوي ولا سيما في مطولاته مثل: قصيدته الهمزية (٤٥٧ بيتا) التي سرد فيها حياة خاتم النبيين ﷺ من الولادة حتى الوفاة وما رافقها من جهاد ومواقف عظيمة في اصلاح الامة وانقاذها من الضلالات والاوهام والخرافات.. مطلعها «٨٨» :
كيف ترقى رقيّك الانبياء ... يا سماء ما طاولتها سماء
стр. 55
انه تناول مولده ورضاعته وما وهب الله حليمة السعدية من خير وبركة ورزق وفير، واخلاقه واخلاصه وأمانته ووفاءه وزواجه من خديجة وبعثته، ونزول جبريل عليه، ودعوته للناس في الدخول الى الاسلام، وكفاحه وصموده في مكة، ثم خروجه الى المدينة، واستقبال الانصار له، وصبره وانتصاره على المشركين والمكابرين، ومحاربته اليهود، وذكر معجزاته ... جاء فيها قوله:
رحمة كلّه وحزم وعزم ... ووقار وعصمة وحياء
لا تحلّ البأساء منه عرى الصب ... ر ولا تستخفه السراء
كرمت نفسه فما يخطر السّو ... ء على قلبه ولا الفحشاء
عظمت نعمة الاله عليه ... فاستقلت لذكره العظماء
جهلت لومه عليه فاغضى ... وأخو الحلم دأبه الاغضاء
وسع العالمين علما وحلما ... فهو بحر لم تعيه الاعباء
وفي قصيدته اللامية (٢٠٤ ابيات) ذكر بعض ما حدث بعد
стр. 56
ولادته، مثل خمود نار فارس، وانجماد نهرهم، واهتزاز صرح ملكهم «٨٩» :
كم آية ظهرت في حين مولده ... به البشائر فيها والتهاويل
ونار فارس أضحت وهي خامدة ... ونهرهم جامد والصرح مشلول
وفي قصيدته المشهورة ب «البردة» تحدث عن مولد النبي ﷺ ، وذكر ان ايوان كسرى تصدع، ونار الفرس خمدت، وبحيرة ساوة غاضت، والشهب انقضت فوق الاصنام، ثم اعقب ذلك حديثا عن المعجزات، فذكر سجود الاشجار للرسول، وسير الغمام أنّى سار لتقيه الهجير، وما صنع الحمام والعنكبوت بالغار، وكان لبس راحته يشفي المريض، وكانت دعوته ترسل بالامطار في السنة المجدبة ...
استوعب البوصيري السيرة النبوية، ونقل طرفا كبيرا منها في شعره، وصاغه بأسلوب واضح وميسور كي يسهل فهمه وحفظه وترديده، واضاف الى ما اخذه عن السيرة اخبارا لا تعرف- كما يقول الدكتور زكي مبارك- «متى نشأت عند المسلمين، واغلب الظن انها من وضع القصاص الذين ارادوا ان يصوروا مولد الرسول بالصور التي أثرت عن أنبياء الهنود، وقد اكثر مؤرخو المولد النبوي من هذه الاخبار، وطاف بها
стр. 57
جمهور الناظمين في المدائح النبوية» «٩٠» . ووجدت «فئة من الناس كانت تحفظ كثيرا من هذه المدائح وتطوف في البلاد تغني بما تحفظ وهي تضرب على العود والقيثارة وغيرهما مما يصلح في هذا المقام، تجمع الصدقات، فلا عيش لها الا من هذا العمل، ولا ربح لها الا من التغني بمدائح الرسول» «٩١» .
