Полный текст (1 166 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
جَمَاعَتُنَا فِي كُلّ وَجْهٍ، وَجَعَلَتْ الرّعْدَةُ تَسْحَقُنَا حَتّى لَحِقْنَا بِعَلْيَاءِ بِلَادِنَا، فَإِنْ كَانَ لَيُحْكَى عَنّا الْكَلَامُ مَا كُنّا نَدْرِي بِهِ، مِمّا كَانَ بِنَا مِنْ الرّعْبِ، فَقَذَفَ اللهُ الْإِسْلَامَ فِي قُلُوبِنَا.
وَكَانَتْ رَايَةُ الْأَحْلَافِ مِنْ ثَقِيفٍ مَعَ قَارِبِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمّا انْهَزَمَ النّاسُ أَسْنَدَ رَايَتَهُ إلَى شَجَرَةٍ وَهَرَبَ هُوَ وَبَنُو عَمّهِ مِنْ الْأَحْلَافِ، فَلَمْ يُقْتَلْ مِنْهُمْ إلّا رَجُلَانِ، مِنْ بَنِي غِيَرَةَ [ (١) ] ، وَهْبٌ وَاللّجْلَاجُ [ (٢) ] .
وَقَالَ النّبِيّ ﷺ حِينَ بَلَغَهُ قَتْلُ اللّجْلَاجِ: قُتِلَ الْيَوْمَ سَيّدُ شُبّانِ ثَقِيفٍ، إلّا مَا كَانَ مِنْ ابْنِ هُنَيْدَةَ. وَكَانَتْ رَايَةُ بَنِي مَالِكٍ مَعَ ذِي الْخِمَارِ، فَلَمّا انْهَزَمَتْ هَوَازِنُ تَبِعَهُمْ الْمُسْلِمُونَ، وَيُسْتَحْصَى الْقَتْلَى [ (٣) ] مِنْ ثَقِيفٍ بِبَنِي مَالِكٍ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ قَرِيبٌ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ تَحْتَ رَايَتِهِمْ، فِيهِمْ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، فَقَاتَلَ بِهَا مَلِيّا، وَجَعَلَ يَحُثّ ثَقِيفًا وَهَوَازِنَ عَلَى الْقِتَالِ حَتّى قُتِلَ، وَكَانَ اللّجْلَاجُ رَجُلًا مِنْ بَنِي كُنّةَ. وقال رسول الله ﷺ لِأَخِي بَنِي كُنّةَ:
هَذَا سَيّدُ شُبّانِ كُنّةَ إلّا ابْنَ هُنَيْدَةَ- الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بن يعمر بن إياس ابن أَوْسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَضْحَكُ. وَكَانَتْ كُنّةُ امْرَأَةً مِنْ غَامِدٍ يَمَانِيّةً قَدْ وُلِدَتْ فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَكَانَتْ أَمَةً، فَأَعْتَقَ الْحَارِثُ كُلّ مَمْلُوكٍ مِنْ بَنِي كُنّةَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁ فِي خِلَافَتِهِ: أَيَسُرّك أَنّ أَهْلَ بَيْتِ عَامِرِ بْنِ الطّفَيْلِ وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ مَكَانَ كُنّةَ؟ فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، لوددت أنّ ذلك стр. 947
كَذَلِكَ. فَقَالَ عُمَرُ: لَيْتَ أُمّي كُنّةُ وَأَنّ الله رزقني مِنْ بِرّهَا مَا رَزَقَك. وَكَانَ أَبَرّ النّاسِ بِأُمّهِ، مَا كَانَتْ تَأْكُلُ طَعَامًا إلّا مِنْ يَدِهِ، وَلَا يَغْسِلُ رَأْسَهَا إلّا هُوَ، وَلَا يُسَرّحُ [ (١) ] رَأْسَهَا إلّا هُوَ.
قَالُوا: وَهَرَبَتْ ثَقِيفٌ، فَقَالَ شُيُوخٌ مِنْهُمْ- أَسْلَمُوا بَعْدُ، كَانُوا قَدْ حَضَرُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ- قَالُوا: مَا زَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي طَلَبِنَا فِيمَا نَرَى، وَنَحْنُ مُوَلّونَ حَتّى إنّ الرّجُلَ مِنّا لَيَدْخُلُ حِصْنَ الطّائِفِ وَإِنّهُ لَيَظُنّ أَنّهُ عَلَى أَثَرِهِ، مِنْ رُعْبِ الْهَزِيمَةِ.
وَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ يُحَدّثُ قَالَ: لَمّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، فَرَأَيْت رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ، مُسْلِمًا وَمُشْرِكًا، قَدْ عَلَاهُ الْمُشْرِكُ، فَاسْتَدَرْت لَهُ حَتّى أَتَيْته مِنْ وَرَائِهِ فَضَرَبْته عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ، وَأَقْبَلَ عَلَيّ فَضَمّنِي ضَمّةً وَجَدْت مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ، وَكَادَ أَنْ يَقْتُلَنِي لَوْلَا أَنّ الدّمَ نَزَفَهُ، فَسَقَطَ وَذَفّفْتُ عَلَيْهِ وَمَضَيْت وَتَرَكْت عَلَيْهِ سَلَبَهُ، فَلَحِقْت عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ فَقُلْت: مَا بَالُ النّاسِ؟ قَالَ: أَمْرُ اللهِ. ثُمّ إنّ النّاسَ رَجَعُوا، وقال رسول الله ﷺ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ. قَالَ: فَقُمْت فَقُلْت: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمّ جَلَسْت، ثُمّ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ.
فَقُمْت فَقُلْت: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمّ جَلَسْت، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ.
فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ فَشَهِدَ لِي، ثُمّ لَقِيت الْأَسْوَدَ بْنَ الْخُزَاعِيّ فَشَهِدَ لِي، وَإِذَا صَاحِبِي الّذِي أَخَذَ السّلَبَ لَا يُنْكِرُ أَنّي قَتَلْته- وَقَدْ قَصَصْت عَلَى النّبِيّ ﷺ الْقِصّةَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، سَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي فَأَرْضِهِ مِنّي. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: لَاهَا اللهِ إذا [ (٢) ] ، стр. 948
لَا تَعْمِدْ إلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللهِ وَعَنْ رَسُولِهِ، يُعْطِيك سَلَبَهُ! فقال رسول الله ﷺ : صَدَقَ، فَأَعْطِهِ إيّاهُ.
قَالَ أَبُو قَتَادَةَ:
فَأَعْطَانِيهِ، فَقَالَ لِي حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أَتَبِيعُ السّلَاحَ؟
فَبِعْته مِنْهُ بِسَبْعِ أَوَاقٍ، فَأَتَيْت الْمَدِينَةَ فَاشْتَرَيْت بِهِ مَخْرَفًا [ (١) ] فِي بَنِي سَلِمَةَ يُقَالُ لَهُ الرّدَيْنِيّ، فَإِنّهُ لَأَوّلُ مَالٍ لِي نِلْته فِي الْإِسْلَامِ، فَلَمْ نَزَلْ نَعِيشُ مِنْهُ إلَى يَوْمِنَا هَذَا.
وَكَانَ شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ قَدْ تَعَاهَدَ هُوَ وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ حِينَ وُجّهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى حُنَيْنٍ- وَكَانَ أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ قُتِلَ يَوْمَ بَدْر، وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ- فَكَانَا تَعَاهَدَا إنْ رَأَيَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ دَائِرَةً أَنْ يَكُونَا عَلَيْهِ، وَهُمَا خَلْفَهُ.
قَالَ شَيْبَةُ: فَأَدْخَلَ اللهُ الْإِيمَانَ قُلُوبَنَا. قَالَ شَيْبَةُ: لَقَدْ هَمَمْت بِقَتْلِهِ، فَأَقْبَلَ شَيْءٌ حَتّى تَغَشّى فُؤَادِي فَلَمْ أُطِقْ ذَلِكَ، وَعَلِمْت أَنّهُ قَدْ مُنِعَ مِنّي.
وَيُقَالُ: قَالَ: غَشِيَتْنِي ظُلْمَةٌ حَتّى لَا أُبْصِرُ، فَعَرَفْت أَنّهُ مُمْتَنِعٌ مِنّي وَأَيْقَنْت بِالْإِسْلَامِ. وَقَدْ سَمِعْت فِي قِصّةِ شَيْبَةَ وَجْهًا آخَرَ، كَانَ شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ يَقُولُ:
لَمّا رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ غَزَا مَكّةَ فَظَفِرَ بِهَا وَخَرَجَ إلَى هَوَازِنَ، قُلْت: أَخْرُجُ لَعَلّي أُدْرِكُ ثَأْرِي! وَذَكَرْت قَتْلَ أَبِي يَوْمَ أُحُدٍ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ، وَعَمّي قَتَلَهُ عَلِيّ. قَالَ: فَلَمّا انْهَزَمَ أَصْحَابُهُ جِئْته عَنْ يَمِينِهِ، فَإِذَا الْعَبّاسُ قَائِمٌ، عَلَيْهِ دِرْعٌ بَيْضَاءُ كَالْفِضّةِ يَنْكَشِفُ عَنْهَا الْعَجَاجُ [ (٢) ] ، فَقُلْت: عَمّهُ لَنْ يَخْذُلَهُ! قَالَ: ثُمّ جِئْته عَنْ يَسَارِهِ فَإِذَا بِأَبِي سُفْيَانَ ابن عمّه، فقلت: стр. 949
ابْنُ عَمّهِ لَنْ يَخْذُلَهُ! فَجِئْته مِنْ خَلْفِهِ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أُسَوّرُهُ [ (١) ] بِالسّيْفِ إذْ رُفِعَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ شُوَاظٌ [ (٢) ] مِنْ نَارٍ كَأَنّهُ بَرْقٌ، وَخِفْت أَنْ يَمْحَشَنِي [ (٣) ] وَوَضَعْت يَدَيّ عَلَى بَصَرِي وَمَشَيْت الْقَهْقَرَى، وَالْتَفَتَ إلَيّ فَقَالَ: يَا شَيْبَ، اُدْنُ مِنّي! فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي وَقَالَ: اللهُمّ، أَذْهِبْ عَنْهُ الشّيْطَانَ! قَالَ: فَرَفَعْت إلَيْهِ رَأْسِي وَهُوَ أَحَبّ إلَيّ مِنْ سَمْعِي وَبَصَرِي وَقَلْبِي، ثُمّ قَالَ:
يَا شَيْبَ، قَاتِلْ الْكُفّارَ! فَقَالَ: فَتَقَدّمْت بَيْنَ يَدَيْهِ أُحِبّ وَاَللهِ أَقِيهِ بِنَفْسِي وَبِكُلّ شَيْءٍ، فَلَمّا انْهَزَمَتْ هَوَازِنُ رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ، وَدَخَلْت عَلَيْهِ فَقَالَ: الْحَمْدُ لله الذي أراد بك خيرا ممّا أراد. ثُمّ حَدّثَنِي بِمَا هَمَمْت بِهِ.
فَلَمّا كَانَتْ الْهَزِيمَةُ حَيْثُ كَانَتْ، وَالدّائِرَةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَتَكَلّمُوا بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ الْكُفْرِ وَالضّغْنِ وَالْغِشّ، قال أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: لَا تَنْتَهِي هَزِيمَتُهُمْ دُونَ الْبَحْرِ! قَالَ: يَقُولُ رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهُ أَبُو مَقِيتٍ:
أَمَا وَاَللهِ، لَوْلَا أني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن فتلك لَقَتَلْتُك! وَقَالَ: صَرَخَ كَلَدَةُ بْنُ الْحَنْبَلِ [ (٤) ] ، وَهُوَ كَلَدَةُ بْنُ الْحَنْبَلِ أَخُو صَفْوَانَ لِأُمّهِ، أَسْوَدُ مِنْ سُودَانِ مَكّةَ، أَلَا بَطَلَ السّحْرُ الْيَوْمَ! فَقَالَ صَفْوَانُ:
اُسْكُتْ، فَضّ اللهُ فَاك! لَأَنْ يَرُبّنِي رَبّ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبّ إلَيّ مِنْ أَنْ يَرُبّنِي رَبّ مِنْ هَوَازِنَ. قَالَ: وَقَالَ سهيل بن عمرو: لا يجتبرها [ (٥) ] محمّد стр. 950
وَأَصْحَابُهُ! قَالَ: يَقُولُ لَهُ عِكْرِمَةُ: هَذَا لَيْسَ بِقَوْلٍ، وَإِنّمَا الْأَمْرُ بِيَدِ اللهِ، وَلَيْسَ إلَى مُحَمّدٍ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ! إنْ أُدِيلَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ فَإِنّ لَهُ الْعَاقِبَةَ غَدًا. قَالَ:
يَقُول سُهَيْلٌ: إنّ عَهْدَك بِخِلَافِهِ لَحَدِيثٌ! قَالَ: يَا أَبَا يَزِيدَ، إنّا كُنّا وَاَللهِ نُوضِعُ فِي غَيْرِ شَيْءٍ وَعُقُولُنَا عُقُولُنَا، نَعْبُدُ الْحَجَرَ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرّ! قَالَ: حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: حَضَرَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بِأَفْرَاسٍ وَعَبِيدٍ وَمَوَالٍ، فَقُتِلُوا يَوْمَئِذٍ مَعَهُ، وَقُتِلَ مَعَهُ غُلَامٌ لَهُ نَصْرَانِيّ أَغْرَلُ [ (١) ] ، فَبَيْنَا طَلْحَةُ يَسْلُبُ الْقَتْلَى مِنْ ثَقِيفٍ إذْ مَرّ بِهِ فَوَجَدَهُ أَغْرَلَ، فَصَاحَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَحْلِفُ بِاَللهِ أَنّ ثَقِيفًا غُرْلٌ مَا تَخْتَتِنُ [ (٢) ] ! قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: وَسَمِعْتهَا وَخَشِيت أَنْ يَذْهَبَ عَلَيْنَا مِنْ الْعَرَبِ، فَقُلْت:
لَا تَفْعَلْ، فِدَاك أَبِي وَأُمّي، إنّمَا هُوَ غُلَامٌ لَنَا نَصْرَانِيّ! ثُمّ جَعَلْت أَكْشِفُ لَهُ عَنْ قَتْلَى ثَقِيفٍ، فَأَقُولُ: أَلَا تَرَاهُمْ مُخْتَتَنِينَ؟ وَيُقَالُ: إنّ الْعَبْدَ كَانَ لِذِي الْخِمَارِ وَكَانَ نَصْرَانِيّا أَزْرَقَ، فَقُتِلَ مَعَ سَيّدِهِ يومئذ. وكان أبو طلحة الْخِمَارِ وَكَانَ نَصْرَانِيّا أَزْرَقَ، فَقُتِلَ مَعَ سَيّدِهِ يَوْمَئِذٍ. وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ يَسْلُبُ الْقَتْلَى، فَجَرّدَهُ فَإِذَا هُوَ أَغْرَلُ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ لِلْأَنْصَارِ فَأَقْبَلُوا إلَيْهِ، فَقَالَ: أَحْلِفُ بِاَللهِ مَا تَخْتَتِنُ ثَقِيفٌ! وَسَمِعَهَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ. قَالَ: فَقَالَ: أُرِيك يَا أَبَا طَلْحَةَ! فَجَرّدَ لَهُ عُثْمَانَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبِيعَةَ، فَقَالَ: هَذَا سَيّدُ ثَقِيفٍ! ثُمّ أَتَى إلَى ذِي الْخِمَارِ سَيّدِ الْعَبْدِ، فَإِذَا هُوَ مَخْتُونٌ.
