← Тараджим

Тараджим · id 23679

معجم أعلام شعراء المدح النبوي

محمد أحمد درنيقة

Полный текст (433 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[تقديم] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) [التوبة ١٢٨- ١٢٩] صدق الله العظيم

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم بقلم الدكتور ياسين الأيوبي من نعم الله على المرء، متاع فكري يزدهي به ويسمو على ما حوله من متع الحياة الدنيا وأطايبها البائدة.. وما من نعمة تفوق كتابا يضم بين دفتيه، خلاصة القرائح، وصفوة المعاناة الروحية، يعتصرها سدنة الكلمة، وأهل العرفان، وهم في نشوة العبادة، ومنتهى الشوق للثم العتبات، وارتشاف النفحات المحمدية. والأمتع من ذلك كله، أن تتحقق المتعة في رمضان، شهر العبادة والابتهالات.. شهر البرّ والانعتاق، الذي عدله الله بكل الشهور، بل فضّله على كل الشهور.. وهكذا كان.. فقد رغب إليّ الأخ الدكتور محمد درنيقة، في مطلع هذا العام أن أقرأ كتابه الموسوم: «معجم أعلام شعراء المدح النبوي» ، وأضع أوزان أشعاره وأضبطها ضبطا عروضيا سليما. فلم أتردد بالموافقة، ووعدته إنجازا خلال شهر رمضان. وإذا بي أمام حصيلة نيّرة من عيون الشعر النبوي، جمعها الدكتور درنيقة من حدائق العصور وموائد الشعراء، منذ البردة الكعبية (نسبة إلى كعب

стр. 3

بن زهير) حتى بردة أحمد شوقي، وما تلاها من قصائد مماثلة إلى يومنا هذا، قاطعا بذلك أربعة عشر قرنا ونيّفا، وقرابة خمسمائة شاعر وعالم ومجاهد وكاتب.. وقفوا جميعا بباب الرحمن ملبّين وصاته الأزلية في الصلاة على النبي، والسلام عليه وعلى آله وصحبه.. كلمة «١» صدرت عن العزة الإلهية، تلقاها الإنسان.. فأقبل عليها واستجاب لصاحبها؛ وأضحى الكلام على النبي ﷺ ضربا من التبرّك والزلفى إلى الملك القدوس الذي أمر عباده المؤمنين بالصلاة عليه والتسليم. كلمة واحدة: «صلّوا» .. وانطلقت الألسن والشفاه تصوغ أجمل الكلام، وتوقّع أعذب الألحان في مختلف المناسبات والمقامات، لتصلي على النبي المختار، وتنشر له أجمل الأشعار. هل الصلاة على الرسول، كالصلاة لله العظيم؟ .. حاشا لله ولرسوله! .. هنا عبادة، وخشوع، وتبتّل، وضراعة، وضمور، وانتهاء ... وهناك التحبّب، والتكريم، والتفاني، والمديح، والتقرب، بكل الصيغ والأساليب.. وليس كالشعر سبيلا لتجسيد هذه الصلاة، وتحقيق مضمونها وتشريف قائلها.. لم يعد مدح الرسول ﷺ صفة تحبّبية يسعى إليها الشاعر، والعابد، والمصلّي؛ بل هي فريضة منزّلة يجزى عليها صاحبها أجمل الجزاء وتحسب له في سجلّه الآخروي أضعاف أضعاف ما تجترح يداه من سيئات، ويرتكب من أخطاء. فلا نعجبنّ من هذا الكمّ الهائل من قصائد المدح المحمّدي، يطالعنا عبر الحقب والأجيال. ولا سبيل إلى محاسبة أحد على ما سطّر قلمه، وجوّد لسانه، لأن المدح ههنا، دواء لقائله وصائغه، وبلسم لسامعه وقارئه؛ إن أحسن وأبدع، فله أجران: أجر الصلاة الامتداح، وأجر الإجادة

стр. 4

والتحسين، وإن اكتفى بالصلاة والامتداح المجرّد، فالأجر مضمون لا ينقص منه مثقال ذرّة. فمن لم يؤت ملكة التصوير الفني الشعري الرفيع.. عمد إلى طاقتي التعبير اللغوي- ومشاعر التبجيل، اللتين نشأ عليهما فمارسهما وأتقنهما بصورة أو بأخرى، سواء بالنظم- وما أكثر الناظمين في هذا الباب- أم بالتقليد والعدوى اللذين يشبّ عليهما الكتاب والعلماء في شتى الحقول.. وإذا نحن أمام قائمتين من المدّاحين: قائمة الشعراء الملهمين، وقائمة الكتّاب الناظمين: كلتاهما مادحة (مصلّية) ، مؤمنة محسنة، تنتزع منا التأييد والإشادة مهما قلّ الكلام وانقبض المعنى. وهو ما استشعرته طوال قراءتي لهذا الشعر النفيس مما كتبه الأخ درنيقة وجمعه، ورتّبه.. فلم يصدمني مدح نبوي واحد من بين المئات والألوف من المدائح التي اشتمل عليها كتابه.. لا لشيء، إلّا لأنها ضمّخت بألطاف رمضان وإشراقاته، وترجيع أنواره المباركة التي تشبه المرتاض في حديقة مترامية الأطراف، فيها من كل الأزهار، والأطيار، والثمار.. كيفما التفتّ لفحك النّور، وشنّفك الغناء، وطابت الثمار.. من غير أن تميّز فيها الكزّ، والناشز، والباهت.. ولو كانت القراءة في غير هذا الشهر، لأمكن تمييز الغثّ من الثمين، والكزّ من الرطيب وإن بنسبة ضئيلة. تلك هي النعمة السّنيّة التي أنعم الله بها عليّ في شهر التوبة والطهارة، نعمت بها على مدى الثلاثين يوما؛ لا ضجر، ولا ضيق، ولا نفور.. لأن قلم الدكتور محمد سلس، بعيد عن تكلف المحبّرين، وتقعّر اللغويين. ونهجه واضح يقتصر على التعريف بالعلم وباثاره.. بسطور لا تضطر معها إلى المراجعة إلّا للاستزادة.. منتهيا إلى زبدة التعريف وهي: المدحة النبوية التي اختصرها الكاتب، واكتفى منها بما يؤكد الصلاة المحمدية، ويسلط ضوآ على معاني الشاعر وطريقته ومنحاه. ولئن فات زميلنا الباحث، الغوص على جماليّات الشعر المدحي،

стр. 5

واستخراج لآلئه النورانية- على غرار ما عرفناه في بعض كتبه، ولا سيما الصوفية- فقد عوض ذلك بالإكثار من الشواهد، وذيّل- لمن يرغب- بكثير من المصادر والمراجع. وقد يؤخذ على الكتاب الكثير من الاختصار في إثبات النماذج المدحية لدى طائفة من الشعراء، والإسهاب لدى طائفة أخرى.. والسبب هو اكتفاء صاحبه باعتماد قواميس التراجم والمؤلّفات، التي تعرّف بالعلم وباثاره ولا تعنى بإيراد الشواهد.. ولو بذل الدكتور درنيقة جهودا إضافية في البحث والتنقيب، لسدّ هذه الثغرة.. وربما أجابنا، بأن كتابه يتناول أعلام المدح النبوي، لا شعرهم وهذا صحيح. ومع ذلك، فسيكون صنيعه أتمّ، وجهده أعظم، لو عزّز التعريف بشيء من الشواهد.. ولكن طبيعة الموضوع الذي ندب محمد درنيقة نفسه له، محفوف بالنقص، والقصور، لأن مدّاحي الرسول ﷺ لا يحصيهم قلم، ولا يحبسهم لسان، ولا تحتويهم ذاكرة.. كذلك هي المدائح والصلوات الشعرية. ناهيك بأن كاتبنا، عني بالأعلام، لا الأقلام، والنوع لا الكمّ.. فهل يتسع المجال لعمل موسوعي، أكبر وأشمل؟ .. لا أظن ذلك عسيرا على من وقف دراساته كلها تقريبا، على التصوف الإسلامي، وتبيان معالم السنّة النبوية الشريفة.. سدّد الله خطاه.. وأجزل له العطاء وأحسن إليه.. وأثابه.. طرابلس- لبنان. الثاني من شوال سنة ١٤١٤ هـ الموافق ١٤ آذار سنة ١٩٩٤ م. ياسين الأيوبي

