تغسل بطن أحدكم كما تغسل إحداكنّ وجهها من الوسخ» .
و (التّلبين والتّلبينة) : الحساء الرّقيق الّذي هو في قوام اللّبن.
قال الهرويّ: سمّيت تلبينة؛ لشبهها باللّبن لبياضها ورقّتها، وهذا هو الغذاء النّافع للعليل، وهو الرّقيق النّضيج، لا الغليظ النّيء،
(تغسل بطن أحدكم) من الدّاء (كما تغسل إحداكنّ) - كذا في «زاد المعاد» - (وجهها) - وفي «المسند» : «كما يغسل أحدكم وجهه بالماء» - (من الوسخ» )
تحقيق لوجه الشّبه: قال الموفّق البغداديّ: إذا شئت [معرفة] منافع التلبينة؛ فاعرف منافع ماء الشّعير، سيّما إذا كان نخالة، فإنّه يجلو وينفذ بسرعة، ويغذّي غذاء لطيفا، وإذا شرب حارا كان أجلى وأقوى نفوذا. انتهى «مناوي» .
(والتّلبين والتّلبينة) - بهاء- قال ابن القيّم: هو (الحساء) بالفتح والمدّ (الرّقيق) - بالرّاء- (الّذي) يعمل من دقيق أو نخالة، و (هو في قوام اللّبن) ، وربّما جعل فيها عسل.
(قال) الإمام اللّغويّ أحمد بن محمّد بن عبد الرّحمن الباشاني: أبو عبيد (الهرويّ) نسبة إلى «هراة» المتوفّى في رجب سنة: إحدى وأربعمائة هجرية، قرأ على جماعة منهم: أبو سليمان الخطّابي. وكان اعتماده وشيخه الّذي يفتخر به أبا منصور محمد بن أحمد الأزهري صاحب كتاب «التّهذيب» في اللّغة، وله من المؤلّفات كتاب «الغريبين» أي: «غريب القرآن» ، و «غريب الحديث» ، وهو السّابق إلى الجمع بينهما- فيما علمنا-، وله كتاب «ولاة هراة» رحمه الله تعالى.
قال في كتاب «الغريبين» : (سمّيت تلبينة لشبهها باللّبن؛ لبياضها ورقّتها) ، وهي تسمية بالمرّة من التّلبين؛ مصدر لبّن القوم: إذا سقاهم اللّبن.
(وهذا) التّلبين (هو الغذاء) بكسر الغين المعجمة؛ مثل كتاب: ما يغتذى به من الطّعام والشّراب (النّافع للعليل) ؛ أي: المريض، (وهو الرّقيق) - بالرّاء- (النّضيج) لأنّه ينفذ بسرعة، ويغذّي غذاء لطيفا، (لا الغليظ النّيء) مهموز وزان
стр. 1962
وإذا شئت أن تعرف فضل التّلبينة.. فاعرف فضل ماء الشّعير، فإنّها حساء يتّخذ من دقيق الشّعير.
وفي «الصّحيحين» : عن عائشة رضي الله تعالى عنها ...
«حمل» : كلّ شيء شأنه أن يعالج بطبخ أو شيّ ولم ينضج.
(وإذا شئت أن تعرف فضل التّلبينة) ؛ أي: امتيازها على غيرها في التّغذية؛ (فاعرف فضل ماء الشّعير، فإنّها) ؛ أي: التّلبينة (حساء) - بالحاء والسّين المهملتين- (يتّخذ) ؛ أي: يصنع (من دقيق الشّعير) بنخالته، والفرق بينها وبين ماء الشّعير: أنّه يطبخ صحاحا، والتّلبينة تطبخ منه مطحونا، وهي أنفع منه؛ لخروج خاصيّة الشّعير بالطّحن.
وللعادات تأثير في الانتفاع بالأدوية والأغذية، ومن أمثلتهم: داووا الأجساد بما تعتاد. وكانت عادة القوم أن يتّخذوا ماء الشّعير منه مطحونا؛ لا صحاحا وهو أكثر تغذية؛ وأقوى فعلا؛ وأعظم جلاء.
وإنّما اتّخذه أهل المدن صحاحا!! ليكون أرقّ وألطف. فلا يثقل على طبيعة المريض، وهذا بحسب طبائع أهل المدن ورخاوتها وثقل ماء الشّعير المطحون عليها.
والمقصود: أنّ ماء الشّعير مطبوخا صحاحا ينفذ سريعا، ويجلو جلاء ظاهرا، ويغذّي غذاء لطيفا، وإذا شرب حارّا كان جلاؤه أقوى، ونفوذه أسرع، وإنماؤه للحرارة الغريزيّة أكثر. انتهى «زاد المعاد» .
(و) أخرج البخاريّ ومسلم (في «الصّحيحين» ) : كتاب «الأطعمة والطّبّ» ؛
(عن) أمّ المؤمنين (عائشة) الصّدّيقة بنت الصّدّيق؛ زوج النّبيّ ﷺ (رضي الله تعالى عنها) أنّها كانت إذا مات الميت من أهلها، فاجتمع لذلك النّساء. ثمّ تفرّقن إلّا أهلها وخاصّتها أمرت ببرمة من تلبينة؛ فطبخت، ثم صنع
стр. 1963
قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «التّلبينة:
مجمّة لفؤاد المريض؛ تذهب ببعض الحزن» .
وروى التّرمذيّ وابن ماجه: عن عقبة بن عامر الجهنيّ ...
ثريد؛ فصبّت التّلبينة عليها، ثمّ (قالت:) كلن منها فإنّي (سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«التّلبينة) - بفتح المثنّاة الفوقيّة، وسكون اللّام، وكسر الموحّدة، بعدها تحتانيّة، ثم نون ثمّ هاء- (مجمّة) - بفتح الميمين، والجيم، والميم الثّانية مشدّدة، وتكسر الجيم، وبضمّ الميم وكسر الجيم؛ اسم فاعل، والأوّل أشهر، أي: مريحة- (لفؤاد المريض) - أي: تريح قلبه، وتسكّنه؛ وتقوّيه، وتزيل عنه الهمّ، وتنشّطه بإخمادها للحمّى؛ من الإجمام وهو الرّاحة، فلا حاجة لما تكلّفه بعض الأعاجم من تأويل الفؤاد، برأس المعدة. فتدبّر!!
(تذهب) - بفتح الفوقيّة، والهاء- (ببعض الحزن) - بضمّ الحاء المهملة وسكون الزّاي- فإنّ فؤاد المريض يضعف باستيلاء اليبس على أعضائه، وعلى معدته؛ لقلّة الغذاء، وهذا الطّعام يرطّبها، ويقوّيها. ولذا كانت عائشة تفعله لأهل الميت؛ لتسكين حزنهم.
(وروى) الإمام أحمد و (التّرمذيّ وابن ماجه) في «الطّبّ» ، وقال التّرمذيّ: حسن غريب. وقال في «الأذكار» : فيه بكر بن يونس بن بكير، وهو ضعيف. وفي «الزوائد» : إسناده حسن، لأنّ بكر بن يونس مختلف فيه. وباقي رجال الإسناد ثقات. انتهى.
وكذا رواه الحاكم كلّهم؛ (عن) أبي حمّاد (عقبة بن عامر) بن عبس بن عمرو (الجهنيّ) نسبة لجهينة الصّحابيّ الجليل. كان من أحسن النّاس صوتا بالقرآن.
وشهد فتوح الشّام، وكان هو البريد إلى عمر بن الخطّاب ﵁ يبشّره
стр. 1964
رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكرهوا مرضاكم على الطّعام والشّراب؛ فإنّ الله يطعمهم ويسقيهم» .
وكان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهل بيته..
بفتح دمشق. ووصل المدينة في سبعة أيّام، ورجع منها إلى الشّام في يومين ونصف، بدعائه عند قبر رسول الله ﷺ وتشفعّه به؛ في تقريب طريقه.
وسكن دمشق وكانت له دار في ناحية قنطرة «سنان» من «باب توما» وسكن مصر ووليها لمعاوية بن أبي سفيان سنة أربع وأربعين.
وتوفّي بها سنة ثمان وخمسين هجرية.
روي له عن النّبي ﷺ خمسة وخمسون حديثا. اتّفقا منها على تسعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بتسعة.
روى عنه جابر بن عبد الله؛ وابن عبّاس؛ وغيرهما من الصّحابة وخلائق من التّابعين (رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكرهوا مرضاكم على) تناول (الطّعام والشّراب) إذا عافوه للمرض الذّي قام بهم.
قال الموفّق: ما أكثر فوائد هذه الكلمة النّبوية للأطّبّاء!! لأنّ المريض إذا عاف الطّعام أو الشّراب؛ فذلك لاشتغال طبيعته بمجاهدة مادّة المرض، أو سقوط شهوته لموت الحارّ الغريزيّ. وكيفما كان فإعطاء الغذاء في هذه الحالة غير لائق. انتهى شروح «الجامع الصّغير» . ولفظ: الشّراب ليس في رواية التّرمذيّ.
(فإنّ الله يطعمهم ويسقيهم» ) . قال «المناوي» : أي يحفظ قواهم، ويمدّهم بما يقع موقع الطّعام والشّراب في حفظ الرّوح، وتقويم البدن.
وقال العلقمي: أي: يشبعهم ويرويهم؛ من غير تناول طعام وشراب. انتهى.
(و) أخرج مسلم في «صحيحه» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
(كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهل بيته) - وفي رواية لمسلم: «من
стр. 1965
نفث عليه بالمعوّذات.
وفي «الصّحيحين» : عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الحمّى- أو شدّة الحمّى- من فيح جهنّم، ...
أهله» - (نفث) ؛ أي: نفخ (عليه) نفخا لطيفا، بلا ريق (بالمعوّذات) - بكسر الواو- وإنما خصّ المعوّذات!! لأنّهنّ جامعات للاستعاذة من كلّ مكروه جملة وتفصيلا، ففيها الاستعاذة من شرّ ما خلق؛ فيدخل فيه كلّ شيء، ومن شرّ النّفّاثات في العقد؛ وهنّ السّواحر، ومن شرّ حاسد إذا حسد، ومن شرّ الوسواس الخنّاس.
وفائدة التّفل: التّبرّك بتلك الرّطوبة؛ أو الهواء المباشر لريقه.
قال النّووي فيه استحباب النّفث في الرّقية، وعليه الجمهور من الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم، وكان مالك ينفث إذا رقى نفسه، وكان يكره الرّقية بالحديد؛ والملح؛ والّذي يعقد؛ والّذي يكتب «خاتم سليمان» ؛ والعقد عنده أشدّ كراهة، لما في ذلك من مشابهة السّحر.
وفيه ندب الرّقية بنحو القرآن، وكرهه البعض بغسالة ما يكتب منه، أو من الأسماء. انتهى شروح «الجامع الصّغير» .
(و) أخرج البخاريّ ومسلم (في «الصّحيحين» ) من رواية نافع؛ (عن ابن عمر) بن الخطّاب (رضي الله تعالى عنهما أنّ النّبيّ ﷺ قال:
«إنّ الحمّى- أو شدّة الحمّى- من فيح جهنّم» ) كذا في «المواهب» وتعقّبه الزرقاني: بأنّه لم يجده في واحد من «الصحيحين» بهذا اللّفظ!!
