Полный текст (1 166 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
لِمَالِي بِعَيْنِهِ مُصَدّقًا، قَالَ: وَأَقْبَلَ بُرَيْدَةُ فَلَحِقَ النّبِيّ ﷺ فَقَالَ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا مِنْ قَوْمِي، شَرِيفٌ [ (١) ] يَنْزِلُ بِالصّفَاحِ [ (٢) ] .
قَالَ: فَمَا أَقْدَمَك إلَى نَخْلَةَ؟ قَالَ: هِيَ أَمْرَعُ [ (٣) ] مِنْ الصّفَاحِ الْيَوْمَ.
ثُمّ قَالَ: نَحْنُ عَلَى ظَهْرٍ كَمَا تَرَى، فَالْحَقْنَا بِالْجِعِرّانَةِ، قَالَ: فَخَرَجَ يَعْدُو عِرَاضَ [ (٤) ] نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَسُوقُ الْغَنَمَ مَعِي إلَى الْجِعِرّانَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
لَا تَسُقْهَا، وَلَكِنْ تَقْدَمُ عَلَيْنَا الْجِعِرّانَةَ فَنُعْطِيك غَنَمًا أُخْرَى إنْ شَاءَ اللهُ! قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تُدْرِكُنِي الصّلَاةُ وَأَنَا فِي عَطَنِ [ (٥) ] الْإِبِلِ، أَفَأُصَلّي فِيهِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَتُدْرِكُنِي وَأَنَا فِي مَرَاحِ الْغَنَمِ، أَفَأُصَلّي فِيهِ؟ قَالَ:
نَعَمْ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، رُبّمَا تَبَاعَدَ مِنّا الْمَاءُ وَمَعَ الرّجُلِ زَوْجَتُهُ فَيَدْنُو مِنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيَتَيَمّمُ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَتَكُونُ فِينَا الْحَائِضُ، قَالَ: تَتَيَمّمُ. قَالَ: فَلَحِقَ النّبِيّ ﷺ بِالْجِعِرّانَةِ فَأَعْطَاهُ مِائَةَ شَاةٍ.
قَالُوا: وَجَعَلَتْ الْأَعْرَابُ فِي طَرِيقِهِ يَسْأَلُونَهُ، وَكَثُرُوا عَلَيْهِ حَتّى اضْطَرّوهُ إلَى سَمُرَةٍ، فَخَطَفَتْ رِدَاءَهُ فَنَزَعَتْهُ عَنْ مِثْلِ شِقّةِ الْقَمَرِ، فَوَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: أَعْطُونِي رِدَائِي! أَعْطُونِي رِدَائِي! لَوْ كَانَ عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْته بَيْنَكُمْ، ثُمّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا ولا كذّابا! стр. 982
ثُمّ لَمّا كَانَ عِنْدَ الْقَسْمِ قَالَ: أَدّوا الْخِيَاطَ وَالْمِخْيَطَ [ (١) ] ، وَإِيّاكُمْ وَالْغُلُولَ فَإِنّهُ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ [ (٢) ] يَوْمَ الْقِيَامَةِ! ثُمّ أَخَذَ وَبَرَةً مِنْ جَنْبِ بَعِيرٍ فَقَالَ:
وَاَللهِ مَا يَحِلّ لِي مِمّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ وَلَا مِثْلُ هَذِهِ الْوَبَرَةِ إلّا الْخُمُسَ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُم.
قَالُوا: وَانْتَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْجِعِرّانَةِ، وَالسّبْيُ وَالْغَنَائِمُ بِهَا مَحْبُوسَةٌ، وَقَدْ اتّخَذَ السّبْيُ حَظَائِرَ [ (٣) ] يَسْتَظِلّونَ بِهَا مِنْ الشّمْسِ، فَلَمّا نَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى تِلْكَ الْحَظَائِرِ سَأَلَ عَنْهَا فَقَالُوا:
يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا سَبْيُ هَوَازِنَ اسْتَظَلّوا مِنْ الشّمْسِ. وَكَانَ السّبْيُ سِتّةَ آلَافٍ، وَكَانَتْ الْإِبِلُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ بَعِيرٍ، وَكَانَتْ الْغَنَمُ لَا يُدْرَى عَدَدُهَا، قَدْ قَالُوا أَرْبَعِينَ أَلْفًا وَأَقَلّ وَأَكْثَرَ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمَرَ بُسْرَ [ (٤) ] بْنَ سُفْيَانَ الْخُزَاعِيّ يَقْدَمُ مَكّةَ فَيَشْتَرِي لِلسّبْيِ ثِيَابًا يَكْسُوهَا، ثِيَابَ الْمَعْقِدِ [ (٥) ] ، فَلَا يَخْرُجُ الْمَرْءُ [ (٦) ] مِنْهُمْ إلّا كَاسِيًا، فَاشْتَرَى بُسْرٌ كُسْوَةً فَكَسَا السّبْيَ كُلّهُمْ، وَاسْتَأْذَنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالسّبْيِ، وَقَدْ كَانَ فَرّقَ مِنْهُ، وَأَعْطَى رِجَالًا، عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ مِنْهُنّ قَدْ وَطِئَهَا بِالْمِلْكِ، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ وَهَبَهَا لَهُ بِحُنَيْنٍ فَرَدّهَا إلَى الْجِعِرّانَةِ حَتّى حَاضَتْ فَوَطِئَهَا، وأعطى صفوان ابن أُمَيّةَ أُخْرَى، وَأَعْطَى عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵇ جارية يقال لها стр. 983
رَيْطَةُ بِنْتُ هِلَالِ بْنِ حَيّانَ بْنِ عُمَيْرَةَ، وَأَعْطَى عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ جَارِيَةً يُقَالُ لَهَا: زَيْنَبُ بِنْتُ حَيّانَ بْنِ عَمْرٍو، فَوَطِئَهَا عُثْمَانُ فَكَرِهَتْهُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلِيّ وَطِئَ.
وَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ جَارِيَةً، فَأَعْطَاهَا عُمَرُ ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، فَبَعَثَ بِهَا ابْنُ عُمَرَ إلَى أَخْوَالِهِ بِمَكّةَ بَنِي جُمَحَ لِيُصْلِحُوا مِنْهَا حَتّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ ثُمّ يَأْتِيَهُمْ، وَكَانَتْ جَارِيَةً وَضِيئَةً مُعْجِبَةً. [قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ:] [ (١) ] فَقَدِمْت مَكّةَ فَطُفْت بِالْبَيْتِ، فَخَرَجْت مِنْ الْمَسْجِدِ وَأَنَا أُرِيدُ الْجَارِيَةَ أَنْ أُصِيبَهَا، وَأَرَى النّاسَ يَشْتَدّونَ فَقُلْت: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: رَدّ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَ هَوَازِنَ وَأَبْنَاءَهَا. قَالَ: قُلْت: تِلْكَ صَاحِبَتُكُمْ فِي بَنِي جُمَحَ، فَاذْهَبُوا فَخُذُوهَا! فَذَهَبُوا فَأَخَذُوهَا. وَأَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ جَارِيَةً مِنْ سَبْيِ هَوَازِنَ فَلَمْ تُوطَأْ.
وَأَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا طَلْحَةُ. وَأَعْطَى سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقّاصٍ جَارِيَةً، وَأَعْطَى رسول الله ﷺ أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرّاحِ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا، وَأَعْطَى رَسُولُ الله ﷺ الزبير بن الْعَوّامِ جَارِيَةً، وَهَذَا كُلّهُ بِحُنَيْنٍ. فَلَمّا رَجَعَ رسول الله ﷺ إلى الْجِعِرّانَةِ أَقَامَ يَتَرَبّصُ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ وَفْدُهُمْ، وَبَدَأَ بِالْأَمْوَالِ فَقَسَمَهَا، وَأَعْطَى الْمُؤَلّفَةَ قُلُوبُهُمْ أَوّلَ النّاسِ.
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ غَنِمَ فِضّةً كَثِيرَةً، أَرْبَعَةَ آلَافِ أُوقِيّةٍ، فَجُمِعَتْ الْغَنَائِمُ بَيْنَ يَدَيْ النّبِيّ ﷺ ، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْفِضّةُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصْبَحْت أَكْثَرَ قُرَيْشٍ مَالًا! فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ: أَعْطِنِي مِنْ هَذَا الْمَالِ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: يَا بِلَالُ، زِنْ لِأَبِي سُفْيَانَ أَرْبَعِينَ أُوقِيّةً، وأعطوه стр. 984
مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: ابْنِي يَزِيدُ أَعْطِهِ! قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : زنوا ليزيد أَرْبَعِينَ أُوقِيّةً، وَأَعْطُوهُ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: ابْنِي مُعَاوِيَةُ، يَا رَسُولَ اللَّه! قَالَ: زِنْ لَهُ يَا بِلَالُ أَرْبَعِينَ أُوقِيّةً،
وَأَعْطُوهُ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: إنّك الْكَرِيمُ، فِدَاك أَبِي وَأُمّي! وَلَقَدْ حَارَبْتُك فَنِعْمَ الْمُحَارَبُ كُنْت، ثُمّ سَالَمْتُك فَنِعْمَ الْمُسَالَمُ أَنْتَ، جَزَاك اللَّه خَيْرًا! وَأَعْطَى فِي بَنِي أَسَدٍ.
قَالَ: حَدّثَنِي مَعْمَرٌ، عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَا: حَدّثَنَا حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ قَالَ: سَأَلْت رَسُولَ اللَّه ﷺ بحنين مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ فَأَعْطَانِيهَا، ثُمّ سَأَلْته مِائَةً فَأَعْطَانِيهَا، ثُمّ سَأَلْته مِائَةً فَأَعْطَانِيهَا، ثُمّ قَالَ رسول اللَّه ﷺ : يا حكيم ابن حِزَامٍ، إنّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَاَلّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ السّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ!
قَالَ: فَكَانَ حَكِيمٌ يَقُولُ: وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ، لَا أَرْزَأُ [ (١) ] أَحَدًا بَعْدَك شَيْئًا! فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁ يَدْعُوهُ إلَى عَطَائِهِ فَيَأْبَى يَأْخُذُهُ، فَيَقُولُ عُمَرُ: أَيّهَا النّاسُ، إنّي أُشْهِدُكُمْ عَلَى حَكِيمٍ أَنّي أَدْعُوهُ إلَى عَطَائِهِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَه. قَالَ: حَدّثَنَا ابْنُ أَبِي الزّناد قال: أخذ حكيم الماءة الْأُولَى ثُمّ تَرَكَ.
وَفِي بَنِي عَبْدِ الدّارِ: النّضَيْرُ، وَهُوَ أَخُو النّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كلدة، стр. 985
مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ. وَفِي بَنِي زُهْرَةَ: أُسَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ حَلِيفٌ لَهُمْ، مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ. وَأَعْطَى الْعَلَاءَ بْنَ جَارِيَةَ خَمْسِينَ بَعِيرًا، وَأَعْطَى مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ خَمْسِينَ بَعِيرًا. وَقَدْ رَأَيْت عَبْدَ اللَّه بْنَ جَعْفَرٍ يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَ مَخْرَمَةُ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ: مَا سَمِعْت أَحَدًا مِنْ أَهْلِي يَذْكُرُ أَنّهُ أُعْطِيَ شَيْئًا. وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى سَعِيدَ بْنَ يَرْبُوعٍ خَمْسِينَ مِنْ الْإِبِلِ. وَأَعْطَى فِي بَنِي جُمَحَ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيّةَ مِائَةَ بَعِيرٍ،
وَيُقَالُ إنّهُ طَافَ مَعَ النّبِيّ ﷺ وَالنّبِيّ ﷺ يَتَصَفّحُ الْغَنَائِمَ إذْ مَرّ بِشِعْبٍ مِمّا أَفَاءَ اللَّه عَلَيْهِ، فِيهِ غَنَمٌ وَإِبِلٌ وَرِعَاؤُهَا مَمْلُوءٌ. فَأَعْجَبَ صَفْوَانَ وَجَعَلَ يَنْظُرُ إلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : أَعْجَبَك يَا أَبَا وَهْبٍ هَذَا الشّعْبُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هُوَ لَك وَمَا فِيهِ.
فَقَالَ صَفْوَانُ: أَشْهَدُ مَا طَابَتْ بِهَذَا نَفْسُ أَحَدٍ قَطّ إلّا نَبِيّ، وَأَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللَّه! وَأَعْطَى قَيْسَ بْنَ عَدِيّ مِائَةً من الإبل، وأعطى عثمان ابن وَهْبٍ خَمْسِينَ مِنْ الْإِبِلِ. وَفِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ أَعْطَى سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزّى مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى هِشَامَ بْنَ عُمَرَ خَمْسِينَ مِنْ الْإِبِلِ. وَأَعْطَى فِي الْعَرَبِ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ التّمِيمِيّ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ بْنَ بَدْرٍ الْفَزَارِيّ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ. وَأَعْطَى الْعَبّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ السّلَمِيّ أَرْبَعًا مِنْ الْإِبِلِ، فَعَاتَبَ النّبِيّ ﷺ فِي شِعْرٍ قَالَهُ:
كَانَتْ [ (١) ] نِهَابًا تَلَافَيْتهَا ... بِكَرّي على القوم فى الأجرع [ (٢) ] стр. 986
وَحَثّي الْجُنُودَ لِكَيْ يُدْلِجُوا ... إذَا هَجَعَ الْقَوْمُ لَمْ أَهْجَعِ
فَأَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْبُ الْعَبِي ... دِ [ (١) ] بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ
إلّا أَفَائِلَ [ (٢) ] أُعْطِيتهَا ... عَدِيدَ قَوَائِمِهَا الْأَرْبَعِ
وَقَدْ كُنْت فِي الْحَرْبِ ذَا تُدْرَإٍ [ (٣) ] ... فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أُمْنَعِ
وَمَا كَانَ حِصْنٌ [ (٤) ] وَلَا حَابِسٌ ... يَفْوَقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ
وَمَا كُنْت دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا ... وَمَنْ تَضَعِ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ
فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ أَبْيَاتَهُ إلَى النّبِيّ ﷺ ، فَقَالَ النّبِيّ ﷺ لِلْعَبّاسِ: أَنْتَ الّذِي تَقُولُ «أَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْبُ الْعَبِيدِ بَيْنَ الْأَقْرَعِ وَعُيَيْنَةَ» ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁:
بِأَبِي وَأُمّي يَا رَسُولَ اللَّه، لَيْسَ هَكَذَا! قَالَ، قَالَ: كَيْفَ؟ قَالَ: فَأَنْشَدَهُ أَبُو بَكْرٍ كَمَا قَالَ عَبّاسٌ، فَقَالَ النّبِيّ ﷺ : سَوَاءٌ، مَا يَضُرّك بَدَأْت بِالْأَقْرَعِ أَمْ عُيَيْنَةَ! فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: بِأَبِي أنت وأمّى، ما أنت بشاعر ولا رواية، وَلَا يَنْبَغِي لَك. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : اقْطَعُوا لِسَانَهُ عَنّي. فَأَعْطُوهُ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ.
