← Сира

Сира · id 23683

منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول

عبد الله عبادى اللحجى

Полный текст (2 342 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

وكان ﷺ إذا نزل عليه الوحي.. نكّس رأسه، ونكّس أصحابه رؤوسهم، فإذا أقلع عنه.. رفع رأسه. وكان ﷺ إذا دخل رمضان.. أطلق كلّ أسير، وأعطى كلّ سائل. وفي «الصحيحين» ؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما؛ أنّه كان يخرج في العيدين من طريق الشّجرة، ويدخل من طريق المعرّس، وإذا دخل مكة دخل من الثنيّة العليا، ويخرج من الثنيّة السّفلى. (و) أخرج مسلم في «المناقب» ؛ عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي) ؛ أي: حامل الوحي. أسند النزول إلى الوحي!! للملابسة بين الحامل والمحمول، ويسمّى «مجازا عقليا» تارة، و «استعارة بالكناية» تارة أخرى، بمعنى أنّه شبّه الوحي برجل مثلا، ثم أضيف إلى المشبّه الإتيان الذي هو من خواصّ المشبّه به، لينتقل الذهن منه إليه. والوحي- لغة-: الكلام الخفيّ، وعرفا-: إعلام الله نبيّه الشرائع بوجه ما. (نكّس) - بشدّ الكاف- (رأسه) أي: أطرق كالمتفكّر؛ لثقل الوحي إذا نزل عليه الملك في غير صورة رجل، حتى إنّه يحصل له مزيد العرق؛ وإن كان في شدّة البرد. (ونكّس أصحابه رؤوسهم) لإدراكهم نزول الوحي عليه بسبب إطراقه رأسه. (فإذا أقلع) - أي: الوحي بمعنى حامله- أي: سرّي وكشف (عنه رفع رأسه) ﷺ . (و) أخرج البيهقي في «شعب الإيمان» ، والخطيب، والبزار- بسند فيه أبو بكر الهذلي، قال فيه ابن حبان: يروي عن الأثبات أشياء موضوعة. وقال غندر: كان يكذب- وأخرجه ابن سعد في «طبقاته» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها- قال في العزيزي: وهو حديث ضعيف- قالت: (كان) رسول الله ﷺ إذا دخل) - في رواية: حضر- (رمضان أطلق كلّ أسير) كان مأسورا عنده قبله، (وأعطى كلّ سائل) ، فإنه كان أجود ما يكون في

стр. 1507

وكان ﷺ إذا دخل [شهر] رمضان شدّ مئزره، ثمّ لم يأت فراشه حتّى ينسلخ. وكان ﷺ إذا دخل رمضان.. تغيّر لونه، وكثرت صلاته، وابتهل في الدّعاء، وأشفق لونه؛ أي: تغيّر وصار كلون الشّفق. وكان ﷺ إذا دخل العشر رمضان. وفيه ندب العتق في رمضان، والتوسعة على الفقراء والمساكين. (و) أخرج البيهقي في «شعب الإيمان» بإسناد حسن؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان) رسول الله ﷺ إذا دخل [شهر] رمضان شدّ مئزره) بكسر الميم-: إزاره، وهو كناية عن الاجتهاد في العبادة واعتزال النساء (ثمّ لم يأت فراشه) أي: غالب الليل (حتّى ينسلخ) ؛ أي: يمضي. (و) أخرج البيهقي في «شعب الإيمان» - بسند فيه عبد الباقي بن قانع، قال الذهبي فيه: قال الدارقطني: يخطئ كثيرا. انتهى- عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان) رسول الله ﷺ إذا دخل) شهر (رمضان، تغيّر لونه) إلى الصفرة، أو الحمرة؛ خوفا من عدم الوفاء بحقّ العبودية فيه، وهو تعليم لأمّته، ولأنه على قدر علم المرء يعظم خوفه. (وكثرت صلاته، وابتهل) أي: اجتهد (في الدّعاء، وأشفق لونه) أخصّ مما قبله؛ لخصوص هذا بالحمرة؛ كما قال: (أي: تغيّر) لونه (وصار) في الحمرة (كلون الشّفق) الأحمر. (و) أخرج الشيخان في «الصوم» ، وأبو داود؛ والنسائي في (الصلاة) ، وابن ماجه في (الصوم) : كلّهم؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان) رسول الله ﷺ إذا دخل العشر) - زاد في رواية ابن أبي شيبة-

стр. 1508

الأخير من رمضان.. شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله. وكان ﷺ إذا كان مقيما.. اعتكف العشر الأواخر من رمضان، وإذا سافر.. اعتكف من العام المقبل عشرين. (الأخير من رمضان) - والمراد الليالي- (شدّ مئزره) . قال القاضي: المئزر: الإزار، ونظيره ملحف ولحاف، وشدّه كناية عن التشمير والاجتهاد، أراد به الجدّ في الطاعة، أو كناية عن اعتزال النساء وتجنّب غشيانهنّ، (وأحيا ليله) : أي: ترك النوم الذي هو أخو الموت وتعبّد معظم الليل؛ لا كله، بقرينة خبر عائشة «ما علمته قام ليلة حتّى الصباح» ، فلا ينافي ذلك ما عليه الشافعية من كراهة قيام الليل كلّه. (وأيقظ أهله) ؛ أي: زوجاته المعتكفات معه في المسجد، واللّاتي في بيوتهن إذا دخلها لحاجة؛ أي: يوقظهنّ للصلاة والعبادة، فيسنّ إيقاظ من وثق بقيامه للتهجّد. (و) أخرج الإمام أحمد- بسند حسن؛ كما في العزيزي- عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا كان مقيما اعتكف العشر الأواخر من رمضان) ؛ طلبا لليلة القدر، لأنّها محصورة فيها عند إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه وأرضاه. (وإذا سافر اعتكف من العام المقبل عشرين) : العشر الوسطى بدل ما فاته في السفر، والعشر الأخيرة على عادته. وفيه أنّ فائت الاعتكاف يقضى؛ أي: يشرع قضاؤه. (و) أخرج البيهقي في «شعب الإيمان» ، وابن عساكر في «تاريخه» ، وأبو نعيم في «الحلية» ، والبزار: كلّهم من حديث زائدة بن أبي الرقاد؛ عن زياد النّميري؛ عن أنس بن مالك.

стр. 1509

وكان ﷺ إذا كانت ليلة الجمعة.. قال: «هذه ليلة غرّاء، ويوم أزهر» . وكان ﷺ إذا جاء الشّتاء.. دخل البيت ليلة الجمعة، وإذا جاء الصّيف.. خرج ليلة الجمعة. قال العزيزيّ: الظّاهر أنّ المراد ... قال النووي في «الأذكار» : إسناده ضعيف، وقال البيهقيّ: تفرّد به زياد النميري، وعنه زائدة بن أبي الرقاد، وقال البخاري: زائدة عن زياد منكر الحديث وجهّله جماعة، وجزم الذهبي في «الضعفاء» بأنه منكر الحديث؛ قاله المناوي. ولفظ الحديث- كما في «الجامع الصغير» -: (كان) رسول الله ﷺ إذا دخل رجب؛ قال: «اللهمّ؛ بارك لنا في رجب وشعبان؛ وبلّغنا رمضان» . وكان (إذا كانت) ؛ أي: وجدت (ليلة الجمعة؛ قال: «هذه ليلة غرّاء) - ك «حمراء» ؛ أي: سعيدة صبيحة مضيئة- (ويوم أزهر» ) ؛ أي: يومها يوم أزهر، أي: نيّر مشرق، ولذا طلب فيه أعمال صالحة كالكهف، وكذا ليلتها، وكثرة الصلاة والسلام عليه ﷺ . (و) أخرج الخطيب في «تاريخه» في ترجمة الربيع «حاجب المنصور» ، وابن عساكر في «تاريخه» ؛ كلاهما عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما- وهو من رواية الربيع المذكور عن الخليفة المنصور؛ عن أبيه؛ عن جدّه. وبه عرف حال السند- قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا جاء الشّتاء) ؛ أي: زمن الشتاء (دخل البيت ليلة الجمعة، وإذا جاء الصّيف) ؛ أي: زمن الصيف (خرج ليلة الجمعة) ، وتمام الحديث: وإذا لبس ثوبا جديدا حمد الله وصلّى ركعتين، وكسا الخلق. (قال) المناويّ: يحتمل أنّ المراد بيت الاعتكاف، ويحتمل أنّ المراد بالبيت: الكعبة. وقال العلامة علي بن أحمد (العزيزيّ) في كتابه «السّراج المنير شرح الجامع الصغير» : (الظّاهر أنّ المراد) بالدخول والخروج في الزمنين:

стр. 1510

ما اعتاده النّاس من دخولهم البيوت في الشّتاء، والخروج منها في الصّيف. (ما اعتاده النّاس من دخولهم البيوت في) زمن (الشّتاء) للكنّ من البرد، (والخروج منها) ؛ أي: البيوت (في) زمن (الصّيف) إلى المحلّ الذي هو أعلى الدار مثلا؛ الذي يقال له «السطوح» لكونه مكشوفا، أو الخروج إلى فناء الدار المكشوف أمامها مثلا؛ كما يقع في بعض البلدان، ولذا عبّر ب «دخل» المناسب للكنّ وب «خرج» المناسب للكشف، ويكون ابتداء الخروج والدخول ليلة الجمعة، أشار إلى ذلك الحفني.

