← Сира

Сира · id 23683

منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول

عبد الله عبادى اللحجى

Полный текст (2 342 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وأقلّ الكلام، وأكثر حديث نفسه. ويحزنه- (وأقلّ الكلام، وأكثر حديث نفسه) . تفكّرا في أهوال الموت وما بعده؛ من القبر والظلمة وأحوال القيامة، وما إليه المصير. ولعل مستند الراوي في ذلك إخباره ﷺ ، وإلّا! فهو أمر خفيّ لا يطّلع عليه. وقد أخرج هذا الحديث الطبراني في «الكبير» بسند فيه ابن لهيعة- عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما- بلفظ: كان إذا شهد جنازة رئيت عليه كابة، وأكثر حديث النفس. وأخرجه أيضا ابن المبارك وابن سعد في «الطبقات» ؛ عن عبد العزيز بن أبي رواد مرسلا بلفظ: كان إذا شهد جنازة أكثر الصّمات وأكثر حديث نفسه. قال المناوي في «شرح الجامع» : قال في «فتح القدير» : ويكره لمشيّع الجنازة رفع الصوت بالذكر والقراءة، ويذكر في نفسه. انتهى. وقال النووي في «الأذكار» : يستحبّ للماشي مع الجنازة أن يكون مشتغلا بذكر الله تعالى والفكر فيما يلقاه الميت، وما يكون مصيره، وحاصل ما كان فيه، وأنّ هذا آخر الدنيا، ومصير أهلها، وليحذر كلّ الحذر من الحديث بما لا فائدة فيه، فإنّ هذا وقت فكر وذكر يقبح فيه الغافلة واللهو، والاشتغال بالحديث الفارغ، فإنّ الكلام بما لا فائدة فيه منهيّ عنه في جميع الأحوال؛ فكيف في هذا الحال!! واعلم أنّ الصواب والمختار ما كان عليه السّلف ﵃ من السكوت في حال السّير مع الجنازة، فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك. قال ابن علّان في «شرح الأذكار» : لأن الصحابة كرهوا ذلك حينئذ. رواه البيهقي، وكره الحسن وغيره «استغفروا لأخيكم» ، ومن ثمّ قال ابن عمر لقائله: لا غفر الله لك. لكن رأيت السيد طاهر الأهدل نقل عن جدّه السيد حسين بن عبد الرحمن الأهدل ما لفظه:

стр. 1542

وكان ﷺ ينهى النّساء عن اتّباع الجنائز. اعلم أنّه؛ وإن كانت السّنّة السكوت؛ فقد اعتاد الناس كثرة الصلاة على النبي ﷺ ورفع أصواتهم بذلك، فلا ينبغي أن ينهوا عن ذلك؛ ويقال إنها بدعة مكروهة، فإنّ المكروه ما ورد فيه نهي مقصود، ولأن دواعيهم لا تتوفّر على السكوت، والفكر في أمر الموت، بل يفيضون في حديث الدنيا بأهلها فيقعون في محذور أعظم من الذي يحاوله الناهي، وقد قالوا: إنّ الناهي يترك النهي عن المنكر إذا لزم عليه الوقوع في منكر أقوى منه. انتهى. ونقله ابن زياد في «فتاويه» ؛ وقال بعد نقله: وقد جرت العادة في بلدنا «زبيد» بالجهر بالذكر أمام الجنازة بمحضر من العلماء والفقهاء والصلحاء، وقد عمّت البلوى بما شاهدناه من اشتغال غالب المشيّعين بالحديث الدنيوي، وربّما أدّاهم ذلك إلى الغيبة أو غيرها من الكلام المحرّم. فالذي أختاره أنّ شغل أسماعهم بالذكر المؤدّي إلى ترك الكلام وتقليله أولى من استرسالهم في الكلام الدنيوي؛ ارتكابا لأخفّ المفسدتين، كما هو القاعدة الشرعية، وسواء الذكر والتهليل وغيرهما من أنواع الذكر. والله اعلم. انتهى كلام «شرح الأذكار» . (و) في «كنوز الحقائق» ورمز له برمز ابن سعد في «الطبقات» : (كان) رسول الله ﷺ ينهى النّساء عن اتّباع الجنائز) . وقد أخرج الطبراني والبيهقي في «سننه» ؛ عن ابن عمر ﵄: «ليس للنّساء في اتّباع الجنائز أجر» . وأخرج الطبراني في «الكبير» ، والبزّار؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «ليس للنّساء في الجنازة نصيب» .

стр. 1543

وكان ﷺ إذا عزّى.. قال: «يرحمه الله ويؤجركم» . وفي «الصحيحين» ؛ عن أمّ عطيّة رضي الله تعالى عنها: نهينا عن اتباع الجنائز؛ ولم يعزم علينا. أي: نهيا غير محتّم، فهو نهي تنزيه يفيد الكراهة في حقّهنّ فقط. وأما ما رواه ابن ماجه وغيره مما يدلّ على التحريم!! فضعيف، ولو صحّ، حمل على ما يتضمّن حراما. أمّا اتباع الجنازة للرجال إلى أن تدفن!! فسنّة متأكّدة، لخبر: أمرنا رسول الله ﷺ باتباع الجنائز. (و) في «كنوز الحقائق» للمناوي؛ ورمز له برمز أبي نعيم في «الحلية» : (كان) رسول الله ﷺ إذا عزّى) التعزية معناها- لغة-: التصبير لمن أصيب بما يعزّ عليه. وقد يطلق على الصبر على المكروه. وشرعا-: الحمل على الصبر بوعد الأجر والتذكير بأن الأمور جميعها مرجعها لله تعالى، وأنّ له ما أخذ وما أعطى، والتحذير من الوزر بالجزع، والدعاء للميت المسلم بالمغفرة ... ونحو ذلك. وهي مستحبّة على سبيل التأكيد، فإنها مشتملة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي داخلة في قوله تعالى وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى [٢/ المائدة] . وثبت في «الصحيحين» ؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه من حديث طويل: أنّ رسول الله ﷺ قال: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» . وروى الترمذي والبيهقي في «سننه الكبرى» ؛ عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه؛ عن النبي ﷺ أنّه قال: «من عزّى مصابا فله مثل أجره» . وإسناده ضعيف، فلذلك كان ﵊ إذا عزّى (قال: «يرحمه الله) - أي: يرحم الله الميت- (ويؤجركم» ) معاشر الأقارب، ويدخل وقت التعزية من حين يموت، والتعزية بعد الدفن أفضل منها قبله، لأن أهل الميت مشغولون بتجهيزه. وتحصل التعزية بأيّ لفظ. واستحبّ الشافعية أن يقول:

стр. 1544

وكان ﷺ إذا هنّأ.. قال: «بارك الله لكم، وبارك عليكم» . ١- في تعزية المسلم بالمسلم «أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك، وغفر لميّتك» . و٢- في المسلم بالكافر «أعظم الله أجرك وأحسن عزاك» . و٣- في الكافر بالمسلم «أحسن الله عزاءك وغفر لميّتك» . و٤- في الكافر بالكافر «أخلف الله عليك» . وأحسن ما يعزّى به ما ثبت في «الصحيحين» ؛ عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما في حديث بنت النبي ﷺ التي أرسلت تدعوه وتخبره أنّ ابنا لها في الموت فقال للرسول: «ارجع إليها فأخبرها أنّ لله ما أخذ ولله ما أعطى، وكلّ شيء عنده بأجل مسمّى، فمرها فلتصبر ولتحتسب ... » وذكر تمام الحديث؛ قاله النووي رحمه الله تعالى. (و) في «كنوز الحقائق» ورمز له برمز ابن منيع؛ (كان) رسول الله ﷺ إذا هنّأ) - بالتشديد والهمزة آخره- والتهنئة: الدعاء بالهنا لمن فاز بخير ديني؛ أو دنيوي لا يضرّه في دينه؛ قاله في «شرح الأذكار» . (قال) في تهنئته ( «بارك الله لكم) - أي: كثّر لكم النموّ والإنعام والأمن من كلّ مؤذ في هذا الأمر المهم الذي يحتاج إلى الإمداد- (وبارك عليكم» ) أعاد العامل!! لزيادة الابتهال. قال الكرماني في أواخر «كتاب الدعوات» ؛ من «شرح البخاري» : أراد بقوله «بارك الله لك» اختصاص البركة، وبقوله «عليك» استعلاء عليه. انتهى. وهذا الذكر ورد الدعاء به للمتزوّج، فقد قال ﷺ لجابر بن عبد الله ﵄ حين أخبره أنّه تزوّج: «بارك الله لك وبارك عليك» أخرجه الشيخان، والترمذي، والنسائي عنه.

стр. 1545

وكان ﷺ إذا دخل على مريض يعوده.. قال: «لا بأس، طهور إن شاء الله تعالى» . قال النووي: وروّينا بالأسانيد الصحيحة في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه وغيرها؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ النبي ﷺ كان إذا رفّأ الإنسان إذا تزوّج، قال: «بارك الله لك وبارك عليك، وجمع بينكما في خير» . قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال المناوي: وأخرج النسائي، وابن ماجه؛ عن عقيل بن أبي طالب أنّه تزوّج بامرأة من بني جشم، وقالوا «بالرفاء والبنين» ؛ فقال: لا تقولوا هكذا، ولكن قولوا كما قال رسول الله ﷺ «بارك الله لهم وبارك عليهم» . وأخرج الحارث بن أبي أسامة، والطبراني في «الكبير» ؛ عن عقيل بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: إذا تزوّج أحدكم؛ فليقل له «بارك الله لك وبارك عليك» . قال المناوي على «الجامع» : وكانت عادة العرب إذا تزوّج أحدهم، قالوا له «بالرفاء والبنين» فنهى عن ذلك وأبدله بالدعاء المذكور. قال النووي: ويكره أن يقال «بالرفاء والبنين» لهذا الحديث. انتهى. وقد ألّف الحافظ السيوطي في هذا المعنى جزآ سمّاه «حصول الأماني بأصول التهاني» ، وأورد فيه أحاديث وأثارا في التهنئة بأحوال عالية وأزمنة فاضلة وأعمال كاملة وحوادث مسفرة. (وكان) رسول الله ﷺ إذا دخل على مريض يعوده، قال: «لا بأس) - أي: لا ضرر ولا مشقّة عليك هو- (طهور) - بفتح الطاء؛ أي مرضك مطهّر لك من ذنوبك- (إن شاء الله تعالى» ) . وذلك يدلّ على أن «طهور» دعاء لا خبر فيه. وفيه أنّه لا نقص على الإمام في عيادة بعض رعيّته؛ ولو أعرابيا جاهلا جافيا، ولا نقص على العالم في عيادة الجاهل ليعلّمه ويذكّره ما ينفعه، ويأمره بالصبر

