← Сира

Сира · id 23683

منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول

عبد الله عبادى اللحجى

Полный текст (2 342 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

......... قال الكرمانيّ: فإن قلت: ليس فيها أنّه ﷺ قد مات؟ وأجاب: بأنّ أبا بكر تلاها لأجل أنّه ﷺ قد مات. وفي حديث ابن عمر؛ عند ابن أبي شيبة: أنّ أبا بكر مرّ بعمر وهو يقول: ما مات رسول الله ﷺ ولا يموت، حتّى يقتل الله المنافقين. قال: وكانوا أظهروا الاستبشار وفرحوا بموته؛ ورفعوا رؤسهم. فقال أبو بكر لعمر: أيّها الرّجل؛ إنّ رسول الله ﷺ قد مات، ألم تسمع الله تعالى يقول إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ، وقال وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) [الأنبياء] ثمّ أتى أبو بكر المنبر فصعد عليه، فحمد الله، وأثنى عليه، فذكر خطبته: أمّا بعد؛ من كان يعبد محمّدا؛ فإنّ محمّدا قد مات، ومن كان يعبد الله؛ فإنّ الله حيّ لا يموت، قال الله تعالى وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [١٤٤/ آل عمران] الآية. وفي البخاري أنّ عمر قال: والله؛ ما هو إلّا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت، حتّى ما تقلّني رجلاي، وحتّى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، وعلمت أنّ النّبيّ ﷺ قد مات.. وفي هذا أدلّ دليل على شجاعة الصّدّيق، فإنّ الشّجاعة حدّها: ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النّبيّ ﷺ ، إذ قال أكثر النّاس: لم يمت رسول الله. واضطرب الأمر فكشفه الصّدّيق بهذه الآية، وكشف عن النّاس اضطرابهم. ففيه قوّة جأشه، وكثرة علمه، وثباته، وهو المحبّ الأكبر للنّبيّ ﷺ ، وقد وافقه على ذلك العبّاس- كما تقدّم- ووافقه المغيرة؛ كما رواه ابن سعد، وابن أمّ مكتوم كما في «مغازي أبي الأسود» ؛ عن عروة، قال: إنّ ابن أمّ مكتوم كان يتلو إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) [الزمر] ، والنّاس لا يلتفتون إليه، وكان أكثر الصّحابة على خلاف ذلك.

стр. 2102

وفي رواية: أنّ أبا بكر رضي الله تعالى عنه لمّا بلغه الخبر.. دخل بيت رسول الله ﷺ وهو يصلّي على النّبيّ ﷺ وعيناه تهملان، وغصصه ترتفع كقصع الجرّة. و (الجرّة- بالكسر-) : ما تخرجه الإبل من كروشها، فتجترّه. و (قصعها) : إخراجها مستقيمة من غير تقطيع وشدّة مضغ. فيؤخذ منه: أنّ الأقلّ عددا في الاجتهاد قد يصيب؛ ويخطئ الأكثر، فلا يتعيّن التّرجيح بالأكثر، ولا سيّما إن ظهر أنّ بعضهم قلّد بعضا؛ قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. (وفي رواية) - ذكرها في «الإحياء» ، قال العراقي: رواها ابن أبي الدّنيا في كتاب «القراء» ؛ من حديث ابن عمر بسند ضعيف-. (أنّ أبا بكر رضي الله تعالى عنه لمّا بلغه الخبر) ؛ أي: خبر وفاته ﷺ جاء ف (دخل بيت رسول الله ﷺ وهو يصلّي على النّبيّ ﷺ ؛ وعيناه تهملان) - بضمّ الميم- أي: تسيلان بالدّموع وزفراته تتردّد، (وغصصه) - جمع غصّة بالضمّ؛ كغرف وغرفة- وهي: ما يغصّ به الإنسان من طعام أو غيظ؛ على التّشبيه، (ترتفع) ؛ أي: تتصاعد وتكثر (كقصع الجرّة، والجرّة- بالكسر-) ؛ أي: بكسر الجيم، وتشديد الرّاء (: ما تخرجه الإبل من كروشها، فتجترّه) أي: تمضغه مرّة بعد أخرى (وقصعها) هو: إخراج الجرّة من الجوف إلى الشّدق؛ ومتابعة بعضها بعضا، وقد قصعت النّاقة بجرّتها: ردّتها إلى جوفها، أو مضغتها، أو قصع الجرّة: هو شدّة المضع، وضمّ بعض الأسنان على بعض؛ نقله الجوهريّ عن أبي عبيد، وبكلّ ما ذكر فسّر الحديث أنه ﷺ خطبهم على راحلته، وإنّها لتقصع بجرّتها. وقال أبو سعيد الضّرير: قصع النّاقة الجرّة: (إخراجها) من الجوف إلى الشّدق (؛ مستقيمة من غير تقطيع وشدّة مضغ) .

стр. 2103

وهو في ذلك جلد الفعل والمقال، فأكبّ عليه، فكشف عن وجهه، وقبّل جبينه وخدّيه، ومسح وجهه وجعل يبكي ويقول: بأبي أنت وأمّي ونفسي وأهلي، طبت حيّا وميتا، ... وإنّما تفعل النّاقة ذلك إذا كانت مطمئنّة ساكنة لا تسير، فإذا خافت شيئا قطعت الجرّة؛ ولم تخرجها، قال: وأصل هذا من: تقصّع اليربوع التّراب، فجعل هذه الجرّة إذا دسعت بها الناقة بمنزلة التّراب الّذي يخرجه اليربوع من قاصعائه. انتهى؛ من «شرح القاموس» وغيره. (وهو) ؛ أي: أبو بكر الصّدّيق (مع ذلك جلد الفعل والمقال) ؛ أي: ثابت العقل فيها، (فأكبّ عليه) وهو مسجّى (فكشف) الثّوب (عن وجهه، وقبّل جبينه وخدّيه، ومسح وجهه، وجعل) يقبّله و (يبكي، ويقول: بأبي أنت؛ وأمّي؛ ونفسي؛ وأهلي، طبت حيّا وميتا) . فيه جواز التّفدية بالأب والأمّ، وقد يقال: هي لفظة اعتادت العرب أن تقولها، ولا تقصد معناها الحقيقيّ، إذ حقيقة التّفدية- بعد الموت- لا تتصوّر؛ قاله الحافظ ابن حجر. ووقع في حديث ابن عبّاس؛ وعائشة عند البخاري: أنّ أبا بكر قبّل النّبيّ ﷺ بعد ما مات. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ففيه- كتقبيله [ ﷺ ] لعثمان بن مظعون بعد موته- جواز تقبيل الميت تعظيما وتبرّكا. وفي رواية غير البخاري كذلك. ووقع في رواية الإمام أحمد؛ عن عائشة: أنّ أبا بكر أتاه من قبل رأسه فحدر فاه؛ فقبّل جبهته، ثمّ قال: وانبيّاه!! ثمّ رفع رأسه فحدر فاه ثانيا؛ وقبّل جبهته، ثمّ قال: واصفيّاه!، ثمّ رفع رأسه فحدر فاه ثالثا؛ وقبّل جبهته، وقال: واخليلاه!.

стр. 2104

انقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء، فعظمت عن الصّفة، وجللت عن البكاء، وخصّصت حتّى صرت مسلاة، وعمّمت حتّى صرنا فيك سواء، ولولا أنّ موتك كان اختيارا منك؛ لجدنا لحزنك بالنّفوس، ولولا أنّك نهيت عن البكاء؛ لأنفدنا عليك ماء العيون. وعند ابن أبي شيبة؛ عن ابن عمر: فوضع أبو بكر فاه على جبين رسول الله ﷺ فجعل يقبّله، ويبكي، يقول: بأبي أنت وأمّي؛ طبت حيّا وميتا. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّ أبا بكر دخل على النّبيّ ﷺ بعد وفاته؛ فوضع فاه بين عينيه، ووضع يديه على صدغيه، وقال: وانبيّاه، واصفيّاه، واخليلاه!! أخرجه الحسن بن عرفة بن يزيد العبديّ؛ أبو علي البغداديّ، الصّدوق؛ المتوفّى سنة: سبع وخمسين ومائتين؛ وقد جاوز المائة. ذكره الطّبريّ في «الرّياض النّضرة» قال: ولا تخالف بين هذا- على تقدير صحّته- وبين ما تقدّم؛ ممّا تضمّن ثبات أبي بكر الصّدّيق، بأن يكون قد قال ذلك من غير انزعاج ولا قلق؛ خافتا بها صوته، ثمّ التفت إليهم وقال ما قال. (انقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء) قبلك، وهو النّبوّة والرّسالة، لأنك آخر الأنبياء، (فعظمت عن الصّفة) ؛ أي: النّعت، أي: إنّ كلّ صفة تقصر عنك، (وجللت عن البكاء) لأنّه لا يوازيك، (وخصّصت حتّى صرت مسلاة) ؛ أي: بحيث يتسلّون بك، (وعمّمت حتّى صرنا فيك سواء. ولولا أنّ موتك كان اختيارا منك) إذ خيّرت بينه وبين الخلد (لجدنا- لحزنك- بالنّفوس، ولولا أنّك نهيت عن البكاء؛ لأنفدنا) : أفنينا (عليك ماء الشّؤون) ؛

стр. 2105

فأمّا ما لا نستطيع نفيه عنّا.. فكمد وادّكار محالفان لا يبرحان، اللهمّ فأبلغه عنّا، اذكرنا يا محمّد- صلّى الله عليك- عند ربّك، ولنكن من بالك، فلولا ما خلّفت من السّكينة.. لم يقم أحد لما خلّفت من الوحشة، اللهمّ أبلغ نبيّك عنّا، واحفظه فينا. وعن ابن عمر أنّه لمّا دخل أبو بكر رضي الله تعالى عنه البيت وصلّى وأثنى.. عجّ أهل البيت عجيجا سمعه أهل المصلّى؛ كلّما ذكر شيئا.. ازدادوا، ... أي: مدامع العيون (فأمّا ما لا نستطيع نفيه عنّا) ؛ أي: لا نقدر على إزالته! (فكمد) - بفتح الكاف والميم- أي: حزن (وادّكار محالفان) أي: ملازمان (لا يبرحان. اللهمّ؛ فأبلغه عنّا، اذكرنا يا محمّد- صلّى الله عليك- عند ربّك) تعالى، (ولنكن من بالك، فلولا ما خلّفت من السّكينة، لم يقم أحد لما خلّفت من الوحشة، اللهمّ أبلغ نبيّك عنّا؛ واحفظه فينا) ؛ ذكره الغزاليّ في «الإحياء» . (و) أخرج سيف بن عمر التّميميّ في كتاب «الرّدة» له- كما في «شرح الإحياء» - عن سعيد بن عبد الله؛ (عن ابن عمر) بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما. (أنّه لمّا دخل أبو بكر رضي الله تعالى عنه البيت) أي: حجرة عائشة ﵂ (وصلّى وأثنى؛ عجّ أهل البيت عجيجا) أي: رفعوا صوتا (سمعه أهل المصلّى) ؛ وهم خارج المدينة المنوّرة، باعتبار ما كان في الزّمن النّبويّ. (كلّما ذكر شيئا) من الثّناء (ازدادوا) نحيبا وبكاء. أخرج ابن عساكر؛ عن أبي ذؤيب الهذليّ؛ الشّاعر المشهور، واسمه: خويلد بن خالد، كان فصيحا كثير الغريب، عاش في الجاهليّة دهرا، وأدرك