وإنّما الّذي في البخاريّ في «الطّبّ» ؛ من رواية مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا: «الحمّى من فيح جهنّم، فأطفئوها بالماء» . وفيه في «صفة جهنّم؛ من بدء الخلق» من رواية عبيد الله؛ عن نافع؛ عن ابن عمر مرفوعا: «الحمّى من فيح جهنّم، فابردوها بالماء» بدل قوله «فأطفئوها» .
стр. 1966
.........
وكذا رواه مسلم؛ من طريق يحيى بن سعيد؛ عن عبيد الله؛ عن نافع، بلفظ: «فابردوها» .
رواه من طريق مالك؛ عن نافع؛ باللّفظ الأوّل- وهو «فأطفئوها» - ورواه من وجه آخر؛ عن عبيد الله؛ عن نافع؛ عن ابن عمر؛ عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ شدّة الحمّى من فيح جهنّم، فأطفئوها بالماء» . انتهى.
وعندي أنّ الأمر سهل، ومراد المصنّف كالقسطلّاني: أنّ هذا اللّفظ موجود في «الصحيحين» ، من رواية ابن عمر بن الخطّاب؛ سواء كان من وجه واحد، أو متعدّد فتعقّب الزّرقاني وارد على تعيين رواية مخصوصة بهذا اللّفظ. والله أعلم.
وقوله: «من فيح جهنّم» !! بفتح الفاء؛ وسكون التحتيّة؛ فحاء مهملة آخره. وفي رواية ل «الصحيحين» «من فور» - بالرّاء، بدل الحاء- وفي رواية للبخاري: «من فوح» - بالواو، بدل التّحتيّة- وكلّها بمعنى، والمراد: سطوع حرّها ووهجه.
قال في «المواهب» : اختلف في نسبتها إلى جهنّم!؟ فقيل: حقيقة.
واللهب الحاصل في جسم المحموم قطعة من جهنّم.
وقدّر الله ظهورها في الدّنيا!! - بأسباب تقتضيها؛ نذيرا للجاحدين، وبشيرا للمقرّبين، ليعتبر العباد بذلك. فالتّعذيب بها يختلف باختلاف محلّه، فيكون للمؤمن تكفيرا لذنوبه، وزيادة في أجوره، وللكافر عقوبة؛ وانتقاما.
كما أنّ أنواع الفرح واللّذة من نعيم الجنّة؛ أظهرها الله سبحانه في هذه الدّار الدّنيا عبرة ودلالة على ما عنده تعالى.
وإنّما طلب ابن عمر كشف العذاب الحاصل بالحمّى- كما في البخاري؛ عقب الحديث، قال نافع: وكان عبد الله يقول: اللهم اكشف عنا الرّجز؛ أي:
العذاب- مع ما فيه من الثّواب!! لمشروعيّة طلب العافية من الله، إذ هو قادر على
стр. 1967
فابردوها بالماء» .
وقد ذكر أبو نعيم وغيره: من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، يرفعه إلى النّبيّ ﷺ : ...
أن يكفّر السّيئات لعبده، ويعظم ثوابه، من غير أن يصيبه شيء يشقّ عليه. انتهى كلام «المواهب» مع الزرقاني.
(فابردوها بالماء» ) بهمزة وصل، والرّاء مضمومة على المشهور في الرّواية؛ من بردت والحمّى أبردها بردا؛ بوزن قتلتها أقتلها قتلا، أي: أسكنت حرارتها.
وحكي كسر الراء؛ مع وصل الهمزة، وحكى عياض: رواية بهمزة قطع مفتوحة، وكسر الرّاء؛ من أبرد الشيّء: إذا عالجه فصيّره باردا، مثل: أسخنته إذا صيّرته سخنا. وهي لغة رديئة.
وفي «المواهب» ؛ عن الخطّابي: أولى ما يحمل عليه كيفية تبريد الحمّى بالماء: ما صنعته أسماء بنت الصّدّيق رضي الله تعالى عنها المرويّ في «الموطأ» و «الصحيحين» ؛ عن أسماء: أنّها كانت إذا أتيت بالمرأة قد حمّت تدعو لها؛ أخذت الماء فصبّته بينها وبين جيبها، قالت: وكان ﷺ يأمرنا أن نبردها بالماء.
والصّحابيّ؛ ولا سيّما مثل أسماء الّتي كانت ممّن يلازم بيت النّبي ﷺ أعلم بالمراد من غيرها. والله أعلم.
والّذي يظهر لي أن ذلك لا يتعيّن، فإنّ الإبراد بالماء يحصل بأيّ كيفيّة كانت، كما هو إطلاق الحديث، وذلك بحسب ما يراه المحموم نافعا لإطفاء حرارة الحمّى، وقد كنت إذا اشتدّت بي الحمّى أذهب فأنغمس في الماء، فأجد ذلك يخفّف عنّي حرارة الحمّى؛ خصوصا إذا كان الماء باردا طبيعيا، فإنّه أنفع في تبريد الحمّى. والله أعلم.
(وقد ذكر أبو نعيم وغيره) ؛ كالطّبرانيّ والحاكم بسند قوي (من حديث أنس رضي الله تعالى عنه يرفعه إلى النّبيّ ﷺ :
стр. 1968
«إذا حمّ أحدكم.. فليرشّ عليه الماء البارد ثلاث ليال من السّحر» .
وفي «السّنن» لابن ماجه: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، يرفعه إلى النّبيّ ﷺ : «الحمّى كير من كير جهنّم، فنحّوها عنكم بالماء البارد» .
وفي «المسند» وغيره: عن سمرة ...
«إذا حمّ أحدكم) - بالضّمّ والتّشديد-: أصابته الحمّى (فليرشّ عليه) ؛ أي:
على نفسه (الماء البارد ثلاث ليال من السّحر» ) ؛ أي: قبيل الصّبح.
فهذا الحديث المرفوع يؤيّد فعل أسماء، فيكون المراد بالإبراد الرّشّ؛ لا الاغتسال. قال الزّرقانيّ: وقد علمت أنّ ذلك غير متعيّن.
(وفي «السّنن» ) في «كتاب الطّبّ» (لابن ماجه) - بالهاء وصلا ووقفا- (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) - وفي «الزّوائد» : إسناده صحيح؛ ورجاله ثقات- (يرفعه إلى النّبيّ ﷺ : «الحمّى كير) - بكسر الكاف؛ وسكون المثنّاة التّحتيّة-: زقّ ينفخ فيه الحدّاد (من كير جهنّم) فيه: تشبيه، أي: حرارتها الواصلة للبدن كحرارة جهنّم الواصلة بالكير الآلة المعروفة للحداد، وفيه من المبالغة ما لا يخفى. انتهى «حفني» .
(فنحّوها عنكم بالماء البارد» ) شربا وغسل أطراف، لأنّ البارد رطب ينساغ لسهولته. فيصل للطافته إلى أماكن العلّة، من غير حاجة إلى معاونة الطّبيعة. انتهى «زرقاني» .
(وفي «المسند» ) للإمام أحمد (وغيره) ؛ من حديث الحسن البصريّ.
(عن) أبي سعيد (سمرة) بن جندب- بضمّ الدّال وفتحها- ابن هلال الفزاري. توفّي أبوه وهو صغير؛ فقدمت به أمّه المدينة، فتزوّجها أنصاريّ، وكان في حجره حتّى كبر. قيل: أجازه النّبيّ ﷺ في المقاتلة يوم أحد، وغزا مع رسول الله ﷺ غزوات، ثمّ سكن البصرة.
стр. 1969
رضي الله تعالى عنه، يرفعه إلى النّبيّ ﷺ :
«الحمّى قطعة من النّار، فأبردوها عنكم بالماء البارد» .
وفي «السّنن» : من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
ذكرت الحمّى عند رسول الله ﷺ ، فسبّها رجل، فقال رسول الله ﷺ : «لا تسبّها؛ فإنّها تنفي الذّنوب، كما تنفي النّار خبث الحديد» .
روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وثلاثة وعشرون حديثا؛ اتّفقا منها على حديثين، وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بأربعة.
روى عنه خلق منهم: الحسن، وابن سيرين، والشّعبيّ.
وتوفّي بالبصرة سنة تسع- وقيل: ثمان- وخمسين. قال البخاريّ: توفي سمرة بعد أبي هريرة. يقال: آخر سنة تسع وخمسين، ويقال: سنة ستّين (رضي الله تعالى عنه.
يرفعه إلى النّبيّ ﷺ : «الحمّى قطعة من النّار) ؛ أي: نار جهنّم: جعلها الله في الدنيا (فابردوها عنكم بالماء البارد» ) ؛ شربا وغسل أطراف، أو جميع الجسد، على ما يليق بالزّمان والمكان. انتهى «زرقاني» .
وقال السّيوطي: قد تواتر الأمر بإبرادها بالماء، وأصحّ كيفيّاته: أن يرشّ بين الصّدر والجيب. انتهى نقله المناوي.
(وفي «السّنن» ) لابن ماجه- وفي سنده موسى بن عبيدة وهو ضعيف- (من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
ذكرت الحمّى عند رسول الله ﷺ فسبّها رجل!! فقال رسول الله ﷺ :
«لا تسبّها؛ فإنّها تنفي الذّنوب) ؛ أي: تكفّر خطايا المؤمنين (كما تنفي النّار خبث) - بفتحتين أي: وسخ- (الحديد» ) لمّا كانت الحمّى يتبعها حمية عن الأغذية الرّديئة، وتناول الأغذية والأدوية النّافعة، وفي ذلك إعانة على تنقية البدن
стр. 1970
.........
ونفي أخباثه وفضوله، وتصفيته من موادّه الرّديئة، وتفعل فيه كما تفعل النّار في الحديد؛ من نفي خبثه، وتصفية جوهره؛ كانت أشبه الأشياء بنار الكير الّتي تصفّي جوهر الحديد، وهذا القدر هو المعلوم عند أطبّاء الأبدان.
وأمّا تصفيتها القلب من وسخه ودرنه، وإخراجها خبائثه! فأمر يعلمه أطبّاء القلوب، ويجدونه كما أخبرهم به نبيّهم رسول الله ﷺ ، ولكنّ مرض القلب إذا صار مأيوسا من برئه لم ينفع فيه العلاج.
فالحمّى تنفع البدن والقلب، وما كان بهذه المثابة؛ فسبّه ظلم وعدوان.
انتهى. من «زاد المعاد» .
وقال السّيوطي: هي طهور من الذّنوب، وتذكرة للمؤمن بنار جهنّم كي يتوب.
ولها منافع بدنيّة، وماثر سنيّة؛ فإنّها تنقّي البدن، وتنفي عنه العفن، وربّ سقم أزليّ؛ ومرض عولج منه زمانا- وهو ممتلئ- فلمّا طرأت عليه أبرأته، فإذا هو منجل، وربّما صحّت الأجساد بالعلل.
وذكروا أنّها تفتح كثيرا من السّدد وتنضح من الأخلاط والموادّ ما فسد، وتنفع من الفالج، واللّقوة «١» ؛ والتّشنج الامتلائيّ؛ والرّمد. انتهى. نقله المناوي.
ولما نظر جماعة من السّلف ما في الحمّى من الفوائد؛ دعوا على أنفسهم بملازمة الحمّى لهم إلى توفيهم.
وممّن دعا بذلك سعد بن معاذ، وكذا أبي «٢» دعا على نفسه ألايفارقه الوعك حتى يموت، ولا يشغله عن حجّ؛ ولا عمرة؛ ولا جهاد؛ ولا صلاة جماعة، فما مسّ رجل جلده بعدها إلّا وجد حرّها حتّى مات.