قَالَ الْمُغِيرَةُ: وَجَاءَنِي أَمْرٌ قَطَعَنِي، وَخَشِيت أَنْ تَسِيرَ عَلَيْنَا فِي الْعَرَبِ، حَتّى أَبْصَرَ القوام وعرفوا أنه عبد الهم نَصْرَانِيّ. وَكَانَ الّذِي قَتَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَبْدِ اللهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ، فَبَلَغَ النبىّ ﷺ فقال: стр. 951
يَرْحَمُ اللهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيّةَ! وَأَبْعَدَ اللهُ عُثْمَانَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبِيعَةَ، فَإِنّهُ كَانَ يُبْغِضُ قُرَيْشًا! قَالَ: وَكَانَ دُعَاءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِعَبْدِ اللهِ بِرَحْمَةِ اللهِ، فَبَلَغَهُ فَقَالَ: إنّي لَأَرْجُو أَنْ يَرْزُقَنِي اللهُ الشّهَادَةَ فِي وَجْهِي هَذَا! فَقُتِلَ فِي حِصَارِ الطّائِفِ. وَقَالَ النّبِيّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ: لَوْلَا ابْنُ جَثّامَةَ الْأَصْغَرُ لَفُضِحَتْ الْخَيْلُ الْيَوْمَ. وَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ خُزَاعَةَ يَوْمَ حُنَيْنٍ:
إنّ مَاءَ حُنَيْنٍ لَنَا فَخَلّوهْ ... إنْ تَشْرَبُوا مِنْهُ فَلَنْ تَعْلُوهْ
هَذَا رَسُولُ اللهِ لَنْ يَعْلُوهْ
أَنْشَدَنِيهَا ابْنُ جَعْفَرٍ. [وَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ... ] [ (١) ]
غَلَبَتْ خَيْلُ اللهِ خَيْلَ اللّاتِ ... وَاَللهُ أَحَقّ بِالثّبَاتِ
وكان رسول الله ﷺ قَدْ قَدّمَ سُلَيْمًا فِي مُقَدّمَتِهِ، عَلَيْهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَمَرّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ وَالنّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: امْرَأَةٌ قَتَلَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ سلّم رَجُلًا يُدْرِكُ خَالِدًا فَقَالَ: إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنْهَاك أَنْ تَقْتُلَ امْرَأَةً أَوْ عَسِيفًا [ (٢) ] . وَرَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ امْرَأَةً أُخْرَى فَسَأَلَ عَنْهَا فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا قَتَلْتهَا يَا رَسُولَ اللهِ، أَرْدَفْتهَا وَرَائِي فَأَرَادَتْ قَتْلِي فَقَتَلْتهَا. فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَدُفِنَتْ.
قالوا: لمّا هزم الله تعالى هوازن اتّبَعَهُمْ الْمُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَهُمْ، فَنَادَتْ بَنُو سُلَيْمٍ بَيْنَهَا: ارْفَعُوا عَنْ بَنِي أُمّكُمْ الْقَتْلَ! فَرَفَعُوا الرّمَاحَ وَكَفّوا عَنْ الْقَتْلِ- وَأُمّ سُلَيْمٍ، بُكْمَةُ ابْنَةُ مُرّةَ أُخْتُ تَمِيمِ بْنِ مُرّةَ- فَلَمّا رَأَى رسول الله стр. 952
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الّذِي صَنَعُوا قَالَ: اللهُمّ، عَلَيْك بِبَنِي بُكْمَةَ- وَلَا يَشْعُرُونَ أَنّ لَهُمْ أُمّا اسْمُهَا بُكْمَةُ- أَمّا فِي قَوْمِي فَوَضَعُوا السّلَاحَ وَضْعًا، وَأَمّا عَنْ قَوْمِهِمْ فَرَفَعُوا رَفْعًا! وَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِطَلَبِ الْقَوْمِ، ثُمّ قَالَ لِخَيْلِهِ: إنْ قَدَرْتُمْ عَلَى بِجَادٍ فَلَا يُفْلِتَنّ مِنْكُمْ! وَقَدْ كَانَ أَحْدَثَ حَدَثًا عَظِيمًا، وَكَانَ مِنْ بَنِي سَعْدٍ، وَكَانَ قَدْ أَتَاهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، فَأَخَذَهُ بِجَادٌ فَقَطّعَهُ عُضْوًا عُضْوًا ثُمّ حَرّقَهُ بِالنّارِ، فَكَانَ قَدْ عُرِفَ جُرْمُهُ فَهَرَبَ. فَأَخَذَتْهُ الْخَيْلُ، فَضَمّوهُ إلَى الشّيْمَاءِ [ (١) ] بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى أُخْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الرّضَاعَةِ، فَعَنّفُوا عَلَيْهَا فِي السّيَاقِ، فَجَعَلَتْ الشّيْمَاءُ بِنْتُ الْحَارِثِ تَقُولُ: إنّي وَاَللهِ أُخْتُ صَاحِبِكُمْ! وَلَا يُصَدّقُوهَا، وَأَخَذَهَا طَائِفَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَكَانُوا أَشَدّ النّاسِ عَلَى هَوَازِنَ، حَتّى أَتَوْا بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا مُحَمّدُ، إنّي أُخْتُك! قَالَ النّبِيّ ﷺ : وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ فَأَرَتْهُ عَضّةً [وَقَالَتْ] : عَضَضْتَنِيهَا وَأَنَا مُتَوَرّكَتُك [ (٢) ] بِوَادِي السّرَرِ [ (٣) ] ، وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ بِرِعَائِهِمْ، أَبُوك أَبِي وَأُمّك أُمّي، قَدْ نَازَعْتُك الثّدْيَ، وَتَذَكّرْ يَا رَسُولَ اللهِ ... [ (٤) ] فَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعَلَامَةَ، فَوَثَبَ قَائِمًا فَبَسَطَ رِدَاءَهُ، ثُمّ قَالَ: اجْلِسِي عَلَيْهِ!
وَرَحّبَ بِهَا، وَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ، وَسَأَلَهَا عَنْ أُمّهِ وَأَبِيهِ مِنْ الرّضَاعَةِ، فَأَخْبَرَتْهُ بِمَوْتِهِمَا فِي الزّمَانِ.
ثُمّ قَالَ: إنْ أَحْبَبْت فَأَقِيمِي عِنْدَنَا مُحَبّةً مُكَرّمَةً، وَإِنْ أحببت أن ترجعى стр. 953
إلَى قَوْمِك وَصِلَتِك رَجَعْت إلَى قَوْمِك. قَالَتْ: أَرْجِعُ إلَى قَوْمِي. وَأَسْلَمَتْ فَأَعْطَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ وَجَارِيَةً، أَحَدُهُمْ يُقَالُ لَهُ: مَكْحُولٌ، فَزَوّجُوهُ الْجَارِيَةَ.
قَالَ عَبْدُ الصّمَدِ: أَخْبَرَنِي أَبِي أَنّهُ أَدْرَكَ نَسْلَهَا فِي بَنِي سَعْدٍ، وَرَجَعَتْ الشّيْمَاءُ إلَى مَنْزِلِهَا وَكَلّمَهَا النّسْوَةُ فِي بِجَادٍ، فَرَجَعَتْ إلَيْهِ فَكَلّمَتْهُ أَنّهُ يَهَبُهُ لَهَا وَيَعْفُو عَنْهُ. فَفَعَلَ ثُمّ أَمَرَ لَهَا بِبَعِيرٍ أَوْ بَعِيرَيْنِ، وَسَأَلَهَا: مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ؟
فَأَخْبَرَتْهُ بِأُخْتِهَا وَأَخِيهَا وَبِعَمّهَا أَبِي بُرْقَانَ، وَأَخْبَرَتْهُ بِقَوْمٍ سَأَلَهَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمّ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : ارْجِعِي إلَى الْجِعِرّانَةِ تَكُونِينَ مَعَ قَوْمِك، فَإِنّي أَمْضِي إلى الطائف
فرجعت إلى الجعرّانة، وأناها رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْجِعِرّانَةِ فَأَعْطَاهَا نَعَمًا وَشَاءً لَهَا، وَلِمَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهَا.
قَالُوا: وَلَمّا انْهَزَمَ النّاسُ أَتَوْا الطّائِفَ، وَعَسْكَرَ عَسْكَرٌ بِأَوْطَاسٍ، وَتَوَجّهَ بَعْضُهُمْ نَحْوَ نَخْلَةَ وَلَمْ يَكُنْ فِيمَنْ تَوَجّهَ [إلَى] نَخْلَةَ إلّا بَنُو عَنَزَةَ مِنْ ثَقِيفٍ.
فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْلًا تَتْبَعُ مَنْ سَلَكَ نَخْلَةَ، وَلَمْ تَتْبَعْ مَنْ سَلَكَ الثّنَايَا وَيُدْرِكُ رَبِيعَةُ بْنُ رُفَيْعِ بْنِ أُهْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ سَمّالِ [ (١) ] بْنِ عَوْفِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ دُرَيْدَ بْنَ الصّمّةِ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ جَمَلِهِ وَهُوَ يَظُنّ أَنّهُ امْرَأَةٌ، وَذَلِكَ أَنّهُ كان فى شجار [ (٢) ] له، стр. 954
فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ فَأَنَاخَ بِهِ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ ابْنُ سِتّينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ، فَإِذَا هُوَ دُرَيْدٌ وَلَا يَعْرِفُهُ الْغُلَامُ. قَالَ الْفَتَى: مَا أُرِيدُ إلَى غَيْرِهِ مِمّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ دِينِهِ.
قَالَ لَهُ دُرَيْدٌ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا رَبِيعَةُ بْنُ رُفَيْعٍ السّلَمِيّ. قَالَ: فَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ فَلَمْ يُغْنِ شَيْئًا. قَالَ دُرَيْدٌ: بِئْسَ مَا سَلّحَتْك أُمّك! خُذْ سَيْفِي مِنْ وَرَاءِ الرّحْلِ فِي الشّجَارِ فَاضْرِبْ بِهِ وَارْفَعْ عَنْ الطعام واخفض عن الدّماغ، فإن كُنْت كَذَلِكَ أَقْتُلُ الرّجَالَ، ثُمّ إذَا أَتَيْت أُمّك فَأَخْبِرْهَا أَنّك قَتَلْت دُرَيْدَ بْنَ الصّمّةِ، فَرَبّ يَوْمٍ قَدْ مَنَعْت [ (١) ] فِيهِ نِسَاءَك! زَعَمَتْ بَنُو سُلَيْمٍ أَنّ رَبِيعَةَ لَمّا ضَرَبَهُ تَكَشّفَ لِلْمَوْتِ عِجَانُهُ [ (٢) ] ، وَبُطُونُ فَخِذَيْهِ مِثْلَ الْقَرَاطِيسِ مِنْ رُكُوبِ الْخَيْلِ. فَلَمّا رَجَعَ رَبِيعَةُ إلَى أُمّهِ أَخْبَرَهَا بِقَتْلِهِ إيّاهُ فَقَالَتْ: وَاَللهِ لَقَدْ أَعْتَقَ أُمّهَاتٍ لَك ثَلَاثًا فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَجَزّ نَاصِيَةَ أَبِيك. قَالَ الْفَتَى:
لَمْ أَشْعُرْ.
قَالُوا: وكان رسول الله ﷺ قَدْ بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ الْأَشْعَرِيّ فِي آثَارِ مَنْ تَوَجّهَ إلَى أَوْطَاسٍ، وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً، فَكَانَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ الْبَعْثِ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ، فَكَانَ يُحَدّثُ يَقُولُ: لَمّا انْهَزَمَتْ هَوَازِنُ عَسْكَرُوا بِأَوْطَاسٍ عَسْكَرًا عَظِيمًا، تَفَرّقَ مِنْهُمْ مَنْ تَفَرّقَ، وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ، وَأُسِرَ مَنْ أُسِرَ، فَانْتَهَيْنَا إلَى عَسْكَرِهِمْ فَإِذَا هُمْ مُمْتَنِعُونَ [ (٣) ] ، فَبَرَزَ رَجُلٌ فَقَالَ: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَبَرَزَ لَهُ أَبُو عَامِرٍ، فَقَالَ: اللهُمّ اشْهَدْ! فَقَتَلَهُ أَبُو عَامِرٍ حَتّى قَتَلَ تِسْعَةً كَذَلِكَ، فَلَمّا كَانَ التّاسِعُ بَرَزَ لَهُ رَجُلٌ مُعْلِمٌ يَنْحُبُ [ (٤) ] لِلْقِتَالِ، وَبَرَزَ لَهُ أَبُو عَامِرٍ فَقَتَلَهُ، فَلَمّا كَانَ الْعَاشِرُ بَرَزَ رَجُلٌ مُعْلِمٌ بِعِمَامَةٍ صَفْرَاءَ، فَقَالَ أَبُو عامر: اللهمّ стр. 955
اشْهَدْ! قَالَ: يَقُولُ الرّجُلُ: اللهُمّ لَا تَشْهَدْ! فَضَرَبَ أَبَا عَامِرٍ فَأَثْبَتَهُ، فَاحْتَمَلْنَاهُ وَبِهِ رَمَقٌ، وَاسْتَخْلَفَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَأَخْبَرَ أَبُو عَامِرٍ أَبَا مُوسَى أَنّ قَاتِلَهُ صَاحِبُ الْعِمَامَةِ الصّفْرَاءِ.