стр. 1511

[الفصل الثّاني في بعض أذكار وأدعية كان يقولها ﷺ في أوقات مخصوصة] الفصل الثّاني في بعض أذكار وأدعية كان يقولها ﷺ في أوقات مخصوصة كان رسول الله ﷺ إذا سأل الله تعالى.. جعل باطن كفّيه ... الفصل الثّاني) ؛ من الباب السابع (في) ذكر (بعض أذكار) جمع ذكر؛ وهو- لغة-: كلّ مذكور. وشرعا-: قول سيق لثناء؛ أو دعاء، وقد يستعمل شرعا لكلّ قول يثاب قائله؛ قاله ابن حجر في «التحفة» . (و) في ذكر بعض (أدعية) ؛ جمع: دعاء، وهو: الطلب على سبيل التضرّع، وهو أفضل من تركه عند جمهور العلماء، وهو من أعظم العبادات. (كان يقولها) أي: هذه الأذكار والأدعية النبيّ ﷺ في أوقات) وحالات (مخصوصة) ك: عند الكرب، وعند الخروج من بيته، وفي الصباح والمساء ... ونحو ذلك. أخرج الإمام أحمد- بسند فيه ابن لهيعة، وقال الهيثمي: رواه أحمد مرسلا بإسناد حسن، وفيه إيذان بضعف هذا المتصل المرويّ- عن السائب بن خلّاد رضي الله تعالى عنه؛ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا سأل الله تعالى) خيرا (جعل باطن كفّيه) بالتثنية- وفي

стр. 1512

إليه، وإذا استعاذ.. جعل ظاهرهما إليه. وكان ﷺ إذا أصابته شدّة فدعا.. رفع يديه حتّى يرى بياض إبطيه. نسخة بالإفراد- (إليه، وإذا استعاذ) من شرّ (جعل ظاهرهما إليه) ؛ لدفع ما يتصوّره من مقابلة العذاب والشرّ، فيجعل يديه كالتّرس الواقي عن المكروه، ولما فيه من التفاؤل بردّ البلاء؛ قاله المناوي. (و) أخرج أبو يعلى بإسناد حسن؛ عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا أصابته شدّة) - بالتشديد ك: عدّة- (فدعا) في الصلاة برفع الشّدّة (رفع يديه) حال الدعاء، ففيه أنّه يندب رفع اليدين حال الدعاء، إذ قد ورد عن النبي ﷺ أنّه رفع يديه حال الدّعاء في مواطن كثيرة، وعلى ذلك قول بعضهم: رفع اليدين سنّة حال الدّعا ... فدع لمن يتركه مبتدعا فخمسة وأربعون أثرا ... فيه أتت عن أحمد خير الورى فيها الضّعيف والصّحيح والحسن ... فليس من يتركه على سنن «١» قال المناوي: وحكمة الرفع: اعتياد العرب رفعهما عند الخضوع في المسألة؛ والذّلّة بين يدي المسؤل، وعند استعظام الأمر، والداعي جدير بذلك لتوجّهه بين يدي أعظم العظماء. ومن ثمّ ندب الرفع عند تكبيرة الإحرام، والركوع، والرفع منه، والقيام من التشهد الأول؛ إشعارا بأنه ينبغي أن يستحضر عظمة من هو بين يديه حتى يقبل بكليّته عليه. انتهى. فكان ﷺ يرفع يديه (حتّى يرى) - بالبناء للمجهول- (بياض إبطيه) ؛ أي: لو كان بلا ثوب لرئي، أو كان ثوبه واسعا فيرى بالفعل، وذكر بعض الشافعية أنّه لم يكن بإبطيه شعر. قال في «المهمات» : وبياض الإبط كان من خواصّه ﷺ ، وأما

стр. 1513

وكان ﷺ إذا رفع يديه في الدّعاء.. لم يحطّهما حتّى يمسح بهما وجهه. وكان ﷺ إذا ذكر أحدا فدعا له.. بدأ بنفسه. إبط غيره!! فأسود لما فيه من الشعر، وردّه الحافظ الزين العراقي بأن ذلك لم يثبت، والخصائص لا تثبت بالاحتمال، ولا يلزم من بياض إبطه ألايكون له شعر، فإنّ الشعر إذا نتف بقي المكان أبيض؛ وإن بقي فيه آثار الشعر. انتهى. (و) أخرج الترمذي في «الدعوات» وقال: صحيح غريب، لكن جزم النووي في «الأذكار» بضعف سنده. وأخرجه أيضا الحاكم: كلاهما؛ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا رفع يديه في الدّعاء لم يحطّهما حتّى يمسح بهما وجهه) ؛ تفاؤلا بحصول المراد. قال المناوي في «شرح الجامع» : ففعل ذلك سنّة كما جرى عليه جمع شافعية؛ منهم النووي في «التحقيق» ؛ تمسّكا بعدّة أخبار هذا منها، وهي؛ وإن ضعفت أسانيدها؛ تقوّت باجتماعها، فقوله في «المجموع» «لا يندب» ؛ تبعا لابن عبد السلام، وقال: لا يفعله إلّا جاهل!! في حيّز المنع. انتهى كلام المناوي. لكن قال الحفني: هذا المسح في غير الصلاة، أمّا في الصلاة! فلا يطلب المسح أصلا. انتهى. وكأنّ فيه جمعا بين القولين. والله أعلم. (و) أخرج أصحاب السنن الثلاثة، وابن حبّان، والحاكم؛ عن أبيّ بن كعب رضي الله تعالى عنه- وقال الترمذي: حسن صحيح، والحاكم: صحيح- قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا ذكر أحدا فدعا له) بخير (بدأ بنفسه) ؛ ثمّ ثنّى بغيره، ثم عمّم؛ اتباعا لملّة أبيه إبراهيم، فتتأكّد المحافظة على ذلك وعدم الغافلة عنه، وإن كان لا أحد أعظم من الوالدين، ولا أكبر حقّا على المؤمن منهما، ومع

стр. 1514

وكان ﷺ إذا دعا لرجل.. أصابته الدّعوة، وولده وولد ولده. وكان ﷺ أكثر دعائه: «يا مقلّب القلوب؛ ثبّت قلبي على دينك» ، فقيل له في ذلك؟ قال: «إنّه ليس آدميّ إلّا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله؛ فمن شاء.. أقام، ومن شاء.. أزاغ» . ذلك قدّم الدعاء للنفس عليهما في القرآن في غير موضع، فغيرهما أولى. انتهى مناوي على «الجامع» . (و) أخرج الإمام أحمد؛ عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما- قال العلقمي بجانبه علامة الصحة- قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا دعا لرجل؛ أصابته الدّعوة، و) أصابت (ولده وولد ولده) ؛ أي: ذريته؛ أي: استجيب دعاؤه للرجل وذريته من بعده، وسكت عمّا لو دعا عليه!! لأنه قد سأل الله تعالى أن يجعل دعاءه رحمة على المدعوّ عليه. (و) أخرج الترمذي- بسند فيه شهر بن حوشب؛ كما قال الهيثمي- عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان) رسول الله ﷺ أكثر دعائه: «يا مقلّب القلوب) - المراد: تقليب أعراضها وأحوالها؛ لا ذواتها- (ثبّت قلبي على دينك» ) - بكسر الدال- وهذا تعليم للأمّة، وإلّا! فقلبه ثابت ودائم له ذلك لعصمته. (فقيل له في ذلك!!) - يعني: قالت له أمّ سلمة لما رأته يكثر ذلك: إن القلوب لتتقلب؟!. (قال: «إنّه ليس آدميّ إلّا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله) يقلّبه الله كيف يشاء- (فمن شاء أقام) - قلبه على الدين الحقّ- (ومن شاء أزاغ» ) قلبه، أي: أماله إلى الدين الباطل. قال المناويّ على «الجامع» : وتمامه عند الإمام أحمد: «فنسأل الله أن لّا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأل الله أنّ يهب لنا من لدنه رحمة؛ إنّه هو الوهّاب» . انتهى.

стр. 1515

وكان ﷺ أكثر دعوة يدعو بها: «ربنا؛ آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنا عَذابَ النَّارِ» . قال الغزالي: إنّما كان ذلك أكثر دعائه! لاطّلاعه على عظيم صنيع الله تعالى في عجائب القلب؛ وتقلّبه، فإنّه هدف يصاب على الدوام من كلّ جانب، فإذا أصابه شيء وتأثّر؛ أصابه من جانب آخر ما يضادّه فيغيّر وصفه. وعجيب صنع الله في تقلّبه لا يهتدي إليه إلّا المراقبون بقلوبهم، والمراعون لأحوالهم مع الله تعالى. وقال ابن عربي: تقليب الله القلوب هو ما خلق فيها من الهمّ بالحسن والهمّ بالسوء. فلما كان الإنسان يحسّ بترادف الخواطر المتعارضة عليه في قلبه الذي هو عبارة عن تقليب الحقّ، وهذا لا يقتدر الإنسان على دفعه؛ كان ذلك أكثر دعائه. يشير إلى سرعة التقليب من الإيمان إلى الكفر وما تحتهما فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) [الشمس] وهذا قاله للتشريع والتعليم. انتهى. (و) أخرج الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه؛ قال صهيب: سأل قتادة أنسا: أيّ دعوة كان يدعو بها النبي ﷺ أكثر؟!. قال: (كان) رسول الله ﷺ أكثر دعوة يدعو بها: ربّنا) بإحسانك (آتنا في الدّنيا) حالة (حسنة) لنتوصّل بها إلى الآخرة على ما يرضيك. قال الحرالي: هي الكفاف من مطعم ومشرب وملبس ومأوى وزوجة؛ لا سرف فيها. (وفي الآخرة حسنة) من رحمتك التي تدخلنا بها جنّتك، (وقنا عذاب النّار» ) بعفوك وغفرانك. قال الطيبي: إنما كان يكثر من هذا الدعاء!! لأنه من الجوامع التي تحوز جميع الخيرات الدنيوية والآخروية. وبيان ذلك: أنّه كرّر الحسنة؛ ونكّرها: تنويعا، وقد تقرّر في علم المعاني: أنّ النكرة إذا أعيدت كانت الثانية غير الأولى، فالمطلوب في الأولى: الحسنات الدنيوية من الاستعانة والتوفيق والوسائل التي بها

стр. 1516

وكان ﷺ يتعوّذ من جهد البلاء، ودرك الشّقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء. وكان ﷺ يتعوّذ من خمس: من الجبن، والبخل، ... اكتساب الطاعات والمبرّات، بحيث تكون مقبولة عند الله تعالى، والمطلوب في الثانية: ما يترتّب من الثواب والرضوان في العقبى. وقوله «وقنا عذاب النّار» تتميم، أي: إن صدر منا ما يوجبها من التقصير والعصيان؛ فاعف عنا، وقنا عذاب النار. فحقّ لذلك أن يكثر من هذا الدعاء. قال قتادة: وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها. انتهى. كذا قرّره المناوي على «الجامع» رحمه الله تعالى. (و) أخرج البخاريّ، ومسلم، والنسائي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ يتعوّذ من جهد) - بفتح الجيم وضمّها-: مشقّة (البلاء) - بالفتح والمد، ويجوز الكسر مع القصر- (ودرك) - بفتح الدال والراء وتسكّن-؛ وهو: الإدراك واللّحاق (الشّقاء) - بمعجمة ثم قاف-: الهلاك، ويطلق على الأمر الشاقّ المؤدّي إلى الهلاك (وسوء القضاء) ؛ أي: المقضي، والّا! فحكم الله كلّه حسن لا سوء فيه، (وشماتة الأعداء) : فرحهم ببليّة تنزل بالمعادي تنكأ القلب، أو تبلغ من النفس أشدّ مبلغ. وقد أجمع العلماء في كلّ عصر ومصر على ندب الاستعاذة من هذه الأشياء، وردّوا على من شذّ من الزهّاد؛ قاله المناوي على «الجامع» . (و) أخرج أبو داود في «الصلاة» ، والنسائي في «الاستعاذة» ، وابن ماجه في «الدعاء» - وسكت عليه أبو داود-: كلّهم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (كان) رسول الله ﷺ يتعوّذ من خمس؛ من ١- الجبن) - بضم الجيم وسكون الموحدة-؛ هو البخل بالنفس خوفا من الموت، فلا يقاتل الأعداء. (و ٢- البخل) ؛ أي: منع بذل الفضل لا سيما للمحتاج، وحبّ الجمع والادّخار.

