← Сира

Сира · id 23683

منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول

عبد الله عبادى اللحجى

Полный текст (2 342 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

فقال: «لو كان شيء يشفي من الموت.. كان السّنى» . و (الشّبرم) : قشر عرق شجرة. (فقال) ؛ أي: النّبيّ ﷺ (: «لو كان شيء يشفي من الموت؛ كان السّنى» ) مبالغة في كثرة منافعه. وذكر المحاسبيّ في كتابه المسمّى ب «المقصد والرّجوع إلى الله» : أنّ النّبي ﷺ شرب السّنا بالتّمر، أي: وضعهما في الماء، وشربه، أي: ليبس الطّبيعة، وبوضعهما في الماء، يندفع اجتماع حارّين، المنهيّ عنه عند الأطبّاء لضرره؛ ذكره الزرقاني مع «المواهب» . وذكر في «المواهب» أيضا: أن الحميديّ ذكر في كتاب «الطّبّ النّبويّ» له: أنه ﷺ قال: «إيّاكم والشّبرم!! فإنّه حارّ حارّ، وعليكم بالسّنى، فتداووا به، فلو دفع الموت شيء، لدفعه السّنى» !! انتهى. قال العلماء: (والشّبرم) - بالشّين المعجمة المضمومة، والموحّدة السّاكنة، والرّاء المهملة المضمومة، وآخره ميم؛ كقنفذ- هو: (قشر عرق شجرة) . وفي «النّهاية» : حبّ يشبه الحمّص؛ يطبخ ويشرب ماؤه للتّداوي. وقال أبو حنيفة: الشّبرم شجرة حارّة تسمو على ساق؛ كقعدة الصّبيّ أو أعظم، لها ورق طوال رقاق، وهي شديدة الخضرة، وزعم بعض الأعراب: أن لها حبّا صغارا كجماجم الحمر!! وقيل: الشّبرم: نبات آخر سهليّ، له ورق طوال كورق الحرمل، وله حبّ كالعدس، أو شبه الحمّص، وله أصل غليظ ملآن لبنا، والكلّ مسهل. واستعمال لبنه خطر جدّا، وإنّما يستعمل أصله مصلحا؛ بأن ينقع في الحليب يوما وليلة، ويجدّد اللّبن ثلاث مرات، ثمّ يجفّف وينقع في عصير الهندباء والرازيانج، ويترك ثلاثة أيام، ثمّ يجفّف، وتعمل منه أقراص مع شيء من التّربد؛ والهليلج؛ والصّبر، فإنّه دواء فائق. انتهى. «شرح القاموس» «١» .

стр. 1997

وفي «سنن ابن ماجه» : عن عبد الله بن أمّ حرام [رضي الله تعالى عنه]- وكان ممّن صلّى مع رسول الله ﷺ القبلتين- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عليكم بالسّنى والسّنّوت، فإنّ فيهما شفاء من كلّ داء، إلّا السّامّ» ، قيل: يا رسول الله؛ وما السّامّ؟ قال: «الموت» . قال في «المواهب» : وهو من الأدوية الّتي منع الأطبّاء من استعمالها، لخطرها وفرط إسهالها، وإنّما أجازوه بالتّدبير الّذي رأيت عن «القاموس» . (وفي «سنن ابن ماجه) و «مستدرك الحاكم» كلاهما في «الطّبّ» ؛ من حديث عمرو بن بكر السّكسكي؛ قال: حدّثنا إبراهيم بن أبي عبلة. (عن عبد الله بن أمّ حرام) وهو عبد الله بن عمرو، وقيل: بن كعب الأنصاريّ. نزل بيت المقدس، وهو آخر من مات من الصّحابة بها، وزعم ابن حبّان: أن اسمه سمعون، له هذا الحديث، قال الحاكم: إنّه حديث صحيح، وردّه الذّهبيّ بأنّ عمرو بن بكر السّكسكي المذكور اتّهمه ابن حبّان! وقال ابن عديّ: له مناكير! انتهى. (وكان) ؛ أي: عبد الله ابن أمّ حرام (ممّن صلّى مع رسول الله ﷺ القبلتين) ؛ أي: إليها، أي: الكعبة، وبيت المقدس (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عليكم بالسّنى) قال ابن الأثير: يروى بضمّ السّين؛ والفتح أفصح، أي: وبالقصر: نبت معروف. (والسّنّوت) - بوزن التّنّور والسّنّور، وسيأتي معناه- (فإنّ فيهما شفاء من كلّ داء، إلّا السّامّ) - بمهملة من غير همز-. (قيل يا رسول الله: وما السّامّ؟ قال: «الموت» ) فيه أنّ الموت داء من جملة الأدواء، قال الشّاعر: ... كذاك الموت ليس له دواء

стр. 1998

و (السّنى) : نبت حجازيّ، أفضله المكّيّ. واختلف في معنى (السّنّوت) على أقوال، وأقربها إلى الصّواب: أنّه ... (والسّنا) - بفتح السّين والقصر، وبعضهم يرويه بالمدّ-: (نبت) ذو ورق رقيق، واحدته سناة، ومنه (حجازيّ) ؛ أي: نبت في الحجاز. ومنه ما يأتي من نواحي صعيد مصر، و (أفضله المكّيّ) ؛ أي: الّذي يأتي من مكّة. وهو دواء شريف، مأمون الغائلة، قريب الاعتدال، يسهّل الصّفراء؛ والسّوداء؛ والبلغم؛ والدّم؛ كيف استعمل فهو موافق للأخلاط الأربعة، بعضها بالطّبع، وبعضها بالخاصّيّة على زعم الأطبّاء، وما طبخ منه أجود ممّا لم يطبخ، فيشرب من مائة خمسة دراهم إلى سبعة دراهم، ولا يزاد عليها!. قال في «الهدي» : شرب مائه مطبوخا أصلح من شربه مدقوقا، ومقدار الشّرب منه إلى ثلاثة دراهم، ومن مائه إلى خمسة دراهم، وإذا أغلي بالزّيت نفع لوجع الظهر والوركين، وينفع للحكّة والجرب. (واختلف في معنى السّنّوت) - بالفتح؛ كتنّور على المشهور، ويروى بضمّ السّين، فلا عبرة بمن أنكره، وفيه لغة على مثال سنّور وأفصحها الفتح- (على أقوال) . فقيل: هو الزّبد «١» ، وقيل: هو الجبن المعروفان وقيل: هو الرّب «٢» بضمّ الرّاء- أي: ربّ عكّة السّمن يخرج خطوطا سودا على السّمن، فتلك الخطوط هي السّنّوت. وقيل: حبّ يشبه الكمّون؛ وليس به. وقيل: هو الكمّون الكرماني. وقيل إنّه الرّازيانج، وهو الشّمار بلغة اليمن، أو الشّمر بلغة مصر، وقيل: ضرب من التّمر. (وأقربها إلى الصّواب) في تفسير قوله «عليكم بالسّنى والسّنّوت» (أنّه) ؛

стр. 1999

العسل الّذي يكون في زقاق السّمن. وروى التّرمذيّ: عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «تداووا من ذات الجنب بالقسط البحريّ والزّيت» . أي: السّنّوت: (العسل) النّحل (الّذي يكون في زقاق السّمن) - بكسر الزّاي-، أي: السّقاء الّذي يجعل فيه، أي: يخلط السّنى حال كونه مدقوقا بالعسل المخالط للسّمن، ثمّ يلعق؛ فيكون أصلح من استعماله مفردا، لما في العسل والسّمن من إصلاح السّنى، وإعانته على الإسهال، لأنّ رطوبتهما تقاوم اليبس الّذي في السّنى؛ فتصلحه. (وروى) الإمام أحمد، و (التّرمذيّ) ، وابن ماجه، والحاكم- وصحّحه- كلّهم؛ (عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ ﷺ قال: «تداووا من ذات الجنب) المراد بها هنا: رياح غليظة تحتقن تحت الجلد الّتي في الصدر والأضلاع؛ فتحدث وجعا. وليس المراد ذات الجنب الحقيقيّ الّذي تكلّم عليه الأطبّاء!! لأنّه من الأمراض المخوفة- كما سيأتي-. (بالقسط) - بضمّ القاف- وفي لغة: بالكاف بدل القاف (البحريّ) قال المازري: القسط صنفان: بحريّ وهنديّ، والبحريّ هو القسط الأبيض، ويؤتى به من بلاد المغرب، وهو أفضل من الهنديّ. وأقلّ حرارة منه. وقيل: هما حارّان يابسان، والهنديّ أشدّ حرّا. وتعقّبه القرطبيّ: بأنّ البحريّ الأبيض أحد نوعي العود الهندي، فكيف يؤتى به من بلاد المغرب. والفرض أنّه هندي؟! إلا أن يعني بالمغرب: المغرب من بلاد الهند. انتهى. وبذلك يعلم أنّ المراد بالبحري أحد نوعي الهنديّ، وهو الأبيض البحريّ. لكن في «شرح القسطلّاني» : أنّ البحريّ يجلب من اليمن، ومنه ما يجلب من المغرب. (والزّيت) المسخّن بأن يدقّا ناعما ويخلط به، ويدلك به محلّه، أو يلعق،

стр. 2000

و (ذات الجنب) : ورم حارّ يحدث في الغشاء المستبطن للأضلاع، وألم يشبهه يعرض في نواحي الجنب. فإنّه نافع له، محلّل لمادّته، مقوّ للأعضاء الباطنة؛ يفتح للسّدد، وغير ذلك. قال بعض العلماء: على المريض والطّبيب أن يعمل على أنّ الله أنزل الدّاء والدّواء، وأنّ المرض ليس بالتخليط؛ وإن كان معه، وأنّ الشّفاء ليس بالدّواء؛ وإن كان عنده، وإنّما المرض بتأديب الله، والبرء برحمته، حتى لا يكون كافرا بالله؛ مؤمنا بالدّواء، كالمنجّم إذا قال: «مطرنا بنوء كذا» ، ومن شهد الحكمة في الأشياء، ولم يشهد مجريها، صار بما علم منها أجهل من جاهلها؛ قاله الزّرقاني. (وذات الجنب: ورم حارّ يحدث في الغشاء المستبطن) ؛ أيّ: الدّاخل (للأضلاع) ؛ أي: فيها بحيث جعل كالبطانة، وهذا هو ذات الجنب الحقيقيّ الّذي تكلّم عليه الأطبّاء. ويحدث بسببه خمسة أمراض: الحمّى؛ والسّعال؛ والنّخس؛ وضيق النّفس؛ والنّبض المنشاري، أي: أنّ العروق تحرّك تحركا شديدا لأعلى ولأسفل، حركة تشبه حركة المنشار؛ وهو من الأمراض المخوفة. وهو من سيّء الأسقام، ولذا قال ﷺ لمّا لدّوه في مرضه؛ ظنّا منهم أنّ به ذات الجنب-: «ما كان الله ليسلّطها عليّ» . أي: ما كان الله مريدا لأن يسلّطها عليّ رحمة بي، ورأفة عليّ. (و) قد تطلق «ذات الجنب» على ما ذكره بقوله: (ألم يشبهه) ؛ أي: يشبه الورم الحارّ، الّذي هو ذات الجنب الحقيقيّ (يعرض) ذلك الألم (في نواحي الجنب) من رياح غليظة؛ مؤذية، تحتقن بين الصّفاقات «١» والعضل «٢» الّتي في