وَيُقَالُ خَمْسِينَ مِنْ الْإِبِلِ، فَفَزِعَ مِنْهَا أُنَاسٌ، وَقَالُوا: أَمَرَ بِعَبّاسٍ يُمَثّلُ بِهِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَيْنَا فِيمَا أَعْطَى رَسُولُ اللَّه ﷺ يَوْمَئِذٍ النّاسَ.
فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللَّه بْنُ جَعْفَرٍ. عَنْ ابْنِ أبى عون، عن سعد، عن стр. 987
إبْرَاهِيمَ وَيَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَا: كَانَتْ الْعَطَايَا فَارِعَةً [ (١) ] مِنْ الْغَنَائِمِ.
قَالَ: حَدّثَنِي مُوسَى بْنُ إبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَتْ مِنْ الْخُمُسِ.
فَأَثْبَتُ الْقَوْلَيْنِ أَنّهَا مِنْ الْخُمُسِ.
قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ: يَا رَسُولَ اللَّه، أَعْطَيْت عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ وَالْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِائَةً وَتَرَكْت جُعَيْلَ بْنَ سُرَاقَةَ الضّمْرِيّ! فَقَالَ رسول اللَّه ﷺ : أما وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَجُعَيْلُ بْنُ سُرَاقَةَ خَيْرٌ مِنْ طِلَاعِ [ (٢) ] الْأَرْضِ كُلّهَا مِثْلَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ، وَلَكِنّي تَأَلّفْتهمَا لِيُسْلِمَا، وَوَكَلْت جُعَيْلَ بْنَ سُرَاقَةَ إلَى إسْلَامِهِ.
وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَفِي ثَوْبِ بِلَالٍ فِضّةٌ يَقْبِضُهَا لِلنّاسِ عَلَى مَا أَرَاهُ اللَّه، فَأَتَاهُ ذُو الخويصرة التّمِيمِيّ فَقَالَ: اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللَّه! فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : وَيْلَك! فَمَنْ يَعْدِلْ إذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ قَالَ عُمَرُ: يا رسول اللَّه، إيذن لي أن أضرب عُنُقَهُ! قَالَ:
دَعْهُ، إنّ لَهُ أَصْحَابًا! يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يقرأون الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدّينِ كَمَا يَمْرُقُ السّهْمُ مِنْ الرّمِيّةِ، يَنْظُرُ [الرّامِي] فِي قُذَذِهِ [ (٣) ] فَلَا يَرَى شَيْئًا، ثُمّ يَنْظُرُ فِي نَصْلِهِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، ثُمّ يَنْظُرُ فِي رِصَافِهِ [ (٤) ] فَلَا يَرَى شَيْئًا، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدّمَ، يَخْرُجُونَ عَلَى فِرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، رأيتهم إنّ فيهم رجلا стр. 988
أَسْوَدَ، إحْدَى يَدَيْهِ [مِثْلُ ثَدْيِ] [ (١) ] الْمَرْأَةِ أَوْ كَبَضْعَةٍ تَدَرْدَر [ (٢) ] . فَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ يَقُولُ: أَشْهَدُ لَسَمِعْت عَلِيّا يُحَدّثُ هَذَا الْحَدِيثَ.
قَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْعُودٍ: سَمِعْت رَجُلًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ يَوْمَئِذٍ وَرَسُولُ اللَّه ﷺ يُعْطِي تِلْكَ الْعَطَايَا، وَهُوَ يَقُولُ: إنّهَا الْعَطَايَا مَا يُرَادُ بِهَا وَجْهُ اللَّه! قُلْت: أَمَا واللَّه لَأُبَلّغَنّ رَسُولَ اللَّه ﷺ مَا قُلْت. فَجِئْت رَسُولَ اللَّه ﷺ فَأَخْبَرْته، فَتَغَيّرَ لَوْنُهُ حَتّى نَدِمْت عَلَى مَا صَنَعْته، فَوَدِدْت أَنّي لَمْ أُخْبِرْهُ، ثُمّ قَالَ: يَرْحَمُ اللَّه أَخِي مُوسَى! قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ!
وَكَانَ الْمُتَكَلّمُ بِهَذَا مُعَتّبَ بْنَ قُشَيْرٍ الْعَمْرِيّ. ثُمّ أمر رسول اللَّه ﷺ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ بِإِحْصَاءِ النّاسِ وَالْغَنَائِمِ، ثُمّ فضّلها [ (٣) ] عَلَى النّاسِ، فَكَانَتْ سِهَامَهُمْ، لِكُلّ رَجُلٍ أَرْبَعٌ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ أَرْبَعُونَ شَاةً، فَإِنْ كَانَ فَارِسًا أَخَذَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مِنْ الْإِبِلِ، أَوْ عِشْرِينَ وَمِائَةَ شَاةٍ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَكْثَرُ مِنْ فَرَسٍ وَاحِدٍ لَمْ يُسْهَمْ لَهُ.
ذِكْرُ وَفْدِ هَوَازِنَ
قَالُوا: فَقَدِمَ وَفْدُ هَوَازِنَ، وَكَانَ فِي الْوَفْدِ عَمّ النّبِيّ ﷺ مِنْ الرّضَاعَةِ، قَالَ يَوْمَئِذٍ: يَا رَسُولَ اللَّه، إنّمَا فِي هَذِهِ الْحَظَائِرِ مَنْ كَانَ يَكْفُلُك مِنْ عَمّاتِك وَخَالَاتِك وَحَوَاضِنِك، وَقَدْ حَضَنّاك فى حجورنا، стр. 989
وَأَرْضَعْنَاك [ (١) ] بِثُدِيّنَا، وَلَقَدْ رَأَيْتُك مُرْضَعًا فَمَا رَأَيْت مُرْضَعًا خَيْرًا مِنْك، وَرَأَيْتُك فَطِيمًا فَمَا رَأَيْت فَطِيمًا خَيْرًا مِنْك، ثُمّ رَأَيْتُك شَابّا فَمَا رَأَيْت شَابّا خَيْرًا مِنْك، وَقَدْ تَكَامَلَتْ فِيك خِلَالُ الْخَيْرِ، وَنَحْنُ مَعَ ذَلِكَ أَهْلُك وَعَشِيرَتُك، فَامْنُنْ عَلَيْنَا مَنّ اللَّه عَلَيْك! فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ :
قَدْ اسْتَأْنَيْت بِكُمْ حَتّى ظَنَنْت أَنّكُمْ لَا تَقْدَمُونَ، وَقَدْ قُسِمَ السّبْيُ، وَجَرَتْ فِيهِمْ السّهْمَانُ. وَقَدِمَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، وَجَاءُوا بِإِسْلَامِ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، فَكَانَ رَأْسَ الْقَوْمِ وَالْمُتَكَلّمَ أَبُو صُرَدٍ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدٍ،
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه إنّا أَهْلُك وَعَشِيرَتُك، وَقَدْ أَصَابَنَا مِنْ الْبَلَاءِ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْك. يَا رَسُولَ اللَّه، إنّمَا فِي هَذِهِ الْحَظَائِرِ عَمّاتُك وَخَالَاتُك وَحَوَاضِنُك اللّاتِي كُنّ يَكْفُلْنَك، وَلَوْ أَنّا مَلَحْنَا [ (٢) ] لِلْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ وَلِلنّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، ثُمّ نَزَلَا مِنّا بِمِثْلِ الّذِي نَزَلْت بِهِ، رَجَوْنَا عَطْفَهُمَا وَعَائِدَتَهُمَا [ (٣) ] ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْمَكْفُولِينَ. وَيُقَالُ: إنّهُ قَالَ يَوْمَئِذٍ- أَبُو صُرَدٍ: إنّمَا فِي هَذِهِ الْحَظَائِرِ أَخَوَاتُك وَعَمّاتُك وَبَنَاتُ عَمّاتِك وَخَالَاتُك وَبَنَاتُ خَالَاتِك، وَأَبْعَدُهُنّ قَرِيبٌ مِنْك. يَا رَسُولَ اللَّه! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي، إنّهُنّ حَضَنّك فِي حُجُورِهِنّ، وَأَرْضَعْنَك بِثُدِيّهِنّ، وَتَوَرّكْنَك عَلَى أَوْرَاكِهِنّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْمَكْفُولِينَ! وَقَالَ:
أُمْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّه فِي كَرَمٍ ... فَإِنّك الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَدّخِرُ
أُمْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ عَاقَهَا [ (٤) ] قدر ... ممزّق شملها فى دهرها غير стр. 990
أُمْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْت تَرْضَعُهَا ... إذْ فوك مملوءة من محضها الدّرر [ (١) ]
اللآلي إذْ كُنْت طِفْلًا كُنْت تَرْضَعُهَا ... وَإِذْ يَزِينُك [ (٢) ] مَا تَأْتِي وَمَا تَذَرُ
أَلَا تَدَارَكَهَا نَعْمَاءُ تَنْشُرُهَا ... يَا أَرْجَحَ النّاسِ حَتّى حِينَ يُخْتَبَرُ
لَا تَجْعَلَنّا كَمَنْ شَالَتْ نَعَامَتُهُ [ (٣) ] ... وَاسْتَبْقِ مِنّا فَإِنّا مَعْشَرٌ زُهُرُ
إنّا لَنَشْكُرُ آلَاءً وَإِنْ قَدُمَتْ ... وَعِنْدَنَا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ مُدّخَرُ
فَقَالَ رسول اللَّه ﷺ : أن أَحْسَنَ الْحَدِيثِ أَصْدَقُهُ، وَعِنْدِي مَنْ تَرَوْنَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَأَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ أَحَبّ إلَيْكُمْ أَمْ أَمْوَالُكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، خَيّرْتنَا بَيْنَ أَحْسَابِنَا وَبَيْنَ أَمْوَالِنَا، وَمَا كُنّا نَعْدِلُ بِالْأَحْسَابِ شَيْئًا، فَرُدّ عَلَيْنَا أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا! فَقَالَ النّبِيّ ﷺ : أَمّا مَا لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ، وَأَسْأَلُ لَكُمْ النّاسَ، وَإِذَا صَلّيْت الظّهْرَ بِالنّاسِ فَقُولُوا، إنّا لَنَسْتَشْفِعُ بِرَسُولِ اللَّه إلَى الْمُسْلِمِينَ، وَبِالْمُسْلِمِينَ إلَى رَسُولِ اللَّه! فَإِنّي سَأَقُولُ لَكُمْ، مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ، وَسَأَطْلُبُ لَكُمْ إلَى النّاسِ. فَلَمّا صَلّى رَسُولُ اللَّه ﷺ الظّهْرَ بِالنّاسِ قَامُوا فَتَكَلّمُوا بِاَلّذِي أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ فَقَالُوا: إنّا نَسْتَشْفِعُ بِرَسُولِ اللَّه إلَى الْمُسْلِمِينَ، وَبِالْمُسْلِمِينَ إلَى رَسُولِ اللَّه! فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : أما ما كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ. فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: فَمَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّه! وقالت الْأَنْصَارُ: مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّه! قَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: أَمّا أَنَا وَبَنُو تميم فلا! وقال عيينة بن حصن: стр. 991
أَمّا أَنَا وَفَزَارَةُ فَلَا! وَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السّلَمِيّ: أَمّا أَنَا وَبَنُو سُلَيْمٍ فَلَا! قَالَتْ بَنُو سُلَيْمٍ: مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّه! فَقَالَ الْعَبّاسُ:
وَهّنْتُمُونِي [ (١) ] ! ثُمّ قَامَ رسول اللَّه ﷺ في الناس خطيبا فقال: إنّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ جَاءُوا مُسْلِمِينَ، وَقَدْ كُنْت اسْتَأْنَيْت بِهِمْ فَخَيّرْتهمْ بَيْنَ النّسَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْأَمْوَالِ، فَلَمْ يَعْدِلُوا بِالنّسَاءِ وَالْأَبْنَاءِ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنّ شَيْءٌ فَطَابَتْ نَفْسُهُ أَنْ يَرُدّهُ فَلْيُرْسِلْ، وَمَنْ أَبَى مِنْكُمْ وَتَمَسّكَ بِحَقّهِ فَلْيَرُدّ عَلَيْهِمْ، وَلْيَكُنْ فَرْضًا عَلَيْنَا سِتّ فَرَائِضَ مِنْ أَوّلِ مَا يَفِيءُ اللَّه بِهِ عَلَيْنَا! قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، رَضِينَا وَسَلّمْنَا! قَالَ: فَمُرُوا عُرَفَاءَكُمْ أَنْ يَدْفَعُوا ذَلِكَ إلَيْنَا حَتّى نَعْلَمَ.
فَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَطُوفُ عَلَى الْأَنْصَارِ يَسْأَلُهُمْ: هَلْ سَلّمُوا وَرَضُوا؟ فَخَبّرُوهُ أَنّهُمْ سَلّمُوا وَرَضُوا، وَلَمْ يَتَخَلّفْ رَجُلٌ وَاحِدٌ. وَبَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁ إلَى الْمُهَاجِرِينَ يَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَتَخَلّفْ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ. وَكَانَ أَبُو رُهْمٍ الْغِفَارِيّ يَطُوفُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ، ثُمّ جَمَعُوا الْعُرَفَاءَ، وَاجْتَمَعَ الْأُمَنَاءُ الّذِينَ أَرْسَلَهُمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ ، فَاتّفَقُوا عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، تَسْلِيمِهِمْ وَرِضَاهُمْ، وَدَفَعَ مَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ السّبْيِ. فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ الّتِي عِنْدَ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَدْ خُيّرَتْ تُقِيمُ أَوْ تَرْجِعُ إلَى قَوْمِهَا، فَاخْتَارَتْ قَوْمَهَا فَرُدّتْ إلَيْهِمْ. وَاَلّتِي عِنْدَ عَلِيّ وَعُثْمَانَ وَطَلْحَةَ وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ وَابْنِ عُمَرَ، رَجَعْنَ إلَى قَوْمِهِنّ. وَأَمّا الّتِي عِنْدَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ فَاخْتَارَتْ سَعْدًا وَلَهَا مِنْهُ وَلَدٌ.