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة لقد بعث الله تعالى الأنبياء والرسل لهداية بني البشر، ولإخراجهم من الظلمات إلى النور ولتزكية نفوسهم، وإرشادهم لما فيه خيرهم في الدنيا والآخرة. ولقد كان هؤلاء المبعوثون على مستوى رفيع من الخلق القويم، لأنه على المرء أن يقتدي بهم في أعمالهم وسلوكهم؛ لذلك فهم أكمل أفراد النوع الإنساني، ولكنهم، في الوقت نفسه، يتفاوتون فيما بينهم في الكمال «فمنهم الكامل والأكمل. ولم يتعين أحد منهم بما تعين به ﷺ في هذا الوجود من الكمال الذي قطع له بانفراده فيه. شهدت له بذلك أخلاقه وأحواله وأفعاله وبعض أقواله. فهو الإنسان الكامل، والباقون من الأنبياء والأولياء الكمل ملحقون به لحوق الكامل بالأكمل، ومنتسبون إليه انتساب الفاضل إلى الأفضل» «١» . فالرسول ﷺ أفضل الأنبياء والمرسلين، والملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وكافة الخلق أجمعين، إفرادا وإجمالا؛ أي أنه أفضل من كل فرد منهم على حدته، وأفضل من مجموعهم لو اجتمعوا. و «لا سبيل إلى معرفة فضائله ﷺ ومزاياه، معرفة تحيط به من كل الوجوه، ولو اجتمع لذلك كل من عداه، إذ لا يعرف حقيقته ولا يحيط بفضائله ﵊ إلا الله. وما زال مهرة العلماء يغوصون في

стр. 7

لجج بحورها الزواخر، فيستخرجون منها روائع اللآلي وبدائع الجواهر، فمنهم من نظمها عقودا زيّن بها جيد الزمان، ومنهم من نثرها على بساط البسيطة فاستغنى بها أهل المعرفة والإيمان، ألّفوا فيها الكتب ودونوا الدواوين، ورووا أخبارها عن كل صادق أمين» «١» . وقد تعرض مؤرخو السيرة النبوية لمسألة تفضيله ﷺ على سائر الأنبياء والمرسلين، فأشبعوها بحثا ودراسة، مستندين إلى البراهين الساطعة والحجج الدامغة المأخوذة من القرآن الكريم ومن أحاديث خاتم النبيين. وهذا ما فعله أبو نعيم الأصبهاني في كتابه دلائل النبوة «٢» . كما تباروا في رسم صورة واضحة عن خلقه وخلقه، وذكر نسبه، ووصف عبادته، وسرد بعض معجزاته ... لقد اشتهر النبي ﷺ بحسن أخلاقه، وكمال أدبه، قبل الإسلام وبعده، واتصف منذ بداية حياته بالاستقامة والصدق والأمانة وثقة الجميع به. ثم بعد الرسالة، بقي مثالا للأدب الرفيع وللخلق الكامل. فكان ﷺ «أحلم الناس، وأعدلهم وأعفهم، وأشجعهم وأسخاهم. وكان يعود المرضى ويشهد الجنائز، ويجيب دعوة المظلوم، ويجالس الفقراء والمساكين، ويؤاكلهم، ولا يحتقرهم لفقرهم وزمانتهم «٣» . وكان يصل ذوي القربى، من غير إيثار على من هو أفضل منهم. ويكرم أهل الفضل في أخلاقهم، ويتألف أهل الشر بالبر إليهم، ولا يجفو على أحد. وكان أشد الناس أمانة وصبرا، وأكثرهم تواضعا وحياء ولينا وبشرا» «٤» . وصفه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ض) بقوله: «كان النبي ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخّاب، ولا فحاش ولا عياب ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهيه، ولا يوئس منه. قد

стр. 8

ترك نفسه من ثلاث: الرياء والإكثار وما لا يعنيه. وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا ولا يعيبه ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير» «١» . «ومناقبه ﷺ ومحاسنه قد ملأت الوجود شهرة، ولو اجتمع الخلق على أن يحصوها كان وصفهم من بحرها قطرة. وإنه ما يهتدي أحد من خلق الله إلى معرفة ما حوى خلقه الحسن من المحاسن الكريمة، وجميل الأخلاق الكاملة العظيمة، وقد أجمل الله تعالى من وصفه في محكم تنزيله ما لا يتسع الدفاتر لتفصيله فقال في الذكر الحكيم: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم/ ٤] «٢» . ذلك أن أبرز سمة في شخصيته المتعددة الجوانب أخلاقيته التي لا نظير لها «فلو أنك جمعت كل خلق عظيم في العالم، وكل تصرف أخلاقي سليم تصرّفه في يوم من الأيام إنسان، فإن ما تجده في حياة رسول الله ﷺ يربو على هذا كله مجتمعا. مع انعدام التصرفات غير الأخلاقية في حياته ﵇، مما لا تستطيع معه أن تجد في حياته كلها تصرفا يمكن أن ترى أعظم منه في باب الأخلاق عند غيره ﷺ » «٣» . قال تعالى يثني على أخلاقه ﷺ : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم/ ٤] وليس بعد ذلك ثناء، فإن أعظم ما يمكن أن يتحلى به المرء هو الأخلاق الحسنة. ومع ما قيل في هذه الآية الكريمة من أنها تكريم وتمجيد ومدح وثناء «ومع إيماننا بأنها تتضمن كل المعاني الكريمة التي قيلت والمعاني الشريفة التي ستقال. فقد يتساءل بعض الناس عن هذا «الخلق العظيم» أكان يشارك رسول الله ﷺ فيه نبي مكرم؟ أكان يشاركه فيه رسول مجتبى؟ أكان يشاركه فيه ملك مقرب؟ يسعفنا القرآن الكريم بهذا التحديد إسعافا يرضي المتطلع إلى المعرفة،

стр. 9

ويشرح صدور المحبين لرسول الله ﷺ : إن القرآن يحسم الأمر حسما، لا يدع فيه مجالا للبس: يقول الله تعالى لرسوله الكريم: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام/ ١٦٢] هذه الآية الكريمة تحدد درجة الأخلاق القرآنية التي وصل إليها الرسول: إنها ذروتها وسنامها» «١» . وفي القرآن الكريم آيات كثيرة في شرف المصطفى ﷺ وفي ذكر خصائصه الطيبة وخلاله الحميدة ... فالنبي ﷺ مبشر ونذير، وداع إلى الله بإذنه والسراج المنير وهو رحمة للعالمين، بالمؤمنين رؤوف رحيم ... قال تعالى: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح/ ٤] وفيها يقول الإمام الشافعي «إن معنى قول الله تعالى ورفعنا لك ذكرك: لا أذكر إلا ذكرت معي» «٢» . ففي كل يوم مليارات الشفاه تتلفظ باسمه ﷺ ، وملايين القلوب تحن إليه، وملايين النفوس تطرب وتهتز لسماع اسمه. وقد فرض الله سبحانه طاعته على العالم فرضا مطلقا لا شرط فيه ولا استثناء قال تعالى: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر/ ٧] » . وقال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [آل عمران/ ١٣٢] . وقال أيضا: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ [آل عمران/ ٣٢] . قال القاضي عياض في شرح هذه الآيات: «فجعل (الله تعالى) طاعته طاعة رسوله، وقرن طاعته بطاعته، ووعد على ذلك بجزيل الثواب، وأوعد على مخالفته بسوء العقاب. وقال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء/ ٨٠] يعني من أطاع الرسول لكونه رسولا مبلغا إلى الخلق أحكام الله

стр. 10

فهو في الحقيقة ما أطاع إلا الله. وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً [النساء/ ٨٠] فإن من أعماه الله عن الرشد، وأضله عن الطريق فإن أحدا من خلق الله لا يقدر على إرشاده. وهذه الآية من أقوى الأدلة على أن الرسول معصوم في جميع الأوامر والنواهي، وفي كل ما يبلغه عن الله؛ لأنه لو أخطأ في شيء منها لم تكن طاعته طاعة لله تعالى. وأيضا وجب أن يكون معصوما في جميع أفعاله؛ لأنه تعالى أمر بمتابعته في قوله تعالى: فَاتَّبِعُونِي [آل عمران/ ٣١] والمتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير، فثبت أن الانقياد له في جميع أقواله وأفعاله إلا ما خصه الدليل به طاعة له، وانقياد لحكم الله تعالى. قال تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء/ ٦٩] . فهذه الآية عامة في حق جميع المكلفين وهو أن كل من أطاع الله وأطاع الرسول فقد فاز بالدرجات العالية في المراتب الشريفة عنده تعالى» «١» . عن ابن عباس (ض) أنه قال: «ما خلق الله وما ذرأ نفسا أكرم عليه من محمد ﷺ ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد إلا بحياته فقال: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر/ ٧٢] «٢» . كذلك لم يصل إلينا أن الله تعالى قد دافع عن نبي، وفنّد مزاعم أعدائه كما فعل مع النبي محمد ﷺ : فلما قال المشركون للرسول «إنك لمجنون» أجاب الله تعالى عنه الأعداء قائلا: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم/ ١] . وهكذا سنة الأحباب، فإن الحبيب إذا سمع من يسب حبيبه تولى بنفسه جوابه. ولما نعته قومه بالأبتر جاء قول الله: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر/ ٣] أي عدوك ومبغضك هو المقطوع الذليل الحقير. ولما قالوا: «إفترى على الله كذبا» . قال تعالى: بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ

стр. 11

بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ [سبأ/ ٨] . ولما قالوا: لَسْتَ مُرْسَلًا [الرعد/ ٤٣] أجاب الله تعالى عنه: يس. وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [يس/ ١- ٣] . ولما قالوا: إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ [الصافات/ ٣٦] ردّ الله تعالى عليهم: بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ [الصافات/ ٣٧] . ولما قالوا: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [الطور/ ٣٠] رد الله تعالى عليهم: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ [يس/ ٦٩] . ولما حكى الله عنهم قولهم: إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ [الفرقان/ ٤] كذبهم الله تعالى بقوله: فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً [الفرقان/ ٤] . وقال ردا لقولهم أساطير الأولين: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الفرقان/ ٦] . ولما قالوا: يلقيه إليه الشيطان قال تعالى: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ [الشعراء/ ٢١٠] . ولما تلا عليهم نبأ الأولين، قال النضر بن الحارث: «لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين» . قال الله تعالى تكذيبا لهم: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء/ ٨٨] . ولما قال الوليد بن المغيرة: «إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر» قال تعالى: كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات/ ٥٢] . ولما قالوا: «محمد قلاه ربه» . رد الله عليهم: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى [الضحى/ ٣] . ولما قالوا: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [الفرقان/ ٧] قال الله تعالى: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [الفرقان/ ٢٠] .

стр. 12

ولما استبعدوا أن يبعث الله رسولا من البشر. قال تعالى: قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا [الإسراء/ ٩٥] أي لو كانوا ملائكة لوجب أن يكون رسولهم من الملائكة، لكن لما كان أهل الأرض من البشر وجب أن يكون رسولهم من البشر «١» . وهكذا يستمر المولى في دفاعه عن هذا الرسول الكريم بما لم نعهده عند أي رسول آخر. ومن المعلوم أن الدعوة إلى إطاعته، والمدافعة عنه، ومعرفة بعض شمائله الشريفة تدفع المرء إلى محبته ﷺ ؛ لأن الإنسان مجبول على محبة وتقدير الصفات الجميلة وكل من اتصف بها. فكيف إذا كانت محبته تحقق رضاء الله تعالى وسعادة الدارين. قال تعالى: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ [التوبة/ ٢٤] . ويكفي هذا الرسول الكريم فخرا أن الله سبحانه قد جعل إتّباع الرسول يستوجب محبته سبحانه للمتبع، وغفران ذنوبه، وبكلمة، تبديله من حال الشقاء إلى السعادة والهناء. قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران/ ٣١] . هذه الآية تسمى آية المحبة: «قال بعض السلف: ادعى قوم محبة الله فأنزل الله هذه الآية إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها وفائدتها. فدليلها وعلامتها إتباع الرسول، وفائدتها وثمرتها محبة المرسل لكم. فما لم تحصل المتابعة فلا محبة لكم حاصلة، ومحبته لكم منتفية، ويستحيل ثبوت محبتهم لله وثبوت محبة الله لهم بدون المتابعة لرسوله ﷺ . فدل على أن متابعة الرسول هي حب الله ورسوله وطاعة أمره» «٢» .

стр. 13

ومحبة الرسول ﷺ منزلة كبرى يتنافس فيها المتنافسون ويسعى إليها العاملون. وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال. وإذا كان المرء يحب من أسدى إليه معروفا، أو أنقذه من تهلكة أو دفع عنه مضرة عارضه؛ فما بالك بمن وقاه من العذاب السرمدي. وإذا كان الإنسان يحب غيره على ما فيه من صورة جميلة، وأخلاق طيبة، فكيف بهذا النبي الكريم الذي جمع محاسن الأخلاق، والذي بفضله منحنا الله تعالى خيري الدنيا والآخرة؛ لذلك وجب أن تكون محبتنا له أوفى من محبتنا لأنفسنا وأهلنا وأموالنا والناس أجمعين. روى البخاري عن أبي هريرة (ض) أنه ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» . وروى البخاري أيضا عن عمر بن الخطاب (ض) أنه قال للنبي ﷺ : «لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا نفسي التي بين جنبي. فقال النبي ﷺ : لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه. فقال عمر: والذي أنزل عليك الكتاب لأنت أحب إليّ من نفسي التي بين جنبي. فقال له النبي ﷺ الآن يا عمر. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس، أن رجلا قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال ما أعددت لها؟ قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله. قال أنت مع من أحببت. قال أنس (ض) فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي ﷺ أنت مع من أحببت. وقوله ﷺ : المرء مع من أحب» «١» . وقال علي بن أبي طالب (ض) : «كان رسول الله ﷺ أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا» «٢» . «ولما أخرج أهل مكة زيد بن الدثنّة من الحرم ليقتلوه. قال له أبو سفيان بن حرب أنشدك بالله يا زيد أتحب أن محمدا الآن عندنا نضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ فقال زيد: والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة وإني جالس في أهلي. فقال أبو سفيان: ما رأيت أحدا من الناس يحب أحدا كحب أصحاب محمد

стр. 14

محمدا» «١» . «وبلغ من محبة أصحابه ﷺ أن عبد الله بن زيد كان يعمل في بستانه فأتاه ابنه فأخبره بوفاة النبي ﷺ فقال: اللهم أذهب بصري حتى لا أرى بعد حبيبي محمدا أحدا» «٢» . روي أن امرأة من الأنصار استشهد زوجها وأبوها وأخوها يوم أحد. فقالت: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: خيرا هو بحمد الله كما تحبين. فقالت: أرونيه حتى أنظر إليه. فلما رأته، قالت: كل مصيبة بعدك جلل (أي صغيرة) «٣» . فلا حياة لقلب المؤمن إلا بمحبة الله تعالى ومحبة رسوله ﷺ . ومن استشعر هذه المحبة قرت عينه بحبيبه، وسكنت نفسه إليه، واطمأن قلبه به، واستأنس بقربه، وتنعم بمحبته. ولمحبة المؤمن للرسول ﷺ علامات منها: الاقتداء به واستعمال سنته وسلوك طريقته والإهتداء بهديه لقوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب/ ٢١] . الرضا بما شرعه الرسول ﷺ ، وألايجد المؤمن في نفسه حرجا مما قضى لقوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء/ ٦٥] فقد سلب المولى صفة الإيمان عن كل من لا يرضى بحكم الرسول ﷺ ويسلم لهذا الحكم. وهذه القضية تعود إلى قوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم/ ٣] فالأحكام الصادرة عن الرسول ﷺ إنما هي أحكام صادرة عن الله تعالى. يؤكد ذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح/ ١٠] .

стр. 15

نصر دينه بالقول والفعل، والذود عن شريعته، والتخلق بأخلاقه في الجود والإيثار والحلم والصبر والتواضع ... فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان، فاستلذ بالطاعات، وتحمل المصاعب والمشقات في الدين، وآثر ذلك على أعراض الدنيا الزائلة. عدم الإكتراث للمصائب والرزايا، لأن القلب غارق في المحبة التي تنسي صاحبها المصائب. الإكثار من ذكره ﷺ ، لأن من أحب شيئا أكثر من ذكره. تعظيم الرسول ﷺ عند ذكره وإظهار الخشوع والخضوع والإنكسار مع سماع اسمه، لأن كل من أحب شيئا خضع له. ومما يذكر في هذا السياق أن كثيرا من الصحابة (ص) إذا ذكروا اسم الرسول ﷺ ، بعد وفاته، خشعوا واقشعرت جلودهم وبكوا. كذلك كان كثير من التابعين ومن تبعهم يفعلون ذلك محبة له وشوقا إليه وتهيبا وتوقيرا. شدة الشوق إلى لقائه. وكان هذا حال الصحابة (ض) . فإذا اشتد بهم الشوق ولواعج المحبة قصدوا الرسول ﷺ واستشفعوا بمشاهدته، وتلذذوا بالجلوس معه والنظر إليه، والتبرك به ﷺ . حب القرآن الكريم الذي أتى به هدى للناس والذي تخلق به. وإذا أردت أن تعرف مقدار محبة المرء لله تعالى ورسوله ﷺ فانظر إلى محبة القرآن من قلبه والتذاذه بسماعه: هل هو أعظم من التذاذ أهل الملاهي والطرب. فإذا كان سماع الآلات يولد الوجد والطرب والنشوة دون سماع القرآن فهذا دليل على فراغ القلب من محبة الله تعالى ورسوله ﷺ . فمن اتصف بهذه العلامات فهو كامل المحبة لله تعالى ولرسوله؛ ومن خالف بعضها كانت محبته ناقصة «١» . ولئن دعانا المولى إلى محبة الرسول ﷺ ، فإنه سبحانه قدوتنا