стр. 2001

و (القسط البحريّ) هو: العود الهنديّ. وفي «الصّحيحين» : أنّ النّبيّ ﷺ قال: «خير ما تداويتم به: الحجامة، والقسط البحريّ، ... الصّدر والأضلاع، يداوي به الرّيح الغليظة. وقد تطلق «ذات الجنب» على وجع الخاصرة (والقسط) - بضمّ القاف- (البحريّ هو: العود الهنديّ) الّذي يتبخّر به. وقال اللّيث: عود يجاء به من الهند؛ يجعل في البخور والدّواء. وقال بعضهم: العود خشب يأتي من قمار من الهند، ومن مواضع أخر، وأجوده القماريّ الرّزين؛ الأسود اللّون؛ الذّكي الرّائحة، الذّائب إذا ألقي على النّار، الرّاسب في الماء، ومزاجه حارّ يابس. انتهى «شرح القاموس» . (وفي «الصّحيحين» ) - كذا في النّسخ الّتي بأيدينا؛ وهو كذلك في «زاد المعاد» ، ولم أجده في «مسلم» بهذا اللّفظ!! وأمّا البخاري فلفظه: «إنّ أمثل ما تداويتم به: الحجامة والقسط البحريّ، ولا تعذّبوا صبيانكم بالغمز من العذرة، وعليكم بالقسط» . والحديث باللّفظ الّذي أورده المصنّف مذكور في «الجامع الصّغير» قال العزيزي: حديث صحيح، ورمز له في «الجامع الصّغير» برمز الإمام أحمد والنّسائي؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: ( «إنّ النّبيّ ﷺ قال: «خير ما تداويتم به: الحجامة) لا سيّما في البلاد الحارّة، (والقسط) - بضمّ القاف- (البحريّ) وهو الأبيض. قال العلقمي: القسط ضربان: أحدهما الأبيض الّذي يقال له البحريّ، والآخر الهنديّ؛ وهو أشدّهما حرّا، والأبيض ألينهما ومنافعهما كثيرة جدا، وهما حارّان يابسان ينشّفان البلغم، ويقطعان الزّكام. وإذا شربا نفعا من ضعف الكبد والمعدة، ومن بردها، ومن حمّى الرّبع والورد، وقطعا وجع الجنب، ونفعا من السّموم. انتهى.

стр. 2002

ولا تعذّبوا صبيانكم بالغمز من العذرة» . وفي «السّنن والمسند» عن جابر بن عبد الله قال: دخل رسول الله ﷺ على عائشة رضي الله تعالى عنها- وعندها صبيّ يسيل منخراه دما- فقال: «ما هذا؟» ، قالوا: به العذرة، أو: وجع في رأسه، ... وقال القرطبّي: البحريّ الأبيض أحد نوعي العود الهندي- كما تقدّم-. (ولا تعذّبوا صبيانكم) ؛ أي: أطفالكم (بالغمز) - بالغين المعجمة، والزّاي آخره- بأن يدخل أحدكم نحو الإصبع في حلق الطّفل، ويغمز محلّ الوجع؛ فينفجر منه دم أسود (من العذرة) - بضمّ المهملة، وسكون المعجمة-: وجع في الحلق يعتري الأطفال غالبا. وقيل: قرحة تخرج بين الأذن والحلق، سمّيت به!! لأنها تخرج عند طلوع العذراء؛ كوكب تحت الشّعراء، وطلوعها يكون في الحرّ. والمراد عالجوا العذرة بالقسط، بأن يسحق ويجعل في زيت، ويسخّن يسيرا على النّار، ويسقى الطّفل، ولا تعذّبوهم بالغمز، لأنّ مادّة العذرة دم يغلب عليه بلغم. وفي القسط تخفيف للرّطوبة، فنهاهم ﷺ عن الغمز وأرشدهم إلى ما هو أنفع للأطفال. وأسهل عليهم. (وفي «السّنن والمسند» ) للإمام أحمد؛ (عن جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ رضي الله تعالى عنهما (قال: دخل رسول الله ﷺ على عائشة رضي الله تعالى عنها- وعندها صبيّ) صغير (يسيل منخراه) ؛ تثنية منخر، وفيه خمس لغات نظمها بعضهم؛ فقال: افتح لميم منخر وخائه ... واكسرهما، وضمّ أيضا معلنا وزد كمجلس وعصفور وقل ... خمس ب «قاموس» أتت فأتقنا (دما، فقال: «ما هذا؟» ) الّذي بهذا الصّبيّ. (قالوا: به العذرة، أو وجع في رأسه.

стр. 2003

فقال: «ويلكنّ؛ لا تقتلن أولادكنّ، أيّما امرأة أصاب ولدها عذرة، أو وجع في رأسه.. فلتأخذ قسطا هنديّا، فتحكّه بماء، ثمّ تسعطه فقال: «ويلكنّ) كلمة تقال لمن وقع في هلكة ولا يترحّم عليه، بخلاف «ويح» (لا تقتلن أولادكنّ) ؛ أي: لا تفعلن ما يكون سببا لقتلهم. (أيّما امرأة) - بزيادة «ما» ، لإفادة التّعميم- (أصاب ولدها عذرة، أو وجع في رأسه؛ فلتأخذ قسطا) - بضمّ القاف وبالطّاء، قال «البخاري» وهو الكست. يعني: بالكاف والفوقية- قال: مثل الكافور والقافور، ومثل كشطت وقشطت، وقرأ عبد الله بن مسعود [قشطت] «١» قال «القرطبي» : وهذا من التّعاقب بين الحرفين. (هنديّا) يجلب من الهند. وهو نوعان: أسود وأبيض، ويقال له: بحريّ، وهو المراد هنا، لحديث زيد بن أرقم: «تداووا من ذات الجنب بالقسط البحريّ، والزّيت» . هذا مفاد كلام القرطبي. وقال القسطلّاني في «شرح البخاري» : البحريّ ما يجلب من اليمن، ومنه ما يجلب من المغرب، وزاد بعضهم ثالثا يسمّى ب «القسط المرّ» ، وهو كثير ببلاد الشّام؛ خصوصا السّواحل. قال في «نزهة الأفكار» : وأجودها البحري، وخياره الأبيض الخفيف الطّيب الرّائحة، وبعده الهندي؛ وهو أسود خفيف، وبعده الثّالث؛ وهو ثقيل، ولونه كالخشب البقس ورائحته ساطعة، وأجود ذلك كلّه: ما كان جديدا ممتلئا غير متاكل يلذع اللّسان. وكلّ دواء مبارك نافع. (فتحكّه بماء) ؛ أي: تحكّه على حجر بالماء، كذا في «المرقاة» . وقال «القرطبي» : أي: يدقّ ناعما. (ثمّ تسعطه) - بفتح التّاء والعين، وبضمّ العين؛ من سعط: كمنع ونصر،

стр. 2004

إيّاه» ، فأمرت عائشة رضي الله تعالى عنها فصنع ذلك للصّبيّ فبرأ. و (العذرة) : تهيّج في الحلق من الدّم. وقيل: قرحة تخرج فيما بين الأذن والحلق، وتعرض للصّبيان غالبا. و (القسط البحريّ) : هو العود الهنديّ، وهو الأبيض منه، وفيه منافع عديدة، ... وبضمّ التّاء وكسر العين؛ من أسعط (إيّاه» ) ؛ أي: تصبّه في أنفه. قال القرطبي: وهل يسعط به مفردا أو مع غيره؟! يسأل عن ذلك أهل المعرفة والتّجربة. ولا بدّ من النفع به، إذ لا يقول ﷺ إلّا حقّا. (فأمرت عائشة رضي الله تعالى عنها فصنع ذلك للصّبيّ فبرأ) . قال في «المرقاة» : وقد حصل هذا المرض لولدي؛ وألحّ به، فأرادوا أن يغمزوا حلقه على طريقة النّساء فمنعتهنّ من ذلك تمسّكا بالحديث، واستعملت له القسط؛ فشفي منه سريعا، ولم يعاوده بعد ذلك، ووصفته لجماعة فبرأوا؛ مصداق قوله ﷺ . (والعذرة) - بضمّ العين المهملة، وسكون الذّال المعجمة- (تهيّج) ؛ أي: ثوران ورم (في الحلق من الدّم) الّذي يغلب عليه البلغم. (وقيل) هي: (قرحة تخرج فيما بين الأذن والحلق) ، أو تخرج في الخرم الّذي بين الأنف والحلق، وهو الّذي يسمّى سقوط اللهاة. (وتعرض للصّبيان غالبا) في زمن الحرّ. (والقسط) - بضم القاف وبالطّاء- (البحريّ: هو العود الهنديّ) الّذي يجلب من الهند، (وهو) نوعان: أسود وأبيض، والمراد هنا (الأبيض منه، وفيه منافع عديدة)

стр. 2005

وكانوا يعالجون أولادهم بغمز اللهاة، وبالعلاق؛ وهو شيء يعلّقونه على الصّبيان، فنهاهم ﷺ عن ذلك، وأرشدهم إلى ما هو أنفع للأطفال وأسهل عليهم. و (السّعوط) : ما يصبّ في ... يدرّ الطّمث والبول، ويقتل ديدان الأمعاء، ويدفع السّمّ وحمّى الرّبع، وحمّى الورد، ويسخّن المعدة، ويحرّك شهوة الجماع. ويذهب الكلف طلاء. (وكانوا يعالجون أولادهم بغمز اللهاة) - بفتح اللّام-: اللّحمة الّتي في أقصى الحلق، ويجمع على لهى ولهيات؛ مثل: حصاة وحصى وحصيات، وعلى لهوات أيضا- على الأصل- كما في «المصباح» . (و) يعالجونهم (بالعلاق) - بكسر العين المهملة وفتحها- (وهو: شيء يعلّقونه على الصّبيان) كالعوذة، وهذا بيان للمراد، وإلّا فالعلاق- لغة-: ما يعلق به الشّيء، ثمّ تفسيره بذلك مخالف لما في «شرح البخاريّ» حيث قال: أعلقت عليه من العذرة؛ أي: رفعت حنكه بأصبعها ففجّرت الدّم. وفي «الفتح» و «النهاية» وغيرهما: أنّه كانت عادة النّساء إذا أصاب الصّبيّ العذرة تعمد المرأة إلى خرقة تفتلها فتلا شديدا، وتدخلها في أنفه، وتطعن ذلك الموضع، فينفجر منه دم أسود وربّما أقرحه، وكانوا بعد ذلك يعلّقون عليه علاقا كالعوذة. (فنهاهم ﷺ عن ذلك، وأرشدهم إلى ما هو أنفع للأطفال، وأسهل عليهم) ، فإنّ القسط يشدّ اللهاة، ويرفعها إلى مكانها؛ لأنّه حارّ يابس. (والسّعوط) المراد هنا- بفتح السّين، وضمّ العين المهملتين-. أمّا بضمّ السّين؛ فهو الفعل الّذي هو صبّ الدّواء في الأنف. وليس مرادا هنا بل المراد الأوّل وهو: (ما يصبّ في) الأنف، وقد يكون بأدوية مفردة ومركّبة تدقّ؛ وتنخل؛