стр. 2106

فما سكّن عجيجهم إلّا تسليم رجل على الباب صيّت جلد؛ قال: السّلام عليكم يا أهل البيت كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [آل عمران: ١٨٥] . إنّ في الله خلفا من كلّ أحد، ودركا لكلّ رغبة، ... الإسلام؛ فأسلم، وعامّة شعره في حال إسلامه، قال: بلغنا أنّ النّبيّ ﷺ عليل، فأوجس أهل الحيّ خيفة على النّبيّ ﷺ ، وبتّ بليلة طويلة، حتّى إذا كان قرب السّحر نمت، فهتف بي هاتف في منامي؛ وهو يقول: خطب أجلّ أناخ بالإسلام ... بين النّخيل ومقعد الآطام قبض النّبيّ محمّد فعيوننا ... تذري الدّموع عليه بالتّسجام قال: فوثبت من نومي فزعا، فنظرت إلى السّماء، فلم أر إلّا سعد الذّابح، فعلمت أنّ النّبيّ ﷺ قبض؛ أو هو ميّت، فقدمت المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج؛ إذا أهلّوا بالإحرام، فقلت: مه؟! فقالوا: قبض رسول الله ﷺ انتهى. ثمّ حضر أبو ذؤيب سقيفة بني ساعدة، وسمع خطبة أبي بكر الصّدّيق، ورثى النّبيّ ﷺ بقصيدة منها: كسفت لمصرعه النّجوم وبدرها ... وتزعزعت آطام بطن الأبطح (فما سكّن عجيجهم إلّا تسليم رجل) . ولفظ الحديث- كما في «شرح الإحياء» -: عن ابن عمر ﵁ قال: لما توفّي رسول الله ﷺ جاء أبو بكر حتّى دخل عليه، فلمّا رآه مسجّى قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ثمّ صلّى عليه، فرفع أهل البيت عجيجا سمعه أهل المصلّى، فلمّا سكن ما بهم سمعوا تسليم رجل (على الباب صيّت) ؛ أي: جهير الصّوت (جلد) قويّ؛ (قال: السّلام عليكم يا أهل البيت) ورحمة الله وبركاته، فرددنا عليه مثل ذلك، فقال: (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ) : جزاء أعمالكم (يَوْمَ الْقِيامَةِ) [١٨٥/ آل عمران] ... (الآية) . إنّ في الله خلفا من كلّ أحد) هالك (ودركا لكلّ رغبة) ؛ أي: مرغوب فيه

стр. 2107

ونجدة من كلّ مخافة، فالله فارجوا، وبه فثقوا، فاستمعوا له وأنكروه، وقطعوا البكاء، فلمّا انقطع البكاء.. فقد صوته؛ فاطّلع أحدهم فلم ير أحدا، ثمّ عادوا فبكوا، فناداهم مناد آخر، لا يعرفون صوته: يا أهل البيت؛ اذكروا الله، واحمدوه على كلّ حال.. تكونوا من المخلصين، إنّ في الله عزاء من كلّ مصيبة، وعوضا من كلّ رغيبة، فالله فأطيعوا، وبأمره فاعملوا. فقال أبو بكر: هذا الخضر واليسع ﵉؛ قد حضرا النّبيّ ﷺ . فائت، (ونجدة من كلّ مخافة، فالله فارجوا، وبه فثقوا) : اعتمدوا، فإنّ المصاب من حرم الثّواب. (فاستمعوا له، وأنكروه، وقطعوا البكاء، فلمّا انقطع البكاء فقد صوته. فاطّلع أحدهم) إلى الباب (فلم ير أحدا. ثمّ عادوا فبكوا؛ فناداهم مناد آخر، لا يعرفون صوته: يا أهل البيت؛ اذكروا الله، واحمدوه على كلّ حال؛ تكونوا من المخلصين، إنّ في الله عزاء) : تسلية (من كلّ مصيبة، وعوضا من كلّ رغيبة، فالله فأطيعوا، وبأمره فاعملوا) . في شرح «الإحياء» بدله: وعوضا من كلّ هلكة؛ فبالله فثقوا، وإيّاه فأطيعوا، فإنّ المصاب من حرم الثّواب. (فقال أبو بكر) الصّدّيق رضي الله تعالى عنه (: هذا الخضر) - بفتح الخاء، وكسر الضّاد المعجمتين- واسمه: بليا بن ملكان، (واليسع) . قال العراقيّ: لم أجد فيه ذكر اليسع!!. وفي «شرح الإحياء» : هذا الخضر وإلياس ﵉ قد حضرا) وفاة (النّبيّ ﷺ .

стр. 2108

......... قال الحافظ ابن حجر في «الإصابة» ؛ بعد أن أورده: وسيف فيه مقال، وشيخه لا يعرف. انتهى. قال «شارح الإحياء» قلت: هو سعيد بن عبد الله بن ضرار بن الأزور، روى عن أبيه وعن غيره، وفيه وفي أبيه مقال، وقد تقدّم قريبا. ثمّ قال العراقيّ: وأمّا ذكر الخضر في التّعزية!! فأنكر النّوويّ وجوده في كتب الحديث، وقال: إنّما ذكره الأصحاب. قلت «١» : بل قد رواه الحاكم في «المستدرك» من حديث أنس، ولم بصحّحه، ولا يصحّ. انتهى. قلت: وجدت بخطّ الشّمس الداودي ما نصّه: قول الشّيخ «إنّ الحاكم لم يصحّحه» صحيح، لكنّه مشعر بكونه لم يضعّفه!! وليس كذلك، فإنّه ساقه من رواية عبّاد بن عبد الصّمد، ثمّ قال: وعباد ليس من شرط هذا الكتاب!. انتهى ملخّصا من «شرح الإحياء» فراجعه فيه، فإنّه ساق الحديث من وجوه عديدة من طريق أنس؛ وعليّ بن أبي طالب مرفوعا؛ ومرسلا بألفاظ مختلفة. وما في هذا الحديث يدلّ على حياة الخضر، وقد أنكره جماعة؛ منهم ابن الجوزي، وقال: إنّه لو كان حيّا لاجتمع بالنّبيّ ﷺ ولو اجتمع به لورد!! وقد ردّ النّاس على من أنكر ذلك. قال ابن الصّلاح: الخضر حيّ عند جماهير العلماء والصّالحين، وإنّما شذّ بإنكاره بعض المحدّثين. وقال النّوويّ في «شرح مسلم» : جمهور العلماء أنّه حيّ موجود بين أظهرنا، وذلك متّفق عليه عند الصّوفيّة، وأهل الصّلاح والمعرفة. انتهى. وألّف غير واحد كتبا في ذلك، آخرهم شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر

стр. 2109

واستوفى القعقاع بن عمرو [رضي الله تعالى عنه] حكاية خطبة أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال: قام أبو بكر في النّاس خطيبا حيث قضى النّاس عبراتهم بخطبة جلّها الصّلاة على النّبيّ ﷺ ، فحمد الله، وأثنى عليه على كلّ حال، ... العسقلاني رحمه الله تعالى «١» . وقد ذكر الخضر في «الإصابة» وبسط الكلام فيه بما لا يوجد لغيره. وقد ورد في عدّة أحاديث اجتماعة بالنّبيّ ﷺ ! وعندي أنّها وإن كانت ضعيفة؛ فكثرة الطّرق والأخبار تقوّيها، وتعزيته للصّحابة عند موت النّبيّ ﷺ وقول عليّ بن أبي طالب «هذا الخضر» ، وسكوت الصّحابة على ذلك يكاد يكون إجماعا، وقصّة اجتماعه بعمر بن عبد العزيز: إسنادها صحيح. انتهى كلام السّيوطيّ في كتاب «تأييد الحقيقة العليّة وتشييد الطريقة الشاذلية» ص (٨٨) رحمه الله تعالى. قال في «الإحياء» : (واستوفى القعقاع بن عمرو) التّميميّ أخو عاصم (حكاية خطبة أبي بكر رضي الله تعالى عنه) ، وكان القعقاع من الفرسان الشّجعان، قيل: إنّ أبا بكر كان يقول: لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل! وله في قتال الفرس بالقادسيّة وغيرها بلاء عظيم، وهو الّذي غنم في فتح المدائن أدراع كسرى، وكان فيها درع لهرقل، ودرع لخاقان، ودرع للنّعمان، وسيفه، وسيف كسرى، فأرسلها سعد إلى عمر بن الخطّاب ﵄. قال ابن عساكر: يقال: إنّ له صحبة! وكان أحد فرسان العرب وشعرائهم، شهد فتح دمشق، وأكثر فتوح العراق، وله في ذلك أشعار مشهورة. وقال ابن السّكن: ويقال: هو القعقاع بن عمرو بن معبد التّميمي. (فقال: قام أبو بكر في النّاس خطيبا حيث قضى النّاس عبراتهم بخطبة جلّها) ؛ أي: معظمها (الصّلاة على النّبيّ ﷺ ثمّ بيّن نصّ الخطبة، فقال: (فحمد الله، وأثنى عليه على كلّ حال) من الأحوال في السّرّاء والضّراء،

стр. 2110

وقال: أشهد ألاإله إلّا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلله الحمد وحده. وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، وخاتم أنبيائه، وأشهد أنّ الكتاب كما نزل، وأنّ الدّين كما شرع، وأنّ الحديث كما حدّث، وأنّ القول كما قال، وأنّ الله هو الحقّ المبين. (وقال: أشهد ألاإله إلّا الله) أعلم وأعتقد بقلبي، وأبيّن لغيري ألامعبود بحقّ في الوجود إلّا الله (وحده) حال كونه منفردا، (صدق وعده) بإظهار دينه، (ونصر عبده) محمّدا رسوله ﷺ ، (وغلب الأحزاب) : جماعات الكفّار الّذين تجمّعوا يوم الخندق لاستئصال النّبيّ ﷺ والمسلمين؛ فهزمهم الله (وحده) بدون عدّة ولا عدد، (فلله الحمد وحده. وأشهد) : أعلم وأعتقد بقلبي، وأبيّن لغيري (أنّ) سيّدنا (محمّدا عبده) إنّما قدّم الوصف بالعبودية على الوصف بالرّسالة!! امتثالا لقوله ﷺ : «ولكن قولوا: عبد الله ورسوله» . ومعنى العبودية: التّذلّل والخضوع، وهي: وصف شريف جليل، ولذا وصف بها في أشرف المقامات؛ كمقام الإسراء، فقال تعالى سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [١/ الإسراء] ومقام إنزال الكتاب قال تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ [١/ الكهف] (ورسوله) أرسله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه، (وخاتم أنبيائه) ورسله، قال تعالى وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [٤٠/ الأحزاب] ويلزم من ختم الأعمّ ختم الأخصّ. (وأشهد أنّ الكتاب) القرآن (كما نزل) لم يقع فيه تغيير، ولا تبديل؛ بل هو كما أنزله الله حقّ وصدق، (وأنّ الدّين كما شرع) الله، وهو دين صحيح سماويّ، (وأنّ الحديث كما حدّث) ممّا تضمّنه القرآن، (وأنّ القول كما قال) ، فهو مطابق للواقع، (وأنّ الله هو الحقّ) المتحقّق الثّابت وجوده (المبين) : البيّن الظّاهر الّذي لا خفاء فيه.