وَكَانَ عُيَيْنَةُ قَدْ خَيّرُوهُ فِي السّبْيِ فَأَخَذَ رَأْسًا مِنْهُمْ، نَظَرَ إلَى عَجُوزٍ كَبِيرَةٍ فَقَالَ: هَذِهِ أُمّ الْحَيّ! لَعَلّهُمْ أَنْ يُغْلُوا بِفِدَائِهَا. فإنّه عسى أن стр. 992
يَكُونَ لَهَا فِي الْحَيّ نَسَبٌ! فَجَاءَ ابْنُهَا إلَى عُيَيْنَةَ فَقَالَ: هَلْ لَك فِي مِائَةٍ مِنْ الْإِبِلِ؟ قَالَ: لَا فَرَجَعَ عَنْهُ وَتَرَكَهُ سَاعَةً، فَجَعَلَتْ الْعَجُوزُ تَقُولُ لِابْنِهَا: مَا أَرَبُك [ (١) ] فِي نَقْدِ مِائَةِ نَاقَةٍ؟ اُتْرُكْهُ، فَمَا أَسْرَعَ مَا يَتْرُكُنِي بِغَيْرِ فِدَاءٍ! فَلَمّا سَمِعَهَا عُيَيْنَةُ قَالَ: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ خُدْعَةً! واللَّه مَا أَنَا مِنْ هَذِهِ إلّا فِي غُرُورٍ وَلَا جَرَمَ، واللَّه لَأُبَاعِدَنّ أَثَرَك مِنّي! قَالَ: ثُمّ مَرّ بِهِ ابْنُهَا فَقَالَ: هَلْ لَك فِي الْعَجُوزِ فِيمَا دَعَوْتنِي إلَيْهِ! قَالَ ابْنُهَا: لَا أَزِيدُك عَلَى خَمْسِينَ. قَالَ عُيَيْنَةُ: لَا أَفْعَلُ. قَالَ: فَلَبِثَ سَاعَةً فَمَرّ بِهِ مَرّةً أُخْرَى وَهُوَ مُعْرِضٌ عَنْهُ. قَالَ عُيَيْنَةُ: هَلْ لَك فِي الْعَجُوزِ فِي الّذِي بَذَلْت لِي؟
قَالَ الْفَتَى: لَا أَزِيدُك عَلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَرِيضَةً [ (٢) ] ، هَذَا الّذِي أَقْوَى عَلَيْهِ. قَالَ عُيَيْنَةُ: واللَّه لَا أَفْعَلُ، بَعْدَ مِائَةِ فَرِيضَةٍ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ! فلمّا تخوّف عيينة أن يتفرّق الناس ويرتحلون جَاءَهُ عُيَيْنَةُ فَقَالَ: هَلْ لَك إلَى مَا دَعَوْتنِي إلَيْهِ؟ قَالَ الْفَتَى: هَلْ لَك إلَى عَشْرِ فَرَائِضَ أُعْطِيكهَا؟
قَالَ عُيَيْنَةُ: واللَّه لَا أَفْعَلُ! فَلَمّا رَحَلَ النّاسُ نَادَاهُ عُيَيْنَةُ: هَلْ لَك إلَى مَا دَعَوْتنِي إلَيْهِ إنْ شِئْت؟ قَالَ الْفَتَى: أَرْسِلْهَا وَأَحْمِلُك. قَالَ: لَا واللَّه، مَا لِي بِحَمْلِك حَاجَةٌ. قَالَ: وَأَقْبَلَ عُيَيْنَةُ عَلَى نَفْسِهِ لَائِمًا لَهَا، وَيَقُولُ: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ أَمْرًا. قَالَ الْفَتَى: أَنْتَ صَنَعْت هَذَا بِنَفْسِك، عَمَدْت إلَى عَجُوزٍ كَبِيرَةٍ، واللَّه مَا ثَدْيُهَا بِنَاهِدٍ، وَلَا بَطْنُهَا، بِوَالِدٍ، وَلَا فُوهَا [ (٣) ] بِبَارِدٍ، وَلَا صَاحِبُهَا بِوَاجِدٍ [ (٤) ] ، فَأَخَذْتهَا مِنْ بَيْنِ مَنْ تَرَى. فَقَالَ عُيَيْنَةُ:
خُذْهَا لَا بَارَكَ اللَّه لَك فِيهَا، وَلَا حَاجَةَ لِي فِيهَا! قال، يقول الفتى: стр. 993
يَا عُيَيْنَةُ، إنّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَدْ كَسَا السّبْيَ فَأَخْطَأَهَا مِنْ بَيْنِهِمْ بِالْكُسْوَةِ، فَمَا أَنْتَ كَاسِيهَا ثَوْبًا؟ قَالَ: لَا واللَّه، مَا ذَلِكَ لَهَا عِنْدِي! قَالَ: لَا تَفْعَلْ! فَمَا فَارَقَهُ حَتّى أَخَذَ مِنْهُ شَمْلَ ثَوْبٍ، ثُمّ وَلّى الْفَتَى وَهُوَ يَقُولُ: إنّك لَغَيْرُ بَصِيرٍ بِالْفُرَصِ! وَشَكَا عُيَيْنَةُ إلَى الْأَقْرَعِ مَا لَقِيَ، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إنّك واللَّه مَا أَخَذْتهَا بِكْرًا غَرِيرَةً [ (١) ] ، وَلَا نَصَفًا [ (٢) ] وَثِيرَةً [ (٣) ] ، وَلَا عَجُوزًا أَصِيلَةً، عَمَدْت إلَى أَحْوَجِ شَيْخٍ فِي هَوَازِنَ فَسَبَيْت امْرَأَتَهُ. قَالَ عُيَيْنَةُ: هُوَ ذاك.
وتمسك بَنُو تَمِيمٍ مَعَ الْأَقْرَعِ بِالسّبْيِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ الْفِدَاءَ سِتّ فَرَائِضَ، ثَلَاثَ حِقَاقٍ [ (٤) ] وَثَلَاثَ جِذَاعٍ [ (٥) ] .
وَكَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَوْمَئِذٍ: لَوْ كَانَ ثَابِتًا عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْعَرَبِ وَلَاءٌ أَوْ رِقّ لَثَبَتَ الْيَوْمَ، وَلَكِنْ إنّمَا هُوَ إسَارٌ وَفِدْيَةٌ. وَكَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ الْعَدَوِيّ عَلَى مَقَاسِمِ الْمَغْنَمِ.
وقال رسول اللَّه ﷺ لِلْوَفْدِ: مَا فَعَلَ مَالِكٌ [ (٦) ] ؟ قَالُوا:
يَا رَسُولَ اللَّه، هَرَبَ فَلَحِقَ بِحِصْنِ الطّائِفِ مَعَ ثَقِيفٍ. قال رسول اللَّه ﷺ : أَخْبِرُوهُ أَنّهُ إنْ كَانَ يَأْتِي مُسْلِمًا رَدَدْت عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَأَعْطَيْته مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ. وكان رسول اللَّه ﷺ أمر стр. 994
بِحَبْسِ أَهْلِ مَالِكٍ بِمَكّةَ عِنْدَ عَمّتِهِمْ أُمّ عَبْدِ اللَّه بِنْتِ أَبِي أُمَيّةَ. فَقَالَ الْوَفْدُ:
يَا رَسُولَ اللَّه، أُولَئِكَ سَادَتُنَا وَأَحِبّتُنَا إلَيْنَا. فقال رسول اللَّه ﷺ :
إنّمَا أُرِيدُ بِهِمْ الْخَيْر.
فَوَقَفَ مَالَ مَالِكٍ فَلَمْ يُجْرِ فِيهِ السّهْمَ، فَلَمّا بَلَغَ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ الْخَبَرُ، وَمَا صَنَعَ فِي قَوْمِهِ، وَمَا وَعَدَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ . وَأَنّ أَهْلَهُ وَمَالَهُ مَوْقُوفٌ، وَقَدْ خَافَ مَالِكٌ ثَقِيفًا عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَعْلَمُوا أَنّ رسول اللَّه ﷺ قال لَهُ مَا قَالَ فَيَحْبِسُونَهُ، أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَقُدّمَتْ حَتّى وُضِعَتْ بِدَحْنَا [ (١) ] وَأَمَرَ بِفَرَسٍ لَهُ فَأُتِيَ بِهِ لَيْلًا، فَخَرَجَ مِنْ الْحِصْنِ فَجَلَسَ عَلَى فَرَسِهِ لَيْلًا فَرَكَضَهُ حَتّى أَتَى دَحْنَا، فَرَكِبَ عَلَى بَعِيرِهِ فَلَحِقَ رَسُولَ اللَّه ﷺ فَيُدْرِكُهُ قَدْ رَكِبَ مِنْ الْجِعِرّانَةِ، فَرَدّ عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَأَعْطَاهُ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ. وَيُقَالُ:
لَحِقَهُ بِمَكّةَ، وَاسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ وَمِنْ تِلْكَ الْقَبَائِلِ حَوْلَ الطّائِفِ مِنْ هَوَازِنَ وَفَهْمٍ، فَكَانَ قَدْ ضَوَى إلَيْهِ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ، وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً، فَكَانَ يُقَاتِلُ بِهِمْ مَنْ كَانَ عَلَى الشّرْكِ، وَيُغِيرُ بِهِمْ عَلَى ثَقِيفٍ، يُقَاتِلُهُمْ بِهِمْ، وَلَا يَخْرُجُ لِثَقِيفٍ سَرْحٌ إلّا أَغَارَ عَلَيْهِ. وَقَدْ رَجَعَ حِينَ رَجَعَ وَقَدْ سَرّحَ النّاسُ مَوَاشِيَهُمْ، وَأَمِنُوا فِيمَا يَرَوْنَ حَيْثُ انْصَرَفَ عَنْهُمْ رسول اللَّه ﷺ ، فكان لَا يَقْدِرُ عَلَى سَرْحٍ إلّا أَخَذَهُ، وَلَا عَلَى رَجُلٍ إلّا قَتَلَهُ، فَكَانَ قَدْ بَعَثَ إلَى النّبِيّ ﷺ بِالْخُمُسِ مِمّا يُغِيرُ بِهِ، مَرّةً مِائَةَ بَعِيرٍ وَمَرّةً أَلْفَ شَاةٍ، وَلَقَدْ أَغَارَ عَلَى سَرْحٍ لِأَهْلِ الطّائِفِ فَاسْتَاقَ لَهُمْ أَلْفَ شَاةٍ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ. فَقَالَ فِي ذَلِكَ أَبُو مِحْجَنِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرِ الثّقَفِيّ:
تَهَابُ الأعداء جانبنا ... ثمّ تغزونا بنو سلمه стр. 995
وَأَتَانَا مَالِكٌ بِهِمُ ... نَاقِضًا لِلْعَهْدِ وَالْحُرُمَهْ
وَأَتَوْنَا فِي مَنَازِلِنَا ... وَلَقَدْ كَانُوا أُولِي نَقِمَهْ
فَقَالَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ:
مَا إنْ رَأَيْت وَلَا سَمِعْت بِمِثْلِهِ ... فِي النّاسِ كُلّهِمُ بِمِثْلِ مُحَمّدِ
أوفى وأعطى للجزيل [ (١) ] إذا اجتدى ... ومتى تشأ يُخْبِرْك عَمّا فِي غَدِ [ (٢) ]
وَإِذَا الْكَتِيبَةُ عَرّدَتْ [ (٣) ] أَنْيَابَهَا ... بِالْمَشْرَفِيّ [ (٤) ] وَضَرْبِ كُلّ مُهَنّدِ [ (٥) ]
فَكَأَنّهُ لَيْثٌ عَلَى أَشْبَالِهِ ... وَسْطَ الْهَبَاءَةِ [ (٦) ] خَادِرٌ [ (٧) ] فِي مَرْصَدِ
قَالُوا: لَمّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّه ﷺ فِي قُرَيْشٍ وَفِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَجَدَ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ، حَتّى كَثُرَتْ الْقَالَةُ [ (٨) ] حَتّى قَالَ قَائِلُهُمْ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّه ﷺ قومه، وأمّا حِينَ الْقِتَالِ فَنَحْنُ أَصْحَابُهُ، وَأَمّا حِينَ الْقَسْمِ فَقَوْمُهُ وَعَشِيرَتُهُ، وَوَدِدْنَا أَنّا نَعْلَمُ مِمّنْ كَانَ هذا! إن كان هذا من اللَّه стр. 996
صَبَرْنَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا مِنْ رَأْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ اسْتَعْتَبْنَاهُ.
فَبَلَغَ ذلك رسول الله ﷺ فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
مَا يَقُولُ فِيّ قَوْمُك؟ قَالَ: وَمَا يَقُولُونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: أَمّا حِينَ الْقِتَالِ فَنَحْنُ أَصْحَابُهُ، وَأَمّا حِينَ الْقَسْمِ فَقَوْمُهُ وَعَشِيرَتُهُ، وَوَدِدْنَا أَنّا نَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هَذَا! إنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ اللهِ صَبَرْنَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ رَأْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ اسْتَعْتَبْنَاهُ. فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟ فَقَالَ سَعْدٌ:
يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَنَا إلّا كَأَحَدِهِمْ، وَإِنّا لَنُحِبّ أَنْ نَعْلَمَ مِنْ أَيْنَ هَذَا؟
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَاجْمَعْ مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ الْأَنْصَارِ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ. فَجَمَعَ الْأَنْصَارَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ، فَجَاءَ رِجَالٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا، وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدّهُمْ، فَلَمّا اجْتَمَعُوا لَهُ جَاءَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ اجْتَمَعَ لَك هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ. فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْغَضَبُ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِاَلّذِي هُوَ أَهْلُهُ، ثُمّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، مَقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ، وَجِدَةٌ [ (١) ] وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ، أَلَمْ آتِكُمْ ضُلّالًا فَهَدَاكُمْ اللهُ، وَعَالَةً [ (٢) ] فَأَغْنَاكُمْ اللهُ، وَأَعْدَاءً فَأَلّفَ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ؟ قَالُوا:
بَلَى، اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنّ وَأَفْضَلُ! قَالَ: أَلَا تُجِيبُونِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ؟
قَالُوا: وَمَاذَا نُجِيبُك يَا رَسُولَ اللهِ، وَلِرَسُولِ اللهِ الْمَنّ وَالْفَضْلُ؟ قَالَ: أَمَا وَاَللهِ لَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ فَصَدَقْتُمْ: أَتَيْتنَا مُكَذّبًا فَصَدّقْنَاك، وَمَخْذُولًا [ (٣) ] فَنَصَرْنَاك، стр. 997
وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاك، وَعَائِلًا فَآسَيْنَاك [ (١) ] ! وَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي شَيْءٍ مِنْ الدّنْيَا تَأَلّفْت بِهِ قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إلَى إسْلَامِكُمْ، أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النّاسُ بِالشّاءِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُوا بِرَسُولِ اللهِ إلَى رِحَالِكُمْ؟ وَاَلّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْت امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْت شِعْبَ الْأَنْصَارِ. أَكْتُبُ لَكُمْ بِالْبَحْرَيْنِ كِتَابًا مِنْ بَعْدِي تَكُونُ [ (٢) ] لَكُمْ خَاصّةً دُونَ النّاسِ! فَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَفْضَلُ مَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَنْصَارِ.