стр. 16

في هذا المجال. عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: «ما خلق الله خلقا أحب إليه من محمد ﷺ » «١» . وكما خصه سبحانه بمحبته كذلك فضله على كافة المخلوقات في الدنيا والآخرة، وخصه بالشفاعة والمقام المحمود: فهو ﷺ سيد ولد آدم، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع وأول مشفع، وأول من يؤذن له بالسجود، وأول من ينظر إلى رب العالمين، وأول الخلق إجازة على الصراط بأمته، وأول داخل إلى رب العالمين، وأول الخلق إجازة على الصراط بأمته، وأول داخل إلى الجنة ... وقد خص بالمقام المحمود ولواء الحمد، تحته آدم فمن دونه من الأنبياء. واختصاصه بالسجود لله تعالى أمام العرش، وكلام الله تعالى له: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع؛ ولا كرامة فوق هذا إلا النظر إليه تعالى. وقيامه على يمين العرش الذي يغبطه عليه الأولون الآخرون، وشهادته بين الأنبياء وأممهم ... وهو ﷺ صاحب الوسيلة التي هي أعلى درجة في الجنة.. إلى غير ذلك مما يزيده الله تعالى به جلالة وتعظيما وتبجيلا وتكريما على رؤوس الأشهاد من الأولين والآخرين والملائكة أجمعين لقوله تعالى: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة/ ٥٤] وقوله أيضا: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء/ ٤١] . عن أبي هريرة (ض) قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع» «٢» . وفي رواية: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد. وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي» «٣» . وقال ﷺ : «لكل نبي دعوة يدعوها فأنا أريد إن شاء الله أن أختبىء دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» «٤» .

стр. 17

وعنه ﷺ أنه قال: «أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعا» «١» . وفي الحديث: «إن شفاعتي لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا. وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب (ض) أن رسول الله ﷺ قال: أشفع لأمتي حتى ينادي ربي فيقول: أرضيت يا محمد؟ فأقول نعم رضيت» «٢» . وهذا تفسير آية: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [الضحى/ ٥] . وقال أيضا: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي ... ثم اسألوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو. فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة» «٣» . ومما يدل على تمام محبته ﷺ ، وعلى شرفه العظيم، وعلو منزلته كثرة أسمائه وألقابه. وقد ورد بعض هذه الأسماء في القرآن الكريم، وبعضها ورد في الأحاديث الصحيحة، كما ورد بعضها في الكتب السماوية السابقة. أما ما ورد في القرآن فهي: محمد وأحمد والرسول والنبي والشاهد والبشير والنذير والمبشر والمنذر والداعي إلى الله والسراج المنير والرؤوف الرحيم والمصدق والمذكور والمزّمّل والمدّثّر وعبد الله والكريم والحق والمبين والنور وخاتم النبيين والرحمة والنعمة والهادي وطه ويس. وأما ما في الأحاديث فمنها: الماحي (الذي يمحو الله به الكفر) والحاشر (الذي يحشر الناس على قدمه) والعاقب (لأنه عقب غيره من الأنبياء) والمقفّي (ليس بعده نبي) ونبي الرحمة ونبي التوبة ونبي الملاحم ورحمة مهداة والمتوكل والفاتح والخاتم والمصطفى والمختار والأمين ...

стр. 18

وأما ما في الكتب السالفة فمنها: الضحوك وحمطايا (حامي الحرم من الحرام) وأحيد (الذي يحيد النار عن أمته) وبارقليط أو فيرقليط (روح الحق) «١» . روى الترمذي في الشمائل قوله ﷺ : «أنا محمد وأنا أحمد وأنا نبي الرحمة ونبي التوبة والمقفّي وأنا الحاشر ونبي الملحمة» «٢» . وعن أبي موسى الأشعري قال رسول الله ﷺ : «أنا محمد وأحمد والحاشر والمقفي ونبي التوبة والملحمة» «٣» . «ومحمد اسم علم، وهو منقول من صفة من قولهم: رجل محمد، وهو الكثير الخصال المحمودة. والمحمد في لغة العرب: هو الذي يحمد حمدا بعد حمد مرة بعد مرة» «٤» . وذكر النووي في تهذيب الأسماء عن ابن عباس (ض) قال: «قال رسول الله ﷺ : اسمي في القرآن محمد وفي الإنجيل أحمد وفي التوراة أحيد» «٥» . أما ألقابه ﷺ فهي كثيرة جدا منها: صاحب البراق وصاحب التاج، والمراد به العمامة لأن العمائم تيجان العرب، وصاحب الخاتم والعلامة وصاحب البرهان والحجة وصاحب الحوض المورود والمقام المحمود وصاحب الفضيلة وصاحب الوسيلة وصاحب الدرجة الرفيعة وصاحب الشفاعة وسيد ولد آدم وسيد المرسلين وإمام المتقين وقائد الغرّ المحجلين، وحبيب الله وخليل الله والعروة الوثقى والصراط المستقيم والنجم الثاقب

стр. 19

ورسول رب العالمين والمصطفى والمجتبى والمزكى ... «١» . ومحبة المسلمين للنبي ﷺ دفعتهم إلى محبة البقاع التي تشرفت بنشأته وترعرعه، ولا سيما المدينة المنورة حيث ضريح أكرم مرسل؛ لذلك نراهم قد أكثروا من وضع الأسماء لها كما فعل أحد الشعراء بقوله [من الرجز] : «خذ جملة يا صاح من أسماء ... مدينة الهادي من الأسواء محمد نبيّنا المشرّف ... الهاشميّ المصطفى البرّ الوفي فطيبة طيّبة وطابه ... وطائب تعرف بالإطابه حبيبة بيت الرسول والحرم ... وحرم الرسول فاحفظ ما انتظم ودار الأيمان ودار السّنّة ... ودار فتح مع دار الهجرة حسنة مختارة مرزوقة ... مؤمنة مسكينة محفوظة مدخل صدق قبة الإسلام ... شافية من جملة الآلام» «٢» ومن المعلوم أن قلوب المحبين تتطلع نحو طيبة، وأرواحهم تتشوق لزيارة قبر الرسول الشريف ومسجده المنيف. فقد اتفق المسلمون على أن هذه الزيارة تعتبر من أعظم القربات، وأرجى الطاعات، وهي السبيل إلى الوصول إلى أعلى الدرجات. وكل من اعتقد بغير ذلك فقد خالف الله ورسوله والعلماء الأعلام: «قال القاضي عياض إنها سنة من سنن المسلمين مجمع عليها، وفضيلة مرغّب فيها: فقد روى الدارقطني من حديث ابن عمر (ض) أن رسول الله ﷺ قال: من زار قبري وجبت له شفاعتي. وروى الطبراني أن النبي ﷺ قال: من جاءني زائرا لا تعمله حاجة إلا زيارتي كان حقا علي أن أكون شفيعا له يوم القيامة» «٣» . وعن أنس بن مالك (ض) قال: قال رسول الله ﷺ : «من زارني في

стр. 20

المدينة محتسبا كان في جواري وكنت له شفيعا يوم القيامة» «١» . وروى الدارقطني وغيره عن ابن عمر (ض) أن النبي ﷺ قال: «من حج ولم يزرني فقد جفاني» «٢» . وعنه ﷺ أنه قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» «٣» . وعن أبي هريرة (ض) أن النبي ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» «٤» . إلى غير ذلك من الأحاديث التي تبين فضل الزيارة وثواب الصلاة في المسجد النبوي الشريف؛ الأمر الذي يدفع جماهير المؤمنين لزيارة هذه الأماكن المقدسة، والمجاورة فيها تائبين مستغفرين مصلين ومسلّمين: «أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار أن ابن عمر (ض) كان إذا أراد سفرا، أو قدم من سفر جاء قبر النبي ﷺ ، فصلى عليه، ودعا ثم انصرف» «٥» . وكان أهل الأندلس من أرق المسلمين شوقا لزيارة الرسول ﷺ ؛ لأن بعد المزار غزا قلوبهم بأقباس الحنين كما نرى في قول ابن العريف [من البسيط] : «شدّوا المطايا وقد نالوا المنى بمنى ... وكلّهم بأليم الشوق قد باحا سارت ركائبهم تندى روائحها ... طيبا بما طاب ذاك الوفد أشباحا نسيم قبر النبيّ المصطفى لهم ... راح إذا سكروا من أجله فاحا يا راحلين إلى المختار من مضر ... زرتم جسوما وزرنا نحن أرواحا إنّا أقمنا على شوق وعن قدر ... ومن أقام على عذر كمن راحا» «٦» قال القاضي عياض: «ولا خلاف أن موضع قبر النبي ﷺ أفضل بقاع