стр. 2111

اللهمّ؛ فصلّ على محمّد عبدك، ورسولك، ونبيّك، وحبيبك، وأمينك وخيرتك، وصفوتك.. بأفضل ما صلّيت به على أحد من خلقك. اللهمّ؛ واجعل صلواتك، ومعافاتك، ورحمتك، وبركاتك.. على سيّد المرسلين، وخاتم ... (اللهمّ) - بميم مشدّدة مزيدة آخرا؛ عوضا من حرف النّداء، إذ أصله: يا الله- قال الفاسي: هو توجّه للمطلوب، وطلب لحصول المرغوب بالتّوسّل بالاسم الأعظم الّذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. وإنما جعل هذا الاسم العظيم في أوائل الأدعية غالبا!! لأنّه جامع لجميع معاني الأسماء الكريمة، وهو أصلها. (فصلّ) ؛ أي: أثن عليه عند ملائكتك، أو شرّف وكرّم، أو عظّم أو اعتن وزد الخير، أو اجعل اللّطف والرّحمة المقترنة بالتّعظيم المنبعثة عن العطف والحنان (على محمّد عبدك؛ ورسولك؛ ونبيّك؛ وحبيبك؛ وأمينك) على وحيك، (وخيرتك) من خلقك، (وصفوتك) من عبادك (بأفضل ما صلّيت به على أحد من خلقك. اللهمّ؛ واجعل صلواتك) جمع صلاة؛ أي: حنانك ورحمتك وعطفك، (ومعافاتك ورحمتك) بإفراد لفظ «رحمة» و «معافاة» ؛ وجمع ما سواهما. وفيه دليل للدّعاء له ﷺ بالرّحمة، لكن بالتّبع لغيرها؛ كما هنا. (وبركاتك) جمع بركة؛ أي: خيراتك النّامية نازلة ومتوالية. (على سيّد المرسلين) ؛ أي: رئيسهم وأفضلهم، أي: أفرغ وأحلل عليه، فيعمّه ويشمله من كلّ وجه، ويكون محلّا لهذه الفضائل. (وخاتم) ؛ بفتح التّاء وكسرها، وقد قرىء بهما معا في قوله تعالى وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [٤٠/ الأحزاب] فبالفتح: اسم لما يختم به، فهو كالخاتم والطابع، الّذي هو آلة للختم الّذي يكون عند التّمام والانتهاء. وبالكسر: بمعنى

стр. 2112

النّبيّين وإمام المتّقين، محمّد قائد الخير، وإمام الخير، ورسول الرّحمة. أنّه ختم (النّبيّين) ؛ أي: جاء آخرهم، فلم يبق بعده نبيّ ولا معه. (وإمام المتّقين) ؛ أي: قدوتهم. وأصل الإمام: المتّبع والهادي لمن اتّبعه، والمتقدّم بين يدي القوم، والشّفيع لمن خلفه. والمتّقين: جمع متّق؛ وهو: الممتثل لأوامر الله تعالى المجتنب لنواهيه، ثم يتّقي الشّبهات، ثمّ الشهوات والفضلات، وكلّ ما يوجب النّقص؛ أو البعد عن الله، ثمّ يتّقي غير الله أن يساكنه باعتماد؛ أو ميل؛ أو استناد. وهو ﷺ أتقى الخلق لله، وأعرفهم به، وأشدّهم له خشية، وأكثرهم له طاعة، وأجهدهم في عبادته، وتقواه لا تدرك؛ ولا يبلغها التّعبير، ولا تدرى نهاية ما إليه بها يشير، فهو المتقدّم عليهم وقدوتهم وقائدهم إلى الصّراط المستقيم. (محمّد قائد) ؛ اسم فاعل من قاده يقوده: جذبه من أمام، بسبب حسّي أو معنويّ ليتبعه (الخير) هو: كلّ أمر محمود لموافقته للغرض، والمراد: أنّه ﷺ قائد إلى الصّراط المستقيم؛ الموصل إلى الأغراض؛ الموافقة في الآخرة، حيث النّفع الذي لا ضرر فيه، والحسن الّذي لا قبح معه، والمحبوب الّذي لا مكروه عنده، فكأنّ الإضافة على معنى اللّام، أي قائد إلى الخير. (وإمام الخير) الإضافة على معنى «في» أي: إمام في الخير، أو بمعنى: اللّام؛ أي: إمام موصل إلى الخير. (ورسول الرّحمة) قال الله تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) [الأنبياء] وقال تعالى بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) [التوبة] وقال ﷺ : «إنّما أنا رحمة مهداة» ، وقال: «إنّما بعثت رحمة، ولم أبعث عذابا» فبعثه الله تعالى رحمة لأمّته؛ ورحمة للعالمين، حتّى للكفّار بتأخير العذاب، وللمنافقين بالأمان، فمن

стр. 2113

اللهمّ؛ قرّب زلفته، وعظّم برهانه، وكرّم مقامه، وابعثه مقاما محمودا ... اتّبعه رحم به في الدّنيا بنجاته فيها من العذاب؛ والخسف والقذف والمسخ والقتل وذلّة الكفر والجزية؛ ورحم قلبه بالإيمان بالله، ونجا من صلاء نيران القطيعة عن الله. وفي الآخرة بنجاته فيها من العذاب المخلّد؛ والخزي المؤبّد، وبتعجيل الحساب؛ وتضعيف الثّواب، وحصوله على الخير الكثير والملك الكبير. (اللهمّ) يا الله؛ (قرّب زلفته) ؛ أي: زده قربا، (وعظّم برهانه) : أي حجّته، أي: زدها عظاما. وتقوية وبهورا، (وكرّم مقامه) ؛ أي: زده تكريما ورفعة، (وابعثه) هو فعل دعاء؛ من بعثه يبعثه- مفتوح العين فيهما- بعثا، وهو: إثارة ساكن في حالة أو وصف أو حكم؛ كنوم أو موت أو أيّ حالة ووصف كان، وتحريكه نحو حالة ووصف آخر؛ كاليقظة والحياة والقيام ونحوها (مقاما) بفتح الميم الأولى-: اسم مصدر القيام، أو اسم مكانه. وعلى الأوّل: يكون منصوبا على المفعول المطلق، لأنّ البعث والإثارة والإقامة بمعنى واحد. وعلى الثّاني! فقيل: إنّه منصوب على الظّرفية بتقدير: ابعثه يوم القيامة؛ فأقمه. والقيام هنا بمعنى: الوقوف، أو بتضمين «ابعثه» معنى: أقمه. وعلى كليهما!! يصحّ أن يكون منصوبا على أنّه مفعول به؛ على تضمين «ابعثه» معنى: أعطه، ويجوز أن يكون حالا، أي: ابعثه ذا مقام. (محمودا) نعت للمقام، وهو من الإسناد المجازيّ؛ أي: محمودا صاحبه، أو القائم فيه، وهو النّبيّ ﷺ لاختصاص الوصف بالحمد بذوي العلم، ولما جاء في الحديث: أنّه ﷺ يحمده في هذا المقام الأوّلون والآخرون. ونكّر «مقاما محمودا» !! قال الطّيبي: لأنّه أفخم وأجزل، كأنّه قيل: مقاما محمودا بكلّ لسان، وهو مطلق في كلّ ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات.

стр. 2114

يغبطه به الأوّلون والآخرون، وانفعنا بمقامه المحمود يوم القيامة، واخلفه فينا في الدّنيا ... وقيّدوه بأنّه: الشّفاعة العظمى في فصل القضاء؛ أي: تعجيل الحساب، يحمده فيه الأوّلون والآخرون، وادّعوا على ذلك الإجماع!! ويشهد لذلك الأحاديث الصّحيحة الصّريحة، والآثار عن الصّحابة والتّابعين. (يغبطه) ﷺ ؛ من غبطه يغبطه: كضربه يضربه. وقال في «القاموس» : كضربه وسمعه. والاسم: الغطبة- بكسر الغين-؛ وهو تمنّي حصول مثل النّعمة الحاصلة للمنعم عليه؛ من غير زوالها عنه. وقد نظم بعضهم هذا المعنى؛ فقال: وقد غبطت المرء في أحواله ... أغبطه- بالكسر- في أعماله أعني: تمنّيت لنفسي مثل ما ... له، ولا يسلب تلك النّعما وقد يراد بالغبطة لازمها؛ وهو المحبّة والسّرور بما رآه فقط. (به) أي: فيه، أي: في هذا المقام (الأوّلون) : جمع أوّل، (والآخرون) : جمع آخر، يعني: من الحاضرين في ذلك اليوم. والأوّل: ما يترتّب عليه غيره، ويستعمل في التّقدّم الزّمانيّ؛ والرّياسيّ؛ والوضعيّ؛ والنّسبيّ؛ والنّظم الصّناعيّ. والآخر: ما يترتّب على غيره، ويستعمل في جميع ذلك، لكن في التّأخّر. (وانفعنا بمقامه المحمود) ؛ بتخفيف الهول والحساب، وتقصير مدّة المقام، وإدخال الجنّة دار السّلام (يوم القيامة) معمول ل «انفعنا» . وسمّي «يوم القيامة» ! لقيام السّاعة فيه، وقيام الخلق فيه من قبورهم، وقيامهم لربّ العالمين ما شاء الله، وقيامهم للحساب وقيام الحجّة لهم وعليهم، وله نحو مائة اسم! انظرها- إن شئت- في «البدور السّافرة» و «الإحياء» . وأوّله من النّفخة الثّانية إلى استقرار الخلق في الدّارين: الجنّة والنّار. (واخلفه فينا) بأحسن الخلف؛ (في الدّنيا) بملازمة الطّاعة، والتّمسّك

стр. 2115

والآخرة، وبلّغه الدّرجة والوسيلة في الجنّة. اللهمّ؛ صلّ على محمّد، وعلى آل محمّد، ... بالشّريعة، (والآخرة) بأن تقرّ عينه بنا إذ نوافيه سالمين من التّغيير والتّبديل. (وبلّغه الدّرجة) ؛ أي: المنزلة، وهي على حذف النّعت؛ أي: الرّفيعة، وهي الرّتبة الزّائدة على سائر الخلائق: العالية الشّأن، السّامية المكانة والمكان. (والوسيلة) هي: أعلى درجة في الجنّة. هكذا في الحديث، وفي آخر- عند ابن عساكر- عن الحسن بن علي: «فإنّ وسيلتي عند ربّي شفاعة لكم» . وقيل: الوسيلة هي القربة. وقال الشيخ أبو محمد عبد الجليل القصري في «شعب الإيمان» : إنّ وسيلته ﷺ هو: أن يكون في الجنّة، في قربه من الله تعالى بمنزلة الوزير من الملك بغير تمثيل؛ لا يصل لأحد شيء إلّا بواسطته. انتهى. وهو موافق لما تقدّم من تفسيرها بالشّفاعة لأمّته، ويفسّر العلوّ؛ في أنّها أعلى درجة في الجنّة بالعلوّ المعنويّ. ومقتضى ما لابن كثير: أنّه فسّره بالعلوّ الحسّيّ؛ وهو قوله: الوسيلة علم على أعلى منزلة في الجنّة، وهي منزلة رسول الله ﷺ وداره في الجنّة، وهي أقرب أمكنة الجنّة إلى العرش. انتهى. وكلاهما صحيح. والله أعلم؛ قاله الفاسي. (في الجنّة) هي دار الثّواب في الآخرة. (اللهمّ) ؛ أي: يا الله (صلّ على محمّد) ؛ أي: ارحمه رحمة مقرونة بالتّعظيم، (وعلى آل محمّد) هم: بنو هاشم وبنو المطّلب عند الشّافعي. ويحتمل أنّه أراد ب «آله» كلّ تقيّ، كما اختاره جماعة من العلماء، وقيل: إنّ آله جميع أمّته. وفي إعادة كلمة «على» ردّ على الشّيعة في قولهم «إنّ جمع الآل مع النّبيّ ﷺ في الصّلاة بكلمة- على- لا يجوز، ويجب ترك الفصل بينه وبين آله» ؟! وينقلون في ذلك حديثا لا يصحّ.

