المقصودة: من جمع شمائله ﷺ ليس المقصود من جمع شمائله ﷺ مجرّد معرفة علم تاريخيّ تميل إليه النّفوس، وتجنح إليه القلوب، ويتحدّث به في المجالس، ويستشهد به على المقاصد، ونحو ذلك من الفوائد.
وإنّما المقصود من جمع شمائله ﷺ فوائد أخرى مهمّة في الدّين.
منها: التّلذّذ بصفاته العليّة وشمائله الرّضيّة ﷺ .
والغاية- ولا يوجد الأخيران- أي: العلة والغرض- كما لو حفر بقصد الماء فبعد تمام الحفر ظهر كنز؛ فيقال له «فائدة» ؛ لأنه نتيجة الحفر، ويقال له «غاية» ؛ لأنه في آخر الحفر، ولا يقال له علة؛ ولا غرض!! لأنه لم يكن باعثا على الحفر، ولا مقصودا للحافر من الحفر. والله أعلم.
(المقصودة) للمؤلفين (من جمع شمائله ﷺ في الكتب.
اعلم أنّه (ليس المقصود من جمع شمائله) : أوصافه ﷺ مجرّد معرفة علم تاريخيّ تميل إليه) الأفئدة، وترتاح إليه (النّفوس) ، وتسرّ به الأرواح، وتنشرح له الصدور، (وتجنح إليه القلوب) ، وتلتذّ به الأسماع، وتتنزّه فيه الأبصار، (ويتحدّث) - بضمّ أوّله- (به) أي: يذكر ويروى (في المجالس) للاطلاع على سيرة من تقدّم، وللإحاطة بأخبار من سبق، (ويستشهد) - مبنيا للمجهول- أي:
يؤتى (به) شاهدا (على المقاصد) والأغراض التي تراد، (ونحو ذلك من الفوائد) التاريخية. لا؛ ليس المقصود ذلك.
(وإنّما المقصود من جمع شمائله ﷺ في الكتب (فوائد) - أي: حصول فوائد (أخرى) - زائدة على ما تقدّم (مهمّة) - أي: يهتم بها- (في الدّين) ويتقرّب بها إلى ربّ العالمين. (منها) أي: هذه الفوائد الأخرى: (التّلذّذ) أي: حصول اللذّة- (بصفاته العليّة) الكاملة، (وشمائله الرّضيّة) ، لأنّ في ذكرها وسماعها تنعّما وتلذّذا بحبيب القلوب وقرّة العيون ﷺ ،
стр. 107
- ومنها: التّقرّب إليه ﷺ ، واستجلاب محبّته ورضاه بذكر أوصافه الكاملة وأخلاقه الفاضلة، كما يتقرّب الشّاعر إلى الكريم بذكر أوصافه الجميلة، وخصاله النّبيلة.
ولا شكّ أنّ جمع ...
وهو ضرب من الوصال به ﷺ ، ووجه من وجوه القرب منه ﷺ والاجتماع به؛ لما فيه من إمتاع حاسّة السمع واللسان بأوصاف المحبوب الذي هو وسيلة إلى حضوره بالقلب، فإذا فات النظر إليه بالبصر؛ لم يفت التمتّع به بالسمع والنظر إليه بالبصيرة. كما قال بعضهم:
يا واردا من أهيل الحيّ يخبرني ... عن جيرتي شنّف الأسماع بالخبر
ناشدتك الله يا راوي حديثهم ... حدّث فقد ناب سمعي اليوم عن بصري
وقال بعضهم في مدح الشمائل مشيرا إلى المعنى:
أخلّاي إن شطّ الحبيب وربعه ... وعزّ تلاقيه وناءت منازله
وفاتكم أن تنظروه بعينكم ... فما فاتكم بالسّمع هذي شمائله
وقال بعضهم في المعنى:
يا عين إن بعد الحبيب وداره ... ونأت مرابعه وشطّ مزاره
فلقد ظفرت من الحبيب بطائل ... إن لّم تريه فهذه آثاره
(ومنها التّقرّب إليه) ؛ أي: طلب القرب منه ﷺ ، واستجلاب) أي:
طلب جلب (محبّته ورضاه) ؛ بأن يكون جامع الشمائل محبوبا عنده ﷺ ، وراضيا عنه؛ بسبب خدمة جنابه ﷺ ، وتعظيم قدره والثناء عليه (بذكر أوصافه الكاملة وأخلاقه الفاضلة) ، وفي ذلك تعلّق به وتودّد، واستعطاف وانتساب، وتعرّض لنفحات فضل الممدوح، واستمطار لسحائب إحسانه، واستنزال لغزير برّه وامتنانه، وتقرّب إليه بفتح أبواب خزائن ما يأتي من قبله، (كما يتقرّب الشّاعر إلى) الممدوح (الكريم بذكر أوصافه الجميلة) الحسنة، (وخصاله النّبيلة) العظيمة، لأنّ الكرام إذا مدحوا أجزلوا المواهب والعطايا، (ولا شكّ أنّ جمع
стр. 108
شمائله ﷺ ونشرها.. هو أفضل وأكمل من مدحه بالقصائد، وقد رضي عمّن مدحه بها ك: حسّان، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن زهير رضي الله تعالى عنهم، وكافأهم على ذلك.
شمائله ﷺ ونشرها) بين الناس لتتعطّر بها المجالس والمدارس (هو أفضل وأكمل من مدحه) ﷺ (بالقصائد، وقد رضي عمّن مدحه بها؛ ك «حسّان) بن ثابت بن المنذر الأنصاري الخزرجي، أبي الوليد، الصحابي شاعر النبي [ ﷺ ] ، وأحد المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، وعاش ستين سنة في الجاهلية وستّين سنة في الإسلام، وكان من سكّان المدينة المنورة، وتوفي بها سنة: - ٥٤- أربع وخمسين. وعمي قبيل موته. رضي الله تعالى عنه.
(وعبد الله بن رواحة) بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي؛ أبي محمد، صحابي، يعدّ من الأمراء والشعراء الراجزين، كان يكتب في الجاهلية، وشهد العقبة مع السبعين من الأنصار، وكان أحد النقباء الاثني عشر، وشهد بدرا وأحدا والخندق والحديبية، واستخلفه النبي ﷺ على المدينة في إحدى غزواته، وصحبه في عمرة القضاء، وله فيه رجز، وكان أحد الأمراء في وقعة مؤتة- بأدنى البلقاء، من أرض الشام- فاستشهد فيها سنة: - ٨- ثمان من الهجرة النبوية. رضي الله تعالى عنه.
آمين.
(وكعب بن زهير) بن أبي سلمى المازنيّ؛ أبي المضرّب، شاعر عالي الطبقة؛ من أهل نجد، له ديوان شعر، وكان ممن اشتهر في الجاهلية، ولما ظهر الإسلام هجا النبي ﷺ ، وأقام يشبّب بنساء المسلمين؛ فهدر النبي ﷺ دمه؛ فجاء كعب مستأمنا وقد أسلم، وأنشده لاميّته المشهورة التي مطلعها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ...
فعفا عنه النبي ﷺ ، وخلع عليه بردته، وكانت وفاته سنة: ست وعشرين هجرية. رحمهم الله تعالى و (رضي الله تعالى عنهم) أجمعين.
(و) قد (كافأهم) النبي ﷺ (على ذلك) المديح.
стр. 109
فلا شكّ أنّه يرضى عمّن يعتني بجمع شمائله ونشرها ﷺ . - ومنها: تعرّضنا لمكافأته ﷺ على إحسانه إلينا، وإنقاذه إيّانا من ظلمات الضّلال إلى أنوار الهدى، ومن الشّقاوة الأبديّة إلى السّعادة السّرمديّة، وهذه نعمة كبرى لا تمكن مقابلتها بشيء، ولا يقدر على مكافأته عليها إلّا الله تعالى.
فجزاه الله تعالى عنّا أفضل ما جزى به مرسلا عمّن أرسل إليه، فإنّه (فلا شكّ أنّه يرضى عمّن يعتني بجمع شمائله ونشرها) للناس تعلّما وتعليما؛ على أنّ في ذلك تعرّضا لنفحات الرحمة الإلهية، لأنه إذا كانت رحمته تعالى تتنزّل عند ذكر الصالحين؛ فما بالك بسيّد الصالحين وسندهم وممدّهم ﷺ !!! فأدنى انتساب إليه يحصّل غاية النفع والشرف، إذ لم يخلق الله تعالى خلقا أكرم عليه من نبينا محمد ﷺ ؛ كما قال ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما.
(ومنها) - أي: الفوائد-. (تعرّضنا لمكافأته ﷺ على إحسانه إلينا) ؛ أداء لبعض ما يجب له ﷺ ، إذ هو الواسطة بين الله وبين عباده، فكل خير ونعمة وبركة؛ قلّت أو جلّت، منه حصلت، وبطلعته ظهرت، (و) أعظمها إحسانه إلينا ب (إنقاذه) أي: تخليصه (إيّانا من ظلمات الضّلال) : الكفر (إلى أنوار الهدى) : الإسلام، (و) إخراجه إيّانا (من الشّقاوة الأبديّة) أي: التي لا نهاية لها، (إلى السّعادة السّرمديّة) المستمرّة، (وهذه نعمة كبرى) ، بل هي أكبر النعم على الإطلاق، إذ (لا تمكن مقابلتها) ؛ أي: موازنتها (بشيء) من النّعم الباقية الواصلة إلينا منه ﷺ ، (ولا يقدر على مكافأته) : جزائه (عليها إلّا الله تعالى) ، وإذا كان الإنسان يحبّ من منحه من دنياه- مرّة؛ أو مرتين- معروفا فانيا منقطعا، أو استنقذه من هلكة، فما بالك بمن منحه منحا لا تبيد ولا تزول، ووقاه من العذاب الأليم ما لا يفنى ولا يحول؟!!
(فجزاه الله تعالى عنّا أفضل ما جزى به مرسلا عمّن أرسل إليه، فإنّه) - أي:
стр. 110
أنقذنا به من الهلكة، وجعلنا من خير أمّة أخرجت للنّاس، دائنين بدينه الّذي ارتضى واصطفى به ملائكته، ومن أنعم عليه من خلقه، فلم تمس بنا نعمة ظهرت ولا بطنت ...
الله- تعالى (أنقذنا) : خلّصنا (به) ببعثته ﷺ (من الهلكة) ؛ أي: الهلاك، وهو ظلمة الكفر، إلى نور الإيمان، وأخرجنا به من نار الجهل إلى جنان المعارف والإيقان، (وجعلنا من خير أمّة أخرجت للنّاس) ، وخيريّة الأمّة بخيرية نبيّها (دائنين) ؛ أي: متعبّدين (بدينه الّذي ارتضى) ؛ وهو الإسلام، (واصطفى به ملائكته، ومن أنعم عليه) به (من خلقه) من النبيين والصّديقين، والشهداء والصالحين، وسائر عباده المؤمنين، (فلم تمس) - بضمّ أوله- ولم تصبح (بنا نعمة) من الله علينا (ظهرت ولا بطنت) ؛ مأخوذ من قوله تعالى (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً) [٢٠/ لقمان] .
وقد أخرج البيهقي في «شعب الإيمان» ؛ عن عطاء قال: سألت ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما عن قوله تعالى (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً) [٢٠/ لقمان] قال: هذا من كنوز علمي؛ سألت رسول الله ﷺ ، فقال: «أمّا الظّاهرة؛ فما سوّى من خلقك، وأمّا الباطنة؛ فما ستر من عورتك، ولو أبداها لقلاك أهلك فمن سواهم» .