стр. 21

الأرض» » . وبذلك شرفت المدينة كما شرف به العرب: «يا من به طيبة طابت حلّى وعلى ... ومن بتشريفه قد شرّف العرب» «٢» ومن تمام محبته ﷺ كما أسلفنا- الإكثار من ذكره ومن الصلاة عليه؛ لأن المسلمين مأمورون بالصلاة والسلام عليه في كل وقت ومناسبة. قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب/ ٥٦] . وقد رأى المفسرون أن صلاة الله تعالى على نبيه تعني الثناء عليه. وصلاة الملائكة عليه تعني الدعاء وطلب الثناء والتعظيم من الله تعالى لهذا الرسول الكريم. فالصلاة على الرسول ﷺ تعني: «تعظيم النبي في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دينه، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته وتشفيعه في أمته، وإبداء فضيلته بالمقام المحمود» «٣» . ويلاحظ أن الآية قد أتت بصيغة المضارع «يصلون» لتدل على أنه وجميع ملائكته يصلون على نبينا ﵊ دائما أبدا؛ لأن المضارع يدل على الدوام والاستمرار. أما المراد بقوله تعالى: صَلُّوا عَلَيْهِ أي أدعوا ربكم بالصلاة عليه التي بها يتقرب العبد من مولاه لقوله ﷺ : «زينوا مجالسكم بالصلاة علي فإن صلاتكم علي نور لكم يوم القيامة» «٤» . أخرج أحمد والنسائي عن أبي طلحة الأنصاري (ض) قال: «أصبح رسول الله ﷺ يوما طيب النفس، يرى في وجهه البشر. قالوا: يا رسول الله أصبحت اليوم طيب النفس يرى في وجهك البشر؟ قال: أجل، أتاني آت من ربي فقال: من صلى عليك من أمتك صلاة كتب الله له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات ورد عليه مثلها» «٥» .

стр. 22

وفي رواية: «يا محمد إن ربك يقول: أما يرضيك ألا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا، ولا سلم عليك إلا سلمت عليه عشرا؟» «١» . وصلاتنا على النبي ﷺ لا تعني الشفاعة له؛ لأن مثلنا لا يشفع لمثله. وبما أن الله تعالى قد أمرنا بمكافأة من أسدى إلينا معروفا، فإذا تعذر علينا ذلك كافأناه بالدعاء. فلما علم سبحانه عجزنا عن مكافأة النبي ﷺ لما أسداه لنا من خير، أمرنا بالصلاة عليه. ومن المتفق عليه أن كل خير نالته الأمة في الدنيا والآخرة إنما نالته على يد النبي ﷺ . وفائدة الصلاة على الرسول ﷺ ترجع إلى المصلي عليه؛ لأن ذلك يدل على صدق العقيدة وسلامة النية، وإظهار المحبة، والمداومة على الطاعة «٢» . «وإن أرجى عمل يدخره العبد لمعاده بعد كلمة التوحيد، محبة النبي ﷺ ، والإكثار من ذكره؛ فإن الصلاة عليه تفرج الكروب، وتكفر الخطايا، وتزكي الأعمال، وتنفي الفقر وضيق العيش، وهي نور لصاحبها في قلبه وفي قبره وحشره وعلى الصراط، وهي من أفضل ذخائر الأعمال. وإن من ثمراتها قضاء الحوائج كما قال القسطلاني في مسالك الحنفاء: إذا صعب عليك المرام فعليك بكثرة الصلاة والسلام على المظلل بالغمام. ومن ثمراتها حسن الخاتمة كما جاء في الباقيات الصالحات للشيخ محمود الكردي حيث قال: واتفقوا على أن كثرة الصلاة والسلام على النبي ﷺ من علامات حسن الخاتمة. يؤيد هذا قوله ﷺ فيما أخرجه الديلمي في مسند الفردوس: من سره أن يلقى الله راضيا فليكثر الصلاة عليّ. وعن أنس بن مالك (ض) عن النبي ﷺ : «من صلى عليّ في يوم ألف مرة لم يمت حتى يرى مقعده من

стр. 23

الجنة» «١» . وقد اختلف علماء الأمة في مواضع الصلاة على النبي ﷺ ، فقال بعضهم بوجوبها في القعود آخر الصلاة بين التشهد وسلام التحلل، وبعضهم أوجبها بغير حصر، وبعضهم طالب بالإكثار منها من غير تقييد بعدد، وبعضهم أوجبها كلما ذكر اسم النبي ﷺ ، وهذا رأي غالبية الأمة الذين استدلوا على ذلك بأحاديث الرسول ﷺ : «إن البخيل لمن ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ» «٢» . وهناك أحاديث تحث على الصلاة عليه ﷺ في كل مكان وزمان «صلوا عليّ فإن صلاتكم وتسليمكم يبلغني حيثما كنتم» «٣» . كذلك هناك أحاديث تحض على الإكثار من الصلاة عليه ﷺ ليلة الجمعة ويومها: «أكثروا الصلاة عليّ في الليلة الزهراء واليوم الأقمر يعني ليلة الجمعة ويومها، فإن صلاتكم تعرض عليّ» «٤» . و «أكثروا عليّ من الصلاة في كل يوم جمعة، فإن صلاة أمتي تعرض عليّ في كل يوم جمعة، فمن كان أكثرهم عليّ صلاة كان أقربهم مني منزلة» «٥» . وقد تفنن المحبون في تصنيف المجلدات في صيغ الصلوات على النبي ﷺ والتي تبين عظيم فضله، وعموم نفعه، وعلو منزلته عند الله تعالى. ومما يذكر أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ض) كان يعلم الناس الصلاة على النبي ﷺ «٦» . ويتوالى التشريف من الله تعالى لهذا الرسول الكريم في كل آن وحين، فالواحد منا يفضل صلاة واحدة من المولى على أن تكون أعمال جميع الخلائق في صحيفته؛ فما ظنك فيمن يصلي عليه ربنا سبحانه وجميع

стр. 24

ملائكته على الدوام والإستمرار «١» . وكما انصرف قوم إلى وضع صيغ صلوات على الرسول ﷺ ، فإن قوما آخرين اهتموا بنظم القصائد في مدحه ﷺ ، ذاكرين بعض صفاته وأخلاقه، وشيئا من سيرته وماثره، وهي ما عرفت باسم المدائح النبوية التي تعتبر فنا من فنون الأدب الرفيع؛ لأنها لا تصدر إلا عن قلوب مفعمة بالصدق والإخلاص، والإيمان العميق بصدق الرسالة المحمدية، والخصال الجيدة التي يتحلى بها النبي ﷺ . ومن المعلوم أن ذكر شمائل الميت يسمى رثاء لكنه في حق الرسول ﷺ يسمى مدحا، لأنه ﷺ موصول الحياة، يخاطبه المحبون كما يخاطبون الأحياء، يستثنى من ذلك بعض الشعراء المداحين الذين توفي الرسول ﷺ في حياتهم، للتمييز بين فترتين من حياة الشاعر، فيقال مثلا: قال حسان يرثي النبي ﷺ فيعرف من ذلك أن هذه القصيدة نظمت بعد وفاة النبي ﷺ أما غير ذلك من الشعراء الذين ولدوا بعد وفاة الرسول ﷺ فإن ثناءهم عليه مديح لا رثاء؛ وذلك لأن الرثاء إنما يعني التوجع والتحزن والتفجع ... على حين لا يراد بالمدائح النبوية إلا التقرب إلى الله تعالى بذكر شمائل النبي ﷺ وتبيان ما قدمه لدين الله سبحانه. والواقع أن هذه المدائح كانت في ابتداء أمرها تجري على الطرائق الجاهلية، ثم انتهى بها المطاف إلى فن أدبي رفيع عرف باسم فن البديعيات، الذي نشر بين الناس أنواعا من الثقافة الأدبية. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الفن لم يقتصر على البيئات الصوفية وحدها وإنما اهتم به عدد لا بأس به من الشعراء من غير المتصوفة «٢» ونخص بالذكر شعراء العصر المملوكي الذين فاقت قصائدهم «البديعية» سائر العصور. وفي عصرنا الحالي كثرت الموسوعات المتخصصة التي تهتم بتراجم أصحاب المهن والوظائف، كالأطباء والمفتين مثلا، أو تقتصر على ذكر أتباع دين من الأديان أو مذهب من المذاهب أو طائفة من الطوائف كطبقات الشافعية وطبقات الحنابلة وطبقات الصوفية ... أو تفرد مصنفات لعلماء اشتهروا بفن من فنون العلم كالمحدثين والمفسرين

