← Сира

Сира · id 23683

منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول

عبد الله عبادى اللحجى

Полный текст (2 342 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

ثمّ سجد؛ فكان سجوده نحوا من قيامه، وكان يقول: «سبحان ربّي الأعلى، سبحان ربّي الأعلى» ، ثمّ رفع رأسه فكان ما بين السّجدتين نحوا من السّجود، وكان يقول: «ربّ اغفر لي، ربّ اغفر لي» حتّى قرأ (البقرة) ، و (آل عمران) ، ... يكرّر ذلك مادام في الاعتدال، فليس المراد الإتيان بالمرّتين فقط، نظير ما سبق، لكن المقرّر في الفروع أنّه لا يندب تكرار ذلك، بل يأتي بالأذكار المخصوصة؛ وهي «ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد؛ أهل الثناء والمجد ... » إلى آخره ولعلّ ما وقع هنا لبيان الجواز!! والله أعلم. (ثمّ سجد؛ فكان سجوده نحوا من قيامه) ، أي: اعتداله من الركوع؛ قاله ملّا علي قاري. وقال المناوي: أي: من قيامه للقراءة، لا من قيامه من الركوع، وإلّا! لكان الطويل أقصر من القصير. انتهى وتبعه الباجوري. (وكان يقول) في سجوده: ( «سبحان ربّي الأعلى، سبحان ربّي الأعلى» ) ؛ أي: كان يكرّر ذلك مادام ساجدا- كما تقدّم في نظيره-. (ثمّ رفع رأسه) - أي- من السجود الأول إلى الجلوس بين السجدتين. (فكان) الجلوس (ما) - أي الذي- (بين السّجدتين نحوا) - أي: قريبا- (من السّجود) وقد علمت ما فيه!!. (وكان يقول) - أي- في جلوسه بين السجدتين: ( «ربّ اغفر لي، ربّ اغفر لي» ) ؛ أي: كان يكرّر ذلك ما دام جالسا، ويأتي فيه نظير ما تقدّم في تكراره «لربي الحمد» في الاعتدال، ولم يذكر السجود الثاني، ولا تطويله، ولا ما قاله فيه!! لعلّه لسهو من الراوي، أو للاختصار لكونه يعلم بالمقايسة على السجود الأوّل. (حتّى) غاية لمحذوف، والتقدير واستمرّ يطوّل حتّى (قرأ) سورة ( «البقرة» ) أي: في الركعة الأولى، (و) سورة ( «آل عمران» ) - أي- في

стр. 1367

و (النّساء) ، و (المائدة) ، أو (الأنعام) ؛ أي: أنّه صلّى أربع ركعات قرأ في الأولى: (البقرة) ، وفي الثّانية: (آل عمران) ، وفي الثّالثة: (النّساء) ، وفي الرّابعة: (المائدة) أو (الأنعام) «١» . والشّكّ فيهما من شعبة ... الثانية، (و) سورة ( «النّساء» ) - أي- في الثالثة، (و) سورة ( «المائدة» ؛ أو) قال: سورة (الأنعام) في الرابعة. (والشّكّ فيهما) أي: السورتين- وهما المائدة والأنعام- (من) الإمام الحافظ الحجّة العابد الصالح أمير المؤمنين في الحديث؛ أبي بسطام: (شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي «مولاهم» الواسطي، ثم البصري «مولى عبدة بن الأعز» ، وعبدة «مولى يزيد بن المهلب الأزدي» . كان شعبة من واسط، ثم انتقل إلى البصرة فاستوطنها. وهو من تابعي التابعين، وأعلام المحدثين وكبار المحققين. رأى الحسن البصري، ومحمّد بن سيرين، وسمع أنس بن سيرين، وعمرو بن دينار، والشعبي، وخلائق لا يحصون من التابعين، وخلائق من غيرهم. روى عنه الأعمش، وأيوب السختياني، ومحمد بن إسحاق التابعيون، والثوري وابن مهدي ووكيع وعبد الله بن المبارك ويحيى القطّان، وخلائق لا يحصون من كبار الأئمة. وأجمعوا على إمامته في الحديث وجلالته وتحرّيه واحتياطه وإتقانه. وتوفي بالبصرة في أول سنة: - ١٦٠- ستين ومائة، وهو: ابن سبع وسبعين

стр. 1368

راوي هذا الحديث. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قام رسول الله ﷺ باية من القرآن ليلة. سنة- بتقديم المهملة على الموحدة فيهما- أي: فعمره ثمانون سنة إلّا ثلاث سنوات. رحمه الله تعالى. (راوي هذا الحديث) يعني أنّه شكّ في السورة التي قرأها النبي ﷺ في الرابعة؛ هل هي المائدة، أو الأنعام!! وظاهر الخبر أنّه قرأ السور الأربع في الركعات الأربع، وبه صرّحت رواية أبي داود، ولكن رواية مسلم والنسائي ظاهرة في أنّه قرأ الكلّ في ركعة واحدة، فلعل الواقعة تعدّدت!! فتكون صلاة حذيفة مع النبي ﷺ وقعت في ليلتين في إحداهما قرأ السور في ركعة، وفي الليلة الآخرى قرأ السور الأربع في أربع ركعات. أو يقال: إن في رواية أبي داود والترمذي وهما، والصواب رواية مسلم والنسائي!!. ويؤيّده: اتحاد المخرج وهو صلة بن زفر. ولعل البخاريّ لم يخرجه في «صحيحه» ؛ لما فيه من الاختلاف والاضطراب! والله أعلم. انتهى من كتاب «جمع الوسائل» لملا علي قاري رحمه الله تعالى. وهذه القراءة كانت في صلاة الليل كما يفيده أوّل الحديث، وأمّا قراءته في الفرائض!! فوردت على أنحاء شتى. انتهى «مناوي» . (و) أخرج الترمذي في «الشمائل» ؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قام) - أي صلّى- (رسول الله ﷺ باية) أي: متلبّسا بقراءة آية (من القرآن) ؛ وهي قوله تعالى إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) [المائدة] يعني: أحيا بقراءة هذه الآية (ليلة) ؛ أي: استمرّ يكرّرها ليلته كلّها في ركعات تهجّده، فلم يقرأ فيها بغيرها، أو صار يكرّرها في قيام ركعة واحدة

стр. 1369

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: صلّيت ليلة مع رسول الله ﷺ ، فلم يزل قائما حتّى هممت بأمر سوء. إلى الفجر. ويرجّح الأوّل ما في «فضائل القرآن» لأبي عبيد؛ عن أبي ذرّ: قام رسول الله ﷺ ليلة من الليالي، فقرأ آية واحدة الليل كلّه حتّى أصبح؛ بها يقوم، وبها يركع، وبها يسجد. فقال القوم لأبي ذر: أيّة آية هي؟ فقال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) [المائدة] . وإنما داوم على تكريرها والتفكّر في معانيها حتّى أصبح!! لما اعتراه عند قراءتها من هول ما ابتدئت به مما أوجب اشتعال نار الخوف، ومن حلاوة ما ختمت به مما أوجب اهتزازه طربا وسرورا. ويؤخذ منه جواز تكرار آية في الصلاة، ولعل ذلك كان قبل النهي عن القراءة في الركوع والسجود!! فلا ينافيه خبر مسلم: «نهيت أن أقرأ القرآن راكعا وساجدا» . أو فعله لبيان الجواز؛ تنبيها على أنّ النهي للتنزيه؛ لا للتحريم. وحديث «المتن» رواه النسائيّ وابن ماجه؛ عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه. كما قاله ملّا علي قاري في «جمع الوسائل» . (و) أخرج البخاريّ، ومسلم، وابن ماجه، والترمذيّ في «الشمائل» ؛ (عن عبد الله بن مسعود) الهذلي (رضي الله تعالى عنه قال: صلّيت ليلة مع رسول الله ﷺ - أي- جماعة، فدلّ ذلك على صحّة النفل جماعة؛ وإن لم تشرع فيه ما عدا العيدين والكسوفين ونحوهما.. (فلم يزل قائما) أي: أطال القيام جدّا (حتّى هممت) أي: قصدت. والهمّ بمعنى القصد، ويعدّى بالباء (بأمر سوء) بإضافة «أمر» إلى «سوء» - كما هو الرواية- كما أفهمه كلام الحافظ ابن حجر. وقيل: إنّه روي بقطعها على الوصفيّة. والسّوء- بفتح السين وضمّها-: نقيض المسرّة. وشاع الإضافة إلى المفتوح

стр. 1370

قيل له: وما هممت به؟ قال: هممت أن أقعد وأدع النّبيّ ﷺ . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّ النّبيّ ﷺ كان يصلّي جالسا ... ك «رجل سوء» ، ولا يقال سوء- بالضمّ-. وقد قرئ متواترا بالوجهين؛ في قوله تعالى عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ [٩٨/ التوبة] . (قيل له: وما هممت به؟!) أي: أيّ شيء الذي هممت به؟. (قال) ؛ أي: ابن مسعود (: هممت أن أقعد) بلا صلاة (وأدع) - أي: أترك- (النّبيّ ﷺ يصلّي وحده؛ كما قاله القسطلاني وغيره. ولا مانع منه! لأنّ قطع النفل جائز عندنا. وقال المناوي: بأن ينوي قطع القدوة ويتمّ صلاته منفردا، لا أنّه يقطع الصلاة؛ كما ظنّه القسطلّاني وغيره!! لأن ذلك لا يليق بجلالة ابن مسعود. قال الباجوري: لكنّ المتبادر من قوله «أن أقعد» هو الأوّل، واحتمال أنّه يتمّ الصلاة قاعدا بعيد، فترك الصلاة مع النبي ﷺ على الأول أمر سوء، وكذا ترك الاقتداء به على الثاني، لأنّ في كلّ حرمان الثواب العظيم الحاصل بالصلاة مع النبي الكريم ﷺ . انتهى. قال النووي في «شرح مسلم» : فيه أنّه ينبغي الأدب مع الأئمة والكبار، وأن لا يخالفوا بفعل ولا قول؛ ما لم يكن حراما. واتفق العلماء على أنّه إذا شق على المقتدي في فريضة؛ أو نافلة القيام، وعجز عنه جاز له القعود، وإنّما لم يقعد ابن مسعود!! للتأدّب مع النبي ﷺ . وفيه جواز الاقتداء في غير المكتوبات. وفيه استحباب تطويل صلاة الليل. انتهى. (و) أخرج مسلم، والترمذي في «الشمائل» ؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّ النّبيّ ﷺ كان يصلّي جالسا) . قيل: كان ذلك في كبر سنّه. وقد صرّحت به عائشة رضي الله تعالى عنها فيما أخرجه الشيخان.