стр. 1517

وسوء العمر، وفتنة الصّدر، وعذاب القبر. وكان يتعوّذ من الجانّ، وعين الإنسان.. حتّى نزلت المعوّذتان، فأخذ بهما وترك ما سواهما. (و ٣- سوء العمر) ؛ أي: عدم البركة فيه، بأن يخلّ بالواجبات ولا يصرفه في الطاعات: من بارك الله له في عمره ... أدرك في مديدة من برّه ما لم تكن تحصره العباره ... ولم تكد تلحقه الإشاره (و ٤- فتنة الصّدر) - بفتح الصاد وسكون الدال المهملتين- أي: القلب، أي: الأمور القبيحة التي تكون في القلب؛ كالحقد، والكبر، والغلّ، والحسد، والعقيدة الزائغة. وهذا تعليم للأمة، وإلّا! فهو ﷺ معصوم من ذلك. (و ٥- عذاب القبر» ) أي: التعذيب فيه بنحو ضرب، أو نار، أو غيرهما على ما وقع التقصير فيه من المأمورات أو المنهيّات، والقصد بذلك تعليم الأمّة كيف يتعوّذون. (و) أخرج الترمذي- وقال: حسن غريب- والنسائي، وابن ماجه، والضياء في «المختارة» ؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه. أنّ النبي ﷺ (كان يتعوّذ من الجانّ) ، أي: يقول: «أعوذ بالله من الجانّ (وعين الإنسان) ، من: ناس ينوس إذا تحرّك، وذلك يشترك فيه الجنّ والإنس، وعين كلّ ناظر (حتّى نزلت المعوّذتان فأخذ بهما وترك ما سواهما) ؛ أي: ممّا كان يتعوّذ به من الكلام غير القرآن، لما ثبت أنّه كان يرقي بالفاتحة، وفيهما الاستعاذة بالله، فكان يرقي بها تارة، ويرقي بالمعوّذتين أخرى؛ لما تضمّنتاه من الاستعاذة من كلّ مكروه، إذ الاستعاذة من شرّ ما خلق تعمّ كلّ شرّ يستعاذ منه في الأشباح والأرواح، والاستعاذة من شر الغاسق- وهو الليل وآفته؛ أو القمر إذا غاب- يتضمّن الاستعاذة من شرّ ما ينتشر فيه من الأرواح الخبيثة، والاستعاذة من شرّ

стр. 1518

وكان ﷺ يتعوّذ من موت الفجاءة، وكان يعجبه أن يمرض قبل أن يموت. وكان ﷺ إذا أصبح وإذا أمسى.. يدعو بهذه الدّعوات: « (اللهمّ؛ إنّي أسألك من فجاءة الخير، ... النفّاثات تتضمّن الاستعاذة من شرّ السواحر وسحرهنّ، والاستعاذة من شرّ الحاسد تتضمّن الاستعاذة من شرّ النفوس الخبيثة المؤذية. والسورة الثانية تتضمّن الاستعاذة من شرّ الإنس والجنّ. فجمعت السورتان الاستعاذة من كل شرّ، فكانتا جديرتين بالأخذ بهما وترك ما عداهما. قال ابن حجر: هذا لا يدلّ على المنع من التعوّذ بغير هاتين السورتين، بل يدلّ على الأولوية؛ لا سيما مع ثبوت التعوّذ بغيرهما. وإنما اكتفى بهما!! لما اشتملتا عليه من جوامع الكلم، والاستعاذة من كلّ مكروه جملة وتفصيلا؛ قاله المناوي على «الجامع» . (و) أخرج الطبراني في «الكبير» ؛ عن أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ يتعوّذ من موت الفجاءة) - بالضمّ والمدّ، و [الفجأة] يفتح ويقصر: البغتة-. (وكان يعجبه أن يمرض قبل أن يموت) ، وقد وقع ذلك، فإنه مرض في ثاني ربيع الأول؛ أو ثامنه؛ أو عاشره، ثمّ امتدّ مرضه اثني عشر يوما. (و) أخرج أبو يعلى، وابن السنّي- بإسناد حسن؛ كما في العزيزي- عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا أصبح وإذا أمسى) ؛ أي إذا دخل في الصباح والمساء (يدعو بهذه الدّعوات: «اللهمّ؛ إنّي أسألك من فجاءة الخير) - بضم

стр. 1519

وأعوذ بك من فجاءة الشّرّ) ؛ فإنّ العبد لا يدري ما يفجؤه إذا أصبح وإذا أمسى» . وكان ﷺ إذا أصبح وإذا أمسى.. قال: «أصبحنا على فطرة ... الفاء والمد- كذا الرواية؛ وإن صحّ القصر في لغة؛ على وزان «تمرة» أي: من الخير الذي يأتي بغتة، ويقال مثل ذلك فيما بعد؛ قاله الحفني. (وأعوذ بك من فجاءة الشّرّ) . هذا آخر الدعاء. قال ابن القيّم: من جرّب هذا الدعاء عرف قدر فضله، وظهر له جموم «١» نفعه، وهو يمنع وصول أثر العائن، ويدفعه بعد وصوله؛ بحسب قوة إيمان العبد القائل وقوّة نفسه واستعداده وقوّة توكّله وثبات قلبه، فإنّه سلاح والسلاح يضارب به. انتهى، ذكره المناوي؛ على «الجامع» . وأما قوله (فإنّ العبد لا يدري ما يفجؤه إذا أصبح وإذا أمسى» ) ، فإنّما هو بيان منه ﷺ لوجه طلب الدعاء، فلا يقوله الداعي؛ بل يقتصر على حدّ «من فجاءة الشرّ» ، فمن قال ذلك حفظ من بغتة الشرّ إلى المساء أو الصباح. (و) أخرج الإمام أحمد، والطبراني في «الكبير» ، والنسائي في «اليوم والليلة» ، وابن السنّي في «اليوم والليلة» -؛ وقال النووي في «الأذكار» : إسناده صحيح، وقال العراقي في «المغني» : إسناده صحيح، وقال الحافظ الهيثمي: رجال أحمد والطبراني رجال الصحيح-: كلهم؛ من طريق عبد الرحمن بن أبزى- بفتح الهمزة وسكون الموحدة وبالزاي وألف مقصورة- الخزاعي مولى نافع بن عبد الحارث- مختلف في صحبته- قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا أصبح وإذا أمسى؛ قال: «أصبحنا على فطرة)

стр. 1520

الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبيّنا محمّد ﷺ ، وملّة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين» . - بكسر الفاء- (الإسلام) ؛ أي: دينه الحق، وقد ترد الفطرة بمعنى السّنّة. (وكلمة الإخلاص) ، هي كلمة الشهادة، (ودين نبيّنا محمّد ﷺ ، الظاهر أنّه قال [ذلك] تعليما لغيره. ويحتمل أنّه جرّد من نفسه نفسا يخاطبها. قال ابن عبد السلام في «أماليه» : و «على» في مثل هذا تدلّ على الاستقرار والتمكّن من ذلك المعنى، لأن الجسم إذا علا شيئا تمكّن منه واستقرّ عليه، ومنه أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [٥/ البقرة] . قال النووي في «الأذكار» : لعله ﷺ قال ذلك جهرا ليسمعه غيره؛ فيتعلّمه منه. انتهى مناوي على «الجامع» . (وملّة أبينا إبراهيم) الخليل (حنيفا) : مائلا إلى الدين المستقيم، (مسلما؛ وما كان من المشركين» ) . قال العلقمي في «شرح الجامع الصغير» : قال شيخنا- يعني السيوطي-: فائدة؛ وهي عزيزة النقل: فرع أوّل المساء: من الزوال. ذكره الفقهاء عند كلامهم على كراهة السّواك للصائم بعد الزوال، أما الصباح!! فقلّ من تعرّض له، وطالما فحصت عنه!! إلى أن وقفت عليه في ذيل «فصيح ثعلب» للعلّامة موفق الدين البغدادي قال: الصباح عند العرب: من نصف الليل الأخير إلى الزوال، ثم المساء إلى آخر نصف الليل الأول. انتهى ما نقله. قلت: ومن فوائده أنه يشرع ذكر الألفاظ الواردة في الأذكار المتعلّقة بالصباح والمساء، وهذا واضح في «الأذكار» التي فيها ذكر المساء والصباح، أمّا التي فيها ذكر اليوم والليلة!! فلا يتأتّى فيها ذلك إذ أوّل اليوم شرعا من طلوع الفجر، والليل من غروب الشمس. انتهى. وقال ابن حجر في «شرح المشكاة» - بعد كلام الموفّق-: والظاهر أنّ المراد في الأحاديث بالمساء: أوائل الليل، وبالصباح: أوائل النهار.

стр. 1521

......... ثم رأيتني في «شرح سيد الاستغفار» ذكرت لذلك زيادة؛ وهي قوله: ومن إطلاقه المساء على ما ذكر- أي: من غروب شمس اليوم، والصباح على ما يأتي، أي: طلوع الفجر- يؤخذ ما قرّرناه سابقا أنّ الأذكار المقيّدة بالصباح والمساء ليس المراد منها حقيقتهما من نصف الليل إلى الزوال في الأول، ومنه إلى نصف الليل في الثاني؛ كما نقل عن ثعلب! وإنما المراد بهما العرف: من أوائل النهار في الأول، وآخره في الثاني. ويؤيّده أنّ ابن أمّ مكتوم الأعمى مؤذّن رسول الله ﷺ كان لا يؤذّن الأذان الثاني الذي هو علامة على الفجر الصادق حتى يقال له «أصبحت ... أصبحت» . وفي الصباح ابتداؤه من هذا الوقت وما قرب منه؛ لا من نصف الليل، وشروع الأذان منه عندنا لا يدلّ على أنّه من حينئذ لا يسمّى «صباحا» . انتهى. وسبقه لذلك ابن الجزري؛ فقال: من قال «إنّ ذكر المساء يدخل بالزوال» ؛ فكيف يعمل في قوله «أسألك خير هذه اللّيلة وما بعدها» !! وهل تدخل الليلة إلّا بالغروب!؟ انتهى. وسبقه أيضا لذلك العلامة الرداد؛ وزاد بيان آخر الوقت في كلّ منهما؛ فقال في «موجبات الرحمة وعزائم المغفرة» : وقت أذكار الصباح: من طلوع الفجر إلى أن تكون الشمس من ناحية المشرق كهيئتها من ناحية المغرب عند العصر، ووقت أذكار المساء: من بعد صلاة العصر إلى المغرب إلى أن يمضي ثلث الليل أو نصفه. والله أعلم. وقال ابن حجر في «شرح المشكاة» ؛ في الكلام على حديث عثمان «ما من عبد يقول في صباح كلّ يوم ومساء كلّ ليلة ... » الخ. قال «ثمّ» في صباح ومساء، وحين يصبح وحين يمسي أنّه لو قال أثناء النهار؛ أو الليل لا تحصل له تلك الفائدة، وعظيم بركة الذكر يقتضي الحصول. انتهى. ذكر جميع ذلك الشيخ العلامة محمد بن علي بن علّان الصديقي في «شرح الأذكار» رحمه الله تعالى آمين.