قَالُوا: وَأَوْصَى أَبُو عَامِرٍ إلَى أَبِي مُوسَى، وَدَفَعَ إلَيْهِ الرّايَةَ وَقَالَ: ادْفَعْ فَرَسِي وَسِلَاحِي لِلنّبِيّ ﷺ .
فَقَاتَلَهُمْ أَبُو مُوسَى حَتّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ، وَقَتَلَ قَاتِلَ أَبِي عَامِرٍ، وَجَاءَ بِسِلَاحِهِ وَتَرِكَتِهِ وَفَرَسِهِ إلَى النّبِيّ ﷺ ، وَقَالَ: إنّ أَبَا عَامِرٍ أَمَرَنِي بِذَلِكَ، وَقَالَ: قُلْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْتَغْفِرُ لِي. فقام رسول الله ﷺ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ ثُمّ قَالَ: اللهُمّ اغْفِرْ لِأَبِي عَامِرٍ، وَاجْعَلْهُ مِنْ أَعْلَى أُمّتِي فِي الْجَنّةِ! وَأَمَرَ بِتَرِكَةِ أَبِي عَامِرٍ فَدُفِعَتْ إلَى ابْنِهِ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو مُوسَى: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّي أَعْلَمُ أَنّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لِأَبِي عَامِرٍ، قُتِلَ شَهِيدًا، فَادْعُ اللهَ لِي. فَقَالَ: اللهُمّ اغْفِرْ لِأَبِي مُوسَى، وَاجْعَلْهُ فِي أَعْلَى أُمّتِي!
فَيَرَوْنَ أَنّ ذَلِكَ وَقَعَ يَوْمَ الْحَكَمَيْنِ.
قَالُوا: وَاسْتَحَرّ الْقَتْلُ فِي بَنِي نَصْرٍ، ثُمّ فِي بَنِي رِبَابٍ [ (١) ] ، فَجَعَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ قَيْسٍ- وَكَانَ مُسْلِمًا- يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتْ بَنُو رِبَابٍ.
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اللهُمّ، اُجْبُرْ مُصِيبَتَهُم!
وَوَقَفَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ عَلَى ثَنِيّةٍ مِنْ الثّنَايَا مَعَهُ فُرْسَانٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ.
قِفُوا حَتّى يَمْضِيَ ضُعَفَاؤُكُمْ تَلْتَمّ أُخْرَاكُمْ. وَقَالَ: اُنْظُرُوا مَاذَا تَرَوْنَ. قَالُوا:
نَرَى قَوْمًا عَلَى خُيُولِهِمْ وَاضِعِينَ رِمَاحَهُمْ عَلَى آذَانِ خُيُولِهِمْ. قَالَ: أُولَئِكَ إخْوَانُكُمْ بَنُو سُلَيْمٍ، وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ بَأْسٌ، انظروا ماذا ترون. قالوا: стр. 956
نَرَى رِجَالًا أَكْفَالًا [ (١) ] ، قَدْ وَضَعُوا رِمَاحَهُمْ عَلَى أَكْفَالِ [ (٢) ] خُيُولِهِمْ. قَالَ:
تِلْكَ الْخَزْرَجُ، وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ بَأْسٌ، وَهُمْ سَالِكُونَ طَرِيقَ إخْوَانِهِمْ. قَالَ:
اُنْظُرُوا مَاذَا تَرَوْنَ. قَالُوا: نَرَى أَقْوَامًا كَأَنّهُمْ الْأَصْنَامُ عَلَى الْخَيْلِ. قَالَ:
تِلْكَ كَعْبُ بْنُ لُؤَيّ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكُمْ! فَلَمّا غَشِيَتْهُ الْخَيْلُ نَزَلَ عن فرسه مَخَافَةَ أَنْ يُؤْسَرَ، ثُمّ طَفِقَ يَلُوذُ بِالشّجَرِ حَتّى سَلَكَ فِي يَسُومَ، جَبَلٌ بِأَعْلَى نَخْلَةَ، فَأَعْجَزَهُمْ هَارِبًا. وَيُقَالُ: قَالَ: مَا تَرَوْنَ؟ قَالُوا: نَرَى رَجُلًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ مُعْلِمًا بِعِصَابَةٍ صَفْرَاءَ، يَخْبِطُ بِرِجْلَيْهِ فِي الْأَرْضِ، وَاضِعًا رُمْحَهُ عَلَى عَاتِقِهِ. قَالَ: ذَلِكَ ابْنُ صَفِيّةَ، الزّبَيْر، وَاَيْمُ اللهِ لَيُزِيلَنّكُمْ عَنْ مَكَانِكُمْ! فَلَمّا بَصُرَ بِهِمْ الزّبَيْرُ حَمَلَ عَلَيْهِمْ حَتّى أَهْبَطَهُمْ مِنْ الثّنِيّةِ، وَهَرَبَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ فَتَحَصّنَ فِي قَصْرٍ بِلِيّةَ [ (٣) ] . وَيُقَالُ: دَخَلَ حِصْنَ ثَقِيفٍ.
وَذُكِرَ لِلنّبِيّ ﷺ أَنّ رَجُلًا كَانَ بِحُنَيْنٍ قَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا حَتّى اشْتَدّ بِهِ الْجِرَاحُ. فَذُكِرَ لِلنّبِيّ ﷺ فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ النّارِ! فَارْتَابَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا اللهُ بِهِ عَلِيمٌ، فَلَمّا اشْتَدّ بِهِ الْجِرَاحُ أَخَذَ مِشْقَصًا [ (٤) ] مِنْ كِنَانَتِهِ فَانْتَحَرَ بِهِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلَالًا أَنْ يُنَادِيَ: أَلَا لَا دَخَلَ الْجَنّةَ إلّا مُؤْمِنٌ، وَأَنّ اللهَ يُؤَيّدُ الدّينَ بِالرّجُلِ الْفَاجِر.
قَالُوا: وَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْغَنَائِمِ تجمع، ونادى مناديه: стр. 957
مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَغُلّ! وَجَعَلَ النّاسُ غَنَائِمَهُمْ فِي مَوْضِعٍ حَتّى اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهَا. وَكَانَ عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ دَخَلَ عَلَى زَوْجَتِهِ وَسَيْفُهُ مُتَلَطّخٌ دَمًا، فَقَالَتْ: إنّي قَدْ عَلِمْت أَنّك قَدْ قَاتَلْت الْمُشْرِكِينَ، فَمَاذَا أَصَبْت مِنْ غَنَائِمِهِمْ؟ قَالَ: هَذِهِ الْإِبْرَةَ تَخِيطِينَ بِهَا ثِيَابَك، فَدَفَعَهَا إلَيْهَا، وَهِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. فَسَمِعَ مُنَادِيَ رسول الله ﷺ يقول: مَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ الْمَغْنَمِ فَلْيَرُدّهُ. فَرَجَعَ عَقِيلٌ فَقَالَ: وَاَللهِ مَا أَرَى إبْرَتَك إلّا قَدْ ذَهَبَتْ. فَأَلْقَاهَا فِي الْغَنَائِمِ.
قَالَ: حَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيّةَ، أَنّ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ الْمَازِنِيّ أَخَذَ يَوْمَئِذٍ قَوْسًا فَرَمَى عَلَيْهَا الْمُشْرِكِينَ، ثُمّ رَدّهَا فِي الْمَغْنَمِ. وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى النّبِيّ ﷺ بِكُبّةِ [ (١) ] شَعْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اضْرِبْ بِهَذِهِ! أَيْ دَعْهَا [ (٢) ] لِي. فقال رسول الله ﷺ : أَمّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ فَهُوَ لَك. وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا الْحَبْلُ وَجَدْته حَيْثُ انْهَزَمَ الْعَدُوّ فَأَشُدّ بِهِ عَلَى رَحْلِي؟ قَالَ: نَصِيبِي مِنْهُ لَك، وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِأَنْصِبَاءِ الْمُسْلِمِينَ؟
قَالَ: فَحَدّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن عبد الله ابن الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، أَنّ النّبِيّ ﷺ أَتَى النّاسَ عَامَ حُنَيْنٍ فِي قَبَائِلِهِمْ يَدْعُو لَهُمْ، وَأَنّهُ نَزَلَ قَبِيلَةً مِنْ الْقَبَائِلِ وَجَدُوا فِي بَرْذَعَةِ [ (٣) ] .
رَجُلٍ مِنْهُمْ عِقْدًا مِنْ جَزَعٍ غُلُولًا، فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ стр. 958
فَكَبّرَ عَلَيْهِمْ كَمَا يُكَبّرُ عَلَى الْمَيّتِ.
قَالَ: حَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيّةَ، أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَجَدَ فِي رَحْلِ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ غُلُولًا فَبَكّتَهُ وَلَامَهُ، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَلَمْ يَخْرِقْ رَحْلَهُ.
قَالُوا: وَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ سَبَايَا يَوْمَئِذٍ، فَكَانُوا يَكْرَهُونَ يَقَعُوا عَلَيْهِنّ وَلَهُنّ أَزْوَاجٌ، فَسَأَلُوا النّبِيّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللهُ:
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [ (١) ] . وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ: لَا تُوطَأُ حَامِلٌ مِنْ السّبْيِ حَتّى تَضَعَ حَمْلَهَا، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتّى تَحِيضَ حَيْضَةً. وَسَأَلُوا النّبِيّ ﷺ يَوْمَئِذٍ عَنْ الْعَزْلِ، فَقَالَ: لَيْسَ من كلّ الماء يكون الْوَلَدِ، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ.
قَالُوا: وَصَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الظّهْرَ يَوْمًا بِحُنَيْنٍ، ثُمّ تَنَحّى إلَى شَجَرَةٍ فَجَلَسَ إلَيْهَا. فَقَامَ إليه عيينة بن حص بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ يَطْلُبُ بِدَمِ عَامِرِ بْنِ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيّ- وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيّدُ قُرَيْشٍ- وَمَعَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، يَدْفَعُ عَنْ مُحَلّمِ بْنِ جَثّامَةَ لِمَكَانِهِ مِنْ خِنْدِفَ، فَاخْتَصَمَا بَيْنَ يَدَيْ النّبِيّ ﷺ ، وَعُيَيْنَةُ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَا وَاَللهِ لَا أَدَعُهُ حَتّى أُدْخِلَ عَلَى نِسَائِهِ مِنْ الْحَرْبِ وَالْحَزَنِ مَا أَدْخَلَ عَلَى نِسَائِي. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : تَأْخُذُ الدّيَةَ؟ وَيَأْبَى عُيَيْنَةُ، فَارْتَفَعَتْ الْأَصْوَاتُ وَكَثُرَ اللّغَطُ إلَى أَنْ قَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ يُقَالُ لَهُ مُكَيْتَلٌ، قَصِيرٌ، مُجْتَمِعٌ، عَلَيْهِ شِكّةٌ [ (٢) ] كَامِلَةٌ، ودرقة فى يده، فقال: يا رسول стр. 959
اللهِ، إنّي لَمْ أَجِدْ لِمَا فَعَلَ هَذَا شَبَهًا فِي غُرّةِ [ (١) ] الْإِسْلَامِ إلّا غَنَمًا وَرَدَتْ فَرُمِيَتْ أُولَاهَا، فَنَفَرَتْ أُخْرَاهَا [ (٢) ] ، فَاسْنُنْ الْيَوْمَ وَغَيّرْ غَدًا [ (٣) ] فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ فَقَالَ: تَقْبَلُونَ الدّيَةَ خَمْسِينَ فِي فَوْرِنَا هَذَا وَخَمْسِينَ إذَا رَجَعْنَا الْمَدِينَةَ! فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْقَوْمِ حَتّى قَبِلُوهَا.
وَمُحَلّمُ بْنُ جَثّامَةَ الْقَاتِلُ فِي طَرَفِ النّاسِ، فَلَمْ يَزَالُوا يَرَوْنَهُ وَيَقُولُونَ:
ايتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَغْفِرُ لَك. فَقَامَ مُحَلّمٌ فَقَامَ رَجُلٌ طَوِيلٌ، آدَمُ [ (٤) ] ، مُحْمَرّ بِالْحِنّاءِ، عَلَيْهِ حُلّةٌ، قَدْ كَانَ تَهَيّأَ فِيهَا لِلْقَتْلِ لِلْقِصَاصِ، حَتّى جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ النّبِيّ ﷺ وَعَيْنَاهُ تَدْمَعَانِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ كَانَ مِنْ الْأَمْرِ الّذِي بَلَغَكُمْ، فَإِنّي أَتُوبُ إلَى اللهِ تَعَالَى فَاسْتَغْفِرْ لِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا اسْمُك؟ قَالَ:
أَنَا مُحَلّمُ بْنُ جَثّامَةَ. قَالَ: قَتَلْته بِسِلَاحِك فِي غُرّةِ الْإِسْلَامِ! اللهُمّ، لَا تَغْفِرْ لِمُحَلّمٍ! بِصَوْتٍ عَالٍ يَتَفَقّدُ بِهِ النّاسَ. قَالَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ كَانَ الّذِي بَلَغَك، وَإِنّي أَتُوبُ إلَى اللهِ تَعَالَى فَاسْتَغْفِرْ لِي. فَعَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَوْتٍ عَالٍ يَتَفَقّدُ بِهِ النّاسَ: اللهُمّ، لَا تَغْفِرْ لِمُحَلّمٍ! حَتّى كَانَتْ الثّالِثَةُ. قَالَ: فَعَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمَقَالَتِهِ. ثُمّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قُمْ!
فَقَامَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ رسول الله ﷺ ، وهو يتلقّى دمعه بفضل ردائه. وكان ضمرة стр. 960
السّلَمِيّ يُحَدّثُ وَكَانَ قَدْ حَضَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، قَالَ: كُنّا نَتَحَدّثُ فِيمَا بَيْنَنَا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَرّكَ شَفَتَيْهِ بِاسْتِغْفَارٍ لَهُ، وَلَكِنّهُ أَرَادَ أَنْ يُعْلِمَ قَدْرَ الدّمِ عِنْدَ اللهِ.
قَالَ: حَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ، قَالَ: لَمّا مَاتَ مُحَلّمُ بْنُ جَثّامَةَ دَفَنَهُ قَوْمُهُ فَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ، ثُمّ دَفَنُوهُ فَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ، ثُمّ دَفَنُوهُ فَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ، فَطَرَحُوهُ بَيْنَ صَخْرَتَيْنِ فَأَكَلَتْهُ السّبَاعُ.