стр. 1371

فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين- أو أربعين- آية.. قام فقرأ وهو قائم، ... ومن خصائصه ﷺ : أنّ تطوّعه قاعدا كهو قائما، لأنّه مأمون الكسل؛ فلا ينقص أجره، بخلاف غيره، فإنّه من صلّى قاعدا فله نصف أجر القائم. ويؤخذ منه صحّة تنفّل القادر قاعدا، وهو مجمع عليه. (فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته) ؛ أي: من مقروئه (قدر) ؛ أي: مقدار (ما يكون ثلاثين أو أربعين آية؛ قام) . وفيه إشارة إلى أنّ الذي كان يقرأه قبل أن يقوم أكثر، لأن البقية تطلق غالبا على الأقلّ. والظّاهر أن الترديد بين الثلاثين والأربعين من عائشة!! فيكون إشارة إلى أن المقدار المذكور مبنيّ على التخمين، فردّدت بينهما؛ تحرّزا من الكذب. ويحتمل أنّه تارة كان يقع منه كذا وتارة كذا. ويحتمل أنّه شكّ من بعض الرواة فيما قالته عائشة، وهي إنّما قالت أحدهما!! وأيّده الحافظ العراقي برواية في «صحيح مسلم» عنها: فإذا أراد أن يركع؛ قام قدر ما يقرأ الإنسان أربعين آية. ويؤخذ من ذلك صحّة بعض النفل قاعدا وبعضه قائما، وصحّة بعض الركعة قاعدا وبعضها قائما، وجعل بعض القراءة في القعود وبعضها في القيام، وسواء في ذلك كلّه قعد ثم قام، أو قام ثمّ قعد، وسواء نوى القيام؛ ثم أراد القعود، أو نوى القعود؛ ثم أراد القيام. وهو قول الأئمة الأربعة، ولكن يمنع بعض المالكية الجلوس بعد أن ينوي القيام. انتهى «باجوري ومناوي» . (فقرأ؛ وهو قائم) أي: والحال أنّه قائم، أي: مستقرّ على القيام. وظاهر التعبير بالفاء: أنه لا تراخي بين القيام والقراءة. وظاهره أيضا أنّ من افتتح الصلاة قاعدا ثم قام؛ لا يقرأ حال نهوضه، لانتقاله إلى أكمل منه، بخلاف عكسه، فيقرأ في حال الهويّ. وبه صرّح الشافعية في فرض المعذور.

стр. 1372

ثمّ ركع وسجد، ثمّ صنع في الرّكعة الثّانية مثل ذلك. وعن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن صلاة رسول الله ﷺ في تطوّعه؟ ... وأما مسألة الحديث؛ وهو النفل قاعدا مع القدرة؛ ثم ينتقل إلى القيام، أو بالعكس؟! فهو مخيّر بين القراءة في النهوض والهوي، لكن الأفضل القراءة هاويا؛ لا ناهضا. انتهى «مناوي وباجوري» . (ثمّ ركع وسجد) ؛ أي: من قيام. قال الحافظ ابن حجر: في الحديث ردّ على من شرط- على من افتتح النفل قاعدا- أن يركع قاعدا، وعلى من افتتحه قائما- أن يركع قائما، وهو محكيّ عن بعض الحنفية والمالكية، لرواية في مسلم أي: ستأتي بعد هذا- لكن لا يلزم منه منع ما دلّت عليه هذه الرواية، فيجمع بأنه كان يفعل كلّا من ذلك بحسب النشاط وعدمه. (ثمّ صنع في الرّكعة الثّانية مثل ذلك) ؛ أي: قرأ وهو جالس، حتّى إذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين، أو أربعين آية؛ قام فقرأ وهو قائم، ثم ركع وسجد، فبعد أن قام في أثناء الأولى قعد في أوّل الثانية، فقد انتقل من القيام للقعود؛ وإن كان في ركعة أخرى. وهو حجّة على من منع ذلك. (و) أخرج مسلم، والترمذي؛ في «الشمائل» ؛ (عن) أبي عبد الرحمن (عبد الله بن شقيق) العقيلي- بالضمّ مصغّرا- البصري، روى عن عمر وعثمان وأبي ذر، وعنه ابن سيرين وقتادة وجعفر بن أبي وحشية، وثّقه أحمد وابن معين، وقال أحمد: ثقة ناصبيّ؛ يحمل على علي بن أبي طالب. خرّج له مسلم والأربعة، قيل: مات سنة: ثمان ومائة رحمه الله تعالى. آمين. (قال) ؛ أي: عبد الله بن شقيق: (سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن صلاة رسول الله ﷺ ؛ أي: عن كيفيتها (في تطوّعه) بدل مما قبله بإعادة الجار. والتطوّع: فعل شيء مما يتقرّب به إلى الله تعالى؛ تبرّعا من النفس.

стр. 1373

فقالت: كان يصلّي ليلا طويلا قائما، وليلا طويلا قاعدا، فإذا قرأ وهو قائم.. ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو جالس.. ركع وسجد وهو جالس. (فقالت: كان يصلّي ليلا طويلا) بدل من «الليل» بدل بعض من كلّ، أي: زمنا طويلا من الليل، لا أنّه يجعل صلاته طويلة. انتهى «مناوي» (قائما) حال من فاعل «يصلي» ؛ أي: يصلّي زمنا طويلا حال كونه قائما فيه. (وليلا) ؛ أي: زمنا (طويلا) حال كونه (قاعدا) فيه في كلّ صلاته؛ أو بعضها، فالحال مبنيّة على أن المراد بطول زمن الصلاة طول قيامها؛ أو قعودها. انتهى «مناوي» . ويؤخذ من ذلك ندب تطويل القراءة في صلاة الليل وتطويل القيام فيها، وهو أفضل من تكثير الركوع والسجود مع تقصير القراءة- على الأصحّ عند الشافعية-، ولا يعارضه حديث «عليك بكثرة السّجود» !! لأن المراد كثرة الصلاة؛ لا كثرة السجود حقيقة. انتهى «باجوري ومناوي» . (فإذا) الفاء تفصيلية (قرأ وهو قائم؛ ركع وسجد؛ وهو قائم) ، أي: انتقل إلى الركوع والسجود، والحال أنّه قائم تحرّزا عن الجلوس قبل الركوع والسجود. (وإذا قرأ وهو جالس! ركع وسجد؛ وهو جالس) أي: انتقل إلى الركوع والسجود، والحال أنّه جالس تحرّزا عن القيام قبل الركوع والسجود. قال المناوي- بعد ذكر مثل هذا التقرير- ما نصّه: ذكر ذلك كله الشّرّاح!!. وأنت خبير بأنها كلّها توجيهات لا تخلو عن ركاكة وتكلّف. انتهى. ثم نقل عن الزين العراقي أنّ ذلك محمول على أنّه ﷺ كان له أحوال مختلفة في تهجّده وغيره، فكان يفعل مرّة كذا، ومرّة كذا، ومرة يفتتح قاعدا؛ ويتمّ قراءته قاعدا؛ ويركع قاعدا. ومرّة يفتتح قاعدا، ويقرأ بعض قراءته قاعدا وبعضها قائما؛

стр. 1374

وعن حفصة زوج النّبيّ ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلّي في سبحته- أي: نافلته- قاعدا، ويقرأ بالسّورة ويرتّلها حتّى تكون أطول من أطول منها ... ويركع قائما. فإن لفظة «كان» لا تقتضي الدوام عند جمع من العلماء الأعلام. انتهى. (و) أخرج مسلم في «صحيحه» ، ومالك في «الموطأ» ، والترمذيّ في «الجامع» و «الشمائل» - واللفظ لها- والنسائيّ؛ (عن) أمّ المؤمنين (حفصة) بنت عمر بن الخطّاب (زوج النّبيّ ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلّي في سبحته) - بضم السين المهملة وسكون الموحدة- (أي نافلته) . سمّيت «سبحة» !! لاشتمالها على التسبيح، وخصّت النافلة بذلك!! لأن التسبيح الذي في الفريضة نافلة فأشبهت صلاة النفل، وهذا التخصيص أمر غالبيّ، فقد يطلق التسبيح على الصلاة مطلقا؛ تقول (فلان يسبّح) أي: يصلي فرضا أو نفلا. ومنه قوله فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [٩٨/ الحجر] أي: صلّ. وقوله فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) [الصافات] أي: المصلين، (قاعدا) حال من فاعل «يصلي» . وزاد مسلم في أوّل الحديث زيادة هي قول حفصة: ما رأيت رسول الله ﷺ صلّى في سبحته قاعدا حتّى إذا كان قبل موته بعام؛ فكان يصلي في سبحته قاعدا، (و) كان (يقرأ بالسّورة) من القرآن- الباء زائدة- (ويرتّلها) ؛ أي: يتأنّى في قراءتها، ويبيّن الحروف والحركات والوقوف، (حتّى تكون أطول من أطول منها) ؛ أي: حتى تصير السورة القصيرة- كالأنفال مثلا- لاشتمالها على الترتيل أطول من طويلة خلت عنه- كالأعراف-. وهذا معنى قول بعضهم «إنّه يمكث في قراءة هذه مرتّلا متدبّرا بحيث تصير

стр. 1375

وعن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت: والّذي نفسي بيده، ما مات رسول الله ﷺ حتّى كان أكثر صلاته قاعدا، إلّا المكتوبة. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ لا يدع قيام اللّيل، وكان إذا مرض أو كسل.. صلّى قاعدا. أطول من السورة التي أطول من هذه السورة؛ بحسب عدد الآيات عند عدم الترتيل في السورة الطويلة» . (و) أخرج النسائي، وابن ماجه؛ (عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها؛ أنّها قالت: و) الله (الّذي نفسي بيده) ؛ أي: روحي في قبضة قدرته (ما مات رسول الله ﷺ حتّى كان أكثر صلاته قاعدا؛ إلّا المكتوبة) . حديث أمّ سلمة هذا رواه ابن حبّان في «صحيحه» بلفظ: ما مات رسول الله ﷺ حتّى كان أكثر صلاته؛ وهو جالس، وكان أحبّ العمل إليه ما داوم عليه صاحبه؛ وإن كان يسيرا. وأخرج مسلم في «صحيحه» ، والترمذيّ في «الشمائل» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ أنّها قالت: إنّ النبيّ ﷺ لم يمت حتّى كان أكثر صلاته وهو جالس. قال الحافظ العراقي: ولا منافاة بين حديث حفصة وحديث عائشة- كما قد يتوهّم-!! فقول عائشة «كان يصلّي جالسا» لا يلزم منه كونه صلّى جالسا قبل وفاته بأكثر من عام، فإنّ «كان» لا يقتضي الدوام؛ بل ولا التكرار على أحد قولي أهل الأصول، وبتقدير كونه «صلّى في تطوّعه قاعدا قبل وفاته بأكثر من عام» لا ينافي حديث حفصة، لأنها إنّما نفت رؤيتها؛ لا الوقوع بالكليّة. انتهى. (و) أخرج أبو داود، والحاكم؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ لا يدع قيام اللّيل) - يعني التهجّد؛ وهو الصلاة في الليل بعد النوم- (وكان إذا مرض أو كسل) - ك «فرح» - (صلّى قاعدا) ، ومع ذلك فصلاته قاعدا

