وكان مع ذلك لحمه متماسكا، يكاد يكون على الخلق الأوّل، لم يضرّه السّنّ.
وكان ﷺ أحسن النّاس وجها، وأحسنهم خلقا، ليس بالطّويل البائن، ولا بالقصير، بل كان ينسب إلى الرّبعة إذا مشى وحده، ...
(وكان مع ذلك لحمه متماسكا) ؛ أي: كان أعضاؤه يمسك بعضها بعضا؛ من غير ترجرج (يكاد يكون على الخلق الأوّل، لم يضرّه السّنّ) ؛ أي: الطعن في العمر والتقدّم في السن، وأراد أنّه في السنّ الذي شأنه استرخاء اللحم كان كالشباب.
(و) روى البخاريّ، ومسلم؛ عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله ﷺ أحسن النّاس وجها) حتّى من يوسف. قال السيوطي: من خصائصه أنّه أوتي كلّ الحسن؛ ولم يؤت يوسف إلّا شطره.
(وأحسنهم خلقا) . قال القرطبي: الرواية بفتح الخاء وسكون اللام. قال:
والمراد حسن جسمه، بدليل قوله بعده: ليس بالطويل ... الخ. وأما ما في حديث أنس؛ فروايته بضمّ الخاء واللام، لأنه عنى به حسن المعاشرة بدليل بقية الخبر؛ نقله المناوي، وردّ ما جزم به ابن حجر من ضمّ الخاء واللام في هذا الحديث.
(ليس بالطّويل البائن) - بالهمز وجعله بالياء وهم- والمراد نفي الطول المفرط، (ولا بالقصير) هذه رواية الشيخين. وزاد في «الإحياء» :
(بل كان ينسب إلى الرّبعة) - بفتح فسكون- وقد يحرّك، وتأنيثه!! باعتبار النفس، ولذلك استوى فيه المذكّر والمؤنّث. إذ يقال في جمع كلّ منهما: ربعات بالسكون والتحريك- أي: أنّه يوصف بها، فيقال: هو ربعة لقربه منها، وذلك (إذا مشى وحده) ، فهو من نسبة الجزئي إلى كلّيّه.
واستأنفت السيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها جوابا لسؤال نشأ من مفهوم،
стр. 212
ومع ذلك فلم يكن يماشيه أحد من النّاس وهو ينسب إلى الطّول..
إلّا طاله رسول الله ﷺ ، ولربّما اكتنفه الرّجلان الطّويلان فيطولهما، فإذا فارقاه.. نسبا إلى الطّول؛ ونسب هو ﷺ إلى الرّبعة.
وحدّه قولها: (ومع ذلك) ؛ أي: مع كونه ربعة معتدلا (فلم يكن يماشيه أحد من النّاس) بأن يمشي معه وبجنبه؛ (وهو ينسب إلى الطّول) ، المراد بنسبته إلى الطول اتصافه به وكونه معروفا به مشهورا؛ (إلّا طاله رسول الله ﷺ ؛ أي: زاد عليه في الطول.
(ولربّما اكتنفه الرّجلان الطّويلان فيطولهما) ؛ أي: يزيد عليهما في الطول؛ إكراما من الله حتى لا يزيد أحد عليه صورة؛ (فإذا فارقاه نسبا إلى الطّول؛ وينسب هو ﷺ إلى الرّبعة) .
والسرّ في ذلك: هو التنبيه على أنّه لا يتطاول عليه أحد من الأمّة صورة، كما لا يتطاولون عليه معنى. وهذه الزيادة المذكورة في «الإحياء» رواها ابن عساكر، والبيهقي، وابن أبي خيثمة؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها- كما في «المواهب» ببعض اختلاف في الألفاظ-:
وفي «الدلائل» ؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: كان ربعة إلى الطول مائل ... الحديث. وعند المنذري في «الزهريات» ؛ من حديثه: كان ربعة؛ وهو إلى الطول أقرب. وإسناده حسن.
وعند البيهقي؛ من حديث علي: وهو إلى الطول أقرب.
وعنده أيضا؛ من حديث عائشة: كان ينسب إلى الرّبعة.
وفي «زوائد المسند» لعبد الله بن أحمد: ليس بالذاهب طولا وفوق الرّبعة.
ولا تنافي بين الأخبار، لأنه أمر نسبيّ. فمن وصفه بالرّبعة أراد الأمر التقريبي؛ ولم يرد التحديد. ومن ثمّ قال ابن أبي هالة: كان أطول من المربوع، وأقصر من المشذّب؛ وهو البائن الطول في نحافة. رواه الترمذي في
стр. 213
ويقول ﷺ : «جعل الخير كلّه في الرّبعة» .
وزاد ابن سبع في «الخصائص» : أنّه كان ﷺ إذا جلس.. يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين.
«الشمائل» ، والطبرانيّ، والبيهقي. انتهى شرح «الإحياء» .
(و) كان (يقول ﷺ : «جعل الخير كلّه في الرّبعة» ) يعني المعتدل القامة.
رواه أبو بكر بن لال في «مكارم الأخلاق» . والديلمي؛ من حديث عائشة ﵂. ويروى عن الحسن بن علي: أنّ الله جعل البهاء والهوج في الطوال. قال السخاوي: وما اشتهر على الألسنة: «ما خلا قصير من حكمة!!» لم أقف عليه.
انتهى شرح «الإحياء» .
(وزاد) الإمام أبو الربيع (ابن سبع) - بإسكان الموحدة: بلفظ العدد، وقد تضمّ؛ كما في «التبصير» - (في) كتاب (الخصائص) ، ورزين (أنّه ﷺ إذا جلس يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين) .
قال الشهاب الخفاجي في «نسيم الرياض» : وهل هذا محض إراءة لذلك؛ أو حقيقيّ يرجع عنه!؟ فيه تردّد. ولم يخلق أطول من غيره!! لخروجه عن الاعتدال الأكمل المحمود، ولكن جعل الله له هذا في رأي العين معجزة خصّه الله تعالى بها!! لئلا يرى تفوّق أحد عليه بحسب الصورة، وليظهر من بين أصحابه تعظيما له بما لم يسمع لغيره، فإذا فارق تلك الحالة زال المحذور وعلم التعظيم، فظهر كماله الخلقي. انتهى.
وقال الزرقاني: وحكمة ما رأيت ودليله قول علي: إذا جامع القوم غمرهم.
إذ هو شامل للمشي والجلوس. فقصّر من توقف فيه بأنه لم يره إلّا في كلام رزين وكلام الناقلين عنه. انتهى.
(و) روى الترمذيّ في «الشمائل» ، والبيهقي في «شعب الإيمان» ، والطبراني في «الكبير» ؛ عن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما قال: سألت
стр. 214
وكان ﷺ فخما مفخّما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، ...
خالي هند بن أبي هالة- وكان وصّافا- عن حلية النبي ﷺ ؛ وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلّق به، فقال:
(كان) رسول الله ﷺ فخما) - بفاء مفتوحة فمعجمة ساكنة- (مفخّما) اسم مفعول من التفعيل، وهو خبر بعد خبر ل «كان» ، أي: كان عظيما في نفسه، معظّما في الصدور والعيون، لا يستطيع مكابر أن لا يعظّمه؛ وإن حرص على ترك تعظيمه، ولم يرد بالفخامة فخامة الجسم؛ وإن كان ضخما في الجملة (يتلألأ وجهه) ؛ أي: يشرق ويضيء كاللؤلؤ. وأصل تلألأ: ابيضّ فأشبه بياضه اللؤلؤ.
وسمي «لؤلؤا» !! لضوئه. وإنما بدأ الوصّاف بالوجه!! لأنه أشرف ما في الإنسان، ولأنه أوّل ما يتوجّه إليه النظر.
وقوله (تلألؤ القمر) ؛ أي: مثل إشراقه واستنارته (ليلة البدر) ؛ وهي ليلة أربع عشرة؛ ليلة كماله. وإنما سمّي فيها «بدرا» !! لأنّه يبدر بالطلوع فسبق طلوعه مغيب الشمس. وتشبيه بعض صفاته ﷺ بنحو الشمس والقمر إنّما جرى على عادة الشعراء والعرب، أو على التقريب والتمثيل، وإلّا! فلا شيء يعادل شيئا من أوصافه، إذ هي أعلى وأجلّ من كلّ مخلوق.
وشبّه الوصّاف تلألؤ الوجه بتلألؤ القمر؛ دون الشمس!! لأنّه ظهر في عالم مظلم بظلام الكفر؛ ونور القمر أنفع من نورها، فنور وجهه أنفع من نور الشمس.
وهذا كما ترى أحسن من الجواب: بأن القمر يتمكّن من النظر إليه، ويؤنس من يشاهده من غير أذى يتولّد عنه، بخلاف الشمس، فإنها تغشي البصر وتؤذي، على أنّه ورد تشبيهه بالشمس أيضا؛ كما سيأتي؛ كذا قال المناوي رحمه الله تعالى.
(أطول) - بالنصب- خبر آخر (من المربوع) عند إمعان النظر وتحقيق التأمّل، وقد عرفت أنّ وصفه بالربعة- فيما مرّ- تقريبي، فلا ينافي أنّه أطول من المربوع، ولا ريب أنّ القرب من الطول في القامة أحسن وألطف.
стр. 215
وأقصر من المشذّب، عظيم الهامة، رجل الشّعر، إن انفرقت عقيقته.. فرقها، ...
ومن معجزاته أنّه ﷺ إذا دخل بين جماعة طوال كان في نظر الحاضرين أطول منهم جميعا، كما روي أنّه لم يكن أحد يماشيه من الناس إلّا طاله رسول الله ﷺ ، ولربما اكتنفه الرجلان فيطولهما؛ فإذا فارقاه نسبا إلى الطول ونسب رسول الله ﷺ إلى الرّبعة، وقد مرّ ذلك قريبا.
(وأقصر من المشذّب) - بصيغة اسم المفعول-؛ أي: من الطويل البائن في نحافة. وأصل المشذّب: النخلة الطويلة التي شذّب عنها جريدها، أي: قطع وفرّق، لأن بذلك تطول. كذا قيل؛ نقله في «جمع الوسائل» .
(عظيم الهامة) - بالتخفيف- أي: الرأس، وعظم الرأس ممدوح، لأنّه أعون على الإدراكات والكمالات (رجل) - بكسر الجيم وسكونها- (الشّعر) - بفتح العين وسكونها- أي: في شعره تكسّر وتثنّ قليل.
(إن انفرقت عقيقته) ؛ أي: شعر رأسه الذي على ناصيته. وأصل العق:
الشق والقطع. والعقيقة في الحقيقة: الشعر الذي يولد عليه المولود قبل أن يحلق في اليوم السابع، فإذا حلق ونبت ثانيا فقد زال عنه اسم العقيقة، وربّما سمّي الشعر عقيقة بعد الحلق أيضا على المجاز، لأنّه منها؛ ونباته من نباتها. وبذلك جاء الحديث؛ لئلا يلزم أن يكون شعره باقيا من حيث ولادته، فإنّه مستبعد جدّا في العادة، فإنّ عادتهم حلق شعر المولود في السابع، وكذا ذبح الغنم وإطعام الفقراء. اللهم إلّا أن يقال إنه من الكرامات الإلهية؛ لئلا يذبح باسم الآلهة.