стр. 2116

وبارك على محمّد، وعلى آل محمّد، كما صلّيت وباركت على إبراهيم، ... (وبارك) أي: أفض بركات الدّين والدّنيا، أو أدم ما أعطيت من التّشريف؛ والكرامة والبركة، وكثرة الخير والكرامة، ونمائهما، والزّيادة منهما. أو هي: الثّبات على ذلك، أو هي: التّطهير والتّزكية من المعائب، أو هي: الزّيادة في الدّين والذّريّة (على محمّد، وعلى آل محمّد. كما) - الكاف للتّشبيه، وقيل: للتعليل. و «ما» : مصدريّة؛ أو موصولة- (صلّيت) جملة هي صلة الموصول، فلا محلّ لها. (وباركت) معطوف على «صلّيت» (على إبراهيم) الخليل ﵊ بالتّشبيه بإبراهيم ﵇. وهنا سؤال يورده العلماء قديما وحديثا. وهي: أنّ القاعدة أنّ المشبّه بالشّيء أعلى رتبة أن يكون مثله، وقد يكون أدنى، وأما أعلى! فلا يكون. ومن المعلوم المقرّر في القواعد: أنّ نبيّنا محمّدا ﷺ أفضل من إبراهيم ﵇، فكيف يخرج عن ظاهر هذه الصّيغة الواردة في الحديث على القاعدة المقرّرة!؟ وقد أجابوا عن ذلك بأجوبة كثيرة؛ نذكر منها ما رأيناه أقرب. منها أنّه: إنّما قيل ذلك لتقدّم الصّلاة على إبراهيم ﵇، وقول الملائكة في بيته: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) [هود] ، أي: كما تقدّمت منك الصّلاة على إبراهيم ﵇، فنسأل منك الصّلاة على محمّد ﵊ بطريق الأولى، لأنّ الّذي ثبت للفاضل ثبت للأفضل؛ بطريق الأولى، ولذلك ختم بما ختم الآية؛ وهو قوله: «إنّك حميد مجيد» . والتّشبيه إنّما هو لأصل الصّلاة بأصل الصّلاة؛ لا للقدر بالقدر. فهو كقوله تعالى* إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ [١٦٣/ النساء] ، وقوله تعالى كُتِبَ

стр. 2117

......... عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [١٨٣/ البقرة] ، وقوله تعالى وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [٧٧/ القصص] . ومنها أنّه قال ذلك تواضعا وشرعة لأمّته؛ ليكتسبوا به الفضيلة والثّواب. ومنها أنّ الدّعاء للاستقبال، فما كان من خير قد أعطيه النّبيّ ﷺ قبل الدّعاء لم يقع في التّشبيه، وإنّما وقع في التّشبيه الزائد على ما كان عنده، فطلب أن يكون له مثل ما كان لإبراهيم؛ زيادة على ما خصّه الله تعالى به قبل السّؤال. ومنها دفع المقدّمة المذكورة أوّلا؛ وهي: أنّ المشبّه به يكون أرفع من المشبّه: بأنّ ذلك ليس مطّردا؟! بل قد يكون التّشبيه بالمثل؛ بل بالدّون!! كما في قوله تعالى مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ [٣٥/ النور] ، وأين يقع نور المشكاة من نوره تعالى!؟ ولكن لمّا كان المراد من المشبّه به أن يكون شيئا ظاهرا واضحا للسّامع؛ حسن تشبيه النّور بالمشكاة، وكذا هنا: لمّا كان تعظيم إبراهيم ﵇ وآل إبراهيم بالصّلاة عليهم واضحا مشهورا عند جميع الطّوائف؛ حسن أن يطلب لمحمّد وآل محمّد بالصّلاة عليهم مثل ما حصل لإبراهيم ﵇ وآل إبراهيم ﵇. ويؤيّد ذلك ختم الطّلب المذكور بقوله: في العالمين؛ كما جاء في رواية الصّلاة الإبراهيميّة، أي: كما أظهرت الصّلاة على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم في العالمين. فالتّشبيه المذكور ليس من باب إلحاق النّاقص بالكامل، لكن من إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر. وقالوا أيضا؛ في خصوص التّشبيه بإبراهيم دون غيره من الأنبياء- على جميعهم الصّلاة والسّلام-: إنّ ذلك لأبوّته، فكان أقرب إليه من غيره. ولأن التّشبيه بالآباء والفضائل مرغوب فيه، ولرفعة شأنه في الرّسل عليهم الصّلاة والسّلام، ولما هو معروف لهم في هذه الملّة الشّريفة؛ ممّا لا يحتاج إلى تعريف به، ولا بيان له؛ الّذي منه موافقته في معالم الملّة. وكأنّ هذا يلاحظ قوله تعالى مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ [٧٨/ الحج] .

стр. 2118

إنّك حميد مجيد. يا أيّها النّاس؛ إنّه من كان يعبد محمّدا.. فإنّ محمّدا قد مات، ومن كان يعبد الله.. فإنّ الله حيّ لم يمت، وإنّ الله قد تقدّم إليكم في أمره فلا تدعوه ... ولأنّه ﷺ أراد أن يبقى ذلك كلّه إلى يوم الدّين، ويجعل له به لسان صدق في الآخرين، كما جعله لإبراهيم ﵊؛ مقرونا بما وهب الله تعالى له ﷺ من ذلك، ولمشاركته له في التأذين بالحجّ وإجابة لدعائه بقوله وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) [الشعراء] ، ولأنه ﷺ أمر بالاقتداء به. وممّا يعزى للشيخ أبي محمد المرجاني أنّه قال: سرّ التشبيه بإبراهيم؛ دون موسى ﵉!! لأنه كان التجلّي له بالجلال؛ فخرّ موسى صعقا، والخليل إبراهيم كان التجلي له بالجمال، لأنّ المحبّة والخلّة من آثار التجلّي بالجمال، فأمرهم ﷺ أن يصلّوا عليه كما صلى على إبراهيم، ليسألوا له التجلّي بالجمال؛ لا التسوية فيه، فيتجلّى لكل منهما بحسب مقامه ورتبته عنده. (إنّك حميد) ؛ فعيل بمعنى مفعول، لأنّه حمد نفسه وحمده عباده. أو بمعنى فاعل، لأنه الحامد لنفسه؛ ولأعمال الطّاعات من عباده. (مجيد) من المجد؛ وهو الشرف والرفعة وكرم الذات والفعال التي منها كثرة الأفضال، والمعنى إنّك أهل الحمد والفعل الجميل والكرم والإفضال؛ فأعطنا سؤلنا ولا تخيّب رجاءنا. (يا أيّها النّاس؛ إنّه من كان يعبد محمّدا؛ فإنّ محمّدا قد مات، ومن كان يعبد الله؛ فإنّ الله حيّ لم يمت، وإنّ الله تقدّم إليكم في أمره) ، أي: قدّم لكم في كلامه إذ قال وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ [٣٤/ الأنبياء] ، (فلا تدعوه) : تتركوا العمل به

стр. 2119

جزعا، فإنّ الله قد اختار لنبيّه ﷺ ما عنده على ما عندكم، وقبضه إلى ثوابه، وخلّف فيكم كتابه وسنّة نبيّه ﷺ ، فمن أخذ بهما.. عرف، ومن فرّق بينهما.. أنكر. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [النساء: ١٣٥] . ولا يشغلنّكم الشّيطان بموت نبيّكم، ولا يفتننّكم عن دينكم، وعاجلوا الشّيطان بالخير تعجزوه، ولا تستنظروه فيلحق بكم ويفتنكم. (جزعا) ؛ لأجل الجزع، أي: شدّة الحزن الذي أصابكم بموته. (فإنّ الله قد اختار لنبيّه ﷺ ما عنده) من الكرامة في الآخرة؛ (على ما عندكم) من متاع الحياة الدنيا، (وقبضه إلى ثوابه) وجنّته؛ بعد أن ترككم على المحجّة البيضاء. (وخلّف فيكم كتابه) القرآن، (وسنّة نبيّه ﷺ ؛ أي: جعلهما يخلفانه في استفادة الأحكام الشرعية فتمسّكوا بهما، (فمن أخذ) ؛ أي: تمسّك (بهما) ؛ أي: الكتاب والسنّة وعمل بما فيهما (عرف) ؛ أي: فعل أمرا معروفا في الشرع وصار من العارفين. (ومن فرّق بينهما أنكر) أي: أتى أمرا منكرا، لأن السنة بيان للكتاب، فهما متلازمان في تطبيق الأحكام الشرعية لا تناقض بينهما ولا تخالف. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ) ؛ أي مديمين القيام (بِالْقِسْطِ) [١٣٥/ النساء] : بالعدل، فمن عدل مرة أو مرتين لا يكون قوّاما. (ولا يشغلنّكم الشّيطان بموت نبيّكم) عن الاستقامة على الحقّ، (ولا يفتننّكم) الشيطان بالرجوع (عن دينكم، وعاجلوا الشّيطان بالخير) ؛ أي: تحصنوا منه بعمل الخير (تعجزوه) ؛ أي: يندفع عنكم، (ولا تستنظروه) : تمهلوه حتى يتمكّن منكم (فيلحق بكم ويفتنكم) . رواه بطوله سيف بن عمر التميمي في كتاب «الفتوح» له؛ عن عمرو بن تمام؛ عن أبيه؛ عن القعقاع.