قَالُوا: وَمَا حَاجَتُنَا بِالدّنْيَا بَعْدَك يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: إمّا لَا فَسَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتّى تَلْقَوْا اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنّ مَوْعِدَكُمْ الْحَوْضُ، وَهُوَ كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَعُمَانَ، وَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النّجُومِ. اللهُمّ ارْحَمْ الْأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ! قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمُ حَتّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا يَا رَسُولَ اللهِ حَظّا وَقَسْمًا. وَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَفَرّقُوا.
وَانْتَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْجِعِرّانَةِ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ لِخَمْسِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، فَأَقَامَ بِالْجِعِرّانَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، فَلَمّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ إلَى الْمَدِينَةِ خَرَجَ مِنْ الْجِعِرّانَةِ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ لَيْلًا، فَأَحْرَمَ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الّذِي تَحْتَ [ (٣) ] الْوَادِي стр. 998
بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى، وَكَانَ مُصَلّى رَسُولِ اللهِ ﷺ إذَا كَانَ بِالْجِعِرّانَةِ- فَأَمّا هَذَا الْمَسْجِدُ الْأَدْنَى، فَبَنَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَاِتّخَذَ ذَلِكَ الْحَائِطَ عِنْدَهُ- وَلَمْ يَجُزْ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْوَادِيَ إلّا مُحْرِمًا، فَلَمْ يَزَلْ يُلَبّي حَتّى اسْتَلَمَ الرّكْنَ. وَيُقَالُ: لَمّا نَظَرَ إلَى الْبَيْتِ قَطَعَ التّلْبِيَةَ، فَلَمّا أَتَى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ عَلَى بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، وَدَخَلَ وَطَافَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ [ (١) ] يَرْمُلُ [ (٢) ] مِنْ الْحَجَرِ إلَى الْحَجَرِ، ثُمّ خَرَجَ فَطَافَ بَيْنَ الصّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَتّى إذَا انْتَهَى إلَى الْمَرْوَةِ فِي الطّوَافِ السّابِعِ حَلَقَ رَأْسَهُ. عِنْدَ الْمَرْوَةِ، حَلَقَهُ أَبُو هِنْدٍ عَبْدُ بَنِي بَيَاضَةَ، وَيُقَالُ حَلَقَهُ خِرَاشُ بْنُ أُمَيّةَ، وَلَمْ يَسُقْ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهَا هَدْيًا. ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْجِعِرّانَةِ مِنْ لَيْلَتِهِ فَكَانَ كَبَائِتٍ بِهَا، فَلَمّا رَجَعَ إلَى الْجِعِرّانَةِ خَرَجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَسَلَكَ فِي وَادِي الْجِعِرّانَةِ، وَسَلَكَ مَعَهُ حَتّى خَرَجَ عَلَى سَرِفَ، ثُمّ أَخَذَ الطّرِيقَ حَتّى انْتَهَى إلَى مَرّ الظّهْرَانِ.
واستعمل رسول الله ﷺ عَتّابَ بْنَ أَسِيدٍ عَلَى مَكّةَ، وَخَلّفَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَأَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ يُعَلّمَانِ النّاسَ الْقُرْآنَ وَالْفِقْهَ فِي الدّينِ. وَقَالَ لَهُ: أَتَدْرِي عَلَى مَنْ أَسْتَعْمِلُك؟ قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ! قَالَ: اسْتَعْمَلْتُك عَلَى أَهْلِ اللهِ، بَلّغْ عَنّي أَرْبَعًا: لَا يَصْلُحُ شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا بَيْعٌ وَسَلَفٌ، وَلَا بَيْعٌ مَا لَمْ يُضْمَنْ، ولا تأكل ربح ما ليس عندك!
وأقام لِلنّاسِ الْحَجّ عَتّابُ بْنُ أَسِيدٍ تِلْكَ السّنَةَ- وَهِيَ سَنَةُ ثَمَانٍ- بِغَيْرِ تَأْمِيرٍ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى الْحَجّ، ولكنه أمير مكّة، وحجّ стр. 999
نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَلَى مُدّتِهِمْ، وَيُقَالُ: أن رسول الله ﷺ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْحَجّ. وَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ.
قُدُومُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ
قَالُوا: كَانَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ حِينَ حَاصَرَ النّبِيّ ﷺ أَهْلَ الطّائِفِ بجرش، يَتَعَلّمُ عَمَلَ الدّبّابَاتِ وَالْمَنْجَنِيقِ، ثُمّ رَجَعَ إلَى الطّائِفِ بَعْدَ أَنْ وَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَعَمِلَ الدّبّابَاتِ وَالْمَنْجَنِيقَ وَالْعَرّادَاتِ [ (١) ] وَأَعَدّ ذَلِكَ حَتّى قَذَفَ اللهُ فِي قَلْبِهِ الْإِسْلَامَ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ عَلَى النّبِيّ ﷺ فَأَسْلَمَ، ثُمّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اِيذَنْ لِي فَآتِيَ قَوْمِي فأدعوهم إلى الإسلام، فو الله مَا رَأَيْت مِثْلَ هَذَا الدّينِ ذَهَبَ عَنْهُ ذَاهِبٌ، فَأَقْدَمُ عَلَى أَصْحَابِي وَقَوْمِي بِخَيْرِ قَادِمٍ، وَمَا قَدِمَ وَافِدٌ قَطّ عَلَى قَوْمِهِ إلّا مَنْ قَدِمَ بِمِثْلِ مَا قَدِمْت بِهِ، وَقَدْ سَبَقْت يَا رَسُولَ اللهِ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ. فقال رسول الله ﷺ : إنّهُمْ إذًا قَاتِلُوك! قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَأَنَا أَحَبّ إلَيْهِمْ مِنْ أَبْكَارِ أَوْلَادِهِمْ. ثُمّ اسْتَأْذَنَهُ الثّانِيَةَ فَأَعَادَ عَلَيْهِ الْكَلَامَ الْأَوّلَ، وَقَالَ رسول الله ﷺ : إنهم إذًا قَاتِلُوك. قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ وَجَدُونِي نَائِمًا مَا أَيْقَظُونِي.
وَاسْتَأْذَنَهُ الثّالِثَةَ فَقَالَ: إنْ شِئْت فَاخْرُجْ! فَخَرَجَ إلَى الطّائِفِ فَسَارَ إلَيْهَا خَمْسًا، فَقَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ عِشَاءً فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَأَنْكَرَ قَوْمُهُ دُخُولَهُ مَنْزِلَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الرّبّةَ [ (٢) ] : ثُمّ قَالُوا: السّفَرُ قَدْ حَصَرَهُ [ (٣) ] . فجاءوا стр. 1000
مَنْزِلَهُ فَحَيّوْهُ تَحِيّةَ الشّرْكِ، فَكَانَ أَوّلَ مَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَحِيّةُ الشّرْكِ، فَقَالَ: عَلَيْكُمْ تَحِيّةُ أَهْلِ الْجَنّةِ. ثُمّ دَعَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، وَقَالَ:
يَا قَوْمِ، أَتَتّهِمُونَنِي؟ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنّي أَوْسَطُكُمْ نَسَبًا، وَأَكْثَرُكُمْ مَالًا، وَأَعَزّكُمْ نَفَرًا؟ فَمَا حَمَلَنِي عَلَى الْإِسْلَامِ إلّا أَنّي رَأَيْت أَمْرًا لَا يَذْهَبُ عَنْهُ ذَاهِبٌ! فَاقْبَلُوا نُصْحِي، وَلَا تَسْتَعْصُونِي، فو الله مَا قَدِمَ وَافِدٌ عَلَى قَوْمٍ بِأَفْضَلَ مِمّا قَدِمْت بِهِ عَلَيْكُمْ! فَاتّهَمُوهُ، وَاسْتَغَشّوهُ، وَقَالُوا: قَدْ وَاللّاتِ وَقَعَ فِي أَنْفُسِنَا حَيْثُ لَمْ تَقْرَبْ الرّبّةَ، وَلَمْ تَحْلِقْ رَأْسَك عِنْدَهَا أَنّك قَدْ صَبَوْت [ (١) ] ! فَآذَوْهُ، وَنَالُوا مِنْهُ، وَحَلُمَ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ يَأْتَمِرُونَ كَيْفَ يَصْنَعُونَ بِهِ، حَتّى إذا طَلَعَ الْفَجْرُ أَوْفَى عَلَى غُرْفَةٍ لَهُ فَأَذّنَ بِالصّلَاةِ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ رَهْطِهِ مِنْ الْأَحْلَافِ يُقَالُ لَهُ وَهْبُ بْنُ جَابِرٍ- وَيُقَالُ: رَمَاهُ أَوْسُ بْنُ عَوْفٍ مِنْ بَنِي مَالِكٍ، وَهَذَا أَثْبَتُ عِنْدَنَا- وَكَانَ عُرْوَةُ رَجُلًا مِنْ الْأَحْلَافِ، فَأَصَابَ أَكْحَلَهُ [ (٢) ] فَلَمْ يَرْقَأْ دَمُهُ [ (٣) ] . وَحُشِدَ قَوْمُهُ فِي السّلَاحِ، وَجُمِعَ الْآخَرُونَ وَتَجَايَشُوا، فَلَمّا رَأَى عُرْوَةُ مَا يَصْنَعُونَ قَالَ: لَا تَقْتَتِلُوا فِيّ، فَإِنّي قَدْ تَصَدّقْت بِدَمِي عَلَى صَاحِبِهِ لِيُصْلِحَ بِذَلِكَ بَيْنَكُمْ، فَهِيَ كَرَامَةُ اللهِ أَكْرَمَنِي اللهُ بِهَا، الشّهَادَةُ سَاقَهَا اللهُ إلَيّ، أَشْهَدُ أَنّ محمّدا رسول الله، خبّرنى عنكم هذا أَنّكُمْ تَقْتُلُونَنِي! ثُمّ قَالَ لِرَهْطِهِ: ادْفِنُونِي مَعَ الشّهَدَاءِ الّذِينَ قُتِلُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ عَنْكُمْ. قَالَ: فَدَفَنُوهُ مَعَهُمْ. وَبَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَتْلُهُ فَقَالَ: مَثَلُ عُرْوَةَ مَثَلُ صَاحِبِ يَاسِينَ، دَعَا قَوْمَهُ إلَى اللهِ فَقَتَلُوه.
وَيُقَالُ: إنّ عُرْوَةَ لَمْ يَقْدَمْ الْمَدِينَةَ. وَإِنّمَا لَحِقَ رَسُولَ اللهِ صَلّى الله стр. 1001
عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنَ مَكّةَ وَالْمَدِينَةِ فَأَسْلَمَ ثُمّ انْصَرَفَ، وَالْقَوْلُ الْأَوّلُ أَثْبَتُ عِنْدَنَا.
فَلَمّا قُتِلَ عُرْوَةُ، قَالَ ابْنُهُ أَبُو مُلَيْحٍ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنُ أَخِيهِ قَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودٍ لِأَهْلِ الطّائِفِ: لَا نُجَامِعُكُمْ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا، وَقَدْ قَتَلْتُمْ عُرْوَةَ. ثُمّ لَحِقَا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَسْلَمَا، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : تَوَلّيَا مَنْ شِئْتُمَا. قَالَا: نَتَوَلّى اللهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ النّبِيّ ﷺ : وَخَالُكُمَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْب، حَالِفَاهُ.
فَفَعَلَا، وَنَزَلَا عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَأَقَامَا بِالْمَدِينَةِ حَتّى قَدِمَ وَفْدُ ثَقِيفٍ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ.
قَالُوا: وَكَانَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ أَحَدَ بَنِي عِلَاجٍ، وَكَانَ مِنْ أَدْهَى الْعَرَبِ، وَأَنْكَرِهِمْ [ (١) ] ، وكان مهاجرا لعبد يا ليل بن عمرو، وتمشّى إلى عبد يا ليل ظُهْرًا حَتّى دَخَلَ دَارَهُ، ثُمّ أَرْسَلَ إلَيْهِ: إنّ عَمْرًا يَقُولُ: اُخْرُجْ إلَيّ! فَلَمّا جَاءَ الرسول إلى عبد يا ليل قَالَ: وَيْحَك! عَمْرٌو أَرْسَلَك؟ قَالَ: نَعَمْ، وَهُوَ واقف فى الدار. وكان عبد يا ليل يُحِبّ صُلْحَهُ وَيَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ إلَيْهِ، فَقَالَ عبد يا ليل: إنّ هَذَا لَشَيْءٌ مَا كُنْت أَظُنّهُ بِعَمْرٍو، وَمَا هُوَ إلّا عَنْ أَمْرٍ قَدْ حَدَثَ وَكَانَ أَمْرًا سُوءًا، مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ ناحية محمّد. فخرج إليه عبد يا ليل، فَلَمّا رَآهُ رَحّبَ بِهِ، فَقَالَ عَمْرٌو: قَدْ نَزَلَ بِنَا أَمْرٌ لَيْسَتْ مَعَهُ هِجْرَةٌ، إنّهُ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ هَذَا الرّجُلِ مَا قَدْ رَأَيْت، وَقَدْ أَسْلَمَتْ الْعَرَبُ كُلّهَا وَلَيْسَتْ لَكُمْ بِهِمْ طَاقَةٌ، وَإِنّمَا نَحْنُ فِي حِصْنِنَا هذا، ما بقاؤنا فيه وهذه أَطْرَافُنَا تُصَابُ! وَلَا نَأْمَنُ مِنْ أَحَدٍ مِنّا يَخْرُجُ شِبْرًا وَاحِدًا مِنْ حِصْنِنَا هَذَا، فَانْظُرُوا فى أمركم! قال عبد يا ليل: قد والله رأيت стр. 1002
مَا رَأَيْت، فَمَا اسْتَطَعْت أَنْ أَتَقَدّمَ بِاَلّذِي تَقَدّمْت بِهِ، وَإِنّ الْحَزْمَ وَالرّأْيَ الّذِي فِي يَدَيْك. قَالَ: فَائْتَمَرَتْ ثَقِيفٌ بَيْنَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:
أَلَا تَرَوْنَ أَنّهُ لَا يَأْمَنُ لَكُمْ سِرْبٌ [ (١) ] ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلّا اُقْتُطِعَ؟
فَائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ، فَأَرَادُوا أَنْ يُرْسِلُوا رَسُولًا إلَى النّبِيّ ﷺ ، كَمَا خَرَجَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إلَى النّبِيّ ﷺ . قال: فابعثوا رأسكم عبد يا ليل. فكلّموا عبد يا ليل بْنَ عَمْرِو بْنِ حَبِيبٍ، وَكَانَ سِنّ [ (٢) ] عُرْوَةَ، فَأَبَى أَنْ يَفْعَلَ، وَخَشِيَ إنْ رَجَعَ إلَى قَوْمِهِ مُسْلِمًا أَنْ يُصْنَعَ بِهِ إذَا رَجَعَ مِنْ عِنْدِ النّبِيّ ﷺ مَا صُنِعَ بِعُرْوَةَ حَتّى يَبْعَثُوا مَعَهُ رِجَالًا. فَأَجْمَعُوا عَلَى رَجُلَيْنِ مِنْ الْأَحْلَافِ وَثَلَاثَةٍ مِنْ بنى مالك، فبعثوا مع عبد يا ليل الْحَكَمَ بْنَ عَمْرِو بْنِ وَهْبِ بْنِ مُعَتّبٍ، وَشُرَحْبِيلَ بْنَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ مُعَتّبٍ، وَهَؤُلَاءِ الْأَحْلَافُ رَهْطُ عُرْوَةَ. وَبَعَثُوا فِي بَنِي مَالِكٍ: عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، وَأَوْسَ بْنَ عَوْفٍ، وَنُمَيْرَ بْنَ خَرَشَةَ، سِتّةٌ. وَيُقَالُ: إنّ الوفد كانوا بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فِيهِمْ سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ الله.