стр. 1971
وروى التّرمذيّ في «جامعه» : من حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ ﷺ قال: «إذا أصاب أحدكم الحمّى؛ فإنّ الحمّى قطعة من النّار، فليطفئها عنه بالماء، ...
وقد قال بعض من اقتفى آثارهم، وتدثر دثارهم:
زارت محمّصة الذّنوب لصبّها ... أهلا بها من زائر ومودّع
قالت- وقد عزمت على تر حالها-: ... ماذا تريد؟ فقلت: ألاتقلعي
انتهى «مناوي» .
(وروى التّرمذيّ في «جامعه» ) في «الطبّ» بسند فيه راو لم يسمّ، وراو مختلف في تضعيفه وتوثيقه، وقال: حديث غريب.
(من حديث) أبي عبد الله، - أو أبي عبد الرّحمن- (ثوبان) - بضم المثلّثة وفتحها- ابن بجدد- بموحّدة مضمومة ثم جيم ساكنة، ثمّ دال مهملة مكّررة؛ الأولى مضمومة- ويقال: ابن جحدر الهاشميّ، مولاهم من أهل «السّراة» :
موضع بين «مكّة» و «اليمن» .
أصابه سباء؛ فاشتراه رسول الله ﷺ فأعتقه. ولم يزل معه في الحضر والسّفر، فلما توفّي رسول الله ﷺ خرج إلى الشّام، فنزل «الرّملة» .
ثمّ انتقل إلى حمص وابتنى بها دارا. وتوفي بها سنة: خمس وأربعين- وقيل:
سنة أربع وخمسين-.
روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث؛ وسبعة وعشرون حديثا، روى له مسلم منها عشرة أحاديث.
روى عنه جماعة من كبار التّابعين (رضي الله تعالى عنه.
عن النّبيّ ﷺ قال: «إذا أصاب أحدكم الحمّى، فإنّ الحمّى قطعة من النّار) حقيقة أو مجازا- (فليطفئها عنه بالماء) - لأنّ الماء يطفئ النّار، ثمّ بيّن كيفيّة
стр. 1972
فليستقبل نهرا جاريا ليستقبل جرية الماء، فيقول: (باسم الله، اللهمّ؛ اشف عبدك، وصدّق رسولك) بعد صلاة الصّبح قبل طلوع الشّمس، فليغتمس فيه ثلاث غمسات ثلاثة أيّام، فإن لم يبرأ في ثلاث.. فخمس، فإن لم يبرأ في خمس.. فسبع، فإن لم يبرأ في سبع.. فتسع؛ فإنّها لا تكاد تجاوز تسعا بإذن الله تعالى» .
الإطفاء، فقال: - (فليستنقع نهرا) - بفتحتين؛ على الأفصح- (جاريا، ليستقبل جرية الماء،
فيقول: باسم الله، اللهمّ؛ اشف عبدك) لم يقل: اشفني لأنّ المقام مقام استعطاف وتذلّل، ولا وصف أصدق من وصف العبوديّة. (وصدّق رسولك) فيما أخبر أنّه شفاء من الحمّى.
(بعد صلاة الصّبح، قبل طلوع الشّمس) ظرف لقوله «يستنقع» .
(فليغتمس فيه ثلاث غمسات، ثلاثة أيّام، فإن لم يبرأ في ثلاث؛ فخمس) ينغمس فيها، ف «خمس» : خبره محذوف (فإن لم يبرأ في خمس؛ فسبع، فإن لم يبرأ في سبع؛ فتسع) من الأيّام، (فإنّها) أي: الحمى (لا تكاد تجاوز تسعا بإذن الله تعالى» ) .
وهذا يحتمل أن يكون لبعض الحمّيات دون بعض، ويحتمل أنّه خارج عن قواعد الطّبّ، داخل في قسم المعجزات الخارقة للعادات. ألا ترى كيف قال فيه «صدّق رسولك» ، و «بإذن الله» ؟؟.
وقد شوهد وجرّب؛ فوجد كما نطق به الصّادق المصدوق ﷺ ؛ قاله الطّيبيّ.
وقال الزّين العراقيّ: عملت بهذا الحديث؛ فانغمست في بحر «النّيل» ؛
стр. 1973
وفي «الصّحيحين» : عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا أتى النّبيّ ﷺ فقال: إنّ أخي يشتكي بطنه- وفي رواية: استطلق بطنه- فقال: «اسقه عسلا» ، فذهب، ثمّ رجع، فقال: قد سقيته عسلا؛ فلم يغن عنه شيئا؟ ...
فبرئت منها! قال ولده الولّي العراقيّ: ولم يحمّ بعدها، ولا في مرض موته!!.
انتهى «زرقاني» .
(وفي «الصّحيحين» ) : البخاريّ ومسلم، وكذا التّرمذيّ والنّسائي كلّهم في (الطب) ؛ من حديث سعيد بن أبي عروبة؛ عن أبي المتوكّل النّاجيّ.
(عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدريّ) الصّحابيّ ابن الصّحابيّ (رضي الله تعالى عنه) وعن والده.
(أنّ رجلا أتى النّبيّ ﷺ ؛ فقال: إنّ أخي) - قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسم واحد منهما- (يشتكي بطنه) ؛ أي: وجع بطنه، من إسهال حصل له من تخمة.
(وفي رواية) للشّيخين أيضا؛ من حديث قتادة؛ عن أبي المتوكّل النّاجي؛ عن أبي سعيد فقال: إنّ أخي (استطلق) - بفتح الفوقيّة واللّام- (بطنه) بالرّفع، وضبطه في «الفتح» مبنيّا للمفعول؛ أي: تواتر إسهال بطنه؛ قاله القسطلّاني.
وكذا قال القرطبيّ في «المفهم» : هو بضمّ التاء مبنيّا للمفعول، فهو الرّواية الصّحيحة، فيكون أصله استطلق هو بطنه، فالسّين زائدة؛ لا للطّلب قال الحافظ ابن حجر: استطلق- بضمّ المثنّاة؛ وسكون الطّاء المهملة؛ وكسر اللّام بعدها قاف- أي: كثر خروج ما فيه يريد الإسهال.
(فقال: «اسقه عسلا) صرفا، أو ممزوجا، وعند الإسماعيليّ: «اسقه العسل» ، واللّام عهديّة، والمراد: عسل النّحل، لكونه المشهور عندهم؛ قاله الحافظ «ابن حجر» .
(فذهب، ثمّ رجع؛ فقال: قد سقيته عسلا فلم يغن عنه شيئا؟!) ؛ أي: لم
стр. 1974
وفي لفظ: فلم يزده إلّا استطلاقا (مرّتين أو ثلاثا) - كلّ ذلك يقول له: «اسقه عسلا» ، فقال له في الثّالثة أو الرّابعة: «صدق الله، وكذب بطن أخيك» ، ثمّ سقاه، فبرأ بإذن الله تعالى.
يبرأ. (وفي لفظ) : فسقاه العسل، فلم ينجع، فأتى النّبيّ ﷺ فقال: إنّي سقيته (فلم يزده إلّا استطلاقا؟!) بعد السّقيّ؛ لجذبه الأخلاط الفاسدة، وكونه أقلّ من كميّة تلك الأخلاط، فلم يدفعها بالكلية (مرّتين أو ثلاثا) يترّدد إليه (كلّ ذلك يقول له: «اسقه عسلا» .
فقال له في) المرّة (الثّالثة أو الرّابعة: «صدّق الله) في قوله: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [٦٩/ النحل] (وكذب) ؛ أي: أخطأ (بطن أخيك» ) . حيث لم يصلح لقبول الشّفاء، لكثرة المادّة الفاسدة التي فيه، ولذا أمره بمعاودة شرب العسل، لاستفراغها، فلمّا كرّر ذلك برأ.
وفي رواية لمسلم: فقال له ثلاث مرّات: إنّي سقيته فلم يزده إلّا استطلاقا؟! ثمّ جاء الرّابعة فقال: «اسقه عسلا» . فقال: سقيته فلم يزده إلّا استطلاقا؟! فقال:
«صدق الله، وكذب بطن أخيك!!» ففي هذه الرّواية: أنه قال ذلك بعد الرّابعة!
قال الحافظ «ابن حجر» : والأرجح أنّه قاله بعد الثّالثة.
(ثمّ سقاه فبرأ) - بفتح الرّاء والهمزة- بوزن: قرأ، وهي: لغة أهل الحجاز، وغيرهم يقول: برىء بكسر الراء؛ بوزن علم؛ كما في «الفتح» .
(بإذن الله تعالى» ) لأنّه لما تكرّر استعمال الدّواء قاوم الدّاء فأذهبه.
قال في «المواهب» : وفي قوله: «وكذب بطن أخيك» إشارة إلى أنّ هذا الدّواء نافع، وأنّ بقاء الدّاء ليس لقصور الدّواء في الشّفاء، ولكن لكثرة المادّة الفاسدة، فمن ثمّ أمره بمعاودة شرب العسل، لاستفراغها!! فشفي لمّا استفرغت، فاعتبار مقادير الأدوية، وكيفيّاتها، ومقدار قوّة المرض والمريض من أكبر قواعد الطّبّ.
стр. 1975
وفي «سنن ابن ماجه» : عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا: «من لعق العسل ثلاث غدوات كلّ شهر.. لم يصبه عظيم من البلاء» .
قال في «زاد المعاد» : وليس طبّه ﷺ كطبّ الأطبّاء؟؟ فإنّ طبّه ﵊ متيقّن قطعيّ إلهيّ؛ صادر عن الوحي، ومشكاة النّبوّة، وكمال العقل، وطبّ غيره حدس وظنون وتخمين وتجارب. انتهى بزيادة من «شرح البخاري» .
(وفي «سنن ابن ماجه» ) في كتاب «الطّبّ» قال: حدّثنا محمود بن خداش؛ قال: حدّثنا سعيد بن زكريا القرشيّ؛ قال: حدّثنا الزّبير بن سعيد الهاشميّ؛ عن عبد الحميد بن سالم.
(عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) قال في «الميزان» ؛ عن البخاري:
لا يعرف لعبد الحميد سماع من أبي هريرة؟! وفي «الزّوائد» : إسناده ليّن!! ومع ذلك هو منقطع! وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات» وقال: الزّبير ليس بثقة.
وقال العقيلي: ليس لهذا الحديث أصل. ولم يتعقّبه السّيوطيّ سوى بأنّ له شاهدا، وهو ما رواه أبو الشّيخ في «الثّواب» ؛ عن أبي هريرة مرفوعا: «من شرب العسل ثلاثة أيّام في كلّ شهر على الرّيق عوفي من الدّاء الأكبر: الفالج، والجذام والبرص» . انتهى. «مناوي» مع زيادة.
(مرفوعا) إلى النّبي ﷺ أنّه قال: ( «من لعق) بابه فهم؛ كما في «المختار» أي: لحس (العسل) النّحل- وهو يذكّر ويؤنّث. وأسماؤه تزيد على المائة- (ثلاث غدوات) - بضمّ فسكون «١» - (كلّ شهر) . قال الطّيبيّ: صفة ل «غدوات» أي: غدوات كائنة في كلّ شهر، أي: ثلاثة أيّام في كلّ شهر.