стр. 2120

وقال ابن عبّاس: لمّا فرغ أبو بكر من خطبته.. قال: يا عمر؛ أنت الّذي بلغني أنّك تقول: (ما مات نبيّ الله ﷺ ؟!) أما ترى أنّ نبيّ الله ﷺ قال يوم كذا: كذا وكذا، ويوم كذا: كذا وكذا، وقال الله تعالى في كتابه: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: ٣٠] . فقال: والله؛ لكأنّي لم أسمع بها في كتاب الله قبل الآن لما نزل بنا، أشهد أنّ الكتاب كما نزل، وأنّ الحديث كما حدّث، وأنّ الله حيّ لا يموت، ... قال ابن أبي حاتم: سيف متروك. وأخرجه ابن السّكن من طريق إبراهيم بن سعد؛ عن سيف بن عمر؛ عن عمرو عن أبيه. وقال: سيف بن عمر ضعيف. قلت: هو من رجال الترمذي! وهو؛ وإن كان ضعيفا في الحديث؛ فهو عمدة في التاريخ مقبول النقل؛ قاله في «شرح الإحياء» . (و) في «الإحياء» للغزالي: (قال ابن عبّاس) رضي الله تعالى عنهما (: لمّا فرغ أبو بكر من خطبته؛ قال: يا عمر؛ أنت الّذي بلغني) عنك (أنّك تقول: ما مات نبيّ الله ﷺ !! أما ترى [أنّ] نبيّ الله ﷺ قال يوم كذا: كذا وكذا، ويوم كذا: كذا وكذا!! وقال الله تعالى في كتابه إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) [الزمر] ) . فأخبر بأنه سيموت فكيف تنكره؟!!. (فقال) أي: عمر ﵁ (: والله؛ لكأنّي لم أسمع بها!!) ؛ أي: هذه الآية (في كتاب الله قبل الآن لما نزل بنا) من الدّهشة والحيرة بوفاة رسول الله ﷺ . (أشهد أنّ الكتاب كما نزل، وأنّ الحديث كما حدّث، وأنّ الله حيّ لا يموت،

стр. 2121

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وصلوات الله على رسوله، وعند الله نحتسب رسوله ﷺ . ثمّ جلس إلى أبي بكر. إنّا لله) ملكا وعبيدا؛ يفعل بنا ما يشاء. (وإنّا إليه راجعون) في الآخرة فيجازينا. (وصلوات الله) تعالى متتابعة (على رسوله) ﷺ ، (وعند الله نحتسب رسوله ﷺ ، ثمّ جلس إلى أبي بكر) الصديق. ثم رجع عمر عن مقالته التي قالها؛ كما ذكره أبو نصر: عبد الله الوائلي؛ في كتاب «الإبانة» ؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: «أنه سمع عمر بن الخطاب حين بويع أبو بكر في مسجد رسول الله ﷺ واستوى على منبره؛ تشهّد عمر ثم قال: أمّا بعد؛ فإنّي قلت لكم أمس مقالة، وإنّها لم تكن كما قلت، وإنّي والله، ما وجدت المقالة الّتي قلت لكم في كتاب الله؛ ولا في عهد عهد لي رسول الله ﷺ ؛ ولكنّي كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتّى يدبرنا- أي: يكون آخرنا موتا- فاختار الله لرسوله الّذي عنده على الّذي عندكم. وهذا الكتاب الّذي هدى الله به رسوله؛ فخذوا به تهتدوا لما هدي له رسول الله ﷺ . انتهى. وفي آخر هذا الخبر عند ابن إسحاق: فبايع النّاس أبا بكر البيعة العامّة بعد بيعة السّقيفة، ثمّ تكلّم أبو بكر» ... الحديث؛ قال أبو نصر الوائلي: المقالة التي قالها عمر ثم رجع عنها هي قوله «إنّ النّبيّ ﷺ لم يمت ولن يموت حتّى يقطع أيدي وأرجل رجال من المنافقين» . وكان ذلك لعظيم ما ورد عليه، وخشي الفتنة وظهور المنافقين. فلما شاهد عمر قوّة يقين الصدّيق الأكبر، وتفوّهه بقول الله كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [١٨٥/ آل عمران] . وقوله: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [٣٠/ الزمر] ، وخرج الناس يتلونها في سكك المدينة المنوّرة؛ كأنّها لم تنزل قطّ إلّا ذلك اليوم؛ رجع عن تلك المقالة، والله أعلم.

стр. 2122

......... قال في «المواهب» : ولما تحقّق عمر بن الخطاب موته ﷺ بقول أبي بكر الصديق، ورجع إلى قوله؛ قال عمر وهو يبكي: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله؛ لقد كان لك جذع تخطب النّاس عليه، فلمّا كثروا واتّخذت منبرا لتسمعهم فحنّ الجذع لفراقك؛ حتّى جعلت يدك عليه فسكن، فأمّتك أولى بالحنين عليك حين فارقتهم. بأبي أنت وأمّي يا رسول الله؛ لقد بلغ من فضيلتك عند ربّك أن جعل طاعتك طاعته، فقال مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [٨٠/ النساء] . بأبي أنت وأمّي يا رسول الله؛ لقد بلغ من فضيلتك عنده أن بعثك آخر الأنبياء، وذكرك في أوّلهم؛ فقال تعالى وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ [٧/ الأحزاب] . بأبي أنت وأمّي يا رسول الله؛ لقد بلغ من فضيلتك عنده أنّ أهل النّار يودّون أن يكونوا أطاعوك وهم بين أطباقها يعذّبون، يقولون: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرّسول. بأبي أنت وأمّي يا رسول الله؛ لئن كان موسى بن عمران أعطاه الله حجرا تنفجر منه الأنهار، فما ذاك بأعجب من أصابعك حين نبع منها الماء؛ صلّى الله عليك. بأبي أنت وأمّي يا رسول الله؛ لئن كان سليمان بن داود أعطاه الله ريحا غدوّها شهر ورواحها شهر، فما ذاك بأعجب من البراق حين سريت عليه إلى السّماء السّابعة؛ ثمّ صلّيت الصّبح من ليلتك بالأبطح، صلّى الله عليك. بأبي أنت وأمّي يا رسول الله؛ لئن كان عيسى بن مريم أعطاه الله تعالى إحياء الموتى، فما ذاك بأعجب من الشّاة المسمومة حين كلّمتك وهي مسمومة؛ فقالت: لا تأكلني؛ فإنّي مسمومة. بأبي أنت وأمّي يا رسول الله؛ لقد دعا نوح على قومه؛ فقال: ربّ لا تذر على

стр. 2123

وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لمّا اجتمعوا لغسله.. قالوا: والله ما ندري كيف نغسّل رسول الله ﷺ ؛ أنجرّده عن ثيابه كما نصنع بموتانا، أم نغسّله في ثيابه؟ قالت: فأرسل الله عليهم النّوم حتّى ما بقي منهم رجل إلّا واضع لحيته على صدره نائما، ثمّ قال قائل لا يدرى من هو: غسّلوا رسول الله ﷺ وعليه ثيابه؛ فانتبهوا، ففعلوا ذلك، الأرض من الكافرين ديّارا. ولو دعوت مثلها علينا لهلكنا عن آخرنا، فلقد وطئ ظهرك، وأدمي وجهك، وكسرت رباعيتك؛ فأبيت أن تقول إلّا خيرا، فقلت: اللهمّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون. بأبي أنت وأمّي يا رسول الله؛ لقد اتّبعك في أحداث سنّك وقصر عمرك ما لم يتّبع نوحا في كبر سنّه وطول عمره، فلقد آمن بك الكثير؛ وما آمن معه إلّا قليل. بأبي أنت وأمّي يا رسول الله؛ لو لم تجالس إلّا كفؤا لك ما جالستنا، ولو لم تنكح إلّا كفؤا لك ما نكحت إلينا، ولو لم تؤاكل إلّا كفؤا ما آكلتنا؛ ولبست الصّوف، وركبت الحمير، ووضعت طعامك بالأرض، ولعقت أصابعك؛ تواضعا منك، صلّى الله عليك. انتهى. الحديث بطوله وتتمته من «المدخل» لابن الحاج المالكي رحمه الله تعالى. (وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها) - فيما رواه البيهقي في «دلائل النبوة» -: (لمّا اجتمعوا لغسله) ﷺ ؛ (قالوا: والله ما ندري كيف نغسّل رسول الله ﷺ ، أنجرّده عن ثيابه كما نصنع بموتانا، أم نغسّله في ثيابه؟!. قالت: فأرسل الله) ؛ أي: ألقى (عليهم النّوم حتّى ما بقي منهم رجل إلّا واضع لحيته على صدره نائما. ثمّ قال قائل) أي: كلّمهم مكلّم من ناحية البيت؛ (لا يدرى من هو: غسّلوا رسول الله ﷺ وعليه ثيابه؛ فانتبهوا) من النوم (ففعلوا ذلك.

стр. 2124

فغسّل رسول الله ﷺ في قميصه؛ حتّى إذا فرغوا من غسله.. كفّن. وقال عليّ كرّم الله وجهه: أردنا خلع قميصه فنودينا: لا تخلعوا عن رسول الله ﷺ ثيابه، فأقررناه، فغسّلناه في قميصه كما نغسّل موتانا مستلقيا، ما نشاء أن يقلب لنا منه عضو لم يبالغ فيه.. إلّا قلب لنا حتّى نفرغ منه، وإنّ معنا لحفيفا في البيت كالرّيح الرّخاء، ويصوّت بنا: ارفقوا برسول الله ﷺ ؛ فإنّكم ستكفون. فغسّل رسول الله ﷺ في قميصه) ؛ يضعون الماء فوق القميص ويد لكونه بالقميص، (حتّى إذا فرغوا من غسله كفّن) ؛ أي: في ثلاثة أثواب بيض سحوليّة، ليس فيها قميص ولا عمامة. قال البيهقي في «الخلافيات» : قال أبو عبد الله- يعني الحاكم-: تواترت الأخبار عن علي وابن عبّاس وعائشة وابن عمر وجابر وعبد الله بن مغافل؛ في تكفين النّبي ﷺ في ثلاثة أثواب؛ ليس فيها قميص ولا عمامة. انتهى. (و) في «الإحياء» : (قال عليّ «كرّم الله وجهه» ) - تقدم الكلام قريبا على الحكمة في تخصيص علي بن أبي طالب ﵁ بقولهم «كرم الله وجهه» (: أردنا خلع قميصه) حال الغسل (فنودينا) من ناحية البيت: (لا تخلعوا عن رسول الله ﷺ ثيابه، فأقررناه) ، أي: لم نجرّده عن القميص، (فغسّلناه في قميصه كما تغسّل موتانا مستلقيا، ما نشاء أن يقلب لنا منه عضو لم يبالغ فيه؛ إلّا قلب لنا) بسهولة (حتّى نفرغ منه) . ثمّ عند تكفينه نزع منه ذلك القميص الذي غسّل فيه، (وإنّ معنا لحفيفا) ؛ أي: شيئا خفيفا (في البيت كالرّيح الرّخاء) - بضمّ الرّاء-: الريح اللينة؛ قاله في «القاموس» ، وفي «الأساس» : هي طيبة الهبوب؛ (ويصوّت) ذلك الشيء الخفيف الشبيه بالريح الرّخاء (بنا) ؛ أي: يكلّمنا بصوت مسموع قائلا: (ارفقوا برسول الله ﷺ ؛ فإنّكم ستكفون) قال في «شرح الإحياء» : وقد صح أنه غسل صلى الله عليه وسلم