قالوا: فخرج بهم عبد يا ليل وَهُوَ رَأْسُهُمْ وَصَاحِبُ أَمْرِهِمْ، وَلَكِنّهُ أَحَبّ إنْ رَجَعُوا أَنْ يُسَهّلَ كُلّ رَجُلٍ رَهْطَهُ، فَلَمّا كَانُوا بِوَادِي قَنَاةَ مِمّا يَلِي دَارَ حُرُضٍ [ (٣) ] نَزَلُوا، فَيَجِدُونَ نَشَرًا [ (٤) ] مِنْ الْإِبِلِ، فَقَالَ قَائِلُهُمْ: لَوْ سَأَلْنَا صَاحِبَ الْإِبِلِ لِمَنْ الْإِبِلُ، وَخَبّرَنَا مِنْ خَبَرِ مُحَمّدٍ. فَبَعَثُوا عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، فَإِذَا هُوَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ يَرْعَى فِي نَوْبَتِهِ رِكَابَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكَانَتْ رِعْيَتُهَا نُوَبًا عَلَى أصحاب رسول الله стр. 1003
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمّا رَآهُمْ سَلّمَ عَلَيْهِمْ وَتَرَكَ الرّكَابَ عِنْدَهُمْ، وَخَرَجَ يَشْتَدّ، يُبَشّرُ النّبِيّ ﷺ بِقُدُومِهِمْ، حَتّى انْتَهَى إلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَيَلْقَى أَبَا بَكْرٍ الصّدّيقَ ﵁ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَ قَوْمِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَقَسَمْت بِاَللهِ عَلَيْك لَا تَسْبِقْنِي إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِخَبَرِهِمْ حَتّى أَكُونَ أَنَا أُخْبِرُهُ- وَكَانَ رسول الله ﷺ قد ذَكَرَهُمْ بِبَعْضِ الذّكْرِ- فَأُبَشّرُهُ بِمَقْدَمِهِمْ. فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى النّبِيّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ وَالْمُغِيرَةُ عَلَى الْبَابِ،
ثُمّ خَرَجَ إلَى الْمُغِيرَةِ فَدَخَلَ الْمُغِيرَةُ عَلَى النّبِيّ ﷺ وَهُوَ مَسْرُورٌ، فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ قَدِمَ قَوْمِي يُرِيدُونَ الدّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ بِأَنْ تَشْرُطَ لَهُمْ شُرُوطًا، وَيَكْتُبُونَ كِتَابًا عَلَى مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ وَبِلَادِهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا يَسْأَلُونَ شَرْطًا وَلَا كِتَابًا أَعْطَيْته أَحَدًا مِنْ النّاسِ إلّا أَعْطَيْتهمْ، فَبَشّرْهُمْ! فَخَرَجَ الْمُغِيرَةُ رَاجِعًا فَخَبّرَهُمْ مَا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَبَشّرَهُمْ وَعَلّمَهُمْ كَيْفَ يُحَيّونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَكُلّ مَا أَمَرَهُمْ الْمُغِيرَةُ فَعَلُوا إلّا التّحِيّةَ، فَإِنّهُمْ قَالُوا: أَنْعِمْ صَبَاحًا! وَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ فَقَالَ النّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ وَهُمْ مُشْرِكُونَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إنّ الْأَرْضَ لَا يُنَجّسُهَا شَيْءٌ! وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُنْزِلُ قَوْمِي عَلَيّ، وَأُكْرِمُهُمْ، فَإِنّي حَدِيثُ الْجُرْمِ فِيهِمْ. فَقَالَ: لَا آمَنُك أَنْ تُكْرِمَ قَوْمَك.
وَكَانَ جُرْمُ الْمُغِيرَةِ أَنّهُ خَرَجَ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَالِكٍ، فَقَدِمُوا عَلَى الْمُقَوْقَسِ فَحَيّا بَنِي مَالِكٍ وَجَفَاهُ وَهُوَ مِنْ الْأَحْلَافِ، وَكَانَ مَعَهُ رَجُلَانِ الشّرِيدُ وَدَمّونُ، فَلَمّا كَانُوا بِسَبَاقٍ [ (١) ] وَضَعُوا شَرَابًا لَهُمْ فَسَقَاهُمْ المغيرة بيده، стр. 1004
فَجَعَلَ يُخَفّفُ عَنْ نَفْسِهِ وَيَنْزِعُ [ (١) ] لِبَنِي مَالِكٍ حَتّى ثَمِلُوا وَنَامُوا، فَلَمّا نَامُوا وَثَبَ إلَيْهِمْ لِيَقْتُلَهُمْ، فَشَرَدَ الشّرِيدُ مِنْهُمْ لَيْلَتَئِذٍ، وَفَرِقَ دَمّونُ أَنْ يَكُونَ هَذَا سُكْرًا مِنْهُ فَتَغَيّبَ، فَجَعَلَ يَصِيحُ: يَا دَمّونُ! يَا دَمّونُ! فَلَا دَمّونُ، فَجَعَلَ يَبْكِي، وَخَافَ أَنْ يَكُونَ قَتَلَهُ بَعْضُهُمْ، فَطَلَعَ دَمّونُ فَقَالَ:
أَيْنَ كُنْت؟ قَالَ: تَغَيّبْت حِينَ رَأَيْتُك صَنَعْت بِبَنِي مَالِكٍ مَا صَنَعْت، فَخَشِيت أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ذَهَابَ عَقْلٍ. قَالَ: إنّمَا صَنَعْت ذَلِكَ بِهِمْ لَمّا حَيّاهُمْ الْمُقَوْقَسُ وَجَفَانِي. ثُمّ أَقْبَلَ بِأَمْوَالِهِمْ حَتّى أَتَى بِهَا النّبِيّ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ،
فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : اُخْمُسْ هَذِهِ الْأَمْوَالَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَسْنَا نَغْدِرُ، وَلَا يَنْبَغِي لَنَا الْغَدْرُ! فَأَبَى أَنْ يَخْمُسَ أَمْوَالَهُمْ.
وَأَنْزَلَ الْمُغِيرَةُ ثَقِيفًا فِي دَارِهِ بِالْبَقِيعِ، وَهِيَ خُطّةٌ خَطّهَا النّبِيّ ﷺ لَهُ، فَأَمَرَ النّبِيّ ﷺ بِخَيْمَاتٍ ثَلَاثٍ مِنْ جَرِيدٍ فَضُرِبَتْ فِي الْمَسْجِدِ، فَكَانُوا يَسْمَعُونَ الْقِرَاءَةَ بِاللّيْلِ وَتَهَجّدَ أَصْحَابِ النّبِيّ ﷺ ، وَيَنْظُرُونَ إلَى الصّفُوفِ فِي الصّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَيَرْجِعُونَ إلَى مَنْزِلِ الْمُغِيرَةِ فَيُطْعَمُونَ ويتوضّأون، وَيَكُونُونَ فِيهِ مَا أَرَادُوا، وَهُمْ يَخْتَلِفُونَ إلَى الْمَسْجِدِ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُجْرِي لَهُمْ الضّيَافَةَ فِي دَارِ الْمُغِيرَةِ، وَكَانُوا [ (٢) ] يَسْمَعُونَ خُطْبَةَ النّبِيّ ﷺ فَلَا يَسْمَعُونَهُ يَذْكُرُ نَفْسَهُ، فَقَالُوا: أَمَرَنَا بِالتّشَهّدِ أَنّهُ رَسُولُ اللهِ وَلَا يَشْهَدُ بِهِ فِي خُطْبَتِهِ! فَلَمّا بَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَوْلُهُمْ قَالَ: أَنَا أَوّلُ стр. 1005
مَنْ شَهِدَ أَنّي رَسُولُ اللهِ! ثُمّ قَامَ [ (١) ] فَخَطَبَ وَشَهِدَ أَنّهُ رَسُولُ اللهِ فِي خُطْبَتِهِ.
فَمَكَثُوا عَلَى هَذَا أَيّامًا يَغْدُونَ عَلَى النّبِيّ ﷺ كُلّ يَوْمٍ، يُخَلّفُونَ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ عَلَى رِحَالِهِمْ، وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ، فَكَانَ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِ وَنَامُوا بِالْهَاجِرَةِ خَرَجَ فَعَمَدَ إلَى النّبِيّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْ الدّينِ وَاسْتَقْرَأَهُ الْقُرْآنَ، وَأَسْلَمَ سِرّا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَاخْتَلَفَ إلَى النّبِيّ ﷺ مِرَارًا حَتّى فَقِهَ، وَسَمِعَ الْقُرْآنَ، وَقَرَأَ مِنْ الْقُرْآنِ سُوَرًا مِنْ فِي رسول الله ﷺ ، فإذا وجد رسول الله ﷺ نَائِمًا عَمَدَ إلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَسَأَلَهُ وَاسْتَقْرَأَهُ- وَيُقَالُ: إذَا وَجَدَ النّبِيّ ﷺ نَائِمًا جَاءَ إلَى أُبَيّ بْنِ كَعْبٍ فَاسْتَقْرَأَهُ- فَبَايَعَ النّبِيّ ﷺ عَلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْوَفْدِ وَقَبْلَ الْقَضِيّةِ، وَكَتَمَ ذَلِكَ عُثْمَانُ مِنْ أَصْحَابِهِ، وأعجب رسول الله ﷺ بِهِ، وَأَحَبّهُ.
فَمَكَثَ الْوَفْدُ أَيّامًا يَخْتَلِفُونَ إلَى النّبِيّ ﷺ وَالنّبِيّ يَدْعُوهُمْ إلى الإسلام، فقال له عبد يا ليل: هَلْ أَنْتَ مُقَاضِينَا حَتّى نَرْجِعَ إلَى أَهْلِنَا وَقَوْمِنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : نَعَمْ إنْ أَنْتُمْ أَقْرَرْتُمْ بِالْإِسْلَامِ قَاضَيْتُكُمْ، وَإِلّا فَلَا قَضِيّةَ وَلَا صُلْحَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ! قال عبد يا ليل: أَرَأَيْت الزّنَا؟ فَإِنّا قَوْمٌ عُزّابٌ بِغَرْبٍ [ (٢) ] ، لَا بُدّ لَنَا مِنْهُ، وَلَا يَصْبِرُ أَحَدُنَا عَلَى الْعُزْبَةِ. قَالَ: هُوَ مِمّا حَرّمَ اللهُ عَلَى المسلمين، يقول الله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا [ (٣) ] . قَالَ:
أَرَأَيْت الرّبَا؟ قَالَ: الرّبَا حَرَامٌ! قَالَ: فَإِنّ أَمْوَالَنَا كلّها ربا. قال: стр. 1006
لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ (١) ] . قَالَ: أَفَرَأَيْت الْخَمْرَ؟
فَإِنّهَا عَصِيرُ أَعْنَابِنَا، لَا بُدّ لَنَا مِنْهَا. قَالَ: فَإِنّ اللهَ قَدْ حَرّمَهَا! ثُمّ تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ ... [ (٢) ] الْآيَةَ. قَالَ: فَارْتَفَعَ الْقَوْمُ، وَخَلَا بَعْضُهُمْ ببعض، فقال عبد يا ليل: وَيْحَكُمْ! نَرْجِعُ إلَى قَوْمِنَا بِتَحْرِيمِ هَذِهِ الْخِصَالِ الثّلَاثِ! وَاَللهِ، لَا تَصْبِرُ ثَقِيفٌ عَنْ الْخَمْرِ أَبَدًا، وَلَا عَنْ الزّنَا أَبَدًا. قَالَ سُفْيَانُ ابن عَبْدِ اللهِ: أَيّهَا الرّجُلُ، إنْ يُرِدْ اللهُ بِهَا خَيْرًا تَصْبِرْ عَنْهَا! قَدْ كَانَ هَؤُلَاءِ الّذِينَ مَعَهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا، فَصَبَرُوا وَتَرَكُوا مَا كَانُوا عَلَيْهِ، مَعَ أَنّا نَخَافُ هَذَا الرّجُلَ، قَدْ أَوْطَأَ الْأَرْضَ غَلَبَةً وَنَحْنُ فِي حِصْنٍ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ الْأَرْضِ، وَالْإِسْلَامُ حَوْلَنَا فَاشٍ، وَاَللهِ لَوْ قَامَ عَلَى حِصْنِنَا شَهْرًا لَمُتْنَا جُوعًا، وَمَا أَرَى إلّا الْإِسْلَامَ، وَأَنَا أَخَافُ يَوْمًا مِثْلَ يَوْمِ مَكّةَ! وَكَانَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ هُوَ الّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى كَتَبُوا الْكِتَابَ، كَانَ خَالِدٌ هُوَ الّذِي كَتَبَهُ.
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُرْسِلُ إلَيْهِمْ بِالطّعَامِ، فَلَا يَأْكُلُونَ مِنْهُ شَيْئًا حَتّى يَأْكُلَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى أَسْلَمُوا. قَالُوا:
أَرَأَيْت الرّبّةَ، مَا تَرَى فِيهَا؟ قَالَ: هَدْمَهَا. قَالُوا: هَيْهَاتَ! لَوْ تَعْلَمُ الرّبّةُ أَنّا أَوْضَعْنَا فِي هَدْمِهَا قَتَلَتْ أَهْلَنَا. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁: وَيْحَك يَا عَبْدَ يا ليل! إنّ الرّبّةَ حَجَرٌ لَا يَدْرِي مَنْ عَبَدَهُ ممّن لا يعبده. قال عبد يا ليل: إنّا لَمْ نَأْتِك يَا عُمَرُ! فَأَسْلَمُوا، وَكَمُلَ стр. 1007
الصّلْحُ، وَكَتَبَ ذَلِكَ الْكِتَابَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ. فَلَمّا كَمُلَ الصّلْحُ كَلّمُوا النّبِيّ ﷺ يَدَعُ الرّبّةَ ثَلَاثَ سِنِينَ لَا يَهْدِمُهَا، فَأَبَى.