стр. 1546

وكان ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم.. قال: «اللهمّ؛ صلّ على آل فلان» . وكان ﷺ إذا أراد سفرا.. قال: ... ويسلّيه ... إلى غير ذلك مما يجبر خاطره وخاطر أهله. وهذا الحديث أخرجه البخاري في «الطب» وغيره؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: دخل النبي ﷺ على أعرابي يعوده؛ فقال: «لا بأس، طهور» . فقال الأعرابي: كلّا؛ بل هي حمّى تفور على شيخ كبير تزيره القبور. فقال النبي ﷺ : «فنعم؛ إذن» . (و) أخرج الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم في «الزكاة» ؛ عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه قال: (كان) النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم) أي: بزكاة أموالهم؛ (قال) امتثالا لقول ربه له وَصَلِّ عَلَيْهِمْ [١٠٣/ التوبة] : ( «اللهمّ؛ صلّ على آل فلان» ) كناية عمن ينسبون إليه، أي: زكّ أموالهم التي بذلوا زكاتها، واجعلها لهم طهورا، واخلف عليهم ما أخرجوه منها، واعطف عليهم بالرحمة، واغفر لهم؛ إنّك أنت الغفور الرحيم. وهذا من خصائصه ﵊؛ إذ يكره تنزيها إفراد الصلاة على غير نبي؛ أو ملك، لأنّه صار شعارا لهم إذا ذكروا، فلا يقال لغيرهم؛ وإن كان معناه صحيحا. وتمام الحديث عن ابن أبي أوفى؛ قال: فأتاه أبي بصدقته؛ فقال: «اللهمّ؛ صلّ على آل أبي أوفى» . (و) أخرج الإمام أحمد، والبزّار بسند رجاله ثقات؛ عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: (كان) النبي ﷺ إذا أراد سفرا) لغزو ... أو نحوه (قال) عند خروجه له:

стр. 1547

«اللهمّ؛ بك أصول، وبك أحول، وبك أسير» . وكان ﷺ إذا غزا.. قال: «اللهمّ؛ أنت عضدي، وأنت نصيري، بك أحول، وبك أصول، وبك أقاتل» . وكان ﷺ إذا قفل من غزو، أو حجّ، أو عمرة ... ( «اللهمّ؛ بك أصول) - أي: أسطو على العدو وأحمل عليه- (وبك أحول) أي: أتحوّل عن المعصية، أو أتحوّل وأنتقل عن مكاني؛ أي ذهابي إلى العدو إنما هو بقدرتك- (وبك أسير» ) إلى العدو فانصرني عليه. (و) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود في «الجهاد» ، والترمذي، وابن ماجه في «الدعوات» ، وابن حبان، والضياء المقدسي في «المختارة» بأسانيد صحيحة؛ كلّهم عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (كان) النبي ﷺ إذا غزا) ؛ أي: خرج للغزو (قال: «اللهمّ؛ أنت عضدي) - أي: معتمدي في جميع أموري، لا سيما في الحرب، فأنا أتقوّى بك كما يتقوّى الشخص بعضده- (وأنت نصيري) ؛- أي: كثير النصر على أعدائي. (بك أحول) - بحاء مهملة، من حال يحول، بمعنى: احتال، والمراد: كيد العدو- (وبك أصول) - بصاد مهملة؛ أي: أقهر. قال القاضي: الصّول: الحمل على العدو، ومنه الصائل- (وبك أقاتل» ) العدو. (و) أخرج الإمام مالك في «الموطأ» ، والإمام أحمد، والشيخان في «الحج» ، وأبو داود، والترمذي في «الجهاد» ؛ كلّهم عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال: (كان) النبي ﷺ إذا قفل) - بقاف ثم فاء- أي: رجع وزنا ومعنى، ومنه القافلة؛ أي: الراجعة (من غزو؛ أو حجّ؛ أو عمرة) . قال الحافظ في «الفتح» : ظاهره اختصاص الذكر الآتي بهذه الأمور الثلاثة،

стр. 1548

يكبّر على كلّ شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثمّ يقول: «لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، ... وليس الحكم كذلك عند الجمهور، بل يشرع قول ذلك في كلّ سفر إذا كان سفر طاعة؛ وإن كان المسافر فيه لا ثواب له، فلا يمتنع عليه فعل ما يحصل له الثواب من غيره، وهذا التعليل متعقّب، لأن الذي يخصّه بسفر الطاعة لا يمنع من سافر في مباح أو معصية من الإكثار من ذكر الله تعالى، وإنّما النزاع في خصوص استحباب هذا الذكر بسفر الطاعة، فذهب قوم إلى الاختصاص لكونه عبادة مخصوصة شرع له ذكر مخصوص، فيختصّ به كالذكر المأثور عقب الأذان والصلاة، وإنما اقتصر الصحابيّ على الثلاث!! لانحصار سفره ﷺ فيها. انتهى. (يكبّر على كلّ شرف) - بفتحتين: مكان عال- (من الأرض ثلاث تكبيرات) . هذا غاية ما كان يقول ﷺ ، فالتقييد بالثلاث لبيان الواقع؛ لا للاختصاص، فإنّ الزيادة على الثلاث زيادة خير. قال الطيبيّ: وجه التكبير على الأماكن العالية هو ندب الذكر عند تجدّد الأحوال والتقلّبات، وكان المصطفى ﷺ يراعي ذلك في الزمان والمكان. انتهى. وقال الحافظ العراقي: مناسبة التكبير على المرتفع: أنّ الاستعلاء محبوب للنفس، وفيه ظهور وغلبة، فينبغي للمتلبّس به أن يذكر عنده أنّ الله أكبر من كلّ شيء، ويشكر له ذلك ويستمطر منه المزيد. (ثمّ يقول: «لا إله إلّا الله) بالرفع على البدلية؛ من الضمير المستتر في الخبر المقدّر، أو من اسم «لا» ؛ باعتبار محلّه قبل دخولها. (وحده) ؛ نصب على الحال، أي: لا إله منفرد إلّا هو وحده. (لا شريك له) عقلا ونقلا. أمّا الأول!! فلأن وجود إلهين محال كما تقرّر في الأصول. وأمّا الثاني!! فلقوله تعالى وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [١٦٣/ البقرة] ، وذلك يقتضي أن

стр. 1549

له الملك وله الحمد؛ وهو على كلّ شيء قدير، آئبون، ... لا شريك له، وهو تأكيد لقوله «وحده» لأن المتّصف بالوحدانية لا شريك له. (له الملك) - بضم الميم-: السلطان والقدرة وأصناف المخلوقات (وله الحمد) . زاد الطبراني في رواية: «يحيي ويميت وهو حيّ لا يموت بيده الخير، (وهو على كلّ شيء قدير) هذه الجملة الأخيرة عدّها بعضهم من العمومات في القرآن التي لم يدخلها تخصيص؛ وهي كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [١٨٥/ آل عمران] ، وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [٦/ هود] وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) [الحجرات] وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) [البقرة] ونوزع في الأخيرة بتخصيصها بالممكن. قال القرطبي: وفي تعقيب التكبير بالتهليل إشارة إلى أنّه المنفرد بإيجاد كلّ موجود، وأنّه المعبود في كلّ مكان. (آئبون) بهمزة ممدودة فهمزة مكسورة. فموحّدة؛ واحده: آئب؛ وهو: الراجع. قال في «مفتاح الحصن» : بكسر الهمزة بعد الألف، وكثير من الناس يلفظ بياء بعد الألف، وهو لحن. ومعناه: راجعون. قال في «الحرز» : وكون الياء لحنا إنما هو في الوصل، أما في الوقف عليه!! فهو صحيح بلا خلاف. انتهى. ثم هو خبر مبتدأ محذوف، أي: نحن راجعون، وليس المراد الإخبار بمحض الرجوع، فإنّه تحصيل الحاصل، بل الرجوع في حالة مخصوصة، وهي تلبّسهم بالعبادة المخصوصة، والاتصاف بالأوصاف المذكورة؛ أشار إليه العلقمي. وفي «الحرز» : الأولى أن يفسّر «آئبون» براجعون عن الغافلة. فإنّ الأوّاب وصف الأنبياء، ومنه قوله تعالى إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) ونعت الأولياء، ومنه فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً (٢٥) [الإسراء] ويقال للصلاة بين العشاءين «صلاة الأوّابين» . انتهى.

стр. 1550

تائبون، عابدون، ساجدون، لربّنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» . (تائبون) قال الغزالي في «المنهاج» ؛ نقلا عن شيخه: التوبة ترك اختيار ذنب سبق عنك مثله؛ تعظيما لله تعالى. قال الأبّي: وأصلها الرجوع عما هو مذموم شرعا إلى ما هو محمود شرعا. وفي قوله «تائبون» إشارة إلى التقصير في العبادة، أو قاله ﷺ على سبيل التواضع، أو تعليما لأمّته!! أو المراد أمّته. وقد تستعمل التوبة لإرادة الاستمرار على الطاعة، فيكون المراد ألايقع منهم ذنب؛ قاله العلقمي. (عابدون، ساجدون، لربّنا) ؛ متعلّق ب «ساجدون» ، أو بسائر الصفات على سبيل التنازع، وهو مقدّر بعد قوله (حامدون) أيضا. وقال الحفني: يقدّر مع كلّ من هذه الأوصاف «لربّنا» فيكون حذف من الأوّل لدلالة الثاني. انتهى. ومعنى «حامدون» : أي مثنون عليه بصفات الكمال، وشاكرون حوارف الإفضال. (صدق الله وعده) فيما وعد به من إظهار دينه وكون العاقبة للمتقين؛ وذلك في نحو قوله تعالى وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ [٥٥/ النور] . قال العلقمي: وهذا في سفر الغزو، ومناسبته لسفر الحجّ والعمرة قوله تعالى لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [٢٧/ الفتح] . (ونصر عبده) محمدا رسول الله ﷺ يوم الخندق، فهو يعني به نفسه، إذ المطلق ينصرف للفرد الكامل. (وهزم الأحزاب) أي: الطوائف المتفرّقة الذين تجمّعوا عليه للقتال يوم الخندق. ويحتمل عموم الكفار في ذلك اليوم وغيره (وحده» ) بغير فعل أحد من