وأخرج البيهقيّ، والديلميّ، وابن النّجار؛ عنه أيضا: سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية، فقال: «أمّا الظّاهرة؛ فالإسلام، وما سوّى من خلقك، وما أسبغ عليك من رزقه، وأمّا الباطنة؛ فما ستر من عملك» .
وفي رواية عنه موقوفة: «النّعمة الظاهرة: الإسلام، والباطنة: ما ستر عليك من الذنوب والعيوب والحدود» ؛ أخرجه ابن مردويه عنه.
وفي رواية عنه موقوفة أيضا: «النّعمة الظاهرة والباطنة هي: لا إله إلّا الله» ؛ أخرجها عنه ابن جرير وغيره. وتفسيرهما ما قاله مجاهد: نعمة ظاهرة؛ هي لا إله إلّا الله على اللسان، وباطنة؛ قال: في القلب. أخرجها سعيد بن منصور، وابن جرير.
стр. 111
نلنا بها حظّا في دين ودنيا، أو رفع بها عنّا مكروه فيهما، أو في أحد منهما.. إلّا ومحمّد ﷺ سببها القائد إلى خيرها، والهادي إلى رشدها.
(نلنا بها) ؛ أي: بسببها (حظّا) : نصيبا (في دين) ، كالعلم والعمل والمعرفة، (ودنيا) ، كالجاه والقبول، (أو رفع بها) : بسببها (عنّا مكروه) :
شيء نكرهه (فيهما) ، أي: في الدين والدنيا؛ (أو في أحد منهما) في الدين أو الدنيا (إلّا و) حبيبنا (محمّد ﷺ سببها) ؛ أي: سبب في حصولها، وواسطة في وصولها، وهو (القائد) : اسم فاعل، من: «قاده يقوده» ؛ أي: جذبه من أمامه بسبب حسّي؛ أو معنوي ليتبعه (إلى خيرها، والهادي) : الدّالّ (إلى رشدها) . فله ﷺ علينا من الأيادي العظيمة، والمنن الجسيمة؛ دين ودنيا وآخرة ما لا يحصى بحيث أنّا نسبح فيها؛ ونتقلب ظهرا لبطن. ولا منعم من الخلق مثله، لأنه الواسطة لنا في كلّ خير، وجميع النعم التي وصلت إلينا من الله تعالى السابقة واللاحقة من نعمة الإيجاد والإمداد في الدنيا والآخرة، فنعمه علينا تابعة لنعم الله تعالى، ونعم الله تعالى لا يحصيها عدد (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها) [٣٤/ إبراهيم] ، فهو ﷺ الواسطة بين الله وبين خلقه في كلّ نعمة؛ يفيضها الباري أوّلا عليه، ومنه تتفرّع إلى المخلوق.
قال سيدي عبد الرحمن بن مصطفى العيدروس: كلّ من حصلت له الرحمة في الوجود، أو خرج له قسم من رزق الدنيا والآخرة، والظاهر والباطن، والعلوم والمعارف والطاعات؛ إنما خرج له ذلك على يد رسول الله ﷺ ، وبواسطته ﷺ ، وهو الذي يقسم الجنّة بين أهلها، ولذلك عدّوا من خصائصه ﷺ أنّه أعطي مفاتيح خزائن أجناس العالم، فيخرج لهم بقدر ما يطلبون بحسب القسمة الإلهية، فكلّ ما ظهر في هذا العالم؛ فإنما يعطيه سيّدنا محمد ﷺ الذي بيده المفاتيح، فلا يخرج شيء من الخزائن الإلهية إلّا على يديه ﷺ ، وهو معنى اسم «الخليفة» ، فلا طاقة لأحد بالنّفي والشهود بدون واسطته ﷺ ، فهو المرآة الكبرى والمجلى الأعظم،
стр. 112
.........
وأقواله وأفعاله كلّها دائرة على الدلالة على الله تعالى والتعريف به، ولا نهاية للمعرفة، فما دام الإنسان يترقّى فيها؛ فهو مغترف من بحره ومستمدّ منه، حتى الأنبياء والمرسلون، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وكلّهم من رسول الله ملتمس ... غرفا من البحر أو رشفا من الدّيم
انتهى. ملخّصا من «تقريب الوصول» للسيد أحمد دحلان رحمه الله تعالى.
وقال سيّدي عبد العزيز الدبّاغ- رضي الله تعالى عنه، ونفعنا ببركاته- في كتاب «الإبريز» : إنّ أرباب الكشف والعيان يشاهدون سيّد الوجود ﷺ ، ويشاهدون ما أعطاه الله وما أكرمه الله به مما لا يطيقه غيره، ويشاهدون غيره من المخلوقات؛ الأنبياء والملائكة وغيرهم، ويشاهدون ما أعطاهم الله من الكرامات، ويشاهدون المادّة سارية من سيّد الوجود ﷺ إلى كلّ مخلوق في خيوط من نور فائضة من نوره ﷺ ؛ ممتدّة إلى ذوات الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام وذوات غيرهم من المخلوقات، ويشاهدون عجائب ذلك الاستمداد وغرائبه. قال رضي الله تعالى عنه: ولقد أخذ بعض الصالحين طرف خبزة ليأكله، فنظر فيه وفي النعمة التي رزقها بنو آدم؛ قال: فرأى في ذلك الخبز خيطا من نور، فتبعه بنظره فرآه متصلا بخيط نوره الذي اتصل بنوره ﷺ ، فرأى الخيط المتصل بالنور الكريم واحدا، ثم بعد أن امتدّ قليلا جعل يتفرّع إلى خيوط؛ كلّ خيط متّصل بنعمة من نعم تلك الذوات.
قال تلميذه سيّدي أحمد بن المبارك: وصاحب هذه الحكاية هو الشيخ نفسه.
قال: وقال رضي الله تعالى عنه: ولقد وقع لبعض أهل الخذلان- نسأل الله تعالى السلامة- أنّه قال: «ليس لي من سيّدنا محمد ﷺ إلّا الهداية إلى الإيمان، وأما نور إيماني؛ فهو من الله ، لا من النبي ﷺ » . فقال له الصالحون:
أرأيت إن قطعنا ما بين نور إيمانك وبين نوره ﷺ ، وأبقينا لك الهداية التي ذكرت؛ أترضى بذلك!؟ فقال: نعم، رضيت. قال ﵁: فما تمّ كلامه حتّى
стр. 113
وهذه العبارة من قوله: (.. فجزاه الله ... إلى آخرها) عبارة إمامنا الشّافعيّ ...
سجد للصليب وكفر بالله ورسوله؛ ومات على كفره!! نسأل الله تعالى السلامة والحماية، والتوفيق والهداية. انتهى ملخّصا، نقله المصنف في كتابه «حجّة الله على العالمين» وأطال في هذا الموضوع، فليراجع ثمة.
وقد ضمّن المصنف هذا المعنى الذي قاله سيّدي عبد العزيز في همزيته: «طيبة الغراء» ؛ فقال:
مصدر المكرمات موردها العذ ... ب كرام الورى به كرماء
أفرغ الله فيه كلّ العطايا ... والبرايا منه لها استعطاء
إنّما ما حوى الزّمان من الفض ... ل وما حازه به الفضلاء
كلّه عنه فاض من غير نقص ... مثل ما فاض عن ذكاء الضّياء
قال المصنف: (وهذه العبارة من قوله: (فجزاه الله ... إلى آخرها) عبارة إمامنا) وإمام الأئمة المجتهد المطلق:
أبي عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع (الشّافعيّ) ؛ نسبة إلى جدّه شافع، القرشي المطّلبي المكي،
أحد الأئمة الأربعة؛ أصحاب المذاهب المتبوعة المشتهرة، عالم قريش ومجدد الدين على رأس المائتين.
ولد ب «غزّة» ؛ من أرض فلسطين، سنة: - ١٥٠- مائة وخمسين هجرية، وحمل منها إلى مكة؛ وهو ابن سنتين، وحفظ القرآن؛ وهو ابن سبع سنين، وحفظ «الموطأ» ؛ وهو ابن عشر، وأفتى؛ وهو ابن خمس عشرة سنة.
وكان يحيي الليل إلى أن مات.
وزار بغداد مرتين، وبها ألّف مذهبه القديم.
وقصد مصر ونزلها سنة: - ١٩٩- تسع وتسعين ومائة، وبها ألّف مذهبه
стр. 114
رضي الله تعالى عنه نقلتها من «رسالته» الّتي رواها عنه صاحبه الرّبيع بن سليمان رحمه الله تعالى.
ومنها: أنّ معرفة شمائله الشّريفة تستدعي محبّته ﷺ ؛ ...
الجديد، وتوفي بها (رضي الله تعالى عنه) سنة: - ٢٠٤- أربع ومائتين هجرية؛ وعمره أربع وخمسون سنة، ودفن بالقرافة، وقبره معروف يزار.
قال المبرّد: كان الشافعي أشعر الناس وآدبهم، وأعرفهم بالفقه والقراءات.
وقال الإمام أحمد ابن حنبل: ما أحد ممّن بيده محبرة، أو ورق؛ إلّا وللشافعي في رقبته منّة.
وكان من أحذق قريش بالرمي؛ يصيب من العشرة عشرة. برع في ذلك أوّلا كما برع في الشعر واللغة وأيام العرب، ثم أقبل على الفقه والحديث.
وكان ذكيا مفرط الذكاء، آية في الحفظ، له تصانيف كثيرة تدلّ على سعة علمه وتحقيقه ومتانة دينه. رحمه الله تعالى. آمين. ومناقبه جمّة أفردها العلماء بالتصنيف.
(نقلتها من رسالته) المعروفة باسم «الرسالة» : في أصول الفقه، وهي (الّتي رواها عنه صاحبه) وتلميذه أبو محمد (الرّبيع بن سليمان) بن عبد الجبّار بن كامل (المرادي بالولاء) ، المصري (راوي كتب الإمام الشافعي) وراوي مذهبه الجديد. وهو المراد عند إطلاق «الربيع» . وهو أوّل من أملى الحديث بجامع ابن طولون، وكان مؤذّنا، وفيه سلامة وغفلة. ومولده سنة: - ١٧٤- أربع وسبعين ومائة بمصر، ووفاته بها سنة: - ٢٧٠- سبعين ومائتين هجرية. (رحمه الله تعالى) ونفعنا بعلومه. آمين.
(ومنها) ؛ أي: الفوائد (أنّ معرفة شمائله الشّريفة تستدعي) ، أي: تقتضي (محبّته ﷺ التي هي روح الإيمان؛ الذي هو أصل كلّ سعادة وسيادة.
والمحبة: ميل روحاني يستجلب الودّ ويسلب البعد، وللناس في حدّها
стр. 115
لأنّ الإنسان مجبول على حبّ الصّفات الجميلة ومن اتّصف بها، ولا أجمل ولا أكمل من صفاته ﷺ .
فلا شكّ أنّ من يطّلع عليها ولم يكن مطبوعا على قلبه بطابع الضّلال.. يحبّ صاحبها ﷺ بيقين، ...
اختلاف كثير، وعباراتهم فيها؛ كما قيل: وإن كثرت! إنما هي في الحقيقة اختلاف أحوال، وليست باختلاف أقوال. وأكثرها يرجع إلى ثمراتها؛ دون حقيقتها.
وقيل: إنها من المعلومات التي لا تحدّ، وإنّما يعرفها من قامت به؛ وجدانا.
ولا يمكن التعبير عنها، ولا تحدّ بحدّ أوضح منها. (لأنّ الإنسان مجبول) ؛ أي:
مطبوع (على حبّ الصّفات الجميلة، و) على حبّ (من اتّصف بها) من أفراد المؤمنين؛ فكيف بعباده الصالحين!! فكيف بسيّد الأوّلين والآخرين!!