وهكذا تحولت المدائح النبوية عند عدد كبير من الشعراء الى تاريخ منظوم لسيرة رسول الله ﷺ يتلى في المحافل الدينية، أو مناسبات خاصة تبركا بهذه السيرة العطرة، مثل نجاة من ازمة او خلاص من مصيبة او كارثة، او حالات فرح وابتهاج مثل عودة من حج او زواج او ختان او شفاء من مرض او بناء دار او اعتلاء منصب او نجاح في اختبار.... وقد يكون في ذكرى رجل خير توفى قبل مدة ... ومثال على ذلك قول شهاب الدين محمود بن سليمان الحلبي (ت ٧٢٥ هـ) من قصيدة عدد ابياتها مئة وواحد وثمانون بيتا «٩٢» :
حملتك آمنة الحصان فلم تجد ... عب ءا كعبء الحاملات ثقيلا
وولدت مختونا وذلك آية ... لا تقبل التأويل والتعليلا
стр. 58
ورأت لك الاحبار والرهبان في ال ... توراة وصفا طابق الإنجيلا
واستبشروا بك إذ ظهرت وبشّروا ... الّا قليلا حرّفوا ما قيلا
وكذاك بشّرت الهواتف في الرّبى ... بك والكواهن أجملت تفصيلا
والجنّ ترمي بالكواكب بعد ان ... كانت تطيق الى السماء وصولا
وخمود بيت النار من آياتك ال ... لاتي تردّ الطرف عنك كليلا
وكذا بحيرة ساوة غارت وقد ... كانت جوانبها تفوت الميلا
وكذلك الايوان أعظم معجز ... بهر العقول وحيّر المعقولا
لما هوت شرفاته وانشقّ مر ... تجس البناء مشطرا مخذولا
واسترضعتك حليمة فرأت من ال ... بركات ما أغنى أخا وخليلا
وبيمن وجهك صدّ خالقك العدا ... عن بيت كعبته وردّ الفيلا
стр. 59
ومنها:
وأسرّ للعمّ الشفيق بأنّ لاب ... ن أخيك شأنا في الوجود جليلا
فاحذر عليه من اليهود فإنّهم ... إن يقدروا يوما عليه اغتيلا
ومنها:
وأضاءت الدنيا واشرق نورها ... وبدا الهدى وغدا الضلال ضئيلا
وأتاك بالوحي الامين وانت في ... اقصى حرا متبتلا تبتيلا
فوعيت ما أوحى وقد ألقى به ... قولا من الذكر الحكيم ثقيلا
نورا كأنّ بكلّ قلب حله ... لضياء باطنه به قنديلا
عجز الورى عنه فما اسطاعوا له ... حاشاه تشبيها ولا تمثيلا
وتتواصل ابيات القصيدة في الحديث عن ولادة الرسول ﷺ وما ورد له من ذكر في التوراة والانجيل، ويأتي على بعض علامات نبوته التي مر ذكرها عند البوصيري، وهي خمود نار فارس، وانحسار الماء عن بحيرة
стр. 60
ساوة، وانكسار ايوان كسرى ... وينتقل الى رضاعته والبركة التي انهالت على حليمة السعدية، ونشأته، ونبوته، ومعجزاته، وجهاده، ومواقفه مع المشركين واليهود.
ان هذا الشاعر لم يضف شيئا جديدا على ما ورد في شعر البوصيري، ولم يرق الى لغته وتفصيله وطريقة عرضه للسيرة النبوية.