стр. 1376

وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: صلّيت مع رسول الله ﷺ ركعتين قبل الظّهر، وركعتين بعده، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته. كصلاته قائما في مقدار الأجر، وهذا من خصائصه ﷺ بخلاف غيره، فإن صلاته قاعدا على النصف من صلاة القائم. (و) أخرج البخاريّ، ومسلم، و «الموطأ» ، وأبو داود، والترمذي في «الجامع» و «الشمائل» ، والنسائيّ؛ باختلاف في الألفاظ، وهذا لفظ «الشمائل» ؛ (عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطّاب (رضي الله تعالى عنهما؛ قال: صلّيت مع رسول الله ﷺ ؛ أي: شاركته في الصلاة، بمعنى: أنّ كلّا منهما فعل تلك الصلاة، وليس المراد أنّه صلى معه جماعة، لأنه يبعد ذلك هنا؛ وإن كانت الجماعة جائزة في الرواتب، لكنها غير مشروعة فيها. (ركعتين قبل الظّهر، وركعتين بعده، وركعتين بعد المغرب؛ في بيته) . راجع لسنّة المغرب فقط. وقال الباجوري كالمناوي: إنّه راجع للأقسام الثلاثة قبله، لأن القيد يرجع لجميع ما تقدّمه- كما صرّح به بعضهم-. لكن قد يقال: هلا اكتفى بقوله «في بيته» الثانية المذكورة في قوله (وركعتين بعد العشاء في بيته) !! لأنّه يرجع لجميع ما تقدّمه؛ كما علمت. إلّا أن يقال صرّح به هنا!! اهتماما به. انتهى كلام الباجوري. وفي «جمع الوسائل» : إنّه يحتمل رجوعه للثلاثة قبله، ولسنّة المغرب فقط. ذكره ابن حجر. انتهى. وعجيب منهم هذه الاحتمالات؛ مع أن الحديث مفصّل في «صحيح مسلم» بوضوح، فلا يحتاج لهذه الاحتمالات!! ولفظه في «صحيح مسلم» : عن ابن عمر؛ قال: صلّيت مع رسول الله ﷺ قبل الظهر سجدتين- يعني: ركعتين- وبعدها سجدتين، وبعد المغرب سجدتين، وبعد العشاء سجدتين، وبعد الجمعة

стр. 1377

......... سجدتين، فأمّا المغرب والعشاء والجمعة! فصلّيت مع النبي ﷺ في بيته. انتهى. فهذا مما يوضّح رجوع قوله «في بيته» الأول للمغرب، والثاني للعشاء فقط؛ كما هو أحد الاحتمالين اللذين أبداهما المحقّق ابن حجر، ولعلّهم لم يستحضروا رواية «صحيح مسلم» المذكورة!! ثم هي تشتمل على عشر ركعات من الرّواتب. وزاد في «صحيح البخاري» : قبل الصبح ركعتين، فالمجموع اثنتا عشرة ركعة. قال الإمام النووي في «شرح مسلم» : وليس للعصر ذكر في «الصحيحين» !! وجاء في «سنن أبي داود» بإسناد صحيح؛ عن عليّ ﵁ أنّ النبي ﷺ كان يصلّي قبل العصر ركعتين. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما؛ عن النبي ﷺ قال: «رحم الله امرأ صلّى قبل العصر أربعا» . رواه أبو داود، والتّرمذيّ؛ وقال: حديث حسن. وجاء في أربع بعد الظهر حديث صحيح؛ عن أمّ حبيبة قالت: قال رسول الله ﷺ : «من حافظ على أربع ركعات قبل الظّهر وأربع بعدها حرّمه الله على النّار» رواه أبو داود، والترمذي؛ وقال: حديث حسن صحيح. وفي «صحيح البخاري» عن ابن مغفّل أنّ النبي ﷺ قال: «صلّوا قبل المغرب ركعتين..» قال في الثالثة «لمن شاء» . ولمسلم؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أربعا قبل الظّهر، وركعتين بعدها، وبعد المغرب، وبعد العشاء؛ كلّها في البيت، وإذا طلع الفجر صلّى ركعتين. وفي «الصحيحين» ؛ عن ابن مغفّل؛ عن النبي ﷺ : «بين كلّ أذانين صلاة» المراد بين الأذان والإقامة. فهذه جملة من الأحاديث الصحيحة في السنن الراتبة مع الفرائض. قال أصحابنا وجمهور العلماء بهذه الأحاديث كلّها، واستحبّوا جميع هذه النوافل المذكورة في الأحاديث السابقة.

стр. 1378

وعن حفصة رضي الله تعالى عنها: أنّ رسول الله ﷺ كان يصلّي ركعتين خفيفتين ... ولا خلاف في شيء منها عند أصحابنا؛ إلّا في الركعتين قبل المغرب؛ ففيهما وجهان لأصحابنا: أشهرهما لا يستحبّ، والصحيح عند المحققين استحبابهما بحديثي ابن مغفّل، وبحديث ابتدارهم السّواري بها؛ وهو في «الصحيحين» . قال أصحابنا وغيرهم: واختلاف الأحاديث في أعدادها محمول على توسعة الأمر فيها، وأنّ لها أقلّ وأكمل، فيحصل أصل السنة بالأقلّ، ولكن الاختيار فعل الأكثر الأكمل، وهذا كما في اختلاف أحاديث صلاة الضحى، وكما في أحاديث الوتر، فجاءت فيها كلها أعدادها بالأقلّ والأكثر وما بينهما؛ ليدلّ على أقلّ المجزئ في تحصيل أصل السنة، وعلى الأكمل والأوسط. والله أعلم. انتهى كلام الإمام النووي رحمه الله تعالى. يقول العبد الضعيف جامع هذا الشرح: لكن المقرّر في الفروع أنّ المؤكّد من الرواتب التابعة للفرائض عشر نظمها صاحب «الزّبد» فقال: ثنتان قبل الصّبح والظّهر كذا ... وبعده ومغرب ثمّ العشا ويؤخذ من الحديث أنّ البيت للنفل أفضل، إلّا ما استثني؛ حتّى من جوف الكعبة. وحكمته: أنّه أخفى فيكون أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء، وبالغ ابن أبي ليلى فقال: لا تجزيء سنّة المغرب في المسجد. انتهى «باجوري» . (و) أخرج البخاريّ، ومسلم، و «الموطأ» ، والترمذي؛ في «الجامع» و «الشمائل» ، والنسائي، وابن ماجه بألفاظ مختلفة- وهذا لفظ «الشمائل» -؛ (عن) أمّ المؤمنين (حفصة رضي الله تعالى عنها، أنّ رسول الله ﷺ كان يصلّي ركعتين) هما سنّة الصبح (خفيفتين) ، قد صحّ تخفيفهما من طرق في «الصحيحين» وغيرهما، فيسنّ تخفيفهما؛ اقتداء بالمصطفى ﷺ ، وخبر

стр. 1379

حين يطلع الفجر. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ لا يدع ركعتي الفجر في السّفر ولا في الحضر، ولا في الصّحّة ولا في السّقم. تطويلهما أعلّ بالإرسال. على أنّه محمول على بيان الجواز. وأخذ مالك رحمه الله تعالى من تخفيفهما أنّه لا يقرأ فيهما غير الفاتحة، وحكاه ابن عبد البرّ عن الأكثر. وبالغ بعض السلف؛ فقال: لا يقرأ فيهما شيئا أصلا. وذهب الشافعيّ ﵁ كالجمهور- إلى أن المراد بتخفيفهما عدم تطويلهما على الوارد فيهما، فلا ينافي ذلك ما في مسلم: كان كثيرا ما يقرأ في الأولى قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ [١٣٦] آية البقرة، وفي الثانية قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ [٦٤] آية آل عمران. وروى مسلم وغيره: أنّه قرأ فيهما سورتي الإخلاص؛ يعني «الكافرون» ، و «قل هو الله أحد» . وصحّ: «نعم السّورتان تقرأ بهما في ركعتي الفجر «قل يا أيّها الكافرون» ، و «قل هو الله أحد!!» فيسنّ تخفيفهما مع قراءة ما ذكر حتّى لو قرأ جميع ذلك لم تفته سنّة التخفيف. انتهى «باجوري، ومناوي، وملا علي قاري» . (حين يطلع) - بضم اللام؛ من باب: قعد، أي: يظهر- (الفجر) هو: ضوء الصبح؛ وهو حمرة الشّمس في سواد اللّيل. سمّي بذلك!! لانفجاره، أي: انبعاثه، كانفجار الماء؛ من الفجور، وهو الانبعاث في المعاصي، والمراد الفجر الصادق؛ وهو الذّي يبدو مستطيلا. (و) أخرج الخطيب- بسند فيه عبد الله بن رجاء؛ قال فيه الذهبي: صدوق كثير الغلط والتصحيف، وأورده في «الضعفاء» أيضا-؛ (عن عائشة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها) قالت: (كان رسول الله ﷺ لا يدع ركعتي الفجر) ؛ أي صلاة سنة الصبح (في السّفر؛ ولا في الحضر، ولا في الصّحّة؛ ولا في السّقم) - بفتحتين: المرض،

стр. 1380

وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: حفظت من رسول الله ﷺ ثماني ركعات: ركعتين قبل الظّهر، وركعتين بعده، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء. قال ابن عمر: وحدّثتني ... أو المرض الطويل- وفيه إشعار بأنهما أفضل الرّواتب، بل قال الحسن البصري بوجوبهما، لكن منع بخبر: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا، إلّا أن تطّوّع» . فهما أفضل الرواتب عند الشافعية ما عدا الوتر. وقد روى الشيخان وغيرهما؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها: لم يكن ﷺ على شيء من النوافل أشدّ منه تعاهدا على ركعتي الفجر. وفي رواية لمسلم؛ عنها: ما رأيته إلى شيء من الخير أسرع منه إلى الركعتين قبل الفجر. زاد ابن خزيمة: ولا إلى غنيمة. ولمسلم أيضا؛ عن عائشة: لهما أحبّ إليّ من الدّنيا جميعها. وفي «مسلم» أيضا؛ عن عائشة مرفوعا: «ركعتا الفجر خير من الدّنيا وما فيها» . قال في «جمع الوسائل» : ولهذا روي عن أبي حنيفة أنّهما واجبتان، فلا شكّ أنّهما أفضل من سائر الرواتب. انتهى. (و) أخرج البخاريّ، ومسلم، والترمذيّ؛ في «الشمائل» - وهذا لفظها-: (عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: حفظت من رسول الله ﷺ ثمان ركعات) - أي: من السنن المؤكّدة- (: ركعتين قبل الظّهر، وركعتين بعده، وركعتين بعد المغرب) . ويسنّ ألايتكلّم قبلهما، لخبر رزين: «من صلّى بعد المغرب ركعتين قبل أن يتكلّم رفعت صلاته في علّيّين» . وفيه ردّ على من لم يجوّزهما في المسجد. (وركعتين بعد العشاء. قال) عبد الله (بن عمر) بن الخطّاب: (وحدّثتني