стр. 1522

وكان ﷺ إذا أصابه غمّ أو كرب.. يقول: «حسبي الرّبّ من العباد، حسبي الخالق من المخلوقين، حسبي الرّازق من المرزوقين، حسبي الّذي هو حسبي، حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله لا إله إلّا هو عليه توكّلت وهو ربّ العرش العظيم» . وكان ﷺ إذا أهمّه الأمر.. رفع رأسه إلى السّماء (و) أخرج أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب «الفرج بعد الشدة» ؛ من طريق الخليل بن مرّة الضبعي؛ عن فقيه أهل الأردن بلاغا؛ أي قال: بلغنا عن رسول الله ﷺ أنّه (كان ﷺ إذا أصابه غمّ) ؛ أي: حزن، سمّي به!! لأنه يغطّي السرور. (أو كرب) أي: همّ (يقول: «حسبي الرّبّ من العباد) أي: كافيني من شرّهم- (حسبي الخالق من المخلوقين، حسبي الرّازق من المرزوقين، حسبي الّذي هو حسبي ... حسبي الله ونعم الوكيل) - أي: نعم من يفوّض له الأمر هو- (حسبي الله؛ لا إله إلّا هو عليه توكّلت وهو ربّ العرش العظيم» ) الذي ضمّني إليه وقرّبني منه، ووعدني بالجميل والرجوع إليه. قال الحكيم: قد جعل الله في كلّ موطن سببا وعدة لقطع ما يحدث فيه من النوائب، فمن أعرض عن السبب والعدة ضرب عنه صفحا، ومن اغتنى بالله كافيا وحسيبا وأعرض عما سواه؛ وقال «حسبي الله» عند كل موطن؛ ومن كلّ أحد كفاه الله، وكان عند ظنّه؛ إذ هو عبد تعلّق بربّه، ومن تعلّق به لم يخيّبه، وكان في تلك المواطن محفوظا، فإذا ردّد العبد هذه الكلمات بإخلاص عند الكرب نفعته نفعا عظيما، وكنّ له شفيعا إلى الله تعالى في كفايته شرّ الخلق، ورزقه من حيث لا يحتسب، وكان الله بكل خير إليه أسرع. انتهى. (و) أخرج الترمذي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا أهمّه الأمر رفع رأسه إلى السّماء) ، لأنها قبلة

стр. 1523

وقال: «سبحان الله العظيم» ، وإذا اجتهد في الدّعاء.. قال: «يا حيّ يا قيّوم» . وكان ﷺ إذا نزل به همّ أو غمّ.. قال: «يا حيّ يا قيّوم؛ برحمتك أستغيث» . الدعاء؛ (وقال: «سبحان الله العظيم» ، وإذا اجتهد في الدّعاء قال: «يا حيّ يا قيّوم» ) . أخذ منه أنه الاسم الأعظم، والراجح أنه لفظ «الله» . وعدم الاستجابة فورا! لنقص في الدعاء. و «قيّوم» من أبنية المبالغة، ومعنى القيوم: القائم بمصالح عباده. وأخذ الحليمي من الخبر أنّه يندب أن يدعو الله بأسمائه الحسنى، قال: ولا يدعوه بما لا يخلص ثناء؛ وإن كان في نفسه حقا. (و) أخرج الحاكم في «المستدرك» في «الدعاء» ؛ عن وضّاح؛ عن النضر بن إسماعيل البجلي؛ عن عبد الرحمن بن إسحاق؛ عن القاسم بن عبد الرحمن؛ عن أبيه؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه- وقال الحاكم: صحيح. وردّه الذهبي؛ بأن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه!! وعبد الرحمن ومن بعده ليسوا بحجة!!. انتهى. ذكره المناوي؛ على «الجامع» - قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا نزل به همّ أو غمّ؛ قال: «يا حيّ يا قيّوم؛ برحمتك أستغيث» ) : أستعين وأستنصر، يقال: أغاثه الله: أعانه ونصره، وأغاثه الله برحمته: كشف شدّته. وقد روى هذا الحديث الترمذيّ؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه بلفظ: إذا كربه أمر؛ قال: «يا حيّ يا قيّوم؛ برحمتك استغيث» . قال المناوي على «الجامع» : في تأثير هذا الدعاء في دفع هذا الهمّ والغمّ مناسبة بديعة، فإن صفة الحياة متضمّنة لجميع صفات الكمال؛ مستلزمة لها،

стр. 1524

وكان ﷺ يدعو عند الكرب: «لا إله إلّا الله العظيم الحليم، لا إله إلّا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلّا الله ربّ السّماوات السّبع وربّ الأرض وربّ العرش الكريم» . وصفة القيّوميّة متضمّنة لجميع صفات الأفعال. ولهذا قيل: إن الاسم الأعظم هو «الحي القيوم» ، والحياة التامّة تضادّ جميع الآلام والأجسام الجسمانية والروحانية، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم همّ ولا غمّ، ونقصان الحياة يضرّ بالأفعال وينافي القيومية. فكمال القيومية بكمال الحياة، فالحيّ المطلق التامّ الحياة لا يفوته صفة كمال البتّة. والقيّوم لا يتعذّر عليه فعل ممكن البتة، فالتوسّل بصفة الحياة والقيومية له تأثير في إزالة ما يضادّ الحياة ويغيّر الأفعال؛ فاستبان أن لاسم «الحيّ القيّوم» تأثيرا خاصّا في كشف الكرب وإجابة الدعاء. انتهى. (و) أخرج الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه؛ كلهم في (الدعوات) ؛ عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (كان) رسول الله ﷺ يدعو عند الكرب) ؛ أي: عند حلوله يقول: ( «لا إله إلّا الله العظيم) : الذي لا شيء يعظم عليه، (الحليم) : الذي يؤخّر العقوبة مع القدرة، (لا إله إلّا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلّا الله ربّ السّماوات السّبع وربّ الأرض، وربّ العرش الكريم» ) روي برفع «العظيم» و «الكريم» على أنهما نعتان ل «ربّ» ، والثابت في رواية الجمهور: الجرّ نعت العرش. قال المناوي في «شرح الجامع» : هذا دعاء جليل ينبغي الاعتناء به، والإكثار منه عند العظائم؛ فيه التهليل المشتمل على التوحيد، وهو أصل التنزيهات الجلالية، والعظمة الدالّة على تمام القدرة، والحلم الدالّ على العلم، إذ الجاهل لا يتصوّر منه حلم ولا كرم، وهما أصل الأوصاف الإكرامية. قال الإمام ابن جرير: كان السلف يدعون به ويسمّونه «دعاء الكرب» ؛ وهو؛

стр. 1525

وكان ﷺ إذا راعه شيء.. قال: «الله.. الله ربّي لا شريك له» . وكان ﷺ إذا أراد أمرا.. قال: «اللهمّ؛ خرلي واختر لي» . وإن كان ذكرا! لكنه بمنزلة الدعاء، لخبر: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السّائل» . فائدة: قال ابن بطّال؛ عن أبي بكر الرازي: كنت بإصبهان عند أبي نعيم، وهناك شيخ يسمى «أبا بكر» عليه مدار الفتيا، فسعي به عند السلطان فسجن، فرأيت المصطفى ﷺ في المنام وجبريل عن يمينه؛ يحرّك شفتيه بالتسبيح لا يفتر، فقال لي المصطفى ﷺ : قل لأبي بكر يدعو ب «دعاء الكرب» الذي في «صحيح البخاري» حتى يفرّج الله عنه، فأصحبت فأخبرته، فدعا به؛ فلم يكن إلّا قليلا حتى أخرج. والمدار على صدق النية. انتهى. (و) أخرج النسائي- بسند حسن؛ كما في العزيزي، لكن قال المناوي: فيه سهل بن هاشم الشامي؛ قال في «الميزان» عن الأزدي: منكر الحديث، ثم ساق له هذا الخبر، وقال أبو داود: هو فوق الثقة لكن يخطئ في الأحاديث. انتهى عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا راعه شيء) من الرّوع: الفزع والخوف، أي: إذا أفزعه شيء؛ (قال «الله ... الله؛ ربّي لا شريك له» ) أي: لا مشارك له في ملكه، وهذا تعليم للأمّة، فيسنّ قول ذلك عند الفزع والخوف. (و) أخرج الترمذي- بسند ضعيف؛ كما قال ابن حجر والنووي- عن أبي بكر الصّديق رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا أراد أمرا) ؛ أي: فعل أمر من الأمور؛ (قال: «اللهمّ؛ خر لي) - أي: فوّضت أمري إليك أن تختار لي ما فيه خير، وتدفع عني ما فيه شرّ- ( «واختر لي» ) . أصلح الأمرين واجعل لي الخيرة