قَالُوا: سَنَتَيْنِ! فَأَبَى. قَالُوا: سَنَةً! فَأَبَى. قَالُوا: شَهْرًا وَاحِدًا! فَأَبَى أَنْ يُوَقّتَ لَهُمْ وَقْتًا. وَإِنّمَا يُرِيدُونَ بِتَرْكِ الرّبّةِ لِمَا يَخَافُونَ مِنْ سُفَهَائِهِمْ وَالنّسَاءِ وَالصّبْيَانِ، وَكَرِهُوا أَنْ يُرَوّعُوا قَوْمَهُمْ بِهَدْمِهَا، فَسَأَلُوا النّبِيّ ﷺ أَنْ يُعْفِيَهُمْ مِنْ هَدْمِهَا. قَالَ رسول الله ﷺ :
نعم، أَنَا أَبْعَثُ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَهْدِمَانِهَا. وَاسْتَعْفَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَكْسِرُوا أَصْنَامَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ. وَقَالَ: أَنَا آمُرُ أَصْحَابِي أَنْ يَكْسِرُوهَا. وَسَأَلُوا النّبِيّ ﷺ أَنْ يُعْفِيَهُمْ مِنْ الصّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَا صَلَاةَ فِيه.
فَقَالُوا: يَا مُحَمّدُ، أَمّا الصّلَاةُ فَسَنُصَلّي، وَأَمّا الصّيَامُ فَسَنَصُومُ. وَتَعَلّمُوا فَرَائِضَ الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعَهُ، وَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَصُومُوا مَا بَقِيَ مِنْ الشّهْرِ، وَكَانَ بِلَالٌ يَأْتِيهِمْ بِفِطْرِهِمْ.
وَيُخَيّلُ إلَيْهِمْ [أَنّ] الشّمْسَ لَمْ تَغِبْ فَيَقُولُونَ: مَا هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ إلّا اسْتِبَارٌ لَنَا، يَنْظُرُ كَيْفَ إسْلَامُنَا. فَيَقُولُونَ: يَا بِلَالُ، مَا غَابَتْ الشّمْسُ بَعْدُ. فَيَقُولُ بِلَالٌ: مَا جِئْتُكُمْ حَتّى أَفْطَرَ رسول الله ﷺ .
فكان الْوَفْدُ يَحْفَظُونَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ تَعْجِيلِ فِطْرِهِ.
وَكَانَ بِلَالٌ يَأْتِيهِمْ بِسَحُورِهِمْ، قَالَ: فَأَسْتُرُهُمْ مِنْ الْفَجْرِ [ (١) ] ، فَلَمّا أَرَادُوا الْخُرُوجَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمّرْ عَلَيْنَا رَجُلًا مِنّا يَؤُمّنَا. فَأَمّرَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، وَهُوَ أَصْغَرُهُمْ، لِمَا رأى رسول الله ﷺ مِنْ حِرْصِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ. قَالَ عُثْمَانُ: وَكَانَ آخر عهد عهده стр. 1008
إلى رسول الله ﷺ أَنْ اتّخِذْ مُؤَذّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا، وَإِذَا أَمَمْت قَوْمًا فَاقْدُرْهُمْ بِأَضْعَفِهِمْ، وَإِذَا صَلّيْت لِنَفْسِك فَأَنْتَ وَذَاكَ. ثُمّ خَرَجَ الْوَفْدُ عَامِدِينَ إلَى الطّائِفِ، فَلَمّا دَنَوْا مِنْ ثَقِيفٍ قال عبد يا ليل:
أَنَا أَعْلَمُ النّاسِ بِثَقِيفٍ فَاكْتُمُوهَا الْقَضِيّةَ، وَخَوّفُوهُمْ بِالْحَرْبِ وَالْقِتَالِ، وَأَخْبِرُوهُمْ أَنّ مُحَمّدًا سَأَلَنَا أُمُورًا عَظّمْنَاهَا فَأَبَيْنَاهَا عَلَيْهِ، يَسْأَلُنَا تَحْرِيمَ الزّنَا وَالْخَمْرِ، وَأَنْ نُبْطِلَ أَمْوَالَنَا فِي الرّبَا، وَأَنْ نَهْدِمَ الرّبّةَ. وَخَرَجَتْ ثَقِيفٌ حِينَ دَنَا الْوَفْدُ، فَلَمّا رَآهُمْ الْوَفْدُ سَارُوا الْعَنَقَ [ (١) ] وَقَطّرُوا الْإِبِلَ [ (٢) ] ، وَتَغَشّوْا بِثِيَابِهِمْ كَهَيْئَةِ الْقَوْمِ قَدْ حَزِنُوا وَكَرَبُوا، فَلَمْ يَرْجِعُوا بِخَيْرٍ. فَلَمّا رَأَتْ ثَقِيفٌ مَا فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ حَزِنُوا وَكَرَبُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا جَاءَ وَفْدُكُمْ بِخَيْرٍ! وَدَخَلَ الْوَفْدُ، فَكَانَ أَوّلَ مَا بَدَءُوا بِهِ عَلَى اللّاتِ، فَقَالَ الْقَوْمُ حِينَ نَزَلَ الْوَفْدُ إلَيْهَا [ (٣) ] ، وَكَانُوا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ، فَدَخَلَ الْقَوْمُ وَهُمْ مُسْلِمُونَ فَنَظَرُوا فِيمَا خَرَجُوا يدرأون بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَقَالَتْ ثَقِيفٌ: كَأَنّهُمْ [ (٤) ] لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بِهَا عَهْدٌ وَلَا بِرُؤْيَتِهَا! ثُمّ رَجَعَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَى أَهْلِهِ، وَأَتَى رِجَالًا مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ ثَقِيفٍ فَسَأَلُوهُمْ [ (٥) ] : مَاذَا رَجَعْتُمْ بِهِ؟ وَقَدْ كَانَ الْوَفْدُ قَدْ اسْتَأْذَنُوا النّبِيّ ﷺ أَنْ يَنَالُوا مِنْهُ فَرَخّصَ لَهُمْ، فَقَالُوا: جِئْنَاكُمْ مِنْ عِنْدِ رَجُلٍ فَظّ غَلِيظٍ، يَأْخُذُ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ، قَدْ ظَهَرَ بِالسّيْفِ، وَأَدَاخَ [ (٦) ] الْعَرَبَ، وَدَانَ لَهُ النّاسُ، وَرُعِبَتْ مِنْهُ بَنُو الْأَصْفَرِ فِي حُصُونِهِمْ، وَالنّاسُ فِيهِ، إمّا رَاغِبٌ فِي دِينِهِ، وإمّا خائف من السيف، стр. 1009
فَعَرَضَ عَلَيْنَا أُمُورًا شَدِيدَةً أَعْظَمْنَاهَا، فَتَرَكْنَاهَا عَلَيْهِ، حَرّمَ عَلَيْنَا الزّنَا، وَالْخَمْرَ، وَالرّبَا، وَأَنْ نَهْدِمَ الرّبّةَ. فَقَالَتْ ثَقِيفٌ: لَا نَفْعَلُ هَذَا أَبَدًا. فَقَالَ الْوَفْدُ:
لَعَمْرِي قَدْ كَرِهْنَا ذَلِكَ وَأَعْظَمْنَاهُ، ورأينا أنّه لَمْ يُنْصِفْنَا، فَأَصْلِحُوا سِلَاحَكُمْ، وَرُمّوا حِصْنَكُمْ، وَانْصِبُوا الْعَرّادَاتِ عَلَيْهِ وَالْمَنْجَنِيقَ، وَأَدْخِلُوا طَعَامَ سَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ فِي حِصْنِكُمْ، لَا يُحَاصِرُكُمْ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ، وَاحْفِرُوا خَنْدَقًا مِنْ وَرَاءِ حِصْنِكُمْ، وَعَاجِلُوا ذَلِكَ فَإِنّ أَمْرَهُ قَدْ ظَلّ لَا نَأْمَنُهُ.
فَمَكَثُوا بِذَلِكَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ يُرِيدُونَ الْقِتَالَ، ثُمّ أَدْخَلَ اللهُ ﵎ فِي قُلُوبِهِمْ الرّعْبَ فَقَالُوا: مَا لَنَا بِهِ طَاقَةٌ، قَدْ أَدَاخَ الْعَرَبَ كُلّهَا، فَارْجِعُوا إلَيْهِ فَأَعْطُوهُ مَا سَأَلَ وَصَالِحُوهُ، وَاكْتُبُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَسِيرَ إلَيْنَا وَيَبْعَثَ الْجُيُوشَ. فَلَمّا رَأَى الْوَفْدُ أَنْ قَدْ سَلّمُوا بِالْقَضِيّةِ، وَرُعِبُوا مِنْ النّبِيّ ﷺ ، وَرَغِبُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَاخْتَارُوا الْأَمْنَ عَلَى الْخَوْفِ، قَالَ الْوَفْدُ: فإنّا قَدْ قَاضَيْنَاهُ، وَأَعْطَانَا مَا أَحْبَبْنَاهُ، وَشَرَطَ لَنَا مَا أَرَدْنَا، وَوَجَدْنَاهُ أَتْقَى النّاسِ، وَأَبَرّ النّاسِ، وَأَوْصَلَ النّاسِ، وَأَوْفَى النّاسِ، وَأَصْدَقَ النّاسِ، وَأَرْحَمَ النّاسِ، وَقَدْ تَرَكَنَا مِنْ هَدْمِ الرّبّةِ وَأَبَيْنَا أَنْ نَهْدِمَهَا، وَقَالَ: «أَبْعَثُ مَنْ يَهْدِمُهَا» ، وَهُوَ يَبْعَثُ مَنْ يَهْدِمُهَا. قَالَ:
يَقُولُ شَيْخٌ مِنْ ثَقِيفٍ قَدْ بَقِيَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الشّرْكِ بَعْدُ بَقِيّةٌ: فَذَاكَ وَاَللهِ مِصْدَاقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، إنْ قَدَرَ عَلَى هَدْمِهَا فَهُوَ مُحِقّ وَنَحْنُ مُبْطِلُونَ، وَإِنْ امْتَنَعَتْ فَفِي النّفْسِ مِنْ هَذَا بَعْدُ شَيْءٌ! فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْعَاصِ:
مَنّتْك نَفْسُك الْبَاطِلَ وَغَرّتْك الْغُرُورَ! وَمَا الرّبّةُ؟ وَمَا تَدْرِي الرّبّةُ مَنْ عَبَدَهَا وَمَنْ لَمْ يَعْبُدْهَا؟ كَمَا كَانَتْ الْعُزّى مَا تَدْرِي مَنْ عَبَدَهَا وَمَنْ لَمْ يَعْبُدْهَا، جَاءَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَحْدَهُ فَهَدَمَهَا، وَكَذَلِك إِسَافُ، وَنَائِلَةُ، وَهُبَلُ، وَمَنَاةُ، خَرَجَ إلَيْهَا رَجُلٌ وَاحِدٌ فَهَدَمَهَا، وَسُوَاعٌ، خَرَجَ إلَيْهِ رَجُلٌ
стр. 1010
وَاحِدٌ فَهَدَمَهُ! فَهَلْ امْتَنَعَ شَيْءٌ مِنْهُمْ؟ قال الثقفي: إن الربة لا تشبه شيئا مما ذكرت. قال عثمان: سترى! وَأَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، ثُمّ خَرَجُوا وَقَدْ تَحَكّمَ أَبُو مُلَيْحٍ بْنُ عُرْوَةَ، وَقَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَهُمَا يُرِيدَانِ يَسِيرَانِ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ، وَالْمُغِيرَةِ إلَى هَدْمِ الرّبّةِ،
فَقَالَ أَبُو مُلَيْحٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ أَبِي قُتِلَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، مِائَتَا مِثْقَالِ ذَهَبٍ، فَإِنْ رَأَيْت أَنْ تَقْضِيَهُ مِنْ حُلِيّ الرّبّةِ فَعَلْت. فقال رسول الله ﷺ : نَعَمْ. فَقَالَ قَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَعَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودٍ أَبِي، فَإِنّهُ قَدْ تَرَكَ دَيْنًا مِثْلَ دَيْنِ عُرْوَةَ. فَقَالَ رسول الله ﷺ : أن الْأَسْوَدَ مَاتَ وَهُوَ كَافِرٌ. فَقَالَ قَارِبٌ: تَصِلُ بِهِ قَرَابَةً، إنّمَا الدّيْنُ عَلَيّ وَأَنَا مَطْلُوبٌ بِهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إذًا أَفْعَلُ.