ويؤيده ما قاله القفّال المروزي في «فتاويه» من أنه يستحبّ لمن لم يعقّ عنه أن يعقّ عن نفسه، فإنّه ﷺ عقّ عن نفسه بعد النبوّة، لكن يحتمل أنه ما اعتبر عقيقتهم لكونها على اسم غيره سبحانه. وفي رواية عقيصته- بالصاد المهملة؛ بدل القاف الثانية- والمشهور عقيقته- بقافين- ومعنى الخبر: أنّه إذا قبلت عقيقته الفرق بسهولة؛ بأن كان حديث عهد بنحو غسل (فرقها) - بالتخفيف- أي: جعل شعره
стр. 216
وإلّا.. فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره.
أزهر اللّون، ...
نصفين: نصفا عن اليمين، ونصفا عن اليسار، قيل: بالمشط، وقيل: بيده.
(وإلّا) ؛ أي: وإن لم تقبل الفرق بأن كان شعره مختلطا متلاصقا، (فلا) يفرقها، بل يسدلها؛ أي: يرسلها على جبينه، فيجوز الفرق والسّدل، لكن الفرق أفضل، لأنّه الذي رجع إليه النبي ﷺ ، فإن المشركين كانوا يفرقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلونها؛ فكان ﷺ يسدل رأسه، لأنه كان يحبّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم فرق واستمرّ عليه. قال الحافظ العراقي في «ألفية السيرة» :
يحلق رأسه لأجل النّسك ... وربّما قصّره في نسك
وما قرّرناه مبنيّ على جعله قوله «وإلّا فلا» كلاما تاما، وما بعده مستأنف ليس من مدخول النفي؛ وهو ما حقّقه العصام، وعليه شرح ابن حجر والمناويّ والقاري وحسّوس، وتبعهم الباجوري. ثم قال:
ويصحّ أن يكون ما بعده من مدخول النفي، فيصير التركيب هكذا: وإلّا فلا (يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره) أي: جعله وفرة، وتقدّم أنّ الوفرة الشعر النازل من شحمة الأذن إذا لم يصل إلى المنكبين.
وحاصل المعنى على التقرير الأول أنّ شعره ﷺ يجاوز شحمة أذنيه إذا جعله وفرة؛ ولم يفرقه، فإن فرقه؛ ولم يجعله وفرة وصل إلى المنكبين؛ وكان جمّة:
وعلى التقرير الثاني: أنّ عقيقته ﷺ إذا لم تنفرق؛ بل استمرت مجموعة لم يجاوز شعره شحمة أذنيه، بل يكون حذاء أذنيه فقط. فإن انفرقت عقيقته! جاوز شعره شحمة أذنيه، بل وصل إلى المنكبين. انتهى.
(أزهر اللّون) ؛ أي: أبيضه بياضا نيّرا، لأنه مشرّب بحمرة. كذا قال الأكثر، لكن قال السّهيلي: الزّهرة- في اللغة-: إشراق في اللون؛ بياضا وغيره.
стр. 217
واسع الجبين، أزجّ الحواجب؛ سوابغ في غير قرن، ...
(واسع الجبين) ؛ أي: ممتدّ الجبين طولا وعرضا، وسعة الجبين محمودة عند كلّ ذي ذوق سليم. والجبين- كما في «الصحاح» - فوق الصّدغ؛ وهو:
ما اكتنف الجبهة من يمين وشمال، فهما جبينان، فتكون الجبهة بين جبينين، وبذلك تعلم أن «أل» في «الجبين» للجنس، فيصدق بالجبينين كما هو المراد.
(أزجّ الحواجب) بمعنى مقوّس الحاجبين مع وفور الشعر وطوله في طرفه وامتداده، أو دقيقهما مع طول، لأن الزّجج- بزاي وجيمين محرّكة-: استقواس الحاجبين مع طول؛ كما في «القاموس» . أو دقّة الحاجبين مع سبوغهما إلى مؤخّر العين؛ كما في «الفائق» .
وإنّما قيل: «أزج الحواجب» ؛ دون «مزجّج الحواجب» !! لأن الزجج خلقة والتزجيج صنعة؛ والخلقة أشرف. وعليه قوله:
ومقلة وحاجبا مزجّجا
وقوله:
وزجّجن الحواجب والعيونا
أي: صنعن ذلك بدليل عطف العيون عليه.
والحواجب: جمع حاجب؛ وهو: ما فوق العين بلحمه وشعره، وهو صفة غالبة. أو هو الشعر الذي على العظم وحده، وسمّي به لمنعه الشمس عن العين، ووضع الحواجب موضع الحاجبين!! لأن التثنية جمع؛ أو للمبالغة في امتدادهما حتّى صارا كالحواجب.
(سوابغ) - بالسين والصاد والسين أفصح- جمع سابغة؛ أي: كوامل، وهو حال من الحواجب، لأنه في المعنى فاعل؛ أي: دقّت وتقوّست حال كونها سوابغ أي- كاملات. والأظهر أنّه منصوب على المدح (في غير قرن) - بالتحريك؛ مصدر قولك: رجل أقرن- أي: مقرون الحاجبين. وهو مكمل للوصف
стр. 218
بينهما عرق يدرّه الغضب، أقنى العرنين، ...
المذكور، والمراد أنّ حاجبيه قد سبغا حتّى كادا يلتقيان ولم يلتقيا.
والقرن غير محمود عند العرب ويستحبون البلج، وهو الصحيح في صفته ﷺ ، بخلاف ما روته أمّ معبد حيث قالت في صفته: أزجّ أقرن.
ويمكن أن يجمع بينهما على تقدير صحّة رواياتها: بأن يقال: كان بين حاجبيه فرجة دقيقة لا تتبين إلّا للمتأمل، فهو غير أقرن في الواقع؛ وإن كان أقرن بحسب الظاهر، فكأنه جمع من لطافة العرب وظرافة العجم ﷺ .
وفي بعض الروايات «في غير قرن» . ففي بمعنى «من» ، و «غير» بمعنى «لا» ، أي: بلا قرن، وهو حال أيضا من الحواجب على الترادف؛ أو التداخل، والتداخل هو الأحسن.
(بينهما) ؛ أي: الحاجبين، وفيه تنبيه على أن الحواجب في معنى الحاجبين.
(عرق) أجوف يكون فيه الدم- وهو بكسر العين- والعصب غير أجوف. وهذا حال من الحواجب. وترك الواو في الجملة الاسمية جائز.
(يدرّه الغضب) ؛ من الإدرار- على الرواية الصحيحة- أي: بين الحاجبين عرق يصيّره الغضب ممتلئا دما؛ كما يصير الضرع ممتلئا لبنا. وفي ذلك دليل على كمال قوّته الغضبية التي عليها مدار حماية الديار وقمع الأشرار. والجملة صفة «عرق» .
(أقنى) - بقاف فنون مخففة- أي: طويل الأنف. يقال رجل أقنى وامرأة قنواء. (العرنين) - بكسر العين المهملة وسكون الراء وكسر النون الأولى- قيل:
هو ما صلب من الأنف. وقيل: الأنف كله، وهو المناسب هنا. والمراد أنّه طويل الأنف مع دقّة أرنبته، ومع حدب في وسطه، فلم يكن طوله مع استواء، بل كان في وسطه بعض ارتفاع، وهو وصف مدح.
стр. 219
له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمّله أشمّ، كثّ اللّحية، سهل الخدّين، ضليع الفم، ...
(له نور يعلوه) الظاهر أنّ الضميرين راجعان إلى العرنين، لأن ما بعده من تتمات صفات الأنف، ويحتمل أنّه عائد للنبي ﷺ ؛ لأنّه الأصل، وكذا الضمير في قوله بعده «يحسبه من لم يتأمّله أشمّ» .
والنور: قال السعد التفتازاني: أجود تعريفاته: كيفية تدركها الباصرة أولا، وبواسطتها تدرك سائر المبصرات.
(يحسبه) - بكسر السين وفتحها- أي: يظن النبي ﷺ (من لم يتأمّله) : يمعن النظر فيه. والتأمّل إعادة النظر في الشيء مرّة بعد أخرى حتى يعرفه ويتحقّقه.
(أشمّ) مفعول ثان ل «يحسبه» .
والشّمم- بفتحتين-: ارتفاع قصبة الأنف مع استواء أعلاها، ومع إشراف الأرنبة قليلا. وحاصل المعنى: أنّ الرائي له ﷺ يظنّه أشمّ لحسن قناه ولنور علاه، ولو أمعن النظر لحكم بأنه غير أشمّ.
(كثّ) - بتشديد المثلثة، وفي رواية. كثيف- (اللّحية) ، وفي أخرى:
عظيم اللحية، وعلى كلّ؛ فالمعنى أنّ لحيته ﷺ كانت عظيمة غليظة.
واللّحية- بكسر اللام على الأفصح-: الشّعر النابت على الذّقن، وهو مجتمع اللحيين (سهل الخدّين) غير مرتفع الوجنتين، وهو بمعنى خبر البزار والبيهقي (كان أسيل الخدين) ، وذلك أعلى وأغلى وأحلى عند العرب.
(ضليع الفم) - بضاد معجمة مفتوحة-: عظيمه. وقيل: واسعه.
والعرب تتمدح بسعة الفم وتذمّ بضيقه، لأنّ سعته دليل على الفصاحة.
قال الزمخشري: والضليع في الأصل الذي عظمت أضلاعه ووفرت؛ فأجفر جنباه، ثم استعمل في موضع العظم؛ وإن لم يكن ثمّ أضلاع. انتهى.
ومن فسر ضليعه بعظيم الأسنان!! ففي كلامه نظر من وجهين:
стр. 220
أشنب، مفلّج الأسنان، دقيق المسربة، كأنّ عنقه جيد دمية في صفاء الفضّة، ...
الأول: أنّ إضافته إلى الفم تمنع منه، لأنها تقتضي أنّ المراد عظيم الفم؛ لا عظيم الأسنان.
والثاني: أن المقام مقام مدح، وليس عظم الأسنان بمدح؛ بخلاف عظم الفم.
(أشنب) - بشين معجمة ونون بعدها موحدة- أي: أبيض الأسنان مع بريق وتحديد فيها (مفلّج الأسنان) ؛ بصيغة اسم المفعول من التفليج- بالفاء والجيم- أي: منفرجها، وهو خلاف متراصّ الأسنان. والفلج: انفراج ما بين الثنايا. وفي «القاموس» : مفلّج الثنايا: منفرجها. وظاهره اختصاص الفلج بالثنايا.
ويؤيده: إضافته إلى الثّنيّتين في خبر ابن عبّاس الآتي، وما قاله العصام من «أنّه يحتمل أنّ المراد الانفراج مطلقا» !! يردّه أن المقام مقام مدح، وقد صرح جمع من شرّاح «الشفاء» وغيرهم بأن انفراج جميع الأسنان عيب عند العرب:
والألصّ ضد المفلج فهو متقارب الثنايا. والفلج، أبلغ في الفصاحة، لأنّ اللسان يتّسع فيها.
(دقيق) - بالدال، وفي رواية: بالراء- (المسربة) - بفتح الميم وسكون السين المهملة وضمّ الراء-: الشعر المستدقّ ما بين اللّبّة إلى السّرة، ووصفها بالدقّة للمبالغة.
(كأنّ) - بتشديد النون- (عنقه) - بضمّتين ويسكّن- (جيد دمية) ؛ أي:
كأن عنقه الشريف عنق صورة متّخذة من عاج ونحوه (في صفاء الفضّة) فالجيد بكسر الجيم وسكون المثناة التحتية-: العنق، والدّمية- بضم الدال المهملة وسكون الميم بعدها مثناة تحتية-: الصورة المتّخذة من عاج ونحوه.
فشبّه عنقه الشريف بعنق الدّمية في الاستواء والاعتدال؛ وحسن الهيئة والكمال؛ والإشراق والجمال، لا في لون البياض، بدليل قوله «في صفاء
стр. 221
معتدل الخلق.