قَالَ: حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ الوليد، عن لقمان ابن عَامِرٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ جَبَلَةَ، قَالَ: لَمّا حَضَرَ مُحَلّمَ بْنَ جَثّامَةَ الْمَوْتُ أَتَاهُ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيّ، فَقَالَ: يَا مُحَلّمُ، إنْ اسْتَطَعْت أَنْ تَرْجِعَ إلَيْنَا فَتُخْبِرَنَا بِمَا رَأَيْتُمْ وَلَقِيتُمْ. قَالَ: فَأَتَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِعَامٍ أَوْ مَا شَاءَ اللهُ، فَقَالَ لَهُ:
كَيْفَ أَنْتُمْ يَا مُحَلّمُ؟ قَالَ: نَحْنُ بِخَيْرٍ، وَجَدْنَا رَبّا رَحِيمًا غَفَرَ لَنَا. قَالَ عَوْفٌ: أَكُلّكُمْ؟ قَالَ: كُلّنَا غَيْرَ الْأَحْرَاضِ. قَالَ: وَمَا الْأَحْرَاضُ؟ قَالَ:
الّذِينَ يُشَارُ إلَيْهِمْ بِالْأَصَابِعِ [ (١) ] . وَاَللهِ، مَا مِنْ شَيْءٍ اسْتَنْفَقَهُ اللهُ لِي إلّا وَقَدْ وُفّيت أَجْرَهُ، حَتّى إنّ قِطّةً لِأَهْلِي هَلَكَتْ فَلَقَدْ أُعْطِيت أَجْرَهَا. قَالَ عَوْفٌ:
فَقُلْت: وَاَللهِ إنّ تَصْدِيقَ رُؤْيَايَ أَنْ أَنْطَلِقَ إلَى أَهْلِ مُحَلّمٍ فَأَسْأَلَهُمْ عَنْ هَذِهِ الْقِطّةِ. فَأَتَاهُمْ فَقَالَ: عَوْفٌ يَسْتَأْذِنُ! فَأَذِنُوا، فَلَمّا دَخَلَ قَالُوا [ (٢) ] : وَاَللهِ، مَا كُنْت لَنَا بِزَوّارٍ! قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ بِخَيْرٍ، وَهَذِهِ بِنْتُ أَخِيك أَمْسَتْ وَلَيْسَ بِهَا بَأْسٌ، وَهِيَ هَذِهِ! لِمَا بِهَا، وَلَقَدْ فَارَقَنَا أَبُوهَا اللّيْلَةَ.
قَالَ: قُلْت: هَلْ هَلَكَتْ لَكُمْ قِطّةٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ. [قَالَ:] فَهَلْ حَسَسْتُمُوهَا стр. 961
يا عوف؟ قال: لقد أُنْبِئْت نَبَأَهَا فَاحْتَسِبُوهَا.
قَالَ: حَدّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ، قَالَ: رَأَيْت النّبِيّ ﷺ بِحُنَيْنٍ يَتَخَلّلُ الرّجَالَ يَسْأَلُ عَنْ مَنْزِلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَأَنَا مَعَهُ، فَأُتِيَ يَوْمَئِذٍ بِشَابّ فَأَمَرَ مَنْ عِنْدَهُ فَضَرَبُوهُ بِمَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ وَحَثَا عَلَيْهِ التّرَابَ.
تَسْمِيَةُ مَنْ اُسْتُشْهِدَ بِحُنَيْنٍ
أَيْمَنُ بْنُ عُبَيْدٍ وَهُوَ ابْنُ أُمّ أَيْمَنَ، وَهُوَ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَمَوَالِي النّبِيّ ﷺ ، وَمِنْ الْأَنْصَارِ سُرَاقَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَرُقَيْمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ لُوذَانَ [ (١) ] ، وَأَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيّ أُصِيبَ بِأَوْطَاسٍ، فَجَمِيعُ مَنْ قُتِلَ أَرْبَعَةٌ.
شَأْنُ غَزْوَةِ الطّائِفِ
قَالَ: حَدّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، وَابْنُ مَوْهَبٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، وَعَبْدُ الصّمَدِ بْنُ مُحَمّدٍ السّعْدِيّ، وَمُحَمّدُ بْنُ عبد الله، عن الزّهْرِيّ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو مَعْشَرٍ، وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمُحَمّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَهْلٍ، وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ مِمّنْ لَمْ يُسَمّ، أَهْلُ ثِقَاتٍ، فَكُلّ قَدْ حَدّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ بِطَائِفَةٍ، وَقَدْ كَتَبْت كُلّ مَا حَدّثُونِي بِهِ.
قَالُوا: لَمّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حنينا وأراد المسير إلى стр. 962
الطّائِفِ، بَعَثَ الطّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو إلَى ذِي الْكَفّيْنِ- صَنَمِ عَمْرِو بْنِ حُمَمَةَ [ (١) ]- يَهْدِمُهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَمِدّ قَوْمَهُ وَيُوَافِيَهُ بِالطّائِفِ.
فَقَالَ الطّفَيْلُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْصِنِي. قَالَ: أَفْشِ السّلَامَ، وَابْذُلْ الطّعَامَ، وَاسْتَحْيِ مِنْ اللهِ كَمَا يَسْتَحْيِي الرّجُلُ ذُو الْهَيْئَةِ مِنْ أَهْلِهِ. إذَا أَسَأْت فَأَحْسِنْ، إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ [ (٢) ] .
قَالَ: فَخَرَجَ الطّفَيْلُ سَرِيعًا إلَى قَوْمِهِ، فَهَدَمَ ذَا الْكَفّيْنِ، وَجَعَلَ يَحْشُو النّارَ فِي جَوْفِهِ وَيَقُولُ:
يَا ذَا الْكَفّيْنِ لَسْت مِنْ عُبّادِكَا ... مِيلَادُنَا أَقْدَمُ مِنْ مِيلَادِكَا
أَنَا حَشَوْت [ (٣) ] النّارَ فِي فُؤَادِكَا
وَأَسْرَعَ مَعَهُ قَوْمُهُ، انْحَدَرَ مَعَهُ أَرْبَعُمِائَةٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَوَافَوْا النّبِيّ ﷺ بِالطّائِفِ بَعْدَ مُقَامِهِ بِأَرْبَعَةِ أَيّامٍ، فَقَدِمَ بِدَبّابَةٍ وَمَنْجَنِيقٍ، وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَزْدِ، مَنْ يَحْمِلُ رَايَتَكُمْ؟ قَالَ الطّفَيْلُ: مَنْ كَانَ يَحْمِلُهَا فِي الْجَاهِلِيّةِ. قَالَ: أَصَبْتُمْ! وَهُوَ النّعْمَانُ بْنُ الزّرَافَةِ اللهْبِيّ [ (٤) ] .
وَقَدّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خالد بن الوليد مِنْ حُنَيْنٍ عَلَى مُقَدّمَتِهِ، وَأَخَذَ مَنْ يَسْلُكُ بِهِ مِنْ الْأَدِلّاءِ إلَى الطّائِفِ، فَانْتَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الطّائِفِ. وكان رسول الله ﷺ قَدْ أَمَرَ [ (٥) ] بِالسّبْيِ أَنْ يُوَجّهُوا إلَى الْجِعِرّانَةِ، واستعمل عليهم بديل بن ورقاء الخزاعىّ، стр. 963
وَأَمَرَ بِالْغَنَائِمِ فَسِيقَتْ إلَى الْجِعِرّانَةِ وَالرّثّةِ. وَمَضَى رسول الله ﷺ إلى الطّائِفِ، وَكَانَتْ ثَقِيفٌ قَدْ رَمّوا [ (١) ] حِصْنَهُمْ، وَدَخَلُوا فِيهِ مُنْهَزِمِينَ مِنْ أَوْطَاسٍ وَأَغْلَقُوهُ عَلَيْهِمْ- وَهُوَ حِصْنٌ عَلَى مَدِينَتِهِمْ لَهُ بَابَانِ- وَصَنَعُوا الصّنَائِعَ لِلْقِتَالِ وَتَهَيّئُوا، وَأَدْخَلُوا حِصْنَهُمْ مَا يُصْلِحُهُمْ لِسَنَةٍ لَوْ حُصِرُوا.
وَكَانَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَغَيْلَانُ بْنُ سَلَمَةَ بِجُرَشَ يَتَعَلّمَانِ عَمَلَ الدّبّابَاتِ وَالْمَنْجَنِيقِ، يُرِيدَانِ أَنْ يَنْصِبَاهُ عَلَى حِصْنِ الطّائِفِ، وَكَانَا لَمْ يَحْضُرَا حُنَيْنًا وَلَا حِصَارَ الطّائِفِ. وَسَارَ رسول الله ﷺ من أَوْطَاسٍ، فَسَلَكَ عَلَى نَخْلَةَ الْيَمَانِيّةِ [ (٢) ] ، ثُمّ عَلَى قَرْنٍ [ (٣) ] ، ثُمّ عَلَى الْمُلَيْحِ [ (٤) ] ، ثُمّ عَلَى بَحْرَةِ الرّغَاءِ [ (٥) ] مِنْ لِيّةَ، فَابْتَنَى بِهَا مَسْجِدًا فَصَلّى فِيهِ.
قَالَ: حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: حَدّثَنِي مَنْ رأى رسول الله ﷺ يَبْنِي بِيَدِهِ مَسْجِدًا بِلِيّةَ، وَأَصْحَابُهُ يَنْقُلُونَ إلَيْهِ الْحِجَارَةَ. وَأُتِيَ يَوْمَئِذٍ إلَى النّبِيّ ﷺ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي لَيْثٍ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ، فَاخْتَصَمُوا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اللّيْثِيّ إلَى الْهُذَلِيّينَ فَقَدّمُوهُ فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، فَكَانَ أَوّلَ دَمٍ أُقِيدَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ. وَصَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الظّهْرَ بِلِيّةَ،
وَرَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ قَصْرًا فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا:
هَذَا قَصْرُ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ. فَقَالَ: أَيْنَ مَالِكٌ؟ قَالُوا: هُوَ يَرَاك الآن فى стр. 964
حِصْنِ ثَقِيفٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ فِي قَصْرِهِ؟ قَالُوا:
مَا فِيهِ أَحَدٌ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : حَرّقُوهُ! فَحُرّقَ مِنْ حِينِ الْعَصْرِ إلَى أَنْ غَابَتْ الشّمْسُ. وَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى قَبْرِ أَبِي أُحَيْحَةَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَهُوَ عِنْدَ مَالِهِ وَهُوَ قَبْرٌ مُشْرِفٌ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ ﵁: لَعَنَ اللهُ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ، فَإِنّهُ كَانَ مِمّنْ يُحَادّ اللهَ وَرَسُولَهُ! فَقَالَ ابْنَاهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ، وَهُمَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : لَعَنَ اللهُ أَبَا قُحَافَةَ، فَإِنّهُ كَانَ لَا يَقْرِي الضّيْفَ وَلَا يَمْنَعُ الضّيْمَ. قال رسول الله ﷺ : إنّ سَبّ الْأَمْوَاتِ يُؤْذِي الْأَحْيَاءَ، فَإِنْ شِئْتُمْ الْمُشْرِكِينَ فَعُمّوا. ثُمّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ لِيّةَ فَسَلَكَ طَرِيقًا يُقَالُ لَهَا: الضّيْقَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بَلْ هِيَ الْيُسْرَى. ثُمّ خَرَجَ عَلَى نَخِبٍ [ (١) ] حَتّى نَزَلَ تَحْتَ سِدْرَةِ الصّادِرَةِ عِنْدَ مَالِ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ النّبِيّ ﷺ : إمّا أَنْ تَخْرُجَ وَإِمّا أَنْ نُحَرّقَ عَلَيْك حَائِطَك! فَأَبَى أَنْ يَخْرُجَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِإِحْرَاقِ حَائِطِهِ وَمَا فِيهِ. وَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنْ حِصْنِ الطّائِفِ، فَيَضْرِبُ عَسْكَرَهُ هُنَاكَ، فَسَاعَةَ حَلّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ جَاءَهُ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، إنّا قَدْ دَنَوْنَا مِنْ الْحِصْنِ، فَإِنْ كَانَ عَنْ أَمْرٍ سَلّمْنَا، وَإِنْ كَانَ عَنْ الرّأْيِ فَالتّأَخّرُ عَنْ حِصْنِهِمْ. قَالَ: فَأَسْكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
فَكَانَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ يحدّث يقول: لقد طلع علينا من стр. 965
نَبْلِهِمْ سَاعَةَ نَزَلْنَا شَيْءٌ اللهُ بِهِ عَلِيمٌ، كَأَنّهُ رِجْلٌ [ (١) ] مِنْ جَرَادٍ- وَتَرّسْنَا لَهُمْ- حَتّى أُصِيبَ نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِجِرَاحَةٍ، وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الْحُبَابَ فَقَالَ: اُنْظُرْ مَكَانًا مُرْتَفِعًا مُسْتَأْخِرًا عَنْ الْقَوْمِ.
فَخَرَجَ الْحُبَابُ حَتّى انْتَهَى إلَى مَوْضِعِ مَسْجِدِ الطّائِفِ خَارِجٍ مِنْ الْقَرْيَةِ، فَجَاءَ إلَى النّبِيّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَتَحَوّلُوا. قَالَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ: إنّي لَأَنْظُرُ إلَى أَبِي مِحْجَنٍ يَرْمِي مِنْ فَوْقِ الْحِصْنِ بِعِشْرَتِهِ [ (٢) ] بِمَعَابِلَ [ (٣) ] كَأَنّهَا الرّمَاحُ، مَا يَسْقُطُ لَهُ سَهْمٌ. قَالُوا:
وَارْتَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ مَسْجِدِ الطّائِفِ الْيَوْمَ. قَالُوا:
وَأَخْرَجُوا امْرَأَةً سَاحِرَةً، فَاسْتَقْبَلَتْ الْجَيْشَ بِعَوْرَتِهَا- وَذَلِكَ حِينَ نَزَلَ النّبِيّ ﷺ يَدْفَعُونَ بِذَلِكَ عَنْ حِصْنِهِمْ. فَلَمّا نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْأَكَمَةَ، وَمَعَهُ امْرَأَتَانِ [ (٤) ] مِنْ نِسَائِهِ أُمّ سَلَمَةَ، وَزَيْنَبُ، وَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إلَى الْحِصْنِ، فَخَرَجَ قُدّامَ النّاسِ يَزِيدُ بْنُ زَمْعَةَ [ (٥) ] بْنِ الْأَسْوَدِ عَلَى فَرَسِهِ، فَسَأَلَ ثَقِيفًا الْأَمَانَ يُرِيدُ يُكَلّمُهُمْ، فَأَعْطَوْهُ الْأَمَانَ، فَلَمّا دَنَا مِنْهُمْ رَمَوْهُ بِالنّبْلِ فَقَتَلُوهُ. وَخَرَجَ هُذَيْلُ بْنُ أَبِي الصّلْتِ أَخُو أُمَيّةَ بْنِ أَبِي الصّلْتِ مِنْ بَابِ الْحِصْنِ، وَلَا يَرَى أَنّ عِنْدَهُ أَحَدًا. وَيُقَالُ: إنّ يَعْقُوبَ بْنَ زَمْعَةَ كَمَنَ لَهُ فَأَسَرَهُ حَتّى أَتَى بِهِ النّبِيّ ﷺ ، فَقَالَ: قَاتِلُ أَخِي يَا رسول الله! فسر رسول الله ﷺ حِينَ أُتِيَ بِهِ إلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ стр. 966
النّبِيّ ﷺ فَضَرَبَ عُنُقَهُ.