стр. 1381

حفصة بركعتي الغداة، ولم أكن أراهما من النّبيّ ﷺ . حفصة) بنت عمر (بركعتي الغداة) ؛ أي: الفجر. وأصل الغداة: ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. (ولم أكن أراهما) - بفتح الهمزة-؛ أي: أبصرهما. يعني: لم أكن عالما بركعتي الغداة (من النّبيّ ﷺ !!) ؛ أي: لأنّه كان يفعلهما عند نسائه قبل خروجه إلى المسجد دائما؛ أو غالبا، بخلاف بقية الرواتب، فإنّه ربّما فعلها في المسجد. ونفيه لرؤيتهما!! ينافيه ما رواه الترمذي في «جامعه» ، والنسائي؛ عن ابن عمر أيضا: رمقت النبي ﷺ شهرا- وفي رواية: أربعين صباحا- فكان يقرأ بهما أي: بسورتي الكافرون والإخلاص- في ركعتي الفجر. فهذا صريح في أنّه رآه يصلّيهما، وأجاب الشّبراملّسي بأن الأوّل محمول على الحضر، فإنّه كان فيه يصلّيهما عند نسائه. والثاني محمول على السفر، فإنّه كان فيه يصلّيهما عند صحبه. وأجاب العلّامة ملّا علي قاري بأن نفي رؤيته قبل أن تحدّثه حفصة، وإثباتها بعده؛ كما يشير إلى ذلك قوله «رمقت» . انتهى «باجوري» . وفي «الشمائل» للترمذي؛ عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن صلاة رسول الله ﷺ ؟! قالت: كان يصلّي قبل الظّهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين، وبعد العشاء ركعتين، وقبل الفجر ثنتين. انتهى. وهذا السؤال عن السنن المؤكّدة، فلذلك أجابته عائشة بالعشر المؤكّدة. ولا ينافيه ما ورد في أخبار أنّه كان يصلّي أربعا قبل الظهر، وأربعا بعدها، وأربعا قبل العصر، وركعتين قبل المغرب، وركعتين قبل العشاء!! لاحتمال أنّه كان يصلّي هذه العشر في المسجد؛ وتلك في بيته، فأخبر كلّ راو بما اطلع عليه، أو أنّه كان يواظب على هذه؛ دون تلك، فهذه العشر هي الرواتب المؤكّدة،

стр. 1382

وعن معاذة قالت: قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها: أكان النّبيّ ﷺ يصلّي الضّحى؟ قالت: نعم.. أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله . لمواظبة المصطفى ﷺ عليهنّ، وبقيت رواتب أخرى لكنها لا تتأكّد كتلك. وأفضل الرواتب ركعتا الفجر؛ للخلاف في وجوبهما، كما تقرّر. قال المحقّق العراقيّ: ولم أر لأصحابنا تعرّضا لآكدها بعدهما، وقالت المالكية والحنابلة: آكدها بعدها الركعتان بعد المغرب، ويشهد له أنّ الحسن قال بوجوبهما أيضا. انتهى «مناوي» . (و) أخرج الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه، والترمذي؛ في «الشمائل» وهذا لفظها- (عن معاذة) - بضم الميم- بنت عبد الله العدوية؛ أم الصّهباء البصرية، ثقة من الثالثة، خرّج لها الستة؛ قاله المناوي. (قالت: قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها: أكان النّبيّ ﷺ يصلّي الضّحى؟!) ؛ أي: الصلاة التي تفعل في الضحى- بضم الضاد والقصر-: اسم للوقت الذي يكون من تمام ضوء الشمس إلى تمام ربع النهار، وقبله من طلوع الشمس إلى تمام ضوئها يقال له «ضحوة» ك «طلحة» ، و «ضحو» ك «فلس» ، و «ضحيّة» ك «هديّة» ، وبعده من تمام الربع إلى الزوال؛ يقال له «ضحاء» - بالفتح والمد-؛ ك «سماء» . فتلخص: أنّ الوقت من طلوع الشمس إلى الزوال ينقسم ثلاثة أقسام؛ كما يؤخذ من «القاموس» و «المختار» و «المصباح» . ووقتها الشرعيّ: من ارتفاع الشمس قدر رمح إلى الزوال، لكن الأفضل تأخيرها إلى أن يمضي ربع النهار، ليكون في كلّ ربع صلاة. انتهى «باجوري» . (قالت: نعم) ؛ أي: كان يصلّيها، وهذا كاف في الجواب. وقولها (أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله ؛ زيادة على المطلوب،

стр. 1383

......... لكنّها تتعلّق بالمطلوب، وهي محمودة حينئذ. و «أربع ركعات» معمول لمحذوف؛ أي: كان يصلّي أربع ركعات. والمراد أنّه كان يصلّيها أربع ركعات في أغلب أحواله، كما أشارت إليه بقولها «ويزيد ما شاء الله » ؛ أي: وينقص، ففي كلامها «اكتفاء» ، والمراد أنّه يزيد زيادة محصورة؛ وإن كان ظاهر العبارة الزيادة بلا حصر، لكنه محمول على المبالغة. فالحاصل: أنّه صلّاها تارة ركعتين؛ وهو أقلّها، وتارة أربعا؛ وهو أغلب أحواله، وتارة ستّا، وتارة ثمانية؛ وهو أكثرها فضلا وعددا- على الراجح-. وقيل: أفضلها ثمان، وأكثرها اثنتا عشرة. ولا ينافي ذلك قول الفقهاء «كلّ ما كثر وشقّ كان أفضل» !! لأنه غالبي، فقد صرّحوا بأن العمل القليل قد يفضل الكثير في صور كثيرة، لأنّه قد يرى المجتهد من المصالح المحتفّة بالعمل القليل ما يفضله على الكثير. هذا؛ وقد ثبت عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت: ما رأيته سبّحها؛ أي: صلّاها- تعني صلاة الضحى-. وجمع البيهقيّ بين هذا وبين ما تقدّم عنها بحمل قولها «ما رأيته سبّحها» على نفي رؤية مداومته عليها؛ وقولها «نعم» على الغالب من أحواله، فقد شهد تسعة عشر من أكابر الصحب أنّهم رأوا المصطفى ﷺ يصلّيها. وقال في «فتح الباري» - بعد أن ذكر في الضحى أقوالا ستّة- ما نصّه: قد جمع الحاكم الأحاديث الواردة في صلاة الضحى في جزء مفرد، وذكر لغالب هذه الأقوال مستندا، وبلّغ عدد رواة الحديث في إثباتها نحو العشرين نفسا من الصّحابة. انتهى. قال الحاكم: وفي الباب عن ١- أبي سعيد، و ٢- أبي ذر، و ٣- زيد بن أرقم، و ٤- أبي هريرة، و ٥- بريدة الأسلمي، و ٦- أبي الدرداء،

стр. 1384

......... و٧- عبد الله بن أبي أوفى، و ٨- عتبان بن مالك، و ٩- عتبة بن عبد السّلمي، و ١٠- نعيم بن همار، و ١١- أبي أمامة الباهلي، و ١٢- عائشة بنت أبي بكر، و ١٣- أمّ هانئ، و ١٤- أم سلمة: كلهم شهدوا أن النبي ﷺ كان يصلّي الضحى. انتهى. بل قال ابن جرير: أحاديثها بلغت حدّ التواتر. وفي «مصنف ابن أبي شيبة» ؛ عن ابن عبّاس ﵄: إنّها لفي كتاب الله تعالى، ولا يغوص عليها إلّا الغوّاص. قال ابن العربي: وهي كانت صلاة الأنبياء قبل المصطفى ﷺ ، ويسنّ فعلها في المسجد لخبر فيه، وأما ما صحّ عن ابن عمر من قوله «إنها بدعة ونعمت البدعة» . ومن قوله «لقد قتل عثمان؛ وما أحد يسبّحها، وما أحدث الناس شيئا أحبّ إلي منها» !! فمحمول على أنّه لم يبلغه هذه الأخبار، أو أنّه أراد أنّه ﷺ لم يداوم عليها، أو أنّ التجمّع لها في نحو مسجد هو البدعة. وبالجملة: فقد قام الإجماع على استحبابها، وإنّما اختلفوا في أنّها مأخوذة من سنة مخصوصة؛ أو من عمومات!! وقد ورد في شأنها أحاديث كثيرة تدلّ على مزيد فضلها كخبر أحمد: «من حافظ على صلاة الضّحى غفرت له ذنوبه؛ وإن كانت مثل زبد البحر» . ومن فوائدها أنّها تجزئ عن الصدقة التي تطلب عن مفاصل الإنسان الثلاث مئة وستين مفصلا كلّ يوم تطلع فيه الشمس، كما رواه مسلم وغيره. وقد اشتهر بين العوام أنّ قطعها يورث العمى! ولا أصل له. انتهى «باجوري» مع زيادة من المناوي وغيره.