بادن متماسك، ...
الفضة» !! لبعد ما بين لون العاج ولون الفضة من التفاوت.
وقد بحث فيه بأن في أنواع المعادن ما هو أحسن نضارة من العاج ونحوه، كالبلور، فلم آثر العاج؟ وأجيب بأن هذه الصورة قد تكون مألوفة عندهم؛ دون غيرها، لأن مصورها يبالغ في تحسينها ما أمكنه.
(معتدل الخلق) - بفتح الخاء المعجمة-: أي: معتدل الصورة الظاهرة بمعنى أن أعضاءه متناسبة غير متنافرة. وهذا الكلام إجمال بعد تفصيل بالنسبة لما قبله، وإجمال قبل التفصيل بالنسبة لما بعده. وهذه الفقرة بالنصب والرفع، والنصب أظهر.
(بادن) أي: سمين سمنا معتدلا، بدليل قوله فيما تقدم «لم يكن بالمطهّم» .
فالحقّ أنّه لم يكن سمينا جدّا؛ ولا نحيفا.
وفي «جمع الوسائل» : قال الحفني: قوله «بادن» روايتنا إلى هنا بالنصب، ومن هنا إلى آخر الحديث بالرفع. ويحتمل- كما قيل- أن يكون قوله «بادن» منصوبا كما يقتضيه السياق، ويكتفى بحركة النصب عن الألف كما هو رسم المتقدمين. ويؤيده ما وقع في «جامع الأصول» : بادنا- بالألف- وكذا في «الفائق» ، وكذا في «الشفاء» للقاضي عياض.
ولما كانت البدانة قد تكون من الأعضاء؛ وقد تكون من كثرة اللحم والسمن المفرط المستوجب لرخاوة البدن وهو مذموم؛ أردفه بما ينفي ذلك فقال:
(متماسك) يمسك بعض أجزائه بعضا من غير ترجرج، وقيل: معناه ليس بمسترخي البدن، حتّى أنه في السنّ الذي شأنه استرخاء البدن كان كالشاب. ولذلك قال الغزالي: لحمه متماسك يكاد يكون على الخلق الأول فلم يضرّه السنّ.
стр. 222
سواء البطن والصّدر، عريض الصّدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرّد، موصول ما بين اللّبّة والسّرّة ...
(سواء) - بفتح السين والواو والألف- (البطن والصّدر) برفع «سواء» منونا، ورفع «البطن» و «الصّدر» ، وفي بعض النسخ: سواء البطن والصدر؛ برفع «سواء» غير منون، وجرّ البطن والصدر على الإضافة. والمعنى: أن بطنه وصدره الشريفين مستويان لا ينتأ أحدهما عن الآخر؛ فلا يزيد بطنه على صدره؛ ولا يزيد صدره على بطنه.
(عريض الصّدر) ؛ كالمؤكّد لقوله «سواء البطن والصدر» ، وكون الصدر عريضا مما يمدح به في الرجال.
(بعيد ما بين المنكبين) روي بالتكبير والتصغير، والمراد بكونه (بعيد ما بين المنكبين) : أنّه عريض أعلى الظهر كما تقدّم. و «ما» موصولة.
(ضخم الكراديس) : غليظها عظيمها. قال في «الصحاح» : الضخم الغليظ من كلّ شيء. وفي «المصباح» : الضخم العظيم، وضخم عظم. ومن كلامهم:
العظم أساس البدن.
(أنور المتجرّد) - بكسر الراء المشددة؛ على أنّه اسم فاعل، وبفتحها على أنه اسم مكان، قيل: وهو أشهر، بل قيل: إنه الرواية-.
والمعنى أنّه نيّر العضو المتجرّد عن الشعر؛ أو عن الثوب، فهو على غاية من الحسن ونصاعة اللون. وعلم من ذلك أنّه وضع «أفعل» موضع «فعيل» ؛ كما قاله جمع.
(موصول ما بين اللّبّة والسّرّة) «ما» موصولة؛ أو موصوفة، واللّبّة- بفتح اللام وتشديد الباء-: النّقرة التي فوق الصدر، أو موضع القلادة منه، والسّرّة بضم أوّله المهملة-: ما بقي بعد القطع، والذي يقطع سرّ. قال في «الصحاح» . تقول: عرفت ذلك قبل أن يقطع سرّك، ولا تقل سرّتك. لأنّ السرة لا تقطع، وإنما هي الموضع الذي قطع منه السّرّ- بالضم-. والمعنى: وصل
стр. 223
بشعر يجري كالخطّ، عاري الثّديين والبطن ما سوى ذلك، أشعر الذّراعين والمنكبين وأعالي الصّدر، ...
ما بين لبّته وسرّته (بشعر) جار ومجرور متعلق بموصول.
(يجري) ؛ أي: يمتد ذلك الشعر، فشبّه امتداده بجريان الماء؛ وهو امتداده في سيلانه (كالخطّ) ؛ أي: خطّ الكتابة. وروي كالخيط، والتشبيه بالخطّ أبلغ، لإشعاره بأن الشعرات مشبهة بالحروف، وهذا معنى «دقيق المسربة» الذي مرّ الكلام عليه. وفي رواية لابن سعد: له شعر من لبّته إلى سرّته يجري كالقضيب ليس في بطنه ولا صدره؛ أي: ما عدا أعاليه. أخذا مما يأتي شعر غيره.
(عاري) - أي: خالي- (الثّديين) - بفتح المثلثة: وسكون الدال-.
(و) عاري (البطن) من الشعر (ما سوى ذلك) الخطّ. وفي رواية: ممّا سوى ذلك. وهي أنسب وأقرب؛ أي: سوى محلّ الشعر المذكور، أما هو!! ففيه الشعر الذي هو المسربة.
والمعنى: لم يكن على ثدييه وبطنه شعر غير مسربته.
ويؤيّده ما وقع في حديث ابن سعد: له شعر من لبّته إلى سرّته، يجري كالقضيب ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره. قال بعضهم: ولا شعر تحت إبطيه، ولعله أخذه من ذكر أنس وغيره «بياض إبطيه» . وردّه المحقق أبو زرعة بأنه لا يلزم من البياض فقد الشعر، على أنه صح عنه ﵊ أنه كان ينتف شعر إبطيه؛ كما في «جمع الوسائل» .
(أشعر) ؛ أي: كثير شعر (الذّراعين) - بكسر الذال- تثنية ذراع من المرفق إلى الأصابع. (و) أشعر (المنكبين) تثنية منكب- بفتح الميم وكسر الكاف-:
مجتمع رأس الكتف والعضد، (و) أشعر (أعالي) جمع أعلى (الصّدر) ؛ أي:
أن شعر هذه الثلاثة غزير كثير. وهذا من تتمة الصفتين المارتين. والأشعر ضدّ:
الأجرد، وهو أفعل صفة لا أفعل تفضيل. وفي «القاموس» : الأشعر كثير الشعر
стр. 224
طويل الزّندين.
رحب الرّاحة، شثن الكفّين والقدمين، ...
وطويله. وفي أكثر الشروح: أي كثيره. وقيل: طويله، والمقام يحتملهما والله أعلم.
(طويل الزّندين) - بفتح الزاي وسكون النون وبالدال المهملة؛ تثنية زند كفلس-: ما انحسر عنه اللحم من الذراع، وله رأسان: الكوع والكرسوع.
قال في «القاموس» : الكوع- بالضمّ-: طرف الزّند الذي يلي الإبهام.
والكاع طرف الزند الذي يلي الخنصر، وهو الكرسوع- بالعين المهملة- كما في «القاموس» ولبعضهم:
فعظم يلي الإبهام كوع وما يلي ... لخنصره الكرسوع والرّسغ ما وسط
وعظم يلي إبهام رجل ملقّب ... ببوع، فخذ بالعلم واحذر من الغلط
والزّند مذكّر. قال الأصمعي: لم ير أحد أعرض زندا من الحسن البصري، كان عرض زنده شبرا.
(رحب الرّاحة) واسع الكفّ حسّا ومعنى. ولله درّ حسان بن ثابت الصحابي ﵁ حيث قال:
له راحة لو أنّ معشار جودها ... على البرّ كان البرّ أندى من البحر
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمّته الصّغرى أجلّ من الدّهر
والرواية بفتح الراء في «رحب» ، ويجوز الضمّ في اللّغة. وقيل: رحب الراحة دليل الجود، وضيقها دليل البخل. والرّاحة: بطن الكفّ مع بطون الأصابع، وأصلها من الرّوح؛ وهو الاتساع.
(شثن الكفّين والقدمين) ، سبق معناه، وأنّه فسّره ابن حجر العسقلاني بغليظ الأصابع والراحة، وهو المتبادر، ويؤيّده رواية «ضخم الكفين والقدمين» . قال ابن بطّال: كانت كفّه ﷺ ممتلئة لحما، غير أنّها مع غاية ضخامتها كانت ليّنة؛ كما
стр. 225
سائل الأطراف، خمصان الأخمصين، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء؛ ...
ثبت في حديث أنس: ما مسست خزّا؛ ولا حريرا ألين من كفّ رسول الله ﷺ .
(سائل الأطراف) - بالسين المهملة وبهمز مكسور بعد ألف وفي آخره لام- أي: ممتدّ الأصابع طويلها طولا معتدلا بين الإفراط والتفريط، فكانت مستوية مستقيمة؛ وذلك مما يتمدّح به.
(خمصان) - بضمّ الخاء المعجمة وسكون الميم كعثمان، وبضمتين وبفتح فسكون- (الأخمصين) - بفتح الميم بلفظ التثنية- والأخمص من القدم: الموضع الذي لا يلصق بالأرض منها عند الوطء؛ مأخوذ من الخمص- بفتحتين-، وهو:
ارتفاع وسط القدم عن الأرض. والخمصان المبالغ فيه؛ أي: أن ذلك الموضع من أسفل قدميه شديد التجافي عن الأرض؛ كذا في «النهاية» . ولم يرتض ابن الأعرابي جعل الصيغة للمبالغة. وقال: إذا كان معتدل الخمص؛ لا مرتفعه جدا ولا منخفضه كذلك؛ فهو أحسن، بل غيره مذموم. انتهى.
ورجّح مقال ابن الأعرابي لأنه الأنسب بأوصافه؛ إذ هي في غاية الاعتدال.
ولا يعارضه خبر أبي هريرة ﵁: «إذا وطىء بقدمه وطىء بكلّها، ليس له أخمص» !! لأنّ مراده سلب نفي الاعتدال، فمن أثبت الأخمص أراد أنّ في قدميه خمصا يسيرا، ومن نفاه نفى شدّته.
(مسيح القدمين) أي: أملسها من ظهرهما لوجود الخموصة في بطنها.
ومستويهما: ليّنهما بلا تكسّر؛ ولا تشقّق جلد بحيث (ينبو) على وزن: يدعو؛ أي: يتباعد ويتجافى (عنهما الماء) ؛ أي: إذا صبّ عليهما الماء مرّ سريعا لملاستهما ولينهما، وكان غليظ أصابعهما. يقال: نبا الشيء تجافى وتباعد وبابه «سما» ؛ كما في «المختار» .
وروى الإمام أحمد وغيره أنّ سبّابتي قدميه ﷺ كانتا أطول من بقيّة أصابعهما.
стр. 226
إذا زال.. زال قلعا، يخطو تكفّيا ويمشي هونا، ...
وما اشتهر من إطلاق «أنّ سبّابتيه كانتا أطول من وسطاه» !؟ غلط، بل ذلك خاصّ بأصابع رجليه؛ كما قاله بعض الحفاظ.
