Полный текст (2 342 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
فتوارد حسّان معه، أو ضمّنه شعره. وبه جزم في «الخميس» ، ولم يعرف في العرب من تسمّى محمدا قبل النبي ﷺ إلّا جماعة حصرهم الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» ؛ في خمسة عشر نفسا:
الأول- وهو أشهرهم-: محمد بن عديّ بن ربيعة بن سواءة بن جشم بن سعد بن زيد مناة بن تميم التميمي السعدي.
الثاني: محمد بن أحيحة- بضم الهمزة وفتح المهملة- ابن الجلاح- بضم الجيم وتخفيف اللام آخره حاء مهملة- الأوسي.
الثالث: محمد بن أسامة بن مالك بن حبيب بن العنبر بن تميم العنبري التميمي.
الرابع: محمد بن البراء؛ ويقال: البر بن طريف- بمهملتين بوزن رغيف- ابن عتواره بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة البكري العتواري.
الخامس: محمد بن الحارث بن حديج- بمهملتين فتحتية: فجيم مصغّر- ابن حويص.
السادس: محمد بن حرماز- بكسر المهملة وسكون الراء وآخره زاي- ابن مالك بن عمرو بن تميم اليعمري.
السابع: محمد بن حمران بن أبي حمران، واسمه ربيعة بن أبي ربيعة؛ واسمه: مالك الجعفي؛ المعروف ب «الشّويعر» مصغّر شاعر.
الثامن: محمد بن خزاعي- بضم الخاء وفتح الزاي المعجمتين فألف فمهملة فتحتية؛ اسم بلفظ النسب- ابن علقمة بن حرابة السّلمي؛ من بني ذكوان بطن من سليم.
التاسع: محمد بن خولي- بالخاء المعجمة: وسكون الواو- الهمداني.
العاشر: محمد بن سفيان بن مجاشع التميمي.
стр. 177
وأمّا اسم أحمد: فقد قال الباجوريّ في «حاشيته» :
هو في الأصل أفعل تفضيل، ...
الحادي عشر: محمد بن اليحمد- بضمّ التحتية وسكون المهملة وكسر الميم- الأزدي.
الثاني عشر: محمد بن يزيد بن عمرو بن ربيعة التميمي.
الثالث عشر: محمد بن الأسيّدي- بضم الهمزة وفتح السين المهملة وكسر التحتية الثقيلة-.
الرابع عشر: محمد الفقيمي- بضم الفاء وفتح القاف وسكون التحتية-.
الخامس عشر: محمد بن عمرو بن مغفل- بضمّ أوّله وسكون المعجمة وكسر الفاء ثم لام-، والد هبيب- بموحدتين مصغّر-.
وكلّهم لم يدركوا الإسلام إلّا الأوّل؛ وهو محمد بن عدي، ففي سياق خبره الذي رواه البغويّ وابن سعد وابن شاهين وابن السّكن وغيرهم ما يشعر بإدراكه الإسلام. ولفظ الخبر؛ عن خليفة بن عبدة النصري قال: سألت محمد بن عدي:
كيف سمّاك أبوك في الجاهلية محمدا؟! قال: سألت أبي عمّا سألتني؛ فقال:
خرجت رابع أربعة من تميم أنا أحدهم، وسفيان بن مجاشع، ويزيد بن عمرو، وأسامة بن مالك؛ نريد الشام، فنزلنا على غدير عند دير؛ فأشرف علينا الديراني؛ فقال لنا: إنّه يبعث منكم وشيكا نبي فسارعوا إليه. فقلنا: ما اسمه؟ قال:
محمد. فلما انصرفنا ولد لكلّ منا ولد فسمّاه محمدا لذلك. انتهى.
وقد ذكره ابن سعد والبغويّ والباروديّ وغيرهم في الصحابة، وأنكره ابن الأثير على ابن منده؛ وتبعه الذهبي، فقال: لا وجه لذكره فيهم.
قال في «الإصابة» : ولا إنكار عليه، لأن سياقه يقتضي أنّ له صحبة.
(وأمّا اسم أحمد!! فقد قال) الشيخ العلّامة إبراهيم (الباجوريّ) رحمه الله تعالى (في «حاشيته» ) على «الشمائل» : (هو في الأصل «أفعل» تفضيل)
стр. 178
وسمّي بذلك لأنّه أحمد الحامدين لربّه؛ ففي «الصّحيح» : أنّه يفتح عليه يوم القيامة بمحامد لم يفتح بها على أحد قبله، وكذلك يعقد له لواء الحمد، ويخصّ بالمقام المحمود.
وبالجملة: فهو أكثر النّاس حامديّة ومحموديّة، فلذلك سمّي أحمد ومحمّدا. ولهذين الاسمين الشّريفين مزيّة على سائر الأسماء، فينبغي تحرّي التّسمية بهما، ...
حذف المفضّل عليه قصدا للتعظيم نحو «الله أكبر» ، أي: من كلّ شيء. ثم نقل ولحظ أصله، فلا يرد عليه أنّه علم؛ فكيف يفيد ما ذكره؟.
(وسمّي بذلك!! لأنّه أحمد الحامدين لربّه) ، وكذلك معنى «أحمد» فاسمه مطابق لمعناه (ففي «الصّحيح» ) : البخاري ومسلم (أنّه يفتح عليه يوم القيامة) في المقام المحمود (بمحامد) - جمع محمدة، بمعنى حمد- (لم يفتح بها على أحد قبله) ؛ أي: يلهمه الله محامد عظيمة لم يلهمها لغيره، وأصل الفتح ضدّ الغلق؛ فاستعير للإلهام، (وكذلك يعقد له لواء الحمد) الحقيقي وعلم حقيقته عند الله؛ أي: لواء يتبعه كلّ حامد ومحمود، وأصحاب الحمد من لهم الشفاعة يومئذ كالأنبياء، أو هو تمثيل لشهرته في الموقف وعدم التأويل أسدّ- كما قيل- (ويخصّ بالمقام المحمود) ؛ وهو مقام الشفاعة العظمى الذي يحمده فيه الأوّلون والآخرون.
(وبالجملة فهو) ﷺ (أكثر النّاس حامديّة ومحموديّة، فلذلك سمّي أحمد ومحمّدا) ، لأنّ هذين الاسمين اشتقّا من أخلاقه ﷺ وخصائله المحمودة: التي لأجلها استحقّ أن يسمّى «محمدا» و «أحمد» .
(ولهذين الاسمين الشّريفين مزيّة) أي: فضل (على سائر الأسماء) ؛ أي:
سوى «عبد الله» و «عبد الرحمن» - على ما اعتمده العلامة ابن حجر في «التحفة» ؛ من أفضليتهما على اسمي «محمد» و «أحمد» - (فينبغي تحرّي التّسمية بهما) ؛ أي: باسمي «محمد» و «أحمد» ، وقد سمّى الإمام الشافعيّ
стр. 179
فقد ورد في الحديث القدسيّ: «إنّي آليت على نفسي أن لا أدخل النّار من اسمه أحمد، ولا محمّد» .
ورواه الدّيلميّ عن عليّ ...
ولده محمدا؛ وقال: سمّيته بأحبّ الأسماء إليّ.
ومن خصائصه ﷺ أنّ اسمه ميمون ونافع في الدنيا والآخرة، (فقد ورد في الحديث القدسيّ) الذي رواه أبو نعيم: «قال الله : «وعزّتي وجلالي؛ لا عذّبت أحدا تسمّى باسمك في النّار» » .
كما جاء في التسمية ب «محمد» و «أحمد» فضائل عليّة في عدّة أحاديث.
فمنها ما ورد عنه ﷺ أنّه قال: «يوقف عبدان بين يدي الله تعالى فيأمر بهما إلى الجنّة، فيقولان: ربّنا بم استأهلنا الجنّة؛ ولم نعمل عملا تجازينا به الجنّة!؟
فيقول الله تعالى: ادخلا الجنّة؛ (إنّي آليت على نفسي أن لا أدخل النّار من اسمه أحمد ولا محمّد» ) .
ومنها ما (رواه) (الدّيلميّ) في «مسند الفردوس» ؛ (عن) أمير المؤمنين الإمام (عليّ) بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي المكي المدني الكوفي أمير المؤمنين «ابن عم رسول الله ﷺ » .
وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف الهاشمية. وهي أوّل هاشمية ولدت هاشميا. أسلمت وهاجرت إلى المدينة.
وتوفيت في حياة رسول الله ﷺ ؛ وصلّى عليها رسول الله ﷺ ، ونزل في قبرها.
وكنية علي: «أبو الحسن» . وكنّاه رسول الله ﷺ «أبا تراب» ، فكان أحبّ ما ينادى به إليه. وهو أخو رسول الله ﷺ بالمؤاخاة، وصهره على فاطمة سيّدة نساء العالمين، وأبو السّبطين، وأوّل هاشمي ولد بين هاشميين، وأوّل خليفة من بني هاشم.
стр. 180
رضي الله تعالى عنه: ما من مائدة وضعت فحضر عليها من اسمه محمّد أو أحمد.. إلّا قدّس الله ذلك المنزل في كلّ يوم مرّتين) انتهى.
وهو أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، وأحد الستّة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض.
وأحد الخلفاء الراشدين، وأحد العلماء الربّانيين؛ والشّجعان المشهورين، وأحد الزّهّاد المذكورين، وأحد السابقين إلى الإسلام.
توفي في الكوفة ليلة الأحد التاسع عشر من شهر رمضان سنة: أربعين. ضربه ابن ملجم «أشقى الآخرين لعنه الله» بسيف مسموم في جبهته فأوصله دماغه، ليلة الجمعة الموافق ١٧ رمضان سنة: أربعين هجرية في قصة يطول شرحها، وتوفي وعمره ثلاث وستون سنة على الأصحّ.
والأحاديث الصحيحة الواردة في فضله كثيرة، ومناقبة جمّة أفردت بالتأليف (رضي الله تعالى عنه) وكرّم وجهه في الجنة. آمين.
(ما من مائدة وضعت فحضر عليها من اسمه «محمّد» أو «أحمد» إلّا قدّس الله ذلك المنزل في كلّ يوم مرّتين. انتهى) .
قال العلّامة السيد عبد الله بن محمد بن الصّديق الغماري: وللحافظ أبي عبد الله:
الحسين بن أحمد بن عبد الله بن بكير البغدادي جزء مطبوع في فضل التسمية ب «محمد» و «أحمد» . انتهى. لكن قال المجد صاحب «القاموس» في خاتمة «سفر السعادة» ؛ باب فضيلة التسمية ب «محمد» و «أحمد» : والمنع من ذلك لم يصحّ فيه شيء. وتبعه العجلوني في «كشف الخفا» ، وسبقهما الحافظ ضياء الدين أبو حفص عمر بن بدر الموصلي في كتاب «المغني عن الحفظ والكتاب» ؛ فقال:
قال أبو حاتم الرازي: قد ورد في هذا الباب أحاديث عن رسول الله ﷺ ليس فيها ما يصحّ. وتعقّبه الشيخ حسام القدسي في رسالته «انتقاد المغني» بما فيه نظر، فليراجعه من أراده.
стр. 181
[الباب الثّاني في صفة خلقة رسول الله ﷺ ]
الباب الثّاني في صفة خلقة رسول الله ﷺ وما يناسبها من أوصافه الشّريفة وفيه عشرة فصول (الباب الثّاني) من الأبواب الثمانية (في صفة خلقة رسول الله ﷺ ؛ أي: صورته التي خلق عليها، (وما يناسبها من أوصافه الشّريفة) ؛ كصفة بصره، وشعره، وشيبه، وخضابه، وعرقه، وطيبه، وتطيّبه.