لقد كان حديث المعجزات جزءا رئيسا من مادة المديح النبوي في كثير من القصائد، حتى ان عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن خلف (ت ٦٩٥ هـ) سماها في احدى مدائحه بالخوارق «٩٣» :
هل جاء قبلك مرسل بخوارق ... الا وجئت بمثله او أزيد
فخوارق النبي محمد ﷺ فاقت- في نظره- خوارق اخوانه الانبياء وتجاوزت عليهم. ويسميها محمد بن محمد بن عيسى الشيباني (ت ٧٠٧ هـ) بالبراهين بعد ان ساق عددا منها في قصيدة له «٩٤» :
عجبت لمن يتعامى عن ال ... براهين وهي من الشمس أجلى
ومما يلاحظ ان الحروب الصليبية ولدت صراعا عنيفا بين
стр. 61
المسلمين وخصومهم، وتجلى اثر ذلك في الشعر الذي خصص لمدح الرسول ﷺ ، اذ نجد فيه ردا عليهم ومناقشتهم ودحض آرائهم وتسفيه احلامهم واقامة الحجة عليهم «٩٥» . ومن جانب آخر نجد بعض الشعراء يتخذ من المدائح النبوية ذريعة للتحدث عن حال العرب بعد ان استبد الاعاجم بمقاليد الامور وسيطروا على مرافق الحياة الهامة، من ذلك ما قاله شمس الدين محمد بن عفيف الدين سليمان المعروف بالشاب الظريف «٩٦» :
أرض الاحبّة من سفح ومن كثب ... سقاك منهمر الانواء من كثب
ولا عدت أهلك النائين من نفس ال ... صّبا تحية عانى القلب مكتئب
قوم هم العرب المحميّ جارهم ... فلا رعى الله إلّا أوجه العرب
أعزّ عندي من سمعي ومن بصري ... ومن فؤادي ومن اهلي ومن نشبي
لهم عليّ حقوق مذ عرفتهم ... كأنني بين أم منهم وأب
стр. 62
ان كان أحسن ما في الشعر اكذبه ... فحسن شعري فيهم غير ذي كذب
يا ساكني طيبة الفيحاء هل زمن ... يدني المحبّ لنيل السؤل والأرب
أرض مع الله عين الشمس تحرسها ... فان تغب حرستها أعين الشّهب
وكان صوت جمال الدين يحيى بن يوسف الصّرصري من اعلى الاصوات الشعرية في التحذير من الاعاجم ولا سيما التتر؛ فانه اتخذ من المديح النبوي منبرا للمناداة بالتهيؤ الى مواجهتهم واعداد العدة لا فشال نواياهم في احتلال ديار المسلمين وضربهم بقسوة كي يتوبوا من تحركاتهم، فها هو ذا يستنجد بالرسول ﷺ ويقول «٩٧» :
فأعنّا عليهم وأغثنا ... غوث نصر على الطغاة اللئام
سل لنا الله ذا المعارج نصرا ... دائرا فيهم بكأس الحمام
وثباتا كيوم بدر لأقدا ... م جنود لنا ذوي إقدام
стр. 63
قل الهي ثبت قلوب رجال ... عن حريم الاسلام أضحت تحامي
واقذف الرّعب في قلوب عداهم ... وارمهم بالشتات بعد التئام
وكان يخاف على بغداد ويسميها «بيضة الاسلام» لمكانتها في قلوب الناس، واحتضانها العلماء والصالحين ويدعو الله ان يصونها من كيد الاعداء وحقد الخبثاء فيقول «٩٨» :
وفتنة التتر العظمى التي قرحت ... منها لوقعها الأحشاء والكبد
أودت بمن حولنا فتكا وليس لنا ... الا وعدك الميمون مستند
لا تستبيح من الاسلام بيضته ... يد العدا وإن اعتدوا وان حشدوا
ان دعاءه لحفظ بيضة الاسلام من الطغاة البغاة لم ينقطع من مدائحه للرسول ﷺ ألذي أسر جوارحه ولهج بذكره طوال حياته، فهو يقول «٩٩» :
стр. 64
محمد خير مبعوث بمرحمة ... من خير بيت عليه أجمع العرب
وداره بيضة الاسلام ليس لها ... بوعده من جميع الناس منتهب
ونحن أمته ما صدّنا رهب ... عنه ولا غالنا عن حبه رغب
فليخسأ التتر الطاغون من فئة ... لها الصّغار وذلّ القهر والعطب
وبقي يدعو في مدائحه النبوية الى الحيطة والحذر والتهيؤ لملاقاة الطامعين في ديار المسلمين، ولم يسكت الى يوم استشهاده في حوادث بغداد الدامية سنة ٦٥٦ للهجرة، فمن استشفاعه برسول الله ﷺ قوله «١٠٠» :