стр. 1385

وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ كان يصلّي الضّحى ستّ ركعات. وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال: كان النّبيّ ﷺ يصلّي الضّحى حتّى نقول لا يدعها، ويدعها (و) أخرج التّرمذيّ؛ في «الشمائل» ، والحاكم في «صلاة الضحى» ؛ (عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ أنّ النّبيّ ﷺ كان يصلّي الضّحى ستّ ركعات) . أي: في بعض الأوقات، فلا تنافي بين الروايات، قال المناوي: وهذا روي أيضا من حديث علي، وجابر، وعائشة. قال القسطلاني: لكن لا يخلو إسناد كلّ منها من مقال. انتهى. (و) أخرج الترمذي؛ في «الجامع» وحسّنه، وفي «الشمائل» ، والحاكم وصحّحه؛ من طريق عطية بن سعد العوفي- وهو ضعيف؛ كما قال النووي-. (عن أبي سعيد الخدريّ) ؛ نسبة إلى «خدرة» جدّ له (رضي الله تعالى عنه قال: كان النّبيّ ﷺ يصلّي الضّحى) ؛ أي: يواظب عليها أيّاما متوالية لمحبّته لها؛ (حتّى نقول) - أي: في أنفسنا، أو يقول بعضنا لبعض-: (لا يدعها) ؛ أي: لا يتركها بعد هذه المواظبة، (ويدعها) ؛ أي: يتركها أحيانا؛ خوفا من أن يعتقد الناس وجوبها لو واظب عليها دائما، وقد أمن هذا بعده؛ لاستقرار الشريعة؛ فتطلب المواظبة عليها الآن. ويقرأ فيها بسورتي «الشمس» و «الضحى» ، كما رواه الحاكم؛ عن عقبة بن عامر ﵁: أمرنا رسول الله ﷺ أن نصلّي الضحى بسورتيها: «والشمس وضحاها» ؛ «والضحى» . ومناسبتها ظاهرة كالشمس، والأنسب إذا صلّاها أربعا أن يقرأ فيها ب «الشمس» و «الليل» و «الضحى» و «ألم نشرح» .

стр. 1386

حتّى نقول لا يصلّيها. وعن أبي أيّوب الأنصاريّ ... ومن فوائد صلاة الضحى: أنّها تجزئ عن الصدقات التي تصبح على مفاصل الإنسان الثلاث مائة وستين مفصلا؛ كما أخرجه مسلم، وقال: «وتجزئ عن ذلك ركعتا الضّحى» . قال الحافظ زين الدين العراقي: إنّه اشتهر بين العوامّ أنّ من صلّى الضحى ثمّ قطعها يعمى، فصار كثير منهم يتركها أصلا لذلك!! وليس لما قالوه أصل، بل الظاهر أنّه ممّا ألقاه الشيطان على ألسنتهم ليحرمهم الخير الكثير، لا سيما إجزاؤها عن تلك الصّدقات. وكذا اشتهر هذا القول بين النساء فتوهّمن أنّ تركها حالة الحيض والنفاس مما يقطعها فتركنها من أصلها؛ وقلن إنّما تصلي الضحى المرأة المنقطعة «١» . انتهى «جمع الوسائل» . (حتّى نقول) - أي: في أنفسنا، أو يقول بعضنا لبعض- (: لا يصلّيها) ، أي: لا يعود لصلاتها أبدا لنسخها، أو اختلاف اجتهاده فيها. والحاصل: أنه كان يحبّها، فكان يواظب عليها أيّاما؛ ويتركها أحيانا للخوف من اعتقاد فرضيّتها، وهذا الحديث قد عورض بحديث مسلم أنّه كان إذا صلّى صلاة أثبتها، وقد صلّى مرة الضحى بعد صلاة العصر؛ فلم يتركه. قال البيهقي: وهذا من خصائصه. انتهى «مناوي» . (و) أخرج أبو داود، وابن ماجه، والترمذي؛ في «الشمائل» - باختلاف في الألفاظ، وهذا لفظ «الشمائل» -: (عن أبي أيّوب) خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار (الأنصاريّ) الخزرجي النجّاري المدني الصحابي الجليل. شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان وجميع المشاهد مع رسول الله ﷺ ، ونزل عليه رسول الله ﷺ حين قدم المدينة مهاجرا،

стр. 1387

رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ كان يدمن أربع ركعات عند زوال الشّمس، فقلت: يا رسول الله؛ إنّك تدمن هذه الأربع ركعات عند زوال الشّمس؟ فقال: «إنّ أبواب السّماء تفتح عند زوال الشّمس، ... وأقام عنده شهرا حتى بنيت مساكنه ومسجده. روي له عن رسول الله ﷺ مائة وخمسون حديثا؛ اتفق البخاري ومسلم على سبعة منها، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بخمسة. روى عنه البراء بن عازب، وجابر بن سمرة، والمقدام بن معدي كرب، وأبو أمامة الباهلي، وزيد بن خالد الجهني، وابن عبّاس، وعبد الله بن يزيد الخطمي؛ وكلّهم صحابة. وسعيد بن المسيّب، وسالم بن عبد الله، وعروة بن الزّبير، وعطاء بن يزيد الليثي، وعبد الله بن حنين، وخلائق سواهم. توفي بأرض الروم غازيا سنة: خمسين- وقيل: سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ثنتين وخمسين- وقبره بالقسطنطينية (رضي الله تعالى عنه. أنّ النّبيّ ﷺ كان يدمن) - من الإدمان بمعنى المداومة؛ أي: يلازم- (أربع ركعات عند زوال الشّمس؟!) ، أي: عقبه لعدم التراخي كأنّها عنده، وهذه الصلاة هي سنّة الزوال، وقيل: سنّة الظهر القبلية. ويبعد الأوّل التعبير بالإدمان المراد به المواظبة، إذ لم يثبت أنّه ﷺ واظب على شيء من السنن بعد الزوال، إلّا على راتبة الظهر. (فقلت) - أي: قال أبو أيّوب الأنصاري-: (يا رسول الله؛ إنّك تدمن هذه الأربع ركعات عند زوال الشّمس؟!) ؛ أي: تديمها، والقصد الاستفهام عن حكمة ذلك. (فقال) ؛ أي رسول الله ﷺ (: «إنّ أبواب السّماء تفتح عند زوال الشّمس) ؛ أي: لصعود الطاعة ونزول الرحمة، كما جاء في حديث البزار عن ثوبان أنّه ﷺ كان

стр. 1388

فلا ترتج حتّى يصلّى الظّهر، فأحبّ أن يصعد لي في تلك السّاعة خير» ؛ قلت: أفي كلّهنّ قراءة؟ قال: «نعم» ، قلت: هل فيهنّ تسليم فاصل؟ قال: «لا» . يستحبّ أن يصلّي بعد نصف النهار، فقالت عائشة ﵂: يا رسول الله؛ أراك تستحبّ الصلاة هذه الساعة؟! فقال: «تفتح فيها أبواب السّماء، وينظر الله إلى خلقه بالرّحمة، وهي صلاة كان يحافظ عليها آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصّلاة والسّلام» . انتهى «ملّا علي قاري» . (فلا ترتج) - بضمّ التاء الأولى، وفتح الثانية؛ بينهما راء ساكنة وآخره جيم مخففة-؛ أي: لا تغلق (حتّى يصلّى الظّهر) ؛ أي: صلاة الظهر. (فأحبّ أن يصعد) - بفتح أوله ويجوز ضمّه- أي: يطلع ويرفع (لي في تلك السّاعة خير» ) أي: عمل خير من النوافل؛ زيادة على ما كتب ليدلّ على كمال العبودية. واستشكل هذا بأن الملائكة الحفظة لا يصعدون إلّا بعد صلاة الصبح، ويبعد أنّ العمل يصعد قبل صعودهم!! وقد يراد بالصعود القبول. (قلت) أي: - للنبي ﷺ (: أفي كلّهنّ قراءة؟!) ؛ أي: قراءة سورة غير الفاتحة، وإلّا! فالنفل لا يصحّ بدون الفاتحة، كما هو معلوم. (قال: «نعم» . قلت: هل فيهنّ تسليم فاصل؟) ، أي: بين الركعتين الأوليين والركعتين الآخريين! (قال: «لا» ) . أي ليس فيهن تسليم فاصل. وبهذا استدلّ من جعل صلاة النهار أربعا أربعا. ويمكن أن يقال: المراد ليس فيهن تسليم واجب، فلا ينافي أنّ الأفضل مثنى مثنى؛ ليلا ونهارا، لخبر أبي داود وغيره: «صلاة اللّيل والنّهار مثنى مثنى» . وبه قال الأئمة الثلاثة. وقال أبو حنيفة: الأفضل أربعا أربعا مطلقا، ووافقه صاحباه في النهار؛ دون الليل. وهذا الحديث وما في معناه حجّة لهم. انتهى «مناوي وباجوري» .

стр. 1389

ومعنى (لا ترتج) : لا تغلق. وعن أمّ هانئ رضي الله تعالى عنها: أنّ رسول الله ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكّة فاغتسل، فسبّح- أي: صلّى ... (ومعنى «لا ترتج» ) - بضم المثناة الفوقية الأولى وفتح الثانية وتخفيف الجيم- (لا تغلق) ؛ ذكره شرّاح «الشمائل» . (و) أخرج البخاريّ، ومسلم، و «الموطأ» ، وأبو داود، والنسائي، والترمذي في «الجامع» و «الشمائل» ، وابن ماجه- باختلاف في الألفاظ-: كلّهم (عن أمّ هانئ) - بالهمزة-: فاختة بنت أبي طالب (رضي الله تعالى عنها؛ أنّ رسول الله ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكّة) لا يعارضه رواية الشيخين وغيرهما عنها قالت: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح؛ فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره بثوب ... الحديث. لاحتمال تعدّد الواقعة؛ فمرّة كان في بيتها، ومرّة ذهبت له، أو كان في بيتها في ناحية عنها وعنده فاطمة، فمجيئها له لا ينفي كونه في بيتها، وكان ذهابها إليه لشكوى أخيها عليّ، إذ أراد أن يقتل من أجارته. لكن وقع في «الموطأ» ومسلم؛ من طريق أبي مرة؛ عن أمّ هانئ «أنّها ذهبت إلى النبي ﷺ ؛ وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل» . ويجمع بينهما بأن ذلك تكرّر منه. ويحتمل أن يكون نزل في بيتها بأعلى مكّة؛ وكانت هي في بيت آخر بمكّة، فجاءت إليه فوجدته يغتسل. فيصحّ القولان. فعلى هذا يكون لها بيتان أحدهما كان ﷺ سكن فيه، والآخر سكناها، فالإضافة باعتبار مالكيّتها. انتهى. «جمع الوسائل ومناوي» . (فاغتسل) أخذ منه الشافعية أنّه يسنّ لمن دخل مكة أن يغتسل أوّل يوم لصلاة الضحى؛ تأسّيا به ﷺ . (فسبّح؛ أي: صلى) ؛ من باب تسمية الكلّ باسم