стр. 2125

فهكذا كانت وفاة رسول الله ﷺ ، ولم يترك سبدا ولا لبدا إلّا دفن معه. قال أبو جعفر: فرش لحده بمفرشه وقطيفته، وفرشت ثيابه الّتي كان يلبس يقظان على القطيفة والمفرش، ثمّ وضع عليها في أكفانه. ثلاث غسلات: الأولى بالماء القراح، والثانية بالماء والسدر، والثالثة بالماء والكافور؛ وغسله عليّ، والعبّاس وابنه الفضل يعينانه؛ وقثم وأسامة وشقران «مولاه ﷺ » يصبّون الماء؛ وأعينهم معصوبة من وراء السّتر، لحديث علي: «لا يغسّلني إلّا أنت، فإنّه لا يرى أحد عورتي إلّا طمست عيناه» . رواه البزار والبيهقي. (فهكذا كانت وفاة رسول الله ﷺ ، ولم يترك سبدا) ؛ السّبد- بفتحتين-: القليل من الشّعر؛ (ولا لبدا) اللّبد- بفتحتين-: الصوف، ومن ذلك قولهم «فلان ما له سبد ولا لبد» ؛ محركان، أي: لا قليل ولا كثير؛ وهذا قول الأصمعي، وهو مجاز؛ أي لا شيء له، وفي «اللّسان» ، أي: ماله ذو وبر ولا صوف متلبّد، يكنّى بهما عن الإبل والغنم. وكان مال العرب الخيل، والإبل، والغنم، والبقر، فدخلت كلّها في هذا المثل؛ وقوله: (إلّا دفن معه) . كذا في «الإحياء» ، ولم يتكلّم عليه شارحه بشيء!! (قال أبو جعفر) محمد الباقر بن علي «زين العابدين» بن الحسين «السّبط» بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم (: فرش لحده بمفرشه وقطيفته) - بفتح القاف وكسر الطاء المهملة وسكون التّحتيّة ففاء-: كساء له خمل؛ أي: أهداب: أطراف. فرشها شقران «مولاه ﷺ » ، وقال: «والله لا يلبسها أحد بعدك» ؛ وهي النجرانيّة الحمراء التي كان يتغطّى بها ويجلس عليها. (وفرشت ثيابه الّتي كان) ﷺ (يلبس) وهو (يقظان) ؛ أي: في حال حياته (على القطيفة والمفرش) أي: فوقهما، (ثمّ وضع عليها) ؛ أي: على القطيفة والمفرش والثياب، وهو ملفوف (في أكفانه) .

стр. 2126

......... لكن حديث عروة؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «كفّن ﷺ في ثلاثة أثواب سحوليّة بيض» ... الذي أخرجه النّسائي؛ من رواية عبد الرزاق؛ عن معمر؛ عن الزهري؛ عن عروة؛ واتفق عليه الأئمة السّتة من طريق: هشام بن عروة؛ عن أبيه؛ عن عائشة بزيادة: «من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة» ، وليس قوله «من كرسف» عند الترمذي، ولا ابن ماجه. زاد مسلم: أمّا الحلّة! فإنّما تشبه على النّاس؛ إنّها اشتريت له ليكفّن فيها، فتركت الحلّة وكفّن في ثلاثة أثواب بيض سحوليّة، فأخذها عبد الله بن أبي بكر الصّديق؛ فقال: لأحبسنّها حتّى أكفّن فيها نفسي، ثمّ قال: لو رضيها الله لنبيّه لكفّنه فيها!! فباعها، فتصدّق بثمنها. هذا الحديث فيه دلالة ظاهرة على أنّ القميص الذي غسل فيه النبي ﷺ نزع عنه عند تكفينه؛ قال النّووي في «شرح مسلم» : وهذا هو الصّواب الذي لا يتّجه غيره، لأنّه لو أبقي مع رطوبته؛ لأفسد الأكفان!! قال: وأمّا الحديث الذي في «سنن أبي داود» ؛ عن ابن عباس: أنّ النّبيّ ﷺ كفّن في ثلاثة أثواب وقميصه الّذي توفّي فيه!! فضعيف؛ لا يصحّ الاحتجاج به، لأنّ يزيد بن زياد- أحد رواته- مجمع على ضعفه، لا سيما وقد خالف بروايته الثّقات. انتهى. كما أنّ حديث عائشة المذكور يدلّ على نفي ما عدا الثّلاثة الأثواب!! قال الترمذي: روي في كفن النبي ﷺ روايات مختلفة؛ وحديث عائشة أصحّ الأحاديث في ذلك، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم. انتهى. ونقل الزّين المراغي في «تحقيق النصرة» ؛ عن ابن عبد البر أنّه قال: أخرجت

стр. 2127

......... - يعني: القطيفة- من القبر لما فرغوا من وضع اللّبنات التّسع؛ حكاه ابن زبالة «١» . قال العراقي في «ألفيّة السيرة» : وفرشت في قبره قطيفة ... وقيل: أخرجت. وهذا أثبت وحفر أبو طلحة لحد رسول الله ﷺ في موضع فراشه حيث قبض. وقد اختلف فيمن أدخله قبره!! وأصحّ ما روي أنه نزل في قبره عمّه العبّاس، وعلي، وقثم بن العبّاس؛ وكان آخر الناس عهدا برسول الله ﷺ قثم بن العبّاس؛ أي: أنّه تأخّر حتى خرجوا قبله؛ وروي أنّه وضع في قبره تسع لبنات. قال رزين: ورشّ قبره ﷺ ، رشّه بلال بن رباح بقربة؛ بدأ من قبل رأسه؛ حكاه ابن عساكر، وجعل عليه من حصباء العرصة حمراء، وبيضاء، ورفع قبره عن الأرض قدر شبر. ولما توفي ﵊ قالت فاطمة: يا أبتاه؛ أجاب ربّا دعاه؛ يا أبتاه؛ من جنّة الفردوس مأواه، يا أبتاه؛ من إلى جبريل ننعاه. رواه البخاري؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه من أفراده. زاد الطبراني والإسماعيلي: يا أبتاه؛ من ربّه ما أدناه. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: يؤخذ منه أنّ تلك الألفاظ إذا كان الميت متّصفا أنّه لا يمنع ذكره بها بعد موته، بخلاف ما إذا كانت فيه ظاهرا؛ وهو في الباطن بخلافه، أو لا يتحقّق اتصافه بها؛ فتدخل في المنع. انتهى. قال البخاريّ؛ في حديث أنس المذكور بعد ما سبق: فلمّا دفن قالت فاطمة: أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التّراب!!.

стр. 2128

فلم يترك بعد وفاته مالا، ولا بنى في حياته لبنة على لبنة، ولا وضع قصبة على قصبة؛ ... قال الحافظ: هذا من رواية أنس عن فاطمة؛ وأشارت بذلك إلى عتابهم على إقدامهم على ذلك، لأنه يدلّ على خلاف ما عرفته منهم من رقّة قلوبهم عليه لشدّة محبّتهم له؛ وسكت أنس عن جوابها!! رعاية لها؛ ولسان حاله يقول: لم تطب أنفسنا بذلك، إلّا أنّا قهرنا على فعله! امتثالا لأمره. انتهى. وأخذت فاطمة ﵂ من تراب القبر الشريف، ووضعتها على عينيها وبكت، ثم أنشأت تقول: ماذا على من شمّ تربة أحمد ... ألايشمّ مدى الدّهور غواليا صبّت عليّ مصائب لو أنّها ... صبّت على الأيّام عدن لياليا وروي أنّها قالت: اغبرّ آفاق السّماء وكوّرت ... شمس النّهار وأظلم العصران والأرض من بعد النّبيّ كئيبة ... أسفا عليه كثيرة الرّجفان فليبكه شرق البلاد وغربها ... وليبكه مضر وكلّ يماني وقد عاشت فاطمة بعده ﷺ ستة أشهر، فما ضحكت تلك المدة!! وحقّ لها ذلك. على مثل ليلى يقتل المرء نفسه ... وإن كان من ليلى على الهجر طاويا (فلم يترك بعد وفاته) ﷺ (مالا، ولا بنى في حياته لبنة على لبنة، ولا وضع قصبة على قصبة) . أخرج ابن حبان في «الثقات» ، وأبو نعيم في «الحلية» ؛ عن الحسن مرسلا: مات رسول الله ﷺ ولم يضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة؛ قاله الحافظ العراقي.

стр. 2129

ففي وفاته عبرة تامّة، ... (ففي وفاته عبرة تامّة) للناظرين، وتبصرة للمستبصرين؛ إذ لم يكن أحد أكرم على الله منه، إذ كان خليل الله وحبيبه ونجيّه، وكان صفيّة ورسوله ونبيّه؛ فانظر، هل أمهله ساعة عند انقضاء مدته!؟ وهل أخّره لحظة بعد حضور منيّته!؟ لا؛ بل أرسل إليه الملائكة الكرام، الموكّلين بقبض أرواح الأنام؛ فجدّوا بروحه الزكية الكريمة لينقلوها، وعالجوها ليرحلوا بها عن جسده الطاهر إلى رحمة ورضوان، وخيرات حسان، بل إلى مقعد صدق في جوار الرحمن، فاشتدّ مع ذلك في النزع كربه؛ وظهر أنينه، وترادف قلقه؛ وارتفع حنينه، وتغيّر لونه وعرق جبينه، واضطربت في الانقباض والانبساط شماله ويمينه، حتى بكى لمصرعه من حضره، وانتحب لشدّة حاله من شاهد منظره؛ فهل رأيت منصب النّبوّة دافعا عنه مقدورا!! وهل راقب الملك فيه أهلا وعشيرا! وهل سامحه إذ كان للحق نصيرا؛ وللخلق بشيرا ونذيرا!!؟ هيهات؛ بل امتثل ما كان به مأمورا، واتّبع ما وجده في اللوح مسطورا، فهذا كان حاله وهو عند الله ذو المقام المحمود، والحوض المورود، وهو أوّل من تنشقّ عنه الأرض، وهو صاحب الشفاعة يوم العرض، فالعجب أنّا لا نعتبر به، ولسنا على ثقة فيما نلقاه، بل نحن أسراء الشّهوات، وقرناء المعاصي والسّيّئات، فما بالنا لا نتّعظ بمصرع محمّد سيّد المرسلين، وإمام المتقين، وحبيب رب العالمين!!. لعلنا نظنّ أنّنا مخلّدون! أو نتوهّم أنّا مع سوء أفعالنا عند الله مكرّمون!! هيهات هيهات؛ بل نتيقّن أنّا جميعا على النّار واردون، ثم لا ينجو منها إلّا المتّقون، فنحن للورود مستيقنون؛ وللصدور عنها متوهّمون. لا؛ بل ظلمنا أنفسنا أن كنّا كذلك لغالب الظّن منتظرين، فما نحن والله من المتقين، وقد قال الله ربّ العالمين وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢) [مريم] .

стр. 2130

وللمسلمين أسوة حسنة) انتهى. فلينظر كلّ عبد إلى نفسه أنّه إلى الظالمين أقرب أم إلى المتّقين!! فانظر إلى نفسك بعد أن تنظر إلى سيرة السّلف الصالحين، فلقد كانوا مع ما وفّقوا له من الخائفين، ثم انظر إلى سيّد المرسلين؛ فإنه كان من أمره على يقين، إذ كان سيّد النبيين، وقائد المتقين. واعتبر كيف كان كربه عند فراق الدنيا، وكيف اشتدّ أمره عند الانقلاب إلى جنّة المأوى؟!. (و) اتّبع من القول أحسنه، وتأسّ برسول الله ﷺ ففيه (للمسلمين أسوة حسنة. انتهى) ؛ أي: كلام الإمام الغزالي في «الإحياء» . قال أبو الجوزاء: كان الرجل من أهل المدينة إذا أصابته مصيبة جاء أخوه فصافحه؛ وقال: يا عبد الله؛ اتق الله، فإن في رسول الله أسوة حسنة. أخرج ابن ماجه في «سننه» ؛ أنّه ﷺ قال في مرضه: «أيّها النّاس؛ إن أحد من النّاس- أو من المؤمنين- أصيب بمصيبة فليتعزّ بمصيبته بي عن المصيبة الّتي تصيبه بغيري، فإنّ أحدا من أمّتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشدّ عليه من مصيبتي» . وروى بقيّ بن مخلد، والباوردي، وابن شاهين، وابن قانع، وأبو نعيم؛ كلهم في «المعرفة» ؛ عن عبد الرحمن بن سابط عن أبيه رفعه: «من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنّها أعظم المصائب» . ولله درّ القائل: اصبر لكلّ مصيبة وتجلّد ... واعلم بأنّ المرء غير مخلّد واصبر كما صبر الكرام فإنّها ... نوب تنوب اليوم تكشف في غد وإذا أتتك مصيبة تشجى بها ... فاذكر مصابك بالنّبيّ محمّد ويرحم الله تعالى القائل: تذكّرت لمّا فرّق الدّهر بيننا ... فعزّيت نفسي بالنّبيّ محمّد وقلت لها: إنّ المنايا سبيلنا ... فمن لم يمت في يومه مات في غد

стр. 2131

......... وقد رثي ﷺ بمراث كثيرة؛ منها: قول عمّته صفيّة بنت عبد المطّلب، رضي الله تعالى عنها: ألا يا رسول الله كنت رجاءنا ... وكنت بنا برّا ولم تك جافيا وكنت رحيما هاديا ومعلّما ... ليبك عليك اليوم من كان باكيا لعمرك ما أبكي النّبيّ لفقده ... ولكنّني أخشى من الهجر آتيا كأنّ على قلبي لذكر محمّد ... وما خفت من بعد النّبيّ المكاويا أفاطم؛ صلّى الله ربّي بحمده ... على جدث أمسى بيثرب ثاويا فدى لرسول الله أمّي وخالتي ... وعمّي وخالي، ثمّ نفسي وماليا فلو أن ربّ النّاس أبقى نبيّنا ... سعدنا، ولكن أمره كان ماضيا عليك من الله السّلام تحيّة ... وأدخلت جنّات من العدن راضيا أرى حسنا أيتمته وتركته ... يبكّي ويدعو جدّه اليوم نائيا ورثاه ابن عمّه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه فقال: أرقت، فبات ليلي لا يزول ... وليل أخي المصيبة فيه طول وأسعدني البكاء، وذاك فيما ... أصيب المسلمون به قليل لقد عظمت مصيبتنا وجلّت ... عشيّة قيل: قد قبض الرّسول وأضحت أرضنا ممّا عراها ... تكاد بنا جوانبها تميل فقدنا الوحي والتنزيل فينا ... يروح به ويغدو جبرئيل وذاك أحقّ ما سالت عليه ... نفوس النّاس أو كادت تسيل نبيّ كان يجلو الشّكّ عنّا ... بما يوحى إليه وما يقول ويهديناا، فلا نخشى ضلالا ... علينا؛ والرّسول لنا دليل أفاطم؛ إن جزعت فذاك عذر ... وإن لم تجزعي ذاك السّبيل فقبر أبيك سيّد كلّ قبر ... وفيه سيّد النّاس الرّسول

стр. 2132

......... ورثاه سيّدنا أبو بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه بقوله: لمّا رأيت نبيّنا متجدّلا ... ضاقت عليّ بعرضهنّ الدّور فارتاع قلبي عند ذاك لهلكه ... والعظم منّي ما حييت كسير أعتيق؛ ويحك إنّ حبّك قد توى ... فالصّبر عنك لما بقيت يسير يا ليتني من قبل مهلك صاحبي ... غيّبت، في جدث عليّ صخور فلتحدثنّ بدائع من بعده ... تعيا بهنّ جوانح وصدور ورثاه الصدّيق رضي الله تعالى عنه أيضا بقوله: ودعنا الوحي إذ ولّيت عنّا ... فودّعنا من الله الكلام سوى ما قد تركت لنا رهينا ... تضمّنه القراطيس الكرام ولقد أحسن حسّان بن ثابت رضي الله تعالى عنه بقوله يرثيه: بطيبة رسم للرّسول ومعهد ... مبين، وقد تعفو الرّسوم وتهمد «١» ولا تنمحي الآيات من دار حرمة ... بها منبر الهادي الّذي كان يصعد واضح آيات وباقي معالم ... وربع له فيه مصلّى ومسجد بها حجرات كان ينزل وسطها ... من الله نور يستضاء ويوقد معارف لم تطمس على العهد آيها ... أتاها البلى فالآي منها تجدّد «٢» عرفت بها رسم الرّسول وعهده ... وقبرا بها واراه في التّرب ملحد ظللت بها أبكي الرّسول فأسعدت ... عيون ومثلاها من الجنّ تسعد تذكّرت آلاء الرّسول وما أرى ... لها محصيا نفسي، فنفسي تبلد مفجّعة قد شقّها فقد أحمد ... فظلّت لآلاء الرّسول تعدّد وما بلغت من كلّ أمر عشيره ... ولكن لنفسي بعد هذا توجّد أطالت وقوفا تذرف الدّمع جهدها ... على طلل القبر الّذي فيه أحمد

стр. 2133

......... فبوركت يا قبر الرّسول، وبوركت ... بلاد ثوى فيها الرّشيد المسدّد وبورك لحد منك ضمّن طيّبا ... عليه بناء من صفيح منضّد تهيل عليه الترب أيد وأعين ... تباكت، وقد غارت بذلك أسعد لقد غيّبوا حلما وعلما ورحمة ... عشية علّوه الثّرى لا يوسّد وراحوا بحزن ليس فيهم نبيّهم ... وقد وهنت منهم ظهور وأعضد يبكّون من تبكي السّماوات موته ... ومن قد بكته الأرض فالنّاس أكمد فهل عدلت يوما رزيّة هالك ... رزيّة يوم مات فيه محمّد تقطّع فيه منزل الوحي عنهم ... وقد كان ذا نور يغور وينجد يدلّ على الرّحمن من يقتدي به ... وينقذ من هول الخزايا ويرشد إمام لهم يهداهم الحقّ جاهدا ... معلّم صدق، إن يطيعوه يسعدوا عفوّ عن الزّلّات؛ يقبل عذرهم ... وإن يحسنوا، فالله بالخير أجود وإن ناب أمر لم يقوموا بحمله ... فمن عنده تيسير ما يتشدّد! فبينا هم في نعمة الله بينهم ... دليل به نهج الطّريقة يقصد عزيز عليه أن يجوروا عن الهدى ... حريص على أن يستقيموا ويهتدوا عطوف عليهم لا يثنّي جناحه ... إلى كنف يحنو عليهم ويمهد فبيناهم في ذلك النّور إذ غدا ... إلى نورهم سهم من الموت يقصد فأصبح محمودا إلى الله راجعا ... تبكّيه جفن المرسلات ويجمد وأمست بلاد الحرم وحشا بقاعها ... لغيبة ما كانت من الوحي تعهد قفارا سوى معمورة اللّحد ضافها ... فقيد يبكّيه بلاط وغرقد ومسجده كالموحشات لفقده ... خلاء له فيه مقام ومقعد فيا جمرة الكبرى له ثمّ أوحشت ... ديار وعرصات وربع ومولد فبكّي رسول الله يا عين جهرة ... ولا أعرفنك الدّهر دمعك يجمد وما لك لا تبكين ذا النّعم الّتي ... على النّاس منها سابغ يتغمّد فجودي عليه بالدّموع وأعولي ... لفقد الّذي لا مثله الدّهر يوجد

стр. 2134

......... وما فقد الماضون مثل محمّد ... ولا مثله حتّى القيامة يفقد أعفّ وأوفى ذمّة بعد ذمّة ... وأقرب منه قائلا لا ينكّد وأبذل منه للطّريف وتالد ... إذا ضنّ ذو مال بما كان يتلد وأكرم بيتا في البيوت إذا انتمى ... وأكرم جدّا أبطحيّا يسوّد وأمنع ذروات وأثبت في العلا ... دعائم عزّ شامخات تشيّد وأثبت فرعا في الفروع ومنبتا ... وعودا كعود المزن فالعود أغيد رباه وليدا فاستتمّ تمامه ... على أكرم الخيرات ربّ ممجّد تناهت وصاة المسلمين بكفّه ... فلا العلم محبور ولا الرّأي يفند أقول ولا يلقى لقولي عائب ... من النّاس إلا عازب العقل مبعد وليس هواي نازعا عن ثنائه ... لعلّي به في جنّة الخلد أخلد مع المصطفى أرجو بذاك جواره ... وفي نيل ذاك اليوم أسعى وأجهد ورثاه حسّان ﵁ أيضا بقوله: كنت السّواد لناظري ... فعمي عليك النّاظر من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر ولا يرد على هذا كلّه ما رواه ابن ماجه- وصحّحه الحاكم-؛ عن ابن أبي أوفى: أنّه ﷺ نهى عن المراثي!! لأن المراد مراثي الجاهلية، وهي ندبهم الميت بما ليس فيه؛ نحو «والهفاه، واجبلاه» لا مطلقا. فقد رثى حسّان حمزة وجعفرا وغيرهما في زمنه ﷺ ؛ ولم ينهه!! قاله الزرقاني؛ على «المواهب» . (و) أخرج الترمذي في «الجامع» و «الشمائل» - وقال في الجامع: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلّا من حديث عبد الله بن بارق، وقد روى عنه غير واحد من الأئمة-:

стр. 2135

وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من كان له فرطان من أمّتي.. أدخله الله تعالى بهما الجنّة» ، فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فمن كان له فرط من أمّتك؟ قال: «ومن كان له فرط يا موفّقة» ، قالت: فمن لم يكن له فرط من أمّتك؟ قال: «فأنا فرط لأمّتي، ... (عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من كان له فرطان) - بفتح الفاء والراء-؛ أي: ولدان صغيران يموتان قبله، فإنّهما في القيامة يهيّئان له ما يحتاج إليه من ماء بارد وظلّ ظليل ومأكل ومشرب، (من أمّتي أدخله الله تعالى بهما الجنّة» . فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فمن كان له فرط من أمّتك؟) أي: ما حكمه هل هو كذلك! (قال: «ومن كان له فرط) - أي: يدخله الله الجنة بسببه كالذي له فرطان- (يا موفّقة» ) ؛ أي: لاستكشاف المسائل الدينيّة؛ وهذا تحريض منه ﷺ لها على كثرة السّؤال، فلذلك كرّرته حيث (قالت: فمن لم يكن له فرط من أمّتك؟) ؛ أي: فما حكمه. (قال: «فأنا فرط لأمّتي) : أمة الإجابة، فهو ﷺ سابق مهيّء لمصالح أمّته. وقد قال ﷺ : «أنا فرطكم على الحوض» . أي: سابقكم لأرتاد لكم الماء، وقال ﷺ : «إذا أراد الله بأمّة خيرا قبض نبيّها قبلها، فجعله لها فرطا وسلفا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمّة عذّبها؛ ونبيّها حيّ، فأهلكها وهو ينظر، فأقرّ عينه بهلكها حين كذّبوه وعصوا أمره» .