(لم يصبه عظيم من البلاء» ) ، لما في العسل من المنافع الدّافعة للأدواء، إذ
стр. 1976
وفي أثر آخر: «عليكم بالشّفاءين: العسل، ...
هو غذاء من الأغذية، ودواء من الأدوية، وشراب من الأشربة!، وحلوى من الحلاوات!، وطلاء من الأطلية!، ومفرح من المفرحات!! فيطلب لعق العسل النّحل في كلّ شهر ثلاثة أيّام منه؛ في أوّله، أو أثنائه. وتخصيص الثّلاث!! لسرّ علمه الشّارع. انتهى شروح «الجامع الصّغير» .
(وفي أثر آخر) أخرجه ابن ماجه، والحاكم في «الطّبّ» ؛ عن ابن مسعود مرفوعا إلى النّبيّ ﷺ وقال الحاكم: إنّه على شرط الشّيخين- وأخرجه ابن أبي شيبة، والحاكم أيضا مرقوفا على ابن مسعود، ورجاله رجال الصّحيح.
وقال البيهقيّ في «الشّعب» : الصّحيح أنّه موقوف على ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
( «عليكم) ؛ أي: الزموا التّداوي (بالشّفاءين) ، قال تعالى في العسل فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [٦٩/ النحل] وقال في القرآن وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ [٨٢/ الإسراء] فالشّفاء ثابت لكلّ بنصّ القرآن.
(العسل) النحل وهو لعابها.
وله منافع كثيرة، منها: أنه ينفع البشرة وينعّمها، وإن اكتحل به جلا البصر، وإذا استنّ به بيّض الأسنان؛ وصقلها؛ وحفظ صحّتها؛ وصحّة اللّثّة؛ وإذا تغرغر به نفع من أورام الحلق، ومن الخنّاق، ويوافق السّعال البلغميّ، ويدرّ البول، ويليّن البطن، ويفتح سددها، ويفتح أفواه العروق، ويدرّ الطّمث، وينفع من لسع العقرب، ومن نهش الهوام ذوات السّموم، ومن عضّة الكلب، ولعقه على الرّيق يذيب البلغم، ويدفع الفضلات، ويغسل خمل المعدة، ويشدّها، ويسخّنها باعتدال، ويفتح سددها، ويفعل مثل ذلك بالكبد؛ والكلى؛ والمثانة.
وقد كان النّبي ﷺ يشرب كلّ يوم قدح عسل ممزوجا بالماء على الرّيق.
فهذه حكمة عجيبة في حفظ الصّحّة؛ لا يعقلها إلّا العالمون!.
стр. 1977
والقرآن»
وقد كان بعد ذلك يغتذي بخبز الشّعير مع الملح، أو الخلّ؛ أو نحوه، ويصابر شظف العيش، فلا يضرّه!! لما سبق له من الإصلاح.
وقد كان ﵊ يراعي في حفظ صحّته أمورا فاضلة جدّا، منها، تقليل الغذاء، وتجنّب التّخم، ومنها شرب بعض المنقوعات يلطّف بها غذاءه، كنقيع التّمر؛ أو الزّبيب؛ أو الشّعير؛ ومنها استعمال الطّيب، وجعل المسك في مفرقه، والادّهان والاكتحال.
وكان ﵊ يغذّي روح الدّماغ والقلب بالمسك، وروح الكبد والقلب بماء العسل، فما أتقن هذا التدبير، وما أفضله!!. انتهى «عزيزي» .
وقال «الزّرقاني» : أصلح العسل الرّبيعيّ، ثمّ الصّيفي. وأمّا الشّتائي فرديء، وما يؤخذ من الجبال والشّجر أجود ممّا يؤخذ من الخلايا. وهو بحسب مرعاه. ومن العجيب أنّ النّحل يأكل من جميع الأزهار، ولا يخرج منه إلا حلو مع أنّ أكثر ما يجنيه مرّ. انتهى.
(والقرآن» ) جمع بين الطّبّ البشريّ والطّبّ الإلهيّ، وبين الفاعل الطّبيعيّ والفاعل الرّوحانيّ، وبين طبّ الأجساد وطبّ الأرواح، وبين السّبب الأرضيّ والسّبب السّماويّ.
وشفاء القرآن بحسب إزالته للرّيب، وكشف غطاء القلب؛ لفهم المعجزات، والأمور الدّالّة على الله المقرّرة لشرعه.
قال «ابن القيّم» : جماع أمراض القلب الشّبهات والشّهوات. والقرآن شفاء لهما، ففيه من البيّنات؛ والبراهين القطعيّة؛ والدّلالة على المطالب العالية ما لم يتضمّنه كتاب سواه، فهو الشّفاء بالحقيقة، لكنّ ذلك موقوف على فهمه وتقرير المراد منه.
ويحتمل أن يريد بالشّفاء: نفعه من الأمراض بالرّقى والتّعويذ ونحوه، كما في
стр. 1978
وعن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «الطّاعون ...
الرّقية ب «فاتحة الكتاب» وب «المعوّذتين» وغير ذلك.
وممّا جرّب نفعه للاستشفاء أن يكتب آيات الشّفاء وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) [التوبة] . وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ [٥٧/ يونس] . يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [٦٩/ النحل] . وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [٨٢/ الإسراء] . وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) [الشعراء] . قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ [٤٤/ فصّلت] .
ثم يكتب: بسم الله الرّحمن الرّحيم قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) [الإخلاص] ، إي والله، إي والله، إي والله اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) [الإخلاص] ، إي والله، إي والله، إي والله لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) [الإخلاص] ، لا والله، لا والله، لا والله وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤) [الإخلاص] ، لا والله، لا والله، لا والله. ربّ النّاس أذهب الباس، اشف أنت الشّافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما، وصلّى الله على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم في إناء نظيف، ويسقى للمريض.
انتهى. من شروح «الجامع الصّغير» .
(و) أخرج البخاريّ في «ذكر بني إسرائيل والطّبّ وترك الحيل» ، ومسلم في «الطّبّ» وكذا النّسائي كلّهم؛
(عن أسامة بن زيد) الحبّ بن الحبّ (رضي الله تعالى عنهما قال) ؛ وقد سأله سعد بن أبي وقّاص: ما سمعت من رسول الله ﷺ في الطاعون؟ قال أسامة:
(قال رسول الله ﷺ : «الطّاعون) بوزن فاعول؛ من الطّعن، عدلوا به عن أصله، ووضعوه دالّا على الموت العامّ كالوباء. ويقال: طعن؛ فهو مطعون وطعين؛ إذا أصابه الطّاعون، وإذا أصابه الطّعن بالرّمح.
والطّاعون: ورم رديء قتّال، يخرج معه تلهّب شديد مؤلم جدّا يتجاوز المقدار
стр. 1979
رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل، وعلى من كان قبلكم، ...
في ذلك، ويصير ما حوله- في الأكثر- أسود، أو أخضر، أو أكمد، ويؤول أمره إلى التّقرّح سريعا.
وفي الأكثر يحدث في ثلاثة مواضع: في الإبط، وخلف الأذن والأربيّة «١» ، وفي اللّحوم الرّخوة.
ويحصل معه خفقان وغثيان وقيء، وقد يخرج في الأيدي والأصابع وسائر الجسد.
وأردؤه: ما حدث في الإبط، وخلف الأذن. والأسود منه قلّ من يسلم منه!! وأسلمه الأحمر، ثمّ الأصفر.
(رجز) - بالزّاي على المعروف. - أي: عذاب.
قال النّووي في «شرح مسلم» : وهذا الوصف بكونه عذابا مختصّ بمن كان قبلنا. وأمّا هذه الأمّة! فهو لها رحمة وشهادة، ففي «الصّحيحين» قوله ﷺ :
«المطعون شهيد» ، وفي حديث آخر في غير «الصّحيحين» : «إنّ الطّاعون كان عذابا يبعثه الله على من يشاء، فجعله رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع الطّاعون؛ فيمكث في بلده صابرا يعلم أنّه لن يصيبه إلّا ما كتب الله له؛ إلّا كان له مثل أجر شهيد» .
وفي حديث آخر: «الطّاعون شهادة لكلّ مسلم، وإنّما يكون شهادة لمن صبر» ؛ كما بيّنه في الحديث المذكور. انتهى كلام «النّوويّ» .
(أرسل على طائفة من بني إسرائيل) لمّا كثر طغيانهم، (وعلى من كان قبلكم) كذا في نسخ المصنّف: بالواو تبعا ل «المواهب» .
قال الزّرقاني: والّذي في «الصّحيحين» : إنما هو ب «أو» قال الحافظ ابن حجر: بالشّكّ من الرّاوي.
стр. 1980
.........
وفي رواية ابن خزيمة بالجزم؛ بلفظ: «رجز سلّط على طائفة من بني إسرائيل» . والتّنصيص عليهم أخصّ، فإن كان ذلك المراد؛ فكأنّه أشار بذلك إلى ما جاء في قصّة «بلعام» ، فأخرج الطّبريّ من طريق سليمان التّيمي- أحد صغار التّابعين- عن سيّار: أن رجلا كان يقال له «بلعام» كان مجاب الدّعوة، وإنّ موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها «بلعام» !!، فأتاه قومه فقالوا: ادع الله عليهم!! فقال: أؤآمر ربّي! فمنع، فأتوه بهديّة؛ فقبلها!! وسألوه ثانيا. فقال:
حتّى أؤآمر ربّي؟ فلم يرجع إليه بشيء!؟ فقالوا: لو كره لنهاك فدعا عليهم؛ فصار يجري على لسانه ما يدعو به على بني إسرائيل فينقلب على قومه، فلاموه على ذلك؟ فقال: سأدلّكم على ما فيه هلاكهم: أرسلوا النّساء في عسكرهم، ومروهنّ لا يمتنعن من أحد، فعسى أن يزنوا؛ فيهلكوا؟ فكان فيمن خرج بنت الملك فأرادها بعض الأسباط، وأخبرها بمكانه؛ فمكّنته من نفسها!! فوقع في بني إسرائيل الطّاعون، فمات منهم سبعون ألفا في يوم، وجاء رجل من بني هارون ومعه الرّمح فطعنها، وأيّده الله فانتظمها جميعا» .
وهذا مرسل جيّد، وسيار شاميّ موثّق.
وذكر الطّبريّ- أيضا- هذه القصّة؛ عن محمّد بن إسحاق؛ عن سالم أبي النّضر بنحوه، وسمّى المرأة «كشتاء» - بفتح الكاف؛ وسكون المعجمة؛ وفوقية- والرجل «زمري» - بكسر الزّاي، وسكون الميم، وكسر الرّاء- رأس سبط شمعون. والّذي طعنهما «فنحاص» - بكسر الفاء، وسكون النون؛ ثمّ مهملة؛ فألف؛ فمهملة- ابن هارون. وقال في آخره: فحسب من هلك من الطّاعون سبعون ألفا!! والمقلّل يقول: عشرون ألفا! وهذه الطّريق تعضد الأولى.
وذكر ابن إسحاق في «المبتدأ» : أنّ بني إسرائيل لما كثر عصيانهم؛ أوحى الله إلى داود فخيّرهم بين ثلاث: إمّا أن أبتليهم بالقحط سنتين؟، أو العدوّ شهرين؟
أو الطّاعون ثلاثة أيّام؟؟ فأخبرهم، فقالوا: اختر لنا. فاختار الطّاعون، فمات
стр. 1981
فإذا سمعتم به بأرض.. فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها.. فلا تخرجوا منها فرارا منه» .