يا سيّد البشر المختار من مضر ... يا جار مضطهد ضاقت به الحيل
أجب نداء شج مستصرخ قلق ... من فتنة أمعنت انيابها العصل
البر من رعبها والبحر منزعج ... والحرث والخيل والانعام والخول «١٠١»
стр. 65
فاسأل لنا الله نصرا قاهرا لهم ... مثبتا لقلوب شفّها الوجل
ومن الاشياء البارزة التي يلاحظها القارىء في بعض المدائح النبوية، ولا سيما في البيئات الصوفية، فكرة الحقيقة المحمدية او النور المحمدي، اذ جعل كثير من هؤلاء الصوفية «مخبة الرسول جزءا من محبة الذات الالهية، بل ان محبتهما واحدة، وحقيقتهما واحدة، فلا فريق بين الحقيقة المحمدية والحقيقة الالهية التي تمثلت في الانبياء وتتمثل في اقطاب الصوفية من بعدهم، ولعل متصوفا لم يتغنّى بأزلية الوجود المحمدي كما تغنى ابن عربي الصوفي المشهور» «١٠٢» ، وكذلك جمال الدين يحيى بن يوسف الصّرصري، مثل قوله في احدى نبوياته «١٠٣» :
لما بنى الله السماوات العلى ... سبعا تعالى الله أكرم باني
فسمت وزانتها بحكمة صنعه ... ز هو النجوم وزانها القمران
والارض سبعا مدّها فتذللت ... وتزيّنت ببدائع الالوان
стр. 66
ورست عليها الشامخات بإذنه ... فحمت جوانبها من الفيدان «١٠٤»
وأتمّ خلق العرش خلقا باهرا ... فغدا من الاجلال ذا رجحان
كتب الاله اسم النبي محمد ... فوق القوائم منه والاركان
فسرى السكون به وقد كتب اسمه ... في جنّة المأوى على الاغصان
وخيامها وقبابها وعلى مصا ... ريع القصور تفضّل المنان
فلذاك آدم حين تاب دعا به ... متوسلا فأجيب بالغفران
لولاه لم يخلق أبونا آدم ... وجحيم نار او نعيم جنان
قد كان آدم طينة ومحمد ... يدعى نبيا عند ذي الاحسان
لقد اسرت الحقيقة المحمدية او النور المحمدي قلوب كثير من الشعراء المتصوفة وجعلتهم يذكرونها في قصائدهم التي نظموها في مدح الرسول ﷺ ، منهم جمال الدين محمد بن ابي بكر بن رشيد البغدادي
стр. 67
الوتري (ت ٦٦٢ هـ) الذي خصص جلّ شعره «١٠٥» لبيان عظمة خاتم الانبياء والمرسلين وفضله على البشرية في انقاذهم من الضلالة والاوهام وجعلهم خير أمة أخرجت للناس. وابراهيم بن أبي المجد الهاشمي «١٠٦» المعروف بسيدي ابراهيم الدسوقي (ت ٦٧٦ هـ) ، واحمد بن علي «١٠٧» المشهور بالسيد البدوي (ت ٦٧٥ هـ) ، وضياء الدين علي بن محمد بن يوسف الخزرجي «١٠٨» (ت ٦٨٦ هـ) ...
وقد بالغ بعض الشعراء في الحقيقة المحمدية ونسجوا حولها كثيرا من التهويلات، مثل قولهم: لولاه ما ظهر شمس ولا قمر ولا نجوم ولا أنهار ولا ثمار ولا بدر ولا جبال وغير ذلك ... مثل قول ابن نباتة المصري «١٠٩» :
لولاه ما كان أرض لا ولا أفق ... ولا زمان ولا خلق ولا جيل
ولا مناسك فيها للهدى شهب ... ولا ديار بها للوحي تنزيل
ومثل قول ابن الساعاتي (ت ٦٠٦ هـ) من قصيدة له في مدح
стр. 68
الرسول ﷺ «١١٠» :
لولاه لم تك شمس لا، ولا قمر ... ولا الفرات وجاراها ولا النيل
ولم يجب آدم في حال دعوته ... نعم ولم يك قابيل وهابيل
ويرى شرف الدين البوصيري ان محمدا ﷺ دان الانبياء قبل ان يخلق «١١١» :
وكل آي أتى الرسل الكرام بها ... فإنما اتصلت من نوره بهم
فإنه شمس فضل هم كواكبها ... يطهرن أنوارها للناس في الظلم
فهذا الغلو لا يفهم الا اذا عرفنا انه يرجع الى اصل من أصول التصوف، وهو القول ب «الحقيقة المحمدية» ، اذ كان تمجيد عدد من المتصوفة البالغ للرسول اساسا في تمجيدهم وفنائهم في الخالق الاعظم «١١٢» .