стр. 2006

أنف الإنسان وهو مستلق على ظهره، وبين كتفيه ما يرفعهما؛ لينخفض رأسه فيتمكّن السّعوط من الوصول إلى دماغه، ويستخرج ما فيه من الدّاء بالعطاس. وقد مدح النّبيّ ﷺ التّداوي بالسّعوط فيما يحتاج إليه فيه. وكان رسول الله ﷺ يأمر أن يسترقى من العين. وروى مسلم في «صحيحه» : عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «العين حقّ، ولو كان شيء سابق القدر ... وتعجن، وتجفّف؛ ثم تحلّ عند الحاجة، ويسعط بها في (أنف الإنسان وهو مستلق على ظهره، وبين كتفيه) ؛ أي: تحتهما (ما يرفعهما) من نحو مخدّة؛ (لينخفض رأسه، فيتمكّن السّعوط من الوصول إلى دماغه) يعني أنه بهذه الكيفيّة يسهل انحدار السّعوط إلى الدّماغ (ويستخرج ما فيه) ؛ أي: الدمّاغ (من الدّاء بالعطاس) ؛ ذكره ابن القيّم قال: (وقد مدح النّبيّ ﷺ التّداوي بالسّعوط فيما يحتاج إليه فيه) . وذكر أبو داود في «سننه» أنّ النّبيّ ﷺ استعط. انتهى. (وكان رسول الله ﷺ يأمر أن يسترقى) - بالبناء للمفعول- (من العين) بنحو (ما شاء الله، لا قوّة إلّا بالله. أخرجه مسلم في «صحيحه» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وفي رواية له؛ عنها أيضا: كان يأمرني أن أسترقي من العين. (وروى مسلم في) «الطّبّ» ؛ من ( «صحيحه» ) ، والإمام أحمد كلاهما؛ (عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «العين حقّ) ؛ أي: أنّ الإصابة بالعين شيء ثابت موجود، وهو من جملة ما تحقّق وجوده بالفعل، (ولو كان شيء سابق القدر) - بفتحتين-: أي: لو

стр. 2007

لسبقته العين» . فرض أنّ لشيء قوّة بحيث يسبق القدر (لسبقته العين) لكنّها لا تسبق القدر، فكيف غيرها؟! فإنه تعالى قدّر المقادير قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة. قال القرطبي: «فلو» . مبالغة في تحقيق إصابة العين، جرى مجرى التّمثيل، إذ لا يردّ القدر شيء، فإنّه عبارة عن سابق علم الله ونفوذ مشيئته، ولا رادّ لأمره ولا معقّب لحكمه، فهو كقولهم: لأطلبنّك؛ ولو تحت الثّرى، ولو صعدت السّماء؟!. قال المازري: وقد أخذ الجمهور بظاهر الحديث من تأثيرها بإرادة الله وخلقه، وأنكره طوائف من المبتدعة لغير معنى، لأنّ كلّ شيء ليس محالا في نفسه، ولا يؤدّي إلى قلب حقيقة ولا إفساد دليل!! فهو من مجوّزات العقول، وكلّ ما جوّزته وأخبر الشّارع بوقوعه وجب قبوله والأخذ بظاهره؛ ولم يكن لإنكاره معنى سوى العناد والمكابرة. وهل من فرق بين إنكارهم إصابة العين؛ وبين إنكارهم ما يخبر به من أمور الآخرة!؟ وقد اشتكى بعض النّاس هذه الإصابة؛ فقال: كيف تعمل العين من بعد، حتّى يحصل الضّرر للمعيون؟ وأجيب: بأنّ طبائع النّاس تختلف، فقد يكون ذلك من سمّ يصل من عين العائن في الهواء إلى بدن المعيون؛ فيحصل الضّرر بتقدير الله. وقد نقل عن بعض من كان معيانا، أنّه قال: إذا رأيت شيئا يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني!! ويقرّب ذلك: بالمرأة الحائض تضع يدها في إناء اللّبن فيفسد!! ولو وضعتها بعد طهرها لا يفسد!! وكذا تدخل البستان، فتضرّ بكثير من الغروس من غير أن تمسّها! ومن ذلك: أنّ الصّحيح قد ينظر إلى العين الرّمداء فيرمد!!. قال المازري: وزعم بعض الطّبائعييّن أنّ العائن ينبعث من عينه قوة سمّيّة تتّصل

стр. 2008

......... بالمعيون؛ فيهلك أو يفسد جسمه أو عقله، وهو كإصابة السّمّ من نظر الأفعى. وأشار المازري إلى منع الحصر في ذلك. أي: خروج سمّيّة من عين العائن، مع تجويز المازريّ خروجها؛ لا على سبيل القطع. وإنّ الّذي يتمشّى على طريقة أهل السّنّة: أنّ العين إنّما تضرّ عند نظر العائن، بعادة أجراها الله تعالى أن يحدث الضّرر عند مقابلة شخص آخر. وهل ثمّ جواهر خفيّة تخرج من العين أو لا؟! هو أمر محتمل؛ لا يقطع بإثباته ولا نفيه، إذ لا مستند لذلك. ومن قال ممّن ينتمي إلى الإسلام من أصحاب الطّبائع بالقطع؛ بأنّ ثمّ جواهر لطيفة غير مرئيّة تنبعث من العائن فتتّصل بالمعيون؛ وتتخلّل مسامّ جسمه، فيخلق الباري الهلاك عندها؛ كما يخلق الهلاك عند شرب السّمّ!! فقد أخطأ بدعوى القطع، إذ لا دليل عليه، ولكنّه جائز أن يكون عادة ليس ضرورة؛ ولا طبيعة. انتهى كلام المازري. وهو كلام سديد لموافقته مذهب أهل السّنّة. وليس المراد بالتّأثير المعنى الذي يذهب إليه الفلاسفة من أنّ إصابة العين صادرة عن تأثير النّفس بقوّتها فيه، فأوّل ما تؤثّر في نفسها؛ ثمّ تؤثّر في غيرها!!. بل المراد ما أجرى الله به العادة من حصول الضّرر للمعيون بخلق الله تعالى. وقد أخرج البزّار، والبخاريّ في «التّاريخ» والطّيالسي، والحكيم التّرمذي بسند حسن، وصحّحه «الضّياء» - عن جابر رفعه «أكثر من يموت من أمّتي بعد قضاء الله وقدره بالنّفس» . قال الرّاوي: يعني بالعين. وقد أجرى الله العادة بوجود كثير من القوى والخواصّ في الأجسام والأرواح؛ كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل؛ فيرى في وجهه حمرة شديدة لم تكن قبل ذلك! وكذلك الاصفرار عند رؤية من يخافه، وكثير من النّاس يسقم بمجرّد النّظر إليه؛ وتضعف قواه.

стр. 2009

وفي «سنن أبي داود» : عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان يؤمر العائن فيتوضّأ، ... وكلّ ذلك بواسطة ما خلق الله تعالى في الأرواح من التأثيرات لشدّة ارتباطها بالعين، وليست هي المؤثّرة! وإنّما التأثير للرّوح، والأرواح مختلفة في طبائعها، وكيفيّاتها؛ وخواصّها. فمنها ما يؤثّر في البدن بمجرّد الرّؤية؛ من غير اتّصال به، لشدّة خبث تلك الرّوح وكيفيتها الخبيثة. والحاصل أنّ التّأثير بإرادة الله تعالى وخلقه ليس مقصورا على الاتّصال الجسمانيّ، بل يكون تارة به؛ وتارة بالمقابلة، وأخرى بمجرّد الرّؤية، وأخرى بتوجّه الرّوح؛ كالذي يحدث في البدن من الشّفاء من المرض ونحوه بسبب الأدعية والرّقى والالتجاء إلى الله تعالى. وتارة يقع ذلك بالتّوهّم والتخيّل، فالذي يخرج من عين العائن سهم معنويّ، إن صادف البدن لا وقاية له أثّر فيه الضّرر بخلق الله تعالى، وإلّا! لم ينفذ فيه السّهم، بل ربّما ردّ على صاحبه، كالسّهم الحسّيّ سواء. انتهى ملخّصا من «فتح الباري» وغيره. نقله في «المواهب» وشرحها. وتمام الحديث: «وإذا استغسلتم فاغسلوا» أي: إذا طلب منكم أيّها المتّهمون بإصابة العين- غسل الأعضاء الآتي بيانها فاغسلوا. (وفي «سنن أبي داود» ) في كتاب «الطّبّ» ؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان يؤمر العائن فيتوضّأ) ولم يبيّن في حديث ابن عباس صفة الاغتسال؛ ولا في حديث عائشة صفة الوضوء؟! قال المحقّق محمد بن سليمان الكردي في «حواشي شرح بافضل» «١» : الّذي

стр. 2010

ثمّ يغتسل منه المعين. قال الزّهريّ: ... يفهمه كلام أئّمتنا تصريحا وتلويحا: أنّ وضوء العائن كغيره، المراد به الوضوء الشّرعيّ؛ لكن الموجود في كتب الحديث أنّه غيره. (ثمّ يغتسل منه) ؛ أي الوضوء، أي: ماءه (المعين) - اسم مفعول-؛ من عانه إذا أصابه بالعين، تقول: - كما في «الفتح» -: عنت الرّجل؛ أصبته بعينك؛ فهو معين ومعيون. انتهى. (قال) الإمام الحافظ المحدّث؛ محمّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي: أبو بكر القرشي. (الزّهريّ) ؛ نسبة إلى بني زهرة بن كلاب المذكور. تابعيّ من أهل المدينة، نزل الشّام واستقرّ بها، ويقولون تارة الزّهري، وتارة ابن شهاب ينسبونه إلى جدّ جدّه. وهو أحد أفراد الدّنيا؛ علما وعملا وجلالة. سمع أنس بن مالك؛ وسهل بن سعد؛ والسّائب بن يزيد؛ وعبد الرحمن بن أزهر؛ ومحمود بن الرّبيع؛ وأبا أمامة أسعد بن سهل بن حنيف؛ وأبا الطّفيل. وهؤلاء كلهم صحابة. وسمع من خلائق؛ من كبار التّابعين وأئمّتهم. روى عنه خلائق من كبار التّابعين وصغارهم، ومن أتباع التّابعين. وحفظ القرآن في ثمانين ليلة!. قال الشّافعيّ: لولا الزّهريّ ذهبت السّنن من المدينة. ومناقبه؛ والثّناء عليه؛ وعلى حفظه أكثر من أن يحصر. توفي ليلة الثّلاثاء لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة: أربع وعشرين ومائة، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وتوفي بقرية بأطراف الشّام يقال لها: «سغبدا» رحمه الله تعالى. قال في صفة الاستغسال:

стр. 2011

يؤمر الرّجل العائن بقدح، فيدخل كفّه فيه، فيتمضمض، ثمّ يمجّه في القدح، ثمّ يغسل وجهه في القدح، ثمّ يدخل يده اليسرى، فيصبّ على كفّه اليمنى في القدح، ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على كفّه اليسرى، ثمّ يدخل يده اليسرى، فيصبّ على مرفقه الأيمن، ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على مرفقه الأيسر، ثمّ يدخل يده اليسرى، فيصبّ على قدمه اليمنى، ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على قدمه اليسرى ثمّ يدخل يده اليسرى، فيصبّ على ركبته اليمنى، ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على ركبته اليسرى، ثمّ يغسل داخلة إزاره، ولا يوضع القدح في الأرض، ثمّ يصبّ ... (يؤمر الرّجل العائن بقدح) فيه ماء؛ (فيدخل كفّه فيه، فيتمضمض) بغرفة منه؛ (ثمّ يمجّه في القدح، ثمّ) يأخد منه ماء (يغسل وجهه في القدح) مرّة واحدة، (ثمّ يدخل يده اليسرى) في القدح؛ (فيصبّ على كفّه اليمنى في القدح) صبّة واحدة، (ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على كفّه اليسرى) واحدة، (ثمّ يدخل يده اليسرى، فيصبّ على مرفقه الأيمن) في القدح واحدة، (ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على مرفقه الأيسر) صبّة واحدة، (ثمّ يدخل يده اليسرى، فيصبّ على قدمه اليمنى) في القدح واحدة، (ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على قدمه اليسرى) صبّة واحدة، (ثمّ يدخل يده اليسرى، فيصبّ على ركبته اليمنى) في القدح، (ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على ركبته اليسرى) صبّة واحدة فيها، (ثمّ يغسل داخلة إزاره) . قال المازري: المراد ب «داخلة إزاره» : الطّرف المتدلّي الّذي يلي حقوه الأيمن. وقال القاضي عياض: إنّ المراد ما يلي جسده من الإزار. وقيل غير ذلك. (ولا يوضع القدح في الأرض) حتّى يفرغ (ثمّ يصبّ) ذلك الماء الّذي في

стр. 2012

على رأس الرّجل الّذي تصيبه العين من خلفه صبّة واحدة. القدح (على رأس الرّجل الّذي تصيبه العين من خلفه صبّة واحدة) يجري على جسده، ويكون غسل الأطراف المذكورة كلّها؛ وداخلة الإزار في القدح. هكذا روي عن الزّهري، وقال: إنّه من العلم. قال ابن عبد البرّ: وهو أحسن ما فسّر به الحديث، لأنّ الزّهريّ راويه. قال القاضي عياض: إنّ الزّهري أخبر أنه أدرك العلماء يصفونه واستحسنه علماؤنا، ومضى به العمل. انتهى. قال مقيّده غفر الله ذنوبه: هذه الكيفية الّتي ذكرها غير متعيّنة، بل يحصل النّفع بالاستغسال الآتي في حديث سهل بن حنيف، وبأيّ كيفيّة كانت؛ إذا غسل أطرافه، وصبّ غسالته على المعيون؛ حصل النّفع بإذن الله تعالى، ولذلك لم يبيّن النّبيّ ﷺ كيفيّة الاستغسال، بل أطلق؛ إشارة إلى ذلك. والله أعلم. قال الزّرقاني: وهذا الغسل ينفع بعد استحكام النّظرة. أمّا عند الإصابة؛ وقبل الاستحكام؛ فقد أرشد ﷺ إلى ما يدفعه، بقوله: «ألا بركت عليه» !!. قال أبو عمر: أي: قلت: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه. فيجب على كلّ من أعجبه شيء أن يبارك، فإذا دعا بالبركة، صرف المحذور لا محالة. وللنّسائيّ وابن ماجه؛ عن أبي أمامة، وابن السّنيّ؛ عن عامر بن ربيعة، كلاهما مرفوعا: «إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه؛ فليدع بالبركة» . وروى ابن السّنّي؛ عن سعيد بن حكيم؛ قال: كان ﷺ إذا خاف أن يصيب شيئا بعينه، قال: «اللهمّ؛ بارك فيه ولا تضرّه» . انتهى. قال المازري: وهذا المعنى- يعني الاغتسال بالصّفة المذكورة- لا يمكن تعليله، ومعرفة وجهه من جهة العقل، وليس في قوّة العقل الاطّلاع على أسرار جميع المعلومات!! فلا يردّ لكونه لا يعقل معناه!. وقال ابن القيّم: هذه الكيفيّة لا ينتفع بها من أنكرها، ولا من سخر منها،

стр. 2013

......... ولا من شكّ فيها، أو فعلها مجرّبا غير معتقد، وإذا كان في الطّبيعة خواصّ لا يعرف الأطبّاء عللها؛ بل هي عندهم خارجة عن القياس وإنما تفعل بالخاصيّة؛ فما الّذي ينكره جهلتهم من الخواصّ الشرعيّة؟ هذا مع أنّ في المعالجة بالاغتسال مناسبة لا تأباها العقول الصّحيحة، فهذا ترياق سمّ الحيّة يؤخذ من لحمها! وهذا علاج النّفس الغضبيّة، بوضع اليد على بدن الغضبان، فيسكن! فكان أثر تلك العين، كشعلة نار، وقعت على جسد ففي الاغتسال إطفاء لتلك الشّعلة. ثمّ لمّا كانت هذه الكيفيّة الخبيثة تظهر في المواضع الرّقيقة من الجسد لشدّة النّفوذ فيها ولا شيء أرقّ من المغابن؛ فكان في غسلها إبطال لعملها. ولا سيّما أن للأرواح الشّيطانيّة في تلك المواضع اختصاصا. وفيه أمر آخر: وهو وصول أثر الغسل إلى القلب، من أرق المواضع وأسرعها نفاذا، فتطفأ تلك النّار التي أثارتها العين بهذا الماء؛ فيشفى المعين. انتهى. وقال ابن القيّم أيضا: والغرض العلاج النّبويّ الوارد في الأحاديث؛ من الرّقى بالأدعية، ونحوها لعلّة الإصابة بالعين. فمن التّعوّذات والرّقى الإكثار من قراءة المعوّذتين، لحديث عائشة السّابق: كان إذا اشتكى، يقرأ على نفسه بالمعوّذات وينفث. ولحديثها أيضا: كان ﷺ إذا أوى إلى فراشه كلّ ليلة جمع كفّيه؛ ثمّ نفث فيها، ثمّ يقرأ: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» ، و «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ» ، و «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ» ، ثمّ مسح بهما ما استطاع من جسده؛ يفعل ذلك ثلاث مرات. رواه البخاري. ومنها الإكثار من قراءة «الفاتحة» ؛ لحديث «الصحيحين» في الّذي رقى اللّذيغ بالفاتحة؛ فقال ﷺ : «وما أدراك أنّها رقية» ؟. وروى البيهقيّ في «الشّعب» ؛ عن جابر رفعه: «ألا أخبرك بخير سورة نزلت في القرآن؟» قلت: بلى. قال: «فاتحة الكتاب» . قال راويه: وأحسبه قال «فيها شفاء من كلّ داء» .

стр. 2014

......... وللبيهقيّ ولسعيد بن منصور؛ عن أبي سعيد مرفوعا «فاتحة الكتاب شفاء من السّمّ» . ومنها قراءة آية الكرسي. روى الدّيلميّ؛ عن أبي أمامة: سمعت عليا يقول: ما أرى رجلا أدرك عقله في الإسلام؛ يبيت حتّى يقرأ هذه الآية اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [٢٥٥/ البقرة] ، إلى قوله وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) [البقرة] فلو تعلمون ما هي أو ما فيها؛ لما تركتموها على حال!! إنّ رسول الله ﷺ قال: «أعطيت آية الكرسيّ من كنز تحت العرش، ولم يؤتها نبيّ قبلي» . قال عليّ: فما بتّ ليلة منذ سمعته من رسول الله ﷺ حتّى أقرأها. قال أبو أمامة: وما تركتها منذ سمعتها من عليّ، ثمّ سلسله الباقون. «الدّيلميّ» . وفي خبر: «سيّد البقرة آية الكرسيّ، أما إنّ فيها خمس آيات، في كلّ كلمة خمسون بركة» . ومنها التّعوّذات النّبويّة؛ نحو: «أعوذ بكلمات الله التّامّة، من كلّ شيطان وهامّة. ومن كلّ عين لامّة» . ونحو «أعوذ بكلمات الله التّامّات، الّتي لا يجاوزهنّ برّ ولا فاجر، من شرّ ما خلق وبرأ وذرأ، ومن شرّ ما ينزل من السّماء، ومن شرّ ما يعرج فيها، ومن شرّ ما ذرأ في الأرض، ومن شرّ ما يخرج منها، ومن شرّ فتن اللّيل والنّهار، ومن شرّ طوارق اللّيل والنّهار، إلّا طارقا يطرق بخير يا رحمن» . وإذا كان الشّخص يخشى ضرر عينه؛ وإصابتها للمعين! فليدفع شرّها بقوله «اللهم بارك عليه» ، كما قال ﷺ لعامر بن ربيعة: لمّا عان سهل بن حنيف: «ألا برّكت عليه» ؛ أي: قلت (بارك الله فيك) . انتهى من «المواهب» و «شرحها» .

стр. 2015

......... وحديث سهل بن حنيف الّذي أشار إليه هو ما أخرجه الإمام أحمد، والنّسائي، وصححه ابن حبّان؛ من طريق الزّهري؛ عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف: أنّ أباه سهل بن حنيف حدّثه أنّ النّبيّ ﷺ خرج وساروا معه نحو ماء، حتّى إذا كان بشعب الخرّار من الجحفة؛ اغتسل سهل بن حنيف. وفي رواية مالك؛ عن محمّد بن أبي أمامة؛ عن أبيه: فنزع سهل جبّة كانت عليه؛ وكان أبيض حسن الجسم والجلد فنظر إليه عامر بن ربيعة، فقال: ما رأيت كاليوم، ولا جلد مخبّأة!!؟ وفي رواية: مالك المذكورة: ولا جلد عذراء، فلبط سهل- أي: صرع وسقط إلى الأرض-. وفي رواية مالك: فوعك سهل مكانه واشتدّ وعكه، زاد في رواية: حتّى ما يعقل لشدّة الوجع!! فأتى رسول الله ﷺ زاد مالك؛ عن ابن شهاب؛ عن أبي أمامة- فقيل له: يا رسول الله: هل لك في سهل بن حنيف؟ والله ما يرفع رأسه؟! فقال: «هل تتّهمون من أحد!» . قالوا: عامر بن ربيعة. وفي رواية «مالك» ؛ عن محمّد بن أبي أمامة؛ عن أبيه: فأتي رسول الله ﷺ فأخبر أنّ سهلا وعك، وأنّه غير رائح معك، فأتاه ﷺ ، فأخبره سهل بالّذي كان من شأن عامر بن ربيعة، فدعا عامرا؛ فتغيّظ عليه، فقال: «علام يقتل أحدكم أخاه!؟» - زاد في رواية: - «وهو غنيّ عن قتله؟؟ هلّا إذا رأيت ما يعجبك برّكت؟!» . ثمّ قال: «اغتسل له» . ولمالك؛ عن محمّد: «توضّأ له» . فغسل عامر وجهه ويديه- وفي رواية- وظاهر كفّيه ومرفقيه. زاد في رواية: وغسل صدره وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح. زاد في رواية: قال: وحسبته قال: وأمره فحسا منه حسوات، ثمّ صبّ ذلك الماء عليه رجل من خلفه على رأسه؛ وظهره؛ ثمّ كفأ القدح، ففعل ذلك؛ فراح سهل مع النّاس؛ ليس به بأس. انتهى.