وكان رسول الله ﷺ قد ضرب لزوجتيه قبّتين، تم كَانَ يُصَلّي بَيْنَ الْقُبّتَيْنِ حِصَارَ الطّائِفِ كُلّهُ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَيْنَا فِي حِصَارِهِ، فَقَالَ قَائِلٌ: ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقَالَ قَائِلٌ: تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقَالَ قَائِلٌ: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَكُلّ ذَلِكَ وَهُوَ يُصَلّي بَيْن الْقُبّتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ. فَلَمّا أَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ، بَنَى أُمَيّةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ وَهْبِ بْنِ مُعَتّبِ بْنِ مَالِكٍ عَلَى مُصَلّى النّبِيّ ﷺ بِالْمَسْجِدِ، وَكَانَتْ فِيهِ سَارِيَةٌ لَا تَطْلُعُ الشّمْسُ عَلَيْهَا مِنْ الدّهْرِ إلّا يُسْمَعُ لَهَا نَقِيضٌ [ (١) ] أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ مِرَارٍ، فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنّ ذَلِكَ تَسْبِيحٌ.
فَنَصَبَ النّبِيّ ﷺ الْمَنْجَنِيقَ. قَالَ: وَشَاوَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ الْفَارِسِيّ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَى أَنْ تَنْصِبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى حِصْنِهِمْ، فَإِنّا كُنّا بِأَرْضِ فَارِسَ نَنْصِبُ الْمَنْجَنِيقَاتِ عَلَى الْحُصُونِ وَتُنْصَبُ عَلَيْنَا، فَنُصِيبُ مِنْ عَدُوّنَا وَيُصِيبُ مِنّا بِالْمَنْجَنِيقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَنْجَنِيقُ طَالَ الثّوَاءُ [ (٢) ] . فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَعَمِلَ مَنْجَنِيقًا بِيَدِهِ، فَنَصَبَهُ عَلَى حِصْنِ الطّائِفِ. وَيُقَالُ: قَدِمَ بِالْمَنْجَنِيقِ يَزِيدُ بْنُ زَمْعَةَ وَدَبّابَتَيْنِ، وَيُقَالُ: الطّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَيُقَالُ:
خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ قَدِمَ مِنْ جُرَشَ بِمَنْجَنِيقٍ وَدَبّابَتَيْنِ. وَنَثَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْحَسَكَ [ (٣) ] شِقّتَيْنِ- حَسَكٌ مِنْ عَيْدَانَ- حَوْلَ حِصْنِهِمْ، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ تَحْتَ الدّبّابَةِ، وَهِيَ مِنْ جُلُودِ الْبَقَرِ- وَذَلِكَ يَوْمٌ يُقَالُ لَهُ الشّدْخَةُ. стр. 967
قِيلَ: وَمَا الشّدْخَةُ؟ قَالَ: مَا قُتِلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ- دَخَلُوا تَحْتَهَا، ثُمّ زَحَفُوا بِهَا إلَى جِدَارِ الْحِصْنِ لِيَحْفِرُوهُ، فَأَرْسَلَتْ عَلَيْهِمْ ثَقِيفٌ سِكَكَ الْحَدِيدِ مُحْمَاةً بِالنّارِ فَحَرَقَتْ الدّبّابَةَ، فَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ تَحْتِهَا وَقَدْ أُصِيبَ مِنْهُمْ مَنْ أُصِيبَ، فَرَمَتْهُمْ ثَقِيفٌ بِالنّبْلِ فَقُتِلَ مِنْهُمْ رِجَالٌ.
قَالَ: فأمر رسول الله ﷺ بِقَطْعِ أَعْنَابِهِمْ وَتَحْرِيقِهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ قَطَعَ حَبَلَةً [ (١) ] فَلَهُ حَبَلَةٌ فِي الْجَنّةِ. فَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ لِيَعْلَى بْنِ مُرّةَ الثّقَفِيّ: أَقَطْعُ ذَلِكَ أَجْرِي؟ فَفَعَلَ يَعْلَى بْنُ مُرّةَ، ثُمّ جَاءَهُ فَقَالَ يَعْلَى: نَعَمْ. فَقَالَ عُيَيْنَةُ: لَك النّارُ! فَبَلَغَ ذلك رسول الله ﷺ فَقَالَ: عُيَيْنَةُ أَوْلَى بِالنّارِ مِنْ يَعْلَى. وَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَقْطَعُونَ قَطْعًا ذَرِيعًا.
قَالَ: وَنَادَى عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁ سُفْيَانَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الثّقَفِيّ:
وَاَللهِ لَنُقَطّعَنّ أَبَا عِيَالِك. فَقَالَ سُفْيَانُ: إذًا لَا تَذْهَبُونَ بِالْمَاءِ وَالتّرَابِ! فَلَمّا رَأَى الْقَطْعَ نَادَى سُفْيَانُ: يَا مُحَمّدُ، لِمَ تَقْطَعُ أَمْوَالَنَا؟ إمّا أَنْ تَأْخُذَهَا إنْ ظَهَرْت عَلَيْنَا، وَإِمّا أَنْ تَدَعَهَا لِلّهِ وَلِلرّحِمِ كَمَا زَعَمْت! قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَإِنّي أَدَعُهَا لِلّهِ وَلِلرّحِمِ [ (٢) ] .
فَتَرَكَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَحَدّثَ أَبُو وَجْزَةَ السّعْدِيّ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقْطَعُ كُلّ رَجُلٍ مِنْ أَعْنَابِهِمْ خَمْسَ حَبَلَاتٍ.
فَأَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁ إلَى النّبِيّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ стр. 968
اللهِ، إنّهُ عُمّ [ (١) ] لَمْ يُؤْكَلْ ثَمَرُهُ. فَأَمَرَ أَنْ يَقْطَعُوا مَا أَكَلُوا ثَمَرَهُ. قَالَ: فَجَعَلُوا يَقْطَعُونَ الْأَوّلَ فَالْأَوّلَ.
قَالَ: وَتَقَدّمَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إلَى ثَقِيفٍ فَقَالَا:
أَمّنُوا حَتّى نَتَكَلّمَ. فَأَمّنُوهُمَا، فَدَعَوْا نِسَاءً مِنْ قُرَيْشٍ لِيَخْرُجْنَ إلَيْهِمَا- وَهُمْ يَخَافُونَ السّبَاءَ [ (٢) ]- مِنْهُمْ ابْنَةُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، كَانَتْ تَحْتَ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، لَهَا مِنْهُ وَلَدٌ، دَاوُدُ بْنُ عُرْوَةَ، وَالْفِرَاسِيّةُ بِنْتُ سُوَيْدِ بْنِ عمرو بن ثعلبة- كانت عند قارب ابن الْأَسْوَدِ، لَهَا مِنْهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ قَارِبٍ- وَامْرَأَةٌ أُخْرَى. فَلَمّا أَبَيْنَ عَلَيْهِمَا قَالَ لَهُمَا بَنُو الْأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودٍ: يَا أَبَا سُفْيَانَ وَيَا مُغِيرَةُ، أَلَا نَدُلّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمّا جِئْتُمَا لَهُ! إنّ مَالَ بَنِي الْأَسْوَدِ حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمَا- وَكَانَ النّبِيّ ﷺ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الطّائِفِ نَازِلًا بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ الْعَمْقُ [ (٣) ]- لَيْسَ بِالطّائِفِ مَالٌ أَبْعَدُ رِشَاءً، ولا أشدّ مونة مِنْهُ، وَلَا أَبْعَدُ عِمَارَةً- وَإِنّ مُحَمّدًا إنْ قَطَعَهُ لَمْ يُعَمّرْ أَبَدًا، فَكَلّمَاهُ لِيَأْخُذْهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِيَدَعْهُ لِلّهِ وَلِلرّحِمِ، فَإِنّ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ مِنْ الْقَرَابَةِ مَا لَا يَجْهَلُ. فَكَلّمَاهُ فَتَرَكَهُ رسول الله ﷺ .
وكان رَجُلٌ يَقُومُ عَلَى الْحِصْنِ فَيَقُولُ: رُوحُوا رِعَاءَ الشّاءِ! رُوحُوا جَلَابِيبَ مُحَمّدٍ! رُوحُوا عَبِيدَ مُحَمّدٍ! أَتَرَوْنَا نَتَبَاءَسُ عَلَى أَحْبُلٍ [ (٤) ] أَصَبْتُمُوهَا مِنْ كُرُومِنَا؟ فقال رسول الله ﷺ : اللهُمّ، رَوّحْ مُرَوّحًا إلَى النّارِ!
قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ: فَأَهْوَى لَهُ بِسَهْمٍ فَوَقَعَ فى نحره، وهوى من الحصن стр. 969
مَيّتًا. قَالَ: فَرَأَيْت النّبِيّ ﷺ قَدْ سُرّ بِذَلِكَ. قَالَ: وَجَعَلُوا يَقُولُونَ عَلَى حِصْنِهِمْ: هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالَ [ (١) ] . قَالَ لِعَلِيّ ﵇: أَتَدْرِي يَا عَلِيّ مَا هَذَا؟ قَبْرُ أَبِي رِغَالَ: وَهُمْ قَوْمُ ثَمُودَ!
قَالُوا: وَكَانَ أَبُو مِحْجَنٍ عَلَى رَأْسِ الْحِصْنِ يَرْمِي بِمَعَابِلَ وَالْمُسْلِمُونَ يُرَامُونَهُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ لِصَاحِبِهِ: إنْ افْتَتَحْنَا الطّائِفَ فَعَلَيْك بِنِسَاءِ بَنِي قَارِبٍ، فَإِنّهُنّ أَجْمَلُ إنْ أَمْسَكْت، وَأَكْثَرُ فِدَاءً إنْ فَادَيْتَ. فَسَمِعَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَقَالَ: يَا أَخَا مُزَيْنَةَ! قَالَ: لَبّيْكَ! قَالَ: ارْمِ ذَلِكَ الرّجُلَ. يَعْنِي أَبَا مِحْجَنٍ، وَإِنّمَا غَارَ الْمُغِيرَةُ حِينَ ذَكَرَ الْمُزَنِيّ النّسَاءَ، وَعَرَفَ أَنّ أَبَا مِحْجَنٍ رَجُلٌ رَامٍ لَا يَسْقُطُ له سهم، فرماه المزنىّ فَلَمْ يَصْنَعْ سَهْمُهُ شَيْئًا، وَفَوّقَ لَهُ أَبُو محجن بمعبلة، فَتَقَعُ فِي نَحْرِهِ فَقَتَلَتْهُ [ (٢) ] . قَالَ، يَقُولُ الْمُغِيرَةُ: مَنّى الرّجَالَ بِنِسَاءِ بَنِي قَارِبٍ. قَالَ لَهُ عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، وَهُوَ يَسْمَعُ كَلَامَهُ أَوّلَهُ وَآخِرَهُ: قَاتَلَك اللهُ يَا مُغِيرَةُ! أَنْتَ وَاَللهِ عَرّضْته لِهَذَا، وَإِنْ كَانَ اللهُ ﵎ قَدْ سَاقَ لَهُ الشّهَادَةَ. أَنْتَ وَاَللهِ مُنَافِقٌ، وَاَللهِ لَوْلَا الْإِسْلَامُ مَا تَرَكْتُك حَتّى أَغْتَالَك! وَجَعَلَ الْمُزَنِيّ يَقُولُ:
إنّ مَعَنَا الدّاهِيَةَ وَمَا نَشْعُرُ، وَاَللهِ لَا أُكَلّمُك أَبَدًا! قَالَ: طَلَبَ الْمُغِيرَةُ إلَى الْمُزَنِيّ أَنْ يَكْتُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ. قَالَ: لَا وَاَللهِ أَبَدًا! قَالَ: فَبَلَغَتْ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ ﵁ وَهُوَ [ (٣) ] فِي عَمَلِ عُمَرَ بِالْكُوفَةِ- فَقَالَ: وَاَللهِ، مَا كَانَ الْمُغِيرَةُ بِأَهْلٍ أَنْ يُوَلّى وَهَذَا فِعْلُهُ! قَالَ: وَرَمَى أَبُو مِحْجَنٍ يَوْمَ الطّائِفِ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ ﵁ بِسَهْمٍ، فَدَمِلَ الْجُرْحُ حتى بغى [ (٤) ] ، стр. 970
وَخَرَجَ السّهْمُ مِنْ الْجُرْحِ فَأَمْسَكَهُ أَبُو بَكْرٍ عِنْدَهُ. وَتُوُفّيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁. وَقَدِمَ أَبُو مِحْجَنٍ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْمِشْقَصَ [ (١) ] فَأَخْرَجَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا مِحْجَنٍ، هَلْ تَعْرِفُ هَذَا الْمِشْقَصَ؟ قَالَ: وَكَيْفَ لَا أَعْرِفُهُ وَأَنَا بَرَيْت قَدَحَهُ وَرِيشَتَهُ وَرَصَفَتَهُ، وَرَمَيْت بِهِ ابْنَك؟ فَالْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَكْرَمَهُ عَلَى يَدَيّ وَلَمْ يُهِنّي عَلَى يَدَيْهِ.
وَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَيّمَا عَبْدٍ نَزَلَ مِنْ الْحِصْنِ وَخَرَجَ إلَيْنَا فَهُوَ حُرّ! فَخَرَجَ مِنْ الْحِصْنِ رِجَالٌ، بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا:
أَبُو بَكَرَةَ، وَالْمُنْبَعِثُ، وَكَانَ اسْمُهُ الْمُضْطَجِعَ فَسَمّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُنْبَعِثَ حِينَ أَسْلَمَ، وَكَانَ عَبْدًا لعثمان بن عمّار بن معتّب، والأزرق ابن عُقْبَةَ بْنِ الْأَزْرَقِ، وَكَانَ عَبْدًا لِلْكَلَدَةِ الثّقَفِيّ مِنْ بَنِي مَالِكٍ، ثُمّ صَارَ حَلِيفًا فِي بَنِي أُمَيّةَ فَنَكَحُوا إلَيْهِ وَأَنْكَحُوهُ، وَوَرْدَانُ، عَبْدٌ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ رَبِيعَةَ الثّقَفِيّ جَدّ الْفُرَاتِ بْنِ زَيْدِ بْنِ وَرْدَانَ، وَيُحَنّسُ النّبّالُ، وَكَانَ عبدا ليسار ابن مَالِكٍ، فَأَسْلَمَ سَيّدُهُ بَعْدُ، فَرَدّ النّبِيّ ﷺ إلَيْهِ وَلَاءَهُ، - فَهُمْ [أَعْبُدُ] الطّائِفِ- وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ، كَانَ عَبْدًا لِخَرَشَةَ الثّقَفِيّ، وَيَسَارٌ، عَبْدٌ لِعُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ لَمْ يُعْقِبْ، وَأَبُو بَكَرَةَ [ (٢) ] نُفَيْعُ بْنُ مَسْرُوحٍ، وَكَانَ لِلْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ، وَإِنّمَا كُنّيَ بِأَبِي بَكَرَةَ أَنّهُ نَزَلَ فِي بَكَرَةٍ [ (٣) ] مِنْ الْحِصْنِ، وَنَافِعٌ أَبُو السّائِبِ، عَبْدٌ لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ، فأسلم غيلان стр. 971
بَعْدُ، فَرَدّ النّبِيّ ﷺ إلَيْهِ وَلَاءَهُ، وَمَرْزُوقٌ غُلَامٌ لِعُثْمَانَ، لَا عَقِبَ لَهُ. كُلّ هَؤُلَاءِ أَعْتَقَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَمُونُهُ [ (١) ] وَيَحْمِلُهُ، فَكَانَ أَبُو بَكَرَةَ إلَى عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وكان الأزرق إلى خالد ابن سَعِيدٍ، وَكَانَ وَرْدَانُ إلَى أَبَانَ بْنِ سَعِيدٍ، وكان يحنّس النّبّال إلى عثمان ابن عَفّانَ ﵁، وَكَانَ يَسَارُ بْنُ مالك إلى سعد بن عبادة، وإبراهيم ابن جَابِرٍ إلَى أُسَيْدِ بْنِ الْحُضَيْرِ، وَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُقْرِئُوهُمْ الْقُرْآنَ وَيُعَلّمُوهُمْ السّنَنَ.
فَلَمّا أَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ تَكَلّمَتْ أَشْرَافُهُمْ فِي هَؤُلَاءِ الْمُعْتَقِينَ، فِيهِمْ الْحَارِثُ بْنُ كَلَدَةَ، يَرُدّوهُمْ فِي الرّقّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أُولَئِكَ عُتَقَاءُ اللهِ، لَا سَبِيلَ إلَيْهِمْ!
وَبَلَغَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الطّائِفِ مَشَقّةً شَدِيدَةً، وَاغْتَاظُوا عَلَى غِلْمَانِهِمْ.
قَالُوا: وَقَالَ عُيَيْنَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اِيذَنْ لِي حَتّى آتِيَ حِصْنَ الطّائِفِ فَأُكَلّمَهُمْ. فَأَذِنَ لَهُ، فَجَاءَهُ فَقَالَ: أَدْنُو مِنْكُمْ وَأَنَا آمِنٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ.
وَعَرَفَهُ أَبُو مِحْجَنٍ فَقَالَ: اُدْنُ. فَدَنَا. فقال: ادخل. فدخل عليهم الحصن، فقال: فداءكم أَبِي وَأُمّي! وَاَللهِ لَقَدْ سَرّنِي مَا رَأَيْت مِنْكُمْ، وَاَللهِ لَوْ أَنّ فِي الْعَرَبِ أَحَدًا غَيْرَكُمْ! وَاَللهِ مَا لَاقَى مُحَمّدٌ مِثْلَكُمْ قَطّ، وَلَقَدْ مَلّ الْمُقَامَ، فَاثْبُتُوا فِي حِصْنِكُمْ، فَإِنّ حِصْنَكُمْ حَصِينٌ، وَسِلَاحَكُمْ كَثِيرٌ، وَمَاءَكُمْ وَاتِنٌ، لَا تَخَافُونَ قَطْعَهُ! قَالَ: فَلَمّا خَرَجَ قَالَتْ ثَقِيفٌ لِأَبِي مِحْجَنٍ: فَإِنّا كَرِهْنَا دُخُولَهُ، وَخَشِينَا أَنْ يُخْبِرَ مُحَمّدًا بِخَلَلٍ إنْ رَآهُ فِينَا أَوْ فِي حِصْنِنَا. قَالَ أَبُو مِحْجَنٍ: أَنَا كُنْت أَعْرَفَ لَهُ، لَيْسَ مِنّا أَحَدٌ أَشَدّ عَلَى مُحَمّدٍ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ. فَلَمّا رَجَعَ إلَى النّبِيّ ﷺ قَالَ لَهُ: مَا قُلْت لَهُمْ؟ قَالَ: قُلْت اُدْخُلُوا стр. 972
فِي الْإِسْلَامِ، وَاَللهِ لَا يَبْرَحُ مُحَمّدٌ عُقْرَ دَارِكُمْ حَتّى تَنْزِلُوا، فَخُذُوا لِأَنْفُسِكُمْ أَمَانًا، قَدْ نَزَلَ بِسَاحَةِ أَهْلِ الْحُصُونِ قَبْلَكُمْ، قَيْنُقَاعَ، وَالنّضِيرِ، وَقُرَيْظَةَ، وَخَيْبَرَ أَهْلِ الْحَلْقَةِ وَالْعُدّةِ وَالْآطَامِ. فَخَذّلْتُهُمْ مَا اسْتَطَعْت، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ سَاكِتٌ عَنْهُ، حَتّى إذَا فَرَغَ مِنْ حَدِيثِهِ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كَذَبْت! قُلْت لَهُمْ كَذَا وَكَذَا! لِلّذِي قَالَ. قَالَ عُيَيْنَةُ: أَسَتَغْفِرُ اللهَ! فَقَالَ عُمَرُ ﵁: يَا رَسُولَ اللهِ، دَعْنِي أُقَدّمُهُ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا يَتَحَدّثُ النّاسُ أَنّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي.
وَيُقَالُ: إنّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَغْلَظَ. لَهُ يَوْمَئِذٍ وَقَالَ: وَيْحَك يَا عُيَيْنَةُ! إنّمَا أَنْتَ أَبَدًا تُوضِعُ فِي الْبَاطِلِ، كَمْ لَنَا مِنْك مِنْ يَوْمٍ بَنِي النّضِيرِ، وَقُرَيْظَةَ، وَخَيْبَرَ، تَجْلِبُ عَلَيْنَا وَتُقَاتِلُنَا بِسَيْفِك، ثُمّ أَسْلَمْت كَمَا زَعَمْت فَتُحَرّضُ عَلَيْنَا عَدُوّنَا! قَالَ: أَسَتَغْفِرُ اللهَ يَا أَبَا بَكْرٍ وَأَتُوبُ إلَيْهِ، لَا أَعُودُ أَبَدًا! قَالُوا: وَكَانَ مع رسول الله ﷺ مَوْلًى لِخَالَتِهِ فَاخِتَةَ بِنْتِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ، يُقَالُ لَهُ: مَاتِعٌ، وَآخَرُ يُقَالُ لَهُ: هِيتٌ.
وَكَانَ مَاتِعٌ يَكُونُ فِي بُيُوتِهِ، لَا يَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنّهُ يَفْطِنُ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ النّسَاءِ مِمّا يَفْطِنُ لَهُ الرّجَالُ، وَلَا يرى أنّ له فى ذلك أربعة [ (١) ] ، فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَيُقَالُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ: إنْ افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الطّائِفَ غَدًا فَلَا تُفْلِتَنّ مِنْك بَادِيَةُ بِنْتُ غَيْلَانَ، فَإِنّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ [ (٢) ] وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ، وَإِذَا جَلَسَتْ تَثَنّتْ، وَإِذَا تَكَلّمَتْ تَغَنّتْ، وَإِذَا اضْطَجَعَتْ تَمَنّتْ، وَبَيْنَ رِجْلَيْهَا مِثْلُ الْإِنَاءِ الْمَكْفُوءِ، مَعَ ثغر كأنّه الأقحوان، كما قال الخطيم: стр. 973
بَيْنَ شُكُولِ [ (١) ] النّسَاءِ خِلْقَتُهَا ... نَصْبٌ فَلَا جَبْلَةٌ [ (٢) ] وَلَا قَضَفُ
تَغْتَرِقُ [ (٣) ] الطّرْفَ وَهْيَ لَاهِيَةٌ [ (٤) ] ... كَأَنّمَا شَفّ وَجْهَهَا نُزُفُ [ (٥) ]
فَسَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَلَامَهُ فَقَالَ: أَلَا أَرَى هَذَا الْخَبِيثَ يَفْطِنُ لِلْجَمَالِ إذَا خَرَجْت إلَى الْعَقِيقِ! وَالْحَيْلُ لَا يُمْسَكُ [ (٦) ] لِمَا أَسْمَعُ! وَقَالَ: لَا يَدْخُلَنّ عَلَى نِسَاءِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ! وَيُقَالُ: قَالَ: لَا يَدْخُلَنّ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَائِكُمْ!
وَغَرّبَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْحِمَى، فَشَكَيَا الْحَاجَةَ، فَأَذِنَ لَهُمَا أَنْ يَنْزِلَا كُلّ جُمُعَةٍ يَسْأَلَانِ ثُمّ يَرْجِعَانِ إلَى مَكَانِهِمَا، إلَى أَنْ تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَلَمّا تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دَخَلَا مَعَ النّاسِ. فَلَمّا وَلِيَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ قَالَ: أَخْرَجَكُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأُدْخِلُكُمَا؟ فَأَخْرَجَهُمَا إلَى مَوْضِعِهِمَا. فَلَمّا مَاتَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ دَخَلَا مَعَ النّاسِ، فَلَمّا وَلِيَ عُمَرُ ﵁ قَالَ: أَخْرَجَكُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَأُدْخِلُكُمَا؟ اُخْرُجَا إلَى مَوْضِعِكُمَا! فَأَخْرَجَهُمَا إلَى مَوْضِعِهِمَا، فَلَمّا قُتِلَ عُمَرُ دَخَلَا مع الناس. стр. 974
قَالُوا: قَالَ أَبُو مِحْجَنِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الثّقَفِيّ، وَهُوَ عَلَى حِصْنِ الطّائِفِ: يَا عَبِيدَ مُحَمّدٍ، إنّكُمْ وَاَللهِ مَا لَاقَيْتُمْ أَحَدًا يُحْسِنُ قِتَالَكُمْ غَيْرَنَا، تُقِيمُونَ مَا أَقَمْتُمْ بِشَرّ مَحْبِسٍ، ثُمّ تَنْصَرِفُونَ لَمْ تُدْرِكُوا شَيْئًا مِمّا تُرِيدُونَ، نَحْنُ قَسِيّ وَأَبُونَا قَسَا [ (١) ] ، وَاَللهِ لَا نُسَلّمُ مَا حَيِينَا، وَقَدْ بَنَيْنَا طَائِفًا حَصِينًا! فَنَادَاهُ عُمَرُ: يَا ابْنَ حَبِيبٍ، وَاَللهِ لَنَقْطَعَنّ عَلَيْك مَعَاشَك حَتّى تَخْرُجَ مِنْ جُحْرِك هَذَا، إنّمَا أَنْتَ ثَعْلَبٌ فِي جُحْرٍ يُوشِكُ أَنْ يَخْرُجَ.
فَقَالَ أَبُو مِحْجَنٍ: إنْ قَطَعْتُمْ يَا ابْنَ الْخَطّابِ حَبَلَاتِ عِنَبٍ، فَإِنّ فِي الْمَاءِ وَالتّرَابِ مَا يُعِيدُ ذَلِكَ. فَقَالَ عُمَرُ: لَا تَقْدِرُ أَنْ تَخْرُجَ إلَى مَاءٍ وَلَا تُرَابٍ، لَنْ نَبْرَحَ عَنْ بَابِ جُحْرِك حَتّى تَمُوتَ! قَالَ: يَقُولُ أَبُو بَكْرٍ: يَا عُمَرُ لَا تَقُلْ هَذَا، فَإِنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي فَتْحِ الطّائِفِ. فَقَالَ عُمَرُ: وَهَلْ قَالَ لَك هَذَا رَسُولُ اللهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
فَجَاءَ عُمَرُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: لَمْ يُؤْذَنْ لَك يَا رَسُولَ اللهِ فِي فَتْحِهَا؟ قَالَ: لَا.
وَجَاءَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ الْأَوْقَصِ السّلَمِيّةُ، وَهِيَ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ. أَعْطِنِي إنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْك حُلِيّ الْفَارِعَةِ بِنْتِ الْخُزَاعِيّ. أَوْ بَادِيَةَ بِنْتِ غَيْلَانَ- وَكَانَتَا مِنْ أَجْمَلِ نِسَاءِ ثَقِيفٍ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤْذَنْ لَنَا فِي ثَقِيفٍ يَا خَوْلَةُ؟ قَالَ: فَخَرَجَتْ خَوْلَةُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، حَدّثَتْ خَوْلَةُ مَا حَدّثَتْنِي أَنّك قُلْته؟ قَالَ رسول الله ﷺ : قد قُلْته. قَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَلَمْ يُؤْذَنْ لَك فِيهِمْ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَفَلَا أُؤَذّنُ فى стр. 975
النّاسِ بِالرّحِيلِ! قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بَلَى.