منهم- إلى أن زالت الشّمس- سبعون ألفا؟! وقيل: مائة ألف. فتضرّع داود إلى الله؛ فرفعه.
وورد وقوع الطّاعون في غير بني إسرائيل، فيحتمل أنّه المراد بقوله «أو من كان قبلكم» .
من ذلك ما أخرجه الطّبريّ وابن أبي حاتم؛ عن سعيد بن جبير، قال: أمر موسى بني إسرائيل: أن يذبح كلّ رجل منهم كبشا، ثمّ يخضب كفّه في دمه، ثم يضرب به على بابه!! ففعلوا، فسألهم القبط عن ذلك؟ فقالوا: إنّ الله يبعث عليكم عذابا، وإنّنا ننجو منه لهذه العلامة، فأصبحوا وقد مات من قوم فرعون سبعون ألفا!! فقال فرعون- عند ذلك- لموسى: ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ.. الآية [١٣٤/ الأعراف] . فدعا؛ فكشفه عنهم. وهذا مرسل جيّد الإسناد.
وأخرج عبد الرزّاق في «تفسيره» ، وابن جرير عن الحسن؛ في قوله تعالى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ [٢٤٣/ البقرة] قال: فرّوا من الطّاعون، فقال لهم الله: موتوا، ثمّ أحياهم؛ ليكملوا بقيّة آجالهم.
فأقدم من وقفنا عليه- في المنقول- ممّن وقع الطّاعون به من بني إسرائيل في قصّة «بلعام» ، ومن غيرهم: في قصّة فرعون، وتكرّر بعد ذلك لغيرهم. انتهى.
(فإذا سمعتم به بأرض؛ فلا تدخلوا عليه) لأنّه تهوّر؛ وإقدام على خطر، وإلقاء إلى التّهلكة، كمن أراد دخول دار؛ فرأى فيها حريقا تعذّر طفؤه، فعدل عن دخولها لئلّا يصيبه، وليكون ذلك أسكن للنّفس، وأطيب للعيش، ولئلا يقعوا في اللّوم المنهيّ عنه، بلوم أنفسهم؛ فيما لا لوم فيه، لأن الباقي والنّاهض لا يتجاوز واحد منهم أجله.
(وإذا وقع بأرض؛ وأنتم بها فلا تخرجوا منها، فرارا منه» ) لأنّه فرار من
стр. 1982
.........
القدر، فالأوّل تأديب وتعليم، والثّاني تفويض وتسليم.
قال ابن عبد البرّ: النّهي عن الدّخول لدفع ملامة النّفس، وعن الخروج للإيمان بالقدر. انتهى.
والأكثر على أنّ النّهي عن الفرار منه للتّحريم. وقيل: للتّنزيه. ومفهوم الحديث جوازه لشغل عرض غير الفرار، وحكي عليه الاتفاق.
قال الحافظ ابن حجر: ولا شكّ أنّ الصّور ثلاث:
١- من خرج لقصد الفرار محضا، فهذا يتناوله النّهي؛- لا محالة-.
و٢- من خرج لحاجة متمحّضة، لا لقصد الفرار أصلا، ويتصوّر ذلك فيمن تهيّأ للرّحيل من بلد إلى بلد كان بها إقامته- مثلا- ولم يكن الطّاعون وقع؛ فاتّفق وقوعه أثناء تجهّزه، فهذا لم يقصد الفرار أصلا فلا يدخل في النهي.
الثّالث: من عرضت له حاجة فأراد الخروج إليها، وانضمّ إلى ذلك أنه قصد الرّاحة من الإقامة بالبلد التي وقع بها الطّاعون؟ فهذا محلّ النّزاع، كأن تكون الأرض الّتي وقع بها وخمة والأرض الّتي يتوجّه إليها صحيحة؛ فتوجّه بهذا القصد إليها!!. فمن منع نظر إلى صورة الفرار في الجملة. ومن أجاز نظر إلى أنه لم يتمحّض القصد للفرار، وإنّما هو لقصد التّداوي. انتهى.
وقد ذكر العلماء في النّهي عن الخروج حكما:
منها أنّ الطّاعون يكون في الغالب عامّا في البلد- الّذي يقع فيه، فإذا وقع؟
فالظّاهر مداخلة سببه لمن هو بها؛ فلا يفيده الفرار، لأنّ المفسدة إذا تعيّنت حتّى لا يقع الانفكاك عنها كان الفرار عبثا؛ فلا يليق بالعاقل.
ومنها أنّ النّاس لو تواردوا على الخروج؛ لصار من عجز عنه بالمرض المذكور، أو بغيره، أو الكبر ضائع المصلحة، لفقد من يتعهّده حيّا وميتا وأيضا لو شرع الخروج فخرج، الأقوياء؛ لكان في ذلك كسر قلوب الضّعفاء الّذين لا يقدرون على الخروج.
стр. 1983
وروي هذا الحديث ...
ومنها ما ذكره بعض الأطبّاء: أن المكان الّذي يقع به الوباء؛ تتكيّف أمزجة أهله بهواء تلك البقعة؛ فتألفها، ويصير لهم كالأهوية الصّحيحة لغيرهم. فلو انتقلوا إلى الأماكن الصحيحة؛ لم توافقهم! بل ربّما إذا استنشقوا هواءها، استصحب معه إلى القلب؛ من الأبخرة الرّديّة، الّتي حصل تكيّف بدنها بها، فأفسدته!؟ فمنع من الخروج لهذه النّكتة.
ومنها أنّ الخارج يقول: لو أقمت لأصبت بالطّاعون!! والمقيم يقول: لو خرجت لسلمت! فيقع في «اللّو» المنهيّ عنه، بقوله ﷺ : «إيّاك» و «لو» ؛ «فإنّ لو من الشّيطان» . رواه مسلم. انتهى. من «المواهب» وشرحها.
فإن قيل: ظاهر الحديث ليس فيه طبّ من الطّاعون؟ وإنّما فيه نهيه عن الخروج والدّخول؟
والجواب: أنّه نهي شرعيّ، مشتمل على طبّ بدنيّ، لأن النّبي ﷺ جمع للأمّة في نهيه عن الدّخول إلى الأرض، الّتي هجر بها، ونهيه عن الخروج منها، بعد وقوعه جمع لها كمال التّحرّز منه، لأن في الدّخول في الأرض الّتي هو بها تعرّضا للبلاء، وتجنّب الدّخول من باب الحمية الّتي أرشدنا الله إليها، وهي حمية عن الأمكنة، والأهوية المؤذية، كما أنّ نهيه عن الخروج من بلده؛ فيه حمل النّفوس على الثّقة بالله والتّوكّل عليه، والصّبر على أقضيته؛ والرّضا بها.
فظهر المعنى الطّبّي من الحديث النّبويّ، وما فيه من علاج القلب والبدن، وصلاحهما؛ كما ذكره ابن القيّم رحمه الله تعالى.
(و) قد (روي) - ببناء المجهول- (هذا الحديث) ؛ أي: حديث الطّاعون، الّذي رواه أسامة المذكور؛ وليس المراد بصيغة التّمريض الإشارة إلى ضعف الحديث؟ بل القصد بها الاختصار بحذف راويه، لأنّ الحديث صحيح؛ رواه البخاريّ في «الطّبّ والحيل» ، ومسلم في «الطّبّ» ، وأبو داود في «الجنائز» .
стр. 1984
عن عبد الرّحمن بن عوف أيضا رضي الله تعالى عنه.
(عن عبد الرّحمن بن عوف) الزّهري (أيضا رضي الله تعالى عنه) ، ولفظه كما في مسلم؛ عن عبد الله بن عبّاس رضي الله تعالى عنهما- أنّ عمر بن الخطّاب خرج إلى الشّام، حتّى إذا كان ب «سرغ» لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجّراح وأصحابه، فأخبروه أنّ الوباء قد وقع بالشّام، قال ابن عبّاس: فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأوّلين. فدعوتهم؛ فاستشارهم؛ وأخبرهم أنّ الوباء قد وقع بالشّام! فاختلفوا؛ فقال بعضهم: قد خرجت لأمر، ولا نرى أن ترجع عنه؟! وقال بعضهم: معك بقيّة النّاس، وأصحاب رسول الله ﷺ ؛ ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء!! فقال: ارتفعوا عنّي.
ثمّ قال: ادع لي الأنصار. فدعوتهم له، فاستشارهم؛ فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم!! فقال: ارتفعوا عنّي!!
ثمّ قال: ادع لي من كان هنا من مشيخة قريش؛ من مهاجرة الفتح!! فدعوتهم؛ فلم يختلف عليه رجلان!! فقالوا: نرى أن ترجع بالنّاس، ولا تقدمهم على هذا الوباء.
فنادى عمر في النّاس: إنّي مصبح على ظهر؛ فأصبحوا عليه!.
فقال أبو عبيدة بن الجرّاح: أفرارا من قدر الله!؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة!! - وكان عمر يكره خلافه- نعم نفرّ من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديا له عدوتان: إحداهما خصبة، والآخرى جدبة؛ أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله؟؟! وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟؟!.
قال: فجاء عبد الرّحمن بن عوف- وكان متغيّبا في بعض حاجته- فقال: إنّ عندي من هذا علما!! سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه!!
قال: فحمد الله عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه ثمّ انصرف. انتهى.
стр. 1985
وفي «سنن أبي داود» مرفوعا: «إنّ من القرف التّلف» .
قال ابن قتيبة: (القرف) مداناة الوباء، ومداناة المرضى.
وفي «صحيح البخاريّ» : ...
(وفي «سنن أبي داود» ) السّجستانيّ في كتاب «الطّبّ» (مرفوعا) ولفظه:
حدّثنا مخلد بن خالد، وعبّاس العنبري؛ قالا: حدّثنا عبد الرّزاق؛ قال:
أخبرنا معمر؛ عن يحيى بن عبد الله بن بحير، قال: أخبرني من سمع فروة بن مسيك رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله أرض عندنا يقال لها أرض «أبين» هي أرض ريفنا وميرتنا، وإنها وبيئة، أو قال: وباؤها شديد؟؟ فقال النّبيّ ﷺ : «دعها عنك ف (إنّ من القرف) - بفتحتين-: ملابسة الدّاء، ومداناة المرض» ، كما سيأتي تفسيره في المتن عن المصنّف: (التّلف» ) ؛ أي:
الهلاك، وليس هذا من باب العدوى؟! وإنّما هو: من باب الطّبّ، فإنّ استصلاح الهواء من أعون الأشياء على صحّة الأبدان، وفساد الهواء من أسرع الأشياء إلى الأسقام؛ قاله في «النّهاية» .
(قال) الإمام أبو محمّد عبد الله بن مسلم (بن قتيبة) الدّينوري.
ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين ببغداد، وسكن الكوفة، ثمّ ولي قضاء «الدّينور» مدة فنسب إليها، وتوفّي ببغداد سنة: ستّ وسبعين ومائتين، وهو من المصنّفين المكثرين؛ له كتاب «أدب الكاتب» ، و «تأويل مختلف الحديث» ، و «مشكل القرآن» ، و «المشتبه من الحديث والقرآن» وغيرها رحمه الله تعالى قال:
(القرف) - بفتح القاف والرّاء آخره فاء هو: (مداناة الوباء) ؛ أي:
مقاربته، وكلّ شيء قاربته؛ فقد قارفته (ومداناة المرضى) جمع مريض، أي:
القرب منهم، ومخالطتهم؛ وملاصقتهم. والله أعلم.