стр. 2016

وممّا يدفع إصابة العين: قول: (اللهمّ بارك عليه) . وقول: (ما شاء الله لا قوّة إلّا بالله) . (وممّا يدفع إصابة العين قول: اللهمّ بارك عليه) ، فإنّ ذلك يبطل ما يخاف من العين، ويذهب تأثيره. ذكره الباجيّ. (و) ممّا يدفعها أيضا (قول: ما شاء الله، لا قوّة إلّا بالله) كما قال تعالى وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ [٣٩/ الكهف] . وقال ﷺ : «من رأى شيئا. فأعجبه، فقال: ما شاء الله، لا قوّة إلّا بالله، لم يضرّه» . رواه البزّار؛ وابن السّنّي؛ عن أنس. ففيهما استحباب هذا الذّكر عند رؤية ما يعجب. واستدلّ مالك بالآية على استحبابه لكلّ من دخل منزله؛ كما قاله ابن العربي. وأخرج ابن أبي حاتم؛ عن مطرّف قال: كان مالك إذا دخل بيته قال: «ما شاء الله، لا قوّة إلّا بالله» . قلت له: لم تقول هذا؟ قال: ألا تسمع الله تعالى يقول ... وتلا الآية. وأخرج عن الزّهري مثله. وممّا يدفع إصابة العين أيضا رقية جبريل النّبيّ ﷺ ، كما رواه مسلم في «الطّبّ» عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أنّ جبريل أتى النّبيّ ﷺ فقال: يا محمّد: أشتكيت؟ قال: «نعم» . قال: باسم الله أرقيك، من كلّ شيء يؤذيك، من شرّ كلّ ذي نفس، أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك» . وعند مسلم أيضا في «الطّبّ» ؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: كان جبريل يرقي النّبيّ ﷺ إذا اشتكى قال: باسم الله يبريك، ومن كلّ داء يشفيك، ومن شرّ حاسد إذا حسد، ومن شرّ كلّ ذي عين. انتهى. والله أعلم.

стр. 2017

[الفصل الثّاني في سنّه ﷺ ووفاته] الفصل الثّاني في سنّه ﷺ ووفاته عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: مكث النّبيّ ﷺ بمكّة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، (الفصل الثّاني) من الباب الثّامن؛ (في) ما جاء في (سنّه ﷺ أي: مقدار عمره الشّريف، والسّنّ بهذا المعنى مؤنّثة، لأنّها بمعنى المدّة. (و) في ما جاء في (وفاته) أي: تمام أجله الشّريف، فإنّ الوفاة- بفتح الواو-: مصدر وفى يفي بالتخفيف- أي: تمّ أجله. وهذا الفصل مضمونه يسكب المدامع من الأجفان، ويجلب الفجائع لإثارة الأحزان، ويلهب نيران الموجدة على أكباد ذوي الإيمان. أخرج البخاريّ في «الهجرة، والمغازي، وفضائل القرآن» ، ومسلم في «الفضائل» ، والتّرمذيّ في «الجامع» ؛ في «كتاب المناقب» ، وأخرجه في «الشّمائل» ؛ (عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: مكث) - بفتح الكاف وضمّها- أي: لبث (النّبيّ ﷺ بعد البعثة (بمكّة) الّتي هي أفضل الأرض عند الشّافعي؛ حتى على المدينة المنوّرة، وعكس مالك الإمام. وسمّيت مكة: لأنّها تمكّ الذّنوب؛ أي: تذهبها، ولها أسماء كثيرة. (ثلاث عشرة سنة) هذا هو الأصحّ، وغيره! محمول عليه (يوحى إليه) ؛

стр. 2018

وبالمدينة عشرا، وتوفّي وهو ابن ثلاث وستّين. وفي رواية عنه: أنّ رسول الله ﷺ توفّي وهو ابن خمس وستّين. أي: باعتبار مجموعها، لأنّ مدّة فترة الوحي ثلاث سنين، من جملتها، وروي: عشر سنين، وهو محمول على ما عدا مدّة فترة الوحي، وروي أيضا خمس عشرة سنة؛ في سبعة منها يرى نورا ويسمع صوتا؛ ولم ير ملكا. وفي ثمانية منها يوحى إليه. وهذه الرّواية مخالفة للأولى من وجهين: الأوّل في مدّة الإقامة بمكّة بعد البعثة؛ هل هي ثلاثة عشر؟ أو خمسة عشر. والثّاني: في زمن الوحي: هل هو ثلاث عشرة؛ أو ثمانية. (وبالمدينة عشرا) ؛ أي: عشر سنين باتّفاق، فإنّهم اتّفقوا على أنّه ﷺ أقام بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين، كما اتّفقوا على أنّه أقام بمكّة قبل البعثة أربعين سنة، وإنّما الخلاف في قدر إقامته بمكّة بعد البعثة!! والصّحيح أنه ثلاث عشرة سنة. (وتوفّي) - بالبناء للمجهول- أيّ: توفّاه الله تعالى؛ أي: مات (وهو ابن ثلاث وستّين) سنة، واتّفق العلماء على أنّ هذه الرّواية أصحّ الرّوايات الثّلاث الواردة في قدر عمره ﷺ ، وقد رواها مسلم؛ من رواية عائشة، وأنس؛ وابن عبّاس رضي الله تعالى عنهم. والثّانية: أنّه توفّي وهو ابن ستّين سنة، وهي محمولة على أنّ راويها اقتصر على العقود وألغى الكسر. والثّالثة: أنّه توفّي وهو ابن خمس وستين سنة، وهي محمولة على إدخال سنة الولادة وسنة الوفاة، أو حصل فيها اشتباه. والله أعلم. (وفي رواية عنه) ؛ أي: ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما (أنّ رسول الله ﷺ توفّي وهو ابن خمس وستّين) سنة، أي: بحسبان سنتي الولادة والوفاة كما تقدّم

стр. 2019

وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أنّ رسول الله ﷺ توفّاه الله تعالى على رأس ستّين سنة. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّ النّبيّ ﷺ مات وهو ابن ثلاث وستّين سنة. وعن جرير بن حازم الأسديّ، عن معاوية رضي الله تعالى عنه: أنّه سمعه يخطب، قال: ... التّنبيه عليه آنفا؛ على أنّه قد أنكر عروة بن الزّبير على ابن عبّاس قوله: خمس وستّين، ونسبه إلى الغلط، وأنّه لم يدرك أوّل النّبوّة، ولا كثرة صحبته، بخلاف الباقين. (و) أخرج التّرمذيّ في «الشّمائل» ؛ (عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله ﷺ توفّاه الله تعالى على رأس ستّين سنة) ؛ أي: بإلغاء الكسر، فلا ينافي رواية أنّه توفّاه الله تعالى وهو ابن ثلاث وستّين سنة، الّتي هي أصحّ الرّوايات؛ وأشهرها رواها البخاريّ من رواية ابن عبّاس؛ ومعاوية، ومسلم من رواية عائشة؛ وابن عبّاس؛ ومعاوية أيضا رضي الله تعالى عنهم. (و) أخرج مسلم، والتّرمذيّ في «الشّمائل» ؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّ النّبيّ ﷺ مات وهو ابن ثلاث وستّين سنة) قد علمت أن هذه الرّواية أصحّ الرّوايات وأشهرها. (و) أخرج البخاريّ، ومسلم، والتّرمذيّ في «الشّمائل» ؛ (عن جرير بن حازم الأسديّ) حضر جنازة أي الطّفيل بمكّة، وسمع رجاء العطارديّ، والحسن. وعنه ابنه، وابن مهدي. ثقة؛ لكنّه اختلط، فحجبه أولاده؛ مات سنة: سبعين ومائة. (عن معاوية) بن أبي سفيان بن حرب بن أميّة (رضي الله تعالى عنه) (أنّه) ؛ أي: جرير (سمعه) ؛ أي معاوية (يخطب) ؛ أي: حال كونه خطيبا (قال:

стр. 2020

مات رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستّين، وأبو بكر وعمر. وأنا ابن ثلاث وستّين سنة. قوله: (أنا ابن ثلاث وستّين) المراد: أنّه كان كذلك وقت تحديثه بهذا الحديث، ولم يمت فيه، بل عاش حتّى بلغ نحو ثمانين سنة. مات رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستّين) ؛ أي: والحال أنّه ابن ثلاث وستّين سنة. (وأبو بكر وعمر) مرفوعان بالابتداء، والخبر محذوف تقديره: كذلك. أمّا أبو بكر! فمتفّق عليه أنّه مات وعمره ثلاث وستّون. وأما عمر؛ فعلى الأصحّ أنّه عمره ثلاث وستّون. ولم يذكر عثمان رضي الله تعالى عنه! لأنّه قتل وله من العمر ثنتان وثمانون سنة، وقيل: ثمان وثمانون. ولم يذكر عليا رضي الله تعالى عنه وكرّم الله وجهه! مع أنّ الأصحّ أنّه قتل وله من العمر ثلاث وستّون. وقيل: خمس وستّون، وقيل: سبعون، وقيل: ثمان وخمسون!! للاختلاف الواقع فيه، أو لعدم معرفته بعمره، بسبب تعدّد الرّوايات. والله أعلم. ثم استأنف معاوية رضي الله تعالى عنه؛ فقال: (وأنا ابن ثلاث وستّين سنة) أي: أنا متوقع أن أموت في هذا السّن؛ موافقة لهم، لكنّه لم ينل مطلوبه ومتوقّعه، بل مات وهو قريب من ثمانين، كما سيأتي للمصنّف. (قوله) ؛ أي: معاوية (أنا ابن ثلاث وستّين: المراد) بهذا الكلام (أنّه) ؛ أي معاوية (كان كذلك) ؛ أي: كان عمره ثلاثا وستّين سنة (وقت تحديثه بهذا الحديث، ولم يمت فيه) ؛ أي: في هذا السّن، (بل عاش) ؛ أي: طال عمره (حتّى بلغ نحو ثمانين سنة) قيل: بلغ ثمانيا وسبعين، وقيل: ستّا وثمانين، وقيل: ثمانين سنة.