(و) لا ريب أنّه (لا أجمل؛ ولا أكمل من صفاته ﷺ ، وإذا كان المرء يحبّ غيره على ما فيه من صورة جميلة وسيرة حميدة؛ فكيف بهذا النبي الكريم، والرسول الواسع الجامع لمحاسن الأخلاق والتكريم!! (فلا شكّ أنّ من يطّلع عليها) - أي: على شمائله، (و) الحال أنّه (لم يكن مطبوعا) ؛ أي: مختوما (على قلبه بطابع الضّلال) وعمى البصيرة- (يحبّ صاحبها ﷺ بيقين) ، وفي محبّتنا له ﷺ منن عظيمة علينا، لأنّها موجبة لمعيّته ومجاورته وصحبته، لحديث:
«المرء مع من أحبّ» . رواه الشيخان؛ عن أنس، وابن مسعود. ولحديث:
«أنت مع من أحببت» . رواه مسلم.
ومحبّة رسول الله ﷺ يظهر أثرها في اتباع سنّته، وسلوك طريقته، ولها مع ذلك علامات أخرى؛ منها: أن تحبّ بحبّه، وتبغض ببغضه، فلا تحبّ إلّا ما أحبّ، ولا تبغض إلّا ما أبغض، فيكون هواك تبعا له ولما جاء به.
ومنها: أن توالي بولايته، وتعادي بعداوته، لأنّ محبّ المحبوب ومحبوبه محبوبان، ومبغضه وبغيضه مبغوضان.
стр. 116
وبمقدار زيادة محبّته ونقصها تكون زيادة الإيمان ونقصه، ...
ومن علامات محبّته أيضا: إيثار محبّته على كلّ محبوب، واشتغال الباطن بذكره بعد ذكر الله ، والإكثار من الصلاة عليه، وأن يودّ رؤيته بجميع ما يملك؛ أو بملء الأرض ذهبا؛ لو كان له.
ومنها: التخلّق بأخلاقه، والتأدّب بشمائله وآدابه؛ من الجود، والإيثار، والحلم، والصبر، والتواضع، والزهد في الدنيا؛ والإعراض عن أبنائها، ومجانبة أهل الغفلة واللهو، والإقبال على أعمال الآخرة؛ والتقرّب من أهلها، والحبّ للفقراء والتحبّب إليهم والتقرّب منهم، وكثرة مجالستهم، واعتقاد تفضيلهم على أبناء الدنيا، ثم الحبّ في الله لأهل العلم والدين والصلاح والزهد، والبغض في الله للظّلمة والمبتدعة والفسقة المعلنين، واتّباعه في مقامات اليقين؛ مثل الخوف والرجاء، والشكر والحياء، والتسليم والتوكّل، والشوق والمحبة، وإفراغ القلب لله ، وإفراد الهمّ به تعالى، ووجود الطمأنينة بذكره سبحانه، والرّضا بما شرعه؛ حتى لا يجد في نفسه حرجا مما قضى، ونصرته ونصرة دينه باتّباع سنّته واعتقادها، وإيثارها على الرأي والهوى، واجتناب البدع كلّها، والذّبّ عن شريعته، والتسلّي عن المصائب شغلا بحاله، وجمعا في محبّة محبوبه؛ واغتباطا به، وتسلية بما أصاب محبوبه؛ وتعظيمه عند ذكره، وكثرة الشوق إلى لقائه؛ إذ كل حبيب يحبّ لقاء حبيبه، ومحبّة القرآن الذي أتى به، والتلذّذ بذكره، والطرب عند سماع اسمه، فمن تخلّق بهذا كلّه؛ فله من الآية نصيب موفور، وهي قوله تعالى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [٣١/ آل عمران] ، فجعل الله تعالى جزاء العبد على حسن متابعة الرسول ﷺ محبّة الله تعالى إياه، ولا يكون متّبعا له إلّا عن محبّة الله تعالى إيّاه، وأثرته إيّاه عمّن سواه.
(و) يتفاوت الناس في المحبة، ف (بمقدار زيادة محبّته) ﷺ (و) بمقدار (نقصها؛ تكون زيادة الإيمان ونقصه) ، فمن كان في محبّته أقوى؛ كان في الإيمان أبلغ وأثبت، ومن لا محبّة له؛ لا إيمان له، إذ الإيمان مشروط
стр. 117
بل رضا الله تعالى والسّعادة الأبديّة، ونعيم أهل الجنّة ودرجاتهم فيها، جميع ذلك يكون بمقدار محبّة العبد له ﷺ زيادة ونقصا، كما أنّ سخط الله تعالى، والشّقاوة الأبديّة وعذاب أهل النّار ودركاتهم ...
بمحبّته ﷺ ، أصله بأصلها، وكماله بكمالها، فمحبّته ﷺ ركن للإيمان؛ لا يثبت إيمان عبد ولا يقبل إلّا بمحبّته ﷺ ، (بل رضا الله) الذي هو الإنعام؛ أو إرادة الإنعام منه (تعالى) ؛ أي: ترفّع، جملة معترضة، أو حاليّة للتعظيم والتمييز، ولا يقال ذلك في غير الله سبحانه، مثل «تبارك» و « » ، لأنّه صار شعارا لله . (والسّعادة الأبديّة) الحاصلة بالموت على الإيمان، (ونعيم أهل الجنّة ودرجاتهم) ؛ أي: مراتبهم العليّة (فيها) ؛ أي: الجنة. (جميع ذلك) مبتدأ ثان، وخبره الجملة بعده، وجملة المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول الذي هو «رضا الله» وما عطف عليه.
(يكون) متفاوتا (بمقدار محبّة العبد له ﷺ زيادة ونقصا) ، وهذا في الحقيقة حثّ للمؤمن على تقوية رابطته وزيادة محبّته لنبيه ﷺ ، فإنّ العاقل لا يترك الخير الكثير ما أمكنه، فمن أراد رضا الله سبحانه وسعة النعيم في الآخرة؛ فليكثر من الأسباب التي تزيد في محبّته له ﷺ ، لأنّ المحبّة أساس الخيرات، وبها تزكو الأعمال وتحسن الأحوال.
وللمحبّة درجات، وللناس فيها مقامات، وأصلها حاصل لكلّ مسلم، لأنّها أصل الدين، ومن ليس فيه محبّة- كما قيل- لا يساوي حبّة. ولا حدّ للمحبة، وما يجب للنبي ﷺ منها؛ لا يقدر أحد على القيام به، إذ لا منّة لأحد بعد الله كما له علينا، فاستحقّ أن يكون حظّه من محبّتنا له أوفى وأزكى من محبّتنا لأنفسنا وأولادنا وأهلينا وأموالنا والناس أجمعين، بل لو كان في كلّ منبت شعرة منا محبّة تامّة له ﷺ ؛ لكان ذلك بعض ما يستحقّه.
(كما أنّ سخط الله تعالى، والشّقاوة الأبديّة) الحاصلة بالموت على الكفر والعياذ بالله من ذلك-، (وعذاب أهل النّار ودركاتهم) ؛ أي: منازلهم
стр. 118
فيها.. يكون بمقدار بغضه ﷺ ، زيادة ونقصا.
ومنها: اتّباعه والاقتداء به لمن وفّقه الله تعالى فيما يمكن به الاقتداء؛ كسخائه وحلمه، وتواضعه، وزهده، وعبادته، وغيرها من مكارم أخلاقه، وشرائف أحواله ﷺ ، ...
(فيها) ؛ أي: النار (يكون) ذلك (بمقدار بغضه ﷺ ؛ زيادة ونقصا) ، فمن كان شديد البغض له ﷺ ؛ كان السّخط عليه أكثر، وعذابه أوفر، نعوذ بالله من بغضه؛ ومن بغض عباد الله الصالحين. ونسأل الله أن يميتنا على محبّته، ويحيينا على سنّته، ويحشرنا في زمرته. آمين.
(ومنها) ؛ أي: من الفوائد المقصودة بجمع شمائله ﷺ : (اتّباعه) فيما كان عليه هو وأصحابه، ويشمل ذلك الاعتقادات، والأقوال والأفعال، والأخلاق والأحوال، (والاقتداء به) فيها (لمن وفّقه الله تعالى) . التوفيق: هو خلق قدرة الطاعة في العبد. ولا يكون الاقتداء به ﷺ في كلّ شيء، بل (فيما يمكن به الاقتداء) ، لأن أفعاله ﷺ على قسمين:
قسم لا يجوز الاقتداء به فيه، وذلك كإباحة المكث في المسجد؛ وهو جنب، وكالوصال في الصوم، وكإباحة النظر إلى الأجنبيات، ونكاح أكثر من أربع نسوة، والنكاح بلفظ الهبة، وبلا وليّ ولا شهود. فهذه الأشياء من خصائصه ﷺ ، لا يقتدى به فيها.
وقسم يجوز الاقتداء به فيها، بل يندب التأسّي به فيها، وذلك (كسخائه) ﷺ ؛ وهو: سهولة الانفاق، وتجنّب اكتساب ما لا يحمد؛ وهو الجود، (وحلمه) ؛ وهو: حالة توقر وثبات عند الأسباب المحركات، (وتواضعه) ؛ أي: هضم النفس في غير منقصة ولا مذلّة، (وزهده) ، وهو:
عدم الميل إلى الدنيا، وقلّة المبالاة بوجودها وفقدها؛ اعتمادا على خالقها، (وعبادته) المتعارفة في الشرع؛ من نحو طهارة وصلاة وصيام، (وغيرها من مكارم أخلاقه) : أوصافه، (وشرائف أحواله ﷺ ؛ كحيائه، وصدقه،
стр. 119
وذلك مستوجب لمحبّة الله تعالى الّتي فيها سعادة الدّارين.
قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [آل عمران: ٣١] .
وأمانته، وكرمه، وشجاعته، إذ من علامة محبّته التخلّق بأخلاقه في الجود، والإيثار، والحلم، والصبر، والتواضع، وغيرها من أخلاقه العظيمة.
وأعظم العلامات لمحبّته ﷺ : الاقتداء به، واستعمال سنّته، وسلوك طريقته، والاهتداء بهديه، والتأدّب بآدابه، والوقوف مع ما حدّ لنا من شريعته ﷺ ، (وذلك) كلّه (مستوجب لمحبّة الله تعالى الّتي فيها سعادة الدّارين) :
دار الدنيا ودار الأخرى.
ولمحبّة الله تعالى علامات، منها: تقديم أمره على هوى النفس، ورعاية حدود الشرع، والتزام التقوى والورع، والتشوّق إلى لقائه تعالى، والخلوّ عن كراهية الموت، والرضا بقضائه، ومحبّة كلامه والتلذّذ بتلاوته وسماعه، والطّرب عند ذكره أو سماع اسمه، وعدم الصبر على ذلك، ومحبّة رسول الله ﷺ واتّباعه، كما (قال تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) - في جميع ما جئت به- (يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [٣١/ آل عمران] والمراد بمحبّة الله تعالى للعبد: قبوله والإثابة على أعماله، إذ معنى المحبّة الأصلي محال في حقّه تعالى، والمعنى أنّ اتّباع النبي ﷺ فيما جاء به دليل على محبّة الإنسان لربّه، فمن يدّعي حبّ الله ولا يحبّ رسوله لا ينفعه ذلك. كما قيل:
ألا يا محبّ المصطفى زد صبابة ... وضمّخ لسان الذّكر منك بطيبه
ولا تعبأن بالمبطلين فإنّما ... علامة حبّ الله حبّ حبيبه
وحبّ الله تعالى يوجد بصدق المتابعة لرسول الله ﷺ ، ويلزم من محبّة الله تعالى إيثار طاعته على هوى نفسه، فمن ادّعى المحبّة من غير طاعة؛ فدعواه باطلة لا تقبل.