(وفيه عشرة فصول.
стр. 182
[الفصل الأوّل في جمال صورته ﷺ ، وما شاكلها]
الفصل الأوّل في جمال صورته ﷺ ، وما شاكلها الفصل الأوّل:
في جمال صورته ﷺ ؛ وهي: ما يظهر للناظرين من جسده ﷺ ، وفي «المصباح» ؛ قال سيبويه: الجمال رقّة الجسد، والأصل جمالة بالهاء مثل (صبح صباحة) لكنهم حذفوا الهاء تخفيفا لكثرة الاستعمال.
وما شاكلها) ، أي: ناسبها.
واعلم أنّ الكلام على خلقته ﷺ يستدعي الكلام على ابتداء وجوده؛ فاحتيج إلى ذكره، وإن أغفله المصنّف رحمه الله تعالى.
وملخصه أنه صحّ في «مسلم» أنّه قال: «إنّ الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السّموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء» . ومن جملة ما كتب في الذكر؛ وهو «أمّ الكتاب» : أنّ محمدا خاتم النبيين.
وصحّ أيضا: «إنّي عند الله في أمّ الكتاب لخاتم النّبيّين، وإنّ آدم لمنجدل في طينته» أي: لطريح ملقى قبل نفخ الروح فيه.
وصحّ أيضا: يا رسول الله؛ متى كنت نبيّا؟! قال: «وآدم بين الرّوح والجسد» . وروي «كتبت» ؛ من الكتابة. وروى الترمذي وحسّنه: يا رسول الله؛ متى وجبت لك النبوة؟! فقال: «وآدم بين الرّوح والجسد» . ومعنى وجوب النبوة وكتابتها ثبوتها وظهورها في الخارج؛ أي: للملائكة، وروحه ﷺ في عالم الأرواح؛ إعلاما بعظيم شرفه وتميّزه عن بقية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
стр. 183
.........
وخصّ الإظهار بحالة كون آدم بين الروح والجسد!! لأنّه أوان دخول الأرواح إلى عالم الأجساد، والتمايز حينئذ أتمّ وأظهر فاختصّ ﷺ بزيادة إظهار شرفه حينئذ، ليتميّز على غيره تميّز أظهر وأتمّ.
وأجاب الغزالي في بعض كتبه عن وصف نفسه بالنبوة قبل وجود ذاته، وخبر «أنا أوّل الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا» : بأن المراد بالخلق هنا التقدير، لا الإيجاد، فإنه قبل أن تحمل به أمّه لم يكن مخلوقا موجودا، ولكن الغايات والكمالات سابقة في التقدير؛ لا حقة في الوجود. فقوله: «كنت نبيّا» - أي: في التقدير- قبل تمام خلقة آدم. إذ لم ينشأ إلّا لينتزع من ذريّته محمد ﷺ . وتحقيقه أنّ للدار في ذهن المهندسين وجودا ذهنيّا؛ سببا للوجود الخارجي وسابقا عليه، فالله تعالى يقدّر ثم يوجد على وفق التقدير ثانيا. انتهى.
وذهب السبكي إلى ما هو أحسن وأبين؛ وهو أنّه جاء: «إنّ الأرواح خلقت قبل الأجساد» . والإشارة ب «كنت نبيّا» إلى روحه الشريفة، أو حقيقة من حقائقه لا يعلمها إلّا الله تعالى، ومن حباه بالاطلاع عليها.
ثم إنّ الله تعالى يؤتي كلّ حقيقة منها ما شاء؛ في أيّ وقت شاء، فحقيقته ﷺ قد تكون من قبل خلق آدم آتاها الله ذلك الوصف بأن خلقها متهيئة له؛ وأفاضه عليه فصار نبيا، وكتب اسمه على العرش ليعلم ملائكته وغيرهم كرامته عنده، فحقيقته موجودة من ذلك الوقت؛ وإن تأخّر جسده الشريف المتّصف بها؛ فحينئذ فإيتاؤه النبوة والحكمة وسائر أوصاف حقيقته وكمالاته معجّل لا تأخير فيه، وإنما المتأخّر تكوّنه وتنقّله في الأصلاب والأرحام الطاهرة إلى أن ظهر ﷺ . ومن فسّر ب (علم الله تعالى أنّه سيصير نبيّا) !! لم يصل لهذا المعنى، لأن علمه تعالى محيط بجميع الأشياء، فالوصف بالنبوة في ذلك الوقت ينبغي أن يفهم منه أنّه أمر ثابت له، وإلّا لم يختصّ بأنه نبيّ حينئذ، إذ الأنبياء كلّهم كذلك بالنسبة لعلمه تعالى.
وقال العماد ابن كثير؛ في تفسير قوله تعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ) الآية [٨١/ آل عمران] :
стр. 184
.........
إنّ الله تعالى لم يبعث نبيا إلّا أخذ عليه العهد في محمد ﷺ إن بعث؛ وهو حي:
ليؤمننّ به ولينصرنّه، ويأخذ العهد بذلك.
وأخذ السبكي من الآية: أنّه على تقدير مجيئه في زمانهم مرسل إليهم؛ فتكون نبوّته ورسالته عامّة لجميع الخلق من آدم إلى يوم القيامة. وتكون الأنبياء والأمم كلّهم من أمته. فقوله: «وبعثت إلى النّاس كافّة» يتناول من قبل زمانه أيضا، وبه يتبيّن معنى قوله «كنت نبيّا وآدم بين الرّوح والجسد» ، وكذا حكمة كون الأنبياء تحت لوائه في الآخرة وصلاته بهم ليلة الإسراء.
فأوّل الأشياء على الإطلاق: النور المحمّدي، ثم الماء، ثم العرش، ثم القلم. ولما خلق الله آدم جعل ذلك النور في ظهره؛ فكان يلمع في جبينه، ولما توفي كان ولده شيث وصيّه، فوصّى ولده بما وصّاه به أبوه «أن لا يوضع هذا النور إلّا في المطهّرات من النساء» ، ولم يزل العمل بهذه الوصية إلى أن وصل ذلك إلى عبد الله مطهّرا من سفاح الجاهلية كما أخبر رسول الله ﷺ عن ذلك في عدّة أحاديث. ثم زوّج عبد المطلب ابنه عبد الله بآمنة بنت وهب، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعا؛ فدخل بها، وحملت بمحمد ﷺ ، فظهر في حمله ومولده عجائب تدلّ لما يؤول إليه أمر ظهوره ورسالته.
وقد صح أنّ أمّه ﷺ رأت حين وضعته نورا أضاء له قصور الشام، وولد مختونا في قول- عام الفيل، وحكي الاتفاق عليه، والمشهور أنّه بعده بخمسين يوما، وقيل: بأربعين، وقيل: بعشر سنين، وقيل غير ذلك.
ثم الجمهور على أنّه ولد في شهر ربيع الأول، فقيل: ثانيه. وقيل: ثامنه.
وانتصر له كثير من المحدّثين. وقيل: عاشره. وقيل: ثاني عشره وهو المشهور.
وقيل غير ذلك، وذلك في يوم الاثنين- كما صحّ في «مسلم» - عقب الفجر- كما في رواية ضعيفة-
стр. 185
قال في «المواهب» : (اعلم أنّ من تمام الإيمان به ﷺ .. الإيمان بأنّ الله تعالى جعل خلق بدنه الشّريف على وجه لم يظهر قبله ولا بعده خلق آدميّ مثله.
ومدّة حمله تسعة أشهر، أو عشرة، أو ثمانية، أو سبعة، أو ستة: أقوال.
بمكة بمولده المشهور الآن؛ وهو الأصحّ. وقيل: بالشّعب. وقيل: بالروم.
ثم أرضعته حليمة السعدية، والمشهور موت أبيه بعد حمله بشهرين، وقيل: وهو في المهد، وماتت أمه ودفنت بالأبواء، وقيل: بالحجون. وجمع بعض كما في «الخميس» بأنها دفنت أوّلا بالأبواء؛ وكان قبرها هناك، ثم نبشت ونقلت إلى مكة؛ كما في الزرقاني على «المواهب» .
ومات جدّه كافله عبد المطلب؛ وله ثمان سنين، أو: تسع، أو: عشر، أو ست: أقوال.
ثم كفله عمّه شقيق أبيه أبو طالب.
وتزوّج خديجة؛ وهي بنت أربعين. وهدمت قريش الكعبة وعمره خمس وثلاثون سنة.
ثم لما بلغ أربعين سنة- أو: وأربعين يوما، أو: وشهرين- بعثه الله رحمة للعالمين يوم الاثنين؛ لخبر «مسلم» ، في رمضان، وقيل: ربيع. فأقام بمكّة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين.
(قال) - أي- العلّامة القسطلّاني (في «المواهب) اللّدنّيّة بالمنح المحمّديّة» :
(اعلم أنّ من تمام الإيمان به ﷺ ، الإيمان) ؛ أي: التصديق والاعتقاد (بأنّ الله تعالى جعل خلق) - أي: تقدير- (بدنه الشّريف على وجه) - أي: حال؛ وهيئة- (لم يظهر قبله ولا بعده خلق آدميّ مثله) ؛ أي: لم يجتمع في بدن آدمي من المحاسن الظاهرة ما اجتمع في بدنه ﷺ . وسرّ ذلك: أنّ المحاسن الظاهرة آيات
стр. 186
ولله درّ الأبوصيريّ حيث قال:
فهو الّذي تمّ معناه وصورته ... ثمّ اصطفاه حبيبا بارىء النّسم
على المحاسن الباطنة، والأخلاق الزكية؛ ولا أكمل منه ﷺ ، ولا مساو له في هذا المدلول؛ فكذلك الدالّ، فيكون ما يشاهد من خلق بدنه آيات على ما يتّضح من عظيم خلق نفسه الكريمة. وما يتّضح من عظيم أخلاق نفسه، آيات على ما تحقّق له من سرّ قلبه المقدّس، أي: ما اشتمل عليه من المعاني البديعة.
فالمعاني مكنونة فيه لا يطّلع عليها، ولكن يستدلّ عليها بما ظهر من أخلاقه وكمالاته. وهو ﷺ ؛ وإن ظهر منه كمالات لا تحصى؛ فهي بالنسبة لما خفي كنقطة من بحر. فالمراتب إذن ثلاث: المشاهد دليل على الباطن، وذلك الباطن دليل على ما أودع في قلبه من العلوم والمعارف.
(ولله درّ الأبوصيريّ) : محمد بن سعيد الصّنهاجي الدّلاصي المولد، المغربي الأصل، البوصيري المنشأ. ولد ب «دلاص» أول شوال سنة: - ٦٠٨- ثمان وستمائة، وبرع في النظم. قال فيه الحافظ ابن سيّد الناس: هو أحسن من الجزار والوراق. ومات سنة: - ٦٩٥- ٦٩٤- خمس؛ أو: أربع وتسعين وستمائة.
كان أحد أبويه من «بوصير الصعيد» والآخر من «دلاص» بفتح الدال المهملة: قرية ب «البهنسا» ، فركّبت النسبة منها؛ فقيل الدلاصيري. ثم اشتهر بالبوصيري؛ لنشأته بها، أو لأنّها بلد أبيه. فقوله «الأبوصيري» منتقد، لأنّ القرية إنما هي «بوصير» والنسبة إليها البوصيري، كما في «المراصد» و «اللباب» و «لبّه» في باب الموحدة؛ لا الهمزة. (حيث قال) في «بردة المديح» :
(فهو الّذي تمّ) : كمل (معناه) : حال باطنه، (وصورته) : حال ظاهره؛ بالرفع عطف على «معناه» والنصب مفعول معه (ثمّ اصطفاه) : اختاره (حبيبا بارىء) : خالق (النّسم) : جمع نسمة- بفتحتين-: وهي الإنسان.