стр. 1526

وكان ﷺ إذا نزل به أمر.. فوّض الأمر فيه إلى الله ، وتبرّأ من الحول والقوّة، وسأله الهدى واتّباعه، وسأله البعد عن الضّلالة. وكان ﷺ إذا جاءه أمر يسرّ به.. خرّ ساجدا شكرا لله تعالى. فيه؛ أي: إذا كان الأمران خيرا فاختر لي الأكثر خيرا منهما، فالخيرات كلّها من خيرته، والصفوة من الخيرات مختاره، فلا تكرار. (و) في «كشف الغمة» للعارف الشعراني رحمه الله تعالى: (كان ﷺ إذا نزل به أمر) أي: هجم عليه حزن أو همّ؛ (فوّض الأمر فيه إلى الله ؛ أي: ردّه إليه وجعله الحاكم فيه، (وتبرّأ من الحول والقوّة) إلى حول الله وقوّته، (وسأله الهدى) إلى الصراط المستقيم؛ صراط الذين أنعم الله عليهم (واتّباعه) ، وأطلق «الهدى» !! ليتناول كلّ ما ينبغي أن يهدى إليه من أمر المعاش والمعاد ومكارم الأخلاق، (وسأله البعد عن الضّلالة) أي: الهلاك بعدم التوفيق للرشاد، وهذا تشريع وتعليم للأمّة ما ينفعها. (و) أخرج الترمذيّ في آخر «الجهاد» - وقال: حسن غريب؛ لا يعرف إلّا من هذا الوجه- وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم في «الصلاة» ؛ كلّهم من حديث بكّار بن عبد العزيز بن أبي بكرة؛ عن أبيه؛ عن جدّه: أبي بكرة رضي الله تعالى عنه- قال الحاكم: وبكّار صدوق، وللخبر شواهد. وقال عبد الحق: فيه بكار؛ وليس بقويّ. وقال ابن القطّان: لكنه مشهور مستور، وقد عهد قبول المستورين. انتهى مناوي على «الجامع» . وقال العزيزي: إنّه حديث حسن لغيره، - قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا جاءه) - لفظ رواية الحاكم: «إذا أتاه» - (أمر) أي: أمر عظيم كما يفيده التنكير (يسرّ به) أي: بغتة، فلا يسنّ سجود الشكر لكلّ نعمة كدوام العافية والجاه، وإلّا! لزم استغراق العمر في سجود الشكر. وقوله (خرّ ساجدا شكرا لله تعالى) ؛ أي: سقط على الفور هاويا إلى إيقاع سجدة الشكر لله تعالى؛ على ما أحدث له من السرور، فسجدة الشكر سنّة عند حدوث نعمة، وكذا عند اندفاع نقمة، والسجود أقصى حالة العبد في التواضع لربّه؛ وهو: أن

стр. 1527

وكان ﷺ إذا خرج من بيته.. قال: «باسم الله، التّكلان على الله، لا حول ولا قوّة إلّا بالله» . رواه أبو هريرة ... يضع مكارم وجهه بالأرض، وينكّس جوارحه. وهكذا يليق بالمؤمن كلّما زاده ربّه محبوبا ازداد له تذلّلا وافتقارا، فبه ترتبط النعمة ويجتلب المزيد لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [٧/ إبراهيم] . والمصطفى ﷺ أشكر الخلق للحقّ لعظم يقينه؛ فكان يفزع إلى السجود. وفيه ١- حجّة للشافعي في ندب سجود الشكر عند حدوث سرور؛ أو دفع بلية. ٢- وردّ على أبي حنيفة في عدم ندبه. وقوله «لو ألزم العبد بالسجود لكلّ نعمة متجدّدة كان عليه ألايغافل عن السجود طرفة عين، فإنّ أعظم النعم نعمة الحياة؛ وهي متجدّدة بتجدّد الأنفاس» . وردّ بأن المراد سرور يحصل عند هجوم نعمة ينتظر أن يفجأ بها مما يندر وقوعه، ومن ثمّ قيّدها في الحديث بالمجيء على الاستعارة؛ قاله المناوي على «الجامع» رحمه الله تعالى. (وكان) رسول الله ﷺ إذا خرج من بيته؛ قال: «باسم الله) أي: أعتصم، زاد الغزالي في «الإحياء» : «الرّحمن الرّحيم» ، (التّكلان) - بضم التاء: الاعتماد- (على الله، لا حول ولا قوّة إلّا بالله» ) ؛ أي: لا تحوّل لنا عن المعصية، ولا قوّة لنا على الطاعة إلّا بتيسير الله وإقداره. قال الحفني على «الجامع» : وقد ورد أنّ الشخص إذا خرج إلى السفر؛ فقال أوّل توجّهه: «بسم الله الرّحمن الرّحيم توكّلت على الله» ، وقرأ آية الكرسي؛ كان محفوظا في سفره إلى أن يرجع إلى محلّه. وإنّما أمر الشخص بقول ذلك عند الخروج من منزله!! لأن مخالطة الناس ربّما توقع فيما لا يليق. انتهى. وهذا الحديث (رواه أبو هريرة) : عبد الرحمن بن صخر اليماني الدّوسي

стр. 1528

رضي الله تعالى عنه. وكان ﷺ إذا خرج من بيته.. قال: «باسم الله، توكّلت على الله، اللهمّ؛ إنّا نعوذ بك من أن نزلّ أو نضلّ، أو نظلم أو نظلم، أو نجهل أو يجهل علينا» . روته أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها. (رضي الله تعالى عنه) فيما أخرجه ابن ماجه وابن السّنّي، والحاكم- وفي العزيزي: قال الشيخ: حديث حسن، لكن قال المناوي؛ عن العراقي: فيه ضعف انتهى-: (وكان) رسول الله ﷺ إذا خرج من بيته؛ قال: «باسم الله، توكّلت على الله) ؛ أي: اعتمدت عليه في جميع أموري، (اللهمّ؛ إنّا نعوذ بك من أن نزلّ) بفتح النون وكسر الزاي-، من الزّلل؛ أي: من أن نقع في معصية. (أو نضلّ) - بفتح النون وكسر الضاد المعجمة- عن الحق؛ من الضلالة. (أو نظلم) - بفتح النون وكسر اللام- (أو نظلم) - بضم النون وفتح اللام- (أو نجهل) - بفتح النون- على أحد. (أو يجهل) - بضم الياء- (علينا» ) أي: أن نفعل بغيرنا ما يضرّه؛ أو يفعل بنا غيرنا ما يضرّنا. والقصد من ذلك تعليم الأمة، وإلّا! فهو ﷺ معصوم من الظلم والجهل وغيرهما. (روته أمّ سلمة) زوج النبي ﷺ ، وتقدّمت ترجمتها (رضي الله تعالى عنها) ؛ فيما أخرجه عنها الترمذي في «الدعوات» ، وابن السنّي، والنسائي في «الاستعاذة» لكن ليس في لفظه «توكّلت على الله» !!. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. وقال في «رياض الصالحين» : حديث صحيح؛ رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بأسانيد صحيحة. انتهى. (و) أخرج أبو داود بإسناد جيّد- كما في «الأذكار» ، وفي العزيزي: إنه حديث حسن- عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنهما قال:

стр. 1529

وكان ﷺ إذا دخل المسجد.. قال: «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم؛ من الشّيطان الرّجيم» . وقال: «إذا قال ذلك.. حفظ منه سائر اليوم» . وكان ﷺ إذا دخل المسجد.. يقول: «باسم الله، والسّلام على رسول الله، اللهمّ؛ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي ... (كان) رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد؛ قال) حال شروعه في دخوله: ( «أعوذ بالله العظيم) أي: ألوذ بملاذه، وألجأ إليه مستجيرا به، (وبوجهه الكريم) أي: ذاته، إذ الوجه يعبّر به: ١- عن الذات بشهادة كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [٨٨/ القصص] أي: ذاته، و ٢- عن الجهة؛ كما في قوله فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [١١٥/ البقرة] أي: جهته؛ قاله المناوي على «الجامع» . (وسلطانه القديم) على جميع الخلائق قهرا وغلبة (من الشّيطان الرّجيم» ) أي: المرجوم. (وقال) أي: النبي ﷺ : ( «إذا قال) ؛ أي: ابن آدم (ذلك؛ حفظ منه) ؛ أي: من الشيطان؛ أي: من وسوسته (سائر اليوم» ) أي: جميع ذلك اليوم الذي يقول فيه هذا الذكر. (وكان) رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد؛ يقول: «باسم الله، والسّلام على رسول الله) أبرز اسمه الميمون على سبيل التجريد عند ذكره، التجاء إلى منصب الرسالة، ومنزل النبوة!! تعظيما لشأنها كأنّه غيره امتثالا لأمر الله في قوله إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [٥٦/ الأحزاب] . قاله المناوي؛ على «الجامع» . (اللهمّ؛ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك» ، وإذا خرج؛ قال: «باسم الله، والسّلام على رسول الله، اللهمّ؛ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي

стр. 1530

أبواب فضلك» . روته فاطمة الزّهراء رضي الله تعالى عنها. أبواب فضلك» ) . خصّ الرحمة بالدخول؛ والفضل بالخروج!! لأنّ من دخل اشتغل بما يزلفه إلى الله تعالى وثوابه؛ فناسب ذكر الرحمة، فإذا خرج انتشر في الأرض ابتغاء فضل الله من الرزق؛ فناسب ذكر الفضل. وطلب المغفرة في هذا الخبر تشريع لأمّته، لأن الإنسان محلّ التقصير في سائر الأحيان؛ قاله المناوي، على «الجامع» . (روته) البضعة الطاهرة (فاطمة) بنت رسول الله ﷺ ، وأشبه الناس به، سيّدة نساء العالمين، ولقبها (الزّهراء) !! قيل: لأنها لم تحض أصلا، ولقبها «البتول» !! لتبتّلها؛ أي: انقطاعها إلى الله . ولدت قبل النبوة بخمس سنين، روى الدولابي: أن العبّاس دخل على عليّ وفاطمة وهما يتراجعان في مواليدهما؛ فقال العباس: ولدت يا علي قبل بناء الكعبة بسنوات، وولدت فاطمة وهي تبنى. وقيل: ولدت سنة إحدى وأربعين من مولد النبي ﷺ . وتزوّجها في السنة الثانية من الهجرة. قيل: ولها يومئذ خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصف، ولعليّ يومئذ إحدى وعشرون سنة وخمسة أشهر. وكان تزوّجها في صفر، وبنى بها في ذي الحجة بعد وقعة أحد، ولم يتزوّج عليّ غيرها حتّى ماتت؛ كأمّها خديجة مع النبي ﷺ . واشتهر أن عليّا أصدقها درعه التي منحه النبي ﷺ ؛ وتسمّى «الحطميّة» وقيل: أصدقها أربعمائة مثقال فضة، واشتهر في كتب الحديث أنّ النبي ﷺ لم يزد في صداق بناته وأزواجه على خمسمائة درهم. وحضر عقدها جماعة من النبلاء، ودعا ﷺ برطب وزبيب؛ وقال «انتهبوا» .