فَقَضَى عَنْ عُرْوَةَ، وَالْأَسْوَدِ، دَيْنَهُمَا مِنْ مَالِ الطّاغِيَةِ. وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ وَالْمُغِيرَةُ وَأَصْحَابُهُمَا لِهَدْمِ الرّبّةِ، فَلَمّا دَنَوْا مِنْ الطّائِفِ قَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ: تَقَدّمْ فَادْخُلْ لِأَمْرِ النّبِيّ ﷺ . فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: بَلْ تَقَدّمْ أَنْتَ عَلَى قَوْمِك! فَتَقَدّمَ الْمُغِيرَةُ، وَأَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ بِمَالِهِ ذِي الْهَرْمِ [ (١) ] ، وَدَخَلَ الْمُغِيرَةُ فِي بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا يَهْدِمُونَ الرّبّةَ. فَلَمّا نَزَلُوا بِالطّائِفِ نَزَلُوا عِشَاءً فَبَاتُوا، ثُمّ غَدَوْا عَلَى الرّبّةِ يَهْدِمُونَهَا. فَقَالَ الْمُغِيرَةُ لِأَصْحَابِهِ الّذِينَ قَدِمُوا مَعَهُ: لَأُضْحِكَنّكُمْ الْيَوْمَ مِنْ ثَقِيفٍ. فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ وَاسْتَوَى عَلَى رَأْسِ الرّبّةِ وَمَعَهُ الْمِعْوَلُ، وَقَامَ وَقَامَ قَوْمُهُ بَنُو مُعَتّبٍ دُونَهُ، مَعَهُمْ السّلَاحُ مَخَافَةَ أَنْ يُصَابَ كَمَا فُعِلَ بِعَمّهِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ. وَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: كَلّا! زَعَمْت تُقَدّمُنِي أَنْتَ إلَى الطّاغِيَةِ، تُرَانِي لَوْ قُمْت أهدمها كانت بنو معتّب تقوم стр. 1011
دُونِي؟ قَالَ الْمُغِيرَةُ: إنّ الْقَوْمَ قَدْ وَاضَعُوهُمْ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَقْدَمَ، فَأَحَبّوا الْأَمْنَ عَلَى الْخَوْفِ. وَقَدْ خَرَجَ نِسَاءُ ثَقِيفٍ حُسّرًا [ (١) ] يَبْكِينَ عَلَى الطّاغِيَةِ، وَالْعَبِيدُ، وَالصّبْيَانُ، وَالرّجَالُ مُنْكَشِفُونَ، وَالْأَبْكَارُ خَرَجْنَ. فَلَمّا ضَرَبَ الْمُغِيرَةُ ضَرْبَةً بِالْمِعْوَلِ سَقَطَ مَغْشِيّا عَلَيْهِ يَرْتَكِضُ، فَصَاحَ أَهْلُ الطّائِفِ صَيْحَةً وَاحِدَةً: كَلّا! زَعَمْتُمْ أَنّ الرّبّةَ لَا تَمْتَنِعُ، بَلَى وَاَللهِ لَتَمْتَنِعَنّ! وَأَقَامَ الْمُغِيرَةُ مَلِيّا وَهُوَ عَلَى حَالِهِ تِلْكَ، ثُمّ اسْتَوَى جَالِسًا فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ ثَقِيفٍ، كَانَتْ الْعَرَبُ تَقُولُ: مَا مِنْ حَيّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ أَعْقَلُ مِنْ ثَقِيفٍ، وَمَا مِنْ حَيّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ أَحْمَقُ مِنْكُمْ! وَيْحَكُمْ، وَمَا اللّاتُ وَالْعُزّى، وَمَا الرّبّةُ؟ حَجَرٌ مِثْلُ هَذَا الْحَجَرِ، لَا يَدْرِي من عبده ومن لم يعبده! ويحكم، أتسع اللّاتُ أَوْ تُبْصِرُ أَوْ تَنْفَعُ أَوْ تَضُرّ؟ ثُمّ هَدَمَهَا وَهَدَمَ النّاسُ مَعَهُ، فَجَعَلَ السّادِنُ يَقُولُ- وَكَانَتْ سَدَنَةَ اللّاتِ مِنْ ثَقِيفٍ بَنُو الْعِجْلَانِ بْنِ عَتّابِ بْنِ مَالِكٍ، وَصَاحِبُهَا مِنْهُمْ عَتّابُ بْنُ مَالِكِ بْنِ كَعْبٍ ثُمّ بَنُوهُ بَعْدَهُ- يَقُولُ: سَتَرَوْنَ إذَا انْتَهَى إلَى أَسَاسِهَا، يَغْضَبُ الْأَسَاسُ غَضَبًا يَخْسِفُ بِهِمْ. فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ الْمُغِيرَةُ وَلِيَ حَفْرَ الْأَسَاسِ حَتّى بَلَغَ نِصْفَ قَامَةٍ، وَانْتَهَى إلَى الْغَبْغَبِ خِزَانَتِهَا، وَانْتَزَعُوا حِلْيَتَهَا وَكُسْوَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنْ طِيبٍ وَمِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضّةٍ. قَالَ: تَقُولُ عَجُوزٌ مِنْهُمْ:
أَسْلَمَهَا الرّضّاعُ [ (٢) ] ، وَتَرَكُوا الْمِصَاعَ [ (٣) ] ! وَأَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِمّا وَجَدَ فِيهَا أَبَا مُلَيْحٍ، وَقَارِبًا، وَنَاسًا، وَجَعَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَفِي السّلَاحِ مِنْهَا،
ثُمّ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَتَبَ لِثَقِيفٍ: стр. 1012
بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ النّبِيّ رَسُولِ اللهِ إلَى الْمُؤْمِنِينَ، إنّ عِضَاهَ وَجّ [ (١) ] وَصَيْدَهُ لَا يُعْضَدُ، وَمَنْ وُجِدَ يَفْعَلُ ذَلِكَ يُجْلَدُ وَتُنْزَعُ ثِيَابُهُ، فَإِنْ تَعَدّى ذَلِكَ فَإِنّهُ يُؤْخَذُ فَيُبَلّغُ مُحَمّدًا، فَإِنّ هَذَا أَمْرُ النّبِيّ مُحَمّدٍ ﷺ .
وَكَتَبَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ بِأَمْرِ النّبِيّ الرّسُولِ مُحَمّدِ ابن عَبْدِ اللهِ. فَلَا يَتَعَدّاهُ أَحَدٌ، فَيَظْلِمَ نَفْسَهُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ مُحَمّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَنَهَى النّبِيّ ﷺ عَنْ قَطْعِ عِضَاهِ وَجّ وَعَنْ صَيْدِهِ، وَكَانَ الرّجُلُ يُوجَدُ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَتُنْزَعُ ثِيَابُهُ. وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى حِمَى وَجّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقّاصٍ.
بَعْثَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمُصَدّقِينَ
قَالَ: حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ الزّهْرِيّ، وَعَبْدِ اللهِ ابن يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَا: لَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الْجِعِرّانَةِ قَدِمَ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِثَلَاثِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، فَأَقَامَ بَقِيّةَ ذِي الْقَعْدَةِ وَذِي الْحِجّةِ، فَلَمّا رَأَى هِلَالَ الْمُحَرّمِ بَعَثَ الْمُصَدّقِينَ، فَبَعَثَ بُرَيْدَةُ بْنُ الْحُصَيْبِ إلَى أَسْلَمَ وَغِفَارٍ بِصَدَقَتِهِمْ، وَيُقَالُ: كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَبَعَثَ عَبّادَ بْنَ بِشْرٍ الْأَشْهَلِيّ إلَى سُلَيْمٍ وَمُزَيْنَةَ، وَبَعَثَ رَافِعَ بْنَ مَكِيثٍ فِي جُهَيْنَةَ، وَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إلَى فَزَارَةَ، وَبَعَثَ الضّحّاكَ بْنَ سُفْيَانَ الْكِلَابِيّ إلَى بَنِي كِلَابٍ، وَبَعَثَ بُسْرَ بْنَ سُفْيَانَ الْكَعْبِيّ إلَى بَنِي كَعْبٍ، وَبَعَثَ ابْنَ اللّتْبِيّةِ الْأَزْدِيّ إلَى بَنِي ذُبْيَانَ، وَبَعَثَ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ هُذَيْمٍ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ. فَخَرَجَ بُسْرُ بْنُ سفيان على صدقات بن كَعْبٍ. وَيُقَالُ: إنّمَا سَعَى عَلَيْهِمْ نُعَيْمُ بْنُ عبد الله стр. 1013
النّحّامُ الْعَدَوِيّ، فَجَاءَ وَقَدْ حَلّ بِنَوَاحِيهِمْ بَنُو جهيم من بنى تميم، وبنو عمرو ابن جُنْدُبِ بْنِ الْعُتَيْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، فَهُمْ يَشْرَبُونَ مَعَهُمْ عَلَى غَدِيرٍ لَهُمْ بِذَاتِ الْأَشْطَاطِ [ (١) ] ، وَيُقَالُ: وَجَدَهُمْ عَلَى عُسْفَانَ. ثُمّ أَمَرَ بِجَمْعِ مَوَاشِي خُزَاعَةَ لِيَأْخُذَ مِنْهَا الصّدَقَةَ. قَالَ: فَحَشَرَتْ خُزَاعَةُ الصّدَقَةَ مِنْ كُلّ نَاحِيَةٍ، فَاسْتَنْكَرَتْ ذَلِكَ بَنُو تَمِيمٍ وَقَالُوا: مَا هَذَا؟ تُؤْخَذُ أَمْوَالُكُمْ مِنْكُمْ بِالْبَاطِلِ [ (٢) ] ! وَتَجَيّشُوا، وَتَقَلّدُوا الْقِسِيّ، وَشَهَرُوا السّيُوفَ، فَقَالَ الْخُزَاعِيّونَ:
نَحْنُ قَوْمٌ نَدِينُ بِدِينِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا مِنْ دِينِنَا. قَالَ التّمِيمِيّونَ: وَاَللهِ لَا يَصِلُ إلَى بَعِيرٍ مِنْهَا أَبَدًا! فَلَمّا رَآهُمْ الْمُصَدّقُ هَرَبَ مِنْهُمْ وَانْطَلَقَ مُوَلّيًا وَهُوَ يَخَافُهُمْ، وَالْإِسْلَامُ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَعُمّ الْعَرَبَ، قَدْ بَقِيَتْ بَقَايَا مِنْ الْعَرَبِ وَهُمْ يَخَافُونَ السّيْفَ لِمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَكّةَ وَحُنَيْنٍ،
وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ مُصَدّقِيهِ أَنْ يَأْخُذُوا الْعَفْوَ مِنْهُمْ وَيَتَوَقّوْا كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، فَقَدِمَ الْمُصَدّقُ عَلَى النّبِيّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّمَا كُنْت فِي ثَلَاثَةِ نَفَرٍ، فَوَثَبَتْ خُزَاعَةُ عَلَى التّمِيمِيّينَ فَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ مَحَالّهِمْ، وَقَالُوا: لَوْلَا قَرَابَتُكُمْ مَا وَصَلْتُمْ إلَى بِلَادِكُمْ، لَيَدْخُلَنّ عَلَيْنَا بَلَاءٌ مِنْ عَدَاوَةِ مُحَمّدٍ ﷺ وَعَلَى أَنْفُسِكُمْ حَيْثُ تَعْرِضُونَ لِرُسُلِ [ (٣) ] رَسُولِ اللهِ، تَرُدّونَهُمْ عَنْ صَدَقَاتِ أَمْوَالِنَا. فَخَرَجُوا رَاجِعِينَ إلَى بِلَادِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
مَنْ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الّذِينَ فَعَلُوا مَا فَعَلُوا؟
فَانْتَدَبَ أَوّلُ النّاسِ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيّ، فَقَالَ: أَنَا وَاَللهِ لَهُمْ، أَتْبَعُ آثارهم ولو بلغوا يبرين [ (٤) ] حتى стр. 1014
آتِيَك بِهِمْ إنْ شَاءَ اللهُ، فَتَرَى فِيهِمْ رَأْيَك أَوْ يُسْلِمُوا. فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي خَمْسِينَ فَارِسًا مِنْ الْعَرَبِ، لَيْسَ فِيهَا مُهَاجِرٌ وَاحِدٌ وَلَا أَنْصَارِيّ، فَكَانَ يَسِيرُ بِاللّيْلِ وَيَكْمُنُ لَهُمْ بِالنّهَارِ، خَرَجَ عَلَى رَكُوبَةٍ [ (١) ] حَتّى انْتَهَى إلَى الْعَرْجِ، فَوَجَدَ خَبَرَهُمْ أَنّهُمْ قَدْ عَارَضُوا إلَى أَرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ، فَخَرَجَ فِي أَثَرِهِمْ حَتّى وَجَدَهُمْ قَدْ عَدَلُوا مِنْ السّقْيَا يَؤُمّونَ أَرْضَ بَنِي سُلَيْمٍ فِي صَحْرَاءَ، قَدْ حَلّوا وَسَرّحُوا مَوَاشِيَهُمْ، وَالْبُيُوتُ خُلُوفٌ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ إلّا النّسَاءُ وَنُفَيْرٌ، فَلَمّا رَأَوْا الْجَمْعَ وَلّوْا وَأَخَذُوا مِنْهُمْ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا، وَوَجَدُوا فِي الْمَحَلّةِ مِنْ النّسَاءِ إحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً وَثَلَاثِينَ صَبِيّا، فَحَمَلَهُمْ إلَى المدينة، فأمر بهم النبي ﷺ فَحُبِسُوا فِي دَارِ رَمْلَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ. فَقَدِمَ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ، الْعُطَارِدُ بْنُ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ، وَالزّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ، وَقَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ، وَنُعَيْمُ بْنُ سَعْدٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، ورياح بن الحارث ابن مُجَاشِعٍ [ (٢) ] ،
فَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ قَبْلَ الظّهْرِ، فَلَمّا دَخَلُوا سَأَلُوا عَنْ سَبْيِهِمْ فَأُخْبِرُوا بِهِمْ فَجَاءُوهُمْ، فَبَكَى الذّرَارِيّ وَالنّسَاءُ، فَرَجَعُوا حَتّى دَخَلُوا الْمَسْجِدَ ثَانِيَةً، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، وَقَدْ أَذّنَ بِلَالٌ بِالظّهْرِ بِالْأَذَانِ الْأَوّلِ، وَالنّاسُ يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَعَجّلُوا خُرُوجَهُ، فَنَادَوْا: يَا مُحَمّدُ، اُخْرُجْ إلَيْنَا! فَقَامَ إلَيْهِمْ بِلَالٌ فقال: إن رسول الله ﷺ يخرج الآن. فاشتهر [ (٣) ] стр. 1015
أَهْلُ الْمَسْجِدِ أَصْوَاتَهُمْ فَجَعَلُوا يَخْفِقُونَ [ (١) ] بِأَيْدِيهِمْ، فَخَرَجَ رسول الله ﷺ وأقام بِلَالٌ الصّلَاةَ، وَتَعَلّقُوا بِهِ يُكَلّمُونَهُ، فَوَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَهُمْ بَعْدَ إقَامَةِ بِلَالٍ الصّلَاةَ مَلِيّا، وَهُمْ يَقُولُونَ:
أَتَيْنَاك بِخَطِيبِنَا وَشَاعِرِنَا فَاسْمَعْ مِنّا. فَتَبَسّمَ النّبِيّ ﷺ ، ثُمّ مَضَى فَصَلّى بِالنّاسِ الظّهْرَ، ثُمّ انْصَرَفَ إلَى بَيْتِهِ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثم خَرَجَ فَجَلَسَ فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ، وَقَدِمُوا عَلَيْهِ وقدّموا عطارد ابن حَاجِبِ التّمِيمِيّ فَخَطَبَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي لَهُ الْفَضْلُ عَلَيْنَا، وَاَلّذِي جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَأَعْطَانَا الْأَمْوَالَ نَفْعَلُ فِيهَا الْمَعْرُوفَ، وَجَعَلَنَا أَعَزّ أَهْلِ الْمَشْرِقِ، وَأَكْثَرَهُمْ مَالًا وَأَكْثَرَهُمْ عَدَدًا، فَمَنْ مِثْلُنَا فى الناس؟ ألسنا برؤوس النّاسِ وَذَوِي فَضْلِهِمْ؟ فَمَنْ يُفَاخِرُ فَلْيَعْدُدْ مِثْلَ مَا عَدَدْنَا! وَلَوْ شِئْنَا لَأَكْثَرْنَا مِنْ الْكَلَامِ، وَلَكِنّا نَسْتَحْيِي مِنْ الْإِكْثَارِ فِيمَا أَعْطَانَا اللهُ. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا لِأَنْ يُؤْتَى بِقَوْلٍ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ قَوْلِنَا! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ: قُمْ فَأَجِبْ خَطِيبَهُمْ! فَقَامَ ثَابِتٌ- وَمَا كَانَ دَرَى مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ، وَمَا هَيّأَ قَبْلَ ذَلِكَ مَا يَقُولُ- فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي السّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ خَلْقُهُ، قَضَى فِيهَا أَمْرَهُ، وَوَسِعَ كُلّ شَيْءٍ عِلْمُهُ، فَلَمْ يَكُ شَيْءٌ إلّا مِنْ فَضْلِهِ. ثُمّ كَانَ مِمّا قَدّرَ اللهُ أَنْ جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَاصْطَفَى لَنَا مِنْ خَلْقِهِ رَسُولًا، أَكْرَمَهُمْ نَسَبًا، وَأَحْسَنَهُمْ زِيّا، وَأَصْدَقَهُمْ حَدِيثًا. أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ، وَائْتَمَنَهُ عَلَى خَلْقِهِ، وَكَانَ خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَدَعَا إلَى الْإِيمَانِ، فَآمَنَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قَوْمِهِ وَذَوِي رَحِمِهِ، أَصْبَحُ النّاسِ وَجْهًا، وَأَفْضَلُ النّاسِ فِعَالًا. ثُمّ كُنّا أَوّلَ النّاسِ إجَابَةً حِينَ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ وَرَسُولِهِ، نُقَاتِلُ الناس حتى стр. 1016
يَقُولُوا لَا إلَهَ إلّا اللهُ، فَمَنْ آمَنَ بِاَللهِ وَرَسُولِهِ مُنِعَ مِنّا مَالُهُ وَدَمُهُ، وَمَنْ كَفَرَ بِاَللهِ جَاهَدْنَاهُ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ قَتْلُهُ عَلَيْنَا يَسِيرًا. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ الله لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ. ثُمّ جَلَسَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ ائْذَنْ لِشَاعِرِنَا. فَأَذِنَ لَهُ، فَأَقَامُوا الزّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ فَقَالَ:
نَحْنُ الْمُلُوكُ فَلَا حَيّ يُقَارِبُنَا ... فِينَا الْمُلُوكُ وَفِينَا تُنْصَبُ الْبِيَعُ [ (١) ]
وَكَمْ قَسَرْنَا مِنْ الْأَحْيَاءِ كُلّهِمُ ... عِنْدَ النّهَابِ وَفَضْلُ الْخَيْرِ يُتّبَعُ
وَنَحْنُ نُطْعِمُ عِنْدَ الْقَحْطِ مَا أَكَلُوا ... مِنْ السّدِيفِ إذَا لَمْ يُؤْنَسْ الْقَزَعُ [ (٢) ]
وَنَنْحَرُ الْكُومَ عَبْطًا [ (٣) ] فِي أَرُومَتِنَا ... لِلنّازِلِينَ إذَا مَا أُنْزِلُوا شَبِعُوا
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَجِبْهُمْ يَا حَسّانُ بْنَ ثَابِتٍ!