فَأَذّنَ عُمَرُ بِالرّحِيلِ، فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَتَكَلّمُونَ، يَمْشِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا:
نَنْصَرِفُ وَلَا نَفْتَحُ الطّائِفَ! لَا نَبْرَحُ حَتّى يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْنَا، وَاَللهِ إنّهُمْ لَأَذَلّ وَأَقَلّ مَنْ لَاقَيْنَا، قَدْ لَقِينَا جَمْعَ مَكّةَ وَجَمْعَ هَوَازِنَ، فَفَرّقَ اللهُ تِلْكَ الْجَمُوعَ! وَإِنّمَا هَؤُلَاءِ ثَعْلَبٌ فِي جُحْرٍ، لَوْ حَصَرْنَاهُمْ لَمَاتُوا فِي حِصْنِهِمْ هَذَا! وَكَثُرَ الْقَوْلُ بَيْنَهُمْ وَالِاخْتِلَافُ، فَمَشَوْا إلَى أَبِي بَكْرٍ فَتَكَلّمُوا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، وَالْأَمْرُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنْ السّمَاءِ. فَكَلّمُوا عُمَرَ فَأَبَى وَقَالَ: قَدْ رَأَيْنَا الْحُدَيْبِيَةَ، وَدَخَلَنِي فِي الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ الشّكّ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلّا اللهُ، وَرَاجَعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِكَلَامٍ لَيْتَ أَنّي لَمْ أَفْعَلْ، وَأَنّ أَهْلِي وَمَالِي ذَهَبَا! ثُمّ كَانَتْ الْخِيَرَةُ لَنَا مِنْ اللهِ فِيمَا صَنَعَ، فَلَمْ يَكُنْ فَتْحٌ كَانَ خَيْرًا لِلنّاسِ مِنْ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ- بِلَا سَيْفٍ، دَخَلَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِثْلُ مَنْ كَانَ دَخَلَ- مِنْ يَوْمِ بُعِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى يَوْمِ كُتِبَ الْكِتَابُ. فَاتّهِمُوا الرّأْيَ، وَالْخِيَرَةُ فِيمَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَنْ أُرَاجِعَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ أَبَدًا! وَالْأَمْرُ أَمْرُ اللهِ، وَهُوَ يُوحِي إلَى نَبِيّهِ مَا يَشَاءُ! وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: إنّي رَأَيْت أَنّي أُهْدِيَتْ لِي قَعْبَةٌ [ (١) ] مَمْلُوءَةٌ زُبْدًا، فَنَقَرَهَا دِيكٌ فَأُهْرَاقَ مَا فِيهَا.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: مَا أَظُنّ أَنْ تُدْرِكَ مِنْهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ يَوْمَك هَذَا مَا تُرِيدُ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَأَنَا لَا أَرَى ذَلِكَ.
قَالَ: حَدّثَنِي كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ رِيَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: لَمّا مَضَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مِنْ حصارهم استشار стр. 976
رَسُولِ اللهِ ﷺ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الدّيلِيّ فَقَالَ: يَا نَوْفَلُ:
ما تقول؟ أوترى [ (١) ] . فَقَالَ نَوْفَلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، ثَعْلَبٌ فِي جُحْرٍ، إنْ أَقَمْت عَلَيْهِ أَخَذْته، وَإِنْ تَرَكْته لَمْ يَضُرّك شَيْئًا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: وَلَمْ يُؤْذَنْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي فَتْحِهَا. قَالَ: فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ وَأَذّنَ فِي النّاسِ بِالرّحِيلِ. قَالَ: فَجَعَلَ النّاسُ يَضِجّونَ مِنْ ذَلِكَ.
قال رسول الله ﷺ : فَاغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ. فَغَدَوْا فَأَصَابَتْ الْمُسْلِمِينَ جِرَاحَاتٌ. فقال رسول الله ﷺ : إنّا قَافِلُونَ إنْ شَاءَ اللهُ! فَسُرّوا بِذَلِكَ وَأَذْعَنُوا [ (٢) ] ، وَجَعَلُوا يَرْحَلُونَ وَالنّبِيّ ﷺ يَضْحَكُ. فَلَمّا اسْتَقَلّ النّاسُ لِوَجْهِهِمْ نَادَى سَعْدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ عَمْرِو ابن عِلَاجٍ الثّقَفِيّ قَالَ: أَلَا إنّ الْحَيّ مُقِيمٌ. قَالَ: يَقُولُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ:
أَجَلْ وَاَللهِ، مَجَدَةٌ كِرَامٌ! فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: قَاتَلَك اللهُ، تَمْدَحُ قَوْمًا مُشْرِكِينَ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَدْ جِئْت تَنْصُرُهُ؟ فَقَالَ: إنّي وَاَللهِ مَا جِئْت مَعَكُمْ أُقَاتِلُ ثَقِيفًا، وَلَكِنْ أَرَدْت أَنْ يَفْتَحَ مُحَمّدٌ الطّائِفَ فَأُصِيبَ جَارِيَةً مِنْ ثَقِيفٍ فَأَطَأهَا لَعَلّهَا تَلِدُ لِي رَجُلًا، فَإِنّ ثَقِيفًا قَوْمٌ مُبَارَكُونَ. فَأَخْبَرَ عُمَرُ النّبِيّ ﷺ بِمَقَالَتِهِ، فَتَبَسّمَ ﷺ ثُمّ قَالَ: هَذَا الْحُمْقُ الْمُطَاعُ! وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ حِينَ أَرَادُوا أَنْ يَرْتَحِلُوا: قُولُوا لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وحده! فلمّا ارتحلوا واستقلّوا قال: قولوا آئبون إنْ شَاءَ اللهُ، عَابِدُونَ، لِرَبّنَا حَامِدُونَ! وَلَمّا ظَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الطّائِفِ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اُدْعُ اللهَ عَلَى ثَقِيفٍ. قَالَ: اللهُمّ اهْدِ ثَقِيفًا وائت بهم! стр. 977
تَسْمِيَةُ مَنْ اُسْتُشْهِدَ بِالطّائِفِ
مِنْ بَنِي أُمَيّةَ: سَعِيدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أُمَيّةَ، وَعُرْفُطَةُ بْنُ الْحُبَابِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ سَعْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ، حَلِيفٌ لَهُمْ.
وَمِنْ بَنِي أَسَدٍ: يَزِيدُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ، جَمَحَ بِهِ فَرَسُهُ- وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الْجَنَاحُ- إلَى حِصْنِ الطّائِفِ فَقَتَلُوهُ. وَيُقَالُ: قَالَ لَهُمْ: أَمّنُونِي حَتّى أُكَلّمَكُمْ. فَأَمّنُوهُ ثُمّ رَمَوْهُ بِالنّبْلِ حَتّى قَتَلُوهُ.
وَمِنْ بَنِي تَيْمٍ: عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، رُمِيَ بِسَهْمٍ فَلَمْ يَزَلْ مِنْهُ جَرِيحًا، فَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ وَفَاةِ النّبِيّ ﷺ .
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، رُمِيَ مِنْ الْحِصْنِ.
وَمِنْ بَنِي عَدِيّ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ الْعَنَزِيّ، حَلِيفٌ لَهُمْ.
وَمِن بَنِي سَهْمٍ: السّائِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ.
وَمِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ: جُلَيْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بن محارب بن الضّيحان ابن نَاشِبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ.
وَمِنْ الْأَنْصَارِ: ثَابِتُ بْنُ الْجَذَعِ- وَاسْمُ الْجَذَعِ ثَعْلَبَةُ- وَالْحَارِثُ بْنُ سَهْلِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نَوْفَلٍ. فَذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ رجلا.
стр. 978
شَأْنُ مَسِيرِ النّبِيّ ﷺ إلَى الْجِعِرّانَةِ
عَلَى عَشَرَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكّةَ
قَالُوا: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الطّائِفِ فَأَخَذَ عَلَى دَحْنَا [ (١) ] ثُمّ عَلَى قَرْنِ الْمَنَازِلِ [ (٢) ] ، ثُمّ عَلَى نَخْلَةَ حَتّى خَرَجَ إلَى الْجِعِرّانَةِ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسِيرُ وَأَبُو رُهْمٍ الْغِفَارِيّ إلَى جَنْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ، وَفِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ لَهُ غَلِيظَتَانِ، إذْ زَحَمَتْ نَاقَتُهُ نَاقَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَيَقَعُ حَرْفُ نَعْلِهِ عَلَى سَاقِهِ فَأَوْجَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَوْجَعْتنِي، أَخّرْ رِجْلَك!
وَقَرَعَ رِجْلَهُ بِالسّوْطِ. قَالَ: فَأَخَذَنِي مِنْ أَمْرِي مَا تَقَدّمَ وَمَا تَأَخّرَ، وَخَشِيت أَنْ يَنْزِلَ فِيّ الْقُرْآنُ لِعَظِيمِ مَا صَنَعْت، فَلَمّا أَصْبَحْنَا بِالْجِعِرّانَةِ، خَرَجْت أَرْعَى الظّهْرَ وَمَا هُوَ يَوْمِي، فَرَقًا أَنْ يَأْتِيَ النّبِيّ ﷺ . وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَطْلُبُنِي، فَلَمّا رَوّحْت الرّكَابَ سَأَلْت فَقَالُوا: طَلَبَك رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَجِئْته وَأَنَا أَتَرَقّبُ فَقَالَ: إنّك أَوْجَعْتنِي بِرِجْلِك فَقَرَعْتُك بِالسّوْطِ، فَخُذْ هَذِهِ الْغَنَمَ عِوَضًا مِنْ ضَرْبَتِي. قَالَ أَبُو رُهْمٍ: فَرِضَاهُ عَنّي كَانَ أَحَبّ إلَيّ مِنْ الدّنْيَا وَمَا فِيهَا.
وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيّ يَقُولُ: كُنْت مَعَ النّبِيّ ﷺ فِي مَسِيرَةٍ وَهُوَ يُحَادِثُنِي، فَجَعَلَتْ نَاقَتِي تَلْصِقُ بِنَاقَتِهِ، وَكَانَتْ نَاقَتِي نَاقَةً شَهْمَةً [ (٣) ] ، فَجَعَلْت أُرِيدُ أَنْ أُنَحّيَهَا فَلَا تُطَاوِعُنِي، فَلَصِقَتْ بِنَاقَةِ النّبِيّ ﷺ وَأُصِيبَتْ رِجْلُهُ فَقَالَ: أَخْ! أوجعتنى! فرفع رجله стр. 979
مِنْ الْغَرْزِ كَأَنّهَا جُمّارَةً [ (١) ] ، وَدَفَعَ رِجْلِي بِمِحْجَنٍ فى يده. فمكث ساعة لا يتحدّث، فو الله مَا نَزَلْت حَتّى ظَنَنْت أَنْ سَيَنْزِلُ فِيّ عَذَابٌ. قَالَ: فَلَمّا نَزَلْنَا قُلْت لِأَصْحَابِي: إنّي أَرْعَى لَكُمْ! وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ يَوْمَ رِعْيَتِي، فَلَمّا أَرَحْت الظّهْرَ عَلَيْهِمْ قُلْت: هَلْ جَاءَ أَحَدٌ يَبْغِينِي؟ فَقَالُوا: رَسُولُ اللهِ ﷺ جَاءَ يَبْغِيك. فَقُلْت فِي نَفْسِي: هِيَ وَاَللهِ هِيَ! قُلْت:
مَنْ جَاءَ؟ قَالُوا: رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ. قَالَ: فَكَانَ أَكْرَهَ إلَيّ، وَذَلِكَ أَنّ الْأَنْصَارَ كَانَتْ فِيهِمْ عَلَيْنَا غِلْظَةٌ. قَالَ: ثُمّ جَاءَ بَعْدُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَبْتَغِينِي. قَالَ: فَخَرَجْت خَائِفًا حَتّى وَاجَهْت رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَجَعَلَ يَبْتَسِمُ فِي وَجْهِي وَقَالَ: أَوْجَعْتُك بِمِحْجَنِي الْبَارِحَةَ. ثُمّ قَالَ: خُذْ هَذِهِ الْقِطْعَةَ مِنْ الْغَنَمِ. قَالَ: فَأَخَذْتهَا فَوَجَدْتهَا ثَمَانِينَ شَاةً ضَائِنَةً [ (٢) ] .
وَكَانَ أَبُو زُرْعَةَ الْجُهَنِيّ يَقُولُ: لَمّا أَرَادَ ﷺ أَنْ يَرْكَبَ مِنْ قَرْنٍ رَاحِلَتَهُ الْقَصْوَاءَ وَطِئْت لَهُ عَلَى يَدَيْهَا، وَالزّمَامُ فِي يَدِي مَطْوِيّ، فَرَكِبَ عَلَى الرّحْلِ وَنَاوَلْته الزّمَامَ، وَدُرْت مِنْ خَلْفِهِ فَخَلّفَ [ (٣) ] النّاقَةَ بِالسّوْطِ، كُلّ ذَلِكَ يُصِيبُنِي، فَالْتَفَتَ إلَيّ فَقَالَ: أَصَابَك السّوْطُ؟
قُلْت: نَعَمْ بِأَبِي وَأُمّي! قَالَ: فَلَمّا نَزَلَ الْجِعِرّانَةَ إذَا رِبْضَةٌ [ (٤) ] مِنْ الْغَنَمِ نَاحِيَةً مِنْ الغنائم، فسأل عنها صاحب الغنائم فَخَبّرَهُ عَنْهَا بِشَيْءٍ لَا أَحْفَظُهُ، ثُمّ صَاحَ: أَيْنَ أَبُو زُرْعَةَ؟ قَالَ: قُلْت: هَا أَنَا ذَا! قَالَ: خُذْ هَذِهِ الْغَنَمَ بِاَلّذِي أَصَابَك مِنْ السّوْطِ أَمْسِ. قَالَ: فَعَدَدْتهَا فَوَجَدْتهَا عِشْرِينَ ومائة رأس. قال: فتأثّلت [ (٥) ] بها مالا. стр. 980
وَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ: لَقِيت رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُنْحَدِرٌ مِنْ الطّائِفِ إلَى الْجِعِرّانَةِ فَتَحَصّلْت [ (١) ] ، وَالنّاسُ يَمْضُونَ أَمَامَهُ أَرْسَالًا [ (٢) ] ، فَوَقَعْت فِي مِقْنَبٍ [ (٣) ] مِنْ خَيْلِ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلُوا يَقْرَعُونِي بِالرّمَاحِ وَيَقُولُونَ:
إلَيْك! إلَيْك! مَا أَنْتَ؟ وَأَنْكَرُونِي، حَتّى إذَا دَنَوْت وَعَرَفْت أَنّهُ يَسْمَعُ صَوْتِي أَخَذْت الْكِتَابَ الّذِي كَتَبَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَجَعَلْته بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِي، ثُمّ رَفَعْت يَدَيّ وَنَادَيْت: أَنَا سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ، وَهَذَا كِتَابِي! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَوْمَ وَفَاءٍ، أَدْنُوهُ! فَأَدْنَيْت مِنْهُ، فَكَأَنّي أَنْظُرُ إلَى سَاقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَرْزِهِ كَأَنّهَا جُمّارَةٌ، فَلَمّا انْتَهَيْت إلَيْهِ سَلّمْت، وَسُقْت إلَيْهِ الصّدَقَةَ، فَمَا ذَكَرْت شَيْئًا أَسْأَلُهُ عَنْهُ إلّا أَنّي قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْت الضّالّةَ مِنْ الْإِبِلِ تَغْشَى حِيَاضِي وَقَدْ مَلَأْتهَا لِإِبِلِي، هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ إنْ أَسْقَيْتهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
نَعَمْ، فِي كُلّ ذَاتِ كَبِدٍ حَرّى [ (٤) ] أَجْر.