стр. 2021

وأمّا وفاة رسول الله ﷺ : ف وأحسن العمر: ثلاث وستّون، كعمره ﷺ وصاحبيه، ولهذا لمّا بلغ بعض العارفين هذا السّنّ، هيّأ له أسباب مماته؛ إيماء إلى أنّه لم يبق لذّة في بقيّة حياته. والله أعلم. (وأمّا وفاة رسول الله ﷺ ف) هي مصيبة الأوّلين والآخرين من المسلمين، ولمّا كان الموت مكروها بالطّبع، لما فيه من الشّدة والمشقة العظيمة؛ لم يمت نبيّ من الأنبياء حتّى يخيّر. وأول ما أعلم النّبيّ ﷺ من انقضاء عمره باقتراب أجله؛ بنزول سورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) [النصر] فإنّ المراد من هذه السّورة نعي رسول الله ﷺ ؛ أي: إنّك يا محمّد إذا فتح الله عليك البلاد، ودخل النّاس في دينك، الّذي دعوتهم إليه أفواجا؛ فقد اقترب أجلك، فتهيّأ للقائنا بالتحميد والاستغفار، فإنّه قد حصل منك مقصود ما أمرت به؛ من أداء الرّسالة والتّبليغ، وما عندنا خير لك من الدّنيا، فاستعدّ للنّقلة إلينا. وكان ﵊ يعرض القرآن كلّ عام على جبريل مرّة، فعرضه ذلك العام مرّتين في رمضان؛ كما في «الصّحيحين» من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. وكان ﵊ يعتكف العشر الأواخر من رمضان كلّ عام؛ فاعتكف في ذلك العام عشرين، وأكثر معهن الذكر والاستغفار. وروى الشيخان؛ من حديث عقبة بن عامر الجهني؛ قال: صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد؛ صلاته على الميت بعد ثمان سنين، كالمودّع للأحياء والأموات، ثمّ طلع المنبر؛ فقال: «إنّي بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإنّ موعدكم الحوض، وإنّي لأنظر إليه وأنا في مقامي هذا، وإنّي قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإنّي لست

стр. 2022

عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ كشف السّتارة يوم الإثنين، ... أخشى عليكم أن تشركوا بعدي!!، ولكنّي أخشى عليكم الدّنيا أن تنافسوا فيها!!» . وما زال ﷺ يعرّض باقتراب أجله في آخره عمره، فإنه لما خطب في حجّة الوداع؛ قال للنّاس: «خذوا عنّي مناسككم، فلعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا!» . وطفق يودّع النّاس، فقالوا: هذه «حجة الوداع» . واختلف في مدّة مرضه، والأكثر أنّها ثلاثة عشر يوما، وهو المشهور. وكان ابتداء مرضه في بيت ميمونة؛ كما ثبت في «الصحيحين» ، واشتداد مرضه في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها. وابتدأ به المرض يوم الاثنين، وقيل: يوم السّبت، وقيل: يوم الأربعاء. وشدّة مرضه الّتي انقطع بها عن الخروج في بيت عائشة كانت سبعة أيّام، وما زاد عليها؛ فهو قبل اشتداده الّذي انقطع به. وفي البخاريّ ومسلم: قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لمّا ثقل برسول الله ﷺ واشتدّ وجعه استأذن أزواجه أن يمرّض في بيتي، فأذنّ له ... الحديث. وأخرج ابن ماجه، والتّرمذيّ في «الشّمائل» ؛ (عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ كشف) أي: رفع (السّتارة) المعلّقة على باب بيته الشّريف، أي: أمر برفعها. وهي- بكسر السّين المهملة-: ما يستر به، فقوله «آخر نظرة» مبتدأ، وخبره ما دلّ عليه «كشف» ، وجملة «كشف السّتارة» في محلّ نصب على الحال، بتقدير «قد» ؛ أي: آخر نظري إلى وجهه حال كونه قد كشف السّتارة (يوم الاثنين) - منصوب على الظّرفية-. وقيل: إنّه مرفوع على أنه خبر، مع تقدير مضاف قبل المبتدأ، والتّقدير: زمن آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ هو يوم الاثنين.

стр. 2023

فنظرت إلى وجهه كأنّه ورقة مصحف، والنّاس خلف أبي بكر، فكاد النّاس أن يضطربوا، فأشار إلى النّاس: أن اثبتوا وأبو بكر يؤمّهم، وألقى السّجف، وتوفّي رسول الله ﷺ من آخر ذلك اليوم. (فنظرت إلى وجهه) الشّريف (كأنّه ورقة) - بفتح الرّاء- (مصحف) - مثلّث الميم، والأشهر ضمّها-، وهو كناية عن الجمال البارع وحسن البشرة، وصفاء الوجه، واستنارته؛ قاله الزّرقاني. (والنّاس خلف أبي بكر) الصّدّيق رضي الله تعالى عنه؛ قد اقتدوا به في صلاة الصّبح بأمره ﷺ ، (فكاد النّاس أن يضطربوا) في صلاتهم بأن يخرجوا منها فرحا برسول الله ﷺ ، لاعتقادهم خروجه ﷺ ليصلّي بهم، (فأشار) رسول الله ﷺ (إلى النّاس: أن اثبتوا) مكانكم في صلاتكم. و «أن» تفسيريّة لمعنى الإشارة؛ لما في الإشارة من معنى القول، فهو نظير قوله فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ [٢٧/ المؤمنون] . (وأبو بكر يؤمّهم) ؛ أي: يصلّي بهم إماما في صلاة الصّبح بأمره، حيث قال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» . (وألقى) ؛ أي: أرخى (السّجف) - بكسر السّين وفتحها- أي: السّتر، وهو الّذي عبر عنه أولا بالسّتارة. (وتوفّي) - بصيغة المجهول- (رسول الله ﷺ من آخر ذلك اليوم) ؛ وهو يوم الاثنين، وكان ابتداء مرضه ﷺ من صداع عرض له، ثمّ اشتدّ به؛ حتّى صار يقول: «أين أنا غدا.. أين أنا غدا؟» ثمّ استأذن أزواجه أن يمرّض في بيت عائشة لمحبّته لها؛ مع علمه بأنّ بيتها مدفنه، فأذنّ له أن يمرّض عندها، وامتدّ به المرض، حتّى مات في اليوم الثّاني عشر من ربيع الأوّل، وكان يوم الاثنين. وكونه توفّي آخر ذلك اليوم لا ينافي جزم أهل السّير بأنّه مات حين اشتدّ الضّحى!! بل حكى صاحب «جامع الأصول» : الاتّفاق عليه، لأنّ المراد بقولهم

стр. 2024

......... «توفّي ضحى» : أنّه فارق الدّنيا، وخرجت نفسه الشّريفة في وقت الضّحى، والمراد بكونه توفّي في آخر اليوم أنّه تحقّق وفاته عند النّاس في آخر اليوم. وذلك أنّه بعد ما توفّي حصل اضطراب واختلاف بين الصّحابة في موته، فأنكر كثير منهم موته؛ حتّى قال عمر: من قال «إنّ محمّدا قد مات؛ قتلته بسيفي هذا» ؟! فما تحقّقوا وفاته إلّا في آخر النّهار، حتّى جاء الصّدّيق رضي الله تعالى عنه وأعلمهم كما سيأتي. وفي الحديث أنّ الصّدّيق استمرّ خليفة على الصّلاة؛ حتّى مات المصطفى ﷺ ، لا كما زعمت الشّيعة أنّه عزله بخروجه!! والله أعلم. وقد روى البخاريّ هذا الحديث أيضا؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه، لكن بلفظ: إنّ المسلمين بينما هم في صلاة الفجر يوم الاثنين؛ وأبو بكر يصلّي بهم لم يفجأهم إلّا رسول الله ﷺ قد كشف سجف حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها، فنظر إليهم وهم صفوف في الصّلاة ثمّ تبسّم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصلّ بالصّف، فظنّ أنّ رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصّلاة. قال أنس: وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم؛ فرحا برسول الله ﷺ . فأشار إليهم بيده: أن أتمّوا صلاتكم، ثمّ دخل الحجرة، وأرخى السّتر. وفي رواية له: فتوفّي في يومه. وفي رواية أخرى للبخاريّ ومسلم؛ عن أنس أيضا: لم يخرج إلينا ثلاثا، فذهب أبو بكر يتقدّم، فرفع رسول الله ﷺ الحجاب، فلمّا وضح لنا وجهه ما نظرنا منظرا قطّ كان أعجب إلينا منه، حين وضح لنا؛ فأومأ إلى أبي بكر أن يتقدّم وأرخى الحجاب ... الحديث. ولفظ مسلم؛ عن أنس أيضا: إنّ أبا بكر كان يصلّي بهم، حتّى إذا كانوا يوم الاثنين وهم صفوف في الصّلاة؛ كشف ﷺ ستر الحجرة، فنظرنا إليه؛ وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثمّ تبسّم ضاحكا ... الحديث.

стр. 2025

و (السّجف) : السّتارة. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كنت مسندة النّبيّ ﷺ إلى صدري- أو قالت: إلى حجري- فدعا بطست؛ ليبول فيه، ثمّ بال، فمات ﷺ . (والسّجف) - بكسر السّين المهملة-: (السّتارة) الّتي على الحجرة الشّريفة. (و) أخرج التّرمذيّ في «الشّمائل» ؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كنت مسندة) - بصيغة اسم الفاعل؛ من الإسناد- (النّبيّ ﷺ إلى صدري- أو قالت: إلى حجري-) بفتح الحاء المهملة وكسرها-: حضني؛ وهو- بكسر الحاء-: ما دون الإبط إلى الكشح. (فدعا بطست) - بفتح أوّله- أصله «طسّ» . فأبدل أحد المضعّفين تاء لثقل اجتماع المثلين، ويقال: طسّ على الأصل- بغير تاء-، وهي كلمة أعجمية معرّبة مؤنّثة؛ عند الأكثر، وحكي تذكيرها، ولذلك قال: (ليبول فيه) - بتذكير الضّمير، لكنّ التّأنيث أكثر في كلام العرب؛ كما قال الزّجاج- (ثمّ بال، فمات ﷺ ولحق بالرّفيق الأعلى. وظاهره أنّه مات في حجرها، ويوافقه ما رواه البخاريّ عنها: توفّي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري. وفي رواية: بين حاقنتي وذاقنتي؛ أي: كان رأسه بين حنكها وصدرها. ولا يعارضه ما رواه الحاكم وابن سعد؛ من طرق: أنّ رأسه كان في حجر علي ﵁؟ لأنّ كلّ طريق منها، لا يخلو من شيء؛ كما ذكره الحافظ ابن حجر. وعلى تقدير صحّتها! يحمل على أنّه كان في حجره قبل الوفاة.