стр. 69
ان حب الرسول ﷺ ، والهيام بذكره، وزيارة ضريحه، والتعطر بأريجه، والتعبد في جواره، والتهجد في ظلاله، كانت الامنية الكبرى لكل مسلم مؤمن، وقد احسن ابو العباس احمد بن محمد المعروف بابن العريف (ت ٥٣٦ هـ) وصف اولئك الذين شدوا الرحال وازجوا المطي وتوجهوا في سفرهم الى زيارة نبيهم وحبيبهم محمد ﷺ :
شدّوا المطيّ وقد نالوا المنى بمنى ... وكلّهم بأليم الشوق قد باحا
سارت ركائبهم تندى روائحها ... طيبا بما طاب ذاك الوفد أشباحا
نسيم قبر النبيّ المصطفى لهم ... روح اذا شربوا من ذكره راحا
يا واصلين الى المختار من مضر ... زرتم جسوما وزرنا نحن أرواحا
إنا أقمنا على عذر وعن قدر ... ومن أقام على عذر كمن راحا
وقفنا من خلال عرضنا السابق على المضامين والمعاني التي احتوتها القصائد، وننتقل الان الى خواتيمها وابرز ما حفلت بها من المعاني.
بعد ان رانت الاحزان والآلام في عصر الحروب الصليبية، وثقلت وطأتها، على القلوب، وعجز المسلمون في كثير من الاحيان دفع الضر
стр. 70
الذي اناخ بكلكله عليهم، التجأوا الى رسولهم وملاذهم محمد ﷺ ، متضرعين ان يزيل هذا الضر، ويعمهم برحمته، وينزل عليهم صيبا من نعمائه، ويغفر عن ذنوبهم وزلاتهم وما اقترفت السنتهم من سوء وما قدمت ايديهم من قبيح الاعمال وشائن الافعال.. فها هو ذا جمال الدين يحيى بن يوسف الصّرصري يتوجه الى نبيه ان يكون شفيعا له عند الله في رفع الخطب الثقيل الموجع عنه وان يجعله واهله واولاده وقرابته في أمن وايمان وعافية ويجنبهم من كل سوء واذى «١١٣» :
يا سيدي يا رسول الله يا سندي ... في كلّ خطب ثقيل موجع الالم
أنا المقرّ بذنبي قد قصدتك كي ... تستوهب الله لي ذنبي ومجترمي
فاستغفر الله لي يا من اذا نزلت ... بي شدّة فيه أنجو من النّقم
واقبل تضرّع عبد واثق بك في ... دفع الخطوب العوادي عنه معتصم
واسأل لاهلي واولادي وذي سبب ... به وصلت واخواني وذي رحم
أمنا وصونا وإيمانا وعافية ... من كلّ سوء وبشرى عند مختتم
стр. 71
عليك من صلوات الله أطيبها ... تبقى بقاء نعيم غير منصرم
ويستغيث شمس الدين محمد بن عفيف الدين سليمان المعروف بالشاب الظريف بشفيع الورى محمد ﷺ ان يخلصه من ذنوبه التي تعاظمت «١١٤» :
فيا خاتم الرّسل الكرام ومن به ... لنا من مهولات الذنوب تخلّص
أغثنا، أجرنا من ذنوب تعاظمت ... فأنت شفيع للورى ومخلّص
ويتأمل ابو محمد فتيان بن علي الاسدي الشاغوري (ت ٦١٥ هـ) من خير الانام شفاعة يكسب بها نعيم الخلد وظله الوارف «١١٥» :
أؤمّل من خير الانام شفاعة ... بها في نعيم بالجنان أخلّد
فأنت رسول الله وهي شهادة ... أقرّ بها حتى المعاد وأشهد
стр. 72
وقصد كمال الدين ابن الزملكاني (ت ٧٢٧ هـ) الرسول ﷺ كي يخفف عن نفسه هم الذنوب التي اصبحت لا تفارقه، ويسأله العصمة فيما بقي من عمره، ونعمة كافية تقيه ذلّ السؤال «١١٦» :