تعصي الإله وأنت تظهر حبّه!! ... هذا لعمري في القياس بديع
стр. 120
جعلنا الله تعالى من المتّبعين له ﷺ في شرعه القويم، وصراطه المستقيم، وحشرنا تحت لوائه، في زمرة أهل محبّته، عليه وعليهم الصّلاة والتّسليم.
لو كان حبّك صادقا لأطعته ... إنّ المحبّ لمن يحبّ يطيع
وإذا تحقّق العبد بمحبّة الله ورسوله، وصدق في متابعة أمره ونهيه؛ خشع وتأدّب ظاهرا وباطنا، لأنّ ما في الباطن يلوح على الظاهر ويعود عليه؛ لما بينهما من الارتباط، ولما أن الإنسان عمدته والمعتبر فيه هو باطنه؛ به يصلح وبه يفسد، والمحبّة تنتج الخوف، لأن مقامات اليقين مرتبط بعضها ببعض، فمن حصلت له المحبّة؛ نال من مقام الخوف والرجاء والحياء وغيرها من المقامات والأحوال قسطا وافرا، حسبما نصّ على هذا أئمة الطريق.
وإذا صحّت المتابعة لرسول الله ﷺ ؛ نتج عنها بفضل الله تعالى تطهير السريرة وتنوير البصيرة، وكان عن ذلك خالص الحبّ وصفاء الودّ، والله ذو الفضل العظيم. (جعلنا الله تعالى من المتّبعين) المقتفين (له ﷺ في شرعه القويم) ، لأن التابع له واصل لسعادة الدارين، (و) في (صراطه) الصراط- بالصاد وبالسين-:
الطريق المستوي؛ أو الواضح (المستقيم) الذي لا عوج فيه، (وحشرنا) الحشر: الجمع والاجتماع من الأماكن إلى المحشر الذي هو مكان الجمع.
والاجتماع أبدا لا يكون إلّا على عظيم القوم؛ فهو سلطان ذلك اليوم العظيم (تحت لوائه) لواء الحمد، (في زمرة) ؛ أي: جماعة (أهل محبّته) ووداده (عليه وعليهم الصّلاة والتّسليم) . آمين.
стр. 121
[الباب الأوّل في نسب رسول الله ﷺ وأسمائه الشّريفة]
الباب الأوّل (الباب الأول) الباب: هو الطريق إلى الشيء والموصل إليه. وهو حسيّ حقيقي؛ كباب الدار، ومعنويّ مجازي؛ ككلّ سبب موصل إلى أمر، وكتراجم الكتب المترجمة بالأبواب.
والباب في عرف المصنفين: اسم لجملة من العلم مشتملة على مسائل غالبا.
وكذا يعرّف: ما أفرد من كتاب أو فصل. فإن جمعت الثلاثة فقل:
الكتاب: اسم لجملة من العلم مشتملة على أبواب وفصول ومسائل غالبا.
والباب: اسم لجملة من الكتاب مشتملة على فصول ومسائل غالبا.
والفصل: اسم لجملة من الباب مشتملة على مسائل غالبا.
ووضع العلماء التراجم تسهيلا للوقوف على مظانّ المسائل؛ وتنشيطا للنفوس.
قال الزمخشري: وذلك لأنّ القارىء إذا ختم بابا من كتاب ثم أخذ في آخر؛ كان ذلك أنشط له وأبعث على الدرس والتحصيل، بخلاف ما لو استمر على الكتاب بطوله. ومثله المسافر إذا علم أنّه قطع ميلا وطوى فرسخا؛ نفّس ذلك عنه ونشط للسير. ومن ثمّ كان القرآن سورا وأجزاء وأعشارا. انتهى.
ثم لتعرف أنّ الأولى بالقارئ أن يصرّح بقراءة الترجمة، أمّا أوّلا! فلأنها جزء من التصنيف الذي أخذ في قراءته، ويتأكّد ذلك في حقّ مريد الرواية، وأمّا ثانيا! فلأنها تفتقر إلى البيان كغيرها من مسائل ذلك التصنيف الذي أخذ في قراءته؛ قاله الأبّي في «شرح مسلم» .
قال أبو العبّاس الهلالي بعد نقله بأخصر من هذا: ولأنّ فيها إشارة إجمالية إلى جميع المسائل المترجم لها، ولمعرفة المسائل بوجه إجمالي ضابط لجميعها فائدة عظيمة.
стр. 122
في نسب رسول الله ﷺ وأسمائه الشّريفة وفيه فصلان (في) ذكر (نسب رسول الله ﷺ محرّكة، واحد الأنساب، معروف، وهو: أن تذكر الرجل؛ فتقول هو فلان بن فلان، أو تنسبه إلى قبيلة؛ أو بلد؛ أو صناعة (و) في ذكر (أسمائه الشّريفة) جمع اسم؛ وهو: اللفظ الدالّ على المسمّى- بفتح الميم-. ووجه ذكر أسمائه ﷺ التي هي كالتتمة لفضائله ﷺ !! أنّ ذكر أسمائه ﷺ تعيّنه وتشخّصه، ويحصل بها معرفة تامّة به ﷺ وبأسمائه وصفاته، وبعظيم قدره عند خالقه. وقد قال في «الشفاء» : ومن خصائصه تعالى له أن ضمّن أسماءه ثناءه؛ وطوى أثناء ذكره عظيم شكره.
ومعرفته ﷺ مقصودة لذاتها. ثم معرفة أنّ له أسماء كثيرة تدلّ على عظمه، وذلك يحصّل تعظيمه ويزيد في محبّته، ثم معرفتها تفصيلا تفيد زيادة في محبّته وتعظيمه أيضا. (وفيه) أي: هذا الباب (فصلان) يأتي بيانهما:
стр. 123
[الفصل الأوّل في نسبه الشّريف ﷺ ]
الفصل الأوّل في نسبه الشّريف ﷺ هو سيّدنا محمّد رسول الله ﷺ ابن عبد الله ...
(الفصل الأوّل) بالصاد المهملة- لغة: الحاجز بين الشيئين، والفصل في الأصل مصدر بمعنى اسم الفاعل، أي: الفاصل بين ما قبله وما بعده والحاجز بينهما، أو بمعنى اسم المفعول؛ إذ مسائله مفصولة عما قبله وعمّا بعده.
والفصل في عرف المصنفين: اسم لجملة من الباب مشتملة على مسائل غالبا، وقد مرّ آنفا الكلام على ذلك بأوسع.
(في) ذكر (نسبه الشّريف ﷺ ، وهو خير أهل الأرض نسبا على الإطلاق، فلنسبه من الشرف أعلى ذروة.
وأعداؤه كانوا يشهدون له بذلك، ولهذا شهد له به أبو سفيان عدوّه إذ ذاك بين يدي ملك الروم، فأشرف القوم قومه، وأشرف القبائل قبيلته، وأشرف الأفخاذ فخذه؛ ف (هو) ﷺ النبيّ العربي، الأبطحي الحرمي، القرشي الهاشمي، نخبة بني هاشم، المختار المنتخب من خير بطون العرب، وأعرقها في النسب، وأشرفها في الحسب، وأنضرها عودا، وأطولها عمودا، وأطيبها أرومة، وأعزّها جرثومة، وأفصحها لسانا، وأوضحها بيانا، وأرجحها ميزانا، وأصحّها إيمانا، وأعزّها نفرا، وأكرمها معشرا؛ من قبل أبيه وأمّه، ومن أكرم بلاد الله على الله وعباده؛ (سيّدنا محمّد) اسم مفعول على الصفة؛ للتفاؤل بأن يكثر حمده.
وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلّق به.
قال في «الفتح» : المحمّد: الذي حمد مرّة بعد أخرى، أو الذي تكاملت فيه الخصال المحمودة (رسول الله ﷺ وشرّف وكرّم ومجّد وعظّم (ابن عبد الله) ،
стр. 124
ابن عبد المطّلب بن هاشم ...
قال الحافظ: لم يختلف في اسمه. انتهى. قال ابن الأثير: وكنيته أبو قثم- بقاف فثاء مثلثة- وهو من أسمائه ﷺ ؛ مأخوذ من القثم؛ وهو الإعطاء، أو من الجمع؛ يقال للرجل الجموع للخير قثوم وقثم، وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو أحمد. انتهى.
فإن قلنا بالمشهور من وفاته والمصطفى حمل!! فلعله كنّي بالإلهام، وإن قلنا بعد ولادته!! فظاهر.
(ابن) شيخ البطحاء (عبد المطّلب) مجاب الدعوة، محرّم الخمر على نفسه. قال ابن الأثير: وهو أوّل من تحنّث بحراء؛ كان إذا دخل شهر رمضان صعده وأطعم المساكين. وقال ابن قتيبة: كان يرفع من مائدته للطير والوحوش في رءوس الجبال، فكان يقال له: «الفيّاض» لجوده. ويقال له «مطعم طير السماء» ، واسمه «شيبة الحمد» ، وكنيته «أبو الحارث» بابن له هو أكبر أولاده.
وإنّما سمّي «عبد المطّلب» !! قيل: لأن عمّه المطّلب جاء به إلى مكّة رديفه؛ وهو بهيئة رثّة، فكان يسأل عنه؛ فيقول: «هو عبدي» ؛ حياء من أن يقول:
«ابن أخي» . فلما أدخل مكة وأصلح من حاله أظهر أنّه ابن أخيه؛ فلذلك قيل له «عبد المطلب» . وهو أوّل من خضب بالسّواد من العرب، وعاش مائة وأربعين سنة، كما قاله عالم النسب الزّبير بن بكّار وتبعوه؛ قاله الزرقاني.
(ابن هاشم) ، واسمه: عمرو، وإنّما قيل له «هاشم» ؛ لأنه كان يهشم الثريد لقومه في الجدب. وكان هاشم أفخر قومه وأعلاهم، وكانت مائدته منصوبة لا ترفع؛ لا في السّراء، ولا في الضّراء. وكان يحمل ابن السبيل، وكان نور رسول الله ﷺ في وجهه يتوقّد شعاعه، ويتلألأ ضياؤه، ولا يراه حبر إلّا قبّل يده، ولا يمرّ بشيء إلا سجد إليه. تغدو إليه قبائل العرب ووفود الأحبار؛ يحملون بناتهم يعرضون أن يتزوّج بهنّ، حتّى بعث إليه هرقل ملك الروم، وقال: إنّ لي ابنة لم تلد النساء أجمل منها؛ ولا أبهى وجها، فاقدم عليّ حتى أزوّجكها؛ فقد بلغني جودك وكرمك. وإنّما أراد بذلك نور المصطفى ﷺ الموصوف عندهم في
стр. 125
ابن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب ...
الإنجيل، فأبى هاشم. ومات وسنّه عشرون، وقيل: خمس وعشرون سنة.
انتهى. «زرقاني» .
(ابن عبد مناف) - بفتح الميم وخفّة النون-، من: «أناف ينيف إنافة» ؛ إذا ارتفع. وقيل: الإنافة: الإشراف والزيادة. لقّب بذلك!! لأنّ أمه حبّى- بضم الحاء المهملة وموحدة مشددة ممالة- أخدمته صنما عظيما لهم يسمّى «مناة» ، ثم نظر أبوه فرآه يوافق عبد مناة بن كنانة، فحوّله «عبد مناف» ، واسمه: المغيرة، كما قال الشافعي؛ منقول من الوصف، والهاء للمبالغة، سمّي به!! تفاؤلا أنّه يغير على الأعداء. وساد في حياة أبيه. وكان مطاعا في قريش، ويدعى «القمر» لجماله. قال الواقدي: وكان فيه نور رسول الله ﷺ ، وفي يده لواء نزار وقوس إسماعيل. قال ابن هشام: ومات ب «غزّة» .