(وفي «صحيح) الإمام (البخاريّ» ) رحمه الله تعالى، وكذا رواه الإمام
стр. 1986
عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: عن النّبيّ ﷺ قال: «الشّفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكيّة نار.
وأنهى أمّتي عن الكيّ» .
أحمد، وابن ماجه (عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ عن النّبيّ ﷺ قال:
«الشّفاء في ثلاث) الحصر المستفاد من تعريف المبتدأ «ادّعائيّ» . بمعنى: أنّ الشّفاء في هذه الثّلاثة بلغ حدّا كأنّه انعدم به من غيرها، ولم يرد الحصر الحقيقيّ!! فإنّ الشّفاء قد يكون في غيرها! وإنّما نبّه بها على أصول العلاج:
(شربة) - بالجرّ؛ بدل من سابقه- (عسل) نحل، لأنّه مسهّل للأخلاط البلغميّة، (وشرطة محجم) يتفرّغ بها الدّم الّذي هو أعظم الأخلاط عند هيجانه؛ لتبريد المزاج، والمحجم- بكسر الميم؛ وسكون المهملة؛ وفتح الجيم-: الآلة التي يجمع فيه دم الحجامة عند المصّ، ويراد به هنا: الحديدة التي يشرط بها موضع الحجامة. يقال: شرطة الحاجم: إذا ضرب موضع الحجامة، لإخراج الدّم وقد تتناول الفصد.
وأيضا: الحجامة في البلاد الحارّة أنفع من الفصد، والفصد في البلاد الّتي ليست بحارّة أنجح من الحجم. انتهى «قسطلّاني» .
(وكيّة نار) تستعمل في الخلط الباغي، الّذي لا تنحسم مادّته إلّا به، فهو خاصّ بالمرض المزمن، لأنّه يكون من مادّة باردة قد تفسد مزاج العضو! فإذا كوي خرجت منه. وآخر الدّواء الكيّ. و «كيّة» مضافة لتاليها.
(وأنهى أمّتي) نهي تنزيه (عن الكيّ» ) لما فيه من الألم الشّديد، والخطر العظيم.
وكانوا يبادرون إليه قبل حصول الاضطرار إليه؛ يستعجلون بتعذيب الكيّ لأمر مظنون! فنهى ﷺ أمّته عنه لذلك، وأباح استعماله على جهة طلب الشّفاء من الله تعالى.
стр. 1987
وفي «سنن ابن ماجه» : عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما مررت ليلة أسري بي بملأ..
إلّا قالوا: يا محمّد؛ مر أمّتك بالحجامة» ...
وأخذ من إثباته الشّفاء في الكيّ، وكراهته له؛ أنه لا يترك مطلقا، ولا يستعمل مطلقا، بل عند تعيّنه طريقا إلى الشّفاء، مع مصاحبة اعتقاد أنّ الشّفاء بإذن الله تعالى
وعلى هذا التّفصيل يحمل حديث المغيرة: «من اكتوى واسترقى برىء من التّوكّل» والله أعلم. انتهى شروح «الجامع الصّغير» .
(وفي «سنن ابن ماجه) محمد بن يزيد القزويني رحمه الله تعالى قال: حدّثنا جبارة بن المغلّس؛ قال: حدّثنا كثير بن سليم؛ (عن أنس) ؛ أي: ابن مالك لأنّه المراد عند إطلاق لفظ «أنس» ، فإذا أريد غيره قيّد (رضي الله تعالى عنه) ، وهو حديث منكر، لأنّ فيه كثير بن سليم الضّبيّ ضعّفوه- كما في «الميزان» وعدّوا من مناكيره هذا-؛ قاله المناوي.
ورواه التّرمذيّ؛ عن ابن مسعود بمخالفة يسيرة، وفي سنده راو مضعّف، وقال التّرمذيّ: حسن غريب، من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
(قال) ؛ أي: أنس: (قال رسول الله ﷺ : «ما مررت ليلة أسري بي) إلى السّماء (بملأ) ؛ أي: جماعة (إلّا قالوا: يا محمّد؛ مر أمّتك بالحجامة) ؛ لأنهم من بين الأمم كلّهم أهل يقين، فإذا اشتعل نور اليقين في القلب ومعه حرارة الدّم؛ أضرّ بالقلب وبالطّبع.
وقال التّوربشّتي: وجه مبالغة الملائكة في الحجامة سوى ما عرف منها من المنفعة العائدة على الأبدان: أنّ الدّم مركّب من القوى النّفسانيّة الحائلة بين العبد؛ وبين التّرقّي إلى الملكوت الأعلى، والوصول إلى الكشوف الرّوحانية وغلبته تزيد جماح النّفس وصلابتها، فإذا نزف الدّم أورثها ذلك خضوعا وجمودا ولينا ورقّة، وبذلك تنقطع الأدخنة المنبعثة عن النّفس الأمّارة، وتنحسم مادّتها؛ فتزداد البصيرة نورا إلى نورها. انتهى «مناوي» .
стр. 1988
ورواه التّرمذيّ: عن ابن عبّاس بلفظ: «عليك بالحجامة يا محمّد» .
وقد روي عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «خير ما تداويتم به.. الحجامة والفصد» .
وفي حديث: «خير الدّواء.. الحجامة والفصد» .
(ورواه) الإمام أحمد، و (التّرمذيّ) مطوّلا، وابن ماجه، والحاكم؛ (عن ابن عبّاس) رضي الله تعالى عنهما، وفي سنده عبّاد بن منصور النّاجي: ضعّفه أبو حاتم، وليّنه أبو زرعة، وفي «التقريب» : إنّه صدوق رمي بالقدر، وكان يدلّس، وتغيّر بأخرة. وفي «الخلاصة» : قال القطّان: ثقة؛ لا ينبغي أن يترك حديثه لرأي أخطأ فيه. يعني: القدر. انتهى. ولذلك قال التّرمذيّ فيه: حديث حسن غريب، لا نعرفه إلّا من حديث عبّاد بن منصور. وقال الحاكم: صحيح.
وأقرّه الذّهبيّ.
(بلفظ: «عليك بالحجامة يا محمّد» ) ؛ أي: الزمها ومر أمّتك بها. كما تقدّم-.
وذلك دلالة على عظيم فضلها، وبركة نفعها، وإعانتها على التّرقّي في الملكوت الأعلى- كما تقدم آنفا-.
(وقد روي) بسند ضعيف، وفي «العزيزي» : أنّه حديث حسن لغيره، رواه أبو نعيم في «الطّبّ النّبويّ» ؛ عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه (عن النّبيّ ﷺ أنّه قال:
«خير ما) ؛ أي: دواء (تداويتم به: الحجامة) سيّما في البلاد الحارّة، (والفصد) والحجامة أنفع لأهل البلاد الحارّة، والفصد لغيرهم أنفع.
(وفي حديث) آخر رواه أبو نعيم أيضا بسند ضعيف في كتاب «الطّبّ النّبويّ» ؛ عن عليّ رضي الله تعالى عنه بلفظ:
( «خير الدّواء الحجامة والفصد» ) لمن لاق به ذلك وناسب حاله مرضا؛ وسنا؛ وقطرا؛ وزمنا، وغير ذلك.
стр. 1989
وروى التّرمذيّ في «جامعه» : عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما يرفعه: «إنّ خير ما تحتجمون فيه يوم سابع عشرة، أو تاسع عشرة، ويوم إحدى وعشرين» .
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا: «من احتجم يوم الأربعاء، أو يوم السّبت؛ فأصابه بياض، أو برص.. فلا يلومنّ إلّا نفسه» .
(وروى) الإمام أحمد، و (التّرمذيّ في «جامعه» ) كتاب «الطّبّ» ، والحاكم في «المستدرك» كلّهم؛ من طريق عبّاد بن منصور المذكور قريبا.
وما قيل فيه سابقا يقال هنا، لأنّه حديث واحد، ذكر هنا قطعة منه حيث قال:
(عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما يرفعه) إلى النّبيّ ﷺ قال: ( «إنّ خير ما تحتجمون فيه: يوم سابع عشرة) من الشّهر، (أو تاسع عشرة) منه، (ويوم إحدى وعشرين) منه لا سيّما إذا وافق يوم الإثنين!! فإنّه أجود أيّام الحجامة.
و «عشرين» في هذه الرّواية- بالنّصب- والجيّد أن يكون مرفوعا، لأنّه خبر، فيتكلّف له تقدير ناصب، مثل: وترى الأخيرية إحدى وعشرين؛ قاله الحفني على «الجامع الصغير» .
(و) روى الخلّال؛ عن أبي سلمة، وأبي سعيد المقبري؛ (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا) إلى النّبيّ ﷺ قال:
( «من احتجم يوم الأربعاء؛ أو يوم السّبت، فأصابه بياض؛ أو برص، فلا يلومنّ إلّا نفسه» ) فإنّه الّذي عرّض جسده لذلك، وتسبّب فيه.
روى الدّيلمي؛ عن أبي جعفر النّيسابوري؛ قال: قلت يوما «هذا الحديث غير صحيح» ، فافتصدت يوم الأربعاء؛ فأصابني برص!! فرأيت رسول الله ﷺ في النّوم فشكوت إليه؟! فقال: «إيّاك والاستهانة بحديثي» .. فذكره.
стр. 1990
وروى الدّارقطنيّ ...
وقد كره الإمام أحمد الحجامة يوم السّبت والأربعاء لهذا الحديث.
والظّاهر أنّ الفصد مثل الحجامة في اجتنابه في الأيّام المنهيّ عنها. والله أعلم.
ورواه أيضا الحاكم، والبيهقي في «سننه» ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:
«من احتجم يوم الأربعاء، أو يوم السّبت؛ فرأى في جسده وضحا «١» !؟ فلا يلومنّ إلا نفسه» . قال الحاكم: صحيح، وردّه الذّهبيّ؛ بأنّ فيه سليمان بن أرقم؛ متروك!! وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات» ؛ قاله المناوي.
(وروى) الإمام الحافظ؛ وحيد دهره؛ وفريد عصره: عليّ بن عمر بن مهدي: أبو الحسن (الدّارقطنيّ) - بفتح الدّال المهملة، وبعد الألف راء مفتوحة، ثمّ قاف مضمومة، وبعدها طاء مهملة ساكنة، ثمّ نون مكسورة آخره ياء، نسبة إلى «دار القطن» محلّة كبيرة ببغداد-. الشّافعيّ.
ولد سنة: ست وثلثمائة ب «دار القطن» ، وكان عالما؛ حافظا؛ فقيها على مذهب الإمام الشّافعي، أخذ الفقه عن أبي سعيد الاصطخريّ، وانفرد بالإمامة في علم الحديث في عصره؛ فلم ينازعه في ذلك أحد من نظرائه، وتصدّر في آخر أيّامه للإقراء ببغداد، وكان عارفا باختلاف الفقهاء، وأخذ عنه الحافظ أبو نعيم صاحب «الحلية» وجماعة.
وكانت وفاته سنة: خمس وثمانين وثلثمائة؛ وقد قارب الثّمانين.
وكان متفنّنا في علوم كثيرة؛ وإماما في علوم القرآن، تصدّر في آخر أيّامه للإقراء ببغداد.