стр. 1551

وكان ﷺ إذا دخل رجب.. قال: «اللهمّ؛ بارك لنا في رجب وشعبان، وبلّغنا رمضان» . وكان ﷺ إذا سمع المؤذّن.. قال مثل ما يقول؛ حتّى إذا بلغ (حيّ على الصّلاة ... حيّ على الفلاح) ... الآدميين، ولا سبب من جهتهم، فقوله «وهزم الأحزاب وحده» نفي لما سبق ذكره. وهذا معنى الحقيقة، فإنّ فعل العبد خلق لربّه، والكلّ منه وإليه، ولو شاء الله أن يبيد أهل الكفر بلا قتال لفعل، وفيه دلالة على التفويض إلى الله تعالى واعتقاد أنّه مالك الملك، وأنّ له الحمد ملكا واستحقاقا، وأنّ قدرته تتعلّق بكلّ شيء من الممكنات. (و) أخرج البيهقي؛ في «شعب الإيمان» ، وابن عساكر في «تاريخه» ، وأبو نعيم في «الحلية» ، وكذا البزّار- بإسناد ضعيف؛ كما تقدّم- كلّهم رووه عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا دخل رجب) أي: الشهر المسمّى بذلك الذي هو فرد من أفراد الأشهر الحرم؛ (قال) أي: النبي ﷺ : ( «اللهمّ) ؛ أي: يا الله (بارك لنا في رجب) - بالتنوين- (وشعبان) أي: وفّقنا للأعمال الصالحة فيهما- (وبلّغنا رمضان» ) . لم يقل «ورمضان» ؛ بل زاد «وبلّغنا» !! لبعده عن أول رجب؛ كذا قاله الحفني. قال ابن رجب: وفيه دليل على ندب الدعاء بالبقاء إلى الأزمنة الفاضلة لإدراك الأعمال الصالحة فيها، فإنّ المؤمن لا يزيده عمره إلّا خيرا. (و) أخرج الإمام أحمد، والبزّار، والطبراني- بسند؛ قال الهيثمي: فيه عاصم بن عبيد الله، وهو ضعيف، لكن روى عنه مالك- كلّهم رووه عن أبي رافع رضي الله تعالى عنه قال: (كان) النبي ﷺ إذا سمع المؤذّن قال مثل ما يقول) ذلك المؤذّن، (حتّى إذا بلغ) أي: ذلك المؤذّن (حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح) أي: هلمّوا

стр. 1552

قال: «لا حول ولا قوّة إلّا بالله» . وكان ﷺ إذا سمع المؤذّن يتشهّد.. قال: «وأنا.. وأنا» . وكان ﷺ إذا سمع المؤذّن قال: (حيّ على الفلاح) ... إليها، وأقبلوا وتعالوا مسرعين، (قال: «لا حول) ؛ أي: لا تحوّل لنا عن معصية الله. (ولا قوّة) لنا على طاعة الله تعالى (إلّا بالله» ) تعالى. قال ابن الأثير: المراد بهذا ونحوه: إظهار الفقر إلى الله تعالى بطلب المعونة منه على ما يحاول من الأمور كالصلاة هنا، وهو حقيقة العبودية. انتهى. (و) أخرج أبو داود، والحاكم؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان) النبي ﷺ إذا سمع المؤذّن يتشهّد) ؛ أي: ينطق بالشهادتين في أذانه؛ (قال: «وأنا.. وأنا» ) أي: يقول عند أشهد ألاإله إلّا الله: «وأنا» ، ويقول عند أشهد أنّ محمدا رسول الله: «وأنا» . فقوله «وأنا» مبتدأ خبره محذوف؛ أي: وأنا أشهد كما تشهد، فتكرير «أنا» راجع إلى الشهادتين. وفيه أنّه كان مكلّفا أن يشهد على رسالته كسائر الأمة. وفيه أنّه لو اقتصر على قوله «وأنا» حصل له فضل متابعة الأذان كلّه؛ ذكره المناوي على «الجامع» ، وقال: رواه ابن حبّان وبوّب عليه «باب إباحة الاقتصار عند سماع الأذان على وأنا ... وأنا» . انتهى. لكن قال الحفني في «حواشي الجامع الصغير» : لا تحصل سنّة الإجابة على لفظ «وأنا» ، بل لا بدّ من أن يقول «وأنا أشهد ... الخ» ، أو يقتصر على «أشهد ... الخ» بدون لفظ «أنا» . انتهى. (و) أخرج ابن السّنّي في «عمل اليوم والليلة» بسند ضعيف؛ عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما قال: (كان) النبي ﷺ إذا سمع المؤذّن؛ قال) في أذانه (حيّ على الفلاح) ؛

стр. 1553

قال: «اللهمّ؛ اجعلنا مفلحين» . وكان ﷺ إذا نظر ... أي: هذه الجملة؛ (قال) أي: النبي ﷺ مجيبا له: «اللهمّ؛ اجعلنا مفلحين» أي: فائزين بكلّ خير، ناجين من كل ضير. فيسنّ لمن سمع المؤذن أن يقول مثل قوله، فيأتي بكلّ كلمة عقب فراغ المؤّذن منها حتّى في الترجيع؛ وإن لم يسمعه. إلّا في قوله «حي على الصلاة.. حي على الصلاة، حي على الفلاح.. حي على الفلاح» فإنّه يقول «لا حول ولا قوة إلا بالله» . قال في «حواشي فتح المعين» ويسنّ أن يجيب كلّا من الحيعلة بلفظه أيضا، ثم يحوقل ويزيد مع حيّ على الفلاح: «اللهمّ؛ اجعلنا مفلحين» . انتهى. قال في «فتح المعين» : ولو سمع بعض الأذان!! أجاب فيه وفيما لم يسمعه. ولو ترتّب المؤذّنون؟! أجاب الكلّ. وفي «حواشي فتح المعين» . ومما عمّت به البلوى ما إذا أذّن المؤذنون، واختلطت أصواتهم على السامع؛ وصار بعضهم يسبق بعضا! وقد قال بعضهم: لا يستحبّ إجابة هؤلاء. والذي أفتى به الشيخ عز الدين أنّه يستحبّ إجابتهم؛ أي: إجابة واحدة؛ ويتحقق ذلك بأن يتأخّر بكلّ كلمة حيث يغلب على ظنّه أنهم أتوابها، بحيث تقع إجابته متأخرة؛ أو مقارنة، فلو سكت حتى فرغ كلّ الأذان؛ ثم أجاب قبل فاصل طويل عرفا؟! كفى في أصل سنة الإجابة. انتهى. وفي «فتاوي السمهودي» : لا يستحبّ للمؤذّن أن يجيب أذان نفسه؛ وإن تردّد في ذلك الإسنوي في «تمهيده» . وصنّف فيه السمهودي «جزآ» أودعه فتاويه المشرقة. وتردّد الأشخر في إجابة أذان غير الصلاة: هل يطلب؛ أم لا؟ واستظهر الثاني. قال: لأنّ الجواب إنّما هو للدّعاء إلى الصلاة، وغيره ذكر قد يطلب إجابته. قال: ولم أر فيه شيئا. انتهى «شرح الأذكار» . (و) أخرج الطبراني في «الكبير» بإسناد ضعيف؛ عن حذيفة بن أسيد- بفتح الهمزة والتنوين-: الغفاري رضي الله تعالى عنه قال: (كان) النبي ﷺ إذا نظر

стр. 1554

إلى البيت.. قال: «اللهمّ؛ زد بيتك هذا تشريفا وتعظيما وتكريما وبرّا ومهابة» . وكان ﷺ إذا رأى ما يحبّ.. قال: «الحمد لله الّذي بنعمته تتمّ الصّالحات» ، وإذا رأى ما يكره.. قال: «الحمد لله على كلّ حال، ... إلى البيت) - أي: الكعبة- (قال: «اللهمّ؛ زد بيتك هذا) أضافه إليه! لمزيد التشريف، وأتى باسم الإشارة! تفخيما (تشريفا) ؛ أي: ترفيعا وإعلاء (وتعظيما) ؛ أي: تبجيلا (وتكريما) ، أي: تفضيلا. وكأنّ حكمة تقديم التعظيم على التكريم في البيت؛ وعكسه في قاصده: أنّ المقصود بالذّات في البيت إظهار عظمته في النفوس حتّى يخضع لشرفه ويقوم بحقوقه، ثم كرامته بإكرام زائريه بإعطائهم ما طلبوه، وإنجازهم ما أمّلوه. وفي زائره وجود كرامته عند الله تعالى بإسباغ رضاه عليه، وعفوه عمّا جناه واقترفه؛ ثم عظمته بين أبناء جنسه بظهور تقواه وهدايته أيضا!!. ويرشد إلى هذا ختم دعاء البيت بالمهابة الناشئة عن تلك العظمة، إذ هي التوقير والإجلال، وختم دعاء الزائر بالبرّ الناشئ عن ذلك التكريم، إذ هو الاتساع في الإحسان. فتأمّله. أشار إليه بعض المتأخّرين؛ قاله ابن علّان. (وبرّا ومهابة» ) إجلالا وعظمة، وتمام هذا الدّعاء في حديث الطبراني؛ كما في شرح «الأذكار» : «وزد من عظّمه وشرّفه ممّن حجّه؛ أو اعتمره، تشريفا وتكريما ومهابة وبرّا» . انتهى. (و) أخرج ابن ماجه وابن السنّيّ: كلاهما؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قال في «الأذكار» : وإسناده جيّد- قالت: (كان) النبيّ ﷺ إذا رأى ما يحبّ قال: «الحمد لله الّذي بنعمته تتمّ الصّالحات» ) قال الحسن: ما من رجل يرى نعمة الله عليه؛ فيقول: الحمد لله الّذي بنعمته تتمّ الصّالحات إلّا أغناه الله. وزاد: (وإذا رأى ما يكره قال: «الحمد لله على كلّ حال

стр. 1555

ربّ أعوذ بك من حال أهل النّار» . وكان ﷺ إذا سمع صوت الرّعد ... ربّ أعوذ بك من حال أهل النّار» ) بيّن به أنّ شدائد الدنيا مما يلزم العبد الشكر عليها، لأنّ تلك الشدائد نعم في الحقيقة؛ لأنّها تعرّضه لمنافع عظيمة ومثوبات جزيلة، وأعواض كريمة في العاقبة؛ تتلاشى في جنبها مشقّة هذه الشدائد فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩) [النساء] ، وما سمّاه الله خيرا فهو أكثر مما يبلغه الوهم. نحمده على شمول النّعم ... حتّى لقد أبطنها في الألم والنعمة ليست هي اللّذة، وما اشتهته النّفس بمقتضى الطّبع، بل هي ما يزيد في رفعة الدّرجة؛ ذكره الإمام الغزالي؛ ونقله المناوي رحمهم الله تعالى. آمين. (و) أخرج الإمام أحمد، والترمذي؛ في «كتاب الدعاء» - قال الصدر المناوي: بسند جيّد- وأخرجه الحاكم في «الأدب» : كلّهم عن ابن عمر بن الخطاب- قال الحاكم: صحيح، وأقرّه الذّهبيّ. وفي العزيزي: قال الشيخ حديث صحيح، لكن قال النووي في «الأذكار» بعد عزوه للترمذي: إسناده ضعيف. وقال الحافظ العراقي: وسنده حسن؛ ذكره المناوي على «الجامع» - قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا سمع صوت الرّعد) بإضافة العامّ إلى الخاصّ للبيان، فالرّعد: هو الصوت الّذي يسمع من السّحاب؛ كذا قاله ابن الملك. والصحيح: أن الرعد ملك موكّل بالسّحاب. وقد نقل الشافعي؛ عن الثّقة؛ عن مجاهد: أنّ الرّعد ملك، والبرق أجنحته يسوق السحاب بها، ثمّ قال: وما أشبه ما قاله بظاهر القرآن!!. قال بعضهم: وعليه فيكون المسموع صوته، أو صوت سوقه على اختلاف فيه. ونقل البغوي عن أكثر المفسرين: أنّ الرّعد ملك يسوق السحاب، والمسموع