стр. 1531

......... وروي أنّه خطبها قبل علي جمع من الصحابة، وأنّ تزويجها من عليّ كان بوحي من الله، ودعا لهما النبي ﷺ حين اجتمعا؛ وقال: «جمع الله شملكما، وسعد جدّكما وبارك عليكما، وأخرج منكما كثيرا طيّبا» . قال جابر: ﵄؛ فوالله؛ لقد أخرج الله منهما الكثير الطيّب.. ولدت الحسن والحسين، قيل: ومحسن، وأم كلثوم، وزينب. وتوفيت رضي الله تعالى عنها بعد النبي ﷺ بستّة أشهر، وقيل: بثمانية أشهر. وقيل غير ذلك؛ ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة- ١١- إحدى عشرة. واختلف في سنّها يوم وفاتها!! فقيل: ثمان وقيل: تسع وعشرون، وقيل: ثلاثون، وقيل: خمس وثلاثون. وقطع الحافظ ابن حجر أنّها ماتت؛ وقد جاوزت العشرين بقليل، والخلاف في عمرها بحسب الخلاف في ميلادها. وغسّلها عليّ وأسماء بنت عميس، وكانت أوصتها بذلك؛ وقالت لها: يا أسماء! إني أستقبح أن يطرح على المرأة ثوب وتحمل على النعش كالرجل، فوصفت لها أسماء فعل أهل الحبشة، ودعت بجرائد رطبة فأرتها ذلك، فأوصتها أن يعمل لها مثله، فهي أوّل من غطّي نعشه. ودفنت ليلا، وتولّى ذلك عليّ والعبّاس وأخفي قبرها. وذكر ابن عبد البرّ: أن الحسن دفن إلى جنب أمّه. انتهى. وقبر الحسن معروف في قبّة واحدة هو والعبّاس بن عبد المطلب. ويؤيّد ذلك ما ذكره المحبّ الطبري في «تاريخ المدينة المنورة» : أنّ الشيخ أبا العباس المرسيّ كان يسلّم على فاطمة أمام قبّة العباس، ويذكر أنّه كشف له عن قبرها ثمّ. ذكر هذه الترجمة الشيخ محمد بن علي بن علّان الصدّيقي المكي في «شرح الأذكار» رحمه الله تعالى، و (رضي الله تعالى عنها) فيما أخرجه عنها الإمام أحمد، وابن ماجه، والطبراني. قال مغلطاي: حديث فاطمة هذا حسن، لكن إسناده ليس بمتّصل. انتهى؛

стр. 1532

وكان ﷺ إذا دخل المسجد.. قال: «باسم الله، اللهمّ؛ صلّ على محمّد، وأزواج محمّد» . رواه أنس رضي الله تعالى عنه. وكان ﷺ إذا دخل السّوق.. قال: «باسم الله، اللهمّ؛ إنّي أسألك من خير هذه السّوق وخير ما فيها، نقله المناوي؛ على «الجامع» رحمه الله تعالى. (وكان) رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد؛ قال: «باسم الله، الّلهمّ؛ صلّ على محمّد، وأزواج محمّد» ) ، أورده المصنف عقب ما تقدّم!! إشعارا بندب الصلاة على النبي ﷺ وأزواجه كما يشرع السلام عليه أيضا عند دخول المسجد، لأنّه محلّ الذكر. (رواه أنس رضي الله تعالى عنه) فيما أخرجه ابن السّنّي في كتاب «عمل اليوم والليلة» بدون ذكر الأزواج. قال السخاوي: وفي سنده من لا يعرف. قال النووي في «الأذكار» : وروينا الصلاة على النبي ﷺ عند دخول المسجد والخروج منه، من رواية ابن عمر أيضا. انتهى كلامه. (و) أخرج الطبراني في «الكبير» ، والحاكم في «المستدرك» في «باب الدعاء» بإسناد ضعيف: كلاهما؛ عن بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنهما قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا دخل السّوق) أي: أراد دخولها؛ (قال) عند الأخذ فيه: « (باسم الله) - ادخلها- (اللهمّ؛ إنّي أسألك من خير هذه السّوق) بضمّ المهملة، مؤنّث سماعي وقد يذكّر؛ كما أشار إليه الكرماني. سمّيت بذلك!! لسوق البضائع إليها، وقيل: لقيام الناس فيها على سوقهم؛ جمع ساق، وقيل: لتصاكك السّوق فيها من الازدحام-. (وخير ما فيها) - مما ينتفع به من الأمور الدنيوية، ويستعان به على القيام بوظائف العبودية، وللوسائل حكم المقاصد-.

стр. 1533

وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما فيها، اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك أن أصيب يمينا فاجرة، أو صفقة خاسرة» . وكان ﷺ إذا دخل الخلاء ... (وأعوذ بك من شرّها) في ذاتها؛ أو مكانها لكونها مكان إبليس. (وشرّ ما فيها) أي: من شر ما خلق ووقع فيها، وسيق إليها مما يشغل عن ذكر الربّ سبحانه، أو مخالفة من غشّ، أو خيانة، أو ارتكاب عقد فاسد ... وأمثال ذلك. وقد ورد أن الشيطان يدخل السوق مع أول داخل؛ ويخرج مع آخر خارج. (اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك أن أصيب فيها يمينا فاجرة) ؛ أي: حلفا كاذبا، (أو صفقة خاسرة» ) ، أي: عقدا فيه خسارة دنيوية؛ أو دينية، وذكرهما تخصيص بعد تعميم، لكونهما أهمّ، ووقوعهما أغلب. قال المناوي على «الجامع» : وإنما سأل خيرها واستعاذ من شرّها!! لاستيلاء الغافلة على قلوب أهلها حتّى اتخذوا الأيمان الكاذبة شعارا، والخديعة بين المتبايعين دثارا، فأتى بهذه الكلمات ليخرج من حال الغافلة. فيندب لمن دخل السوق أن يحافظ على قول هذا الذكر، فإذا نطق الرجل بهذه الكلمات؛ كان فيه تحرّزا عمّا يكون من أهل الغافلة فيها، وهذا مؤذن بمشروعية دخول السوق، أي: إذا لم يكن فيه حال الدخول معصية كالصّاغة، وإلّا! حرم. انتهى. (و) أخرج ابن السنّي في «عمل اليوم والليلة» ؛ من طريق إسماعيل بن رافع؛ عن دريد بن نافع؛ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما- وقال المنذري: هذا حديث ضعيف. وقال العراقي: إسماعيل مختلف فيه، ورواية دريد بن نافع عن ابن عمر منقطعة، وفي العزيزي: إنّ هذا الحديث حسن لغيره قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا دخل) أي: أراد أن يدخل (الخلاء) أصله المحلّ

стр. 1534

قال: «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من الرّجس النّجس، الخبيث المخبث، الشّيطان الرّجيم» . وإذا خرج.. قال: «الحمد لله الّذي أذاقني لذّته، وأبقى فيّ قوّته، وأذهب عنّي أذاه» . الذي لا أحد به، ويطلق على المعدّ لقضاء الحاجة، ويكنّى به عن إخراج الفضلة المعهودة، قال الوليّ العراقيّ: والأوّلان حقيقيان، والثالث مجازي. قال: فيحتمل أن المراد في الحديث الأول؛ ويوافقه أن الإتيان بهذا الذكر لا يختصّ بالبنيان عند الفقهاء. وأن المراد الثاني؛ ويوافقه لفظ «الدخول» . انتهى. نقله المناوي على «الجامع» . (قال) عند شروعه في الدخول: ( «الّلهمّ؛ إنّي أعوذ) أي: ألوذ وألتجئ (بك من الرّجس النّجس) - قال العلقمي: بكسر الراء والنون وسكون الجيم فيهما، لأنه من باب الإتباع؛ وهو أنواع. فمنه: إتباع حركة فاء كلمة حركة فاء أخرى، لكونها قرنت معها. وسكون عين كلمة لسكون عين كلمة أخرى، أو حركتها كذلك. انتهى؛ نقله العزيزي-. (الخبيث) في نفسه (المخبث) لغيره- بضمّ الميم فسكون الخاء المعجمة؛ فكسر الموحدة- أي: الذي يوقع الناس في الخبائث والنجاسات الحسيّة والمعنوية؛ أي: يفرح بوقوعهم فيها (الشّيطان الرّجيم» ) ؛ أي: المرجوم. (وإذا خرج؛ قال: «الحمد لله الّذي أذاقني لذّته) - أي: المأكول والمشروب- (وأبقى فيّ) - بتشديد الياء- (قوّته، وأذهب عنّي أذاه» ) بإذهاب فضلته. وخصّ هذا الدعاء بالخارج من الخلاء!! للتوبة من تقصيره في شكر النعمتين المنعم على العبد بهما، وهما: ١- ما أطعمه ثم هضمه ثم سهّل خروج الأذى منه. و ٢- أبقى فيه قوّة ذلك.

стр. 1535

وكان ﷺ إذا دخل الجبّانة.. يقول: «السّلام عليكم أيّتها الأرواح الفانية، والأبدان البالية، والعظام النّخرة الّتي خرجت من الدّنيا وهي بالله مؤمنة، اللهمّ؛ أدخل عليهم روحا منك وسلاما منّا» . (و) أخرج ابن السّنّي في «عمل اليوم والليلة» ؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا دخل الجبّانة) - بالجيم والموحدة المشدّدة المفتوحتين-: محلّ الدفن. سمّي به!! لأنه يجبن ويفزع عند رؤيته، ويذكر الحلول فيه. وقال ابن الأثير: الجبّانة الصحراء، وتسمّى بها المقابر!! لأنها تكون في الصحراء؛ تسمية للشيء باسم موضعه. ذكره المناوي؛ على «الجامع» . (يقول: «السّلام عليكم أيّتها الأرواح الفانيّة) ؛ أي: الفاني أجسادها، إذ الأرواح لا تفنى، ولذا أتى بالجملة بعدها مفسّرة لذلك، أعني قوله: (والأبدان البالية) ؛ أي: في غير نحو الشهداء ممن لا تبلى أجسادهم؛ المنظومة في قول بعضهم: لا تأكل الأرض جسما للنّبيّ ولا ... لعالم وشهيد قتل معترك ولا لقارئ قرآن ومحتسب ... أذانه لإله مجري الفلك وزيد من صار صدّيقا كذلك من ... غدا محبّا لأجل الواحد الملك ومن يموت بطعن والرّباط ومن ... كثير ذكر وهذا أعظم النّسك (والعظام النّخرة) : المتفتّتة، تقول: نخر العظم نخرا من باب «تعب» : بلي وتفتّت؛ فهو نخر وناخر (الّتي خرجت) - صفة للأرواح- (من الدّنيا؛ وهي بالله) ؛ لا بغيره كما يؤذن به تقديم الجارّ والمجرور على قوله (مؤمنة) أي: مصدّقة موقنة. (اللهمّ؛ أدخل عليهم روحا) - بفتح الراء-؛ أي سعة واستراحة ورحمة (منك وسلاما منّا) .