وله من المصنّفات: كتاب «السنن» ، وكتاب «العلل» الواردة في الأحاديث
стр. 1991
من حديث نافع قال: لي عبد الله بن عمر: تبيّغ بي الدّم، فأبغني حجّاما، ولا يكن صبيّا، ولا شيخا كبيرا، فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحجامة.. تزيد الحافظ حفظا، والعاقل عقلا، ...
النّبويّة: ثلاث مجلّدات، و «المجتبى من السّنن المأثورة» و «المؤتلف والمختلف في الحديث» ، وكتاب «الضّعفاء» .
وتوفي ببغداد، وصلى عليه الشّيخ أبو حامد الإسفرائينيّ الفقيه المشهور رحمهم الله تعالى. آمين.
روى هذا الحديث في كتاب «الأفراد» ؛ (من حديث) أبي عبد الله (نافع) بن هرمز- ويقال ابن كاوس- سبي وهو صغير فاشتراه عبد الله بن عمر.
وهو تابعيّ جليل سمع سيّده ابن عمر؛ وأبا هريرة؛ وأبا سعيد الخدري؛ وعائشة؛ وغيرهم من الصّحابة والتّابعين.
روى عنه أبو إسحاق السّبيعيّ والزّهريّ، وصالح بن كيسان؛ وغيرهم من التابعين ومن تابع التابعين، سمع منه مالك؛ وابن جريج؛ والأوزاعيّ؛ واللّيث، وخلائق لا يحصون.
وأجمعوا على توثيقه وجلالته. وكان ثقة كثير الحديث.
مات بالمدينة المنورة سنة: سبع عشرة ومائة رحمه الله تعالى.
(قال) ؛ أي: نافع: (قال لي عبد الله بن عمر) بن الخطّاب «مولاه» :
(تبيّغ) - بمثنّاة فوقيّة فموحّدة؛ مفتوحتين، فمثنّاة تحتيّة مشدّدة مفتوحة، فغين معجمة آخره؛ من باب التّفعّل- أي: هاج (بي الدّم) وغلب، وذلك حين تظهر حمرته في البدن.
(فأبغني) يقال: أبغني كذا- بهمزة القطع-؛ أي: أعنّي على الطّلب، وبهمزة الوصل-: أي: اطلب لي (حجّاما، ولا يكن صبيّا، ولا شيخا كبيرا، فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحجامة تزيد الحافظ حفظا، والعاقل عقلا،
стр. 1992
فاحتجموا على اسم الله، ولا تحتجموا يوم الخميس، والجمعة، والسّبت، والأحد. واحتجموا يوم الإثنين، وما كان من جذام ولا برص إلّا نزل يوم الأربعاء» .
وقد روى أبو داود في «سننه» : من حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه: أنّه كان يكره الحجامة يوم الثّلاثاء. وقال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «يوم الثّلاثاء.. يوم الدّم، فاحتجموا) معتمدين (على اسم الله، ولا تحتجموا يوم الخميس، والجمعة؛ والسّبت؛ والأحد؛ واحتجموا يوم الإثنين، وما كان من جذام، ولا برص إلّا نزل يوم الأربعاء» ) .
قال الدّارقطني: تفرّد بهذا الحديث زياد بن يحيى، وقد رواه أيّوب عن نافع، وقال فيه: «واحتجموا يوم الاثنين والثّلاثاء، ولا تحتجموا يوم الأربعاء» . ذكره ابن القيّم قال:
(وقد روى أبو داود في «سننه» ) ؛ كتاب «الطّبّ» بسند فيه بكّار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، قال ابن معين: ليس بشيء، وابن عدي: هو من جملة الضّعفاء الذين يكتب حديثهم. وقال الذّهبيّ: إسناده ليّن، وأمّا زعم ابن الجوزيّ وضعه؟ فلم يوافقوه عليه. انتهى «مناوي» .
(من حديث أبي بكرة) - بفتح الموحّدة-: واسمه نفيع بن الحارث بن كلدة (رضي الله تعالى عنه: أنّه) ؛ أي: أبا بكرة (كان يكره الحجامة يوم الثّلاثاء) لفظ أبي داود: كان ينهى أهله عن الحجامة يوم الثّلاثاء- (وقال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «يوم الثّلاثاء) - بالمدّ- (يوم الدّم) برفع «يوم» وإضافته إلى الدّم، أي: يوم غلبة الدّم وهيجانه، أي: يفور فيه الدّم، فيحذر من إخراجه فيه بفصد أو غيره؛ لئلّا يصادف وقت فوران الدّم، فلا ينقطع فيموت.
ويحتمل أن يكون المراد «يوم الدّم» : أي: أوّل يوم أريق فيه الدّم بغير حقّ،
стр. 1993
وفيه ساعة لا يرقأ» .
فإنّه اليوم الذّي قتل فيه قابيل أخاه هابيل.
(وفيه) ؛ أي: يوم الثلاثاء (ساعة) ؛ أي: لحظة (لا يرقأ) - بهمز آخره- أي: لا ينقطع فيها دم من احتجم أو افتصد، وربما هلك الإنسان فيها بسبب عدم انقطاع الدّم. قال ابن جرير: قال زهير: مات عندنا ثلاثة ممّن احتجم.
وأخفيت هذه السّاعة!! لتترك الحجامة فيه كلّه؛ خوفا من مصادفتها، كما أخفيت ليلة القدر في أوتار العشر الأواخر.
وأخرج الدّيلمي؛ عن أنس مرفوعا: «الحجامة على الرّيق دواء، وعلى الشّبع داء، وفي سبعة عشر من الشّهر شفاء، ويوم الثّلاثاء صحّة للبدن» .
وأخرج ابن سعد، والبيهقيّ- وضعّفه- عن معقل بن يسار؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «الحجامة يوم الثّلاثاء لسبع عشرة مضت من الشّهر دواء لداء سنة» .
ويجمع بين هذا الاختلاف بحمل طلب الحجامة في الثّلاثاء؛ على ما إذا كان موافقا السّابع عشر من الشّهر. وبحمل التّحذير منها فيه؛ على ما إذا لم يوافق السّابع عشر من الشّهر. والله أعلم.
روى أبو يعلى؛ من حديث الحسين بن علي مرفوعا: «في الجمعة ساعة لا يوافقها رجل يحتجم فيها إلّا مات» .
قال المناوي: يحتمل أنّ المراد به يوم الجمعة، فيكون كيوم الثّلاثاء في ذلك، ويحتمل أنّ المراد الجمعة كلّها يعني: الأسبوع. وأنّ الحديث المشروح عيّن تلك السّاعة، في يوم الثّلاثاء، والأوّل أقرب، ولم أر من تعرّض له. انتهى.
وفي «فتاوي ابن حجر الفقهيّة» قبيل باب «المسابقة والمناضلة» ما نصّه:
وسئل رحمه الله تعالى: هل ورد النّهي عن الحجامة في بعض الأيّام؛ والأمر بها في البعض؟ فأجاب بقوله: نعم، ورد- بل صحّ- النّهي عنها يوم الجمعة؛
стр. 1994
وروى التّرمذيّ في «جامعه» وابن ماجه في «سننه» : عن أسماء بنت عميس ...
والسّبت؛ والأحد؛ والأربعاء،!! وفي روايات أخر: «إنّ يوم الثّلاثاء يوم الدّم، وإنّ فيه ساعة لا ينقطع فيها الدّم، وإنّه يخشى منها يوم الأربعاء والسّبت البرص، وأنّ في يوم الجمعة ساعة لا يحتجم فيها أحد إلّا مات» . وصح الأمر بها يوم الخميس والإثنين. والله سبحانه أعلم. انتهى.
قال الباجوري؛ على «الشّمائل التّرمذيّة» : وأفضل الأيّام لها: يوم الإثنين، وأفضل السّاعات لها: السّاعة الثانية والثالثة من النّهار. وينبغي ألاتقع عقب استفراغ؛ أو حمّام؛ أو جماع، ولا عقب شبع؛ ولا جوع، ومحلّ اختيار الأوقات المتقدّمة عند عدم هيجان الدّم. وإلّا وجب استعمالها وقت الحاجة إليها.
انتهى.
(وروى التّرمذيّ في «جامعه» ) وقال: غريب، (وابن ماجه في «سننه» ) ، والإمام أحمد، والحاكم. وقال الذّهبي: صحيح. كلّهم في «الطّبّ» ؛
(عن أسماء بنت عميس) - بعين مهملة مضمومة، ثمّ ميم مفتوحة مخفّفة، ثمّ ياء مثنّاة من تحت ساكنة، ثمّ سين مهملة آخره مصغرا الخثعميّة-.
كانت تحت جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، ثمّ قتل عنها يوم مؤتة، وولدت له عبد الله؛ ومحمّدا؛ وعونا.
ثم تزوّجها أبو بكر الصّديق رضي الله تعالى عنه فمات عنها، وولدت له محمّد ابن أبي بكر. ثمّ تزوجها عليّ ﵁ وولدت له يحيى.
روى عنها من الصّحابة: عمر بن الخطّاب، وأبو موسى الأشعريّ، وعبد الله بن عبّاس، وابنها عبد الله بن جعفر. ومن غير الصّحابة: عروة بن الزّبير؛ وعبد الله بن شدّاد.
وأسماء المذكورة أخت ميمونة بنت الحارث «زوج النبي ﷺ » ، وأخت
стр. 1995
رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ :
«بماذا كنت تستمشين؟» ، قالت: بالشّبرم، قال: «حارّ..
حارّ» ، ثمّ قالت: استمشيت بالسّنى ...
أمّ الفضل امرأة العبّاس وأخت أخواتها لأمّهنّ، وكنّ عشر أخوات لأمّ، وقيل:
تسع.
وكانت أسماء المذكورة أكرم النّاس أصهارا، فمن أصهارها: رسول الله ﷺ وحمزة، والعبّاس وغيرهم.
أسلمت أسماء قديما، قال ابن سعد: أسلمت قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم بمكة، وبايعت رسول الله ﷺ ، وكانت وفاتها بعد عليّ بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنها) وعنهم أجمعين.
(قالت) ؛ أي: أسماء (: قال) لي (رسول الله ﷺ : «بماذا) ؛ أي: بأيّ دواء (كنت تستمشين؟!» ) - أي: تطلبين مشي بطنك- أي: إخراج ما فيه.
(قالت: بالشّبرم) - بضمّ الشّين المعجمة والرّاء بينهما موحّدة ساكنة وآخره ميم، وقد يفتح أوّله- (قال: «حارّ حارّ» ) ؛ أي: شديد الحرارة، فالثّاني تأكيد لفظي، ويحتمل أن الثّاني بجيم، وشدّ الرّاء إتباع ل «حارّ» بمهملتين؛ كما في «النّهاية» ، يقال: حار جار، ويقال: حار يار- بمثنّاة تحتيّة- على الإتباع أيضا.
(ثمّ قالت) ؛ أي: أسماء (: استمشيت بالسّنى) - بفتح السّين والنّون، والقصر وقد يمدّ-: نبت معروف أجوده ما يكون بمكّة.
وشرب مائه مطبوخا أصلح من شرب «١» مدقوقا، ومقدار الشّربة منه إلى ثلاثة دراهم، ومن مائه إلى خمسة دراهم. وله منافع كثيرة؛
منها أنه إذا طبخ في زيت، وشرب نفع من أوجاع الظّهر والوركين.