стр. 2026

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا أنّها قالت: رأيت رسول الله ﷺ وهو بالموت، وعنده قدح فيه ماء، وهو يدخل يده في القدح، ثمّ يمسح وجهه بالماء، ثمّ يقول: «اللهمّ؛ أعنّي على سكرات الموت» . وفي الحديث حلّ الاستناد للزّوجة، والبول في الطّست بحضرتها. (و) أخرج الإمام أحمد، والتّرمذي في «الجامع» ؛ و «الشمائل» - وقال في «الجامع» : حديث حسن غريب- وأخرجه ابن ماجه: كلّهم؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا أنّها قالت: رأيت رسول الله ﷺ وهو بالموت) - أي: مشغول به، ومتلبّس به- (وعنده قدح فيه ماء؛ وهو يدخل يده في القدح، ثمّ يمسح وجهه بالماء) ، لأنّه كان يغمى عليه من شدّة المرض ثم يفيق. قال «المناوي» : وفيه أنه يسنّ فعل ذلك لمن حضره الموت، لأنّ فيه نوع تخفيف؛ فإن لم يفعله فعل به. أي: ما لم يظهر كراهته. (ثمّ يقول: «اللهمّ أعنّي على سكرات الموت» ) : شدائده. قال بعض العلماء: فيه أنّ ذلك من شدّة الآلام والأوجاع؛ لرفعة منزلته، وقد قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لا أكره شدّة الموت لأحد بعد النّبيّ ﷺ . وقال الشّيخ أبو محمد المرجاني: تلك السّكرات سكرات الطّرب، ألا ترى إلى قول بلال لمّا قال له أهله- وهو في السّياق-: واكرباه!! ففتح عينيه؛ وقال: واطرباه!! غدا ألقى الأحبّة؛ محمدا وحزبه. فإذا كان هذا طربه وهو في حال السّياق بلقاء محبوبه؛ وهو النّبيّ ﷺ وحزبه، فما بالك بلقاء النّبيّ لربّه تعالى!! فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [١٧/ السجدة] .

стр. 2027

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا قالت: لا أغبط أحدا بهون موت بعد الّذي رأيت من شدّة موت رسول الله ﷺ . (و) أخرج الإمام أحمد، والتّرمذي في «الجامع» و «الشّمائل» ؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا قالت: لا أغبط) - بكسر الموحّدة- من الغبطة وهي: أن يتمنّى أن يكون له مثل ما للغير؛ من غير أن تزول عنه. وفي رواية: ما أغبط (أحدا بهون موت) ؛ أي: بسهولته (بعد الّذي رأيت من شدّة موت رسول الله ﷺ ومرادها بذلك إزالة ما تقرّر في النّفوس من تمنّي سهولة الموت، لأنّها لما رأت شدّة موته ﷺ علمت أنّها ليست علامة رديئة؛ بل مرضيّة، فليست شدّة الموت علامة على سوء حال الميت، كما قد يتوهّم، وليست سهولته علامة على حسن حاله؛ كما قد يتوهم أيضا. والحاصل: أنّ الشّدّة ليست أمارة على سوء؛ ولا ضدّه، والسّهولة ليست أمارة على خير؛ ولا ضدّه. وقد جاء عن النّبيّ ﷺ بيان الشّدّة الحاصلة بالموت، فقد روى الإمام أحمد بإسناد حسن؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «لم يلق ابن آدم شيئا قطّ منذ خلقه الله أشدّ عليه من الموت، ثمّ إنّ الموت لأهون ممّا بعده» . وأخرج الخطيب البغداديّ في «تاريخ بغداد» ؛ عن أنس: «لمعالجة ملك الموت أشدّ من ألف ضربة بالسّيف» انتهى. اللهمّ؛ خفّف عنّا سكرات الموت، والطف بنا عند نزع أرواحنا، وارحمنا إذا صرنا من أصحاب القبور؛ يا عزيز يا غفور. (و) أخرج التّرمذيّ في «الجامع» و «الشمائل» ، وقال في «الجامع» : إنّه حديث غريب، وعبد الرّحمن بن أبي بكر المليكي يضعّف من قبل حفظه؛

стр. 2028

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا قالت: لمّا قبض رسول الله ﷺ .. اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله ﷺ شيئا ما نسيته؛ قال: «ما قبض الله نبيّا إلّا في الموضع الّذي يحبّ أن يدفن فيه، ادفنوه في موضع فراشه» . (عن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا قالت: لمّا قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه؟) ؛ أي في أصل دفنه، هل يدفن أو لا؟ وفي محلّ دفنه: هل يدفن في مسجده؟ أو البقيع عند أصحابه؟ أو في الشّام؛ عند أبيه إبراهيم الخليل؟ أو في بلده مكّة المكرمة؟ فالاختلاف من وجهين: أصل الدّفن، ومحلّ الدّفن؟ كذا في «الباجوري» . قال بعضهم: هذا أوّل اختلاف وقع بين الصّحابة بعد موته، حتى أخبرهم أبو بكر وعليّ بما عندهما من العلم- كما سيأتي-؛ ذكره المناوي. (فقال أبو بكر) جوابا عن كلّ من السّؤالين: (سمعت من رسول الله ﷺ شيئا ما نسيته) ؛ إشارة إلى كمال استحضاره وحفظه. (قال: «ما قبض الله نبيّا؛ إلّا في الموضع الّذي يحبّ) الله؛ أو النّبيّ (أن يدفن) - بصيغة المجهول- (فيه» ) . ولا ينافيه نقل موسى ليوسف عليهما الصّلاة والسّلام من مصر إلى آبائه بفلسطين!؟ لاحتمال أن محبّة دفنه بمصر مؤقّتة بفقد من ينقله، على أن الظّاهر أن موسى إنّما فعله بوحي. وورد أن عيسى يدفن بجنبه ﷺ ؛ في السّهوة الخالية بينه ﷺ وبين الشّيخين. وأخذ منه بعضهم أنّ عيسى يقبض هناك في ذلك المحلّ المكرّم. (ادفنوه) - بكسر الفاء- (في موضع فراشه) ؛ أي: في المحلّ الّذي هو تحت فراشه، الّذي مات فيه من حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها.

стр. 2029

وعن عائشة أيضا وابن عبّاس: أنّ أبا بكر قبّل النّبيّ ﷺ بعد ما مات. وعن عائشة أيضا رضي الله تعالى عنها: أنّ أبا بكر دخل على النّبيّ ﷺ بعد وفاته، فوضع فمه بين عينيه، ووضع يديه على ساعديه، ... (و) أخرج البخاري؛ عن عائشة، والتّرمذيّ في «الجامع» و «الشّمائل» ، وابن ماجه؛ (عن عائشة أيضا وابن عبّاس) رضي الله تعالى عنهم قال التّرمذيّ في «الجامع» : وفي الباب عن ابن عباس؛ وجابر؛ وعائشة، قالوا: (إنّ أبا بكر) الصّدّيق رضي الله تعالى عنه (قبّل النّبيّ ﷺ بين عينيه تبرّكا واقتداء به ﷺ ؛ حيث قبّل عثمان بن مظعون (بعد ما مات) . فتقبيل الميت سنّة اقتداء بالنّبيّ ﷺ وبالصّدّيق رضي الله تعالى عنه. قال المحقّق ابن حجر المكّيّ في «فتح الإله شرح المشكاه» : إذا كان الميت صالحا سنّ لكلّ أحد تقبيل وجهه؛ التماسا لبركته، واتّباعا لفعله ﷺ في عثمان بن مظعون- كما سيأتي-. وإن كان غير صالح؟ جاز ذلك بلا كراهة، لنحو أهله وأصدقائه، لأنّه ربّما كان مخفّفا لما وجده من ألم فقده. ومع الكراهة لغير أهل الميت، إذ قد لا يرضى به لو كان حيّا من غير قريبه وصديقه. ومحلّ ذلك كلّه ما لم يحمل التّقبيل فاعله على جزع أو سخط؛ كما هو الغالب من أحوال النّساء، وإلّا حرم أو كره. انتهى كلام «ابن حجر» ؛ نقله ابن علّان في «شرح الأذكار» . (و) أخرج التّرمذيّ في «الشمائل» ؛ (عن عائشة أيضا رضي الله تعالى عنها أنّ أبا بكر) الصّدّيق (دخل على النّبيّ ﷺ بعد وفاته، فوضع فمه بين عينيه) وقبّله، (ووضع يديه على ساعديه) - الأقرب ما في «المواهب» : على صدغيه. لأنّه هو

стр. 2030

وقال: وانبيّاه، واصفيّاه، واخليلاه. وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: لمّا كان اليوم الّذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة.. أضاء منها كلّ شيء، فلمّا كان اليوم الّذي مات فيه.. أظلم منها كلّ شيء، ... المناسب للعادة- (وقال) من غير انزعاج وقلق وجزع وفزع، بل بخفض صوت (: وانبيّاه؛ واصفيّاه؛ واخليلاه) بهاء سكت في الثّلاثة، تزاد ساكنة لإظهار الألف الّتي أتى بها ليمتدّ الصوت به. وهذا يدلّ على جواز عدّ أوصاف الميت بلا نوح، بل ينبغي أن يندب، لأنّه من سنّة الخلفاء الرّاشدين، والأئمّة المهديين. وقد صار ذلك عادة في رثاء العلماء، بحضور المحافل العظيمة، والمجالس الفخيمة. قال في «جمع الوسائل» : وفي رواية أحمد أنّ أبا بكر أتاه من قبل رأسه فحدر فاه؛ فقبّل جبهته، ثمّ قال: وانبيّاه. ثمّ رفع رأسه وحدر فاه؛ وقبّل جبهته، ثمّ قال: وا صفيّاه. ثمّ رفع رأسه وحدر فاه؛ وقبّل جبهته، وقال: واخليلاه. وفي رواية ابن أبي شيبة: فوضع فمه على جبينه؛ فجعل يقبّله ويبكي، ويقول: بأبي أنت وأمّي؛ طبت حيّا وميتا. انتهى. (و) أخرج ابن ماجه، والتّرمذيّ في «الشمائل» ؛ (عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: لمّا كان اليوم الّذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة) الشّريفة (أضاء) أي: استنار (منها) ؛ أي: المدينة الشّريفة (كلّ شيء) نورا حسّيّا ومعنويا، لأنّه ﷺ نور الأنوار، والسّراج الوهّاج، ونور الهداية العامّة، ورفع الظلمة الطّامة. (فلمّا كان اليوم الّذي مات فيه) ﷺ (أظلم منها كلّ شيء) لفقد النّور،