стр. 25

وعلماء الكلام والفلاسفة ... وهناك موسوعات تترجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين كما فعل الزركلي في أعلامه؛ وبعض الموسوعات تهتم بتراجم أصحاب المؤلفات كما فعل كحالة في معجمه، وبعضها يهدف إلى استقصاء المؤلفات والمصنفات والتعريف بها كما فعل حاجي خليفة في كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون. ومع كل هذه الموسوعات الجليلة التي أثرت المكتبة العربية، فإن المجال لا يزال واسعا لإضافة لبنات جديدة إلى هذا البناء العظيم. وشعرنا العربي قد عرف- منذ نشأته الأولى وحتى أيامنا الحاضرة- مئات الدارسين والباحثين الذين بذلوا قصارى جهدهم، وجادوا بعصارة أدمغتهم، ووهبوا الغالي والنفيس في البحث عما في هذا الشعر من ملح ونوادر، ومرقصات مطربات، وأغان وموشحات، وفنون وحكم وبيان وفصاحة لسان ... لكنهم لم يهتموا بالمدائح النبوية، ولم يفردوا لها بحثا مستقلا «١» ، ولم يعنوا بترجمة ناظميها؛ كما لو كانت هذه القصائد غريبة على بيئتنا، لم تعط أصحابها شهرة وصيتا، فكأني بالمؤرخين للشعر وللشعراء يغافلون هذه الناحية ليغيّبوا أشرف وجه من وجوه الشعر العربي، وليطمسوا صفات أشرف البشر؛ لأن كثرة الإغفال والإهمال- في رأيهم- تؤدي إلى النسيان فالضياع. ولكن بفضل الله تعالى ومنّته عني بهذا النوع من الأدب رجال محبون لله تعالى، متيمون بحب رسوله الكريم، تلهج ألسنتهم بالصلاة عند سماع اسم خير الأنام، وتفيض أعينهم بالدموع شوقا لزيارة سيد ولد آدم ﵇، مرددين قول القائل [من الرمل] : «لأديمنّ مديح المصطفى ... فعل من في الله قوّى طمعه فعسى أنعم في الدنيا به ... وعسى يحشرني الله معه» «٢»

стр. 26

ولئن كانت المدائح النبوية تستحق أن يفرد لها مجلدات خاصة بها، فإن ناظمي هذه المدائح يستأهلون تخصيص مؤلف يضم أعلامهم ومشاهيرهم؛ ولهذا وجدتني أفرد لهؤلاء الشعراء الأخيار مصنفا يجمع الجمهرة العظمى منهم، واضعا بين أيدي محبي الرسول ﷺ بعض ما أنتجته قرائح شعرائنا المؤمنين، وما جاشت به نفوسهم الزكية مستثنيا منهم الذين مدحوا النبي ﷺ نثرا في خطبهم أو مقالاتهم؛ ذلك أن حمد الله تعالى والثناء على نبيه، لا تخلو منهما خطبة من الخطب المنبرية، والمنشدين الذين ينشدون القصائد النبوية في الزوايا والمحافل ولا سيما في المناسبات الدينية، الذين وضعوا صيغا للصلاة على النبي ﷺ ، والشعراء الذين اختصوا بمدح آل بيت النبي بالرغم من ذكرهم لبعض ماثر هذا الرسول العظيم. ونظرا لضخامة المادة اكتفيت بترجمة مختصرة للشاعر المدّاح، والإستشهاد ببعض الأبيات الخالصة في مديح المصطفى؛ لأن القصيدة العربية ذات شكل معين يتدرج من النسيب والتغزل إلى وصف الراحلة فبيت القصيد ... وتجدر الإشارة إلى أن هناك بعض المداحين الذين لم أعثر على شيء من مدائحهم النبوية. وقد رتبت الأعلام وفق حروف المعجم ليسهل على القارىء تناول أي علم يريدة.. وبذلت في هذا المؤلف قصارى جهدي لأوفي الدراسة حقها، فجمعت من الأعلام ما قدر الله تعالى لي أن أجمع؛ لكنني لا أدعي أن كتابي هذا قد بلغ درجة عالية من درجات الكمال، ولا أزعم بأنني قد حققت ما كنت أصبو إليه، أو أني أتيت بالمراد على أحسن حال وأفضل وجه، فهناك صعوبات جمة تواجه كل باحث ودارس تحول دون جعل بحثه تاما كاملا؛ وإلا لما كانت المدونات بحاجة إلى إعادة تنقيح وتصحيح وزيادة وتعديل ... لذلك أتوجه إلى ذوي الانتقاد المنصفين وألتمس منهم أن يقيلوا العثار، وينبهوا إلى خلل المسار، ويقبلوا الأعذار. وحسبي أن أكون السباق في هذا المضمار ولن يخلو الزمن ممن يأتي ويكمل النقص، ويستدرك ما فات. إن الصفحات التالية لا تزيد الرسول الأعظم شرفا وعزا وجلالا

стр. 27

وعظمة؛ بل هي تشرف وتعظم بذكر هذا السند العظيم، الرؤوف الرحيم. ولا يخفى أن محبي الرسول ﷺ يفتخرون بالإنتساب إليه، ويرتاحون إلى الحديث عنه، وتغمرهم السعادة والحبور عند سماع مدحه، وذكر ماثره وفضله [من الخفيف] : «شنّف السمع من لطيف الكلام ... بامتداح النبيّ سامي المقام» «١» ومما يؤسف له أن مئات الشعراء، ممن يعتبرون فحولا، قد قصروا شعرهم على مدح أسيادهم من الأمراء والملوك والخلفاء، أو اختصوا بالتشبيب بليلى أو بهند أو بعزة ... ولم يخصوا رسولهم، وموصل الخير إليهم ولو بقصيدة من قصائدهم الكثيرة. وقد تكون هذه القصيدة تكفيرا عما اقترفوه من إثم في ذكر مثالب الناس وعيوبهم، وفاتحة خير لهم دنيا وأخرى. ولا يظنن أحد أن الإسلام يحارب الشعر والشعراء؛ فقد أخرج ابن إسحاق عن أبي الحسن- مولى تميم الداري (ض) - قال: «لما نزلت: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ [الشعراء/ ٢٢٤] جاء حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك (ض) إلى رسول الله ﷺ وهم يبكون. قالوا: قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا شعراء. فتلا النبي: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قال: أنتم. وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً قال: أنتم. وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا قال: أنتم» «٢» . ومن المعلوم أن من عادة الشعراء المبالغة، وتجاوز قدر الممدوح فوق ما يستحقه، حتى أفضى هذا الأمر ببعضهم إلى الكفر؛ ومن الأمثال الشائعة: من مدحك بما ليس فيك فلا تأمن أن يذمك بما ليس فيك «٣» . لكن مدح المصطفى ﷺ ليس فيه من تجاوز أو مبالغة، بل تقصير وعجز؛ فقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز إطراء النبي ﷺ ؛ أي مجاوزة

стр. 28

الحد في مدحه بادعاء الألوهية فليجتنب المادح للنبي ﷺ هذا الإطراء ويعتقد أنه عبده ورسوله ثم ليقل في مدحه بعد ذلك ما شاء، فإنه لا يعد إطراء في حقه ﵊؛ إذ الإطراء مجاوزة الحد. ولا يمكن بلوغ حد كماله ﷺ فضلا عن مجاوزته. ولا تظن أن أحدا من الخلق يبلغ بمدحه قدره ﵊» «١» . ومن المعلوم أنه كلما تقادم الزمن على بطل أو عبقري، مال محبوه وأتباعه إلى جعله شخصية أسطورية، فنراهم يصفونه بأوصاف فيها الكثير من الإسهاب والإطناب؛ لكن في حال الرسول ﷺ نجد أن معاصريه قد وصفوه بأوصاف أعلى من تلك التي وصفه بها اللاحقون، مما يدل على تمتعه ﷺ بأجمل الصفات، وأفضل الخصال مما لم ولن يتسنى لأي بشر غيره. وما أحسن قول الشاعر حين أنشد [من الرمل] : «خذ كتابا جمع الفضل وإن ... كان كالنّجم بعينيك صغيرا من مزايا المصطفى شمس الهدى ... أفقه أطلع للناس بدورا وإذا حققتها تلقاه في ... واحد منها على الخلق أميرا قل به ما شئت من مدح ولا ... تخف اللوم ولا تخش النكيرا فجميع المدح من كلّ الورى ... لو أتى في حقّه كان قصورا» «٢» وإنني أتوجه بالشكر الجزيل للأخ الزميل الدكتور ياسين الأيوبي الذي قرأ الكتاب وضبط أشعاره وقدّم له، حامدا الله وحده الذي وفقني لكتابة هذا المؤلف في فضائل المصطفى ﷺ . طرابلس في ١٢ ربيع الأول ١٤١٤ هـ ٢٩ آب ١٩٩٣ م. محمد درنيقة

стр. 29

حرف الألف

стр. 30

١ إبراهيم بن أبي بكر بن عبد الله التلمساني المالكي فقيه، أديب وشاعر. ولد عام ٦٠٩ هـ/ ١٣١٢ م وتوفي ٦٩٠ هـ/ ١٣٩١ م. له منظومات في السير ومدح النبي ﷺ ؛ من ذلك: العشرات على أوزان العرب. ومنها في مولد الرسول ﷺ . ومنها في الحكم. وله أرجوزة في الفرائض ومقالات في العروض «١» . ٢ إبراهيم بن أحمد بن علي الكناني المصري، الخطيب، الشافعي، المتوفى ٨٧١ هـ/ ١٤٦٧ م. له: ديوان خطب- شواهد التحقيق في نظم قصة يوسف الصديق- شرح المنهاج للنووي- غنية المحتاج إلى نظم المنهاج- ديوان المدائح النبوية والمناقب المحمدية «٢» . ٣ إبراهيم بن سليمان بن محمد الجنيني ولد عام ١٠٤٠ هـ/ ١٦٣١ م وتوفي بدمشق عام ١١٠٨ هـ/ ٦٩٧ م. تلميذ الشيخ خير الدين الرملي. له:

стр. 31

- تتميم فتاوى شيخه- مطالع البدور كل طوالع الحور- نتيجة الفكر فيما يتعلق بأحكام الذكر- طوالع الحور في مدح النبي ونعت آله المبرور «١» . ٤ إبراهيم بن سهل الإسرائيلي الإشبيلي كان يهوديا فأسلم وقرأ القرآن، ودخل في خدمة ابن خلاص أمير سبتة بالأندلس. وقد مات غريقا معه عام ٦٤٩ هـ/ ١٢٥١ م عن أربعين سنة. له ديوان شعر فيه عدة قصائد نبوية منها قصيدة عينية مطولة [من الطويل] جاء فيها: «وركب دعتهم نحو طيبة نيّة ... فما وجدت إلا مطيعا وسامعا يسابق وخد العيس ماء شؤونهم ... فيقفون بالشوق المليّ المدامعا إذا انعطفوا أو رجّعوا الذكر خلتهم ... غصونا لدانا أو حماما سواجعا تضيء من التقوى حنايا صدورهم ... وقد لبسوا الليل البهيم مدارعا تكاد مناجاة النبيّ محمد ... تنمّ بهم مسكا على الشمّ ذائعا قلوب عرفن الحقّ فهي قد انطوت ... عليها جنوب ما عرفن المضاجعا سقى دمعهم غرس الأسى في ثرى الجوى ... فأنبت أزهار الشحوب الفواقعا تساقوا لبان الصدق محضا بعزمهم ... وحرّم تفريطي عليّ المراضعا» وفي قصيدة أخرى [من الطويل] : «تركت هوى موسى لحبّ محمد ... ولولا هدى الرحمن ما كنت أهتدي وما عن قلى مني تركت وإنّما ... شريعة موسى عطّلت بمحمد» «٢»

стр. 32

٥ إبراهيم بن علي الأحدب ولد بطرابلس عام ١٢٤٢ هـ/ ١٨٢٦ م. درس على الشيخ عبد الغني الرافعي مفتي طرابلس فمهر في العلوم الشرعية وفي الأدب. استوطن بيروت حيث درّس وتولى عدة مناصب في المحكمة الشرعية وفي مجلس معارف ولاية بيروت. توفي عام ١٣٠٨ هـ/ ١٨٩١ م. له مصنفات عديدة منها: تفصيل اللؤلؤ والمرجان- فرائد الأطواق في أجياد محاسن الأخلاق- النفح المسكي في شعر البيروتي- أكثر من ثمانين ألف بيت منها منظومتان في المولد النبوي «١» . ٦ إبراهيم بن علي الكفعمي ن له سبع المثاني] نسبة إلى كفر عيما، قرية من قرى جبل عامل في جنوب لبنان، حيث ولد عام ٨٤٠ هـ/ ١٤٣٦ م وتوفي عام ٩٠٥ هـ/ ١٥٠٠ م. إمامي المذهب، مفسر، محدث، فقيه، أديب وشاعر. صنف ٤٩ كتابا ورسالة منها: جنة الأمان الواقية المشتهر باسم المصباح- البلد الأمين والدرع الحصين نهاية الأرب في أمثال العرب- تاريخ وفيات العلماء- حياة الأرواح ومشكاة المصباح- مجموع الغرائب وموضوع الرغائب- ديوان شعر فيه عدة قصائد نبوية منها قصيدة ذكر فيها أسماء سور القرآن الكريم ومدح بها النبي ﷺ [من الكامل] وهي في أربعين بيتا، اخترنا منها ما يلي: «يا من له السبع المثاني تنزل ... وخواتم البقره عليه تنزل في آل عمران النساء لم تلد ... كنظيره الأجساد ذلك تفعل مولى له الأنعام والأعراف وال ... أنفال والحكم التي لا تجهل بعلاه توبة يونس قبلت كذا ... هود ويوسف رعدهم يتجلجل

стр. 33

يا كهف مريم أنت طه الأنبيا ... والحج ثم المؤمنون الأفضل يا نور يا فرقان يا من مدحه ... نطقت به الشعراء وهو المرسل يس سمّاه الإله بذكره ... وكواكب بسعوده لا تأفل يا ليتني صاد شربت بكأسه ... وعليه في زمر وردت فأنهل وله لدى الحشر العظيم شفاعة ... في أمة بالامتحان تسربلوا مدّثّر يوم القيامة شافع ... ومخلّص الإنسان وهو الموئل يا من نزول المرسلات ببعثه ... يا أيها النّبأ العظيم الأكمل وهو الشفيع إذا المنيرة كوّرت ... والإنفطار من السماء يعجّل والله قد حرس السماء بطارق ... لولادة الأعلى به يتفضل وأزال غاشية العذاب ونوره ... كالفجر إذ أنواره تتهلّل شمس الضحى من وجهه ولصدره ... ألإنشراح وقلبه لا يغافل يا من ليالي القدر بيّنة له ... وعداه بالزلزال منه تزلزلوا بالعاديات أزال قارعة العدا ... وبقوله ألهاكم ما تجهل هو صاحب الإيلاف والدّين الذي ... يسقى غدا من كوثر يتسلسل يا خاتما فلق الصباح كوجهه ... والناس منه مكبّر ومهلّل أبياتها ميقات موسى عدّة ... والكفعميّ بمدحه يتجمّل صلّى عليه الله مع أصحابه ... ما زال طير العندليب يعندل» «١» ٧ إبراهيم بن علي بن أحمد البهنسي ولد بالقاهرة عام ٧٦١ هـ/ ١٣٦٠ م. وتوفي بها عام ٨٤٠ هـ/ ١٤٣٥ م. ولع بالنظم وبرع فيه. له تخميس للبردة «٢» .

стр. 34

٨ إبراهيم بن محمد بن بهاور الغزي الشهير بابن زقاعة ولد بغزة في أول ربيع الأول ٧٤٥ هـ/ ١٣٤٤ م. اشتغل خياطا أولا. سمع من علماء بلده، وسلك الطريقة القادرية، وبرع في الأدب والفلك وعلم الحرف، ومعرفة منافع النبات والأعشاب. كان السلطان برقوق يحرص على حضوره الإحتفال بالمولد النبوي. سكن القاهرة وظل فيها حتى وفاته عام ١٨١٦ هـ/ ١٤١٤ م ودفن خارج باب النصر. له: كتاب الوجود- لوامع الأنوار في سيرة الأبرار- قصيدة تائية في صفة الأرض وما احتوت عليه وهي ٧٧٧٠ بيتا- عدة قصائد نبوية. جاء في إحداها [من مجزوء الخفيف] : «غصن بان بطيبة ... في حشا الصبّ راسخ من صباي هويته ... أنا الآن شائخ قمر لاح نوره ... فاستضاءت فراسخ عجبا كيف لم يكن ... كاتبا وهو ناسخ ذلّلت حين بعثه ... من قريش شوامخ أسد سيف دينه ... ذابح الشرك شالخ فاتح مطلب الهدى ... وعلى الشّرك صارخ أحمد سيد الورى ... وبه شاد شالخ مثل ما شاد فالغ ... من قديم وفالخ عقد إكسير ودّه ... ليس لي عنه فاسخ يا نخيلات وجده ... إنّ دمعي شمارخ» «١»

стр. 35

٩ إبراهيم بن محمد بن سعيد الإدريسي الحسني المعروف بالمنوفي الشافعي المتوفى بمكة عام ١١٨٧ هـ/ ١٧٧٣ م. له رسالة في علم الطب وديوان شعر قصره على مدح الرسول ﷺ سماه «السبع السنابل في مدح سيد الأواخر والأوائل» «١» . ١٠ إبراهيم بن مصطفى الحلبي فقيه حنفي له اشتغال في الأدب. ولد بحلب وتعلم بها وبالقاهرة، ثم سافر إلى القسطنطينية وظل فيها حتى وفاته عام ١١٩٠ هـ/ ١٧٧٦ م. له: تحفة الأخبار على الدر المختار- شرح جواهر الكلام- الحلة الصافية في علمي العروض والقافية- اللمعة في تحقيق مباحث الوجود والحدوث والقدر وأفعال العباد- نظم السيرة النبوية شعرا في ٦٣ بيتا «٢» . ١١ إبراهيم بن يحيى بن مهدي المكناسي فقيه فرضي مالكي أندلسي. ولد بمكناس عام ٦٠٠ هـ/ ١٢٠٤ م. تفقه بإشبيلية ورحل إلى المغرب فالشام فالعراق. توفي بالفيوم بمصر عام ٦٦٦ هـ/ ١٢٦٧ م. من كتبه: أرجوزة في الفرائض تعرف بالتلمسانية- منظومة في السير والمدائح النبوية» .