(ابن قصيّ) - بضمّ القاف- تصغير قصي- بفتح فكسر؛ فياء ساكنة- من:
(قصا يقصو) ؛ إذا بعد. ولقّب بذلك!! لأنّه بعد عن عشيرته في بلاد قضاعة حين احتملته أمّه فاطمة بنت سعد العذري في قصّة طويلة. ذكرها ابن إسحاق. واسمه «مجمّع» ؛ بالتشديد اسم فاعل، قال الشاعر:
أبوكم قصيّ كان يدعى «مجمّعا» ... به جمّع الله القبائل من فهر
وكان قصيّ أوّل بني كعب أصاب ملكا طاع له به قومه، وكانت له الحجابة والسقاية والرّفادة والندوة واللواء، وحاز شرف مكّة جميعا، وكان رجلا جلدا جميلا، وعالم قريش وأقومها بالحقّ.
(ابن كلاب) - بكسر الكاف وتخفيف اللام- وهو، إما منقول من المصدر الذي في معنى المكالبة؛ نحو: كالبت العدوّ مكالبة، وإما من الكلاب؛ جمع كلب: الحيوان المعروف!! كأنهم يريدون الكثرة؛ كما يسمون ب «سباع» و «أنمار» وغير ذلك.
وسئل أعرابي: لم تسمّون أبناءكم بشرّ الأسماء؛ نحو كلب وذئب، وعبيدكم
стр. 126
ابن مرّة بن كعب بن لؤيّ ...
بأحسن الأسماء؛ نحو رزق ومرزوق ورباح؟! فقال: إنّما نسمّي أبناءنا لأعدائنا، وعبيدنا لأنفسنا. يريد الأعرابي: أنّ الأبناء عدة للأعداء وسهام في نحورهم؛ فاختاروا لهم هذه الأسماء دون عبيدهم، لأنهم لا يقصد منهم قتال غالبا، بل كان عارا عند العرب.
واسم كلاب: «حكيم» ، قال الحافظ: ولقّب ب «كلاب» !! لمحبّته كلاب الصيد، وكان يجمعها، فمن مرّت به فسأل عنها قيل: هذه كلاب ابن مرّة، وقال القسطلّاني: لمحبّته الصيد، وكان أكثر صيده بالكلاب؛ قاله المهلب وغيره.
(ابن مرّة) بضمّ الميم، منقول من وصف الرجل بالمرارة، فالتاء للمبالغة.
وله ثلاثة أولاد: يقظة؛ وبه يكنّى، وكلاب، وتيم؛ ومن نسله الصدّيق وطلحة.
(ابن كعب) قال السهيلي: سمّي بذلك؛ لستره على قومه ولين جانبه لهم.
منقول من «كعب القدم» . وقال ابن دريد وغيره: من «كعب القناة» ، وسمّي بذلك!! لارتفاعه وشرفه فيهم، فكانوا يخضعون له حتى أرّخوا بموته إلى عام الفيل؛ فأرّخوا به، ثم بموت عبد المطلب. وكعب أوّل من جمع الناس يوم العروبة- وهو: اسم يوم الجمعة- في الجاهلية اتفاقا. ولم يكن ثمّ صلاة يجمعهم إليها، بل كانت قريش تجتمع إليه في هذا اليوم فيخطبهم. وكان فصيحا يأمرهم بتعظيم الحرم، ويذكّرهم بمبعث النبي ﷺ ، ويعلمهم بأنّه من ولده، ويأمرهم باتّباعه والإيمان به. وينشد في ذلك أبياتا. منها قوله:
يا ليتني شاهد فحواء دعوته ... حين العشيرة تبغي الحقّ خذلانا
وكان بين موت كعب ومبعث النبي ﷺ خمسمائة سنة وستون سنة؛ قاله الزرقاني على «المواهب» .
(ابن لؤيّ) - بضم اللام والهمزة، ويسهّل بإبدال همزته واوا-.
وفي «النور والإرشاد» : الهمز أكثر عند الأكثرين. ولؤي تصغير «لأى» بوزن
стр. 127
ابن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة ...
(عصا) ؛ وهو الثور الوحشيّ، وكنية لؤي: «أبو كعب» ، وله سبعة أولاد ذكور.
(ابن غالب) - بالمعجمة وكسر اللام- منقول من اسم فاعل مشتق من الغلب بفتحات، أو فتح فسكون- ويقال غلبة: بهاء. وله ولدان: لؤيّ وتيم، وبه يكنّى.
(ابن فهر) - بكسر الفاء وسكون الهاء فراء- منقول من الفهر: الحجر الطويل؛ قاله السهيلي. وقال الخشني: الفهر: حجر ملء الكفّ؛ يذكّر ويؤنّث.
وخطّأ الأصمعيّ من أنّثه، وفي «الفتح» : الفهر: الحجر الصغير. وفي «الإرشاد» : الطويل الأملس.
واسم فهر «قريش» ، وإليه تنسب قبائل قريش؛ كما قاله جماعة، ونسب للأكثر. قال الزّهري: وهو الذي أدركت عليه من أدركت من نسّاب العرب: أنّ من جاوز فهرا؛ فليس من قريش، بل يقال له «كنانيّ» ؛ نسبة إلى كنانة بن خزيمة بن مدركة. على القول الصحيح الذي صحّحه الدمياطيّ والعراقيّ وغيرهما، والحجّة لهم حديث مسلم والترمذي؛ مرفوعا: «إنّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة» ... الحديث. وقيل غير ذلك.
وقبائل قريش فرقتان: بطاح، وظواهر. فقريش البطاح: من دخل مكّة مع قصي. والظواهر: من أقام بظاهر مكة؛ ولم يدخل الأبطح.
(ابن مالك) اسم فاعل من ملك يملك؛ فهو مالك، والجمع: ملّاك، ويكنّى «أبا الحارث» ؛ قاله في «الخميس» . سمّي «مالكا!!» ؛ لأنه كان ملك العرب.
(ابن النّضر) - بفتح النون وإسكان الضاد المعجمة فراء- واسمه «قيس» ، ولقب ب «النضر» !! لنضارة وجهه وإشراقه وجماله؛ منقول من «النضر» : اسم الذهب الأحمر، وله من الذكور مالك والصّلت، ويخلد- بفتح التحتيّة وسكون المعجمة، وضمّ اللام فدال مهملة- وبه يكنّى أبوه، ولكن لم يعقب إلّا من مالك.
(ابن كنانة) - بكسر الكاف ونونين مفتوحتين، بينهما ألف، ثم هاء-؛ منقول من «الكنانة» التي هي الجعبة- بفتح الجيم وسكون العين المهملة-.
стр. 128
ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس ...
سمّي بذلك!! تفاؤلا بأنه يصير كالكنانة الساترة للسهام؛ فكان سترا على قومه، وقيل غير ذلك.
(ابن خزيمة) تصغير خزمة- بمعجمتين مفتوحتين- وهي: مرّة واحدة من الخزم، وهو: شدّ الشيء وإصلاحه. وقال الزّجّاجي: يجوز أنّه من الخزم- بفتح فسكون- تقول: خزمته؛ فهو مخزوم إذا أدخلت في أنفه الخزام؛ قاله في «الفتح» .
وفي «تاريخ الخميس» : إنّما سمّي «خزيمة» ؛ تصغير خزمة!! لأنّه اجتمع فيه نور آبائه؛ وفيه نور رسول الله ﷺ . انتهى.
قال ابن عباس: ومات خزيمة على ملّة إبراهيم.
(ابن مدركة) - بضمّ فسكون فكسر ففتح، ثم هاء مبالغة-؛ منقول من اسم فاعل من الإدراك، لقّب به!! لإدراكه كلّ عزّ وفخر كان في آبائه، وكان فيه نور المصطفى ﷺ ظاهرا بيّنا، واسمه «عمرو» عند الجمهور. وهو الصحيح.
(ابن إلياس) - بتحتيّة مع كسر الهمزة؛ في قول ابن الأنباري، وهي همزة قطع تثبت في الابتداء والدّرج- والمعروف أنّه اسمه، وفي «سيرة مغلطاي» : أنّ اسمه حبيب.
وفي «تاريخ الخميس» : إنما سمّي «إلياس» !! لأنّ أباه كبر ولم يولد له، فولد على الكبر واليأس؛ فسمّي «إلياس» ، وكنيته «أبو عمرو» ، وله أخ يقال له «إلناس» - بنون-؛ ذكره ابن ماكولا والجوهريّ.
وقال قاسم بن ثابت العوفي الأندلسيّ المالكيّ: إنّه بفتح الهمزة ضدّ الرجاء، واللام فيه للتعريف، والهمزة للوصل. قال السهيلي: وهذا أصحّ من قول ابن الأنباري. انتهى.
وإلياس أوّل من أهدى البدن إلى البيت الحرام.
ويذكر أنّه كان يسمع في صلبه تلبية النبي ﷺ .
ولم تزل العرب تعظّمه تعظيم أهل الحكمة؛ ك «لقمان» وأشباهه. وكان
стр. 129
ابن مضر بن نزار بن معدّ ...
يدعى كبير قومه وسيد عشيرته، ولا يقطع أمر ولا يقضى بينهم دونه.
قال الزبير بن بكّار: ولمّا أدرك إلياس أنكر على بني إسماعيل ما غيّروا من سنن آبائهم وسيرتهم، وبان فضله عليهم، ولان جانبه لهم، حتّى جمعهم رأيه ورضوا به، فردّهم إلى سنن آبائهم وسيرهم.
قال ابن دحية: وهو وصيّ أبيه، وكان ذا جمال بارع.
(ابن مضر) - بضم الميم وفتح الضاد المعجمة- غير مصروف للعلمية والعدل.
قال الحافظ: قيل سمّي به؛ لأنه كان يحب شرب اللبن الماضر؛ وهو الحامض، وفيه نظر، لأنّه يستدعي أنّه كان له اسم غيره قبل أن يتّصف بهذه الصفة، نعم؛ يمكن أن يكون هذا اشتقاقه، ولا يلزم أن يكون متّصفا بهذه الصفة:
وقيل: سمّي به لبياضه. وقيل: لأنه كان يمضر القلوب لحسنه وجماله.
وهو أوّل من سنّ الحداء للإبل. قال البلاذري: وذلك أنّه سقط عن بعيره وهو شابّ؛ فانكسرت يده، فقال: يا يداه.. يا يداه. فأتت إليه الإبل من المرعى، فلما صحّ وركب حدا؛ وكان من أحسن الناس صوتا.
(ابن نزار) - بكسر النون، فزاي، فألف، فراء- مأخوذ من النّزر؛ وهو القليل.
قيل: إنّه لما ولد ونظر أبوه إلى نور محمد ﷺ بين عينيه فرح فرحا شديدا، ونحر وأطعم؛ وقال: إنّ هذا كلّه نزر- أي: قليل- لحقّ هذا المولود؛ فسمّي «نزارا» لذلك، وكان اسمه «خلدان» ، وكنيته «أبو إياد» ، وقيل: «أبو ربيعة» ، وكان أجمل أهل زمانه وأكبرهم عقلا، وكان مقدّما، وانبسطت إليه اليد عند الملوك.
وفي «الوفا» : يقال إنّ قبر نزار. ب «ذات الجيش» قرب المدينة.