стр. 1390

ثمان ركعات- ما رأيته ﷺ صلّى صلاة قطّ أخفّ منها، غير أنّه كان يتمّ الرّكوع والسّجود. البعض، لاشتمال الصلاة على التسبيح، وقد يطلق التسبيح على صلاة التطوّع على أنّ رواية «الصحيحين» : فصلّى (ثمان) منسوب إلى الثّمن، لأنّه الجزء الذي صيّر السبعة ثمانية؛ فهو ثمنها، ثم فتحوا أوّله، لأنّهم يغيّرون في النسبة، وحذفوا منها إحدى ياءي النسب وعوّضوا منها الألف، وقد تحذف منه الياء، ويكتفى بكسر النون، أو يفتح تخفيفا. كذا حقّقه العلّامة الكرماني. انتهى. «مناوي وملّا علي قاري» (ركعات) زاد ابن خزيمة في روايته؛ عن أمّ هانئ: «فسلّم من كلّ ركعتين» وفيه ردّ على من تمسّك به في صلاتها موصولة، سواء صلّى ثمان ركعات؛ أو أقل. ولمسلم أنّه ﷺ صلّى في بيتها عام الفتح ثمان ركعات في ثوب واحد؛ قد خالف بين طرفيه (: ما رأيته) ، أي: النبي ﷺ صلّى صلاة قطّ) ؛ أي: أبدا (أخفّ منها) أي: من تلك الصلاة التي صلّاها ﷺ . زاد في رواية مسلم: لا أدري أقيامه فيها أطول؛ أم ركوعه؛ أم سجوده!!. ولا يؤخذ من هذا الحديث ندب التخفيف في صلاة الضحى؛ خلافا لمن أخذه، لأنّه لا يدلّ على أنّه واظب على ذلك، بخلافه في سنة الفجر. بل ثبت أنّه طوّل في صلاة الضحى؛ كما رواه ابن أبي شيبة. وإنّما خفّفها يوم الفتح!! لاشتغاله بمهمّاته. (غير أنّه) - نصب على الاستثناء-، ولعلّه لما كان ينشأ من قولها «ما رأيته صلّى صلاة قطّ أخفّ منها» توهّم أنه لم يتمّ الركوع والسجود؛ دفعت ذلك التوهّم بأنّه ﷺ (كان يتمّ الرّكوع والسّجود) يعني: لا يخفّفهما جدّا، وإلّا فهو يتمّ سائر الأركان مع التخفيف.

стр. 1391

[وعن أنس رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ أخفّ النّاس صلاة في تمام] «١» . وعن أبي واقد اللّيثيّ رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ أخفّ النّاس صلاة على النّاس، وأطول النّاس صلاة لنفسه. (و) أخرج الإمام مسلم في «صحيحه» ، والترمذيّ، والنّسائي (عن أنس رضي الله تعالى عنه) قال: (كان رسول الله ﷺ أخفّ النّاس) - لفظ رواية مسلم: «من أخفّ الناس» - (صلاة) إذا صلّى إماما؛ لا منفردا، كما صرّح به الحديث الآتي عقبه. (في تمام) للأركان. قيّد به!! دفعا لتوهّم من يفهم أنّه ينقص منها حيث عبّر ب «أخفّ» . قال ابن تيمية: فالتخفيف الذي كان يفعله هو تخفيف القيام والقعود؛ وإن كان يتمّ الركوع والسجود ويطيلهما؛ فلذلك صارت صلاته قريبا من السواء. وقال بعضهم: محمول على بعض الأحوال، وإلّا!! فقد ثبت عنه التطويل أيضا جدّا أحيانا، وفي رواية لمسلم أيضا: كان يوجز في الصلاة ويتمّ. انتهى «مناوي» . (و) أخرج الإمام أحمد، وأبو يعلى بإسناد جيد؛ (عن أبي واقد) - بقاف مهملة- (اللّيثيّ) بمثلاثة بعد التحتية، واسمه: الحارث بن مالك المديني، شهد بدرا (رضي الله تعالى عنه) قال: (كان رسول الله ﷺ أخفّ النّاس صلاة على النّاس) - يعني: المقتدين به- (وأطول النّاس صلاة لنفسه) ، ما لم يعرض ما يقتضي التخفيف؛ كما فعل في قصّة بكاء الصبي ونحوه.

стр. 1392

وعن عبد الله بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن الصّلاة في بيتي، والصّلاة في المسجد؟ قال: «قد ترى ما أقرب بيتي من المسجد، فلأن أصلّي في بيتي أحبّ إليّ من أن أصلّي في المسجد؛ إلّا أن تكون صلاة مكتوبة» ؛ وفيه- كالذي قبله- أنّه يندب للإمام التخفيف من غير ترك شيء من الأبعاض والهيئات، لكن لا بأس بالتطويل برضاهم؛ إن انحصروا، كما استفيد من حديث آخر. انتهى «مناوي» . (و) أخرج ابن ماجه، والترمذي في «الشمائل» ؛ (عن عبد الله بن سعد) الأنصاري الحرامي- وقيل: القرشي الأموي- عمّ حرام بن حكيم، صحابيّ؛ نقل أنه شهد فتح القادسية، وكان يومئذ على مقدّمة الجيش. روى عنه حرام بن حكيم وخالد بن معدان. وزعم الخطيب: أن حرام بن حكيم هذا هو حرام بن معاوية الأنصاري، وأنّهما متّحدان!! وقد فرّق بينهما البخاريّ، والدارقطني، والعسكري وغيرهم. انتهى «إصابة» . (رضي الله تعالى عنه؛ قال: سألت رسول الله ﷺ عن الصّلاة في بيتي؛ والصّلاة في المسجد؟!) ؛ أي: أيّتهما أفضل، والمراد صلاة النفل (قال: «قد) : للتحقيق (ترى) : الرؤية بصرية، والخطاب لعبد الله بن سعد (ما أقرب بيتي من المسجد) أي: قد ترى كأقرب بيتي من المسجد (فلأن أصلّي في بيتي) الفاء: فصيحة، و «أن» مصدرية؛ أي: إذا كنت ترى ذلك؛ فلصلاتي في بيتي مع كمال قربه من المسجد (أحبّ إليّ من أن أصلّي) ؛ أي: من صلاتي (في المسجد) أي: لتحصل البركة للبيت وأهله، ولتنزل الملائكة، وليذهب عنه الشيطان- كما سيأتي-. (إلّا أن تكون) الصلاة (صلاة مكتوبة» ) ؛ أي: مفروضة، فإنّ الأحبّ إليّ

стр. 1393

أي: لتحصل البركة للبيت وأهله، وتنزل الملائكة، وليذهب عنه الشّيطان. وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا اشتدّ البرد.. بكّر بالصّلاة، وإذا اشتدّ الحرّ.. أبرد بالصّلاة. صلاتها في المسجد، لأنها من شعائر الإسلام، وقول (أي: لتحصل البركة للبيت وأهله) ؛ أي: بصلاة النفل فيه، (وتنزل الملائكة) لاستماع القرآن، (وليذهب عنه الشّيطان) ؛ بسبب وجود العبادة وعدم الغافلة. ومعنى الحديث: أنّه مع كمال قرب بيتي من المسجد صلاتي في بيتي أحبّ إليّ من صلاتي في المسجد إلّا المكتوبة. وهو معنى حديث «الصحيحين» : «أفضل الصّلاة صلاة المرء في بيته إلّا المكتوبة» . وفي «الصحيحين» : «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتّخذوها قبورا» . وكذلك يستثنى من النفل ما تسنّ فيه الجماعة، والضحى، وسنّة الطواف، والإحرام، والاستخارة.. وغير ذلك ممّا هو مبيّن في الفروع. انتهى «مناوي» . (و) أخرج البخاري والنّسائيّ؛ (عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا اشتدّ البرد بكّر بالصّلاة) ؛ أي: بصلاة الظهر، يعني صلّاها في أوّل وقتها، وكلّ من أسرع إلى شيء فقد بكّر إليه. (وإذا اشتدّ الحرّ أبرد بالصّلاة) ؛ أي: دخل بها في البرد، بأن يؤخّرها إلى أن يصير للحيطان ظلّ فيه يمشي قاصد الجماعة. قال المناويّ: قال الإمام البخاريّ: يعني هنا صلاة الجمعة؛ قياسا على الظهر، لا بالنصّ؛ لأن أكثر الأحاديث تدلّ على الإبراد بالظهر، وعلى التبكير بالجمعة مطلقا، وقوله- أعني البخاري- «يعني الجمعة» !! يحتمل كونه قول التابعي مما فهم، وكونه من تفقّهه؛ فترجّح عنده إلحاقا بالظهر، لأنها إما ظهر

стр. 1394

......... وزيادة، أو بدل عن الظهر، لكنّ الأصحّ من مذهب الشافعي عدم الإبراد بها. انتهى. وإنّما يسنّ الإبراد عند الشافعية بشروط: ١- كونه بصلاة الظهر، و ٢- كونه في الحرّ الشديد، و ٣- كونه بالبلد الحارّ، و ٤- كونه لمن يصلّي جماعة، و ٥- كونها تقام في موضع بعيد بأن يكون في مجيئه مشقّة تذهب الخشوع؛ أو كماله، و ٦- كونهم يمشون إليها في الشمس. فلا يسنّ الإبراد بالجمعة، ولا في غير شدّة الحرّ؛ ولو بقطر حار، ولا في قطر بارد؛ أو معتدل؛ وإن اتفق فيه شدّة حرّ، ولا لمن يصلي منفردا. لكن اعتمد في «التحفة» و «النهاية» وغيرهما: أنّه يسنّ الإبراد لمنفرد يريد الصلاة في المسجد، ولا يسنّ الإبراد لمن يأتي من قرب، أو من بعد، لكن يجد ظلّا يمشي فيه، إذ ليس في ذلك كبير مشقّة. وإذا سنّ الإبراد بالشروط المذكورة سنّ التأخير إلى حصول الظلّ الذي يقي طالب الجماعة من الشمس؛ وغايته نصف الوقت. وهذا أحد المسائل المستثناة من قولهم «كلّ عبادة مؤقّتة فالأفضل تعجيلها أوّل الوقت» ، واستثنوا من ذلك فصولا؛ منها: الإبراد المذكور بشرطه، ومنها: صلاة الضحّى أوّل وقتها طلوع الشمس، ويسنّ تأخيرها لربع النهار، ومنها: صلاة العيدين؛ يسنّ تأخيرها لارتفاع الشمس، ومنها: الفطرة أوّل وقتها غروب شمس ليلة العيد ويسنّ تأخيرها ليوم العيد، ورمي جمرة العقبة وطواف الإفاضة والحلق كلّها يدخل وقتها بنصف ليلة النحر، ويستحبّ تأخيرها ليوم النحر. وقد نظم هذه المستثنيات الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى؛ فقال: أوّل الوقت في العبادة أولى ... ما عدا سبعة أنا المستقري الضّحى العيد فطرة ثمّ ظهر ... حيث الابراد سائغ بالحرّ وطواف الحجيج ثمّ حلاق ... بعد حجّ ورمي يوم النّحر

стр. 1395

وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ لا يكون في المصلّين إلّا كان أكثرهم صلاة، ولا يكون في الذّاكرين إلّا كان أكثرهم ذكرا. وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ إذا حزبه- وفي رواية: حزنه- أمر.. صلّى؛ ... (و) أخرج أبو نعيم في «أماليه الحديثية» ، والخطيب، وابن عساكر في «تاريخه» : كلّهم؛ (عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه) - وإسناده حسن؛ كما في العزيزي- قال: (كان رسول الله ﷺ لا يكون في المصلّين إلّا كان أكثرهم صلاة، ولا يكون في الذّاكرين إلّا كان أكثرهم ذكرا) كيف؛ وهو أعلم الناس بالله، وأعرفهم به!! ولهذا قام في الصلاة حتّى تورّمت قدماه. (و) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود؛ وسكت عليه (عن حذيفة) بن اليمان (رضي الله تعالى عنه) وعن والده «١» - وهو حديث صحيح؛ كما في العزيزي- قال: (كان رسول الله ﷺ إذا حزبه) - بحاء مهملة وزاي فموحدة مفتوحة مخففة- أي: هجم عليه، أو نزل به. (وفي رواية: حزنه) - بنون- (أمر) أي: أوقعه في الحزن، يقال: حزنني الأمر، وأحزنني الأمر؛ فأنا محزون. ولا يقال «محزن» . (صلّى) ، لأن الصلاة معينة على دفع جميع النوائب بإعانة الخالق الذي قصد بها الإقبال عليه والتقرّب إليه.