و «ثمّ» للترتيب في الإخبار؛ دون الصفات، أو في الاصطفاء؛ كما قال المحلّي، نظرا للوجود الخارجي، فإن اتخاذه حبيبا ومخاطبته به بعد تمام معناه وصورته:
стр. 187
منزّه عن شريك في محاسنه ... فجوهر الحسن فيه غير منقسم
وقد حكى القرطبيّ رحمه الله تعالى في (كتاب الصّلاة) ، أنّه قال: لم يظهر لنا تمام حسنه ﷺ ؛ لأنّه لو ظهر لنا تمام حسنه.. لما طاقت أعيننا رؤيته ﷺ انتهى.
(منزّه) : مبعّد (عن شريك في محاسنه) ؛ جمع محسن؛ بمعنى الحسن أي: لا شريك له في حسنه، (فجوهر الحسن) أصله (فيه غير منقسم) ؛ أي:
متفرّق.
ومعنى البيتين: هو الذي كمل باطنه في الكمالات، وظاهره في الصفات. ثم اختاره خالق الإنسان حبيبا لا شريك له في الحسن. وجوهره لا يقبل القسمة بينه وبين غيره. كما أن الجوهر الفرد المتوهّم في الجسم، ويقول المتكلمون: الجسم مركّب منه غير منقسم بوجه؛ لا بالفرض، ولا بالوهم، ومن كان موصوفا بكمال الصفات ظاهرا وباطنا كان محبوبا؛ قاله الشيخ خالد.
(وقد حكى) الشيخ العلّامة محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح- بإسكان الراء وبالحاء المهملتين- أبو عبد الله الأنصاري الأندلسي (القرطبيّ) - بضم القاف والطاء المهملة وموحدة-؛ نسبة إلى قرطبة مدينة بالأندلس، المفسّر وكان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين الورعين، الزّاهدين المشغولين بأمور الآخرة.
أوقاته ما بين توجّه وعبادة وتصنيف. وله تصانيف كثيرة.
أخذ عن أبي العبّاس أحمد بن عمر القرطبي شارح «مسلم» المتوفى بالإسكندرية سنة: - ٦٢٦- ست وعشرين وستمائة. وأخذ عن غيره واستقر ب «منية ابن خصيب» ، وبها مات سنة: - ٦٧١- إحدى وسبعين وستمائة (رحمه الله تعالى في كتاب الصّلاة) ؛ عن بعضهم: (أنّه قال: لم يظهر لنا تمام حسنه ﷺ ؛ رفقا من الله تعالى بنا، (لأنّه لو ظهر لنا تمام حسنه لما طاقت أعيننا رؤيته ﷺ ؛ لعجزنا عن ذلك. (انتهى) ما في «المواهب» . ولقد أحسن البوصيري حيث قال:
стр. 188
كان رسول الله ﷺ حسن الجسم. رواه غير واحد.
وروى التّرمذيّ عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: كان رسول الله ﷺ ليس بالطّويل ...
أعيا الورى فهم معناه فليس يرى ... للقرب والبعد فيه غير منفحم
كالشّمس تظهر للعينين من بعد ... صغيرة وتكلّ الطّرف من أمم «١»
و (كان رسول الله ﷺ حسن الجسم) ، والحسن- كما قال بعضهم-: عبارة عن كلّ بهج مرغوب فيه حسّا؛ أو عقلا. وهو هنا صادق بهما جميعا. والجسم:
هو الجسد من البدن والأعضاء. والمراد بحسن جسمه أنّه معتدل الخلق، متناسب الأعضاء؛ كما في المناوي.
(رواه) أي: ما ذكر من حسن جسمه (غير واحد) من المحدّثين؛ منهم الحافظ الترمذي في «الشمائل» عن أنس رضي الله تعالى عنه. ومنهم الحافظ البيهقيّ عن رجل من الصّحابة؛ كما في الزرقاني. وذكره الإمام النووي في «التهذيب» .
(وروى) مسلم في «صحيحه» ، و (التّرمذيّ) في «الشمائل» ؛ (عن أنس) «خادم رسول الله ﷺ عشر سنين» . والمراد حيث أطلق أنس بن مالك؛ وإن كان هناك جماعة يسمّى كلّ منهم أنسا. وقد تقدّمت ترجمته (رضي الله تعالى عنه؛ قال:
كان رسول الله ﷺ «كان» مع المضارع لا تفيد التكرار، كما نقله النووي في «شرح مسلم» ؛ عن المحققين. وقال ابن الحاجب: تفيده، وليس المراد أنّها تفيده مطلقا، بل في مقام يقبله، لا كما هنا.
(ليس بالطّويل) خبر «كان» وليس لنفي مضمون الجملة حالا؛ وهو
стр. 189
البائن، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق، ...
المناسب هنا. وقيل: إنها لنفي مضمونها في الماضي، وعليه فتكون حالا ماضية قصد دوام نفيها (البائن) - بالهمز- ووهم من جعله بالياء لوجوب إعلال اسم الفاعل؛ إذا أعل فعله، كبائع وقائل. وهو إمّا من «بان يبين بيانا» ؛ إذا ظهر على غيره، وعليه فهو بمعنى الظاهر طوله. أو من «بان يبون بونا» ؛ إذا بعد، وعليه فهو بمعنى البعيد عن حدّ الاعتدال، ويصحّ أن يكون من البين؛ وهو القطع، لأن من رأى فاحش الطول تصوّر أنّ كلّا من أعضائه مبان عن الآخر. انتهى «مناوي» .
(ولا) عطف على خبر «ليس» ولا مؤكّدة للنفي، (بالقصير) - أي- المتردّد الداخل بعضه في بعض- كما سيأتي-. والمعنى أنّه كان متوسّطا بين الطول والقصر، لا زائد الطول ولا القصر.
وفي نفي أصل القصر ونفي الطول البائن لا أصل الطول إشعار بأنه ﷺ كان مربوعا؛ مائلا إلى الطول، وأنّه كان إلى الطول أقرب؛ كما رواه البيهقي.
ولا ينافيه وصفه الآتي بأنه ربعة!! لأنه أمر نسبي، ويوافقه خبر البراء: كان ربعة؛ وهو إلى الطول أقرب. وقد ورد عند البيهقي؛ وابن عساكر أنّه ﷺ لم يكن يماشيه أحد من الناس إلّا طاله ﷺ ، ولربّما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما، فإذا فارقاه نسب إلى الرّبعة. وفي «خصائص ابن سبع» : كان إذا جلس يكون كتفه أعلى من الجالس. قيل: ولعل السرّ في ذلك أنّه لا يتطاول عليه أحد صورة، كما لا يتطاول عليه معنى.
(ولا) - عطف على خبر «ليس» ولا مؤكّدة للنفي- (بالأبيض الأمهق) ؛ أي: الشديد البياض الخالي عن الحمرة والنّور؛ كالجص؛ وهو كريه المنظر ربّما توهّمه الناظر أبرص، بل كان بياضه نيّرا مشرّبا بحمرة؛ كما في روايات أخر؛ منها أنّه كان أزهر اللون. فالنفي للقيد فقط.
واعلم أنّ أشرف الألوان في هذه الدار البياض المشرّب بالحمرة، وفي الآخرة البياض المشرّب بصفرة.
стр. 190
ولا بالآدم، ولا بالجعد ...
فإن قيل: من عادة العرب أن تمدح النساء بالبياض المشرّب بصفرة، كما وقع في لاميّة امرئ القيس. وهذا يدلّ على أنّه فاضل في هذه الدار أيضا.
أجيب بأنه لا نزاع في أنه فاضل فيها، ولكن البياض المشرّب بحمرة أفضل منه فيها، وحكمة التفرقة بين هذه الدار؛ وتلك الدار: أن الشّوب بالحمرة ينشأ عن الدم وجريانه في البدن وعروقه، وهو من الفضلات التي تنشأ عن أغذية هذه الدار، فناسب الشوب بالحمرة فيها. وأما الشّوب بالصفرة التي تورث البياض صقالة وصفاء؛ فلا ينشأ عادة عن غذاء من أغذية هذه الدار؛ فناسب الشوب بالصفرة في تلك الدار، فظهر أنّ الشوب في كلّ من الدارين بما يناسبه، وقد جمع الله تعالى لنبيه ﷺ بين الأشرفين، ولم يكن لونه في الدنيا كلونه في الأخرى!! لئلا يفوته أحد الحسنيين. انتهى ملخصا من المناوي وابن حجر رحمهما الله تعالى.
(ولا بالآدم) ، أي: ولا بالأسمر الآدم؛ أي: شديد الأدمة أي: السمرة، وآدم- بمدّ الهمزة- أصله: أأدم- بهمزتين- على وزن «أفعل» أبدلت الثانية ألفا، وعلم مما ذكر أن المنفيّ إنّما هو شدّة السمرة، فلا ينافي إثبات السمرة في الخبر الآتي، لكن المراد بها الحمرة، لأن العرب قد تطلق على من كان كذلك أسمر.
ومما يؤيّد ذلك رواية البيهقي كان أبيض؛ بياضه إلى السمرة.
وفي «مسند أحمد» ؛ عن الحبر: جسمه ولحمه أحمر. وفي رواية: أسمر إلى البياض.
فثبت بمجموع هذه الروايات أنّ المراد بالسمرة: حمرة تخالط البياض، وبالبياض المثبت ما يخالط الحمرة. وأما وصف لونه في أخبار بشدّة البياض كخبر البزار؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: كان شديد البياض. وخبر الطبراني؛ عن أبي الطّفيل: ما أنسى شدّة بياض وجهه!! فمحمول على البريق واللّمعان، كما يشير إليه حديث: كأنّ الشمس تحرك في وجهه، انتهى «مناوي وباجوري» .
(ولا بالجعد) - بفتح الجيم وسكون العين- من الجعودة؛ وهي في الشعر أن
стр. 191
القطط ولا بالسّبط.
ومعنى (البائن) : الظّاهر طوله.
و (الأمهق) : الشّديد البياض، الخالي عن الحمرة.
و (الآدم) : الأسمر. و (الجعد) : من في شعره التواء.
و (القطط) : شديد الجعودة. و (السّبط) : مسترسل الشّعر.
يتكسّر تكسّرا تامّا، ولا يترسّل (القطط) - بفتحتين- كجسد على الأشهر، وبكسر الثاني؛ وهو شدّة الجعودة. قال المناوي: والجعد يرد بمعنى: الجواد، والكريم، والبخيل، واللئيم جميعا، ومقابل السّبط، ويوصف بالقطط في الكلّ؛ فالقطط لا يعيّن المراد، فلذا قابله بقوله:
(ولا بالسّبط) - بفتح المهملة وكسر الموحدة، وتسكن، وبفتحتين-. والمراد أنّ شعره ليس نهاية في الجعودة؛ وهي تكسره الشديد، ولا نهاية في السبوطة؛ وهي عدم تكسّره وتثنّيه بالكلية، بل كان وسطا بينهما، و «خير الأمور أوسطها» .
قال الزمخشري: الغالب على العرب جعودة الشعر، وعلى العجم سبوطته.
وقد أحسن الله لرسوله الشمائل، وجمع فيه ما تفرق في غيره من الفضائل.
(ومعنى البائن) - بالهمزة-: (الظّاهر طوله، و) معنى (الأمهق: الشّديد البياض الخالي عن الحمرة) ، والنّور كالجصّ؛ وهو كريه المنظر ربما توهّمه الناظر برصا، بل كان بياضه ﷺ نيّرا مشرّبا بحمرة- كما تقدم-.