(ابن معدّ) - بفتح الميم والمهملة وشدّ الدال- وسمّي «معدّا» !! لأنه كان
стр. 130
ابن عدنان.
إلى هنا إجماع الأمّة، وما بعده إلى آدم لا يصحّ فيه شيء يعتمد.
صاحب حروب وغارات على بني إسرائيل، ولم يحارب أحدا إلّا رجع بالنصر والظّفر.
وكنيته «أبو قضاعة» . وقيل: أبو نزار.
(ابن عدنان) - بزنة فعلان- من المعدن، أي: الإقامة؛ قاله الحافظ وغيره.
وفي «الخميس» : سمي به!! لأنّ أعين الجن والإنس كانت إليه وأرادوا قتله.
وقالوا: لئن تركنا هذا الغلام حتى يدرك مدرك الرجال ليخرجنّ من ظهره من يسود الناس. فوكّل الله به من يحفظه. انتهى.
وحكى الزّبير: أنّ عدنان أوّل من وضع أنصاب الحرم، وأوّل من كسى الكعبة، أو كسيت في زمانه. وقال البلاذري: أوّل من كساها الأنطاع عدنان.
ولما استشعر المصنف قول سائل: «لم لم توصل النسب إلى آدم؟» قال:
(إلى هنا إجماع الأمّة) ، والإجماع. حجّة، لعصمة الأمة عن الخطأ، لقوله ﷺ «لا تجتمع أمّتي على ضلالة» .
(وما بعده) ؛ أي: بعد عدنان (إلى) إسماعيل بن إبراهيم، ومنه إلى (آدم) قال العلماء: (لا يصحّ فيه شيء يعتمد) . قال العسقلاني في «السيرة» : اختلف فيما بين عدنان وإسماعيل اختلافا كثيرا، ومن إسماعيل إلى آدم متّفق على أكثره، وفيه خلف يسير في عدد الآباء، وفيه خلف في ضبط بعض الأسماء. انتهى.
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون بأسمائهم. وقال عروة بن الزّبير: ما وجدنا أحدا يعرف بعد معدّ بن عدنان. وسئل الإمام مالك؛ عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم!! فكره ذلك. قيل له:
فإلى إسماعيل. فكره ذلك أيضا. وقال: من أخبره بذلك!!؟ وكذا روي عنه في نسب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فالذي ينبغي: الإعراض عما فوق عدنان، لما فيه من التخليط والتغيير للألفاظ وعواصة تلك الأسماء مع قلّة الفائدة.
стр. 131
وقد كان رسول الله ﷺ إذا انتسب.. لم يجاوز في نسبته معدّ بن عدنان بن أدد، ثمّ يمسك ويقول: «كذب النّسّابون» ؛ قال الله تعالى (وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً) [الفرقان: ٣٨] .
وهذا النّسب أشرف الأنساب على الإطلاق.
فعن العبّاس ...
(وقد كان رسول الله ﷺ إذا انتسب) - أي: ذكر نسبه- (لم يجاوز في نسبته معدّ بن عدنان بن أدد) - بضمّ الهمزة ودال مهملة مفتوحة- (ثمّ يمسك) عما زاد؛ توطئة لقوله (ويقول: «كذب النّسّابون» ) أي: الرافعون النسب إلى آدم، يقولها مرتين أو ثلاثا. رواه في «مسند الفردوس» ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما مرفوعا. لكن قال السّهيلي: الأصحّ في هذا الحديث أنّه من قول عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. وقال غيره: كان ابن مسعود ﵁ إذا قرأ قوله تعالى (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ) [٩/ إبراهيم] قال: كذب النسّابون. يعني: أنّهم يدّعون علم الأنساب، ونفى الله علمها عن العباد بقوله (لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ) [٩/ إبراهيم] ، و (قال الله تعالى) في سورة الفرقان ((وَقُرُوناً) - أقواما- (بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً) (٣٨) لا يعلمهم إلا الله (وهذا النّسب أشرف الأنساب على الإطلاق، ف) - قد روى الترمذيّ وقال: حديث حسن؛ (عن العبّاس) بن عبد المطّلب أبي الفضل الهاشمي، عمّ النبي ﷺ ، كان أسنّ من رسول الله ﷺ بسنتين؛ أو ثلاث، وكان رئيسا جليلا في قريش قبل الإسلام، وكان إليه عمارة المسجد الحرام والسقاية. قيل: أسلم قبل الهجرة، وكان يكتم إسلامه؛ مقيما بمكة يكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله ﷺ .
وكان رسول الله ﷺ يعظّمه ويكرمه ويبجّله. وكان وصولا لأرحام قريش؛ محسنا إليهم، ذا رأي وكمال عقل، جوادا؛ أعتق سبعين عبدا.
وكانت الصحابة تكرمه وتعظّمه وتقدّمه، وتشاوره وتأخذ برأيه.
وله من الأولاد عشرة؛ وثلاث بنات. وتوفي ﵁ بالمدينة المنورة
стр. 132
رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم، ثمّ تخيّر القبائل فجعلني من خير قبيلة، ثمّ تخيّر البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا» .
يوم الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من رجب، وقيل: من رمضان سنة: اثنتين وثلاثين، وقيل: أربع وثلاثين؛ وهو ابن ثمان وثمانين سنة (رضي الله تعالى عنه.
أنّ النّبيّ ﷺ قال) . وفي الترمذيّ: قال العبّاس: قلت: يا رسول الله؛ إن قريشا جلسوا فتذاكروا أحسابهم، فجعلوا مثلك مثل نخلة في كبوة- أي: كناسة.
أي: هو كالشجرة المثمرة وأصلها خبيث. فقد مدحوه وذمّوا أصله- فقال رسول الله ﷺ مبينا أن أصله طيّب: ( «إنّ الله خلق الخلق) - أي: المخلوقات، و «أل» للاستغراق، فتدخل الملائكة، فهو نصّ في أفضلية جنس البشر على جنس الملك. أو المراد: الثقلان، أو المراد: بنو آدم فرقا- (فجعلني) - أي:
صيّرني- (من خيرهم) - أي: خير فرقهم؛ أي: أشرفها، والمراد بالفرق الذي هو خيرهم: العرب- (ثمّ تخيّر القبائل) - من العرب أي: اختار خيارهم؛ فضلا منه- (فجعلني من خير قبيلة) - منهم؛ وهم قريش، أي: قدّر إيجادي في خير قبيلة- (ثمّ تخيّر البيوت) - أي: اختارهم شرفا- (فجعلني من خير بيوتهم) أي: أشرفها؛ وهم بنو هاشم، وإذا كان كذلك- (فأنا خيرهم نفسا) - أي:
روحا وذاتا- (وخيرهم بيتا) - أي: أصلا، إذ جئت من طيّب إلى طيّب، إلى صلب أبي بفضل الله عليّ ولطفه في سابق علمه.
ولم يقل «ولا فخر» ؛ كما في خبر: «أنا سيّد ولد آدم» !! لأنّ هذا بحسب حال المخاطبين في صفاء قلوبهم بما يعلمه من حالهم، أو هذا بعد ذاك.
وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا: «إنّ الله حين خلق الخلق بعث جبريل؛ فقسم النّاس قسمين؛ فقسم العرب قسما، وقسم العجم قسما، وكانت خيرة الله في العرب. ثمّ قسم العرب قسمين؛ فقسم اليمن قسما، وقسم
стр. 133
وعن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه ...
مضر قسما وقريشا قسما، وكانت خيرة الله في قريش، ثمّ أخرجني من خير من أنا منهم» رواه الطبراني، وحسّن العراقي إسناده، وهو شاهد لخبر المصنّف وكالشرح له.
قال بعض العلماء: والتفاضل في الأنساب والقبائل والبيوت باعتبار حسن خلقة الذات والتفاضل فيما قام بها من الصفات؛ حتى في الأقوات وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ [٧١/ النحل] وهذا جار في سائر المخلوقات، فضل الله يؤتيه من يشاء، فلا اتجاه لما عساه يقال: الإنسان كلّه نوع؛ فما معنى التفاضل في الأنساب!! انتهى «زرقاني» .
(و) روى مسلم، والترمذيّ بأتمّ منه- وقال: حديث صحيح غريب- (عن) أبي شدّاد (واثلة بن الأسقع) بن عبد العزّى بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الكناني اللّيثي (رضي الله تعالى عنه) قيل: أسلم والنبيّ ﷺ يتجهّز إلى تبوك، وشهدها معه، وشهد فتح دمشق وحمص. وقيل: إنّه خدم النبي ﷺ ثلاث سنين؛ وكان من أهل الصّفّة.
روي له عن رسول الله ﷺ ستة وخمسون حديثا؛ روى له البخاري حديثا، ومسلم حديثا آخر.
سكن الشام؛ فسكن دمشق، ثم استوطن «بيت جبرين» ؛ وهي بلدة بقرب بيت المقدس، ودخل البصرة؛ وكان له بها دار.
روى عنه أبو إدريس الخولاني، ومكحول، وأبو المليح، ويونس بن ميسرة وخلق سواهم.
وتوفي بدمشق سنة: ست- أو خمس- وثمانين هجرية؛ وهو ابن ثمان وتسعين سنة رحمه الله تعالى، وأبوه صحابيّ؛ كما في «الإصابة» . رضي الله تعالى عنهما.
стр. 134
قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» .
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنه ...
(قال) واثلة: (قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله اصطفى) - أي: اختار- (من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة) - وهم عدّة قبائل؛ أبوهم كنانة بن خزيمة- (واصطفى من بني كنانة قريشا) - وفيه إبطال للقول بأن جماع قريش مضر، وإبطال للقول الآخر بأنّ جماعهم إلياس- (واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) ؛ زاد ابن سعد من مرسل أبي جعفر الباقر-: «ثمّ اختار بني هاشم من قريش، ثمّ اختار ابن عبد المطّلب من بني هاشم» . انتهى.
قال الحليمي: أراد تعريف منازل المذكورين ومراتبهم، كرجل يقول «كان أبي فقيها» لا يريد الفخر؛ بل تعريف حاله دون ما عداه. وقد يكون أراد به الإشارة بنعمة الله تعالى عليه في نفسه وآبائه على وجه الشكر، وليس ذلك من الاستطالة والفخر في شيء. انتهى. ونقله عنه البيهقيّ في «الشّعب» . وأقرّه.
وقال الحافظ ابن حجر: ذكره لإفادة الكفاءة، والقيام بشكر النعم. والنهي عن التفاخر بالآباء موضعه مفاخرة تفضي إلى تكبّر؛ أو احتقار مسلم. انتهى؛ نقله الزرقاني على «المواهب» .
(و) روى الطبرانيّ في «الأوسط» ؛ (عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطّاب: أبي عبد الرحمن العالم المجتهد العابد، لزوم السنة، الفرور من البدعة، الناصح للأمّة (رضي الله تعالى عنه) .
روى ابن وهب عن مالك؛ قال: بلغ ابن عمر ستّا وثمانين سنة، وأفتى ستّين سنة.
стр. 135
قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله اختار خلقه؛ فاختار منهم بني آدم، ثمّ اختار بني آدم فاختار منهم العرب، ثمّ اختار العرب فاختار منهم قريشا، ثمّ اختار قريشا فاختار منهم بني هاشم، ثمّ اختار بني هاشم فاختارني، فلم أزل خيارا من خيار، ألا من أحبّ العرب فبحبّي أحبّهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم» .
وقال نافع: ما مات حتى أعتق أكثر من ألف، وشهد الخندق وما بعدها.
قال الحافظ ابن حجر: ولد في السنة الثانية؛ أو الثالثة من المبعث، لأنه ثبت أنّه كان يوم بدر ابن ثلاث عشرة سنة؛ وهي بعد المبعث بخمس عشرة، ومات في أوائل سنة ثلاث وسبعين. رحمه الله تعالى.