стр. 1396

أي: إذا نزل به همّ، وأصابه غمّ. وعن أنس رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ إذا نزل منزلا.. لم يرتحل منه حتّى يصلّي فيه ركعتين. ومنه أخذ بعضهم ندب صلاة المصيبة؛ وهي ركعتان عقبها، وكان ابن عبّاس يفعل ذلك، ويقول: نفعل ما أمرنا الله به بقوله وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [١٥٣/ البقرة] . فينبغي لمن نزل به غمّ أن يشتغل بخدمة مولاه؛ من صلاة وذكر ونحوهما، فإنّه تعالى يفرّجه عنه. انتهى شروح «الجامع الصغير» . قال في «النهاية» : معنى إذا حزبه أمر: (أي: إذا نزل به همّ) ؛ هو الكرب يحصل بسبب ما يتوقّع حصوله من أذى، (وأصابه غمّ) الكرب: يحصل للقلب بسبب ما حصل من الأذى، وقيل: هما بمعنى واحد، وقال بالفرق بينهما القاضي عياض وغيره. انتهى شرح «القاموس» . (و) أخرج البيهقيّ في «سننه» ؛ (عن أنس) أي: ابن مالك خادم رسول الله ﷺ (رضي الله تعالى عنه) قال: (كان رسول الله ﷺ إذا نزل منزلا) في سفره- لنحو استراحة؛ أو قيلولة؛ أو تعريس- (لم يرتحل منه حتّى يصلّي فيه ركعتين) ؛ أي: نفلا غير الفريضة. ويحتمل أنّ المراد به ركعتا الفرض؛ أي: الظهر مثلا مقصورة. قال المناوي: قال الحافظ ابن حجر: حديث صحيح السند معلول المتن؛ خرّجه أبو داود والنسائي وابن خزيمة بلفظ «الظهر ركعتين» ، فظهر أنّ في رواية الأوّل وهما؛ أو سقوطا. والتقدير: حتى يصلّي الظهر ركعتين. وقد جاء صريحا في «الصحيحين» . انتهى كلام المناوي رحمه الله تعالى. (و) أخرج الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم في «الصلاة» وقال: على شرطهما؛ وأقرّه الذهبي، وقال العزيزي: إسناده صحيح-: كلّهم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:

стр. 1397

وكان ﷺ يحبّ أن يليه المهاجرون والأنصار في الصّلاة؛ ليحافظوا عنه. وكان ﷺ لا يفارق مصلّاه سواكه ومشطه. وروى الإمام أحمد، ... (كان) رسول الله ﷺ يحبّ أن يليه المهاجرون والأنصار في الصّلاة) . قال ابن حجر: وحبّ المصطفى ﷺ للشيء!! إما بإخباره للصحابي بذلك، وإما بالقرائن (ليحافظوا عنه) كيفية الصلاة المشتملة على فروض وأبعاض وهيئات؛ فيرشدون الجاهل وينبّهون الغافل. (و) في «كنوز الحقائق» للمناوي قال: (كان ﷺ لا يفارق مصلّاه) موضع صلاته (سواكه) ؛ أي: آلة السواك (ومشطه) . ورمز له برمز الطبراني. (وروى الإمام) الحافظ أبو عبد الله (أحمد) بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي البغداديّ، الإمام البارع المجمع على جلالته وإمامته، وورعه وزهادته، وحفظه ووفور علمه، وسيادته. خرج من مرو حملا، وولد ببغداد، ونشأ بها إلى أن توفّي بها، ودخل مكّة والمدينة المنورة، والشام، واليمن، والكوفة، والبصرة، والجزيرة. سمع سفيان بن عيينة، ويحيى القطّان، ووكيعا، وابن مهدي، وعبد الرزاق، وخلائق. وروى عنه شيخه عبد الرزاق، وعلي بن المديني، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وأبو زرعة الرازي، وبقي بن مخلد الأندلسي، وخلائق قال أبو حاتم: كان أحمد ابن حنبل بارع الفهم بمعرفة صحيح الحديث وسقيمه. وكانت ولادته في شهر ربيع الأول سنة: أربع وستين ومائة، وتوفي في ضحوة يوم الجمعة الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة: إحدى وأربعين ومائتين، ودفن ببغداد، وقبره مشهور معروف يتبرّك به رحمه الله تعالى.

стр. 1398

ومسلم، وأبو داود، والتّرمذيّ، والنّسائيّ، وابن ماجه: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا انصرف من صلاته.. استغفر (ثلاثا) ، ثمّ قال: ... (و) الإمام (مسلم) بن الحجاج في «كتاب الصلاة» ، (و) الإمام (أبو داود) سليمان بن الأشعث السجستاني في «الصلاة» أيضا (و) الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة (التّرمذيّ) نسبة إلى «ترمذ» : مدينة قديمة على طرف نهر بلخ الذي يقال له «جيحون» وتقدّمت ترجمته. (و) الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار (النّسائيّ) - بفتح النون والسين المهملة المخفّفة-؛ بعدها ألف ممدودة؛ أو مقصورة؛ منسوب إلى «نسا» مدينة بخراسان، قال بعضهم: والنّسئيّ نسبة لنسإ ... مدينة في الوزن مثل سبإ (و) الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد الربعي «مولاهم» القزوينيّ المعروف بلقب (ابن ماجه) ؛ بسكون الهاء وصلا ووقفا لأنه اسم أعجمي، و «ماجه» لقب يزيد والد محمّد؛ لا جدّه كما في «القاموس» ، وقد تقدّمت ترجمته. كلّهم رووه عن ثوبان مولى المصطفى ﷺ : (أنّ رسول الله ﷺ كان إذا انصرف من صلاته) ؛ أي: سلّم منها (استغفر) ؛ أي: طلب المغفرة من ربّه تعالى (ثلاثا) من المرّات. زاد البزّار في روايته: «ومسح جبهته بيده اليمنى» . قيل للأوزاعي- وهو أحد رواة الحديث-: كيف الاستغفار؟ قال: يقول «أستغفر الله.. أستغفر الله» . قال الشيخ أبو الحسن الشاذليّ رحمه الله تعالى: استغفاره عقب الفراغ من الصلاة استغفار من رؤية الصلاة، أو للتشريع؛ تعليما لأمته، ويحتمل أن يكون لهما. (ثمّ قال) ؛ بعد الاستغفار، والظاهر أنّ التراخي المستفاد من «ثمّ» غير مراد

стр. 1399

«اللهمّ؛ أنت السّلام، ومنك السّلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» . هنا: ( «اللهمّ؛ أنت السّلام) - أي: المختصّ بالتنزّه عن النقائص والعيوب لا غيرك- (ومنك السّلام) ؛ أي: الأمان والسلامة من النقائص لمن أردت له ذلك. (تباركت) ؛ أي: تعظّمت وتمجّدت (يا ذا الجلال والإكرام» ) ، لا تستعمل هذه الكلمة في غير الله تعالى. انتهى عزيزي على «الجامع» .

стр. 1400

[الفصل الثّاني في صفة صومه ﷺ ] الفصل الثّاني في صفة صومه ﷺ عن عبد الله بن شقيق [رحمه الله تعالى] قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن صيام رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان يصوم حتّى نقول ... (الفصل الثّاني) من الباب السادس (في) بيان ما ورد في (صفة صومه ﷺ والصوم والصيام كلاهما مصدر ك «صام» ، فهما بمعنى واحد. وهو- لغة-: الإمساك؛ ولو عن الكلام ومنه إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً [٢٦/ مريم] أي: إمساكا عن الكلام. وشرعا-: الإمساك عن المفطّرات جميع النّهار بنيّة. والمراد به هنا ما يشمل الفرض والنفل. روى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي في «الجامع» و «الشمائل» - وهذا لفظه-: كلّهم يروونه (عن عبد الله بن شقيق) العقيلي- مصغرا- تقدّمت ترجمته قريبا! (قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن صيام رسول الله ﷺ !) ؛ أي: هل كان يديم الصيام أم لا؟! وهل كان يقلّ منه؛ أو يكثر؟ وهل كان يخصّ شهرا كاملا بالصوم؛ أم لا!؟ إلى غير ذلك مما يعرف ممّا يأتي. (قالت: كان يصوم) - أي: يتابع صوم النفل- (حتّى نقول) - بالنون؛ أي: نحن في أنفسنا، أو: يقول بعضنا لبعض، وهذا هو الرواية؛ كما قاله