يا أفضل الرّسل يا مولى الانام ويا ... خير الخلائق من انس وأملاك
ها قد قصدتك أشكو بعض ما صنعت ... بي الذنوب وهذا ملجأ الشاكي
قد قيّدتني ذنوب عن بلوغ مدى ... قصدي الى الفوز منها فهي أشراكي
فاستغفر الله لي واسأله عصمته ... فيما بقي وغنى من غير امساك
عليك من ربك الله الصلاة كما ... منا عليك السلام الطيب الزاكي
وغلب على شعر المتصوفة الذين كثر عددهم في عصر الحروب الصليبية وازدحمت بهم التكايا والزوايا هذا الطابع، وهو البكاء من ثقل الخطايا والاوزار وطلب الصفح والعفو والمغفرة، كما يلاحظ في شعر احد الصوفية الكبار، الشيخ الفقيه ابي الحسن علي بن عبد الله الششتري (ت ٦٦٨ هـ) الذي تميز بالسهولة والليونة والانحدار
стр. 73
احيانا نحو العامية ولا سيما أراجيزه وأزجاله التي غطت على جزء كبير من ديوانه، مثل قوله في القطعة الآتية وقد جاءت في مقدمتها «١١٧» :
«الابيات الثلاثة الاولى معروفة في التاريخ الاسلامي، أنشدها الانصار في حضرة النور الاعظم محمد بن عبد الله حين اشرف على المدينة يوم الهجرة الاولى، واستعارها الششتري هنا واضاف اليها، ويتوارثها شاذلية دمياط حتى الان ينشدونها في حضرتهم:
أقبل البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
أيّها المبعوث فينا ... جئت بالامر المطاع
أقبل البدر علينا ... واختفت منه البدور
مثل حسنك ما رأينا ... قطّ يا وجه السرور
أنت شمس انت بدر ... انت نور فوق نور
стр. 74
أنت إكسير وغالي ... أنت مفتاح الصدور
ما رأينا النوق حنّت ... في الدّجى الا اليك
والغمامة قد اظلت ... والقمر سلم عليك
وأتاك الجذع يبكي ... وتذلل بين يديك
واستجار يا حبيبي ... عندك الظبي النفوز
ومما يلاحظ في خواتيم كثير من القصائد ابيات مخصصة للصلاة والتسليم على النبي الهادي البشير ﷺ وعلى آله واصحابه الغر الميامين، مثل قول جلال الدين محمد بن احمد بن عبد الرحمن الكندي (ت ٧١١ هـ) في خاتمة قصيدة له في المديح النبوي «١١٨» :
فبمن عليك صلاته وسلامه ... ولديك منه الرّوح والريحان
لا تنسنا من فضل جاهك عندما ... تطوى السماء وينشر الديوان
стр. 75
صلى عليك الله ما هطل الحيا ... وسرى النسيم ومالت الاغصان
وعلى صحابتك الذين أتاهم ... من ذي الجلال النصر والرضوان
وقول تاج الدين عبد الرحمن بن عبد الوهاب المعروف بابن بنت الاعز (ت ٦٩٥ هـ) في خاتمة قصيدة نظمها بعد ان قضى فريضة الحج وزار مدينة النبي ﷺ وانشدها بها «١١٩» :
صلوات ربك والسلام عليك ما ... حييت من متوجه متعبد
وعلى صحابتك الكرام وآلك ال ... برءاء من قول الجهول المفسد
وعلى ضجيعيك اللذين تشرفا ... بالقرب منك بمقعد وبمرقد
لقد وقف كثير من الشعراء «١٢٠» ، وبقلوب خاشعة، ونفوس هائمة، بباب رسولهم مصلين عليه، ومسترحمين وطالبين ان يفرج عنهم، كما