стр. 1536

قوله: (الأرواح الفانية) أي: الفانية أجسادها. قال المناوي على «الجامع» : أي دعاء مقبولا، وأخذ ابن تيمية من مخاطبته للموتى أنّهم يسمعون، إذ لا يخاطب من لا يسمع، ولا يلزم منه أن يكون السمع دائما للميت، بل قد يسمع في حال؛ دون حال، كما يعرض للحيّ، فإنّه قد لا يسمع الخطاب لعارض، وهذا السمع سمع إدراك لا يترتّب عليه جزاء؛ ولا هو السمع المنفيّ في قوله إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى [٨٠/ النمل] ، إذ المراد به سمع قبول وامتثال أمر، ولذلك قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: سماع موتى كلام الخلق قاطبة ... جاءت به عندنا الآثار في الكتب وآية النّفي معناها سماع هدى ... لا يهتدون ولا يصغون للأدب قال الحفني: وفي رواية: «إنّ من دخل الجبّانة؛ فقال (السّلام عليكم ورحمة الله دار قوم مؤمنين، وإنّا إن شاء الله بكم لا حقون، الّلهمّ ربّ هذه الأرواح الفانية، والأجساد البالية، والعظام النّخرة، والجلود الممزّقة الّتي خرجت من الدّنيا وهي بك مؤمنة؛ أنزل عليها رحمة من عندك وسلاما منّي) غفر له بعدد من مات من لدن خلق آدم إلى أن تقوم السّاعة» . قال شيخنا: وهذا الغفران حاصل أيضا برواية المتن. انتهى كلام الحفني. وقال المناوي على «الجامع» : جاء في كثير من الروايات أنّه كان إذا وقف على القبور؛ قال: «السّلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون» . قال البطليوسي: وهنا مما استعملت فيه «إن» مكان «إذا» ، فإنّ كلّا منهما يستعمل مكان الآخر. انتهى. (قوله) في الحديث ( «الأرواح الفانية» ؛ أي: الفانية أجسادها) ، إذ الأرواح لا تفنى كما تقدّم، بل هي من الثمانية المستثناة في قول بعضهم: ثمانية حكم البقاء يعمّها ... من الهلك والباقون في حيّز العدم هي العرش والكرسيّ نار وجنّة ... وعجب وأرواح كذا الّلوح والقلم

стр. 1537

و (الرّوح) : السّعة. وكان ﷺ إذا مرّ بالمقابر.. قال: «السّلام عليكم أهل الدّيار من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، والصّالحين والصّالحات، وإنّا إن شاء الله بكم لا حقون» . (والرّوح) - بفتح الراء-؛ في قوله «روحا منك» المراد به: (السّعة) والاستراحة. (و) أخرج ابن السنّي- بإسناد ضعيف؛ كما قال الحافظ ابن حجر في «أمالي الأذكار» - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا مرّ بالمقابر) أي: مقابر المسلمين؛ (قال: «السّلام عليكم أهل الدّيار) - بحذف حرف النداء، وسمّيت القبور «ديارا» !! تشبيها لها بديار الأحياء في الدنيا، لاجتماع الموتى فيها وإقامتهم بها- (من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، والصّالحين والصّالحات، وإنّا إن شاء الله بكم لا حقون» ) أي: لا حقون بكم في الوفاة، وقيّد المشيئة!! للتبرّك والتفويض إلى الله تعالى. قال الخطّابي: وفيه أنّ السلام على الموتى كهو على الأحياء، خلاف ما كانت الجاهلية عليه. قال المناوي على «الجامع» : وقد ورد بمعنى هذا الحديث في «مسلم» ؛ فقال: كان يعلّمهم إذا خرجوا إلى المقابر «السّلام عليكم أهل الدّيار من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إن شاء الله بكم لا حقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» . وفي خبر الترمذي: كان إذا مرّ بقبور المدينة؛ قال: «السّلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا، ونحن بالأثر» . انتهى. (و) أخرج أبو داود وسكت عليه، - وأقرّه المنذري، وفي العزيزي: إن

стр. 1538

وكان ﷺ إذا فرغ من دفن الميت.. وقف عليه فقال: «استغفروا لأخيكم، وسلوا له التّثبيت؛ فإنّه الآن يسأل» . إسناده حسن. انتهى- وكذا رواه الحاكم والبزّار: كلّهم؛ عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا فرغ من دفن الميت) أي: المسلم. قال الطيبيّ: والتعريف للجنس، وهو قريب من النّكرات. (وقف عليه) أي: على قبره هو وأصحابه صفوفا؛ (فقال: «استغفروا لأخيكم) - في الإسلام- (وسلوا له التّثبيت) - أي: اطلبوا له من الله تعالى أن يثبّت لسانه وجنانه لجواب الملكين- (فإنّه الآن يسأل» ) - بضمّ أوّله-؛ أي: يسأله الملكان: منكر ونكير، فهو أحوج ما كان إلى الدعاء والاستغفار، وذلك لكمال رحمته ﷺ بأمّته، ونظره إلى الإحسان إلى ميتهم ومعاملته بما ينفعه في قبره ويوم معاده. قال الحكيم الترمذي: الوقوف على القبر وسؤال التثبيت للميت المؤمن في وقت دفنه مدد للميت بعد الصلاة، لأنّ الصلاة بجماعة المؤمنين كالعسكر له اجتمعوا بباب الملك يشفعون له، والوقوف على القبر بسؤال التثبيت مدد العسكر، وتلك ساعة شغل المؤمن، لأنّه يستقبله هول المطلع والسؤال وفتنته، فيأتيه منكر ونكير؛ وخلقهما لا يشبه خلق الآدميين، ولا الملائكة، ولا الطير، ولا البهائم، ولا الهوام، بل خلق بديع، وليس في خلقهما أنس للناظرين!! جعلهما الله مكرمة للمؤمن لتثبيته ونصرته، وهتكا لستر المنافق في البرزخ من قبل أن يبعث حتى يحلّ عليه العذاب. وإنما كان مكرمة للمؤمن!! لأن العدوّ لم ينقطع طمعه بعد، فهو يتخلّل السبيل إلى أن يجيء إليه في البرزخ، ولو لم يكن للشيطان عليه سبيل هناك؛ ما أمر رسول الله ﷺ بالدعاء بالتثبيت!!.

стр. 1539

......... وقال الإمام النووي: قال الشافعي والأصحاب: يسنّ عقب دفنه أن يقرأ عنده من القرآن، فإن ختموا القرآن كلّه فهو أحسن. قال: ويندب أن يقرأ على القبر بعد الدفن أوّل البقرة وخاتمتها. وقال المظهري: فيه دليل على أنّ الدعاء نافع للميت، وليس فيه دلالة على التلقين عند الدفن؛ كما هو العادة. لكن قال النووي: اتفق كثير من أصحابنا على ندبه!!. قال الآجرّيّ في «النصيحة» : يسنّ الوقوف بعد الدفن قليلا، والدعاء للميت مستقبل وجهه- بالثبات، فيقال «اللهمّ؛ هذا عبدك وأنت أعلم به منا، ولا نعلم منه إلّا خيرا، وقد أجلسته تسأله، اللهمّ؛ فثبّته بالقول الثابت في الآخرة كما ثبّتّه في الدنيا، اللهمّ؛ ارحمه وألحقه بنبيّه، ولا تضلّنا بعده، ولا تحرمنا أجره» ) . انتهى. ذكر ذلك كلّه المناويّ رحمه الله تعالى على «الجامع» . واستدلّ الشافعيّة على ندب التلقين بعد الدفن: بما رواه الطبراني في «الكبير» ؛ عن أبي أمامة ﵁ أنّه قال: إذا أنا متّ فاصنعوا بي كما أمر رسول الله ﷺ أن نصنع بموتانا: أمرنا رسول الله ﷺ ؛ فقال: «إذا مات أحد من إخوانكم فسوّيتم التّراب على قبره؛ فليقم أحدكم على رأس قبره، ثمّ ليقل يا فلان بن فلانة؛ فإنّه يسمعه ولا يجيب، ثمّ يقول يا فلان بن فلانة فإنّه يقول: أرشدنا رحمك الله!. ولكن لا تشعرون؛ فليقل أذكر ما كنت عليه في الدّنيا من شهادة أن لّا إله إلّا الله، وأنّ محمّدا عبده ورسوله، وأنّك رضيت بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمّد نبيّا، وبالقرآن إماما فإنّ منكرا ونكيرا يأخذ كلّ واحد منهما بيد صاحبه؛ فيقول: انطلق بنا، ما يقعدنا عند من لقّن حجّته!!» . فقال رجل: يا رسول الله؛ فإن لم يعرف أمّه!؟ قال: ينسبه إلى أمّه حواء: يا فلان بن حوّاء.

стр. 1540

وكان ﷺ إذا شيّع جنازة.. علا كربه، ... قال في «سبل السلام» للسيد محمد بن إسماعيل الأمير رحمه الله تعالى: قال الحافظ ابن حجر: إسناده صالح، لكن قال الهيثميّ بعد سياقه: أخرجه الطبراني في «الكبير» ، وفي إسناده جماعة لم أعرفهم! وجزم ابن القيم في «الهدي» بوضع حديث التلقين. وأما في «كتاب الروح» !! فإنه جعل حديث التلقين من أدلّة سماع الميت لكلام الأحياء، وجعل اتصال العمل بحديث التلقين من غير نكير كافيا في العمل به، ولم يحكم له بالصحّة، بل قال في «كتاب الروح» : إنّه حديث ضعيف. قال السيد الصنعاني في «سبل السلام» : ويتحصّل من كلام أئمة التحقيق: أنّه حديث ضعيف، وبه جزم النووي- كما ذكره في «شرح الروض» - وقال: لكن أحاديث الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم، وقد اعتضد هذا الحديث بشواهد من الأحاديث الصحيحة؛ كحديث «اسألوا الله له التّثبيت» ، ووصية عمرو بن العاصي إذ قال حين حضرته الوفاة: فإذا دفنتموني فشنّوا علي التراب شنّا، ثمّ أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها؛ حتى أستأنس بكم وأعلم ماذا أراجع به رسل ربي. رواه مسلم. لكن في «سبل السلام» : إن قصة عمرو بن العاصي وحديث «اسألوا له التّثبيت» لا شهادة فيهما على التلقين. قال في «شرح الأذكار» للشيخ محمد بن علّان الصدّيقي المكي رحمه الله تعالى: وقد ألّف الحافظ السخاوي جزآ في التلقين نقل فيه عن أئمة من أئمة المذاهب الأربعة استحبابه؛ وأطال في ذلك، وتكلّم فيه على حديث التلقين وشواهده؛ وبلغ فيه بضعة عشر شاهدا. والله أعلم. (و) أخرج الحاكم في كتاب «الكنى والألقاب» ؛ عن عمران بن حصين ﵄ قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا شيّع جنازة علا كربه) - بفتح الكاف وسكون الراء بعدهما موحدة؛ هو ما يدهم المرء مما يأخذ بنفسه فيغمّه