стр. 1556

والصّواعق ... تسبيحه. وعن ابن عباس: أنّ الرّعد ملك موكل بالسّحاب؛ وأنه يحوز الماء في نقرة إبهامه، وأنّه يسبح الله تعالى؛ فلا يبقى ملك إلّا يسبح، فعند ذلك ينزل المطر. وروي أنّ النبي ﷺ قال: «بعث الله السّحاب فنطقت أحسن النّطق، وضحكت أحسن الضّحك، فالرّعد نطقها، والبرق ضحكها» . وقيل: البرق لمعان صوت الرّعد يزجر به السّحاب. وأما قول الفلاسفة: إن الرّعد صوت اصطكاك أجرام السّحاب، والبرق ما يقدح من اصطكاكها!! فهو من حزرهم وتخمينهم؛ فلا يعوّل عليه. انتهى. ذكر جميع ذلك العلّامة محمد بن علي بن علّان في «شرح الأذكار» . (والصّواعق) بالنصب، فيكون التقدير: وأحسّ الصّواعق، من باب: «علفتها تبنا وماء باردا» . أو أطلق السّمع وأريد به الحسّ؛ من باب: إطلاق الجزء وإرادة الكلّ. وفي نسخة: بالجر؛ عطفا على الرّعد، وهو إنّما يصحّ على بعض الأقوال في تفسير الصّاعقة. قال بعضهم: قيل. هي نار تسقط من السماء في رعد شديد، فعلى هذا لا يصحّ عطفه على شيء ممّا قبله. وقيل: الصّاعقة صيحة العذاب أيضا، وتطلق على صوت شديد غاية الشّدة يسمع من الرّعد، وعلى هذا يصحّ عطفه على صوت الرعد، أي: صوت السحاب، فالمراد بالرّعد: السّحاب؛ بقرينة إضافة الصوت، أو الرعد: صوت السّحاب. وقال الطيبيّ: هي قصفة رعد تنقضّ معها قطعة من نار، يقال: صعقته الصّاعقة: إذا أهلكته فصعق؛ أي: مات. إمّا لشدة الصوت، وإمّا بالإحراق، ولعلّ اختيار الجمع في قوله: الصواعق؛ موافقته للآية. انتهى. ذكر ذلك كلّه الشيخ محمد علي بن علّان في «شرح الأذكار» النووية.

стр. 1557

قال: «اللهمّ؛ لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك» . وكان ﷺ إذا سمع الرّعد.. قال: «سبحان الّذي يسبّح الرّعد بحمده» . (قال «اللهمّ؛ لا تقتلنا بغضبك) الغضب استعارة، والمشبّه به الحالة التي تعرض للملك عند انفعاله، وغليان دم القلب، ثم الانتقام من المغضوب عليه، وأكثر ما ينتقم به القتل، فرشّح الاستعارة به عرفا. (ولا تهلكنا بعذابك) الإهلاك والعذاب جاريان على الحقيقة في حقّه تعالى، وقيل: الغضب هنا من صفة الذّات، أي: إرادة الهلاك ونحوه، والعذاب من صفة الأفعال. ولمّا لم يكن تحصيل المطلوب إلّا بمعافاة الله تعالى كما أخبر: «أعوذ بمعافاتك من عقوبتك» ؛ قال: (وعافنا) من البلايا والخطايا المقتضية للعذاب والغضب (قبل ذلك» ) أي: قبل وقوع ما ينتظر، والمراد الدّعاء بأن لا يقع شيء من ذلك. (و) في «كنوز الحقائق» للمناوي ورمز له برمز البخاريّ: (كان) رسول الله ﷺ إذا سمع الرّعد؛ قال: «سبحان الّذي يسبّح الرّعد) هو: ملك موكّل بالسّحاب على ما ثبت في الأحاديث، فنسبة التسبيح إليه حقيقة، أي: ينزّهه متلبّسا (بحمده» ) . وفي «الأذكار النووية» : روّينا بالإسناد الصحيح في «الموطأ» ؛ عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما: أنّه كان إذا سمع الرّعد ترك الحديث؛ وقال: «سبحان الّذي يسبّح الرّعد بحمده والملائكة من خيفته» . انتهى. قال في «شرحه» ؛ نقلا عن الحافظ ابن حجر: وهو حديث موقوف؛ أخرجه البخاري في كتاب «الأدب المفرد» ، عن إسماعيل بن أبي أويس؛ عن مالك. وقوله: «ترك الحديث» ؛ أي: الكلام مع الأنام.

стр. 1558

وكان ﷺ إذا رأى المطر.. قال: «اللهمّ؛ صيّبا نافعا» . وزاد الحافظ في روايته بعد قوله «جثا وترك الحديث» قوله: «وما كان فيه» ، فإن كان في صلاة أتمّ الصلاة؛ وقال: إنّ هذا لوعيد شديد لأهل الأرض، سبحان الّذي يسبح الرّعد بحمده ... الخ. وأخرج الطبراني بإسناده إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كنا مع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في سفر فأصابنا رعد وبرق ومطر، فقال لنا كعب: من قال حين يسمع الرعد: سبحان من يسبّح الرّعد بحمده والملائكة من خيفته «ثلاثا» ؛ عوفي من ذلك الرعد، فقلنا فعوفينا، ثم لقيت عمر في بعض الطريق، فإذا بردة أصابت أنفه، فقلت: ما هذا؟ فقال: بردة أصابت أنفي، فأثّرت فيّ، فقلت: إن كعبا قال ... فذكره. فقلنا فعوفينا، فقال عمر: فهلّا أعلمتمونا حتى نقول!! قال الحافظ: هذا موقوف حسن الإسناد، وهو؛ وإن كان عن كعب؛ فقد أقرّه ابن عباس وعمر، فدلّ على أنّ له أصلا. قال: وقد وجدت بعضه بمعناه من وجه آخر عن ابن عباس أخرجه الطبراني أيضا؛ عن النبي ﷺ : «إذا سمعتم الرّعد فاذكروا الله فإنّه لا يصيب ذاكرا» وفي سنده ضعف. انتهى. وقد جاء عن ابن عباس أيضا قال: ومن قال هذا الذكر فأصابته صاعقة؛ فعليّ ديته. انتهى كلام «شرح الأذكار» . (و) أخرج البخاريّ في «صحيحه» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان) النبيّ ﷺ إذا رأى المطر قال: «اللهمّ صيّبا) أي: اسقنا «صيّبا» أي: مطرا (نافعا) لا مغرقا كطوفان نوح؛ قاله ابن مالك. وقال الطيبيّ: هو تتميم في غاية الحسن؛ لأنّ «صيّبا» مظنّة الضّرر، وتبعه عليه ابن حجر الهيتمي المكيّ. ويجوز أن يكون احترازا عن مطر لا يترتّب عليه نفع، أعمّ من أن يترتّب عليه ضرر؛ أم لا، وقد روى هذا الحديث النسائيّ وابن ماجه، لكن قال: «سيّبا» بإبدال الصّاد في «صيبا» سينا.

стр. 1559

وكان ﷺ إذا سال السّيل.. قال: «اخرجوا بنا إلى هذا الوادي الّذي جعله الله طهورا، فنتطهّر منه، ونحمد الله عليه» . وكان ﷺ إذا اشتدّ الرّيح الشّمأل.. قال: «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من شرّ ما أرسلت فيها» . قال الحافظ العراقي: وسند الكلّ صحيح، فينبغي- كما نقل في «المرقاة» عن النووي- الجمع بين ذلك كلّه، أو يأتي بما في كلّ رواية. والله أعلم. (و) أخرج الإمام الشافعي في «مسنده» ، والبيهقي في «سننه» : كلاهما عن يزيد بن الهاد مرسلا، ونقل المناوي عن الذّهبيّ أنه مع إرساله منقطع أيضا: (كان) النبيّ ﷺ إذا سال السّيل قال: «اخرجوا بنا إلى هذا الوادي الّذي جعله الله طهورا) أي: جعل ما سال فيه مطهرا (فنتطهّر منه) الطهارة: تشمل الغسل والوضوء، والأفضل عند الشافعية الجمع بين الغسل والوضوء، ثم الغسل، ثم الوضوء، فيسنّ فعل ذلك لكلّ أحد. قالت الشافعية: ويسنّ لكلّ أحد أن يبرز للمطر، ولأول مطر آكد، ويكشف له من بدنه غير عورته، ويغتسل ويتوضّأ في سيل الوادي، فإن لم يجمعهما توضأ. (ونحمد الله عليه» ) ؛ أي: على حصوله. (و) أخرج ابن السنيّ والبزار والطبراني في «الكبير» كلّهم؛ عن عثمان بن أبي العاصي رضي الله تعالى عنه- وفي سنده عبد الرحمن بن إسحاق وأبو شيبة؛ وكلاهما ضعيف كما قال الحافظ الهيثمي، قال الحافظ ابن حجر: لكن تقوى بشواهده-. (كان) النبي ﷺ إذا اشتدّ الرّيح الشّمأل) - قال العزيزي: بسكون الميم؛ مقابل الجنوب-. (قال: «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من شرّ ما أرسلت) - بفتح التاء المثناة- (فيها» )

стр. 1560

وكان ﷺ إذا اشتدت الرّيح.. قال: «اللهمّ؛ اجعلها لقحا لا عقيما» ؛ ... وفي رواية بدله: «من شرّ ما أرسلت به» ؛ على صيغة المجهول، والمراد: أنها قد تبعث عذابا على قوم، فتعوّذ من ذلك، فتندب المحافظة على قول ذلك عند اشتدادها وعدم الغافلة عنه. قال النووي في «الأذكار» : روّينا في «سنن أبي داود» وابن ماجه بإسناد حسن؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرّيح من روح الله تعالى، تأتي بالرّحمة وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبّوها، وسلوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرّها» . قلت: قوله ﷺ «من روح الله» هو- بفتح الراء- قال العلماء، أي: من رحمة الله بعباده. انتهى. فائدة: ذكر شيخ الإسلام زكريا الأنصاريّ وغيره: أنّ الرياح أربع: التي تجيء من تجاه الكعبة: الصّبا، ومن ورائها: الدّبور، ومن جهة يمينها: الجنوب، ومن جهة شمالها: الشمأل. ولكلّ منها طبع، فالصّبا: حارّة رطبة، والدّبور: باردة رطبة، والجنوب: حارّة رطبة، والشمأل: باردة يابسة، وهي من ريح الجنة التي تهبّ عليهم؛ كما في «مسلم» انتهى. ذكره ابن علان في «شرح الأذكار» . (و) أخرج البخاريّ في «الأدب المفرد» ، وابن حبان في «صحيحه» ، والحاكم في «المستدرك» ، وابن السنّي كلّهم؛ عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه- وهو حديث صحيح؛ كما قال الحافظ ابن حجر- قال: (كان) النبيّ ﷺ إذا اشتدّت الرّيح قال: «اللهمّ [اجعلها] لقحا) - بفتح اللام والقاف-؛ من باب تعب، قال في «السلاح» - بفتح اللام مع فتح القاف وسكونها، وبالحاء المهملة-: الحاملة للسحاب، والعقيم بعكسه انتهى. أي: اجعلها حاملة للماء كاللّقحة من الإبل؛ (لا عقيما» ) هو تأكيد لما قبله؛ أي: لا تجعلها خالية عن الماء كالعقيم من الحيوان؛ لا ولد له، شبّه الريح التي جاءت بخير من إنشاء سحاب ماطر بالحامل، كما شبّه ما لا يكون كذلك