(إذا زال زال قلعا) ؛ أي: إذا مشى رفع رجليه بقوّة كأنّه يقلع شيئا من الأرض؛ لا كمشي المختال. وقلعا حال؛ أو مصدر على تقدير مضاف؛ أي:
زوال قلع؛ وفيه خمسة أوجه: ١/ ٣- فتح أوّله مع تثليث ثانيه؛ أي: فتحه وكسره وسكونه، و ٤/ ٥- ضمّ أوّله مع سكون ثانيه وفتحه.
والقلع- في الأصل-: انتزاع الشيء من أصله، أو: تحويله عن محلّه.
وكلاهما صالح لأن يراد هنا، لأنّه يرفع رجله بقوّة ويحوّلها كذلك.
(يخطو) - بوزن: يعدو-؛ أي: يمشي (تكفّيا) - بكسر الفاء المشددة بعدها ياء-؛ أي: مائلا إلى سنن المشي؛ لا إلى طرفيه. وهذه الجملة مؤكّدة لمعنى قوله «زال قلعا» .
(ويمشي هونا) - بالنون ك «ضربا» ، نعت لمصدر محذوف؛ أي: مشيا هونا، أو حال-؛ أي: هيّنا في تؤدة وسكينة. وهذه الجملة قيل: إنّها تفنّن في العبارة حيث عبّر عن المشي بعبارتين فرارا من كراهة تكرار لفظه. وقيل: تتميم لكيفية مشيه ﷺ ، فقوله «إذا زال زال قلعا» بيان لكيفيّة رفع رجليه عن الأرض، وقوله «ويمشي هونا» بيان لكيفية وضعهما على الأرض.
وبهذا عرف أنّه لا تدافع بين الهون والتقلّع والانحدار، والهون: الرفق واللين. فكان ﷺ يمشي برفق ولين، وتثبّت ووقار، وحلم وأناة، وعفاف وتواضع، فلا يضرب برجله، ولا يخفق بنعله. وقد قال الزّهري: إنّ سرعة المشي تذهب بهاء الوجه. يريد الإسراع الخفيف، لأنه يخلّ بالوقار، إذ الخير في الأمر الوسط.
وهذه الصفة قد وصف الله تعالى بها عباده الصالحين بقوله (وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً) [٦٣/ الفرقان] . ولا يخفى أنّه ﷺ أثبت منهم في ذلك،
стр. 227
ذريع المشية، إذا مشى.. كأنّما ينحطّ من صبب، وإذا التفت..
التفت جميعا، خافض الطّرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السّماء، ...
لأن كلّ كمال في غيره فهو فيه أكمل.
(ذريع المشية) - بكسر الميم- أي: واسع الخطو خلقة؛ لا تكلّفا. قال الراغب: الذريع: الواسع. يقال: فرس ذريع؛ أي: واسع الخطو، فمع كونه ﷺ كان يمشي بسكينة كان يمدّ خطوه حتّى كأن الأرض تطوى له.
(إذا مشى) - يصحّ أن يكون ظرفا لقوله «ذريع المشية» ، ولقوله- (كأنّما ينحطّ من صبب) ؛ أي: محلّ منحدر، والاحتمال الثاني هو المتبادر.
(وإذا التفت التفت) عطف على الجملة الشرطية الأولى. أعني «إذا زال زال قلعا» . لأنّ ما بعدها من لواحقها.
(جميعا) على وزن «فعيل» ، وفي بعض الروايات «جمعا» على وزن «ضربا» ، وهو منصوب على المصدر؛ أو الحال، أراد أنّه لا يسارق النظر، ولا يلوي عنقه يمنة ويسرة إذا نظر إلى الشيء، وإنما يفعل ذلك الطائش الخفيف، ولكن كان يقبل جميعا ويدبر جميعا؛ أي: بجميع أجزائه لمّا أن ذلك أليق بجلالته ومهابته.
(خافض) - بالرفع- خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو خافض (الطّرف) - بفتح الطاء وسكون الراء-: هو العين، وأما الطرف- بالتحريك- فهو آخر الشيء.
فطرف الحبل آخره. والمراد أنّه خافض البصر، لأن هذا شأن المتأمّل المشتغل بربّه، فلم يزل مطرقا متوجّها إلى عالم الغيب؛ مشغولا بحاله، متفكّرا في أمور الآخرة، متواضعا بطبعه.
ثم أردف ذلك بما هو كالتفسير له؛ أو التأكيد، فقال:
(نظره) ، أي: مطالعته (إلى الأرض أطول) ، أي: أكثر، أو زمن نظره إليها أطول؛ أي: أزيد وأمدّ (من نظره إلى السّماء) ، والمراد أنّ نظره إلى الأرض
стр. 228
جلّ نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ...
حال السكوت وعدم التوجّه إلى أحد أطول من نظره إلى السماء، فلا ينافي ما ورد من حديث أبي داود؛ عن عبد الله بن سلام قال: «كان ﷺ إذا جلس يتحدّث يكثر أن يرفع طرفه إلى السماء. مع أنّه قد يحتمل أنّ الرفع محمول على حال توقّعه انتظار الوحي في أمر ينزل إليه. وقيل: الأكثر لا ينافي الإكثار؛ وإنما كان نظره إلى الأرض أطول لكونه أجمع للفكرة؛ وأوسع للاعتبار؛ لاشتغاله بالباطن وإعمال جنانه في تدبير ما بعث بسببه، أو لكثرة حيائه وأدبه مع ربّه، أو أنّه بعث لتربية أهل الأرض؛ لا لتربية أهل السماء.
والنظر- كما في «المصباح» -: تأمّل الشيء بالعين.
والأرض- كما قال الراغب-: الجرم المقابل للسماء. ويعبّر بها عن أسفل الشيء كما يعبر بالسماء عن أعلى الشيء. والطول: الامتداد. يقال «طال الشيء» : امتدّ. وأطال الله بقاءك: مدّه ووسّعه.
(جلّ نظره) - بضم الجيم واللام المشددة- أي: معظم نظره إلى الأشياء لا سيما إلى الدنيا وزخرفها (الملاحظة) ؛ أي: النظر باللّحاظ- بفتح اللام- وهو: شقّ العين مما يلي الصّدغ.
وأما الذي يلي الأنف!! فالموق، ويقال له: الماق. فلم يكن نظره إلى الأشياء كنظر أهل الحرص والشّره، بل كان يلاحظها في الجملة؛ امتثالا لقوله تعالى (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ) [١٣١/ طه] الآية.
(يسوق أصحابه) ؛ أي: يقدّمهم بين يديه ويمشي خلفهم؛ كأنه يسوقهم، لأنّ الملائكة كانت تمشي خلف ظهره. روى الدارمي بإسناد صحيح أنّه ﷺ قال:
«خلّوا ظهري للملائكة» . وأخرج أحمد؛ عن جابر ﵁ قال: كان أصحاب النبي ﷺ يمشون أمامه، ويدعون ظهره للملائكة. انتهى.
ولأن من كمال التواضع أن لا يدع أحدا يمشي خلفه، وإيماء إلى مراعاة
стр. 229
ويبدر من لقيه بالسّلام.
أضعفهم؛ فيتأخّر عنهم رعاية للضعفاء وإعانة للفقراء، لأن شأن الولي مع المولّى عليهم أن ينظر إليهم، ويربّي من يستحق التربية، ويعاتب من تليق به المعاتبة، ويؤدّب من يناسبه التّأديب، ويكمّل من يحتاج إلى التكميل، وإنما تقدّمهم في قصّة جابر؛ كما قال النووي!! لأنّه دعاهم إليه، فكان كصاحب الطعام إذا دعا طائفة يمشي أمامهم.
(ويبدر) - بضم الدال؛ من باب «نصر» بمعنى: يسبق ويبادر، وفي نسخة: ويبدأ- (من لقيه) حتّى الصبيان؛ كما صرّح به جمع في الرواية عن أنس (بالسّلام) : بالتسليم، والمعنى أنّه كان يبادر ويسبق من لقيه من أمّته بتسليم التحية؛ لأنّه من كمال شيم المتواضعين؛ وهو سيّدهم.
وليست بداءته بالسلام لأجل إيثار الغير بالجواب الذي هو فرض؛ وثوابه أجزل من ثواب السنة؛ كما قاله العصام، لأنّ الإيثار في القرب مكروه؛ كما بيّنه النووي في «المجموع» في «باب التيمم» أتمّ بيان، ووضّحه ناظم «القواعد الفقهية» مع شرحها للجرهزي؛ تبعا للسيوطي في «الأشباه» .
وفي هذه الأفعال السابقة عن المصطفى ﷺ من تعليم أمّته كيفية المشي، وعدم الالتفات، وتقديم الصحب، والمبادرة بالسلام؛ ما لا يخفى على الموفّقين لفهم بعض أسرار أحواله حتى العاديّة؛ نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم بمنّه وكرمه.
آمين.
تنبيه: من فضائله ﷺ أنّ الحقّ سبحانه ذكر أعضاءه عضوا عضوا في التنزيل، وذكره بجملته؛ فذكر وجهه في (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ) [١٤٤/ البقرة] ، وعينيه في (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ) [١٣١/ طه] ، ولسانه في (فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ) [٩٧/ مريم] ، ويده وعنقه في (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ) [٢٩/ الإسراء] ، وصدره وظهره في (أَلَمْ نَشْرَحْ) [١/ الشرح] ، وقلبه في (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ) [١٩٣- ١٩٤/ الشعراء] ، وجملته في (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (٤) [القلم] ؛ ذكره المناوي ﵀.
стр. 230
ومعنى (الفخم) : العظيم في نفسه. و (المفخّم) : المعظّم عند غيره. و (المشذّب) : الظّاهر الطّول مع نحافة. و (رجل الشّعر) :
مسترسله. و (العقيقة) : شعر الرّأس. و (وفره) : جعله وفرة، وهي الشّعر النّازل عن شحمة الأذن إذا لم يصل إلى المنكبين. و (أزهر) :
مشرق اللّون، نيّره. و (أزجّ الحواجب) : مقوّسها مع طول.
(ومعنى الفخم) ؛ في قوله «فخما» : (العظيم في نفسه. و) معنى (المفخّم) ؛ في قوله «مفخّما» : (المعظّم عند غيره) حتّى الكفّار، وما وقع من بعضهم من رميه بالحجارة ونحو ذلك!! إنما هو من العناد في الكفر مع اعتقاد عظمته وتفخيمه.
(و) معنى (المشذّب) - بميم مضمومة فشين معجمة؛ فذال معجمة مشدّدة مفتوحتين فباء موحدة، على صيغة اسم المفعول؛ من التشذيب-: (الظّاهر الطّول مع نحافة) ؛ أي: نقص في اللحم.
(و) معنى (رجل) - بكسر الجيم؛ أفصح من فتحها وسكونها-: (الشّعر) بفتح العين وسكونها- (مسترسله) .
(و) معنى (العقيقة) - بقافين على المشهور-: (شعر الرّأس) سمّي «عقيقة» !! تشبيها بشعر المولود قبل أن يحلق، فإذا حلق ونبت ثانيا زال عنه اسم العقيقة، وربما سمّي الشعر «عقيقة» بعد الحلق؛ على الاستعارة، ومنه هذا الحديث.
(و) معنى (وفره: جعله وفرة) ؛ أي: مجموعا. (وهي) أي: الوفرة:
(الشّعر النّازل عن شحمة الأذن؛ إذا لم يصل إلى المنكبين) - على ما سبق-.
(و) معنى (أزهر) اللون: (مشرق اللّون؛ نيّره) في كلّ أجزاء بدنه.