(و) معنى (الآدم: الأسمر) ، والسّمرة: منزلة بين البياض والسواد.
(و) معنى (الجعد: من في شعره التواء) ، وفي «المصباح» : جعد الشعر بضم العين وكسرها- جعودة، إذا كان فيه التواء وانقباض.
(و) معنى (القطط) - بفتحتين، وبفتح فكسر-: (شديد الجعودة، و) معنى (السّبط: مسترسل الشّعر) ؛
стр. 192
وكان رسول الله ﷺ رجلا مربوعا، بعيد ما بين المنكبين، عظيم الجمّة ...
(و) في «الشمائل الترمذية» ؛ عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه:
(كان رسول الله ﷺ رجلا) - بفتح الراء وكسر الجيم- وهو: الذي بين الجعودة والسّبوطة؛ قاله الأصمعيّ وغيره: ووقع في الروايات المعتمدة بضم الجيم!! فيحتمل أن يكون المراد به المعنى المتبادر المتعارف الذي يراد بلفظ الرجل؛ وهو المقابل للمرأة، ومعناه واضح، وهو خبر موطّىء، لأن الخبر في الحقيقة قوله (مربوعا) إذ هو يفيد الفائدة المعتدّ بها، كقوله تعالى (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) (١٣) [الحشر] ، (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) (٥٥) [النمل] .
والمربوع يرادف الرّبعة؛ وهو: المتوسط بين الطويل والقصير. وهذا تقريب؛ لا تحديد، فلا ينافي أنّه كان يضرب إلى الطول؛ كما في خبر ابن أبي هالة الآتي: كان أطول من المربوع؛ وأقصر من المشذّب.
(بعيد ما بين المنكبين) ، روي بالتكبير، و [بعيد] بالتصغير، و «ما» موصولة، أو موصوفة، لا زائدة؛ كما زعمه بعضهم. والمنكبان- تثنية منكب- وهو:
مجمع العضد والكتف، والمراد بكونه بعيد ما بين المنكبين: أنّه عريض أعلى الظهر، ويلزمه أنّه عريض الصدر، ومن ثمّ جاء في رواية: «رحب الصدر» ، وذلك آية النّجابة، وفي رواية التصغير إشارة إلى تقليل البعد؛ إيماء إلى أن بعد ما بين منكبيه لم يكن منافيا للاعتدال.
(عظيم الجمّة) - بضم الجيم وتشديد الميم- أي: كثيفها. قال حسوس:
والجمّة عند جمهور أهل اللغة: ما سقط من شعر الرأس إلى المنكبين. وأما الوفرة!! فهي: التي تصل إلى شحمة الأذن، وأما ما نزل عن الأذنين؛ ولم يصل إلى المنكبين!! فهو اللّمّة، وعلى هذا قول من قال:
الوفرة الشّعر لشحمة الأذن ... وجمّة إن هي لمنكب تكن
стр. 193
إلى شحمة أذنيه.
ومعنى (الرّجل) : من في شعره تكسّر قليل.
و (الجمّة) : مجتمع شعر الرّأس؛ وهي أكثر من الوفرة واللّمّة.
وسمّ ما بينهما باللّمّة ... قد قال ذا جمهور أهل اللّغة
وقال الزّمخشريّ في المقدمة: الجمّة: ما تدلّى من الشعر إلى شحمة الأذن.
وفي «الصحاح» : الجمّة: الشّعر المجموع على الرأس وظاهره مطلقا.
وفي «ديوان الأدب» : إن الجمّة هي الشعر إذا تدلّى من الرأس إلى شحمة الأذن، وإلى المنكبين، وإلى أكثر من ذلك. فتحصّل أنّ في الجمّة ثلاثة أقوال:
١- ما وصل إلى المنكبين.
٢- ما وصل إلى شحمة الأذن.
٣- ما تدلّى من شعر الرأس مطلقا.
فقوله (إلى شحمة أذنيه) إنّما يأتي على القول الثاني والثالث؛ دون الأول.
انتهى «كلام حسّوس» .
(ومعنى الرّجل) - بكسر الجيم- (: من في شعره تكسّر قليل.
والجمّة) - بضمّ الجيم وتشديد الميم-؛ قال في «الصحاح» : هي (مجتمع شعر الرّأس؛ وهي) - أي: الجمّة- (أكثر من الوفرة و) أكثر من (اللّمّة) ، لأن الجمّة ما وصلت المنكب، والوفرة: ما بلغت شحمة الأذن، واللّمّة ما بينهما.
كما تقدّم. وعلى هذا فترتيبها «ولج» فالواو للوفرة، واللام للّمة، والجيم للجمّة.
وهذه الثلاثة اضطرب أهل اللغة في تفسيرها، وأقرب ما وفّق به أنّ فيها لغات، وكل كتاب اقتصر على شيء منها، كما يشير إليه كلام «القاموس» في مواضع؛ قاله الباجوري رحمه الله تعالى.
стр. 194
وكان رسول الله ﷺ شثن الكفّين والقدمين، ضخم الرّأس، ضخم الكراديس، طويل المسربة، إذا مشى تكفّأ تكفّؤا؛ (و) روى الترمذي في «الشمائل» ؛ عن عليّ رضي الله تعالى عنه أنّه (كان رسول الله ﷺ شثن) - بمعجمة مفتوحة ومثلثة ساكنة- كذا في الشروح!! وفسّره ابن حجر العسقلاني بغليظ الأصابع والراحة. وهي المتبادر، ويؤيّده رواية «ضخم الكفّين والقدمين» .
قال ابن بطّال: كانت كفّه ﷺ ممتلئة لحما غير أنّها مع غاية ضخامتها كانت ليّنة، كما ثبت في حديث أنس: «ما مسست خزّا، ولا حريرا ألين من كفّ رسول الله ﷺ (الكفّين) - تثنية كفّ- وهي: الراحة مع الأصابع، سمّيت به!! لأنّها تكفّ الأذى عن البدن؛ وهي مؤنّثة، (والقدمين) - تثنية قدم- وهي من الإنسان معروفة؛ وهي أنثى، وتصغيرها «قديمة» بالهاء. وجمعها: أقدام، وجمع بين الكفين والقدمين في مضاف واحد! لشدّة تناسبهما، ومن ثمّ لم يجمع بين الرأس والكراديس حيث قال:
(ضخم الرّأس) ؛ أي: عظيمه. وفي رواية «عظيم الهامة» وعظم الرأس دليل على كمال القوى الدماغية؛ وهو آية النّجابة.
(ضخم الكراديس) ؛ أي: عظيم رؤوس العظام، وهو بمعنى جليل المشاش الآتي. والكراديس- جمع كردوس؛ بوزن عصفور- وهو: رأس العظم. وقيل:
مجمع العظام؛ كالرّكبة والمنكب. وعظم ذلك يستلزم كمال القوى الباطنية.
(طويل المسربة) - بضم الراء كمكرمة، وقد تفتح الراء- وأمّا محل خروج الخارج! فهو مسربة- بالفتح فقط-، كما في «المصباح» . وسيأتي تفسير المسربة في المصنف: بأنها الشعر الدقيق الذي كأنه قضيب من الصدر إلى السرة.
(إذا مشى تكفّأ تكفّؤا) - بالهمز فيهما- وحينئذ يقرأ المصدر بضمّ الفاء؛ ك «تقدّم تقدّما» ، أو بلا همز تخفيفا، وحنيئذ يقرأ المصدر بكسر الفاء، ك «تسمّى تسمّيا» . وعلى كلّ فهو مصدر مؤكد، أي: يسرع المشي كأنه يميل بين
стр. 195
كأنّما ينحطّ من صبب. ومعنى (شثن) : غليظ.
و (الكراديس) - جمع كردوس- وهو: مجمع العظام كالرّكبة والمنكب.
و (المسربة) : الشّعر الدّقيق الّذي كأنّه قضيب من الصّدر إلى السّرّة.
يديه من سرعة مشيه كما تتكفّأ السفينة في جريها. (كأنّما ينحطّ من صبب) ، وفي رواية كأنّما يهوي من صبب. وعلى كلّ فهو مبالغة في التكفّؤ، والانحطاط: النزول.
وأصله الانحدار من علوّ إلى سفل، وأسرع ما يكون الماء جاريا؛ إذا كان منحدرا.
(ومعنى شثن) - بشين معجمة وثاء مثلثة- وضبطه الجلال السيوطي بالمثناة فوق بدل المثلثة؛ وعلى كلّ فمعناه- (: غليظ) . ونقل عن الأصمعي أنّه فسّر «الشّثن» بالغلظ مع الخشونة. فقيل له: إنه ورد في وصف كفّه ﷺ اللّين والنعومة!! فآلى على نفسه أن لا يفسّر شيئا في الحديث أبدا. وتفسير أبي عبيدة بالغلظ مع القصر!! ردّ بما صحّ أنّه كان سائل الأطراف. وفي «القاموس» : شثنت كفّه: خشنت وغلظت. فمقتضاه أنّ الشثن معناه: الخشن الغليظ. وعليه فهو محمول على ما إذا عمل في الجهاد؛ أو مهنة أهله، فإنّ كفّه الشريفة تصير خشنة للعارض المذكور، وإذا ترك ذلك رجعت إلى النعومة؛ كذا قاله الباجوري.
(والكراديس: جمع «كردوس» ) - بضمتين-: (وهو: مجمع العظام) ، فكلّ عظمين التقيا في مفصل يقال له «كردوس» ؛ على ما في «القاموس» ، وذلك (كالرّكبة، والمنكب) ، والورك.
(والمسربة) - بفتح الميم وسكون السين المهملة؛ وضم الراء وبالموحدة- هو: شعر بين الصدر والسرّة. على ما في «المهذب» . وظاهر الروايات أنّه ما دقّ من شعر الصّدر سائلا إلى السّرّة؛ كما ورد في حديث علي ﵁: المسربة (الشّعر) - بفتح العين وتسكن- (الدّقيق الّذي كأنّه قضيب) أي: غصن نظيف، أو سيف لطيف؛ على ما في «القاموس» . أو سهم ظريف؛ على ما في «المهذب» . ابتداؤها (من) أعلى (الصّدر) ، وانتهاؤها (إلى السّرّة) .
стр. 196
و (التّكفّؤ) : الميل إلى سنن المشي، وهو: ما بين يديه كالسّفينة في جريها.
و (الصّبب) : المكان المنحدر من الأرض.
وكان رسول الله ﷺ جعدا رجلا، ولم يكن بالمطهّم؛ وأما (التّكفّؤ) !! فهو مصدر تفعّل- من الصحيح- تفعّلا ك «تقدّم تقدّما» ، وتكفّأ تكفؤا. والهمز حرف صحيح، ومعناه: (الميل إلى سنن المشي) - مثلث السين وبضمتين-: نهجه وجهته؛ كما في «القاموس» . وهذا التفسير قطع به الأزهريّ مخطّئا تفسيره بتمايل يمينا وشمالا؛ كالسفينة؛ بأنه من الخيلاء. وتكفّؤ السفينة: تمايلها على سمتها الذي يقصد. ويردّه قوله كأنما ينحطّ من صبب، فإنه مفسّر له. وقال الكسائي: أكفأت الإناء وكفأته: إذا كببته، وأكفأته: إذا أملته.
ومنه الحديث أي: تمايل إلى قدام كما تتكفّأ السفينة في جريها. انتهى.
وأجاب القاضي عياض بأن التمايل يمينا وشمالا إنّما يذمّ بالقصد؛ لا إن كان خلقة كالغصن، وهو حسن صواب. انتهى «زرقاني» .