стр. 1561

أي: حاملا للماء كاللّقحة من الإبل. وكان ﷺ إذا عصفت الرّيح.. قال: «اللهمّ؛ إنّي أسألك خيرها وخير ما فيها؛ وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما فيها، وشرّ ما أرسلت به» ... بالعقيم. قال تعالى وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [٢٢/ الحجر] . ثم بيّن المصنف معنى قوله في الحديث «لقحا» ؛ فقال: (أي: حاملا للماء كاللّقحة) - بكسر اللام وفتحها- أي: الناقة (من الإبل) القريبة العهد بالنتاج، والجمع: لقح، وقد لقحت الناقة لقحا ولقاحا، وناقة لاقح إذا كانت حاملا، ونوق لواقح، واللّقاح: ذوات الألبان، الواحدة: لقوح. كذا في «النهاية» . (وكان) النبيّ ﷺ إذا عصفت) - بفتح أوّليه المهملتين وبالفاء- (الرّيح) أي: اشتدّ هبوبها (قال) داعيا إلى الله ( «اللهمّ؛ إنّي أسألك خيرها وخير ما فيها) أي: الخير العارض منها من المنافع كلّها. (و) أسألك (خير ما أرسلت به) ؛ أي: بخصوصها في وقتها، وهي بصيغة المجهول. (وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما فيها؛ وشرّ ما أرسلت به» ) - على صيغة المجهول- قال المناوي كالعلقمي: - وتمامه عند مخرّجه مسلم- قالت: أي: عائشة، وإذا تخيّلت السماء تغيّر لونه، وخرج؛ ودخل، وأقبل؛ وأدبر، فإذا أمطرت سرّي عنه فعرفت ذلك فسألته!، فقال: «لعلّه يا عائشة كما قال الله تعالى فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا» [٢٤/ الأحقاف] الآية. انتهى. قال الحفني: ففيه الاستعداد بالمراقبة لله تعالى والالتجاء إليه عند اختلاف الأحوال وحدوث ما يخاف بسببه، وكان خوفه ﷺ أن يعاقبوا بعصيان العصاة، وسروره بزوال الخوف. وهذا لا ينافي قوله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [٣٣/ الأنفال] !! لأنه يخاف أن يكون عذابا مخصوصا أو معلقا على شيء، كما قال بعض المبشرين بالجنة: لو كانت إحدى رجليّ داخل الجنّة والآخرى خارجها

стр. 1562

روته عائشة رضي الله تعالى عنها. ما أمنت مكر الله. انتهى. قال العزيزي: قال أبو عبيد وغيره: «تخيلت السماء» من المخيلة- بفتح الميم-: وهي سحابة فيها رعد وبرق تخيّل إليه أنها ماطرة، ويقال: أخالت إذا تغيّرت. انتهى. (روته عائشة) أم المؤمنين (رضي الله تعالى عنها) فيما أخرجه الإمام أحمد ومسلم والترمذي عنها. تنبيه: قال في «شرح الأذكار» : وقع في «المشكاة» أن الحديث متفق عليه!! فنظر فيه في «المرقاة» بأنه من أفراد مسلم، كما يفهم من كلام ابن الجزري في «التصحيح» حيث قال: رواه مسلم، وأبو داود ... الخ. وقد عزاه السيوطي في «الجامع الصغير» إلى تخريج الترمذي أيضا؛ ولم يذكر أبا داود فيمن خرّجه!! وراجعت «باب ما يقول: إذا هاجت الريح» ؛ من «سنن أبي داود» فلم أره فيه، فلعلّ ما نقله ابن الجزري عنه في بعض النسخ، ثم رأيت ما يؤيد ما ذكره صاحب «المشكاة» ؛ وهو «تيسير الوصول إلى جامع الأصول» لابن الدّيبع بعد ذكر الحديث باللفظ المذكور، وقال: أخرجه الشيخان هكذا، والترمذي. انتهى. وأخرجه الترمذي؛ وقال: حديث حسن صحيح، والإمام أحمد، والبخاري في «الأدب المفرد» ، والنسائي في «اليوم والليلة» ؛ عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تسبّوا الرّيح، فإذا رأيتم ما تكرهون؛ فقولوا: اللهمّ؛ إنّا نسألك خير هذه الرّيح وخير ما فيها؛ وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شرّ هذه الرّيح؛ وشرّ ما فيها؛ وشرّ ما أمرت به» . وأخرج ابن السنّي؛ عن أنس بن مالك وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم؛ عن رسول الله ﷺ قال: «إذا وقعت كبيرة؛ أو هاجت ريح عظيمة فعليكم بالتّكبير؛ فإنه يجلو العجاج الأسود» . ذكره النووي في «الأذكار» . وقوله:

стр. 1563

وروى ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: كان رسول الله ﷺ إذا هاجت ريح ... «كبيرة» الله أعلم أنّ التقدير: مصيبة كبيرة؛ أي: من موت، أو حريق، فالتكبير يدفع حرّ النار، وإذا استحضر العبد مضمون التكبير هان عليه ما لاقاه من مصيبة. وقوله: «العجاج الأسود» !! قال النووي في «التهذيب» ؛ نقلا عن أبي عبيد: العجاج غبار تثور به الريح، الواحدة: عجاجة؛ أي: أنّ التكبير يجلو؛ أي: يذهب عن مرآة الجوّ العجاج الأسود من الظلمة والقتام. والله أعلم. ثم يحتمل أن يكون ذلك على حقيقته بما خصّ الله به التكبير من رفع ذلك، ويحتمل أن يكون المراد يجلو عن القلب التعب الحاصل من القتام الأسود؛ أي: لردّه الأمر حينئذ إلى فاعله، وعلمه بالفاعل المختار الّذي لا يخلو فعل من أفعاله عن حكمة والله أعلم. انتهى. ذكره في «شرح الأذكار» . (وروى ابن عبّاس) حبر الأمّة وترجمان القرآن- وقد تقدمت ترجمته- (رضي الله تعالى عنهما) فيما أخرجه الطّبراني في «الكبير» ، والبيهقي في «سننه» عنه بسند فيه حسين بن قيس الملقب ب «حنش» ، وهو متروك؛ وبقية رجاله رجال الصحيح؛ كما قال الحافظ الهيثمي-. ورواه ابن عدي في «الكامل» من هذا الوجه وأعله بحسين المذكور، ونقل تضعيفه عن أحمد والنسائي، وذكره المناوي؛ فقال: ثم رأيت الحافظ في «الفتح» عزاه لأبي يعلى وحده؛ عن أنس رفعه، وقال: إسناده صحيح. انتهى. قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا هاجت ريح) ؛ أي: اشتدّ هبوبها، والريح المفردة في القرآن للشرّ، والمجموعة للخير، ولم ترد في القرآن مفردة في الخير إلّا في موضع واحد، وهو قوله تعالى وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [٢٢/ يونس] ذكره العزيزي والحفني وغيرهما. قال المناوي: وفي رواية: «الريح» معرّفا.

стр. 1564

استقبلها بوجهه، وجثا على ركبتيه، ومدّ يديه، وقال: «اللهمّ؛ إنّي أسألك خير هذه الرّيح وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما أرسلت به، اللهمّ؛ اجعلها رحمة، ولا تجعلها عذابا، اللهمّ؛ اجعلها رياحا، ولا تجعلها ريحا» . (استقبلها بوجهه وجثا على ركبتيه) أي: قعد عليهما وعطف ساقيه إلى تحته، وهو قعود المستوفز الخائف الّذي إذا احتاج إلى النهوض نهض سريعا، وهو قعود الصغير بين يدي الكبير، وفيه نوع أدب مع الله تعالى، فكان هذا منه ﷺ تواضعا لله وخوفا على أمّته، وتعليما لهم في تبعيّته كأنّه لمّا هبت الريح وأراد أن يخاطب ربّه بالدعاء قعد قعود المتواضع لربّه الخائف من عذابه. (ومدّ يديه) للدعاء (وقال: «اللهمّ؛ إنّي أسألك خير هذه الرّيح وخير ما أرسلت به، [وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما أرسلت به] ، اللهمّ؛ اجعلها رحمة) لنا (ولا تجعلها عذابا) علينا، (اللهمّ؛ اجعلها رياحا، ولا تجعلها ريحا» ) . لأنّ الريح من الهواء، والهواء أحد العناصر الأربع التي بها قوام الحيوان والنبات، حتّى لو فرض عدم الهواء دقيقة لم يعش حيوان، ولم ينبت نبات. والريح: اضطراب الهواء وتموّجه في الجوّ؛ فيصادف الأجسام فيحللها، فيوصل إلى دواخلها من لطائفها ما يقوم لحاجته إليه، فإذا كانت الريح واحدة جاءت من جهة واحدة، وصدمت جسم الإنسان والنبات من جانب واحد، فتؤثّر فيه أثرا أكثر من حاجته؛ فتضرّه، ويتضرّر الجانب المقابل لعكس مهبّها بفوت حظّه من الهواء؛ فيكون داعيا إلى فساده، بخلاف ما لو كانت رياحا تعمّ جوانب الجسم، فيأخذ كلّ جانب حظّه؛ فيحدث الاعتدال. ذكره المناوي. وفي «شرح الأذكار» لابن علان رحمه الله تعالى: قال ابن الجوزي في «المنتخب» : قال ابن عباس: الرّياح ثمان؛ أربع للرحمة: المبشرات، والمثيرات، والمرسلات، والرّخاء. قلت:

стр. 1565

......... وفي «المرقاة» بدل «المبشرات والرخاء» بدلهما «الذاريات، والناشرات» . وأربع للعذاب: العاصف، والقاصف- وهما في البحر-. والصّرصر، والعقيم- وهما في البرّ-. قال عبيد بن عمر: يبعث الله تعالى ريحا فتقمّ الأرض، ثمّ يبعث المثيرة فتثير السحاب، ثمّ يبعث المؤلّفة فتؤلّفه، ثمّ يبعث اللّواقح؛ فتلقّح الشجر. انتهى كلام «المنتخب» . قال المناوي: استشكل ابن العربي خوفه أن يعذّبوا؛ وهو فيهم، مع قوله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [٣٣/ الأنفال] !!؟. ثمّ أجاب بأن الآية نزلت بعد القصة. واعترضه ابن حجر بأن آية الأنفال كانت في المشركين من أهل بدر، ولفظ «كان» في الخبر يشعر بالمواظبة على ذلك. ثمّ أجاب بأنّ في الآية احتمال التخصيص بالمذكورين، أو بوقت دون وقت، أو بأنّ مقام الخوف يقتضي عدم أمن المكر، أو خشي على من ليس فيهم أن يقع بهم العذاب، فالمؤمن شفقة عليه، والكافر يودّ إسلامه، وهو مبعوث رحمة للعالمين. انتهى. ثمّ قال: قال ابن المنيّر: هذا الحديث مخصوص بغير الصّبا من جميع أنواع الريح؛ لقوله في الحديث: «نصرت بالصّبا» . ويحتمل إبقاء هذا الحديث على عمومه ويكون نصرها له متأخّرا عن ذلك، أو أنّ نصرها له بسبب إهلاك أعدائه، فيخشى من هبوبها أن تهلك أحدا من عصاة المؤمنين؛ وهو كان بهم رؤوفا رحيما. وأيضا فالصّبا يؤلّف السحاب ويجمعه، ثمّ يقع المطر غالبا، وقد جاء في خبر: أنه كان إذا أمطرت سرّي عنه، وذلك يقتضي أن يكون الصّبا مما يقع التخوف عند هبوبها، فيعكّر ذلك على التخصيص المذكور!. انتهى ما ذكره المناوي رحمه الله تعالى.

стр. 1566

وكان ﷺ إذا رأى الهلال.. قال: «هلال خير ورشد، آمنت بالّذي خلقك» (ثلاثا) . (و) أخرج أبو داود في «سننه» ؛ في «كتاب الأدب» عن قتادة بلاغا، قال الحافظ: ورجاله ثقات، فإن كان المبلّغ صحابيا فهو صحيح. انتهى. وأخرجه ابن السنّي أيضا؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال الحافظ العراقي: وأسنده أيضا الدارقطني في «الأفراد» ، والطبراني في «الأوسط» ؛ عن أنس، قال أبو داود: ليس في هذا عن رسول الله ﷺ حديث مسند صحيح. قال: (كان) النبيّ ﷺ إذا رأى الهلال) الهلال: اسم للقمر لليلتين من أول الشهر، ثمّ هو قمر، لكن في «الصحاح» : أنه اسم لثلاث ليال من أول الشهر. (قال: «هلال) الظاهر أنه منصوب بمقدر؛ أي: اللهمّ اجعله هلال (خير) أي: بركة (ورشد) أي: صلاح، كما يدلّ على ذلك رواية ابن السنيّ عن أنس رضي الله تعالى عنه: كان إذا نظر إلى الهلال قال: «اللهمّ اجعله هلال يمن ورشد، آمنت بالّذي خلقك فعدلك، تبارك الله أحسن الخالقين» . ففي هذه الرواية التصريح بالفعل المقدر. (آمنت ب) الله (الّذي خلقك» ثلاثا) أي: يكرّر ذلك ثلاثا، فيقول: «هلال خير ورشد، هلال خير ورشد، هلال خير ورشد، آمنت بالّذي خلقك، آمنت بالّذي خلقك، آمنت بالّذي خلقك» ، والتّكرار! للاعتناء بالمقام، والثلاث! لأنها آخر القلّة ومبدأ الكثرة. وقد ورد في الحديث: أنه ﷺ كان إذا دعا دعا ثلاثا. وإضافة الخير والرشد! رجاء أن يقعا فيه، وتعليما لأمته. وظاهر مخاطبته ﷺ له!! أنّه ليس بجماد، بل حيّ دارك يعقل ويفهم. قال حجّة الإسلام: وليس في أحكام الشريعة ما يدفعه؛ ولا ما يثبته!! فلا

стр. 1567

ثمّ يقول: «الحمد لله الّذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا» . ضرر علينا في إثباته. ذكره المناوي على «الجامع» والعزيزي أيضا. (ثمّ يقول) بعده ( «الحمد لله الّذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا» ) . ولأبي داود عن قتادة مرسلا: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا رأى الهلال صرف وجهه عنه. قال الحافظ ابن حجر بعد تخريجه: ووجدت لمرسل قتادة شاهدا مرسلا أيضا؛ أخرجه مسدد في «مسنده الكبير» ورجاله ثقات، قال: ووجدت له شاهدا موصولا؛ من حديث أنس بن مالك قال: كان لرسول الله ﷺ أقاويل يقولها في الهلال إذا رآه؛ منها أنّه كان إذا رأى الهلال صرف وجهه عنه؛ وقال: «هلال خير ورشد، آمنت بالّذي خلقك» . يردّدها ثلاثا. ومنها: كان يقول: «الحمد لله الّذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا» . وكان يقول: «اللهمّ أهلّه علينا بالأمن والإيمان والسّلامة والإسلام» . وكان يقول: «الحمد لله الّذي بدأكم ثمّ يعيدكم» . وكان يقول: «الحمد لله الّذي خلقك وسوّاك فعدلك، ربّي وربّك الله» . قال الحافظ بعد تخريجه: هذا غريب أخرجه أبو نعيم في «عمل اليوم والليلة» ، ورجاله ثقات إلّا عمر بن أيوب- يعني: الغفاري- فإنّه ضعيف جدّا، ونسبه الدّارقطني مرّة إلى الوضع. انتهى ذكره في «شرح الأذكار» . (و) أخرج الإمام أحمد والترمذي في «الدعوات» ؛ وقال: حديث حسن غريب، وأخرجه الدارمي في «مسنده» ، والحاكم في «مستدركه» في «الأدب» : كلّهم من حديث سليمان بن سفيان، عن بلال بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، عن أبيه يحيى، عن جدّه طلحة بن عبيد الله القرشيّ التيميّ المكيّ ثم المدنيّ، أحد العشرة رضي الله تعالى عنه.

стр. 1568

وكان ﷺ إذا رأى الهلال.. قال: «اللهمّ؛ أهلّه علينا باليمن والإيمان والسّلامة والإسلام، ربّي وربّك الله» . وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ونوزع بأن الحديث عدّ من منكرات سليمان المذكور!! وقد ضعفه ابن المديني، وأبو حاتم، والدارقطني، وقال: ليّن ليس بثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات» ؛ وقال: يخطئ!! وقال الحافظ ابن حجر: صحّحه الحاكم وغلط في ذلك، فإن فيه سليمان بن سفيان ضعّفوه، وإنّما حسّنه الترمذيّ!! لشواهده. انتهى. قال: (كان) النبيّ ﷺ إذا رأى الهلال؛ قال: «اللهمّ؛ أهلّه) قال الطيبي: روي بالفكّ والإدغام. (علينا) ؛ أي: أطلعه علينا مقترنا (باليمن) ؛ أي: البركة (والإيمان) ؛ أي: بدوامه وكماله (والسّلامة والإسلام) ؛ أي: الانقياد للأحكام. قال الحكيم الترمذيّ: «اليمن» : السعادة، و «الإيمان» : الطمأنينة بالله، كأنّه سأل دوامهما، و «السلامة والإسلام» : أن يدوم له الإسلام ويسلم له شهره، فإنّ لله في كلّ شهر حكما وقضاء في الملكوت، وفيه تنبيه على ندب الدعاء؛ لا سيّما عند ظهور الآيات وتقلّب أحوال النيرات: وعلى أنّ التوجّه فيه إلى الربّ؛ لا إلى المربوب، والالتفات في ذلك إلى صنع الصانع؛ لا إلى المصنوع. ذكره التوربشتي. انتهى من المناوي على «الجامع» . وزاد قوله: (ربّي وربّك الله» ) لأن أهل الجاهلية فيهم من يعبد القمرين؛ فكأنه يناغيه ويخاطبه؛ فيقول: أنت مسخّر لنا لتضيء لأهل الأرض؛ ليعلموا عدد السنين والحساب. وقال الطّيبي: لما قدّم الدعاء في قوله: «اليمن والإيمان، والسلامة والإسلام» طلب في كلّ من الفقرتين دفع ما يؤذيه من المضارّ، وجلب ما يرفعه من المنافع. وعبّر بالإيمان والإسلام عنها!! دلالة على أنّ نعمة الإيمان والإسلام

стр. 1569

وفي رواية: «بالأمن» بدل «اليمن» . وكان آخر كلامه ﷺ : ... شاملة للنّعم كلّها، ومحتوية على المنافع بأسرها، فدلّ على عظم شأن الهلال حيث جعل وسيلة لهذا المطلوب، فالتفت إليه قائلا: «ربي وربك الله» مقتديا بأبيه إبراهيم حيث قال لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) ؛ بعد قوله هذا رَبِّي [٧٦/ الأنعام] . وفيه من اللطائف أنّ المصطفى ﷺ جمع بين طلب دفع المضارّ وجلب المنافع في ألفاظ يجمعها معنى الاشتقاق؛ ذكره المناوي في «كبيره على الجامع» رحمه الله تعالى. آمين. (وفي رواية) للدارمي في «مسنده» ، والطبراني في «الكبير» بسند ضعيف (بالأمن بدل) قوله: (اليمن) الواقع في الرواية السابقة. ولفظ الرواية هذه: عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ إذا رأى الهلال قال: «الله أكبر، اللهم؛ أهلّه علينا بالأمن والإيمان، والسّلامة والإسلام، والتّوفيق لما تحبّ وترضى، ربّنا وربّك الله» . انتهى. ذكرها في «الأذكار» و «الجامع الصغير» . (و) أخرج أبو داود في الأدب، وابن ماجه في «الوصايا» ؛ عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه- وفي العزيزي: إنه حديث صحيح- قال: (كان آخر كلامه ﷺ ؛ أي: ممّا يتعلّق بنصح الأمة والأعمال المطلوبة منهم، وكذا ما بعده، فإنّ فيه نهيا للأمّة عن مثل فعل اليهود من اتّخاذهم قبور أنبيائهم مساجد كما سيأتي. أما آخر كلامه على الإطلاق: ف «جلال ربّي الرّفيع» كما سيأتي، وقيل: «الرّفيق الأعلى» . وجمع بأنه نطق بهما معا؛ بأن قال: «جلال ربّي الرّفيع.. الرّفيق الأعلى» ! قاله الحفني على «الجامع» .