(و) معنى (أزجّ الحواجب: مقوّسها مع طول) في طرفه- على ما في «القاموس» -. وفي «الصحاح» : دقّة الحاجبين بالطول. وفي «الأساس» :
الدقّة والاستقواس. ويمكن الجمع.
стр. 231
و (السّوابغ) : الكاملات. و (أقنى العرنين) : طويل الأنف مع دقّة أرنبته، في وسطه بعض ارتفاع.
و (الأشمّ) : مرتفع قصبة الأنف. و (الأشنب) : أبيض الأسنان مع بريق وتحديد فيها.
و (المفلّج) : منفرج الثّنايا.
و (الدّمية) : صورة من رخام ونحوه. و (البادن) : السّمين سمنا معتدلا.
(و) معنى (السّوابغ) - بالسين والصاد؛ والسين أعلى، جمع سابغة-:
(الكاملات) ؛ أي: غزيرات الشعر، حتّى أنّ من لم يتأمّلها يظنّه أقرن، وفي نفس الأمر لا قرن. (و) معنى (أقنى) - بقاف فنون مخفّفة مفتوحة- (العرنين) بكسر المهملة وسكون الراء وكسر النون الأولى-: (طويل الأنف مع دقّة أرنبته؛ في وسطه بعض ارتفاع) ، فالعرنين: الأنف، وأوّله حيث يكون الشم، وجمعه:
عرانين. والقنا: طول الأنف ودقّة أرنبته وحدب في وسطه.
(و) معنى (الأشمّ: مرتفع قصبة الأنف) مع استواء أعلاها وإشراف الأرنبة قليلا. (و) معنى (الأشنب) - بشين معجمة فنون فموحدة-: (أبيض الأسنان مع بريق وتحديد فيها) .
(و) معنى (المفلّج) - بصيغة اسم المفعول-: (منفرج الثّنايا) ؛ جمع:
ثنيّة، أي: بين ثناياه فرجة لطيفة. والثّنايا: هي الأسنان الأربع التي في مقدّم الفم؛ ثنتان من فوق، وثنتان من تحت. والرّباعيات: أربع أسنان بجانب الثنايا.
وسيأتي أنّه كان أفلج الثنيّتين.
(و) معنى (الدّمية) - بضم الدال المهملة وإسكان الميم وتحتية مفتوحة-:
(صورة) منقوشة (من رخام ونحوه) كالعاج، وكانوا يبالغون في تحسين عنقها.
(و) معنى (البادن) - بالدال المهملة-: (السّمين سمنا معتدلا) بلا إفراط.
стр. 232
و (المتجرّد) : العضو العاري عن الشّعر. و (اللّبّة) : النّقرة الّتي فوق الصّدر. و (الرّحب) : الواسع. و (سائل الأطراف) :
طويلها طولا معتدلا. و (خمصان الأخمصين) : متجافيهما عن الأرض. و (الأخمص) : الموضع الّذي لا يمسّ الأرض عند الوطء من وسط القدم.
(و) معنى (المتجرّد) - بجيم وراء مشددة مفتوحتين-: (العضو العاري عن الشّعر) ؛ أو الثوب.
(و) معنى (اللبّة) - بفتح اللام وتشديد الباء الموحدة المفتوحة-: (النّقرة الّتي فوق الصّدر) ، أي: المنحر، وهي المتطامن الذي فوق الصدر وأسفل الحلق من الترقوتين، وفيه تنحر الإبل.
(و) معنى (الرّحب) - بفتح الراء وإسكان الحاء-: (الواسع)
(و) معنى (سائل الأطراف) - بالسين المهملة وبهمز مكسور بعد ألف؛ وفي آخره لام-: (طويلها طولا معتدلا) بين الإفراط والتفريط.
(و) معنى (خمصان) ؛ بضمّ المعجمة وفتحها مع سكون الميم فيها (الأخمصين) - بفتح الميم بصيغة التثنية-: (متجافيهما عن الأرض) ، ليس بالأرحّ الذي يمسّها أخمصاه. والأرحّ: بالراء والحاء المهملة المشددة.
(و) معنى (الأخمص) بزنة «الأحمر» - كما قال الزرقاني، وابن الأثير-:
(الموضع الّذي لا يمسّ الأرض عند الوطء) ؛ أي: المشي (من وسط القدم) ؛ وهو ما رقّ من أسفلها؛ مأخوذ من الخمص- بفتحتين-؛ وهو: ارتفاع وسط القدم عن الأرض، يقال منه: خمص القدم خمصا؛ من باب «تعب» ، فالرّجل أخمص، والمرأة خمصاء، والجمع خمص؛ مثل أحمر وحمراء وحمر، لأنّه صفة، وسمّي أخمصا!! لضموره، والخمصان: المبالغة فيه، أي: أنّ ذلك المحلّ من بطن قدميه شديد التجافي عن الأرض- على ما سبق ما فيه-.
стр. 233
و (المسيح) : الأملس. و (ينبو) : يتباعد.
و (إذا زال.. زال قلعا) : إذا مشى.. رفع رجليه بقوّة.
و (ذريع المشية) : واسع الخطو خلقة لا تكلّفا.
و (الملاحظة) : النّظر باللّحاظ؛ وهو: شقّ العين ممّا يلي الصّدغ. و (يسوق أصحابه) : يقدّمهم بين يديه.
و (يبدر) : يبتدىء.
(و) معنى (المسيح) - بميم مفتوحة فسين مهملة مكسورة، فمثناة تحتية ساكنة فحاء مهملة آخره-: (الأملس) .
(و) معنى (ينبو) - على وزن يدعو-: (يتباعد) ، ويتجافى.
(و) معنى (إذا زال زال قلعا) - بفتح القاف وسكون اللام-: أنه (إذا مشى رفع رجليه) رفعا (بقوّة) ؛ لا كمشي المختال.
(و) معنى (ذريع) - بوزن سريع- (المشية) - بكسر الميم-: (واسع الخطو خلقة؛ لا تكلّفا) ؛ أي: مع كون مشيه بسكينة كان يمدّ خطوه حتّى كأن الأرض تطوى له.
(و) معنى (الملاحظة) : مفاعلة من اللّحظ؛ وهو: (النّظر باللّحاظ) بفتح اللام-: (وهو: شقّ العين ممّا يلي الصّدغ) ، يقال: لحظه ولحظ إليه؛ أي: نظر إليه بمؤخّر العين، وأما الذي يلي الأنف!! فالموق والماق، واللّحاظ بالكسر مصدر-: لاحظته إذا راعيته. والصّدغ: ما بين العين والأذن.
(و) معنى (يسوق أصحابه: يقدّمهم بين يديه) ويمشي خلفهم كأنه يسوقهم.
(و) معنى (يبدر) ؛ كينصر: (يبتدىء) ويسبق. قال في «الصحاح» :
بدر إلى الشيء: أسرع، وتبادر القوم: تسارعوا. وفي «المصباح» : بدرت منه بادرة: سبقه غضبه. انتهى.
(و) روى الترمذيّ في «الشمائل» ، والطبراني في «الكبير» و «الأوسط» ، والدارمي في «مسنده» ، و «البيهقي» ؛ كلهم عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال:
стр. 234
وكان رسول الله ﷺ أفلج الثّنيّتين، إذا تكلّم ريء كالنّور يخرج من بين ثناياه. وكان ﷺ أحسن البشر قدما.
(كان رسول الله ﷺ أفلج الثّنيّتين) تثنية: ثنيّة- بتشديد الياء-، والأفلج من الفلج؛ أي: بعيد ما بين الثنايا والرباعيات. قال الطيبي: الفلج هنا: الفرق، بقرينة إضافته إلى الثنايا، فاستعمل الفلج مكان الفرق، إذ الفلج: فرجة بين الثنايا والرباعيات، والفرق: فرجة بين الثنايا. انتهى.
لكن ظاهر كلام «الصحاح» : أنّ الفلج مشترك بينهما! وعليه فلا حاجة إلى ما قاله الطيبي.
وفي الفم أربع ثنايا، وهي الأسنان التي في مقدّم الفم؛ ثنتان من أعلى، وثنتان من أسفل، فمراده بالثنيتين الجنس، وإلّا! فهي أربع- كما علمت-.
والرباعيات: أربع أسنان بجانب الثنايا. يعني: أنّ بين ثنيّتيه فرجة لطيفة.
وذلك يدلّ على الفصاحة والقدرة على الكلام، وتعدّه العرب جمالا.
(إذا) هي ومدخولها (تكلّم) خبر ثان ل «كان» (ريء) - بكسر الراء- بزنة قيل؛ على الأفصح، ويقال: بضمّ الراء وكسر الهمزة- وبني للمجهول!! إشارة إلى أن الرؤية لا تختصّ بأحد؛ دون أحد، ولذا لم يقل إذا تكلّم يخرج (كالنّور) ؛ أي: شعاع مثله، فالكاف بمعنى «مثل» ، فلا حاجة لتقدير شيء.
(يخرج من بين ثناياه) ، إمّا من الثنايا نفسها، أو من داخل الفم وطريقه من بينها؛ معجزة له، وهو نور حسّيّ. ووهم من قال: معنوي. والمراد ألفاظه بالقرآن أو السنة، لأنه خلاف الظاهر المتبادر من قوله «ريىء» .
(و) روى ابن سعد في «طبقاته» ؛ عن عبد الله بن بريدة مرسلا- كما في «المواهب» و «الجامع الصغير» -؛ قال:
(كان) رسول الله ﷺ أحسن البشر قدما) - بفتحتين-؛ وهي: من الإنسان معروفة، وهي أنثى، وتصغيرها قديمة، والجمع أقدام.
стр. 235
وعن ميمونة بنت كردم؛ قالت: رأيت رسول الله ﷺ فما نسيت طول إصبع قدمه السّبّابة على سائر أصابعه. رواه الإمام أحمد ...
(و) في «المواهب اللدنية بالمنح المحمدية» : (عن ميمونة بنت كردم) - بفتح الكاف وسكون الراء وفتح الدال المهملة بزنة «جعفر» - الثقفية، صحابيّة صغيرة لها حديث، ابنة صحابي رضي الله تعالى عنهما، حديثها عند أهل الطائف؛ لا عند أهل البصرة؛ كما ادّعى ابن عبد البر. نبّه عليه في «الإصابة» . إلّا أن يجاب بأن مراده يزيد بن هارون روايه عن أهل الطائف، لأنه بصري واسطي، وأصحاب الحديث يقولون: لم يرو هذا غير أهل البصرة ويريدون واحدا من أهلها؛ كما في «الألفية» .
(قالت: رأيت رسول الله ﷺ فما نسيت طول إصبع قدمه السّبّابة) ؛ بدل من «إصبع» ؛ أي: ما نسيت طول كلّ أصبع من أصبعي قدميه السبابتين (على سائر) أي: باقي- (أصابعه.
رواه) إمام السّنّة (الإمام) البارع المجمع على جلالته وإمامته، وورعه وزهادته وحفظه، ووفور علمه وسيادته: أبو عبد الله (أحمد) بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيّان- بالمثناة- ابن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب- بكسر الهاء وإسكان النون وبعدها موحدة- ابن أفصى- بالفاء والصاد المهملة- ابن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان؛ الشيباني؛ المروزي، ثم البغدادي.
خرج من «مرو» حملا، وولد ببغداد، ونشأ بها إلى أن توفي.
ودخل مكة والمدينة، والشام واليمن، والكوفة والبصرة والجزيرة، وسمع من خلق كثير؛ منهم: يحيى القطان، وابن عيينة، وابن مهدي، وعبد الرزاق.