فلأجل هذا قال المصنف: (وهو: ما بين يديه) أي: التمايل إلى قدام (كالسّفينة في جريها. والصّبب) - بفتح الصاد والموحدة الأولى- معناه: (المكان المنحدر من الأرض) ، يقال: انحدرنا في صبوب وصبب، أي: مكان منحدر.
(و) روى الترمذيّ في «الشمائل» بسند فيه انقطاع؛ عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنّه قال: (كان رسول الله ﷺ جعدا رجلا) الجعد- بفتح الجيم وسكون العين المهملة-: هو الشعر المتجعّد؛ أي: المتثنّي. والرّجل- قال الحافظ ابن حجر: بفتح الراء وكسر الجيم، وقد يضمّ، وقد يفتح، وقد يسكّن- ما فيه تكسّر يسير. انتهى. فكان شعره بين السّبوطة والجعودة.
(ولم يكن بالمطهّم) الرواية فيه بلفظ اسم المفعول فقط، وسيأتي تفسيره في كلام المصنف بالبادن: الكثير اللحم.
стр. 197
ولا بالمكلثم، وكان في وجهه تدوير، أبيض مشرّب، أدعج العينين، ...
(ولا بالمكلثم) الرواية فيه بلفظ اسم المفعول فقط. ومعناه: مدوّر الوجه؛ كما سيأتي في كلام المصنف. والمراد أنّه أسيل الوجه مسنون الخدين، ولم يكن مستديرا غاية التدوير، بل كان بين الاستدارة والإسالة، وهو أحلى عند كلّ ذي ذوق سليم وطبع قويم.
ونقل الذهبيّ؛ عن الحكيم أنّ استدارة الوجه المفرطة دالّة على الجهل.
(وكان في وجهه تدوير) أي: شيء قليل منه، وليس كلّ تدوير حسنا كما علمت، وهذه الجملة كالمبيّنة لقوله «ولا بالمكلثم» .
(أبيض) - بالرفع- خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أبيض (مشرّب) بحمرة؛ كما في رواية ومشرب- بالتخفيف- من الإشراب؛ وهو: خلط لون بلون كأنه سقي به، أو [مشرّب] بالتشديد من التشريب؛ وهو مبالغة في الإشراب. وهذا لا ينافي ما في بعض الروايات: «وليس بالأبيض» ، لأن البياض المثبت ما خالطه حمرة، والمنفيّ ما لا يخالطه؛ وهو الذي تكرهه العرب؛ وتسمّيه «أمهق» .
تنبيه: صرّح العلماء رحمهم الله تعالى بكفر من قال: كان النبي ﷺ أسود، لأن وصفه بغير صفته في قوّة نفيه فيكون تكذيبا به، ومنه يؤخذ أنّ كلّ صفة علم ثبوتها بالتواتر كان نفيها كفرا، للعلّة المذكورة. وقول بعضهم «لا بد في الكفر في أن يصفه بصفة تشعر بنقصه، كالسواد هنا» لأنه لون مفضول!! فيه نظر، لأن العلّة ليست هي النقص، بل ما ذكر فالوجه أنّه لا فرق. انتهى «باجوري» .
(أدعج) - بمهملتين فجيم- (العينين) ؛ أي: شديد سواد حدقة العين مع سعتها. كما سيأتي في كلام المصنف، فلا يشكل بأنه أشكل. لأنّ الشّكلة في البياض؛ لا في السواد. كما يأتي. وقيل: الأدعج شديد بياض البياض وسواد السواد.
стр. 198
أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتد، أجرد، ذا مسربة، شثن الكفّين والقدمين، إذا مشى.. تقلّع كأنّما ينحطّ من صبب، ...
(أهدب الأشفار) ؛ جمع شفر- بالضم ويفتح- وهو حرف جفن العين الذي ينبت عليه الشعر. ويقال له الهدب- بضم الهاء وسكون المهملة بعدها موحدة-.
والأهدب: الذي شعر أجفانه كثير مستطيل. وفي كلامه حذف مضاف أي: أهدب شعر الأشفار هي الأجفان التي تنبت عليها الأهداب ويحتمل أنّه سمّى النابت باسم المنبت للملابسة.
(جليل) - أي عظيم- (المشاش) - بضم الميم فمعجمتين بينهما ألف- جمع مشاشة- بالضم والتخفيف-: رؤوس العظام كالمرفقين والكتفين والركبتين. (و) جليل (الكتد) - بمثناة فوقية مفتوحة أو مكسورة- وسيأتي في كلام المصنف: أنّه مجمع الكتفين وهو الكاهل؛ أي: عظيم ذلك كلّه. وهو يدلّ على غاية القوّة ونهاية الشجاعة.
(أجرد) أي: هو أجرد؛ أي: غير أشعر؛ وهو: من عمّ الشعر جميع بدنه، فالأجرد: من لم يعمّه الشعر فيصدق بمن في بعض بدنه شعر كالمسربة والساعدين والساقين. وقد كان له ﷺ في ذلك شعر؛ فوصفه ﷺ بأنه أجرد باعتبار أكثر مواضعه، إما بجعل الأكثر في حكم الكلّ، أو تغليب ما لا شعر له على ما له شعر.
(ذا مسربة) - تقدّم شرحه- (شثن الكفّين والقدمين) تقدّم الكلام عليهما.
(إذا مشى تقلّع) في مشيه كأنه يقلع رجله من رجل، إذا أراد قوّة مشيه كأنه يرفع رجليه من الأرض رفعا بائنا متداركا إحداهما بالأخرى؛ مشية أهل الجلادة والهمّة، لا كمن يمشي اختيالا ويقارب خطاه، فإنّ ذلك من مشي النساء.
فالتقلّع قريب من التكفّي. وقد سبق.
(كأنّما ينحطّ من صبب) ، وهذا مؤكّد لمعنى التقلّع، وتقدّم إيضاحه.
стр. 199
وإذا التفت.. التفت معا، بين كتفيه خاتم النّبوّة.
وهو خاتم النّبيّين، أجود النّاس صدرا، ...
(وإذا التفت التفت معا) ؛ أي: بجميع أجزائه، فلا يلوي عنقه يمنة أو يسرة إذا نظر إلى الشيء، لما في ذلك من الخفّة وعدم الصيانة، وإنّما كان يقبل جميعا ويدبر جميعا، لأنّ ذلك أليق بجلالته ومهابته. وفي «ألفيّة العراقي» :
يقبل كلّه إذا ما التفتا ... وليس يلوي عنقا تلفّتا
وينبغي- كما قاله الدّلجي- أن يخصّ هذا بالتفاته وراءه، أما لو التفت يمنة أو يسرة!! فالظاهر أنّه بعنقه الشريف. وقيل: أراد بذلك أنّه لا يسارع. قال القسطلّاني: وهو أقرب لما يأتي: أنه كان جلّ نظره الملاحظة. انتهى.
(بين كتفيه خاتم) - بفتح التاء وكسرها، والكسر أشهر وأفصح، وهو في الأصل-: ما يختم به كالطابع. والمراد هنا الأثر الذي بين كتفيه المنعوت به في الكتب المتقدمة، وكان علامة أنّه النبي الموعود به في تلك الكتب. وهو: قطعة لحم بارزة بين كتفيه بقدر بيضة الحمامة أو غيرها بحسب اختلاف الروايات فيه، وإضافته إلى (النّبوّة) لكونه علامتها.
وهذه الجملة غير معطوفة على ما قبلها لعدم المناسبة.
(وهو خاتم النّبيّين) أي: آخرهم، فلا نبيّ بعده تبتدأ نبوّته. فلا يرد عيسى ﵊ لأنّ نبوّته سابقة؛ لا مبتدأة بعد نبينا ﷺ . فعيسى إنّما ينزل حاكما بشريعته ومتابعا لها مستمدّا أحكامه من الكتاب والسنة.
وهذه الجملة حاليّة مكمّلة لما قبلها؛ أو معطوفة عليها لوجود المناسبة.
(أجود النّاس صدرا) ؛ أي: من جهة الصدر، والمراد به هنا القلب تسمية للحال باسم المحلّ، إذ الصدر محلّ القلب الذي هو محلّ الجود. والمعنى: أنّ جوده عن طيب قلب وانشراح صدر؛ لا عن تكلّف وتصنّع. وفي رواية: أوسع الناس صدرا؛ وهو كناية عن عدم الملل من الناس على اختلاف طباعهم وتباين
стр. 200
وأصدق النّاس لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة.. هابه، ...
أمزجتهم، كما أن ضيق الصّدر كناية عن الملل. انتهى «باجوري» .
(وأصدق النّاس لهجة) - بسكون الهاء وتفتح؛ والفتح أفصح- واللهجة: هي اللسان. لكن لا بمعنى العضو المعروف؛ بل بمعنى الكلام. لأنه هو الذي يتّصف بالصّدق؛ فلا مجال لجريان صورة الكذب في كلامه. ووضع الظاهر موضع المضمر في قوله «أصدق الناس» !! لزيادة التمكّن؛ كما في قوله تعالى (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ) (٢) [الإخلاص] . وإنما لم يجر على سننه فيما بعد!! اكتفاء في حصول النكتة بهذا.
(وألينهم عريكة) ألين، من اللّين؛ وهو ضدّ الصلابة. والعريكة: الطبيعة؛ وزنا ومعنى، ومعنى لينها: انقيادها للخلق في الحقّ. فكان معهم على غاية من التواضع وقلّة الخلاف والنفور. وهذه الجملة منبئة عن كمال مسامحته ﷺ ووفور حلمه؛ ما لم تنتهك حرمات الله تعالى.
(وأكرمهم عشرة) - بالكسر- اسم من المعاشرة؛ وهي المخالطة.
فمعاشرته ﷺ ومخالطته أكرم من جميع مخالطة الناس كما يدلّ عليه قوله: (من رآه بديهة) ؛ أي: رؤية بديهة، فهو مفعول مطلق، يعني فجأة من غير سابقة مخالطة ومعرفة أحواله، أو قبل النظر في أخلاقه العليّة وأحواله السّنيّة (هابه) ؛ أي: خافه لما فيه من صفة الجلال الربّانيّة، ولما عليه من الهيبة الإلهية والفيوضات السماوية.
قال ابن القيّم: والفرق بين المهابة والكبر: أنّ المهابة أثر من آثار امتلاء القلب بعظمة الربّ ومحبّته وإجلاله، فإذا امتلأ القلب بذلك حلّ فيه النور، ونزلت عليه السكينة، وألبس رداء الهيبة؛ فكلامه نور؛ وعلمه نور، إن سكت علاه الوقار، وإن نطق أخذ بالقلوب والأبصار.
وأما الكبر! فإنّه أثر من آثار امتلاء القلب بالجهل والظلم والعجب. فإذا امتلأ القلب بذلك ترحّلت عنه العبودية، وتنزّلت عليه الظلمات الغضبية، فمشيته بينهم
стр. 201
ومن خالطه معرفة.. أحبّه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله.
تبختر، ومعاملته لهم تكبّر، لا يبدأ من لقيه بالسلام؛ وإن ردّ عليه يريه أنّه بالغ في الإنعام، لا ينطلق لهم وجهه، ولا يسعهم خلقه. وقد حمى الله حبيبه من هذه الأخلاق.
(ومن خالطه) ؛ أي: عاشره وصاحبه (معرفة) ؛ أي: مخالطة معرفة، أو لأجل المعرفة (أحبّه) حبّا شديدا حتى يصير أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين، لظهور ما يوجب الحبّ من كمال حسن خلقه ومزيد شفقته.