стр. 1541

وأقلّ الكلام، وأكثر حديث نفسه. ويحزنه- (وأقلّ الكلام، وأكثر حديث نفسه) . تفكّرا في أهوال الموت وما بعده؛ من القبر والظلمة وأحوال القيامة، وما إليه المصير. ولعل مستند الراوي في ذلك إخباره ﷺ ، وإلّا! فهو أمر خفيّ لا يطّلع عليه. وقد أخرج هذا الحديث الطبراني في «الكبير» بسند فيه ابن لهيعة- عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما- بلفظ: كان إذا شهد جنازة رئيت عليه كابة، وأكثر حديث النفس. وأخرجه أيضا ابن المبارك وابن سعد في «الطبقات» ؛ عن عبد العزيز بن أبي رواد مرسلا بلفظ: كان إذا شهد جنازة أكثر الصّمات وأكثر حديث نفسه. قال المناوي في «شرح الجامع» : قال في «فتح القدير» : ويكره لمشيّع الجنازة رفع الصوت بالذكر والقراءة، ويذكر في نفسه. انتهى. وقال النووي في «الأذكار» : يستحبّ للماشي مع الجنازة أن يكون مشتغلا بذكر الله تعالى والفكر فيما يلقاه الميت، وما يكون مصيره، وحاصل ما كان فيه، وأنّ هذا آخر الدنيا، ومصير أهلها، وليحذر كلّ الحذر من الحديث بما لا فائدة فيه، فإنّ هذا وقت فكر وذكر يقبح فيه الغافلة واللهو، والاشتغال بالحديث الفارغ، فإنّ الكلام بما لا فائدة فيه منهيّ عنه في جميع الأحوال؛ فكيف في هذا الحال!! واعلم أنّ الصواب والمختار ما كان عليه السّلف ﵃ من السكوت في حال السّير مع الجنازة، فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك. قال ابن علّان في «شرح الأذكار» : لأن الصحابة كرهوا ذلك حينئذ. رواه البيهقي، وكره الحسن وغيره «استغفروا لأخيكم» ، ومن ثمّ قال ابن عمر لقائله: لا غفر الله لك. لكن رأيت السيد طاهر الأهدل نقل عن جدّه السيد حسين بن عبد الرحمن الأهدل ما لفظه:

стр. 1542

وكان ﷺ ينهى النّساء عن اتّباع الجنائز. اعلم أنّه؛ وإن كانت السّنّة السكوت؛ فقد اعتاد الناس كثرة الصلاة على النبي ﷺ ورفع أصواتهم بذلك، فلا ينبغي أن ينهوا عن ذلك؛ ويقال إنها بدعة مكروهة، فإنّ المكروه ما ورد فيه نهي مقصود، ولأن دواعيهم لا تتوفّر على السكوت، والفكر في أمر الموت، بل يفيضون في حديث الدنيا بأهلها فيقعون في محذور أعظم من الذي يحاوله الناهي، وقد قالوا: إنّ الناهي يترك النهي عن المنكر إذا لزم عليه الوقوع في منكر أقوى منه. انتهى. ونقله ابن زياد في «فتاويه» ؛ وقال بعد نقله: وقد جرت العادة في بلدنا «زبيد» بالجهر بالذكر أمام الجنازة بمحضر من العلماء والفقهاء والصلحاء، وقد عمّت البلوى بما شاهدناه من اشتغال غالب المشيّعين بالحديث الدنيوي، وربّما أدّاهم ذلك إلى الغيبة أو غيرها من الكلام المحرّم. فالذي أختاره أنّ شغل أسماعهم بالذكر المؤدّي إلى ترك الكلام وتقليله أولى من استرسالهم في الكلام الدنيوي؛ ارتكابا لأخفّ المفسدتين، كما هو القاعدة الشرعية، وسواء الذكر والتهليل وغيرهما من أنواع الذكر. والله اعلم. انتهى كلام «شرح الأذكار» . (و) في «كنوز الحقائق» ورمز له برمز ابن سعد في «الطبقات» : (كان) رسول الله ﷺ ينهى النّساء عن اتّباع الجنائز) . وقد أخرج الطبراني والبيهقي في «سننه» ؛ عن ابن عمر ﵄: «ليس للنّساء في اتّباع الجنائز أجر» . وأخرج الطبراني في «الكبير» ، والبزّار؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «ليس للنّساء في الجنازة نصيب» .

стр. 1543

وكان ﷺ إذا عزّى.. قال: «يرحمه الله ويؤجركم» . وفي «الصحيحين» ؛ عن أمّ عطيّة رضي الله تعالى عنها: نهينا عن اتباع الجنائز؛ ولم يعزم علينا. أي: نهيا غير محتّم، فهو نهي تنزيه يفيد الكراهة في حقّهنّ فقط. وأما ما رواه ابن ماجه وغيره مما يدلّ على التحريم!! فضعيف، ولو صحّ، حمل على ما يتضمّن حراما. أمّا اتباع الجنازة للرجال إلى أن تدفن!! فسنّة متأكّدة، لخبر: أمرنا رسول الله ﷺ باتباع الجنائز. (و) في «كنوز الحقائق» للمناوي؛ ورمز له برمز أبي نعيم في «الحلية» : (كان) رسول الله ﷺ إذا عزّى) التعزية معناها- لغة-: التصبير لمن أصيب بما يعزّ عليه. وقد يطلق على الصبر على المكروه. وشرعا-: الحمل على الصبر بوعد الأجر والتذكير بأن الأمور جميعها مرجعها لله تعالى، وأنّ له ما أخذ وما أعطى، والتحذير من الوزر بالجزع، والدعاء للميت المسلم بالمغفرة ... ونحو ذلك. وهي مستحبّة على سبيل التأكيد، فإنها مشتملة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي داخلة في قوله تعالى وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى [٢/ المائدة] . وثبت في «الصحيحين» ؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه من حديث طويل: أنّ رسول الله ﷺ قال: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» . وروى الترمذي والبيهقي في «سننه الكبرى» ؛ عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه؛ عن النبي ﷺ أنّه قال: «من عزّى مصابا فله مثل أجره» . وإسناده ضعيف، فلذلك كان ﵊ إذا عزّى (قال: «يرحمه الله) - أي: يرحم الله الميت- (ويؤجركم» ) معاشر الأقارب، ويدخل وقت التعزية من حين يموت، والتعزية بعد الدفن أفضل منها قبله، لأن أهل الميت مشغولون بتجهيزه. وتحصل التعزية بأيّ لفظ. واستحبّ الشافعية أن يقول:

стр. 1544

وكان ﷺ إذا هنّأ.. قال: «بارك الله لكم، وبارك عليكم» . ١- في تعزية المسلم بالمسلم «أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك، وغفر لميّتك» . و٢- في المسلم بالكافر «أعظم الله أجرك وأحسن عزاك» . و٣- في الكافر بالمسلم «أحسن الله عزاءك وغفر لميّتك» . و٤- في الكافر بالكافر «أخلف الله عليك» . وأحسن ما يعزّى به ما ثبت في «الصحيحين» ؛ عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما في حديث بنت النبي ﷺ التي أرسلت تدعوه وتخبره أنّ ابنا لها في الموت فقال للرسول: «ارجع إليها فأخبرها أنّ لله ما أخذ ولله ما أعطى، وكلّ شيء عنده بأجل مسمّى، فمرها فلتصبر ولتحتسب ... » وذكر تمام الحديث؛ قاله النووي رحمه الله تعالى. (و) في «كنوز الحقائق» ورمز له برمز ابن منيع؛ (كان) رسول الله ﷺ إذا هنّأ) - بالتشديد والهمزة آخره- والتهنئة: الدعاء بالهنا لمن فاز بخير ديني؛ أو دنيوي لا يضرّه في دينه؛ قاله في «شرح الأذكار» . (قال) في تهنئته ( «بارك الله لكم) - أي: كثّر لكم النموّ والإنعام والأمن من كلّ مؤذ في هذا الأمر المهم الذي يحتاج إلى الإمداد- (وبارك عليكم» ) أعاد العامل!! لزيادة الابتهال. قال الكرماني في أواخر «كتاب الدعوات» ؛ من «شرح البخاري» : أراد بقوله «بارك الله لك» اختصاص البركة، وبقوله «عليك» استعلاء عليه. انتهى. وهذا الذكر ورد الدعاء به للمتزوّج، فقد قال ﷺ لجابر بن عبد الله ﵄ حين أخبره أنّه تزوّج: «بارك الله لك وبارك عليك» أخرجه الشيخان، والترمذي، والنسائي عنه.

стр. 1545

وكان ﷺ إذا دخل على مريض يعوده.. قال: «لا بأس، طهور إن شاء الله تعالى» . قال النووي: وروّينا بالأسانيد الصحيحة في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه وغيرها؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ النبي ﷺ كان إذا رفّأ الإنسان إذا تزوّج، قال: «بارك الله لك وبارك عليك، وجمع بينكما في خير» . قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال المناوي: وأخرج النسائي، وابن ماجه؛ عن عقيل بن أبي طالب أنّه تزوّج بامرأة من بني جشم، وقالوا «بالرفاء والبنين» ؛ فقال: لا تقولوا هكذا، ولكن قولوا كما قال رسول الله ﷺ «بارك الله لهم وبارك عليهم» . وأخرج الحارث بن أبي أسامة، والطبراني في «الكبير» ؛ عن عقيل بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: إذا تزوّج أحدكم؛ فليقل له «بارك الله لك وبارك عليك» . قال المناوي على «الجامع» : وكانت عادة العرب إذا تزوّج أحدهم، قالوا له «بالرفاء والبنين» فنهى عن ذلك وأبدله بالدعاء المذكور. قال النووي: ويكره أن يقال «بالرفاء والبنين» لهذا الحديث. انتهى. وقد ألّف الحافظ السيوطي في هذا المعنى جزآ سمّاه «حصول الأماني بأصول التهاني» ، وأورد فيه أحاديث وأثارا في التهنئة بأحوال عالية وأزمنة فاضلة وأعمال كاملة وحوادث مسفرة. (وكان) رسول الله ﷺ إذا دخل على مريض يعوده، قال: «لا بأس) - أي: لا ضرر ولا مشقّة عليك هو- (طهور) - بفتح الطاء؛ أي مرضك مطهّر لك من ذنوبك- (إن شاء الله تعالى» ) . وذلك يدلّ على أن «طهور» دعاء لا خبر فيه. وفيه أنّه لا نقص على الإمام في عيادة بعض رعيّته؛ ولو أعرابيا جاهلا جافيا، ولا نقص على العالم في عيادة الجاهل ليعلّمه ويذكّره ما ينفعه، ويأمره بالصبر
следующие страницы →