فَقَامَ فَقَالَ:
إنّ الذّوَائِبَ [ (٤) ] مِنْ فِهْرٍ وَإِخْوَتِهِمْ ... قَدْ شَرّعُوا سُنّةً لِلنّاسِ تُتّبَعُ
يَرْضَى بِهِمْ كُلّ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ ... تَقْوَى الْإِلَهِ وَبِالْأَمْرِ الّذِي شَرَعُوا
قَوْمٌ إذَا حَارَبُوا ضَرّوا عَدُوّهُمُ ... أَوْ حَاوَلُوا النّفْعَ فِي أَشْيَاعِهِمْ نَفَعُوا
سَجِيّةٌ تِلْكَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ ... إنّ الْخَلَائِقَ فَاعْلَمْ شَرّهَا الْبِدَعُ
لَا يَرْقَعُ النّاسُ مَا أَوْهَتْ أَكُفّهُمُ ... عِنْدَ الدّفَاعِ وَلَا يُوهُونَ مَا رَقَعُوا
وَلَا يَضِنّونَ عَنْ جَارٍ بِفَضْلِهِمُ ... وَلَا يَنَالُهُمُ فِي مَطْمَعٍ طَبَعُ [ (٥) ]
إنْ كَانَ فِي النّاسِ سَبّاقُونَ بَعْدَهُمُ ... فَكُلّ سَبْقٍ لِأَدْنَى سَبْقِهِمْ تبع стр. 1017
أَكْرِمْ بِقَوْمٍ رَسُولُ اللهِ شِيعَتُهُمْ ... إذَا تَفَرّقَتْ الْأَهْوَاءُ وَالشّيَعُ
أَعِفّةٌ ذُكِرَتْ فِي الْوَحْيِ عِفّتُهُمْ ... لَا يَطْمَعُونَ وَلَا يُرْدِيهِمُ طَمَعُ
كَأَنّهُمْ فِي الْوَغَى وَالْمَوْتُ مُكْتَنِعٌ [ (١) ] ... أُسْدٌ بِبِيشَةَ [ (٢) ] فِي أَرْسَاغِهَا [ (٣) ] فَدَعُ
لَا يَفْخَرُونَ إذَا نَالُوا عَدُوّهُمُ [ (٤) ] ... وَإِنْ أُصِيبُوا فَلَا خُورٌ [ (٥) ] وَلَا جُزُعُ
إذَا نَصَبْنَا [ (٦) ] لِحَيّ لَمْ نَدِبّ لَهُمْ ... كَمَا يَدِبّ إلَى الْوَحْشِيّةِ الذّرَعُ [ (٧) ]
نَسْمُو إذَا الْحَرْبُ نَالَتْنَا مَخَالِبُهَا ... إذَا الزّعَانِفُ [ (٨) ] مِنْ أَطْرَافِهَا خَشَعُوا [ (٩) ]
خُذْ مِنْهُمُ مَا أَتَى عَفْوًا إذَا غَضِبُوا ... وَلَا يَكُنْ هَمّك الْأَمْرَ الّذِي مَنَعُوا
فَإِنّ فِي حَرْبِهِمْ فَاتْرُكْ عَدَاوَتَهُمْ ... سُمّا غَرِيضًا عَلَيْهِ الصّابُ وَالسّلَعُ [ (١٠) ]
أَهْدَى لَهُمْ مَدْحَهُ قَلْبٌ يُؤَازِرُهُ ... فِيمَا أَحَبّ لِسَانٌ حَائِكٌ صَنَعُ [ (١١) ]
وَأَنّهُمْ أَفْضَلُ الْأَحْيَاءِ كُلّهِمُ ... إنْ جَدّ بِالنّاسِ جِدّ الْقَوْلِ أَوْ شَمَعُوا [ (١٢) ] стр. 1018
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ فِي الْمَسْجِدِ يُنْشِدُ عَلَيْهِ حَسّانُ، وَقَالَ: إنّ اللهَ لَيُؤَيّدُ حَسّانَ بِرُوحِ الْقُدُسِ مَا دَافَعَ عَنْ نَبِيّهِ.
وَسُرّ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ وَالْمُسْلِمُونَ بِمَقَامِ ثَابِتٍ وَشِعْرِ حَسّانَ. وَخَلَا الْوَفْدُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ، فَقَالَ قَائِلٌ: تَعْلَمُنّ وَاَللهِ أَنّ هَذَا الرّجُلَ مُؤَيّدٌ مَصْنُوعٌ لَهُ، وَاَللهِ لَخَطِيبُهُ أَخْطَبُ مِنْ خَطِيبِنَا، وَلَشَاعِرُهُمْ أَشْعَرُ مِنْ شَاعِرِنَا، * وَلَهُمْ أَحْلَمُ مِنّا! وَكَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مِنْ أَجْهَرِ النّاسِ صَوْتًا. وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيّهِ فِي رَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ- التّمِيمِيّينَ- وَيُذْكَرُ أَنّهُمْ نَادَوْا النّبِيّ ﷺ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ فَقَالَ:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [ (١) ] إلَى قَوْلِهِ:
أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ، يَعْنِي تَمِيمًا حِينَ نَادَوْا النّبِيّ ﷺ .
وَكَانَ ثَابِتٌ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ عِنْدَ النّبِيّ ﷺ ، فَرَدّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عليهم السّبْيَ وَالْأَسْرَى.
وَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ يَوْمَئِذٍ يَهْجُو قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ، كَانَا جَمِيعًا فِي الْوَفْدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ لَهُمْ بِجَوَائِزَ، وَكَانَ يُجِيزُ الوفد إذا قدموا عَلَيْهِ وَيُفَضّلُ بَيْنَهُمْ فِي الْعَطِيّةِ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى، فَلَمّا أَجَازَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: هَلْ بَقِيَ مِنْكُمْ مَنْ لَمْ نُجِزْهُ؟
قَالُوا: غُلَامٌ فِي الرّحْلِ. فقال رسول الله ﷺ : أَرْسِلُوهُ نُجِزْهُ! فَقَالَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ: إنّهُ غُلَامٌ لَا شَرَفَ لَهُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَإِنْ كَانَ! فَإِنّهُ وَافِدٌ وَلَهُ حَقّ!
فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ شِعْرًا يُرِيدُ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ:
ظَلِلْت مُفْتَرِشًا هَلْبَاك [ (٢) ] تَشْتُمُنِي ... عِنْدَ الرّسُولِ فَلَمْ تَصْدُقْ وَلَمْ تصب стр. 1019
إنّا وَسُؤْدَدُنَا [ (١) ] عَوْدٌ وَسُؤْدَدُكُمْ ... مُخَلّفٌ بِمَكَانِ الْعَجْبِ وَالذّنَبِ
إنْ تُبْغِضُونَا فَإِنّ الرّومَ أَصْلُكُمُ ... وَالرّومُ لَا تَمْلِكُ الْبَغْضَاءَ لِلْعَرَبِ
قَالَ: حَدّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ شَيْخٍ، أَخْبَرَهُ أَنّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي النّجّارِ قَالَتْ: أَنَا أَنْظُرُ إلَى الْوَفْدِ يَوْمَئِذٍ يَأْخُذُونَ جَوَائِزَهُمْ عِنْدَ بِلَالٍ، اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيّةً وَنَشّ. قَالَتْ: وَقَدْ رَأَيْت غُلَامًا أَعْطَاهُ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ أَصْغَرُهُمْ، أَعْطَى خَمْسَ أَوَاقِيّ. قُلْت: وَمَا النّشّ؟ قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيّةٍ.
بَعْثَةُ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ إلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ
قَالُوا: بعث رسول الله ﷺ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ إلَى صَدَقَاتِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَكَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا وَبَنَوْا الْمَسَاجِدَ بِسَاحَاتِهِمْ. فَلَمّا خَرَجَ إلَيْهِمْ الْوَلِيدُ وَسَمِعُوا بِهِ قَدْ دَنَا مِنْهُمْ، خَرَجَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ رَجُلًا يَتَلَقّوْنَهُ بِالْجُزُرِ وَالنّعَمِ فَرَحًا بِهِ، وَلَمْ يَرَوْا أَحَدًا يُصَدّقُ بَعِيرًا قَطّ. وَلَا شَاةً، فَلَمّا رَآهُمْ وَلّى رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَقْرَبْهُمْ، فَأَخْبَرَ النّبِيّ ﷺ أَنّهُ لَمّا دَنَا مِنْهُمْ لَقُوهُ. مَعَهُمْ السّلَاحُ يَحُولُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصّدَقَةِ، فَهَمّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ مَنْ يَغْزُوهُمْ. وَبَلَغَ ذَلِكَ الْقَوْمَ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ الرّكْبُ الّذِينَ لَقُوا الْوَلِيدَ، فَأَخْبَرُوا النّبِيّ ﷺ الْخَبَرَ وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، سَلْهُ هَلْ نَاطَقَنَا أَوْ كَلّمَنَا؟ وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نُكَلّمُهُ وَنَعْتَذِرُ، فَأَخَذَهُ الْبُرَحَاءُ فسرّى عنه، ونزل عليه: стр. 1020
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ... [ (١) ] الْآيَةَ. فَقَرَأَ النّبِيّ ﷺ الْقُرْآنَ، وَأَخْبَرَنَا بِعُذْرِنَا وَمَا نَزَلَ فِي صَاحِبِنَا، ثُمّ قَالَ: مَنْ تُحِبّونَ أَبْعَثُ إلَيْكُمْ؟ قَالُوا: تَبْعَثُ عَلَيْنَا عَبّادَ بْنَ بِشْرٍ.
فَقَالَ: يَا عَبّادُ سِرْ مَعَهُمْ فَخُذْ صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ وَتَوَقّ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ.
قَالَ: فَخَرَجْنَا مَعَ عَبّادٍ يُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ وَيُعَلّمُنَا شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ حَتّى أَنَزَلْنَاهُ فِي وَسَطِ بُيُوتِنَا، فَلَمْ يُضَيّعْ حَقّا وَلَمْ يَعْدُ بِنَا الْحَقّ. وَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَقَامَ عِنْدَنَا عَشْرًا، ثُمّ انْصَرَفَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ رَاضِيًا.
بَابُ شَأْنِ سَرِيّةِ قُطْبَةَ بْنِ عَامِرٍ إلَى خَثْعَمَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ تِسْعٍ
حَدّثَنَا ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدّثَنَا ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنّ النّبِيّ ﷺ بَعَثَ قُطْبَةَ بْنَ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ فِي عِشْرِينَ رَجُلًا إلَى حَيّ خَثْعَمَ بِنَاحِيَةِ تَبَالَةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشُنّ الْغَارَةَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يَسِيرَ اللّيْلَ وَيَكْمُنَ النّهَارَ، وَأَنْ يُغِذّ السّيْرَ، فَخَرَجُوا فِي عَشَرَةِ أَبْعِرَةٍ يَعْتَقِبُونَ عَلَيْهَا، قَدْ غَيّبُوا السّلَاحَ، فَأَخَذُوا عَلَى الْفَتْقِ حَتّى انْتَهَوْا إلَى بَطْنِ مَسْحَاءَ [ (٢) ] ، فَأَخَذُوا رَجُلًا فَسَأَلُوهُ فَاسْتَعْجَمَ عَلَيْهِمْ، فَجَعَلَ يَصِيحُ بِالْحَاضِرِ. وَخَبَرُ هَذِهِ السّرِيّةِ داخل فى سريّة شجاع بن وهب. следующие страницы →