стр. 1401

قد صام- أي: داوم الصّوم- فلا يفطر، ويفطر حتّى نقول قد أفطر- أي: داوم الإفطار- فلا يصوم. قالت: وما صام رسول الله ﷺ شهرا كاملا منذ قدم المدينة.. إلّا رمضان. وسئل أنس رضي الله تعالى عنه عن صوم النّبيّ ﷺ فقال: كان يصوم من الشّهر حتّى نرى ... القسطلّاني- (قد صام) قال الباجوري: (أي: داوم الصّوم فلا يفطر) . انتهى. (و) كان (يفطر) ؛ أي: يداوم الفطر (حتّى نقول) - بالنون؛ أي: نحن في أنفسنا، أو: يقول بعضنا لبعض- (قد أفطر) قال الباجوري: (أي: داوم الإفطار فلا يصوم) . انتهى. (قالت) - أي عائشة- (: وما صام رسول الله ﷺ شهرا كاملا) مقتضاه أنّه لم يصم شعبان كلّه، لكن في الرواية الآتية عن أمّ سلمة أنّه صامه كلّه!! ويجمع بينهما بحمل الكلّ على المعظم، حتى جاء في كلام العرب: إذا صام أكثر الشهر يقال صام الشهر كلّه، أو أنّه صامه كلّه في سنة وصام بعضه في سنة أخرى. (منذ قدم المدينة) ، قد يفهم منه أنّه كان يصوم شهرا كاملا قبل قدومه المدينة، ويمكن أنّها قيّدته بذلك!! لأن الأحكام إنّما تتابعت وكثرت حينئذ، مع أنّ رمضان لم يفرض إلّا في المدينة في السنة الثانية من الهجرة. (إلّا رمضان) سمّي بذلك!! لأنه حال وضع اسمه على مسمّاه وافق الرّمض؛ وهو شدّة الحرّ فسمّي ب «رمضان» ، أو لأنه يرمض الذنوب؛ أي يذهبها. (و) أخرج البخاريّ، والترمذيّ في «الجامع» و «الشمائل» - واللفظ له-: أنّه (سئل أنس رضي الله تعالى عنه عن صوم النّبيّ ﷺ ؛ فقال: كان يصوم من الشّهر) أي: كان يكثر الصوم في الشهر (حتّى نرى) - بالنون

стр. 1402

ألايريد أن يفطر منه، ويفطر حتّى نرى ألايريد أن يصوم منه شيئا، وكنت لا تشاء أن تراه من اللّيل مصلّيا إلّا رأيته مصلّيا، ولا نائما إلّا رأيته نائما. التي للجمع، أو [ترى] بالتاء التي للمخاطب؛ مبنيا للفاعل، أو [يرى] بالياء التي للغائب؛ مبنيا للفاعل، أو [يرى] للمفعول، فالروايات أربع- أي: نظنّ (ألايريد) - بنصب الفعل على كون «أن» مصدرية، وبالرفع على كونها مخفّفة من الثقيلة- (أن يفطر منه) ؛ أي: من الشهر. (ويفطر) أي: يكثر الفطر (حتّى نرى) برواياته السابقة (ألايريد أن يصوم منه شيئا، وكنت) - بفتح التاء على الخطاب- (لا تشاء أن تراه من اللّيل مصلّيا؛ إلّا رأيته مصلّيا؛ ولا نائما؛ إلّا رأيته نائما) ؛ أي: أنّ صلاته ونومه كان يختلف بالليل، لأنه ما كان يعيّن بعض الليل للصلاة وبعضه للنوم، بل وقت صلاته في بعض الليالي وقت نومه في بعض آخر، وعكسه، فكان لا يرتّب لتهجّده وقتا معينا، بل بحسب ما تيسّر له من القيام. ولا يشكل عليه قول عائشة «كان إذا صلّى صلاة داوم عليها» ، وقولها «كان عمله ديمة» !! لأن اختلاف وقت التهجّد تارة في أوّل الليل؛ وأخرى في آخره! لا ينافي مداومة العمل، كما أنّ صلاة الفرض تارة تكون في أوّل الوقت، وتارة في آخره، مع صدق المداومة عليه؛ كما قاله ملّا علي قاري. وإنّما ذكر الصلاة في الجواب؛ مع أنّ المسؤول عنه ليس إلّا الصوم!! إشارة إلى أنّه ينبغي للسائل أن يعتني بالصلاة أيضا. والحاصل: أنّ صومه وصلاته ﷺ كانا على غاية الاعتدال، فلا إفراط فيهما؛ ولا تفريط. انتهى «باجوري» . (و) أخرج النسائي، والترمذي؛ في «الجامع» و «الشمائل» - وقال: إسناده صحيح على شرط الشيخين؛ كما قال ابن حجر- كلّهم؛

стр. 1403

وعن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت النّبيّ ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلّا شعبان ورمضان. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لم أر رسول الله ﷺ يصوم في شهر أكثر من صيامه في شعبان، كان يصوم شعبان إلّا قليلا، بل كان يصومه كلّه. (عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: ما رأيت النّبيّ ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلّا شعبان) ، سمّي بذلك!! لتشعّبهم في المفازات بعد أن يخرج رجب، وقيل: لتشعّبهم في طلب الماء. وقيل غير ذلك. (ورمضان) مقتضى هذا الحديث أنّه صام شعبان كلّه، وهو معارض لما سبق من أنّه ما صام شهرا كاملا غير رمضان، وتقدّم الجواب عن ذلك بأن المراد بالكلّ الأكثر، فإنّه وقع في رواية مسلم «كان يصوم شعبان كلّه، كان يصومه إلّا قليلا» . قال النووي: الثاني مفسّر للأول، وبيان أن قولها «كلّه» أي: غالبه. فلعلّ أم سلمة لم تعتبر الإفطار القليل؛ وحكمت عليه بالتتابع لقلّته جدا. (و) أخرج البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي في «الجامع» و «الشمائل» - وهذا لفظها-: (عن) أمّ المؤمنين (عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: لم أر رسول الله ﷺ يصوم في شهر) من الأشهر (أكثر) ؛ مفعول مطلق، وهو صفة لمحذوف: أي: صياما أكثر (من صيامه في شعبان) . والمعنى أنّه كان يصوم في شعبان وغيره، وكان صيامه في شعبان تطوّعا أكثر من صيامه في ما سواه. (كان يصوم شعبان إلّا قليلا، بل كان يصومه كلّه) الإضراب بظاهره ينافي حديثها السابق أوّل الباب، فاحتيج للتوفيق بأنها أرادت صومه كلّه في سنين، فسنة يصوم من أوّله، وسنة من آخره، وسنة من وسطه، فصوم كلّه مبالغة في قلّة ما كان

стр. 1404

......... يفطره، وليس على حقيقته، فكلمة «بل» للإضراب ظاهرا، وللمبالغة في كثرة الصوم باطنا، لئلا يتوهّم أن ما كان يفطره؛ وإن كان قليلا لكن له وقع كثلثه، فنبّهت عائشة ﵂ بهذا الإضراب على أنه لم يفطر منه إلّا ما لا وقع له؛ كيوم أو يومين أو ثلاثة، بحيث يظنّ أنّه صامه كلّه، وفي الواقع لم يصمه كلّه؛ خوف وجوبه. واعترض بأن «كلّ» المضافة إلى الضمير تتعيّن للتأكيد، والتأكيد ب «كلّ» لدفع توهّم عدم الشمول تجوّزا؛ فكيف يحمل المؤكّد بها على الشمول مجازا!! واعتذر بأنّ التأكيد بها قد يقع لغير دفع المجاز، وهو؛ وإن كان فيه ما فيه؛ لكن ضرورة التوفيق بين أطراف الأخبار تحوج إلى إخراج بعض الألفاظ عن ظاهرها. وأوضح من ذلك في التوفيق: ما ذكره ابن عبد البرّ أنّ أول أمره كان يصوم أكثره، وآخره كان يصوم كلّه. وإنما آثر المصطفى ﷺ شعبان على المحرّم؛ مع أنّه أفضل للصوم بعد رمضان- كما في مسلم؛ عن أبي هريرة مرفوعا: «أفضل الصّيام بعد رمضان صوم شهر الله المحرّم» -!! لأن شعبان لما اكتنفه شهران عظيمان اشتغل الناس بهما؛ فصار مغفولا عنه، مع ما انضم لذلك من رفع الأعمال فيه، أي: رفع جملة أعمال السّنة. أو أنّه لم يعلم فضل صوم المحرم إلّا في آخر حياته قبل التمكّن من صومه! أو أنّه كان يعرض له عذر يمنعه من إكثار الصوم في المحرم كمرض أو سفر! أو أنّه كان يشتغل عن صوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر؛ فتجتمع، فيقضيها في شعبان، كما في خبر الطبراني؛ عن عائشة ﵂ «كان يصوم ثلاثة أيّام من كل شهر» ، فربما أخّر تلك حتّى يجتمع عليه صوم السنة؛ فيصوم شعبان!! أو أنّه كان يخصّ شعبان بالصيام تعظيما لرمضان، فيكون بمنزلة تقديم السنن الرواتب في الصلوات قبل المكتوبات. ويؤيده حديث غريب عند الترمذي؛ أنّه سئل ﷺ : أيّ الصوم أفضل بعد

стр. 1405

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يصوم من غرّة كلّ شهر ثلاثة أيّام، وقلّما كان يفطر يوم الجمعة. رمضان؟! قال: «شعبان لتعظيم رمضان» . انتهى شروح «الشمائل» . (و) أخرج أبو داود؛ بدون قوله «وقلما ... إلى آخره» ، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي في «الجامع» و «الشمائل» ؛ وقال: حسن غريب- قال الحافظ العراقيّ: وقد صحّحه أبو حاتم، وابن حبان، وابن خزيمة، وابن عبد البرّ، وكان الترمذي اقتصر على تحسينه للخلاف في رفعه-!! كلّهم؛ (عن عبد الله بن مسعود) الهذلي (رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يصوم من غرّة) - بضم الغين المعجمة وتشديد الراء؛ أي: أوّل- (كلّ شهر) والمراد هنا أوائله، لأن الغرّة أوّل يوم من الشهر. (ثلاثة أيّام) ؛ افتتاحا للشهر بما يحصل صوم كلّه، إذ الحسنة بعشر أمثالها، فقد ورد في الخبر: «صوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر صوم الدّهر» أي: كصومه. قال العراقي: ولا منافاة بين هذا الخبر وخبر عائشة الآتي «أنّه لم يكن يبالي من أيّ أيّام الشهر يصوم» ، لأن هذا الراوي حدّث بغالب ما اطّلع عليه من أحواله فحدّث بما عرف، وعائشة اطلعت على ما لم يطلع عليه. (وقلّما كان يفطر) ؛ أي: قلّ إفطاره (يوم الجمعة) ، بل كان كثيرا ما يصومه، لكنه يضمّه إلى الخميس؛ أو السبت، فلا يخالف حديث النهي عن إفراده بالصوم، لأن النهي محمول على ما إذا لم يصم يوما قبله؛ أو بعده، فإفراد الجمعة مكروه، لأنه يوم عيد تتعلّق به وظائف كثيرة دينية، والصوم يضعف عنها، بخلاف ما لو ضمّ لغيره، ففضيلة المضموم له جابرة لما فات بسبب الضعف. هذا قصارى ما قاله علماء الشافعية؛ جمعا بين الأدلة. والتأويل بأن صوم الجمعة من خصائصه!! يحتاج لدليل.
следующие страницы →