وخرج بقوله «معرفة» من خالطه تكبّرا، كالمنافقين، فلا يحبّه.
(يقول ناعته) ؛ أي: واصفه بالجميل على سبيل الإجمال، لعجزه عن أن يصفه وصفا تامّا بالغا على سبيل التفصيل: (لم أر قبله ولا بعده مثله) ؛ أي: من يساويه صورة وسيرة وخلقا وخلقا، إذ ليس في الناس من يماثله في الجمال، ولا في الخلق من يشابهه على وجه الكمال. هذا عليّ بن أبي طالب ﵁ وهو هو في العلم والمعرفة، وقال فيه رسول الله ﷺ : «أنا مدينة العلم وعليّ بابها» بعد أن عدّد بعض البعض من صفات جماله ونعوت كماله ﷺ اعترف بالعجز عن استقصاء محاسن هذا الجناب الأرفع، ورجع إلى القصور عن إدراك كمالات هذا الشفيع المشفّع؛ إشارة إلى أن الجناب المذكور في غاية العلوّ ونهاية الارتفاع، فمن طاوله ورام استقصاء كمالاته عجز وانقطع.
ثمّ اعلم أنّ المنفيّ عموم الشّبه؛ لا أصله أو معظمه، فلا ينافي ما ذكره العلماء من أنّ الذين كانوا يشبهونه ﷺ ابنه إبراهيم، وابنته فاطمة، وابناها الحسن والحسين، وجعفر بن أبي طالب، والسائب بن عبيد «جدّ الإمام الشافعي» ، وعبد الله بن عامر بن كريز العبشمي، وكابس بن ربيعة «رجل من أهل البصرة» ؛ كان أنس إذا رآه بكى، وعبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، ومسلم بن معتب بن أبي لهب، وعبد الله بن أبي طلحة الخولاني، في آخرين من التابعين. وذكر أيضا فيهم عثمان بن عفان. قال في «المواهب» : وعدّهم بعضهم سبعا وعشرين نفسا. وإنّما ذكر المصنف في باب الخلق ما ليس منه محافظة على تمام الخبر.
стр. 202
ومعنى (المطهّم) : البادن الكثير اللّحم. و (المكلثم) : المدوّر الوجه. و (أدعج العينين) : شديد سوادهما. و (أهدب الأشفار) :
طويل شعر الأجفان. و (المشاش) : رؤوس العظام. و (الكتد) :
مجتمع الكتفين. و (أجرد) : غير أشعر. و (تقلّع) : مشى بقوّة.
(ومعنى المطهّم) - بفتح الهاء المشددة-: (البادن) ؛ أي: عظيم البدن بكثرة لحمه، فقوله (الكثير اللّحم) صفة كاشفة للبادن؛ للمبالغة والتوضيح.
(و) معنى (المكلثم) : (المدوّر الوجه) ولا يكون إلّا مع كثرة اللحم.
(و) معنى (أدعج) - بمهملتين وجيم- (العينين: شديد سوادهما) ؛ أي:
شديد سواد حدقتهما مع سعة العين وشدّة بياضها. فالدّعج: شدّة بياض البياض وسواد السواد، وهو الأنسب بمقام المدح. وقد تقدّم قول آخر ثمّ.
(و) معنى (أهدب الأشفار) ؛ جمع شفر- بضمّ أوله وقد يفتح-: (طويل شعر الأجفان) . ومعنى (المشاش) - بمعجمتين جمع مشاشة بالضمّ والتخفيف-: (رءوس العظام) كالمرفقين والكتفين والرّكبتين، أو: هي رءوس المناكب، أو العظام اللّيّنة، أو التي يمكن مضغها.
(و) معنى (الكتد) - بمثناة فوقية تفتح وتكسر-: (مجتمع الكتفين) ؛ تثنية كتف- بفتح أوله وكسر ثانيه، وبكسر أوله أو فتحه مع سكون ثانيه؛ كما في «القاموس» - (و) معنى (أجرد غير أشعر) قال في «القاموس» : رجل أجرد لا شعر عليه. فوصفه به مع وجود الشعر في مواضع من بدنه غالبيّ. وقول البيهقيّ في «التاج» : معنى «أجرد» هنا: صغير الشعر!! ردّ بقول «القاموس» : الأجرد إذا جعل وصفا للفرس كان بمعنى صغر شعره، وإذا جعل وصفا للرجل فمعناه:
لا شعر عليه، على أن لحيته الشريفة كانت كثّة. وقيل: معنى «أجرد» : أي لا غش فيه ولا غلّ، فهو على أصل الفطرة.
(و) معنى (تقلّع: مشى بقوّة) : أراد قوّة مشيه، كأنه يرفع رجله من الأرض
стр. 203
و (اللهجة) : الكلام. و (العريكة) : الطّبيعة.
و (البديهة) : المفاجأة.
وكان رسول الله ﷺ سهل الخدّين، ضليع الفم، رفعا قويا. وذلك أبعد عن الكبر وأعون على قطع الطريق، لا كمن يختال يقارب خطاه، فإنّه شأن النساء.
(و) معنى (اللهجة) - بسكون الهاء وجيم، و [اللهجة] تحرّك أفصح:
(الكلام) والمعنى كلامه أصدق الكلام، فلا مجال لجريان صورة الكذب عليه.
(و) معنى (العريكة: الطبيعة) وزنا ومعنى. (و) معنى (البديهة:
المفاجأة) بالهمز، أي: البغتة، ومنه البديهي: الحاصل من غير التروّي. يقال بدهته بأمر؛ أي: فجأته. وفجأه الأمر: إذا جاءه بغتة.
تنبيه: قال الحافظ أبو نعيم: قد اختلفت ألفاظ الصحابة في نعته وصفاته، وذلك لما ركّب في الصدور من جلالته وعظيم مهابته، ولما جعل في جسده الشريف من النّور الذي يتلألأ ويغلب على بشرته، فأعياهم ضبط نعته وصفة حليته، حتّى قال بعضهم: كان مثل الشمس طالعة. وقال بعضهم: كان يتلألأ تلألؤ القمر ليلة البدر. وقال بعضهم: لم أر قبله ولا بعده مثله. ولذلك السبب كان اختلافهم في نعت خلقته ولونه. انتهى «مناوي» .
(وكان رسول الله ﷺ - فيما رواه مسلم، والترمذي؛ من حديث جابر بن سمرة ﵁، والترمذي؛ من حديث هند بن أبي هالة، بألفاظ مختلفة- (سهل الخدّين) ؛ أي: غير مرتفع الوجنتين. وهو بمعنى خبر البزّار والبيهقي:
كان أسيل الخدّين. وذلك أعلى وأغلى وأحلى عند العرب.
(ضليع الفم) - بضاد معجمة مفتوحة: عظيمه، أو واسعه. والعرب تتمدح بسعة الفم وتذمّ ضيقه، لأن سعته دليل على الفصاحة. وكما تتمدح العرب بعظم الفم تتمدح بكثرة ريقه عند المقامات والخطب والحروب، لدلالته على ثبات
стр. 204
سواء البطن والصّدر، أشعر المنكبين والذّراعين وأعالي الصّدر، طويل الزّندين، رحب الرّاحة، أشكل العينين، ...
الجنان، بخلاف الجبان؛ فإنّه يجفّ ريقه في هذه المحافل (سواء) - بفتح السين والواو والألف الممدودة وبالإضافة إلى (البطن والصّدر) وبعدمها، والمعنى أنّ بطنه وصدره الشريفان مستويان لا ينتأ أحدهما عن الآخر، فلا يزيد بطنه على صدره؛ ولا يزيد صدره على بطنه. (أشعر) ؛ أي: كثير شعر (المنكبين) - بفتح الميم وكسر الكاف- تثنية منكب؛ وهو: مجتمع رأس الكتف والعضد.
(و) أشعر (الذّراعين) - بكسر الذال- تثنية ذراع. وهو: من المرفق إلى الأصابع.
(و) أشعر (أعالي) - جمع أعلى- (الصّدر) ؛ أي: أنّ شعر هذه الثلاثة كثير غزير. وفي «القاموس» : والأشعر: كثير الشعر وطويله. انتهى.
(طويل الزّندين) - بفتح الزاي وسكون النون وبالدال المهملة- تثنية زند كفلس، وهو- كما قال الزمخشري في «الفائق» -: ما انحسر عنه اللحم من الذراع. قال الأصمعي: لم ير أحد أعرض زندا من الحسن البصري كان عرض زنده شبرا. (رحب) الرواية بفتح الراء- ويجوز الضم في اللغة- بمعنى السعة (الرّاحة) ؛ أي: واسع الكفّ حسّا ومعنى. قيل: رحب الراحة دليل الجود، وضيقها دليل البخل، والراحة: بطن الكفّ مع بطون الأصابع وأصلها من الرّوح؛ وهو الاتساع.
(أشكل العينين) ؛ أي: في بياضهما شيء من الحمرة، يقال: شكلت العين بكسر الكاف- إذا خالط بياضها حمرة، وفي جميع كتب الغريب: الشّكلة- بضم الشين-: حمرة في بياض العين. قال الشاعر:
ولا عيب فيها غير شكلة عينها ... كذاك عتاق الخيل شكل عيونها
والأشكل محمود ومحبوب. قال الحافظ العراقي: وهي- أي: الشّكلة-
стр. 205
أحمر المآقي، منهوس العقبين.
ومعنى (ضليع الفم) : واسعه، وهو ممدوح لدلالته على الفصاحة.
و (أشكل العينين) : في بياضهما حمرة.
و (منهوس العقبين) : قليل لحمهما.
وكان رسول الله ﷺ عظيم العينين، أهدب الأشفار، إحدى علامات النبوة، ولمّا سافر إلى الشام مع ميسرة وسأل عنه الراهب ميسرة؛ فقال: في عينه حمرة. فقال: هو هو. انتهى.
وأما الشّهلة! فهي حمرة في سواد العين.
(أحمر المآقي) - جمع: موق وماق- وهو: شقّ العين مما يلي الأنف، والذي يلي الصّدغ؛ يقال له «لحاظ» .
(منهوس) - ضبطه الجمهور بالسين المهملة- أي: قليل لحم (العقبين) بفتح العين وكسر القاف-: تثنية عقب؛ هو: مؤخر القدم.
(ومعنى ضليع الفم) - بالضاد المعجمة-: (واسعه) ، وقيل: عظيمه (وهو ممدوح) عند العرب (لدلالته على الفصاحة) وسعة البلاغة.
(و) معنى (أشكل العينين: في بياضهما حمرة) يقال: ماء أشكل إذا خالطه دم. وهذا التفسير للشّكلة هو الصواب المعروف في كتب اللغة والغريب.
(و) معنى (منهوس) - بسين مهملة وفي رواية بمعجمة-: منهوش (العقبين) والمعنى واحد، أي: (قليل لحمهما) .
(و) روى البيهقيّ؛ عن علي رضي الله تعالى عنه قال:
(كان رسول الله ﷺ عظيم العينين) ؛ أي: شديد اتساعهما، فهو بمعنى رواية الترمذي وغيره المارّة عن علي. «أدعج العينين» . قال الجوهري: الدّعج محرّكا-: شدّة سواد العين مع سعتها.
(أهدب الأشفار) ؛ جمع شفر- بالضمّ وتفتح- وهي: حروف الأجفان التي
стр. 206
مشرّب العين بحمرة.
وكان ﷺ أبلج الحاجبين، كأنّ ما بينهما الفضّة المخلّصة. وكانت عيناه نجلاوين، أدعجهما، وكان في عينيه تمزّج من حمرة، وكان أهدب الأشفار حتّى تكاد تلتبس من كثرتها.