стр. 1996
فقال: «لو كان شيء يشفي من الموت.. كان السّنى» .
و (الشّبرم) : قشر عرق شجرة.
(فقال) ؛ أي: النّبيّ ﷺ (: «لو كان شيء يشفي من الموت؛ كان السّنى» ) مبالغة في كثرة منافعه.
وذكر المحاسبيّ في كتابه المسمّى ب «المقصد والرّجوع إلى الله» : أنّ النّبي ﷺ شرب السّنا بالتّمر، أي: وضعهما في الماء، وشربه، أي: ليبس الطّبيعة، وبوضعهما في الماء، يندفع اجتماع حارّين، المنهيّ عنه عند الأطبّاء لضرره؛ ذكره الزرقاني مع «المواهب» .
وذكر في «المواهب» أيضا: أن الحميديّ ذكر في كتاب «الطّبّ النّبويّ» له:
أنه ﷺ قال: «إيّاكم والشّبرم!! فإنّه حارّ حارّ، وعليكم بالسّنى، فتداووا به، فلو دفع الموت شيء، لدفعه السّنى» !! انتهى.
قال العلماء: (والشّبرم) - بالشّين المعجمة المضمومة، والموحّدة السّاكنة، والرّاء المهملة المضمومة، وآخره ميم؛ كقنفذ- هو: (قشر عرق شجرة) . وفي «النّهاية» : حبّ يشبه الحمّص؛ يطبخ ويشرب ماؤه للتّداوي. وقال أبو حنيفة:
الشّبرم شجرة حارّة تسمو على ساق؛ كقعدة الصّبيّ أو أعظم، لها ورق طوال رقاق، وهي شديدة الخضرة، وزعم بعض الأعراب: أن لها حبّا صغارا كجماجم الحمر!!
وقيل: الشّبرم: نبات آخر سهليّ، له ورق طوال كورق الحرمل، وله حبّ كالعدس، أو شبه الحمّص، وله أصل غليظ ملآن لبنا، والكلّ مسهل. واستعمال لبنه خطر جدّا، وإنّما يستعمل أصله مصلحا؛ بأن ينقع في الحليب يوما وليلة، ويجدّد اللّبن ثلاث مرات، ثمّ يجفّف وينقع في عصير الهندباء والرازيانج، ويترك ثلاثة أيام، ثمّ يجفّف، وتعمل منه أقراص مع شيء من التّربد؛ والهليلج؛ والصّبر، فإنّه دواء فائق. انتهى. «شرح القاموس» «١» .
стр. 1997
وفي «سنن ابن ماجه» : عن عبد الله بن أمّ حرام [رضي الله تعالى عنه]- وكان ممّن صلّى مع رسول الله ﷺ القبلتين- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«عليكم بالسّنى والسّنّوت، فإنّ فيهما شفاء من كلّ داء، إلّا السّامّ» ، قيل: يا رسول الله؛ وما السّامّ؟ قال: «الموت» .
قال في «المواهب» : وهو من الأدوية الّتي منع الأطبّاء من استعمالها، لخطرها وفرط إسهالها، وإنّما أجازوه بالتّدبير الّذي رأيت عن «القاموس» .
(وفي «سنن ابن ماجه) و «مستدرك الحاكم» كلاهما في «الطّبّ» ؛ من حديث عمرو بن بكر السّكسكي؛ قال: حدّثنا إبراهيم بن أبي عبلة.
(عن عبد الله بن أمّ حرام) وهو عبد الله بن عمرو، وقيل: بن كعب الأنصاريّ. نزل بيت المقدس، وهو آخر من مات من الصّحابة بها، وزعم ابن حبّان: أن اسمه سمعون، له هذا الحديث، قال الحاكم: إنّه حديث صحيح، وردّه الذّهبيّ بأنّ عمرو بن بكر السّكسكي المذكور اتّهمه ابن حبّان! وقال ابن عديّ: له مناكير! انتهى.
(وكان) ؛ أي: عبد الله ابن أمّ حرام (ممّن صلّى مع رسول الله ﷺ القبلتين) ؛ أي: إليها، أي: الكعبة، وبيت المقدس (قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عليكم بالسّنى) قال ابن الأثير: يروى بضمّ السّين؛ والفتح أفصح، أي: وبالقصر: نبت معروف.
(والسّنّوت) - بوزن التّنّور والسّنّور، وسيأتي معناه- (فإنّ فيهما شفاء من كلّ داء، إلّا السّامّ) - بمهملة من غير همز-.
(قيل يا رسول الله: وما السّامّ؟ قال: «الموت» ) فيه أنّ الموت داء من جملة الأدواء، قال الشّاعر:
...
كذاك الموت ليس له دواء
стр. 1998
و (السّنى) : نبت حجازيّ، أفضله المكّيّ. واختلف في معنى (السّنّوت) على أقوال، وأقربها إلى الصّواب: أنّه ...
(والسّنا) - بفتح السّين والقصر، وبعضهم يرويه بالمدّ-: (نبت) ذو ورق رقيق، واحدته سناة، ومنه (حجازيّ) ؛ أي: نبت في الحجاز. ومنه ما يأتي من نواحي صعيد مصر، و (أفضله المكّيّ) ؛ أي: الّذي يأتي من مكّة.
وهو دواء شريف، مأمون الغائلة، قريب الاعتدال، يسهّل الصّفراء؛ والسّوداء؛ والبلغم؛ والدّم؛ كيف استعمل فهو موافق للأخلاط الأربعة، بعضها بالطّبع، وبعضها بالخاصّيّة على زعم الأطبّاء، وما طبخ منه أجود ممّا لم يطبخ، فيشرب من مائة خمسة دراهم إلى سبعة دراهم، ولا يزاد عليها!.
قال في «الهدي» : شرب مائه مطبوخا أصلح من شربه مدقوقا، ومقدار الشّرب منه إلى ثلاثة دراهم، ومن مائه إلى خمسة دراهم، وإذا أغلي بالزّيت نفع لوجع الظهر والوركين، وينفع للحكّة والجرب.
(واختلف في معنى السّنّوت) - بالفتح؛ كتنّور على المشهور، ويروى بضمّ السّين، فلا عبرة بمن أنكره، وفيه لغة على مثال سنّور وأفصحها الفتح- (على أقوال) . فقيل: هو الزّبد «١» ، وقيل: هو الجبن المعروفان وقيل: هو الرّب «٢» بضمّ الرّاء- أي: ربّ عكّة السّمن يخرج خطوطا سودا على السّمن، فتلك الخطوط هي السّنّوت. وقيل: حبّ يشبه الكمّون؛ وليس به. وقيل: هو الكمّون الكرماني. وقيل إنّه الرّازيانج، وهو الشّمار بلغة اليمن، أو الشّمر بلغة مصر، وقيل: ضرب من التّمر.
(وأقربها إلى الصّواب) في تفسير قوله «عليكم بالسّنى والسّنّوت» (أنّه) ؛
стр. 1999
العسل الّذي يكون في زقاق السّمن.
وروى التّرمذيّ: عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «تداووا من ذات الجنب بالقسط البحريّ والزّيت» .
أي: السّنّوت: (العسل) النّحل (الّذي يكون في زقاق السّمن) - بكسر الزّاي-، أي: السّقاء الّذي يجعل فيه، أي: يخلط السّنى حال كونه مدقوقا بالعسل المخالط للسّمن، ثمّ يلعق؛ فيكون أصلح من استعماله مفردا، لما في العسل والسّمن من إصلاح السّنى، وإعانته على الإسهال، لأنّ رطوبتهما تقاوم اليبس الّذي في السّنى؛ فتصلحه.
(وروى) الإمام أحمد، و (التّرمذيّ) ، وابن ماجه، والحاكم- وصحّحه- كلّهم؛ (عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ ﷺ قال: «تداووا من ذات الجنب) المراد بها هنا: رياح غليظة تحتقن تحت الجلد الّتي في الصدر والأضلاع؛ فتحدث وجعا. وليس المراد ذات الجنب الحقيقيّ الّذي تكلّم عليه الأطبّاء!! لأنّه من الأمراض المخوفة- كما سيأتي-.
(بالقسط) - بضمّ القاف- وفي لغة: بالكاف بدل القاف (البحريّ) قال المازري: القسط صنفان: بحريّ وهنديّ، والبحريّ هو القسط الأبيض، ويؤتى به من بلاد المغرب، وهو أفضل من الهنديّ. وأقلّ حرارة منه.
وقيل: هما حارّان يابسان، والهنديّ أشدّ حرّا.
وتعقّبه القرطبيّ: بأنّ البحريّ الأبيض أحد نوعي العود الهندي، فكيف يؤتى به من بلاد المغرب. والفرض أنّه هندي؟! إلا أن يعني بالمغرب: المغرب من بلاد الهند. انتهى.
وبذلك يعلم أنّ المراد بالبحري أحد نوعي الهنديّ، وهو الأبيض البحريّ.
لكن في «شرح القسطلّاني» : أنّ البحريّ يجلب من اليمن، ومنه ما يجلب من المغرب.
(والزّيت) المسخّن بأن يدقّا ناعما ويخلط به، ويدلك به محلّه، أو يلعق،
стр. 2000
و (ذات الجنب) : ورم حارّ يحدث في الغشاء المستبطن للأضلاع، وألم يشبهه يعرض في نواحي الجنب.
فإنّه نافع له، محلّل لمادّته، مقوّ للأعضاء الباطنة؛ يفتح للسّدد، وغير ذلك.
قال بعض العلماء: على المريض والطّبيب أن يعمل على أنّ الله أنزل الدّاء والدّواء، وأنّ المرض ليس بالتخليط؛ وإن كان معه، وأنّ الشّفاء ليس بالدّواء؛ وإن كان عنده، وإنّما المرض بتأديب الله، والبرء برحمته، حتى لا يكون كافرا بالله؛ مؤمنا بالدّواء، كالمنجّم إذا قال: «مطرنا بنوء كذا» ، ومن شهد الحكمة في الأشياء، ولم يشهد مجريها، صار بما علم منها أجهل من جاهلها؛ قاله الزّرقاني.
(وذات الجنب: ورم حارّ يحدث في الغشاء المستبطن) ؛ أيّ: الدّاخل (للأضلاع) ؛ أي: فيها بحيث جعل كالبطانة، وهذا هو ذات الجنب الحقيقيّ الّذي تكلّم عليه الأطبّاء.
ويحدث بسببه خمسة أمراض: الحمّى؛ والسّعال؛ والنّخس؛ وضيق النّفس؛ والنّبض المنشاري، أي: أنّ العروق تحرّك تحركا شديدا لأعلى ولأسفل، حركة تشبه حركة المنشار؛ وهو من الأمراض المخوفة. وهو من سيّء الأسقام، ولذا قال ﷺ لمّا لدّوه في مرضه؛ ظنّا منهم أنّ به ذات الجنب-:
«ما كان الله ليسلّطها عليّ» . أي: ما كان الله مريدا لأن يسلّطها عليّ رحمة بي، ورأفة عليّ.
(و) قد تطلق «ذات الجنب» على ما ذكره بقوله: (ألم يشبهه) ؛ أي: يشبه الورم الحارّ، الّذي هو ذات الجنب الحقيقيّ (يعرض) ذلك الألم (في نواحي الجنب) من رياح غليظة؛ مؤذية، تحتقن بين الصّفاقات «١» والعضل «٢» الّتي في