стр. 36

١٢ إبراهيم بن يوسف البلبيسي الرفاعي ولد حوالي ٧٩٥ هـ/ ١٣٩٢ م بفاقوس من شرقية مصر. قرأ قسما من القرآن الكريم على الشيخ محمد الزعيم، ثم انتقل إلى بلبيس حيث أكمله على الشيخ عرفة العمري، وحفظ كتب الفقه والحديث، وتتلمذ على الشهاب البرديني بالقاهرة، وأخذ الفقه والعربية عن القاياتي. درّس ببلدته بلبيس وحج عدة مرات وزار بيت المقدس. كان صداعا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. توفي عام ٨٦٢ هـ/ ١٤٥٨ م. له أرجوزة في المولد النبوي تزيد على أربعمائة بيت. أولها [من الرجز المختلط بالكامل] : «الحمد لله الحميد الصّمد ... منوّر الأكوان بالممجّد محمد خير الورى المكمّل ... أهدي إلينا في ربيع الأول أعلام سعد المصطفى قد نشرت ... في الخافقين تلألأت وتضوّأت فاح الوجود بنشر عرف المصطفى ... لما مشى ما بين زمزم والصّفا من قبل نشأة آدم أنواره ... قد سطّرت في العرش لما اختاره» «١» ١٣ ابن الجيّان الأندلسي الكاتب (أبو عبد الله) محمد بن محمد بن أحمد الأنصاري، من أهل مرسية. محدّث، راوية، كاتب بليغ رائق الخط كان من أعاجيب الزمان في إفراط القماءة. وقد ورد اسمه ابن الجنان في بعض المصادر. والأرجح ما أثبتناه «٢» . له ديوان شعر في مديح المصطفى ﷺ . توفي سنة ٦٥٠ هـ/ ١٢٥٢ م، ومدائح نبوية كثيرة أورد منها المقري عددا كبيرا من المخطوطات الشعرية وقد اخترنا له هذه المقطعات [من المجتث] : «محمد خير هاد ... بحلمه وأناته

стр. 37

محمد خير داع ... بالصدق من كلماته محمد خير مبد ... لناسنا معجزاته أكرم به من نبيّ ... همت سما مكرماته وخصّه الله منه ... بالفضل من تكرماته لمّا حباه بأوفى ... صلاته في صلاته» ومنها [من الخفيف] : «بحبيب القلوب معتمد الخل ... ق أبي القاسم النبيّ الشفيع قد تشفّعت من ذنوبي إلى ذي ال ... عزّة الواحد العليّ السميع فاشفع اشفع يا خاتم الرّسل يوم ال ... حشر والمشهد العظيم الفظيع لظلوم لنفسه قد تناهى ... في الخطايا وكلّ فعل شنيع» ومنها [من البسيط] : «يا ربّ إنّ شفيعي من ذنوبي في ... يوم القيامة خير الخلق والنسم محمد خاتم الرسل المبلّغ لل ... دين الحنيفي والإسلام للأمم عليه منّي صلاة كلما سجع ال ... حمام فوق غصون البان والسّلم وبعد ذلك أعداد الجبال ورم ... ل الأرض والطير والحيتان والنّعم» ومنها [من المجتث] : «يا ربّ بلّغ سلامي ... لأحمد ذي الشّفاعه لخاتم الرّسل أعني ... إمام تلك الجماعه لأبهر الخلق مجدا ... يحكي الصباح نصاعه لمن صفات علاه ... تعجز أهل البراعه لمرشد بهداه ... قد فاز عبد أطاعه فزده يا ربّ فخرا ... وزد محبّيه طاعه» «١»

стр. 38

١٤ أبو إناس الديلي الكناني عمه سارية بن زنيم الذي قال فيه الخليفة عمر بن الخطاب (ض) : يا سارية الجبل الجبل. كان أبو إناس شاعرا وهو القائل لرسول الله ﷺ [من الطويل] : «تعلّم رسول الله أنك قادر ... على كل حاف من تهام ومنجد ومنها قوله: وما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبرّ وأوفى ذمّة من محمد» «١» ١٥ أبو بكر الصديق (ض) واسمه عبد الله بن أبي قحافة. خليفة رسول الله ﷺ ، وصاحب الماثر الكثيرة والمواقف الحاسمة التي كان لها أبعد الأثر في نصرة الدين. توفي عام ١٣ هـ/ ٦٣٤ م وله ثلاث وستون سنة. أخرج سيف والحاكم عن ابن عمر قال: «كان سبب موت أبي بكر وفاة رسول الله ﷺ ، كمد فما زال جسمه يجري حتى مات» . قال يرثي النبي ﷺ [من المتقارب] «يا عين فابكي ولا تسأمي ... وحقّ البكاء على السيد على خير خندف عند البلا ... ءأمسى يغيب في الملحد فصلّى المليك وليّ العباد ... وربّ البلاد على أحمد فكيف الحياة لفقد الحبيب ... وزين المعاشر في المشهد فليت الممات لنا كلنا ... وكنا جميعا مع المهتدي» وله أيضا [من الكامل] :

стр. 39

«وارتعت روعة مستهام واله ... والعظم مني واهن مكسور أعتيق ويحك إنّ حبّك قد ثوى ... وبقيت منفردا وأنت حسير يا ليتني من قبل مهلك صاحبي ... غيّبت في جدث عليّ صخور فلتحدثنّ بدائع من بعده ... تعيابهنّ جوانح وصدور» وله أيضا [من الوافر] : «أمين مصطفى بالخير يدعو ... كضوء البدر زايله الظلام» «١» ١٦ أبو بكر بن عبد الكريم الحلبي الشافعي المتوفى عام ٨٥٨ هـ/ ١٤٥٤ م. له عدة مدائح نبوية أشهرها القصيدة الوترية في مدح خير البرية «٢» . ١٧ أبو بكر بن علي بن عبد الله الشهير بابن حجة الحموي ولد بحماه عام ٧٦٧ هـ/ ١٣٦٥ م. زار القاهرة واجتمع بعلمائها وشعرائها ثم رجع إلى بلدته حيث ظل فيها حتى وفاته عام ٨٣٧ هـ/ ١٤٣٣ م. له عدة مؤلفات أهمها قصيدته البديعية وشرحها الذي سماه «خزانة الأدب» . ولتلك القصيدة وذلك الشرح أهمية عظيمة. أما القصيدة فلجودتها بين البديعيات، وأما الشرح فلجمعه طرائف كثيرة من أدب القرن الثامن الهجري. وتقع البديعية في مائة واثنين وأربعين بيتا، إهتم فيها الناظم بضروب البديع أكثر من اهتمامه بالمدح النبوي لذلك جاءت- في رأي البعض- خالية من النفحات الشعرية؛ وإنما ترجع أهميتها إلى الناحية التعليمية، ومطلعها [من البسيط] :

стр. 40

«لي في ابتدا مدحكم يا عرب ذي سلم ... براعة تستهلّ الدمع في العلم» وفي مديح الرسول ﷺ : «ومن غدا قسمه التشبيب في غزل ... حسن التخلص بالمختار من قسمي محمد ابن الذبيحين الأمين أبو ال ... بتول خير نبيّ في اطّرادهم عين الكمال كمال العين رؤيته ... يا عكس طرف من الكفار عنه عمي أبدى البديع له الوصف البديع وفي ... نظم البديع حلا ترديده بفمي» وله قصيدة نبوية أخرى «أمان الخائف» انصرف فيها إلى التعبير عن مشاعره نحو الرسول الكريم. ومطلعها [من الطويل] : «شدت بكم العشّاق لما ترنّموا ... فغنّوا وقد طاب المقام وزمزم» وفيها: «عسى وقفة أو قعدة لابن حجة ... على بابكم يسعى بها وهو محرم فقد جاء يشكو من ذنوب تعاظمت ... وقدرك في يوم الشفاعة أعظم وقد ناله في عنفوان شبابه ... هموم وسيف الهمّ للظّهر يقصم وعارضه قد شاب في زمن الصّبا ... عسى بك من ذا العارض الصعب يسلم فيا وردنا الصّافي طيور قلوبنا ... عليك إذا ما نابها الضّيم حوّم عليك سلام نشره كلّما بدا ... به يتغالى الطّيب والمسك يختم» «١» ١٨ أبو بكر بن محمد بن أبي بكر الحبيشي الأصل، الحلبي المنشأ والوفاة. بسطامي الطريقة. توفي ٩٣٠ هـ/ ١٥٢٣ م. صنف: تسلية النفوس الزكية بوفاة محمد ﷺ خير البرية- الكواكب الدرية في
следующие страницы →