ينبت عليها الشعر. أي: الهدب. وإيهامه أنّ الأشفار هي الأهداب غير مراد، فقد قال ابن قتيبة: العامّة تجعل أشفار العين الشعر، وهو غلط. وفي «المغرب» وغيره: لم يذكر أحد من الثقات أنّ الأشفار الأهداب، فهو إمّا على حذف مضاف؛ أي: الطويل شعر الأشفار، أو سمّي النابت باسم المنبت للملابسة.
(مشرّب العين) - بصيغة اسم المفعول مخفّفا ومشدّدا- (بحمرة) ؛ وهي عروق حمر دقاق، من علاماته في الكتب السابقة.
(و) في «الإحياء» : (كان ﷺ أبلج الحاجبين، كأنّ ما بينهما الفضّة المخلّصة) ؛ أي: كأن بين حاجبيه بلجة، أي: فرجة بيضاء دقيقة: لا تتبيّن إلّا لمتأمّل، فهو غير أقرن في الواقع؛ وإن كان أقرن بحسب الظاهر عند من لم يتأمّله، لأنّهما سبغا حتى كادا يلتقيان. قال الأصمعيّ: كانت العرب تكره القرن وتستحبّ البلج، والبلج هو: أن ينقطع الحاجبان؛ فيكون ما بينهما نقيّا.
(وكانت عيناه نجلاوين) - أي: واسعتين- (أدعجهما) ؛ أي: شديد سواد حدقتهما. (وكان في عينيه تمزّج من حمرة) ؛ هو بمعنى كونه أشكل العينين، وقد مرّ أن الشّكلة- بضمّ الشين-: الحمرة تكون في بياض العين. والشّهلة غير الشّكلة؛ وهي حمرة في سوادها.
(وكان أهدب الأشفار) جمع شفر- بالضم- وهو: حرف الجفن الذي ينبت عليه الهدب. قال ابن قتيبة: والعامّة تجعل أشفار العين الشعر، وهو غلط، وإنما الأشفار حروف العين التي ينبت عليها الشعر. انتهى.
(حتّى تكاد تلتبس من كثرتها) روي ذلك من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ومن حديث علي رضي الله تعالى عنه بألفاظ مختلفة.
стр. 207
وكان ﷺ ضخم الرّأس واليدين والقدمين.
وكان ﷺ سهل الخدّين صلتهما، ليس بالطّويل الوجه، ولا المكلثم. وكان ﷺ أحسن النّاس صفة وأجملها، كان ربعة إلى الطّول ما هو، ...
(و) روى البخاريّ في «باب اللباس» ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله ﷺ ضخم الرّأس) ؛ أي: عظيمه، لأنه يدلّ على قوّة الحواسّ والذكاء والفطنة. وفي رواية ضخم الهامة (واليدين) - يعني: الذراعين؛ كما جاء مبيّنا هكذا في رواية- (والقدمين) - يعني: ما بين الكعب إلى الركبة. وجمع بين الرأس واليدين والقدمين في مضاف واحد!! لشدّة تناسبها، إذ هي جميع أطراف الحيوان، وهو بدونها لا يسمّاه.
(و) في «الإحياء» : (كان) رسول الله ﷺ سهل الخدّين صلتهما) ، أي:
سائلهما من غير ارتفاع وجنتيه، وذلك أحلى عند العرب. رواه الترمذي في «الشمائل» ، والبيهقيّ، والطبرانيّ؛ من حديث هند بن أبي هالة.
وروى البزار والبيهقي: كان أسيل الخدين. وأصلت الخدين: أسيلهما، هو المستوي الذي لا يفوت بعض لحم بعضه بعضا. انتهى شرح «الإحياء» ) .
(ليس بالطّويل الوجه ولا المكلثم) ؛ أي: لم يكن شديد تدوير الوجه.
والمكلثم: هو المدوّر الوجه، يقول: فليس كذلك ولكنه مسنون. رواه الترمذي في «الشمائل» ، والبيهقي في «الدلائل» ؛ من حديث علي: لم يكن بالمطهّم؛ ولا بالمكلثم. وكان في وجهه تدوير. الحديث. والمطهّم: هو المنتفخ الوجه، وقيل: الفاحش السّمن. انتهى «شرح الإحياء» .
(و) روى البيهقيّ في «دلائل النبوة» ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله ﷺ أحسن النّاس صفة) ؛ أي: صفة كمال، (وأجملها) ؛ أي: الناس، لما منحه الله تعالى من الصفات الحميدة الجليلة.
(كان ربعة إلى الطّول، ما هو) يحتمل أنّ «ما» صلة، أو صفة لمصدر محذوف.
стр. 208
بعيد ما بين المنكبين، أسيل الخدّين، شديد سواد الشّعر، أكحل العينين، أهدب الأشفار، إذا وطىء بقدمه.. وطىء بكلّها، ليس له أخمص، إذا وضع رداءه عن منكبيه.. فكأنّه سبيكة فضّة، وإذا ضحك.. يتلألأ.
ومعنى (أسيل الخدّين) : ليس فيهما ارتفاع.
و (الأكحل) : أسود أجفان العين خلقة.
والجارّ والمجرور متعلّق بمحذوف؛ أي: هو يميل إلى الطول ميلا قليلا.
(بعيد) - بفتح فكسر- (ما بين المنكبين) ؛ أي: عريض أعلى الظهر؛ ويلزمه عرض الصدر. وذلك علامة النجابة.
(أسيل الخدّين) - بكسر المهملة- وفي رواية الترمذي «سهل الخدين» ؛ أي:
ليس في خدّيه نتوء؛ ولا ارتفاع. وأراد أنّ خدّيه أسيلان قليلا اللحم رقيقا الجلد.
(شديد سواد الشّعر، أكحل العينين) ؛ أي: شديد سواد أجفانهما. والكحل بفتحتين-: سواد في أجفان العين خلقة.
(أهدب الأشفار، إذا وطىء بقدمه وطىء بكلّها) ؛ أي: لا يلصق القدم بالأرض عند الوطء، وهو مشي الشجاع، (ليس له أخمص) - بفتح الميم- أي:
خارج عن الحدّ؛ فله خموصة أزيد من الناس لكنها مع عدم الإفراط المخلّ بالجمال؛ (إذا وضع رداءه عن منكبيه؛ فكأنّه سبيكة فضّة، وإذا ضحك) ؛ أي:
تبسّم (يتلألأ) ؛ أي: يلمع ويضيء، ويظهر من ثغره نور.
ولا يخفى ما في تعدّد هذه الصفات من الحسن، وذلك لأنّها بالتعاطف تصير كأنّها جملة واحدة.
(ومعنى «أسيل الخدّين» ) : أنّهما (ليس فيهما ارتفاع.
(و) معنى (الأكحل) هو: (أسود أجفان العين خلقة) أي: من أصل الخلقة.
стр. 209
وكان ﷺ شبح الذّراعين، بعيد ما بين المنكبين، أهدب أشفار العينين.
ومعنى (شبح الذّراعين) : عريضهما ممتدّهما.
وكان رسول الله ﷺ عبل العضدين والذّراعين، (و) روى البيهقيّ في «الدلائل» ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله ﷺ شبح الذّراعين) - قال المناوي: بشين معجمة فموحّدة مفتوحة، فحاء مهملة-: عريضهما ممتدّهما. والذّراعان: تثنية ذراع؛ وهو:
ما بين مفصل الكفّ والمرفق، أو من المرفق إلى أطراف الأصابع.
(بعيد) - بفتح فكسر- (ما بين المنكبين) ؛ أي: عريض أعلى الظهر.
و «ما» موصولة أو موصوفة؛ لا زائدة. لأنّ «بين» من الظروف اللازمة للإضافة، فلا وجه لإخراجه عن الظرفية بالحكم بزيادة «ما» . والمنكب: مجتمع رأس العضد والكتف، وبعد ما بينهما يدلّ على سعة الصدر، وذلك آية النجابة.
وجاء في رواية: «بعيد» مصغّرا، تقليلا للبعد المذكور؛ إيماء إلى أنّ بعد ما بين منكبيه لم يكن وافيا منافيا للاعتدال.
(أهدب أشفار العينين) ؛ أي: طويلهما غزيرهما- على ما مرّ-.
(ومعنى «شبح الذّراعين» ) : عبلهما (عريضهما ممتدّهما) ؛ ففي «المجمل» شبحت الشيء: مددته.
(و) في «الإحياء» : (كان رسول الله ﷺ عبل) - بفتح العين المهملة وسكون الموحدة تليها لام، كذا ضبطه بعضهم بإسكان الباء. فإن كان الرواية، وإلّا! ففيه أيضا كسر الباء؛ بزنة فرخ- أي: ضخم قوي (العضدين) - تثنية:
عضد؛ بفتح العين وضمّ الضاد المعجمة وتسكّن تخفيفا؛ وهو ما بين المرفق والكتف.
(و) عبل (الذّراعين) : ضخمهما، والذراعان: تثنية ذراع؛ وهو: ما بين مفصل الكفّ والمرفق، أو: من المرفق إلى أطراف الأصابع.
стр. 210
وما تحت الإزار من الفخذين والسّاق، طويل الزّندين، رحب الرّاحتين، سائل الأطراف، كأنّ أصابعه قضبان الفضّة.
وكان ﷺ معتدل الخلق في السّمن، فبدن في آخر عمره، ...
(و) عبل (ما تحت الإزار من الفخذين والسّاق) ، وذلك كلّه مما يؤذن بكمال قوّته؛ لما في الحديث أنّه ﷺ أعطي قوّة ثلاثين رجلا.
(طويل الزّندين) ؛ أي: عظيمهما إذ الزند موصل عظم الذّراع؛ وهما زندان: الكوع والكرسوع؛ قاله في «شرح الإحياء» .
وقد مرّ أن: الزند ما انحسر من الذراع.
(رحب الرّاحتين) ؛ أي: واسعهما حسّا ومعنى، والراحة: باطن الكف.
(سائل الأطراف) - بالسين المهملة- أي: ممتدّها، وهي الأصابع امتدادا معتدلا بين الإفراط والتفريط. ويروى بالشين المعجمة: أي مرتفعها.
(كأنّ) - بالتشديد- (أصابعه) ﷺ (قضبان) - جمع قضيب؛ وهو:
الغصن. والمراد تشبيهها بقضبان- (الفضّة) في امتدادها وصفاء لونها. وهذا رواه الترمذي في «الشمائل» ، والبيهقيّ، والطبرانيّ بألفاظ شتّى مفرّقة؛ من حديث أبي هريرة، وعائشة، وهند بن أبي هالة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
(و) في «الإحياء» : (كان) رسول الله ﷺ معتدل الخلق) - بفتح الخاء المعجمة- (في السّمن) ، والمراد أنّه معتدل الصورة الظاهرة، بمعنى أن أعضاءه متناسبة غير متنافرة، وكلّ متناسب معتدل، وكلّ متوسط في كمّ وكيف معتدل، وكلّ مستقيم قويم معتدل.
(فبدن في آخر عمره) ، ولما كان إطلاق البادن يوهم الإفراط في السّمن المستدعي لرخاوة البدن وعدم استمساكه وهو مذموم اتفاقا؛ استدرك ونفى ذلك؛ فقال:
стр. 211
وكان مع ذلك لحمه متماسكا، يكاد يكون على الخلق الأوّل، لم يضرّه السّنّ.
وكان ﷺ أحسن النّاس وجها، وأحسنهم خلقا، ليس بالطّويل البائن، ولا بالقصير، بل كان ينسب إلى الرّبعة إذا مشى وحده، ...