стр. 1570

«الصّلاة ... الصّلاة، اتّقوا الله فيما ملكت أيمانكم» . وكان آخر ما تكلّم به ﷺ أن قال: «قاتل الله اليهود والنّصارى؛ اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ... وقوله: ( «الصّلاة الصّلاة) ؛ أي: احفظوها بالمواظبة عليها، والإتيان بها في أوقاتها، فهو منصوب على الإغراء، وكرّره للتأكيد. (اتّقوا الله فيما ملكت أيمانكم» ) ؛ أي: فيما ملكتم من الأرقّاء بالإنفاق عليهم، والرّفق بهم، وخصّ اليمين!! لأنّ أكثر تصرّف الشخص فيما يملك بيده اليمنى، فأضيف الملك إليها لذلك، وقرن الوصيّة بالصّلاة الوصيّة بالمملوك!! إشارة إلى وجوب رعاية حقّه على سيّده كوجوب الصلاة. قالوا: وذا من جوامع الكلم، لشمول الوصية بالصلاة لكلّ مأمور ومنهي إذ هي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وشمول ما ملكت أيمانكم لكلّ ما يتصرّف فيه ملكا وقهرا، لأنّ «ما» عامّ في ذوي العلم وغيرهم، فلذا جعله آخر كلامه. انتهى. ذكره شرّاح «الجامع الصغير» . (و) أخرج البيهقي في «سننه» ؛ عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه قال: (كان آخر ما تكلّم به) النبيّ ﷺ أن قال «قاتل الله اليهود والنّصارى) ؛ أي: قتلهم وأهلكهم. (اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد) هذا ظاهر في اليهود؛ دون النّصارى، إذ ليس لهم نبيّ مدفون، لأن سيدنا عيسى رفع وليس بينه وبين نبيّنا نبيّ أصلا!! فإمّا أن يكون ضمير «اتخذوا» راجعا لليهود فقط، وإما يكون راجعا للنصارى أيضا باعتبار إطلاق لفظ الأنبياء على أحبارهم تجوّزا، لأنّهم كانوا يعظّمونهم كتعظيم الأنبياء ويسجدون إلى قبورهم، وهذا نهي لأمّته عن مثل فعلهم. ويؤيده قوله في رواية لمسلم: «قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد» . ولهذا لما أفرد النّصارى في حديث قال: «إذا مات فيهم الرجل الصّالح» ، ولما أفرد اليهود في حديث قال: «قبور أنبيائهم» .

стр. 1571

لا يبقينّ دينان بأرض العرب» . وكان آخر ما تكلّم به ﷺ : «جلال ربّي الرّفيع، فقد بلّغت» ، ثمّ قضى ﷺ . (لا يبقينّ دينان) - بكسر الدال- (بأرض العرب» ) . قال المناوي: وفي رواية: «بجزيرة العرب» انتهى. أي: فهو نهي عن إقامة الكفّار فيها. وفي المناوي على «الجامع» : وقد أخذ الأئمّة بهذا الحديث؛ فقالوا: يخرج من جزيرة العرب من دان بغير ديننا، لكنّ الشافعي خصّ المنع بالحجاز: وهو مكة والمدينة واليمامة وقراها؛ دون اليمن من أرض العرب. انتهى. (و) أخرج الحاكم في «المستدرك» عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: (كان آخر ما تكلّم به ﷺ مطلقا ( «جلال ربّي) - بالنصب- أي: أختار جلال ربّي (الرّفيع، فقد بلّغت» ) جميع ما أمرت بتبليغه فلا عذر لكم. (ثمّ قضى) ؛ أي: مات ﷺ . ولا يناقضه ما سبق، لأنّ ذلك آخر وصاياه لأهله وأصحابه وولاة الأمور من بعده؛ وذا آخر ما نطق به. قال السهيليّ: وجه اختيار هذه الكلمة من الحكمة أنّها تتضمن التوحيد والذكر بالقلب حتى يستفاد منه الرّخصة لغيره في النّطق، وأنّه لا يشترط الذكر باللّسان. وأصل هذا الحديث في «الصحيحين» عن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان النبيّ ﷺ يقول وهو صحيح: «إنّه لم يقبض نبيّ حتّى يرى مقعده من الجنّة» ، ثمّ أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت، ثمّ قال: «اللهمّ الرّفيق الأعلى» . فعلمت أنّه لا يختارنا، وعرفت أنّه الحديث الّذي كان يحدّثنا وهو صحيح، والذي دعاه إلى ذلك رغبته في لقاء محبوبه، فلما عيّن للبقاء محلا خاصّا؛ ولا ينال إلا بالخروج من هذه الدّار التي تنافي ذلك اللّقاء اختار الرفيق الأعلى.

стр. 1572

......... تتمة: ذكر السهيليّ عن الواقدي: أنّ أول كلمة تكلّم بها المصطفى ﷺ لمّا ولد: «جلال ربّي الرفيع» ، لكن روى عائذ: أنّ أوّل ما تكلّم به لما ولدته أمّه حين خروجه من بطنها: «الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا» . انتهى. ذكره المناوي في «شرح الجامع الصغير» رحمه الله تعالى. آمين.

стр. 1573

[الفصل الثالث في ثلاث مئة وثلاثة عشر حديثا من جوامع كلمه ﷺ ] الفصل الثالث في ثلاث مئة وثلاثة عشر حديثا من جوامع كلمه ﷺ وهي على عدد الرّسل الكرام، وأهل بدر شموس الإسلام. (الفصل الثّالث) من الباب السابع (في) ذكر (ثلاث مائة وثلاثة عشر حديثا) تقريبا (من جوامع كلمه ﷺ . من إضافة الصفة للموصوف؛ أي: كلمه الجوامع للمعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة؛ بنظم لطيف لا يعثر الفكر في طلبه، ولا يلتوي الذهن في فهمه، فما من لفظة يسبق فهمها إلى الذّهن إلّا معناها إليه أسبق، كما قال ﷺ : «أعطيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا» . رواه أبو يعلى والبيهقي عن ابن عمر، والدارقطني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم. قاله الزرقاني على «المواهب» . (وهي على عدد الرّسل الكرام) صلوات الله وسلامه عليهم، إذ قيل: إنهم ثلثمائة وثلاثة عشر، وقيل: وأربعة عشر، وقيل: وخمسة عشر، والأسلم الإمساك عن ذلك، لقوله تعالى لنبيّه ﷺ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [٧٨/ غافر] . (و) هي أيضا على عدد (أهل بدر) الكبرى (شموس الإسلام) رضوان الله عليهم. في «السّيرة الشامية» بدر: قرية مشهورة على نحو أربع مراحل من المدينة المنورة، وكان أهل غزوة بدر ثلثمائة وسبعة عشر رجلا، وفي رواية: وثلاثة عشر رجلا، ويؤيّد هذه الرواية أنّه ﷺ أمر بعدّهم فأخبر بأنهم ثلثمائة وثلاثة عشر؛ ففرح بذلك، وقال: «عدّة أصحاب طالوت» انتهى. ذكره الباجوري.

стр. 1574

اخترتها من «الشّفا» للقاضي عياض، و: «المواهب اللّدنّيّة» للعلّامة القسطلّانيّ، و: «الجامع الصغير» و: «الدّرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة» كلاهما للحافظ السّيوطيّ، و: «كنوز الحقائق» و: «طبقات الأولياء» كلاهما للعلّامة المناويّ. (اخترتها) ؛ أي: انتقيتها وجمعتها (من) كتاب ( «الشّفاء) بتعريف حقوق المصطفى ﷺ » (للقاضي) أبي الفضل (عياض) بن موسى اليحصبي المالكي رحمه الله تعالى رحمة واسعة. آمين. (و) من كتاب ( «المواهب اللّدنّيّة) بالمنح المحمدية» (للعلّامة) شهاب الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر الخطيب (القسطلّانيّ) - بضم القاف، وسكون السين. وضم الطاء المهملتين، وتشديد اللام- كذا أخذناه عن المشايخ شرقا وغربا، ووجدناه بخط من يقتدى به. انتهى من «هدى الأبرار شرح منظومة طلعة الأنوار» ؛ نقله شيخنا الشيخ حسن المشاط في تعليقه على «رفع الأستار» . (و) من كتاب ( «الجامع الصّغير) من أحاديث البشير النّذير» . (و) من كتاب ( «الدّرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة» ) على ألسنة العامة ومن ضاهاهم من الفقهاء الذين لا علم لهم بالأحاديث كما ذكر ذلك في مقدمتها. (كلاهما) ؛ أي: «الجامع» و «الدرر» (للحافظ) وليّ الله تعالى جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (السّيوطيّ) رحمه الله تعالى رحمة الأبرار. (و) من كتاب ( «كنوز الحقائق) في حديث خير الخلائق» ، (و) من كتاب ( «طبقات الأولياء» ) وهي الطبقات الكبرى المسمّاة «الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية» (كلاهما) ؛ أي: «كنوز الحقائق» و «الطبقات» (للعلّامة) الحبر الفهامة صاحب القلم السّيّال: عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الملقّب «زين الدين» الحدادي (المناويّ) - بضم الميم-: صاحب التصانيف السائرة رحمه الله تعالى ورضي عنه، وقد تقدّمت ترجمتهم جميعا في أول

стр. 1575

ومن المعلوم عند النّاس كافّة، ... الكتاب رحمهم الله تعالى رحمة الأبرار، وأسكنهم أعلى فراديس القرار، ونفعنا بعلومهم، وأعاد علينا من فهومهم بمنه وكرمه. آمين. (ومن المعلوم) المقرّر (عند النّاس) : اسم وضع للجمع كالقوم والرّهط، وواحده إنسان من غير لفظه، مشتق من: ناس ينوس؛ إذا تدلى وتحرك، فيطلق على الجنّ والإنس. قال تعالى الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) [الناس] ، ثمّ فسّر الناس بالجنّ والنّاس، فقال مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦) [الناس] ، وسمّى الجنّ ناسا كما سموا رجالا، قال تعالى وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ [٦/ الجن] وكانت العرب تقول: رأيت ناسا من الجنّ، ويصغر الناس على «نويس» ، لكن غلب استعماله في الإنس؛ قاله في «المصباح» . (كافّة) ؛ أي: جميعا، قال سيبويه: إنّ «كافّة» يلزم التنكير والنصب على الحالية؛ كعامّة، وقاطبة، وطرّا، ونحوه، وزاد غيره: أنّها لا تثنى ولا تجمع ولا تطلق على غير العقلاء، ولم يرد ذلك في كلام الله تعالى، ولا في كلام العرب!. ووهّموا من استعملها على خلاف ذلك: كابن نباته في «خطبه» وصاحب «الكشاف» في «كشافه» ، وفي قوله في خطبة «المفصل» : «محيط بكافّة الأبواب» لإخراجه لها عن النصب والتنكير، واستعمالها فيما لا يعقل. وأما قول الجوهري « «الكافة» الجميع من الناس» !! فلا وهم فيه؛ لأن النكرة إذا أريد لفظها يجوز أن تعرّف فلا وهم فيه، كما توهّم صاحب «درة الغواص» للحريري؛ ذكر ذلك الشهاب الخفاجي في «شرح الشفا» على قول المتن: «ما روته الكافّة عن الكافة» . وتعقّبه بقوله: هذا وإن اتفقوا عليه لا وجه له رواية ودراية. أما الأوّل: فلأن العرب إذا استعملت لفظا في معنى وضعته له على وجه مخصوص من الإعراب؛ لم يلزم غيرهم اتّباعهم فيه، ولو قلنا بذلك لأدّى إلى