стр. 2031

وما نفضنا أيدينا من التّراب، وإنّا لفي دفنه حتّى أنكرنا قلوبنا. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: توفّي رسول الله ﷺ يوم الإثنين. وعن محمّد الباقر رضي الله تعالى عنه- وهو من التّابعين- قال: قبض رسول الله ﷺ يوم الإثنين، فمكث ذلك اليوم، وليلة الثّلاثاء، ودفن من اللّيل. والسّراج منها؛ فذهب ذلك النّور بموته. (و- ما-) نافية (نفضنا أيدينا من التّراب) ؛ أي: تراب قبره الشّريف، ونفض الشّيء: تحريكه ليزول عنه الغبار (وإنّا) - بالكسر، أي: والحال إنّا- (لفي) معالجة (دفنه حتّى أنكرنا) بصيغة الماضي (قلوبنا) أي: تغيّرت حالها بوفاة النّبيّ ﷺ عمّا كانت عليه من الرّقّة والصّفاء؛ لانقطاع ما كان يحصل لهم منه ﷺ من التعليم، وبركة الصّحبة، وليس المراد أنّهم لم يجدوا قلوبهم على ما كانت عليه من التّصديق!!، لأنّ إيمانهم لم ينقص بوفاته ﷺ . (و) أخرج الإمام أحمد، والبخاريّ؛ والتّرمذي في «الشّمائل» كلّهم؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها) أنّها (قالت: توفّي رسول الله ﷺ ؛ أي: توفّاه الله تعالى بقبض روحه (يوم الاثنين) كما هو متفق عليه بين أرباب النّقل. (و) أخرج التّرمذي في «الشّمائل» قال: حدّثنا محمّد بن أبي عمر؛ قال: حدّثنا سفيان بن عيينة؛ (عن) جعفر الصّادق؛ عن أبيه (محمّد الباقر) بن عليّ زين العابدين ابن سيدنا الحسين السّبط (رضي الله تعالى عنه) وعنهم أجمعين؛ (وهو) أي: محمّد الباقر (من التّابعين) فالحديث مرسل؛ (قال: قبض رسول الله ﷺ يوم الاثنين، فمكث) - بضمّ الكاف؛ وفتحها، أي: لبث بلا دفن- (ذلك اليوم) الذي هو يوم الاثنين (وليلة الثّلاثاء) بالمدّ (ودفن من اللّيل) ؛ أي في ليلة الأربعاء وسط اللّيل، وقيل: دفن ليلة الثلاثاء، وقيل: يوم

стр. 2032

وعن سالم بن عبيد رضي الله تعالى عنه- وكانت له صحبة- قال: أغمي على رسول الله ﷺ في مرضه، ... الثّلاثاء، والأوّل عليه الأكثر. وأما غسله وتكفينه، ففعلت يوم الثّلاثاء؛ كما في «المواهب» . وإنّما أخّر دفنه ﷺ مع أنّه يسنّ تعجيله!! لعدم اتّفاقهم على دفنه، ومحلّ دفنه، ولدهشتهم من ذلك الأمر الهائل، الّذي لم يقع قبله ولا بعده مثله. وذلك لأنّه لمّا وقعت هذه المصيبة العظمى والبليّة الكبرى؛ وقع الاضطراب بين الأصحاب، كأنّهم أجساد بلا أرواح!! وأجسام بلا عقول!! حتّى إنّ منهم من صار عاجزا عن النّطق! ومنهم من صار ضعيفا نحيفا! وبعضهم صار مدهوشا! وشكّ بعضهم في موته، وكان محلّ الخوف من هجوم الكفّار، وتوهّم وقوع المخالفة في أمر الخلافة بين الأبرار، فاشتغلوا بالأمر الأهمّ؛ وهو البيعة لما يترتّب على تأخيرها من الفتنة، وليكون لهم إمام يرجعون إليه فيما ظهر لهم من القضيّة؛ فنظروا في الأمر، فبايعوا أبا بكر، ثمّ بايعوه من الغد بيعة أخرى، وكشف الله به الكربة، من أهل الرّدّة، ثمّ رجعوا إلى النّبيّ ﷺ فغسّلوه، وصلّوا عليه ودفنوه، بملاحظة رأي الصّدّيق رضي الله تعالى عنه. والله وليّ التّوفيق؛ قاله في «جمع الوسائل» . (و) أخرج التّرمذيّ في «الشّمائل» ؛ قال: حدّثنا نصر بن علي الجهضمي؛ قال: حدّثنا عبد الله بن داود؛ قال: حدّثنا سلمة بن نبيط؛ قال: أخبرنا عن نعيم بن أبي هند عن نبيط بن شريط؛ (عن سالم بن عبيد) - بالتّصغير- الأشجعيّ: صحابيّ من أهل الصّفّة (رضي الله تعالى عنه) ، خرّج له الأربعة، ومسلم، ولذلك قال المصنّف تبعا ل «الشّمائل» : (وكانت له صحبة؛ قال: أغمي) - بصيغة المجهول- (على رسول الله ﷺ في مرضه) لشدّة ما حصل له من الضّعف، وفتور الأعضاء، فالإغماء جائز على الأنبياء، لأنّه من المرض.

стр. 2033

فأفاق، فقال: «حضرت الصّلاة؟» ، فقالوا: نعم، فقال: «مروا بلالا فليؤذّن، ومروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» . قال: ثمّ أغمي عليه، فأفاق، فقال: «حضرت الصّلاة؟» ، فقالوا: نعم، فقال: «مروا بلالا فليؤذّن، ومروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» . فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: إنّ أبي رجل أسيف- أي: حزين- ... وقيّده الغزاليّ بغير الطويل، وجزم به البلقيني، بخلاف الجنون، فليس جائزا عليهم؛ لأنّه نقص، وليس إغماؤهم كإغماء غيرهم! لأنّه إنّما يستر حواسّهم الظّاهرة؛ دون قلوبهم، لأنّه إذا عصمت عن النّوم فعن الإغماء أولى. (فأفاق) من الإغماء بأن رجع إلى الشّعور؛ (فقال: «حضرت الصّلاة؟» ) ؛ أي: صلاة العشاء الآخرة؛ كما ثبت عند البخاري وهو استفهام بحذف الهمزة، أي: أحضر وقتها؟. (فقالوا: نعم) أي: حضرت الصّلاة. (فقال: «مروا بلالا) ؛ أي: بلّغوا أمري بلالا (فليؤذّن) - بفتح الهمزة، وتشديد الذّال- من التّأذين، أي: فليناد بالصّلاة. (ومروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» ) ؛ إماما لهم. (قال: ثمّ أغمي عليه، فأفاق، فقال: «حضرت الصّلاة؟» فقالوا: نعم. فقال: «مروا بلالا فليؤذّن، ومروا أبا بكر؛ فليصلّ بالنّاس» . فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: إنّ أبي رجل أسيف) فعيل بمعنى فاعل؛ من الأسف؛ وهو شدّة الحزن، (أي حزين) ؛ أي: يغلب عليه الحزن والبكاء،

стр. 2034

إذا قام ذلك المقام.. بكى، فلا يستطيع، فلو أمرت غيره. قال: ثمّ أغمي عليه، فأفاق، فقال: «مروا بلالا فليؤذّن، ومروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس، فإنّكنّ صواحب- أو صواحبات- يوسف» ؛ أي: مثلهنّ في إظهار خلاف ما يبطنّ. ولا يطيق أن يشاهد محلّ المصطفى ﷺ خاليا منه، فلا يتمكّن من الإمامة، والقراءة، وهذا معنى قولها: (إذا قام ذلك المقام) الّذي هو مقام الإمامة (بكى) ؛ حزنا عليك (فلا يستطيع) ؛ أي: لا يقدر على الصّلاة بالنّاس، لغلبة البكاء عليه (فلو أمرت غيره؟!) لكان حسنا فجواب «لو» محذوف إن كانت شرطية، ويحتمل أنّها للتمنّي فلا جواب لها. (قال) ؛ أي: سالم بن عبيد (: ثمّ أغمي عليه، فأفاق، فقال: «مروا بلالا فليؤذّن، ومروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس، فإنّكنّ صواحب) - جمع صاحبة- (أو صواحبات) جمع صواحب؛ فهو جمع الجمع- (يوسف؛ أي: مثلهنّ في إظهار خلاف ما يبطنّ) - بتشديد النون- حتّى يصلن إلى أغراضهنّ، فالخطاب؛ وإن كان بلفظ الجمع لكنّ المراد به واحدة؛ وهي عائشة، وكذلك الجمع في قوله «صواحب» المراد به: امرأة العزيز، فهو من قبيل التّشبيه البليغ. ووجه الشّبه: أنّ زليخا استدعت النّسوة، وأظهرت لهنّ الإكرام بالضّيافة؛ وأضمرت زيادة على ذلك، وهي: أن ينظرن إلى حسن يوسف ﵊ فيعذرنها في حبّه. وعائشة رضي الله تعالى عنها أظهرت أنّ سبب محبّتها صرف الإمامة عن أبيها، أنّه رجل أسيف، وأنه لا يستطيع ذلك، وأضمرت زيادة على ذلك هي ألايتشاءم النّاس به. فقد روى البخاريّ عنها: لقد راجعته، وما حملني على كثرة المراجعة إلّا أنّه لم يقع في قلبي أن يحبّ النّاس رجلا قام مقامه أبدا، وأنّه لن يقوم أحد مقامه إلّا تشاءم النّاس به.

стр. 2035

قال: فأمر بلال فأذّن، وأمر أبو بكر فصلّى بالنّاس، ثمّ إنّ رسول الله ﷺ وجد خفّة فقال: «انظروا لي من أتّكىء عليه» ، فجاءت بريرة ورجل آخر؛ ... قال في «جمع الوسائل» : وقد يقال: الخطاب لعائشة وحفصة، وجمع إمّا تعظيما لهما، أو تغليبا لمن معهما من الحاضرات؛ أو الحاضرين، أو بناء على أنّ أقلّ الجمع اثنان. ويعضده أنّ هذا الحديث أي «أغمي ... » إلى آخره روى الشّيخان بعضه، ومنه قوله: «مروا أبا بكر، فليصلّ بالنّاس» ، وأنّ عائشة أجابته، وأنّه كرّر ذلك؛ فكرّرت الجواب، وأنّه قال: «إنّكنّ صواحب يوسف، أو صواحبات يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» . وفي البخاريّ: «فمر عمر فليصلّ بالنّاس» . وأنّها قالت لحفصة: أنّها تقول له ما قالته عائشة، فقال لها: «مه إنّكنّ لأنتنّ صواحب يوسف! مروا أبا بكر. فليصلّ بالنّاس» . فقالت لها حفصة: ما كنت لأصيب منك خيرا. انتهى. (قال) ؛ أي سالم بن عبيد (فأمر بلال) - بصيغة المجهول- (فأذّن، وأمر أبو بكر فصلّى بالنّاس) تلك الصّلاة، واستمرّ يصلّي بهم إلى تمام سبع عشرة صلاة؛ كما نقله الحافظ الدّمياطيّ أولاها عشاء ليلة الجمعة، وآخرها صبح يوم الاثنين الّذي توفّي فيه رسول الله ﷺ ؛ كذا قاله الباجوري كالمناوي. (ثمّ إنّ رسول الله ﷺ وجد خفّة) من مرضه؛ (فقال: «انظروا لي) ؛ أي أحضروا لي (من أتّكىء) ؛ أي: أعتمد (عليه» ) لآخرج للصّلاة. (فجاءت بريرة) - بفتح الموحّدة، وكسر الرّاء المهملة الأولى مكبّرا؛ وهي: بنت صفوان مولاة عائشة قبطيّة، أو حبشيّة، لها حديث واحد. (ورجل آخر) جاء في رواية: أنّه نوبة- بضمّ النّون، وسكون الواو- وهو عبد أسود، ووصف باخر!! للإيضاح. وفي رواية الشيخين: فخرج بين رجلين؛
следующие страницы →