وروى عنه شيخه عبد الرزاق، وعلي ابن المديني، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وخلائق.
стр. 236
وغيره.
وكانت ولادته في شهر ربيع الأول سنة: - ١٦٤- أربع وستين ومائة، وتوفي ضحوة يوم الجمعة الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة: - ٢٤١- إحدى وأربعين ومائتين هجرية، وعمره سبع وسبعون سنة تقريبا.
ودفن ببغداد، وقبره مشهور معروف يتبرّك به. وأحواله ومناقبه أكثر من أن تحصر، وقد أفردت بالتأليف. رحمه الله تعالى ونفعنا بعلومه وأنواره وأسراره.
آمين.
(وغيره) ؛ أي: غير أحمد؛ كالطبراني في حديث طويل.
قال في «المواهب» : وقد اشتهر على الألسنة أن سبّابة النبي ﷺ كانت أطول من الوسطى. قال الحافظ ابن حجر: وهو غلط ممّن قاله، وإنما ذلك في أصابع رجليه! وقال شيخنا الحافظ السخاوي في «المقاصد الحسنة» : حديث سبابة النبي ﷺ وأنها كانت أطول من الوسطى!! اشتهر هذا على الألسنة كثيرا، وسلف جمهورهم الكمال الدميري، وهو خطأ نشأ عن اعتماد رواية مطلقة. انتهى ملخصا.
هذا؛ وقد اشتهر في المدائح قديما وحديثا أن النبي ﷺ كان إذا مشى على الصخر غاصت قدماه فيه وأثرت. وأنكره السيوطي، وقال: لم أقف له على أصل ولا سند، ولا رأيت من خرّجه في شيء من كتب الحديث!! وكذا أنكره غيره، لكن صاحب «المواهب» ذكر في «الخصائص» في بعض نسخه تقويته بما حاصله: أنّه ما خصّ نبي بمعجزة أو كرامة إلّا ولنبينا محمد ﷺ مثلها، وأثر قدمي إبراهيم بالمقام بمكّة متواتر، وفيه يقول أبو طالب:
وموطىء إبراهيم في الصّخر رطبة ... على قدميه حافيا غير ناعل
وفي البخاري حديث تأثير ضرب موسى في الحجر ستا أو سبعا، إذ فرّ بثوبه حين اغتسل. انتهى. إلّا أن مثل هذا لا يدفع إنكار وروده. والمثليّة التي لنبينا إمّا من جنسها؛ أو بغيرها أعلى أو مساو! كما نصّوا عليه.
стр. 237
وكان ﷺ في ساقيه حموشة.
ومعنى (الحموشة) : الدّقّة، وهي محمودة في السّاقين.
وكان رسول الله ﷺ يمشي كأنّما يتقلّع من صخر، وينحدر من صبب، يخطو تكفّيا، ويمشي الهوينا بغير تبختر. ومعنى (الهوينا) : تقارب الخطا.
انتهى؛ ذكره الزرقاني في «شرح المواهب» .
(و) روى الترمذي، والحاكم؛ عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله ﷺ في ساقيه) - روي بالإفراد والتثنية- (حموشة. ومعنى الحموشة) - بفتح الحاء المهملة وشين معجمة-: (الدّقّة، وهي محمودة في السّاقين) . قال القاضي: حموشة الساق: دقّتها، يقال: حمشت قوائم الدابة إذا دقّت. هكذا ضبطه بعضهم. وقال بعضهم: خموشة- بضم الخاء المعجمة-:
دقّتها، وبكسره ليفيد التقليل. والمراد نفي غلظها، وذلك مما يتمدّح به. وقد أكثر أهل القيافة من مدح الحموشة وفوائدها. انتهى «مناوي» .
(و) في «الإحياء» : (كان رسول الله ﷺ يمشي كأنّما يتقلّع من صخر وينحدر من صبب) - محرّكة؛ أي: محلّ منحدر- (يخطو تكفّيا) - بالفاء والهمزة وبالياء تخفيف، والأصل الهمز- أي: مائلا إلى سنن المشي، أي: إلى قدّام، (ويمشي الهوينا بغير تبختر) ؛ أي: تكبّر واختيال.
(ومعنى الهوينا: تقارب الخطا) ، والمشي على الهينة؛ قاله السيّد مرتضى.
وقال: رواه البيهقي بلفظ «وإذا مشى فكأنّما يتقلّع في صخر وينحدر من صبب؛ يخطو تكفّيا، ويمشي الهوينا بغير عثر» .
وروى الترمذي في «الشمائل» ، والطبرانيّ، والبيهقي؛ من حديث هند بن أبي هالة: وإذا زال زال تقلّعا، ويخطو تكفّيا، ويمشي هونا، ذريع المشية؛ إذا مشى كأنّما ينحطّ من صبب ... الحديث.
وروى مسلم؛ من حديث أنس: إذا مشى تكفّأ.
стр. 238
وكان ﷺ إذا مشى.. مشى مجتمعا؛ أي: قويّ الأعضاء، غير مسترخ في المشي.
وكان رسول الله ﷺ إذا مشى.. مشى أصحابه أمامه، وتركوا ظهره للملائكة.
وروى البيهقي؛ من حديث أبي هريرة: ما رأيت أحدا أسرع في مشيه منه، كأنّ الأرض تطوى له، إنّا لنجتهد؛ وإنه غير مكترث. وفي لفظ آخر له: يطأ بقدمه جميعا؛ إذا أقبل أقبل جميعا، وإذا أدبر أدبر جميعا.
ومن حديث علي: إذا مشى تكفّأ تكفّؤا كأنّما ينحطّ من صبب ... الحديث.
وفي لفظ آخر له: وكان يتكفّأ في مشيته كأنما يمشي من صبب.
وفي لفظ آخر: إذا مشى تكفّأ كأنما يمشي من صعد.
وفي لفظ آخر: وكان إذا مشى تقلّع كأنما يمشي في صبب.
وفي لفظ آخر: إذا مشى يمشي قلعا كأنما ينحدر من صبب.
وفي لفظ آخر له: إذا مشى كأنما يتقلّع من صخر.
ومن حديث أنس: وكان يتوكّأ إذا مشى. انتهى. ولله درّ البوصيري رحمه الله تعالى حيث يقول:
سيّد ضحكه التّبسّم والمش ... ي الهوينا ونومه الإغفاء
(و) في «المواهب» : روي أنّه (كان ﷺ إذا مشى مشى مجتمعا؛ أي: قويّ الأعضاء، غير مسترخ في المشي) . انتهى.
(و) روى ابن ماجه، والحاكم؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان رسول الله ﷺ إذا مشى مشى أصحابه أمامه) ، لأنّ المشي خلف الشخص صفة المتكبّرين، وكان سيّد المرسلين ﷺ لا متكبّرا ولا متجبّرا.
(وتركوا ظهره للملائكة) يحرسونه من أعدائه، ولا يعارضه قوله تعالى (وَاللَّهُ
стр. 239
وكان ﷺ إذا مشى.. لم يلتفت.
وكان ﷺ لا يلتفت وراءه إذا مشى، وكان ربّما تعلّق رداؤه بالشّجر فلا يلتفت حتّى يرفعوه عليه.
وكان ﷺ إذا مشى.. كأنّما يتوكّأ.
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) [٦٧/ المائدة] !! لأن هذا إن كان قبل نزول الآية؛ فظاهر. وإلّا! فمن عصمة الله تعالى له أن يوكّل به جنده من الملأ الأعلى؛ إظهارا لشرفه بينهم.
قاله المناوي.
(و) روى الحاكم؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان) رسول الله ﷺ إذا مشى لم يلتفت) ، لأنه كان يواصل السير ويترك التواني والتوقّف، ومن يلتفت لا بدّ له في ذلك من أدنى وقفة. أو لئلا يشغل قلبه بمن خلفه، ولكون أصحابه أمامه فهو يراعيهم ويلاحظهم ويعلّمهم. وهذا لا ينافي ما تقدّم؛ من أنّه كان إذا التفت التفت جميعا!! لإمكان حمل ما تقدّم على غير حالة المشي، أو ما هنا على الغالب. انتهى «عزيزي» .
(و) روى ابن سعد في «طبقاته» ، والترمذي الحكيم في «نوادره» ، وابن عساكر في «تاريخه» كلهم؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: (كان) رسول الله ﷺ لا يلتفت وراءه إذا مشى) ، وذلك لشدّة استغراقه ﷺ في جلال مولاه، وكذا خلفاؤه لا يلتفتون لشيء من الدنيا لإعراضهم عنها؛ قاله الحفني.
(وكان ربّما تعلّق رداؤه بالشّجر فلا يلتفت) لتخليصه (حتّى يرفعوه عليه) ، قال المناوي: زاد الطبراني: لأنّهم كانوا يمزحون ويضحكون؛ وكانوا قد أمنوا التفاته ﷺ .
(و) روى أبو داود، والحاكم؛ عن أنس ﵁ قال:
(كان) رسول الله ﷺ إذا مشى كأنّما يتوكّأ) ؛ أي: لا يتكلّم كأنّه أو كأفاه فلم ينطق، ومنه خبر ابن الزبير: كان يوكىء بين الصفا والمروة سعيا. والمراد سعى سعيا شديدا؛ قاله المناوي.
стр. 240
وكان ﷺ يمشي مشيا يعرف فيه أنّه ليس بعاجز ولا كسلان. وكان ﷺ لا يطأ عقبه رجلان قطّ، إن كانوا ثلاثة.. مشى بينهم، وإن كانوا جماعة.. قدّم بعضهم.
زاد بعضهم؛ عن العلقمي: والإيكاء في كلام العرب يكون بمعنى السعي الشديد. واستدلّ عليه الأزهريّ بحديث الزبير، ثم قال: وإنّما قيل للذي يشتدّ عدوه «موك» !! لأنه قد ملأ ما بين جري رجليه؛ وأوكىء عليه. انتهى.
وفي الحفني على «الجامع الصغير» : قوله يتوكّأ؛ أي: كان يمشي بشدّة بحيث يرى كأنّه يتوكّأ على عكازة؛ ولم يتوكّأ، فإنّ الذي يتوكّأ يمشي بقوّة؛ كذا قاله. والله أعلم.
(و) روى ابن عساكر في «تاريخه» ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: (كان) رسول الله ﷺ يمشي مشيا يعرف فيه) - أي: به- (أنّه ليس بعاجز ولا كسلان) ، بل كانت أصحابه تجهد في المشي معه فلا تدركه؛ كأنما الأرض تطوى له، معجزة له.
ومع سرعة مشيه كان على غاية من الهون والتأنّي وعدم العجلة، فكان يمشي على هينته ويقطع ما يقطع بالجهد بغير جهد. ولهذا قال أبو هريرة: إنّا كنّا لنجهد أنفسنا؛ وإنّه لغير مكترث.
(و) ذكر الإمام العارف بالله عبد الوهّاب الشعراني في «كشف الغمة» قال:
(كان) رسول الله ﷺ لا يطأ عقبه) ؛ أي: لا يمشي خلفه (رجلان قطّ) ؛ ولا أكثر من رجلين كما تفعل الملوك يتبعهم الناس كالخدم، أي: لا يكون له من يمشي خلفه من الأتباع كالسلطان، فيكون موطىء العقب، لأنّ من كان ذا مال؛ أو سلطان اتبعه الناس ومشوا خلفه، وهو ﷺ يكره أن يمشي أمام القوم، بل (إن كانوا ثلاثة مشى بينهم، وإن كانوا جماعة قدّم بعضهم) ، وكانت أصحابه لا تمشي خلفه، بل يمينه وشماله وأمامه؛ يفعل ذلك تواضعا لله تعالى واستكانة، وليطّلع على حركات أصحابه وسكناتهم؛ فيعلّمهم آداب الشريعة، ولتخلى ظهره
стр. 241
وكان ﷺ إذا لبس نعليه.. بدأ باليمنى، وإذا خلع.. خلع اليسرى. وكان إذا دخل المسجد.. أدخل رجله اليمنى.