стр. 1576

موافقين ومخالفين، مسلمين وغير مسلمين.. أنّ رسول الله ﷺ أفصح النّاس على الإطلاق، ولم يخالف في ذلك أحد. التضييق على الناس في استعمال الألفاظ العربية. وعدّ هذا ونحوه لحنا- كما قاله الحريري- لا وجه له. وأما الثاني: فلأنّه روي عن عمر رضي الله تعالى عنه استعماله في كتابه لبني كاكله المرويّ عنه رواية ثابتة، وعن علي كرم الله تعالى وجهه في ذلك أيضا حيث كتبه بعينه بين جمع من الصّحابة وناهيك بهم فصاحة!! فإن أردت تفصيله فانظره في شرحنا ل «درة الغواص في أوهام الخواص» . انتهى كلام الخفاجي رحمه الله تعالى. والمراد بقوله «كافّة» : عموم الناس كما بيّنه بقوله: (موافقين) لنا في الدّين والعقيدة، (ومخالفين) فيهما (مسلمين؛ وغير مسلمين) ، فجميع الطوائف وجميع الفرق على اختلاف أديانهم وعقائدهم ومذاهبهم ومشاربهم كلّهم معترفون (أنّ رسول الله ﷺ أفصح النّاس على الإطلاق) أي: أقدرهم على الإتيان بالكلام الفصيح؛ أي: البليغ، فالفصاحة قد تطلق ويراد بها البلاغة، وهو أحسنهم بيانا، وأعذبهم كلاما، وأسرعهم أداء، وأحلاهم منطقا، حتى كان كلامه يأخذ بمجامع القلوب، ويسلب الأرواح، لا يوازى فصاحة، ولا يبارى بلاغة. (ولم يخالف في ذلك أحد) من سائر الطوائف، فكيف وهو الذي شدّت به الفصاحة نطاقها، ومدّت إليه البلاغة رواقها، وقد كان يقول: «أنا أفصح العرب» !! ذكره في «المواهب» ؛ أي: والعرب أفصح الناس، فهو أفصح الفصحاء، وقد قال له عمر بن الخطاب: يا رسول الله؛ مالك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟!. فقال: «كانت لغة إسماعيل قد درست، فجاءني بها جبريل فحفظتها» . رواه أبو نعيم في «تاريخ أصبهان» بإسناد ضعيف، وفي رواية ابن عساكر: «فحفّظنيها» ؛ أي: جبريل، فلذا كنت أفصح العرب. ينطق بأفصح

стр. 1577

وهاكها مرتّبة على الحروف: اللّغات وأتمّ البلاغات، وأفحم بلغاء العرب قاطبة، فلم يدع منهم أحدا إلّا أعجزه وأدلّه، وحيّره في أمره وأعلّه؛ قاله الزرقاني على «المواهب» قال: وأما ما يروى: «أنا أفصح من نطق بالضّاد» !! فقال ابن كثير: لا أصل له. انتهى، لكن معناه صحيح. وبالجملة فلا يحتاج العلم بفصاحته إلى شاهد، ولا ينكرها موافق ولا معاند. وقد جمع العلماء كابن السنّي، والقضاعيّ، وابن الصّلاح في آخرين من كلامه الفرد الموجز البديع الذي لم يسبق إليه كتبا مستقلة، وتبعهم المصنف فذكر منها جملة وافرة في هذا الفصل، (وهاكها) ؛ أي: خذها، لأن «ها» اسم فعل أمر بمعنى «خذ» . وفيه: لغتان: القصر والمدّ، ويستعمل مجرّدا، فيقال: للواحد المذكر وغيره «ها» بالقصر، و «هاء» بالمد، ويستعمل متلوا بكاف الخطاب بحسب المخاطب، فيقال: «هاك، وهاك، وهاكما، وهاكم، وهاكن» ، ويستعمل مقتصرا على تصرف الهمزة فيقال: «هاء وهاؤما وهاؤم وهاؤن» . وهذه أفصح اللّغات فيها، وبها ورد القرآن؛ قاله السيوطي في «شرح جمع الجوامع» النحوي. (مرتّبة على الحروف) فما كان أوله همزة ففي حرف الهمزة، وما كان أوله باء موحدة ففي حرف الباء، وهكذا قال المصنف:

стр. 1578

[ (حرف الهمزة) ] (حرف الهمزة) قال رسول الله ﷺ : ١- «أوتيت جوامع الكلم» . (حرف الهمزة) ؛ أي: هذا باب الأحاديث المبدوءة بحرف الهمزة، وصدّرها بحديث «أوتيت جوامع الكلم» !! لما فيه من المناسبة للفصل الذي عقده، إذ تضمّن ذلك الحديث براعة الاستهلال، وحسن المطلع، وهي أن يأتي المتكلم في طالعة كلامه بما يشعر بمقصوده. ومراد المصنف التنويه بفصاحته ﷺ بذكر شيء من جوامع كلمه الدّالة على أنّه ﷺ أحرز قصب السبق في مضمار الفصاحة والبلاغة مع ملاحظة ما اشتملت عليه تلك الأحاديث من الأحكام ومكارم الأخلاق المطلوب من الشخص التخلّق بها والعمل بما فيها، كيما يتمّ له الاقتداء بالنبيّ ﷺ في أفعاله وأقواله وأخلاقه الذي هو موضوع الكتاب، فرحم الله المصنف رحمة واسعة، وجمعنا به في مستقرّ رحمته بمنّه وكرمه. آمين. (قال رسول الله ﷺ : ١- «أوتيت جوامع الكلم) واختصر لي الكلام اختصارا» رواه العسكري في «الأمثال» عن جعفر بن محمد، عن أبيه مرسلا بهذا اللفظ، لكن في سنده من لا يعرف. ورواه الديلمي بلا سند عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما رفعه بلفظ: «أعطيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا. ورواه الشيخان لكن بلفظ: «بعثت بجوامع الكلم» . وفي خبر آخر رواه أحمد: «أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه» . وروى البيهقي عن عمر بن الخطاب أنّه مرّ برجل يقرأ كتابا من التوراة فذكر

стр. 1579

٢- «اتّق الله فيما تعلم» . للنبيّ ﷺ ، فقال: «إنّما بعثت فاتحا وخاتما، وأعطيت جوامع الكلم وفواتحه واختصرلي الحديث اختصارا» . ولأبي يعلى عن خالد بن عرفطة قال: كنت عند عمر فجاء رجل فذكره.. وفيه: فقال النبي ﷺ : «يا أيّها النّاس، أوتيت جوامع الكلم وخواتمه واختصرلي الكلام اختصارا» . وفي رواية ابن سيرين عن أبي هريرة: «أعطيت فواتح الكلم» . وفي أخرى: «أعطيت مفاتيح الكلم» . وفي أخرى: أعطيت جوامع الكلم» . وفي حديث أبي موسى: «أعطيت فواتح الكلم وخواتمه» ، قلنا: يا رسول الله؛ علّمنا مما علمك الله! فعلمنا التشهد. ورواه أيضا في «المختارة» عن عمر بن الخطاب بلفظ آخر، مع بيان سبب وروده. ومعناه: أنّه ﷺ أوتي ملكة يقتدر بها على إيجاز اللفظ مع سعة المعنى، بنظم لطيف، لا تعقيد فيه؛ يعثر الفكر في طلبه، ولا التواء يحار الذّهن في فهمه، فما من لفظة يسبق فهمها إلى الذهن إلا ومعناها أسبق إليه. وقيل: أراد القرآن، وقيل: أراد أنّ الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الأمور المتقدمة جمعت له في الأمر الواحد والأمرين، والله أعلم. ٢- ( «اتّق) - بكسر الهمزة وشد المّثناة فوق- (الله) أمر من التقوى: فعلى من الوقاية: ما يتقى به مما يخاف، فتقوى العبد لله: أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من غضبه وقاية تقيه منه، وهي هنا الحذر (فيما تعلم» ) ؛ أي: احذره وخفه في العمل، أو في تركب العمل بالذي تعلمه- وحذف المفعول للتعميم- وذلك بأن تتجنب المنهي وتفعل المأمور. وخاطب العالم! لأن الجاهل لا يعرف كيف يتقي من جانب الأمر، ولا من جانب النهي. والمراد أصالة العلم العيني الذي لا رخصة للمكلّف في تركه وما عداه

стр. 1580

٣- «اتّق الله في عسرك ويسرك» . من كمال التقوى. قال ابن القيم: وللمعاصي من الآثار القبيحة ما لا يعلمه إلّا الله، فمنها: حرمان العلم، فإن العلم نور يقذف في القلب، والمعصية تطفئه؛ شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأنّ العلم نور ... ونور الله لا يهدى لعاصي وكتب رجل إلى أخيه: إنّك أوتيت علما فلا تطفئنّ نوره بظلمة الذّنوب؛ فتبقى في الظّلمة يوم يسعى أهل العلم في نور علمهم. أوحى الله تعالى إلى داود ﵊: «يا داود أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي» . وقال بشر: التّلذّذ بجاه الإفادة ومنصب الإرشاد أعظم من كل تنعم في الدنيا؛ فمن أجاب شهوته فيه فما اتقى فيما علم. انتهى ذكره المناوي على «الجامع» . وهذا الحديث رواه البخاري في «التاريخ» ، والترمذي: كلاهما عن زيد بن مسلمة الجعفي قال: قلت: يا رسول الله؛ سمعت منك حديثا كثيرا فإني أخاف أن ينسيني آخره أوّله فمدّني بكلمة جامعة؛ فقال: «اتق الله فيما تعلم» . قال الترمذي في «العلل» : سألت عنه محمدا- يعني البخاري- فقال: سعيد بن أشوع لم يسمع من زيد، فهو عندي مرسل. وقال السيوطي في «الجامع الكبير» : منقطع. انتهى ذكره المناوي في «شرح الجامع» وقال: رواه أيضا الطبراني من حديث سعيد بن أشوع عن زيد بن مسلمة الجعفي. انتهى ٣- ( «اتّق الله) : خفه واحذره (في عسرك) - بضم فسكون-: الضيق، والصعوبة، والشدّة. (ويسرك» ) : الغنى والسهولة؛ أي: خف الله واحذره في ضيقك وشدّتك، وضدّهما بأن تجتنب ما نهى عنه وتفعل ما أمر به في جميع أحوالك يعني: إذا كنت في ضيق وشدّة وفقر؛ فخف الله أن تفعل ما نهى عنه، أو تهمل ما أمر به، وإن كنت في سرور وغنى؛ فاحذره أن تطغى وتقتحم
следующие страницы →