قَالَ: حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ زُهَيْرٍ، عَنْ الْمَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: اعْتَرَضَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ مَعَهُ غَنَمٌ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ هَدِيّةٌ قَدْ أَهْدَيْتهَا لَك، قَالَ: وَمِمّنْ أَنْتَ؟
قَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ. قَالَ: إنّي لَا أَقْبَلُ هَدِيّةَ مُشْرِكٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّي مُؤْمِنٌ بِاَللهِ وَبِرَسُولِهِ، قَدْ سُقْت الصّدَقَةَ إلَى بُرَيْدَةَ بن الحصيب стр. 981
لِمَالِي بِعَيْنِهِ مُصَدّقًا، قَالَ: وَأَقْبَلَ بُرَيْدَةُ فَلَحِقَ النّبِيّ ﷺ فَقَالَ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا مِنْ قَوْمِي، شَرِيفٌ [ (١) ] يَنْزِلُ بِالصّفَاحِ [ (٢) ] .
قَالَ: فَمَا أَقْدَمَك إلَى نَخْلَةَ؟ قَالَ: هِيَ أَمْرَعُ [ (٣) ] مِنْ الصّفَاحِ الْيَوْمَ.
ثُمّ قَالَ: نَحْنُ عَلَى ظَهْرٍ كَمَا تَرَى، فَالْحَقْنَا بِالْجِعِرّانَةِ، قَالَ: فَخَرَجَ يَعْدُو عِرَاضَ [ (٤) ] نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَسُوقُ الْغَنَمَ مَعِي إلَى الْجِعِرّانَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
لَا تَسُقْهَا، وَلَكِنْ تَقْدَمُ عَلَيْنَا الْجِعِرّانَةَ فَنُعْطِيك غَنَمًا أُخْرَى إنْ شَاءَ اللهُ! قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تُدْرِكُنِي الصّلَاةُ وَأَنَا فِي عَطَنِ [ (٥) ] الْإِبِلِ، أَفَأُصَلّي فِيهِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَتُدْرِكُنِي وَأَنَا فِي مَرَاحِ الْغَنَمِ، أَفَأُصَلّي فِيهِ؟ قَالَ:
نَعَمْ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، رُبّمَا تَبَاعَدَ مِنّا الْمَاءُ وَمَعَ الرّجُلِ زَوْجَتُهُ فَيَدْنُو مِنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيَتَيَمّمُ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَتَكُونُ فِينَا الْحَائِضُ، قَالَ: تَتَيَمّمُ. قَالَ: فَلَحِقَ النّبِيّ ﷺ بِالْجِعِرّانَةِ فَأَعْطَاهُ مِائَةَ شَاةٍ.
قَالُوا: وَجَعَلَتْ الْأَعْرَابُ فِي طَرِيقِهِ يَسْأَلُونَهُ، وَكَثُرُوا عَلَيْهِ حَتّى اضْطَرّوهُ إلَى سَمُرَةٍ، فَخَطَفَتْ رِدَاءَهُ فَنَزَعَتْهُ عَنْ مِثْلِ شِقّةِ الْقَمَرِ، فَوَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: أَعْطُونِي رِدَائِي! أَعْطُونِي رِدَائِي! لَوْ كَانَ عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْته بَيْنَكُمْ، ثُمّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا ولا كذّابا! стр. 982
ثُمّ لَمّا كَانَ عِنْدَ الْقَسْمِ قَالَ: أَدّوا الْخِيَاطَ وَالْمِخْيَطَ [ (١) ] ، وَإِيّاكُمْ وَالْغُلُولَ فَإِنّهُ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ [ (٢) ] يَوْمَ الْقِيَامَةِ! ثُمّ أَخَذَ وَبَرَةً مِنْ جَنْبِ بَعِيرٍ فَقَالَ:
وَاَللهِ مَا يَحِلّ لِي مِمّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ وَلَا مِثْلُ هَذِهِ الْوَبَرَةِ إلّا الْخُمُسَ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُم.
قَالُوا: وَانْتَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْجِعِرّانَةِ، وَالسّبْيُ وَالْغَنَائِمُ بِهَا مَحْبُوسَةٌ، وَقَدْ اتّخَذَ السّبْيُ حَظَائِرَ [ (٣) ] يَسْتَظِلّونَ بِهَا مِنْ الشّمْسِ، فَلَمّا نَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى تِلْكَ الْحَظَائِرِ سَأَلَ عَنْهَا فَقَالُوا:
يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا سَبْيُ هَوَازِنَ اسْتَظَلّوا مِنْ الشّمْسِ. وَكَانَ السّبْيُ سِتّةَ آلَافٍ، وَكَانَتْ الْإِبِلُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ بَعِيرٍ، وَكَانَتْ الْغَنَمُ لَا يُدْرَى عَدَدُهَا، قَدْ قَالُوا أَرْبَعِينَ أَلْفًا وَأَقَلّ وَأَكْثَرَ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمَرَ بُسْرَ [ (٤) ] بْنَ سُفْيَانَ الْخُزَاعِيّ يَقْدَمُ مَكّةَ فَيَشْتَرِي لِلسّبْيِ ثِيَابًا يَكْسُوهَا، ثِيَابَ الْمَعْقِدِ [ (٥) ] ، فَلَا يَخْرُجُ الْمَرْءُ [ (٦) ] مِنْهُمْ إلّا كَاسِيًا، فَاشْتَرَى بُسْرٌ كُسْوَةً فَكَسَا السّبْيَ كُلّهُمْ، وَاسْتَأْذَنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالسّبْيِ، وَقَدْ كَانَ فَرّقَ مِنْهُ، وَأَعْطَى رِجَالًا، عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ مِنْهُنّ قَدْ وَطِئَهَا بِالْمِلْكِ، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ وَهَبَهَا لَهُ بِحُنَيْنٍ فَرَدّهَا إلَى الْجِعِرّانَةِ حَتّى حَاضَتْ فَوَطِئَهَا، وأعطى صفوان ابن أُمَيّةَ أُخْرَى، وَأَعْطَى عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵇ جارية يقال لها стр. 983
رَيْطَةُ بِنْتُ هِلَالِ بْنِ حَيّانَ بْنِ عُمَيْرَةَ، وَأَعْطَى عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ جَارِيَةً يُقَالُ لَهَا: زَيْنَبُ بِنْتُ حَيّانَ بْنِ عَمْرٍو، فَوَطِئَهَا عُثْمَانُ فَكَرِهَتْهُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلِيّ وَطِئَ.
وَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ جَارِيَةً، فَأَعْطَاهَا عُمَرُ ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، فَبَعَثَ بِهَا ابْنُ عُمَرَ إلَى أَخْوَالِهِ بِمَكّةَ بَنِي جُمَحَ لِيُصْلِحُوا مِنْهَا حَتّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ ثُمّ يَأْتِيَهُمْ، وَكَانَتْ جَارِيَةً وَضِيئَةً مُعْجِبَةً. [قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ:] [ (١) ] فَقَدِمْت مَكّةَ فَطُفْت بِالْبَيْتِ، فَخَرَجْت مِنْ الْمَسْجِدِ وَأَنَا أُرِيدُ الْجَارِيَةَ أَنْ أُصِيبَهَا، وَأَرَى النّاسَ يَشْتَدّونَ فَقُلْت: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: رَدّ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَ هَوَازِنَ وَأَبْنَاءَهَا. قَالَ: قُلْت: تِلْكَ صَاحِبَتُكُمْ فِي بَنِي جُمَحَ، فَاذْهَبُوا فَخُذُوهَا! فَذَهَبُوا فَأَخَذُوهَا. وَأَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ جَارِيَةً مِنْ سَبْيِ هَوَازِنَ فَلَمْ تُوطَأْ.
وَأَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا طَلْحَةُ. وَأَعْطَى سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقّاصٍ جَارِيَةً، وَأَعْطَى رسول الله ﷺ أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرّاحِ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا، وَأَعْطَى رَسُولُ الله ﷺ الزبير بن الْعَوّامِ جَارِيَةً، وَهَذَا كُلّهُ بِحُنَيْنٍ. فَلَمّا رَجَعَ رسول الله ﷺ إلى الْجِعِرّانَةِ أَقَامَ يَتَرَبّصُ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ وَفْدُهُمْ، وَبَدَأَ بِالْأَمْوَالِ فَقَسَمَهَا، وَأَعْطَى الْمُؤَلّفَةَ قُلُوبُهُمْ أَوّلَ النّاسِ.
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ غَنِمَ فِضّةً كَثِيرَةً، أَرْبَعَةَ آلَافِ أُوقِيّةٍ، فَجُمِعَتْ الْغَنَائِمُ بَيْنَ يَدَيْ النّبِيّ ﷺ ، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْفِضّةُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصْبَحْت أَكْثَرَ قُرَيْشٍ مَالًا! فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ: أَعْطِنِي مِنْ هَذَا الْمَالِ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: يَا بِلَالُ، زِنْ لِأَبِي سُفْيَانَ أَرْبَعِينَ أُوقِيّةً، وأعطوه стр. 984
مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: ابْنِي يَزِيدُ أَعْطِهِ! قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : زنوا ليزيد أَرْبَعِينَ أُوقِيّةً، وَأَعْطُوهُ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: ابْنِي مُعَاوِيَةُ، يَا رَسُولَ اللَّه! قَالَ: زِنْ لَهُ يَا بِلَالُ أَرْبَعِينَ أُوقِيّةً،
وَأَعْطُوهُ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: إنّك الْكَرِيمُ، فِدَاك أَبِي وَأُمّي! وَلَقَدْ حَارَبْتُك فَنِعْمَ الْمُحَارَبُ كُنْت، ثُمّ سَالَمْتُك فَنِعْمَ الْمُسَالَمُ أَنْتَ، جَزَاك اللَّه خَيْرًا! وَأَعْطَى فِي بَنِي أَسَدٍ.
قَالَ: حَدّثَنِي مَعْمَرٌ، عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَا: حَدّثَنَا حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ قَالَ: سَأَلْت رَسُولَ اللَّه ﷺ بحنين مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ فَأَعْطَانِيهَا، ثُمّ سَأَلْته مِائَةً فَأَعْطَانِيهَا، ثُمّ سَأَلْته مِائَةً فَأَعْطَانِيهَا، ثُمّ قَالَ رسول اللَّه ﷺ : يا حكيم ابن حِزَامٍ، إنّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَاَلّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ السّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ!
قَالَ: فَكَانَ حَكِيمٌ يَقُولُ: وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ، لَا أَرْزَأُ [ (١) ] أَحَدًا بَعْدَك شَيْئًا! فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁ يَدْعُوهُ إلَى عَطَائِهِ فَيَأْبَى يَأْخُذُهُ، فَيَقُولُ عُمَرُ: أَيّهَا النّاسُ، إنّي أُشْهِدُكُمْ عَلَى حَكِيمٍ أَنّي أَدْعُوهُ إلَى عَطَائِهِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَه. قَالَ: حَدّثَنَا ابْنُ أَبِي الزّناد قال: أخذ حكيم الماءة الْأُولَى ثُمّ تَرَكَ.
وَفِي بَنِي عَبْدِ الدّارِ: النّضَيْرُ، وَهُوَ أَخُو النّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كلدة، стр. 985
مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ. وَفِي بَنِي زُهْرَةَ: أُسَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ حَلِيفٌ لَهُمْ، مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ. وَأَعْطَى الْعَلَاءَ بْنَ جَارِيَةَ خَمْسِينَ بَعِيرًا، وَأَعْطَى مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ خَمْسِينَ بَعِيرًا. وَقَدْ رَأَيْت عَبْدَ اللَّه بْنَ جَعْفَرٍ يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَ مَخْرَمَةُ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ: مَا سَمِعْت أَحَدًا مِنْ أَهْلِي يَذْكُرُ أَنّهُ أُعْطِيَ شَيْئًا. وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى سَعِيدَ بْنَ يَرْبُوعٍ خَمْسِينَ مِنْ الْإِبِلِ. وَأَعْطَى فِي بَنِي جُمَحَ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيّةَ مِائَةَ بَعِيرٍ،
وَيُقَالُ إنّهُ طَافَ مَعَ النّبِيّ ﷺ وَالنّبِيّ ﷺ يَتَصَفّحُ الْغَنَائِمَ إذْ مَرّ بِشِعْبٍ مِمّا أَفَاءَ اللَّه عَلَيْهِ، فِيهِ غَنَمٌ وَإِبِلٌ وَرِعَاؤُهَا مَمْلُوءٌ. فَأَعْجَبَ صَفْوَانَ وَجَعَلَ يَنْظُرُ إلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : أَعْجَبَك يَا أَبَا وَهْبٍ هَذَا الشّعْبُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هُوَ لَك وَمَا فِيهِ.
فَقَالَ صَفْوَانُ: أَشْهَدُ مَا طَابَتْ بِهَذَا نَفْسُ أَحَدٍ قَطّ إلّا نَبِيّ، وَأَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللَّه! وَأَعْطَى قَيْسَ بْنَ عَدِيّ مِائَةً من الإبل، وأعطى عثمان ابن وَهْبٍ خَمْسِينَ مِنْ الْإِبِلِ. وَفِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ أَعْطَى سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزّى مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى هِشَامَ بْنَ عُمَرَ خَمْسِينَ مِنْ الْإِبِلِ. وَأَعْطَى فِي الْعَرَبِ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ التّمِيمِيّ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ بْنَ بَدْرٍ الْفَزَارِيّ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ. وَأَعْطَى الْعَبّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ السّلَمِيّ أَرْبَعًا مِنْ الْإِبِلِ، فَعَاتَبَ النّبِيّ ﷺ فِي شِعْرٍ قَالَهُ:
كَانَتْ [ (١) ] نِهَابًا تَلَافَيْتهَا ... بِكَرّي على القوم فى الأجرع [ (٢) ] следующие страницы →