(وكان مع ذلك لحمه متماسكا) ؛ أي: كان أعضاؤه يمسك بعضها بعضا؛ من غير ترجرج (يكاد يكون على الخلق الأوّل، لم يضرّه السّنّ) ؛ أي: الطعن في العمر والتقدّم في السن، وأراد أنّه في السنّ الذي شأنه استرخاء اللحم كان كالشباب.
(و) روى البخاريّ، ومسلم؛ عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله ﷺ أحسن النّاس وجها) حتّى من يوسف. قال السيوطي: من خصائصه أنّه أوتي كلّ الحسن؛ ولم يؤت يوسف إلّا شطره.
(وأحسنهم خلقا) . قال القرطبي: الرواية بفتح الخاء وسكون اللام. قال:
والمراد حسن جسمه، بدليل قوله بعده: ليس بالطويل ... الخ. وأما ما في حديث أنس؛ فروايته بضمّ الخاء واللام، لأنه عنى به حسن المعاشرة بدليل بقية الخبر؛ نقله المناوي، وردّ ما جزم به ابن حجر من ضمّ الخاء واللام في هذا الحديث.
(ليس بالطّويل البائن) - بالهمز وجعله بالياء وهم- والمراد نفي الطول المفرط، (ولا بالقصير) هذه رواية الشيخين. وزاد في «الإحياء» :
(بل كان ينسب إلى الرّبعة) - بفتح فسكون- وقد يحرّك، وتأنيثه!! باعتبار النفس، ولذلك استوى فيه المذكّر والمؤنّث. إذ يقال في جمع كلّ منهما: ربعات بالسكون والتحريك- أي: أنّه يوصف بها، فيقال: هو ربعة لقربه منها، وذلك (إذا مشى وحده) ، فهو من نسبة الجزئي إلى كلّيّه.
واستأنفت السيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها جوابا لسؤال نشأ من مفهوم،
стр. 212
ومع ذلك فلم يكن يماشيه أحد من النّاس وهو ينسب إلى الطّول..
إلّا طاله رسول الله ﷺ ، ولربّما اكتنفه الرّجلان الطّويلان فيطولهما، فإذا فارقاه.. نسبا إلى الطّول؛ ونسب هو ﷺ إلى الرّبعة.
وحدّه قولها: (ومع ذلك) ؛ أي: مع كونه ربعة معتدلا (فلم يكن يماشيه أحد من النّاس) بأن يمشي معه وبجنبه؛ (وهو ينسب إلى الطّول) ، المراد بنسبته إلى الطول اتصافه به وكونه معروفا به مشهورا؛ (إلّا طاله رسول الله ﷺ ؛ أي: زاد عليه في الطول.
(ولربّما اكتنفه الرّجلان الطّويلان فيطولهما) ؛ أي: يزيد عليهما في الطول؛ إكراما من الله حتى لا يزيد أحد عليه صورة؛ (فإذا فارقاه نسبا إلى الطّول؛ وينسب هو ﷺ إلى الرّبعة) .
والسرّ في ذلك: هو التنبيه على أنّه لا يتطاول عليه أحد من الأمّة صورة، كما لا يتطاولون عليه معنى. وهذه الزيادة المذكورة في «الإحياء» رواها ابن عساكر، والبيهقي، وابن أبي خيثمة؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها- كما في «المواهب» ببعض اختلاف في الألفاظ-:
وفي «الدلائل» ؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: كان ربعة إلى الطول مائل ... الحديث. وعند المنذري في «الزهريات» ؛ من حديثه: كان ربعة؛ وهو إلى الطول أقرب. وإسناده حسن.
وعند البيهقي؛ من حديث علي: وهو إلى الطول أقرب.
وعنده أيضا؛ من حديث عائشة: كان ينسب إلى الرّبعة.
وفي «زوائد المسند» لعبد الله بن أحمد: ليس بالذاهب طولا وفوق الرّبعة.
ولا تنافي بين الأخبار، لأنه أمر نسبيّ. فمن وصفه بالرّبعة أراد الأمر التقريبي؛ ولم يرد التحديد. ومن ثمّ قال ابن أبي هالة: كان أطول من المربوع، وأقصر من المشذّب؛ وهو البائن الطول في نحافة. رواه الترمذي في
стр. 213
ويقول ﷺ : «جعل الخير كلّه في الرّبعة» .
وزاد ابن سبع في «الخصائص» : أنّه كان ﷺ إذا جلس.. يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين.
«الشمائل» ، والطبرانيّ، والبيهقي. انتهى شرح «الإحياء» .
(و) كان (يقول ﷺ : «جعل الخير كلّه في الرّبعة» ) يعني المعتدل القامة.
رواه أبو بكر بن لال في «مكارم الأخلاق» . والديلمي؛ من حديث عائشة ﵂. ويروى عن الحسن بن علي: أنّ الله جعل البهاء والهوج في الطوال. قال السخاوي: وما اشتهر على الألسنة: «ما خلا قصير من حكمة!!» لم أقف عليه.
انتهى شرح «الإحياء» .
(وزاد) الإمام أبو الربيع (ابن سبع) - بإسكان الموحدة: بلفظ العدد، وقد تضمّ؛ كما في «التبصير» - (في) كتاب (الخصائص) ، ورزين (أنّه ﷺ إذا جلس يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين) .
قال الشهاب الخفاجي في «نسيم الرياض» : وهل هذا محض إراءة لذلك؛ أو حقيقيّ يرجع عنه!؟ فيه تردّد. ولم يخلق أطول من غيره!! لخروجه عن الاعتدال الأكمل المحمود، ولكن جعل الله له هذا في رأي العين معجزة خصّه الله تعالى بها!! لئلا يرى تفوّق أحد عليه بحسب الصورة، وليظهر من بين أصحابه تعظيما له بما لم يسمع لغيره، فإذا فارق تلك الحالة زال المحذور وعلم التعظيم، فظهر كماله الخلقي. انتهى.
وقال الزرقاني: وحكمة ما رأيت ودليله قول علي: إذا جامع القوم غمرهم.
إذ هو شامل للمشي والجلوس. فقصّر من توقف فيه بأنه لم يره إلّا في كلام رزين وكلام الناقلين عنه. انتهى.
(و) روى الترمذيّ في «الشمائل» ، والبيهقي في «شعب الإيمان» ، والطبراني في «الكبير» ؛ عن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما قال: سألت
стр. 214
وكان ﷺ فخما مفخّما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، ...
خالي هند بن أبي هالة- وكان وصّافا- عن حلية النبي ﷺ ؛ وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلّق به، فقال:
(كان) رسول الله ﷺ فخما) - بفاء مفتوحة فمعجمة ساكنة- (مفخّما) اسم مفعول من التفعيل، وهو خبر بعد خبر ل «كان» ، أي: كان عظيما في نفسه، معظّما في الصدور والعيون، لا يستطيع مكابر أن لا يعظّمه؛ وإن حرص على ترك تعظيمه، ولم يرد بالفخامة فخامة الجسم؛ وإن كان ضخما في الجملة (يتلألأ وجهه) ؛ أي: يشرق ويضيء كاللؤلؤ. وأصل تلألأ: ابيضّ فأشبه بياضه اللؤلؤ.
وسمي «لؤلؤا» !! لضوئه. وإنما بدأ الوصّاف بالوجه!! لأنه أشرف ما في الإنسان، ولأنه أوّل ما يتوجّه إليه النظر.
وقوله (تلألؤ القمر) ؛ أي: مثل إشراقه واستنارته (ليلة البدر) ؛ وهي ليلة أربع عشرة؛ ليلة كماله. وإنما سمّي فيها «بدرا» !! لأنّه يبدر بالطلوع فسبق طلوعه مغيب الشمس. وتشبيه بعض صفاته ﷺ بنحو الشمس والقمر إنّما جرى على عادة الشعراء والعرب، أو على التقريب والتمثيل، وإلّا! فلا شيء يعادل شيئا من أوصافه، إذ هي أعلى وأجلّ من كلّ مخلوق.
وشبّه الوصّاف تلألؤ الوجه بتلألؤ القمر؛ دون الشمس!! لأنّه ظهر في عالم مظلم بظلام الكفر؛ ونور القمر أنفع من نورها، فنور وجهه أنفع من نور الشمس.
وهذا كما ترى أحسن من الجواب: بأن القمر يتمكّن من النظر إليه، ويؤنس من يشاهده من غير أذى يتولّد عنه، بخلاف الشمس، فإنها تغشي البصر وتؤذي، على أنّه ورد تشبيهه بالشمس أيضا؛ كما سيأتي؛ كذا قال المناوي رحمه الله تعالى.
(أطول) - بالنصب- خبر آخر (من المربوع) عند إمعان النظر وتحقيق التأمّل، وقد عرفت أنّ وصفه بالربعة- فيما مرّ- تقريبي، فلا ينافي أنّه أطول من المربوع، ولا ريب أنّ القرب من الطول في القامة أحسن وألطف.
стр. 215
وأقصر من المشذّب، عظيم الهامة، رجل الشّعر، إن انفرقت عقيقته.. فرقها، ...
ومن معجزاته أنّه ﷺ إذا دخل بين جماعة طوال كان في نظر الحاضرين أطول منهم جميعا، كما روي أنّه لم يكن أحد يماشيه من الناس إلّا طاله رسول الله ﷺ ، ولربما اكتنفه الرجلان فيطولهما؛ فإذا فارقاه نسبا إلى الطول ونسب رسول الله ﷺ إلى الرّبعة، وقد مرّ ذلك قريبا.
(وأقصر من المشذّب) - بصيغة اسم المفعول-؛ أي: من الطويل البائن في نحافة. وأصل المشذّب: النخلة الطويلة التي شذّب عنها جريدها، أي: قطع وفرّق، لأن بذلك تطول. كذا قيل؛ نقله في «جمع الوسائل» .
(عظيم الهامة) - بالتخفيف- أي: الرأس، وعظم الرأس ممدوح، لأنّه أعون على الإدراكات والكمالات (رجل) - بكسر الجيم وسكونها- (الشّعر) - بفتح العين وسكونها- أي: في شعره تكسّر وتثنّ قليل.
(إن انفرقت عقيقته) ؛ أي: شعر رأسه الذي على ناصيته. وأصل العق:
الشق والقطع. والعقيقة في الحقيقة: الشعر الذي يولد عليه المولود قبل أن يحلق في اليوم السابع، فإذا حلق ونبت ثانيا فقد زال عنه اسم العقيقة، وربّما سمّي الشعر عقيقة بعد الحلق أيضا على المجاز، لأنّه منها؛ ونباته من نباتها. وبذلك جاء الحديث؛ لئلا يلزم أن يكون شعره باقيا من حيث ولادته، فإنّه مستبعد جدّا في العادة، فإنّ عادتهم حلق شعر المولود في السابع، وكذا ذبح الغنم وإطعام الفقراء. اللهم إلّا أن يقال إنه من الكرامات الإلهية؛ لئلا يذبح باسم الآلهة.
ويؤيده ما قاله القفّال المروزي في «فتاويه» من أنه يستحبّ لمن لم يعقّ عنه أن يعقّ عن نفسه، فإنّه ﷺ عقّ عن نفسه بعد النبوّة، لكن يحتمل أنه ما اعتبر عقيقتهم لكونها على اسم غيره سبحانه. وفي رواية عقيصته- بالصاد المهملة؛ بدل القاف الثانية- والمشهور عقيقته- بقافين- ومعنى الخبر: أنّه إذا قبلت عقيقته الفرق بسهولة؛ بأن كان حديث عهد بنحو غسل (فرقها) - بالتخفيف- أي: جعل شعره
следующие страницы →