وكان يحبّ التّيمّن في كلّ شيء أخذا وعطاء.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ...
للملائكة، ويوافق هذا الخبر قوله في الخبر المار: «كان يسوق أصحابه قدّامه» .
(و) روى أبو يعلى، والطبراني في «الكبير» ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا لبس نعليه بدأ باليمنى) - أي: بإنعال الرجل اليمنى-، (وإذا خلع خلع اليسرى) - أي: بدأ بخلعها لتمكث اليمين لابسة بعدها زمنا، إذ اللّبس تكريم؛ فاليمين أولى به-.
(وكان إذا دخل المسجد أدخل رجله اليمنى، وكان يحبّ التّيمّن) - أي:
الابتداء باليمين- (في كلّ شيء) من باب التكريم؛ (أخذا وعطاء) .
قال النّووي: قاعدة الشرع المستمرّة: استحباب البداءة باليمين في كلّ ما كان من باب التكريم، وما كان بضدّه فاستحبّ فيه التياسر. ويدلّ لذلك ما رواه أبو داود؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «كانت يد رسول الله ﷺ اليمين لطهوره وطعامه، وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى» . انتهى.
فإذا أراد أن يدهن أو يمشط أحبّ أن يبدأ بالجهة اليمنى من الرأس؛ أو اللحية، وإذا أراد لبس النعل!! أحبّ أن يبدأ بالرجل اليمنى، فكان يحبّ التيمّن في طهوره وترجّله وتنعّله، وفي شأنه كلّه. وإنّما أحبّه!! لأنّه كان يحبّ الفأل الحسن، ولأن أصحاب اليمين أهل الجنة. انتهى «باجوري» .
(و) روى الترمذيّ في «الشمائل» ؛ (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) ؛ واسمه عبد الرحمن بن صخر- على الأصحّ؛ من نحو ثلاثين قولا- وهو دوسي من الأزد.
وكنّي «أبا هريرة» ! لهرّة صغيرة كان يحملها ويحسن إليها.
стр. 242
قال: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله ﷺ ، كأنّ الشّمس تجري في ...
وكان أكثر الصحابة حفظا للحديث ورواية له.
نشأ يتيما ضعيفا في الجاهلية، وقدم المدينة ورسول الله ﷺ بخيبر؛ فأسلم سنة سبع- بتقديم السين على الموحدة-، ولزم صحبة النبي ﷺ ، وكان يدور مع النبي ﷺ حيث دار.
وروى عنه خمسة آلاف حديث وثلثمائة وأربعة وسبعين حديثا؛ اتفق الشيخان منها على ثلثمائة وخمسة وعشرين حديثا، وانفرد البخاري بثلاثة وعشرين، وانفرد مسلم بمائة وتسعة وثمانين حديثا.
روى عنه من الصحابة والتابعين أكثر من ثمانمائة رجل؛ منهم ابن عباس، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وسعيد بن المسيب، وآخرون. قال ابن تيميّة:
صحب النبي ﷺ أقل من أربع سنين، فأخباره كلّها متأخّرة. انتهى.
وولي إمرة المدينة مدّة، ولما صارت الخلافة إلى عمر استعمله على البحرين، ثم رآه ليّن العريكة مشغولا بالعبادة؛ فعزله. وأراده بعد زمن على العمل؛ فأبى.
وكان أكثر مقامه بالمدينة المنورة، وتوفّي بها. وكان متصدّرا للفتيا.
وقد جمع شيخ الإسلام تقي الدين السبكي جزءا سماه «فتاوى أبي هريرة» رضي الله تعالى عنه. ولعبد الحسين شرف الدين كتاب في سيرته؛ وقد طبع.
وكانت وفاته سنة: - ٥٩- تسع وخمسين- بتقديم المثناة على السين المهملة- ﵁ ونفعنا بعلومه. آمين.
(قال: ما رأيت) ؛ أي: علمت. ويصحّ كونه بمعنى: أبصرت، والأول أبلغ (شيئا) - تنوينه للتنكير- (أحسن) - صفة «شيئا» على كون الرؤية «بصرية» ، ومفعول ثان على كونها «علمية» - (من رسول الله ﷺ ، والمراد منه: نفي كون شيء أحسن منه ﷺ ، والمعنى أنّه أحسن مما عداه.
(كأنّ) - بتشديد النون- (الشّمس) ؛ أي: شعاعها (تجري في
стр. 243
وجهه، ولا رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول الله ﷺ ، كأنّما الأرض تطوى له، إنّا لنجهد أنفسنا، وإنّه لغير مكترث.
وجهه) ؛ أي: لأن لمعان وجهه وضوءه يشبه لمعان الشمس وضوءها، فيكون قد شبّه لمعان وجهه الشريف وضوءه بلمعانها وضوئها، وهذا مما فيه المشبّه أبلغ من المشبّه به؛ كما في قوله تعالى (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ) [٣٥/ النور] .
وقصد الراوي بذلك إقامة البرهان على أحسنيّته، وخصّ الوجه! لأنه هو الذي تظهر فيه المحاسن، ولكون حسن البدن تابعا لحسنه غالبا.
(ولا رأيت أحدا أسرع في مشيته) - بكسر فسكون للهيئة، وفي نسخة [مشيا] «١» بلفظ المصدر؛ وهو بفتح الميم بلا تاء، أي: في كيفية مشيه- (من رسول الله ﷺ ؛ كأنّما الأرض) - بالرفع- (تطوى له) ؛ أي: تجمع وتجعل مطويّة تحت قدميه.
ومرّ أنّه مع سرعة مشيه كان على غاية من الهون والتأنّي وعدم العجلة.
وأفاد بقوله «له» أنها لا تطوى لمن يماشيه؛ كما أوضحه بقوله:
(إنّا) - بكسر الهمزة؛ استئناف مبين- (لنجهد) - قال الجزري: بضمّ النون وكسر الهاء، ويجوز فتحهما؛ أي: إنا لنتعب (أنفسنا) ونوقعها في المشقّة في سيرنا معه ﷺ ، والمصطفى كان لا يقصد إجهادهم، وإنّما كان طبعه ذلك، كما يدلّ عليه قوله (وإنّه لغير مكترث) ؛ أي: والحال أنّه ﷺ لغير مبال بحيث لا يجهد نفسه، بل يمشي على هينته؛ فيقطع من غير جهد ما لا نقطع بالجهد.
ومعنى الخبر: أنّه إذا مشى بالعادة ما قدرنا أن نلحقه مسرعين في المشي، ولو كنا مجتهدين في ذلك. واستعمال «مكترث» في النفي هو الأغلب، وفي الإثبات قليل شاذّ.
стр. 244
وكان رسول الله ﷺ نورا، فكان إذا مشى في الشّمس والقمر.. لا يظهر له ظلّ.
وكان وجهه ﷺ مثل الشّمس والقمر، وكان مستديرا.
(و) في «المواهب» : قال ابن سبع: (كان رسول الله ﷺ نورا، فكان إذا مشى في الشّمس والقمر لا يظهر له ظلّ) ، لأن النور لا ظلّ له.
قال غير ابن سبع: ويشهد له قوله ﷺ في دعائه «واجعلني نورا» ؛ أي:
والنور لا ظلّ له. وقد روى الترمذي الحكيم؛ عن ذكوان أبي صالح السّمان مرسلا. أنّه لم يكن له ﷺ ظلّ في شمس ولا قمر. انتهى؛ أي: لأنّه كان نورا، كما قال ابن سبع.
وقال رزين: لغلبة أنواره. قيل: وحكمة ذلك صيانته عن أن يطأ كافر على ظلّه. وإطلاق الظلّ على القمر مجاز، لأنّه إنما يقال له «ظلمة القمر ونوره» .
وفي «المختار» : ظلّ الليل: سواده، وهو استعارة، لأنّ الظل حقيقة ضوء شعاع الشمس؛ دون السواد، فإذا لم يكن ضوء؛ فهو ظلمة لا ظلّ. انتهى من «شرح المواهب» مع المتن.
(و) روى مسلم في «صحيحه» ؛ عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال له رجل: (كان وجهه ﷺ مثل السيف! فقال جابر: بل (مثل الشّمس) في مزيد الإشراق والإضاءة؛ لكنّه ليس مثلها في كونه لا يستطاع النظر إليه، ولذا قال:
(والقمر) في الحسن والملاحة وقوّة النظر إليه، ولمّا كان قد يتوهّم عدم استدارته؛ قال: (وكان) ؛ أي: وجهه (مستديرا) ، وفيه ردّ على من قال: كان وجهه مثل السيف. فأراد أن يزيل ما توهّمه القائل من معنى الطول الذي في السيف إلى معنى الاستدارة التي في القمر. وصرّح بهذا؛ وإن علم بالتشبيه بالقمر!! لمزيد الردّ وللتأكيد، ولئلا يتوهّم أنّ التشبيه من حيث الإشراق والنور؛ لا من جهة الاستدارة أيضا.
стр. 245
وعن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما قال: ما رأيت من ذي لمّة في حلّة حمراء.. أحسن من رسول الله ﷺ .
ورواية البخاري و «الشمائل» بلفظ: كان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف.
قال: لا؛ بل مثل القمر.
(و) روى الشيخان: البخاريّ ومسلم، والترمذي في «الشمائل» ؛
(عن البراء) - بفتح الموحدة وتخفيف الراء والمدّ؛ على وزن سحاب، وحكي فيه القصر- كنيته: أبو عمارة.
ولد عام ولادة ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، وأوّل مشهد شهده الخندق، وهو من المشاهير، نزل الكوفة وافتتح الري.
ومات بالكوفة أيّام مصعب بن الزبير سنة: اثنتين وسبعين هجرية.
(ابن عازب) - بمهملة وزاي مكسورة؛ على وزن فاعل- وهو أنصاريّ أوسي، وكلّ من البراء وأبيه صحابيّ (رضي الله تعالى عنهما؛ قال:
ما رأيت) - أي: أبصرت- (من ذي لمّة) ؛ أي: صاحب لمّة- بكسر اللّام وتشديد الميم والجمع لمم-، سمّيت «لمّة» لأنّها تلمّ بالمنكبين، إذ هي الشعر المتجاوز شحمة الأذن مع الوصول إلى المنكب، لأنّها تطلق ١- على الواصل إليها؛ وهو المسمّى ب «الجمّة» ، و ٢- على غيره وهو المسمّى ب «الوفرة» .
وهذا على القول الأول في تفسير اللّمّة.
وأما على القول الثاني! فالظاهر أنّه محمول على حالة تقصير الشعر- كما سبق- أي: ما رأيت صاحب لمّة حال كونه (في حلّة حمراء أحسن من رسول الله ﷺ ؛ ولا مثله، فهو أحسن صورة. و «من» زائدة لتأكيد العموم.
والحلّة: ثوبان، أو ثوب له ظهارة وبطانة؛ كما في «القاموس» .
ولا يشترط أن يكون الثوبان من جنس، خلافا لمن اشترط ذلك.
سمّيت «حلّة» !! لحلول بعضها على بعض، أو لحلولها على الجسم؛ كما في «المشارق» .