(قال) - أي: ابن عمر- (قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله اختار) - أي:
اصطفى- (خلقه) - مميّزا لهم على غيرهم ممّن لو تعلّقت بهم الإرادة ووجدوا كانوا دونهم في الفضل، لكونهم لم يختاروا، فلا يرد أنّ الاختيار إنّما يكون فيما يختار من شيء، ولا يقال: اختار شيئا، إذ لابدّ من مختار ومختار منه. ومحصّل الجواب: اختيارهم ممن يقدّر وجودهم- (فاختار منهم بني آدم، ثمّ اختار بني آدم) - أي: نظر إليهم- (فاختار منهم العرب) - وبهذا التأويل اندفع ما يقال:
لا حاجة لقوله «ثمّ اختار بني آدم» بل لا يصحّ، لأنه عين ما قبله- (ثمّ اختار العرب) - أي: نظر إليهم- (فاختار منهم قريشا) - أي: قبائل قريش- (ثمّ اختار قريشا) - أي: نظر إليهم- (فاختار منهم بني هاشم) - دون غيرهم- (ثمّ اختار بني هاشم) - أي: نظر إليهم- (فاختارني) - من بني هاشم- (فلم أزل خيارا من خيار، ألا من أحبّ العرب فبحبّي) - أي: فبسبب حبّه لي- (أحبّهم، ومن أبغض العرب) - أظهر للتعظيم- (فببغضي) - أي: بسبب بغضه لي- (أبغضهم» ) .
وقد روى الترمذي؛ وقال: حسن غريب؛ عن سلمان رفعه: «يا سلمان؛ لا تبغضني فتفارق دينك.» قلت: يا رسول الله؛ كيف أبغضك وبك هداني الله؟! قال «تبغض العرب فتبغضني» .
стр. 136
.........
وروى الطبرانيّ؛ عن علي رفعه: «لا يبغض العرب إلّا منافق» . انتهى.
وقد ألّف الحافظ العراقيّ «رسالة في فضائل العرب» . وتلاه الشيخ ابن حجر الهيتمي، رحمهم الله تعالى، فألّف رسالة سماها «مبلغ الأرب في فضائل العرب» .
стр. 137
[الفصل الثّاني في أسمائه الشّريفة ﷺ ]
الفصل الثّاني في أسمائه الشّريفة ﷺ اعلم.. أنّ لرسول الله ﷺ أسماء كثيرة.
(الفصل الثّاني) من الباب الأوّل (في) ذكر بعض (أسمائه) جمع: اسم؛ وهو كلمة وضعتها العرب بإزاء مسمّى، متى أطلقت فهم منها ذلك المسمّى.
فعلى هذا لا بدّ من مراعاة أربعة أشياء: ١- الاسم، و ٢- المسمّى- بفتح الميم-، و ٣- المسمّي- بكسرها-، و ٤- التسمية.
فالاسم: هو اللفظ الموضوع على الذّات لتعريفها وتخصيصها عن غيرها؛ كلفظ «زيد» .
والمسمّى: هو الذات المقصود تمييزها بالاسم كشخص زيد.
والمسمّي- بالكسر-: هو الواضع لذلك اللفظ.
والتسمية: هي اختصاص ذلك اللفظ بتلك الذات. والوضع: تخصيص لفظ بمعنى إذا أطلق فهم منه ذلك المعنى للعالم بالوضع.
(الشّريفة) وذكر شيء من معانيها ﷺ وشرّف وكرّم.
(اعلم أنّ لرسول الله ﷺ أسماء كثيرة) ، وكثرة الأسماء تدلّ على شرف المسمّى؛ للعناية به وبشأنه. ولذا ترى المسمّيات في كلام العرب أكثر محاولة واعتناء؛ كما في «الشامية» . يعني: أنّهم أكثر ما يحاولون في المسمّيات تمييزها بالأسماء الكثيرة المميزة لها والدالّة على شرفها؛ لا سيما إذا لوحظت المناسبة بين
стр. 138
قال الإمام النّوويّ في «التّهذيب» : (قال الإمام الحافظ ...
كلّ اسم ومسمّاه. وقد سمّى الله تعالى نبيّنا محمدا ﷺ بأسماء كثيرة في القرآن العظيم وغيره من الكتب السماوية، وعلى ألسنة أنبيائه عليهم الصلاة والسلام.
(قال الإمام) الحافظ وليّ الله تعالى الشيخ محيي الدين (النّوويّ) الشافعيّ صاحب التصانيف النافعة المباركة (في) كتاب ( «التّهذيب» ) ؛ أي: «تهذيب الأسماء واللغات» : (قال الإمام الحافظ) هو أحد مراتب خمسة لأهل الحديث، أوّلها ١- الطالب؛ وهو: المبتدىء، ثمّ ٢- المحدّث؛ وهو: من تحمّل روايته واعتنى بدرايته، ثمّ ٣- الحافظ؛ وهو: من حفظ مائة ألف حديث متنا وإسنادا، ثمّ ٤- الحجّة؛ وهو من حفظ ثلثمائة ألف حديث، ثمّ ٥- الحاكم؛ وهو: من أحاط بجميع الأحاديث، ذكره المطرّزي.
فائدة: أخرج ابن أبي حاتم في كتاب «الجرح والتعديل» ؛ عن الزّهري:
لا يولد الحافظ إلّا في كلّ أربعين سنة. ولعل ذلك في الزمن المتقدّم، وأما في زماننا هذا؛ فقد عدم فيه الحافظ؛ كذا قاله الباجوري في «حاشيته على الشمائل الترمذية» .
قال السيد عبد الحي الكتاني في «فهرس الفهارس» : وهو عجيب، لأن الحافظ ما دام كما وصفه به الحافظ ابن الجزري: من روى ما يصل إليه، ووعى ما يحتاج إليه. انتهى. وكما وصفه به الخفاجيّ؛ من أنه: من أكثر من رواية الحديث وأتقنها!! فغير منقطع، ولم يختم بالسيوطي والسخاوي؛ كما قيل.
فمن طالع واطّلع، وتوسّع في تتبع تراجم الشاميين والمصريين واليمنيين والهنديين والمغاربة من القرن التاسع إلى الآن لم يجد الزمان خلا عمّن يتّصف بأقل ما يشترط فيمن يطلق عليه اسم الحافظ في الأعصر الأخيرة.
وغاية ما يشترط فيه عندي الآن: أن يكون على الأقل قد اشتهر بالتعاطي والإتقان لهذه الصناعة؛ فأخذ فيها وأخذ عنه، وأذعن من يعتبر إذعانه لقوله فيها، بعد تجريبه عليه: الصدق والتحرّي فيما ينقل ويقول، وبعد الغور. وتمّ له سماع
стр. 139
القاضي أبو بكر ابن العربيّ المالكيّ ...
مثل الكتب الستّة والمسانيد الأربعة على أهل الفن المعتبرين، وعرف الاصطلاح معرفة جيدة، ودرس كتب ابن الصلاح وحواشيه، وشروح الألفية وحواشيها، وترقّى إلى تدوين معتبر في السنّة وعلومها، وعرف فيه بالإجادة قلمه، والاطلاع والتوسعة مذهبه، والاختيار والترجيح في ميادين الاختلاف نظره، مع اتساع في الرواية؛ بحيث أخذ عن شيوخ إقليمه ما عندهم، ثم شره إلى الرواية عمّن هم في الأقاليم الأخر بعد الرحلة إليهم، وعرف العالي والنازل، والطبقات والخطوط والوفيات، وحصّل الأصول العتيقة؛ والمسانيد المعتبرة، والأجزاء والمشيخات المفرّقة، وجمع من أدوات الفنّ ومتعلّقاته أكثر ما يمكن أن يحصل عليه، مع ضبطه وصونه لها، واستحضاره لأغلب ما فيها، وما لا يستحضره عرف المظانّ له منها على الأقلّ، ويشبّ ويشيخ وهو على هذه الحالة من التعاطي والإدمان والانقطاع له. فمن حصّل ما ذكر، أو تحقّق وصفه ونعته به؛ جاز أن يوصف بالحفظ عندي بحسب زمانه ومكانه. انتهى كلام الشيخ عبد الحي الكتاني رحمه الله تعالى.
قال: فلذلك أردت أن أرشدك إلى من وقفت على وصفه من الأئمة المعتبرين بالحفظ والإتقان، وإنه من كبار محدّثي الزمان، ووجد مع الحافظ ابن حجر وبعده إلى الآن، لتعلم أنّ فضل الله لا ينحصر بزمان؛ أو مكان؛ أو جهة من الجهات، فهو سبحانه يعطي بلا امتنان؛ ولا تحجير عليه من أهل الزمان.
ثم ذكر ثمانية وخمسين شخصا بأسمائهم من أهل القرن التاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، وترجم لجميعهم. رحمهم الله تعالى.
آمين.
(القاضي أبو بكر بن العربيّ) محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الإشبيلي (المالكيّ) ، ولد في «إشبيلية» سنة: - ٤٦٨- ثمان وستين وأربعمائة، ورحل إلى المشرق، وبرع في الأدب، وبلغ رتبة الاجتهاد في علوم الدين، وصنّف كتبا في الحديث والفقه، والأصول والتفسير، والأدب والتاريخ، وولي قضاء «إشبيلية» .
стр. 140
في كتابه «عارضة الأحوذيّ في شرح التّرمذيّ» : قال بعض الصّوفيّة: ...
قال ابن بشكوال: هو ختام علماء الأندلس، وآخر أئمّتها وحفّاظها.
ومن مؤلفاته «العواصم من القواصم» ، و «عارضة الأحوذي شرح الترمذي» ، و «أحكام القرآن» ، و «القبس شرح موطأ مالك بن أنس» ، و «الإنصاف في مسائل الخلاف» ، و «أعيان الأعيان» وغيرها. ومات بقرب «فاس» سنة: - ٥٤٣- ثلاث وأربعين وخمسمائة، ودفن بها. رحمة الله تعالى عليه. آمين.
(في كتابه «عارضة الأحوذيّ في شرح) جامع (التّرمذيّ» ) رحمه الله تعالى، (قال بعض الصّوفيّة) : اعلم أن المسلمين بعد رسول الله ﷺ لم يتسمّ أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى صحبة الرسول الأعظم ﷺ ، إذ لا فضيلة فوقها. فقيل لهم «الصحابة» ، ولمّا أدركهم أهل العصر الثاني سمّي من صحب الصحابة «التابعين» . ورأوا ذلك أشرف سمة. ثم قيل لمن بعدهم «أتباع التابعين» ، ثم اختلفت الناس بعدهم وتباينت المراتب فيهم، فقيل لخواصّ الناس ممّن لهم شدّة عناية بأمر الدين «الزّهّاد والعبّاد» . ثم ظهرت البدع، وحصل التداعي بين الفرق، فكل فريق ادّعوا أن فيهم زهادا، فانفرد خواصّ أهل السنّة المراعون أنفاسهم مع الله تعالى الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم «الصوفية» . ثم التسمية ب «الصوفية» ، غلبت على هذه الطائفة؛ فيقال «رجل صوفي» ، وللجماعة «صوفية» ، لأنّ الحقّ صافاهم وأخلص لهم النعم بما أطلعهم عليه، ومن يتوصّل إلى التصوّف بالاكتساب والتشبّه بهم يقال له «متصوّف» ، وللجماعة «المتصوفة» .