стр. 246
وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله ﷺ ، كأنّ الشّمس تجري في وجهه، وإذا ضحك.. يتلألأ في الجدر.
وقالت أمّ معبد ...
وهذا الحديث احتجّ به إمامنا لحلّ لبس الأحمر؛ ولو قانيا- أي- شديد الحمرة، غير أنه قد يخصّ بلبسه أهل الفسق؛ فحينئذ يحرم لبسه، لأنه تشبّه بهم، ومن تشبّه بقوم فهو منهم؛ كما في «الذحيرة» .
وأخطأ من كره لبسه مطلقا. منع لبسه ابن القيّم في «الهدي النبوي» ، وأجاز لبسه القاضي محمد بن علي الشوكاني في «نيل الأوطار» رحمهم الله تعالى. آمين.
(و) في «الشفاء» وشرحه للشيخ ملّا علي قاري الحنفي رحمه الله تعالى:
(قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله ﷺ والمساواة منفيّة أيضا بالمشاهدة العرفية- (كأنّ الشّمس تجري في وجهه) ؛ أي:
يتوهّج كتوهّج الشمس لحسنه وصفائه وبهاء ضيائه، (وإذا ضحك يتلالأ) بهمزتين؛ أي: تلمع ثناياه كاللآلي (في الجدر) - بضمتين-: جمع الجدار؛ وهو حائط الدار، وأما الجدر- بفتح فسكون- فهو الحاجز الذي يحبس الماء، كما في حديث: «اسق يا زبير حتّى يبلغ الجدر» ، وليس مفردا بمعنى الجدار كما توهّم. أي: أن نور وجهه الشريف يشرق إشراقا يصل إلى الجدران المقابلة له، كما يكون ذلك من الشمس والقمر. وقيل: إنّه من نور يخرج من بين ثناياه وفمه؛ إذا افترّ وتبسّم. ففي رواية عن أبي هريرة ﵁: يكاد يتلألأ في الجدر.
فتفاوته بحسب الأوقات، وبحسب خفّة ضحكه وشدّته. أو ما هنا محمول على المبالغة على تقدير «تكاد» . انتهى الشهاب الخفاجي؛ على «الشفاء» .
وهذا الحديث رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن حبان، والبيهقي.
(وقالت أمّ معبد) - بفتح الميم وإسكان المهملة وفتح الموحدة ومهملة-
стр. 247
في بعض ما وصفته به رضي الله تعالى عنها: أجمل النّاس من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب.
الخزاعيّة: التي كانت نازلة بخباء في طريق المدينة المنورة، وقد نزل عليها النبي ﷺ في هجرته لمّا خرج من غار ثور (في بعض ما) أي: كلام (وصفته به) في حديثها الطويل، الذي رواه البغوي، وابن شاهين، وابن السّكن، والطبرانيّ، وابن منده، والبيهقيّ وغيرهم؛ من طريق حرام بن هشام بن حبيش؛ عن أبيه؛ عن جدّه: حبيش بن خالد بن سعد بن منقذ بن ربيعة بن حرام الخزاعي؛ ويقال له حبيش الأشعري؛ وهو لقب والده خالد، وحبيش: أخو أمّ معبد؛ واسمها:
عاتكة بنت خالد، لها صحبة (رضي الله تعالى عنها) ، ولأخيها حبيش صحبة أيضا ﵁. وأورده ابن السّكن؛ من حديث أم معبد نفسها. فقال حرام بن هشام بن حبيش بن خالد: سمعت أبي يحدّث عن أمّ معبد- وهي عمّته- ... فساق القصّة. وقصّتها معه مشهورة مرويّة من طرق عديدة تعضدها وتصحّحها، وكان زوجها أبو معبد غائبا وهو صحابيّ قديم الوفاة رضي الله تعالى عنه، فلما أتاها أخبرته به، فاستوصفها إيّاه؛ فقالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه محلة، ولم تزر به صعلة، وسيم، قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره عطف، وفي صوته صحل، وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثافة، أقرن، إن صمت؛ فعليه الوقار، وإن تكلّم سماه وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب ... إلى آخر ما قالته في نعته من كلام بليغ؛ مشروح في السّير. فقوله: «في بعض ما وصفته به» ؛ أي في بعض كلام وصفته به. وأقحم لفظ «بعض» ! إشارة إلى أنّه كلام طويل مشتمل على وصفه وغيره؛ من قصّة الشاة وغيرها، واقتصر هنا على قوله: (أجمل النّاس) ؛ أي أتمّهم جمالا وحسنا صوريا (من بعيد، وأحلاه) ؛ أي: أحلى الناس.
وأفرد لأنّه اسم جنس فروعي لفظه دون معناه. وكذا قوله (وأحسنه) .
وفي بعض النسخ: «وأحلاهم وأحسنهم» (من قريب) ، أي: تبين حلاوة ملاحته، وطراوة فصاحته.
стр. 248
وعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما قال: رأيت رسول الله ﷺ في ليلة إضحيان؛ وعليه حلّة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو عندي ...
(و) روى البيهقيّ في «الدلائل» ، والترمذيّ في «الشمائل» ؛ (عن جابر بن سمرة) بن جنادة بن جندب بن حجير بن رباب بن حبيب بن سواء- بالمدّ وضمّ السين- ابن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان- بالعين المهملة- ابن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان السّوائي، وهو وأبوه صحابيّان (رضي الله تعالى عنهما) .
روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وستّة وأربعون حديثا؛ اتفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد مسلم بثلاثة وعشرين حديثا، روى عنه جماعات من التابعين؛ منهم عبد الملك بن عمير، وعامر بن سعد، والشعبيّ؛ توفي سنة:
ست وستين. روينا في «صحيح مسلم» ؛ عن جابر بن سمرة قال: والله؛ لقد صليت مع رسول الله ﷺ أكثر من ألفي صلاة. انتهى.
(قال) ؛ أي: جابر: (رأيت رسول الله ﷺ في ليلة) - بالتنوين- (إضحيان) - بكسر الهمزة وسكون الضاد المعجمة وكسر الحاء المهملة وتخفيف التحتية، وفي آخره نون منونة- أي: ليلة مقمرة من أوّلها إلى آخرها.
قال في «الفائق» : يقال «ليلة إضحيان» ، و «إضحيانة» ، و «ضحيا» ، وهي المقمرة من أوّلها إلى آخرها. قال: وإفعلان في كلامهم قليل جدّا. انتهى.
والقياس: إضحانة، وكأنه لتأويل الليلة بالليل!!.
(وعليه حلّة حمراء) ؛ أي: والحال أن عليه حلّة حمراء، فالجملة حاليّة، والقصد بها بيان ما أوجب التأمّل وإمعان النظر فيه من ظهور مزيد حسنه ﷺ حينئذ، (فجعلت) ؛ أي: فصرت (أنظر إليه) ؛ أي: إلى وجهه تارة (و) أنظر (إلى القمر) تارة أخرى، (فلهو عندي) ؛ أي: فو الله لوجهه عليه الصلاة والسلام
стр. 249
أحسن من القمر. ومعنى (إضحيان) : مقمرة.
وسأل رجل البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما: أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السّيف؟ قال: لا، بل مثل القمر.
عندي (أحسن من القمر) ؛ فهو جواب قسم مقدّر، والتقييد بالعندية!! لافتخاره باعتقاده هذه القضية؛ لا لتخصيصه، فإنّ ذلك عند كلّ أحد رآه كذلك.
وإنّما كان ﷺ أحسن!! لأن ضوءه يغلب على ضوء القمر، بل وعلى ضوء الشمس، ففي رواية لابن المبارك وابن الجوزي: لم يكن له ظلّ، ولم يقم مع شمس قط إلا غلب ضوؤه على ضوء الشمس، ولم يقم مع سراج قط إلّا غلب ضوؤه على ضوء السراج.
(ومعنى) قوله (إضحيان) - بكسر الهمزة وسكون الضاد المعجمة وكسر الحاء المهملة وتخفيف التحتية وفي آخره نون منونة-: (مقمرة) من أوّلها إلى آخرها؛ كما قاله الزمخشري.
(و) روى البخاريّ في «صحيحه» ، والترمذي في «الشمائل» - واللفظ له- عن أبي إسحاق السبيعي قال: (سأل رجل البراء بن عازب) هو وأبوه صحابيان (رضي الله تعالى عنهما) - وتقدّمت ترجمته قريبا-:
(أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السّيف؟!) أي: في الاستنارة والاستطالة، فالسؤال عنهما معا. (قال: لا) أي: ليس مثل السيف في الاستنارة والاستطالة، (بل مثل القمر) المستدير الذي هو أنور من السيف، لكنه لم يكن مستديرا جدّا بل كان بين الاستدارة والاستطالة، وكونه ﷺ أحسن من القمر لا ينافي صحّة تشبيهه به في ذلك، لأن جهات الحسن لا تنحصر، على أن التشبيه بالقمر، أو بالشمس؛ أو بهما إنما هو على سبيل التقريب والتمثيل، وإلّا! فلا شيء يعادل شيئا من أوصافه ﷺ ، إذ هي أعلى وأجلّ من كلّ مخلوق، وكما أنّ وجهه أبهى من الشمس والقمر؛ فنور قلبه أعظم ضياء منهما، فلو كشف الحقّ عن مشارق أنوار قلبه لانطوى نور الشمس والقمر في مشرقات أنوارها، وأين نور القمرين من نوره!! فالشمس يطرأ عليها الكسوف والغروب، وأنوار قلوب الأنبياء لا كسوف لها
стр. 250
وكان لونه ﷺ أزهر، ولم يكن بالأسمر، ولا بالشّديد البياض.
ولا غروب. ونور الشمس تشهد به الآثار، ونور القلب يشهد به المؤثّر، لكن لا بدّ للشمس من سحاب؛ وللحسناء من نقاب!!.
إن شمس النّهار تغرب باللّي ... ل وشمس القلوب ليست تغيب
(وكان لونه ﷺ أزهر) ؛ أي: أبيض بياضا نيّرا مشرقا، لأنه مشرّب بحمرة وقد وصفه جمهور أصحابه بالبياض؛ منهم أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعلي بن أبي طالب، وأبو جحيفة: ووهب بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبّاس، وهند بن أبي هالة، والحسن بن علي، وأبو الطّفيل عامر بن واثلة، ومحرّش الكعبي «١» ، وعبد الله بن مسعود، والبراء بن عازب، وعائشة، وأبو هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وأنس في رواية جميع أصحابه عنه ما عدا حميدا؛ فقال: أسمر. قال الحافظ العراقي: انفرد بها حميد عن أنس، ورواه غيره من الرواة عنه؛ فقال: أزهر اللون. فهؤلاء ستّة عشر صحابيا وصفوه بالبياض. وقد مرّت رواية بعضهم، وستأتي رواية بعضهم. وما فسّرنا به الأزهر، من كونه أبيض ... الخ هو ما قاله الأكثر. لكن قال السّهيلي: الزّهرة- في اللغة-: إشراق في اللون بياضا؛ أو غيره.
(ولم يكن بالأسمر) الشديد السّمرة؛ وهو المعبّر عنه بالآدم، وإنّما يخالط بياضه الحمرة، لكنّها حمرة بصفاء. فيصدق عليه أنّه أزهر.
(ولا بالشّديد البياض) ، وهو المعبّر عنه ب «الأمهق» ؛ رواه البخاريّ والترمذيّ؛ من حديث أنس بلفظ: «أزهر اللون ليس بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم» ..
الحديث، ورواه الترمذي في «الشمائل» عن هند بن أبي هالة «أزهر اللون واسع الجبين» ... الحديث. وقد تقدّم.