والتصوّف اسم جامد؛ كاللّقب، وقع على كلّ من اجتمع قلبه وقت ذكره، وتفرّق في أحوال أسباب فكره، وتزايدت أشواقه عند السماع، وخفيت حقائقه عند الاجتماع. ولهم فيه تعاريف كثيرة. والقول بأنه مشتقّ من الصّفا، أو من لبس الصوف، أو من الصف الأوّل؛ يحوج إلى تكلّف، مع عدم الشاهد على ذلك في
стр. 141
لله ألف اسم، وللنّبيّ ﷺ ألف اسم) انتهى.
وعن جبير بن مطعم بن عديّ رضي الله تعالى عنه؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ لي أسماء، أنا محمّد، وأنا أحمد، معظم الأقوال؛ وإن كان معانيها لا يخلو عنها الصوفي باعتبار رسمه وحاله.
واعلم أن حقيقة الصوفيّ: من له جدّ وصدق وإخلاص في متابعة سيّد المرسلين وإمام المرشدين؛ عليه وعلى إخوانه صلوات ربّ العالمين. انتهى.
من «شرح الرسالة القشيرية» وحواشيها.
(لله ألف اسم، وللنّبيّ ﷺ ألف اسم. انتهى) كلام النووي المنقول عن ابن العربي رحمهم الله تعالى. قال الشّاميّ: والذي وقفت عليه من ذلك خمسمائة اسم، مع أن في كثير منها نظرا. أو المراد الأوصاف؛ لا أنّها كلّها أعلام وضعت له. انتهى.
(و) روى البخاريّ ومسلم؛ (عن جبير) - بضم الجيم وموحدة، مصغّرا- (ابن مطعم بن عديّ) بن نوفل القرشي النوفلي الصحابي العالم بالأنساب، أسلم بين الحديبية والفتح، وقيل: في الفتح. وتوفي سنة: سبع وخمسين- أو ثمان، أو تسع وخمسين- هجرية. (رضي الله تعالى عنه؛ قال:
قال رسول الله ﷺ : «إنّ لي أسماء) - كذا رواه الأكثر عن الزّهري عن شعيب؛ عند الشيخين. ومعمر ويونس وعقيل وسفيان بن عيينة؛ عند مسلم والترمذيّ. ورواه مالك في «الموطأ» ؛ عن الزهري، ومن طريقه أخرجه البخاريّ أيضا بلفظ: «لي خمسة أسماء» ولم ينفرد بها مالك، بل تابعه محمد بن ميسرة عن الزهري. أخرجه البيهقي وأشار إليه عياض، ف «خمسة» زيادة ثقة غير منافية؛ فيجب قبولها.
ولهذا تعقّب الحافظ وغيره من زعم أنّها من الراوي كما يأتي. انتهى. «زرقاني على «المواهب» » .
(أنا محمّد، وأنا أحمد) - أفعل من الحمد، قطع متعلّقه للمبالغة. وبدأ
стр. 142
وأنا الماحي الّذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الّذي يحشر النّاس على قدميّ، ...
بهما!! لأنهما أشهر أسمائه، وقدّم محمّدا!! لأنه أشهرهما- (وأنا الماحي) بحاء مهملة- (الّذي يمحو الله بي الكفر) أي: يزيله، لأنه بعث والدنيا مظلمة بغياهب الكفر؛ فأتى ﷺ بالنور الساطع حتّى محاه.
قال القاضي عياض: أي: من مكة وبلاد العرب، وما زوي له من الأرض ووعد أنّه يبلغ ملك أمته. قال: أو يكون المحو عامّا بمعنى الظهور والغلبة (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) [٣٣/ التوبة] .
وفي «الفتح» : استشكل بأنه ما انمحى من جميع البلاد.
وأجيب بحمله على الأغلب، أو على جزيرة العرب، أو أنّه يمحى بسببه أولا فأوّلا، إلى أن يضمحلّ في زمان عيسى، فإنّه يرفع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام.
وتعقّب بأن الساعة لا تقوم إلّا على شرار الناس.
ويجاب بجواز أن يرتدّ بعضهم بعد موت عيسى، وترسل الريح اللّيّنة فتقبض روح كلّ مؤمن ومؤمنة؛ فحينئذ فلا يبقى إلا الشّرار.
(وأنا الحاشر الّذي يحشر النّاس على قدميّ) بكسر الميم وبتخفيف الياء؛ بالإفراد، و [قدميّ] بتشديد الياء مع فتح الميم على التثنية، روايتان.
وفي معنى القدم قولان: الأثر، أو الزمان. فعلى الأوّل معنى «على قدمي» : على أثري. أي: أنّه يحشر قبل الناس. ويرجّحه رواية نافع بن جبير «بعثت مع السّاعة» .
وعلى الثاني معنى «على قدميّ» أي: وقت قيامي على قدميّ؛ بظهور علامات الحشر، إشارة إلى أنّه لا نبي بعده؛ ولا شريعة.
واستشكل التفسير باقتضائه أنّه محشور؛ فكيف يفسّر به حاشر اسم فاعل؟!.
وأجيب: بأن إسناد الفعل إلى الفاعل إضافة؛ وهي تصحّ بأدنى ملابسة، فلما
стр. 143
وأنا العاقب الّذي ليس بعده نبيّ» .
وعن حذيفة ...
كان لا أمّة بعد أمته، لأنّه لا نبيّ بعده؛ نسب الحشر إليه لوقوعه عقبه. أو معناه أول من يحشر؛ كحديث: «أنا أوّل من تنشقّ عنه الأرض» ، أو على مشاهدتي قائما لله شاهدا على الأمم، وقيل: معنى القدم السبب.
(وأنا العاقب) زاد يونس في روايته عن الزهري: (الّذي ليس بعده نبيّ» ) وقد سمّاه الله رؤوفا رحيما. قال البيهقي: «وقد سمّاه» مدرج من قول الزهري. قال الحافظ: وهو كما قال. وكأنه أشار إلى ما في آخر سورة براءة «١» ، وأما قوله:
«الّذي ليس بعده نبيّ» . فظاهره الإدراج أيضا، لكن في رواية ابن عيينة عند الترمذي وغيره؛ بلفظ «الّذي ليس بعدي نبيّ» . انتهى.
وجزم السيوطي على «الموطأ» بأنه مدرج من تفسير الزهري لرواية الطّبراني الحديث من طريق معمر إلى قوله: «وأنا العاقب» . قال معمر: قلت للزّهري:
ما العاقب؟! قال: الذي ليس بعده نبي. قال أبو عبيد: قال سفيان: العاقب آخر الأنبياء. انتهى.
ولا ينافيه رواية «بعدي» بياء المتكلم!! لأنّها قد ترد على لسان المفسّر حكاية عن لسان من فسّر كلامه إذا قوي تفسيره عنده؛ حتّى كأنّه نطق به. وفي رواية نافع بن جبير: فإنّه عقب الأنبياء. قال الحافظ: وهو محتمل للرفع والوقف.
انتهى.
(و) روى التّرمذيّ في «الشمائل» ؛ (عن) أبي عبد الله (حذيفة) بن [اليمان:] حسل بن جابر بن عمرو بن ربيعة بن جروة بن الحارث بن مازن بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر بن
стр. 144
رضي الله تعالى عنه قال: لقيت النّبيّ ﷺ في بعض طرق المدينة؛ فقال: «أنا محمّد، وأنا أحمد، وأنا نبيّ الرّحمة، نزار بن معدّ بن عدنان العبسي؛ حليف بني عبد الأشهل؛ من الأنصار.
قالوا: واليمان لقب «حسل» لقّب به. لأنه أصاب دما في قومه فهرب إلى المدينة، فحالف بني عبد الأشهل من الأنصار، فسمّاه قومه «اليمان» ، لأنّه حالف الأنصار؛ وهم من اليمن.
أسلم حذيفة وأبوه، وهاجرا إلى رسول الله ﷺ وشهدا جميعا أحدا «١» وقتل أبوه يومئذ؛ قتله المسلمون خطأ فوهب لهم دمه، وأسلمت أمّ حذيفة وهاجرت.
وكان صاحب سرّ رسول الله ﷺ في المنافقين يعلمهم وحده، وكان كثير السؤال لرسول الله ﷺ عن أحاديث الفتن والشرّ ليجتنبها.
وتوفي بالمدائن سنة: - ٣٦- ست وثلاثين، بعد قتل عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهما بأربعين ليلة، ولم يدرك حذيفة وقعة الجمل، لأنّها كانت في جمادى الأولى سنة: - ٣٦- ست وثلاثين. (رضي الله تعالى عنه) ؛ وعن والده ووالدته، وعن الصحابة أجمعين. آمين.
(قال: لقيت النّبيّ ﷺ في بعض طرق المدينة) - أي: سككها- (فقال: «أنا محمّد، وأنا أحمد، وأنا نبيّ الرّحمة) أي: سببها. قال تعالى (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) (١٠٧) [الأنبياء] . فقد رحم الله جميع المخلوقات، لأمنهم به من الخسف والمسخ وعذاب الاستئصال، وما بعث به سبب لإسعادهم، وموجب لصلاح معاشهم ومعادهم، فبعث رحمة لأمّته، ورحمة للعالمين، ورحيما بهم، ومترحّما مستغفرا لهم، وجعل أمته مرحومة؛ ووصفها بالرحمة، وأمرها بالتراحم وحضّ عليه؛ فقال: «إنّ الله يحبّ من عباده الرّحماء» ، وقال: «الرّاحمون
стр. 145
ونبيّ التّوبة، وأنا المقفّي، وأنا الحاشر، ونبيّ الملاحم» .
يرحمهم الرّحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السّماء» ... إلى غير ذلك. فكانت الرحمة في هذه الأمّة أكثر من غيرها من الأمم. وبالجملة فقد ظهر على يد النبي ﷺ ما لم يظهر على يد غيره.
(ونبيّ التّوبة) أي: الآمر بها بشروطها المقررّة، أو كثير التوبة إلى الله تعالى، كثير الرجوع إليه؛ «إنّي أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرّة؛ أو مائة مرّة» .
(وأنا المقفّي) - بكسر الفاء على أنّه اسم فاعل، أو [المقفّى] بفتحها على أنّه اسم مفعول-. فمعناه على الأوّل: الذي قفّى آثار من سبقه من الأنبياء، وتبع أطوار من تقدّمه من الأصفياء. قال تعالى (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) [٩٠/ الأنعام] أي: في أصل التوحيد ومكارم الأخلاق؛ وإن كان مخالفا لهم في الفروع اتفاقا. ومعناه على الثاني: الذي قفّى به على آثار الأنبياء وختم به الرسالة، قال تعالى (ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا) [٢٧/ الحديد] . وفي ذلك من الفضل له ﷺ أنّه وقف على أحوالهم وشرائعهم؛ فاختار الله له من كلّ شيء أحسنه، وكان في قصصهم له ولأمته عبر وفوائد.
(وأنا الحاشر، ونبيّ الملاحم» ) - بفتح الميم وكسر الحاء المهملة- جمع الملحمة؛ وهي: الحرب ذات القتل الشديد، وسمّيت بها!! لاشتباك الناس فيها كالسّدى واللّحمة في الثوب. وقيل: لكثرة لحوم القتل فيها.
وسمّي «نبيّ الملاحم!!» لحرصه على الجهاد ومسارعته إليه، ولم يجاهد نبيّ وأمّته ما جاهد المصطفى ﷺ وأمّته.
أو سمّي «نبيّ الملاحم!!» لأنه سبب لتلاحمهم واجتماعهم.
قال الخطّابي: فإن قيل: كيف الجمع بين كونه «نبيّ الرحمة» و «نبيّ الملاحم» ؛ لا سيما مع قوله تعالى (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) (١٠٧) [الأنبياء] ؛