стр. 2136

لن يصابوا بمثلي» . و (الفرط- في الأصل-) : السّابق من القوم المسافرين ليهيّىء لهم الماء والكلأ وما يحتاجونه، والمراد به هنا: الصّغير الّذي يموت قبل أحد أبويه، فإنّه يشبهه في تهيئة ما يحتاج إليه يوم القيامة من المصالح. ثم استأنف بقوله: (لن يصابوا بمثلي» ؛) على وجه التّعليل لقوله: «أنا فرط لأمّتي» . أي: لم يبلغوا مصيبة مثل مصيبتي، فإنّي عندهم أحبّ من كلّ والد وولد، فمصيبتي عليهم أشدّ من جميع المصائب، فأكون أنا فرطهم؛ وهو شامل لمن أدرك زمانه ومن لم يدركه، كما يدلّ عليه تعبيره ب «أمّتي» . قال الباجوري؛ في «حاشية الشمائل» : (والفرط) - بفتحتين- والفارط (في الأصل) ؛ أي: أصل معناه في اللغة هو (: السّابق) ؛ أي: المتقدم (من القوم المسافرين ليهيّىء لهم) الأرشاء «١» والدّلاء ويمدر الحياض؛ ويستقي لهم (الماء، و) يهيء لدوابّهم (الكلأ) - مهموز: العشب؛ رطبا كان أو يابسا، فإن كان رطبا! يقال له: خلاء، واليابس يقال له: حشيش؛ والكلأ يعمّهما- (و) يهيّىء لهم (ما يحتاجونه) من منزل ونزل، ويزيل ما يخافون منه، ويأخذ الأمن فيه للمتأخّر عنه؛ فهو فعل بمعنى فاعل؛ كتبع بمعنى تابع، يقال: رجل فرط وقوم فرط. (والمراد به هنا) في الحديث: الولد (الصّغير الّذي يموت قبل أحد أبويه، فإنّه) أي: الولد الصغير (يشبهه) ؛ أي: يشبه فرط المسافرين (في تهيئة ما يحتاج) - بضمّ أوّله مبنيّا للمفعول-؛ أي: ما يحتاج (إليه) أبواه، فكما أنّ فرط القافلة يتقدّمهم إلى المنازل فيعدّ لهم ما يحتاجونه من سقي الماء وضرب الخيمة ونحوهما؛ كذلك الطفل الصغير الذي يموت قبل أحد أبويه فإنه يهيء لهما (يوم القيامة) ما يحتاجان (من المصالح) ؛ وهو نزل ومنزل في الجنّة.

стр. 2137

وعن عمرو بن الحارث- أخي جويرية أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنهما- قال: ما ترك رسول الله ﷺ إلّا سلاحه وبغلته وأرضا جعلها صدقة. (و) أخرج البخاريّ، والنّسائيّ، والترمذيّ في «الشّمائل» ؛ (عن عمرو بن الحارث) المصطلقي (أخي جويرية) - بالتصغير- (أمّ المؤمنين) له صحبة، خرّج له الجماعة (رضي الله تعالى عنهما) ؛ أي: عمرو وجويرية. (قال: ما ترك رسول الله ﷺ إلّا) الحصر في الثلاثة المذكورة في هذا الخبر إضافيّ؛ فقد ترك ثيابه ومتاع بيته، ولكنها لما كانت بالنسبة للمذكورات يسيرة لم تذكر. وقال ابن سيّد الناس: وترك ﷺ يوم مات ثوبي حبرة وإزارا عمانيّا، وثوبين صحاربين، وقميصا صحاريا، وآخر سحوليّا، وجبّة يمنيّة، وخميصة وكساء أبيض، وقلانس صغارا لاطية «ثلاثا؛ أو أربعا» وملحفة مورّسة، أي: مصبوغة بالورس. (١- سلاحه) الذي كان يختصّ بلبسه واستعماله؛ من نحو: سيف ورمح ودرع ومغفر وحربة. (و ٢- بغلته) البيضاء واسمها «دلدل» ، وعاشت بعده ﷺ حتى كبرت وذهبت أسنانها، وكان يجرش لها الشعير، وماتت في ينبع، ودفنت في جبل رضوى، وكان له بغال غيرها. (و ٣- أرضا) لم يضفها له، لعدم اختصاصها به كسابقتها، لأنّ غلّتها كانت عامّة له ولعياله ولفقراء المسلمين، وهي نصف أرض فدك، وثلث أرض وادي القرى، وسهمه من خمس خيبر، وحصّة من أرض بني النضير؛ (جعلها) ؛ أي: الأرض (صدقة) في حياته على أهله وزوجاته وخدمه وفقراء المسلمين، وليس المراد أنّها صارت صدقة بعد موته كبقية مخلّفاته؛ فإنّها صارت كلّها صدقة بعد وفاته على المسلمين.

стр. 2138

وروى كثير من الصّحابة رضي الله تعالى عنهم ... وقد أغنى الله قلبه كلّ الغنى، ووسّع عليه غاية السّعة؛ وأيّ غنى أعظم من غنى من عرضت عليه مفاتيح خزائن الأرض فأباها!! وجاءت إليه الأموال فأنفقها كلّها؛ وما استأثر منها بشيء!! ولم يتّخذ عقارا، ولا ترك شاة، ولا بعيرا، ولا عبدا، ولا أمة، ولا دينارا، ولا درهما غير ما ذكر؛ كذا في الباجوري؛ على «الشمائل» . (وروى كثير من الصّحابة رضي الله تعالى عنهم) ؛ وهو حديث متواتر، قال السيوطي؛ في «الأزهار المتناثرة» : حديث «لا نورث؛ ما تركناه صدقة» ؛ أخرجه الشيخان؛ عن عمر وعثمان وعليّ وسعد بن أبي وقّاص والعبّاس. وأخرجه مسلم؛ عن أبي بكر الصدّيق وعبد الرحمن بن عوف، والزّبير بن العوّام وأبي هريرة. وأخرجه أبو داود؛ عن عائشة. وأخرجه النّسائي؛ عن طلحة. وأخرجه الطّبراني؛ عن حذيفة وابن عبّاس؛ فقد رواه من العشرة المشهود لهم بالجنة ثمانية نظير حديث: «من كذب عليّ» . انتهى. وذكره في «كنز العمال» بلفظ «لا نورث؛ ما تركناه صدقة» . ورمز له برمز الإمام أحمد و «الصحيحين» ، والثلاثة؛ عن عمر، وعن عثمان وسعد وطلحة والزّبير وعبد الرحمن بن عوف. ورمز له برمز الإمام أحمد و «الصحيحين» ؛ عن عائشة. ورمز له برمز مسلم. والترمذي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وذكره في «كنز العمال» أيضا بلفظ: «لا نورث؛ ما تركناه صدقة، وإنّما يأكل آل محمّد في هذا المال» . ورمز له برمز الإمام أحمد و «الصحيحين» ،

стр. 2139

......... وأبي داود والنسائي؛ عن أبي بكر الصدّيق ﵁. وذكره في «كنز العمال» أيضا بلفظ: «إنّا لا نورث؛ ما تركناه صدقة» . ورمز له برمز الإمام أحمد؛ عن عبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد رضي الله تعالى عنهم. وفي «تلخيص الحبير» للحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: أمّا حديث «إنّ الأنبياء لا يورثون» !! فمتفق عليه؛ من حديث أبي بكر الصديق؛ أنه ﷺ قال: «لا نورث؛ ما تركناه صدقة» . وللنّسائي في أوائل الفرائض من «السنن الكبرى» : «إنّا معشر الأنبياء لا نورث؛ ما تركناه صدقة» . وإسناده على شرط مسلم. ورواه النسائي؛ عن عائشة ﵂: أنّ أزواج النّبيّ ﷺ أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر؛ فيسألنه ميراثهنّ من رسول الله!! فقالت لهنّ عائشة: أليس قد قال رسول الله ﷺ «لا يورث نبيّ؛ ما تركنا صدقة» !!. لكن رواه في الفرائض من «السنن الكبرى» بلفظ: «لا نورث، ما تركنا صدقة» . ليس فيه «نبيّ» ؛ فالله أعلم!. وكذا هو في «الصحيحين» . وفي «الصحيحين» مثل حديث أبي بكر عن عمر أنّه قال لعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد وعلي والعباس: أنشدكم بالله ... فذكره؛ وفيه أنهم قالوا: «نعم» . زاد النّسائي فيهم طلحة. وأخرجه الحميدي في «مسنده» ؛ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّا معشر الأنبياء لا نورث؛ ما تركنا فهو صدقة» . وذكر الدارقطنيّ في «العلل» حديث الكلبي عن أبي صالح؛ عن أم هانىء؛ عن فاطمة أنّها دخلت على أبي بكر فقالت: لو متّ من يرثك؟ قال: ولدي وأهلي؛ قالت: فما لنا لا نرث النّبيّ ﷺ ؟ قال: سمعته يقول: «إنّ الأنبياء لا يورثون؛ ما تركوه فهو صدقة» .

стр. 2140

قول النّبيّ ﷺ : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث؛ وفي الباب عن حذيفة؛ أخرجه أبو موسى في كتاب له اسمه «براءة الصدّيق» ؛ من طريق فضيل بن سليمان؛ عن أبي مالك الأشجعي؛ عن ربعي عنه. وهذا إسناد حسن. انتهى كلام الحافظ ابن حجر في «التلخيص» . (قول النّبيّ ﷺ : «نحن) - نقل الزرقاني؛ في «شرح المواهب» عن الحافظ ابن حجر ما نصّه: والحاصل أنه لم يوجد بلفظ «نحن» ووجد بلفظ «إنّا» ، ومفادهما واحد، فلعل من ذكره ذكره بالمعنى؛ وهو في «الصحيحين» ؛ عن أبي بكر ﵁، سمعت النبيّ ﷺ يقول: «لا نورث، ما تركنا صدقة» . بحذف «إنّا» . وكذا في «السنن الثلاث» . انتهى- (معاشر الأنبياء) نصب على الاختصاص؛ أو المدح. والمعشر: كلّ جمع أمرهم واحد، فالإنس معشر، والجن معشر، والأنبياء معشر؛ وهو معنى قول جمع: المعشر، الطائفة الذين يشمهلم وصف. (لا نورث) - بضم النون وسكون الواو وفتح الراء- قال القرطبي: جميع رواة هذه اللفظة في «الصحيحين» وغيرهما يقولون «لا نورث» بالنّون، وهي نون جماعة الأنبياء؛ أي: ما تركناه إنّما نتركه صدقة، لا يختصّ به الورثة. والمراد: المال وما في حكمه؛ فلا يعارضه قوله فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي [٥- ٦/ مريم] الآية؛ ولا وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [١٦/ النمل] !! لأنه وارثه نبوّة وعلما. وليس لك أن تقول معنى «لا نورث» من النّبوة!! لأنّ الصّحابة فهموا أنّ المراد المال، وهم أعلم بالحال، فلا مجال لهذا الاحتمال. قال في «جمع الوسائل» : والحكمة في أنّ الأنبياء لا يورثون: ١- أن لا يتمنّى بعض الورثة موتهم؛ فيهلك. و ٢- ألايظنّ بهم أنّهم راغبون في الدنيا ويجمعون المال لورثتهم. و ٣- ألايرغب الناس بجمعها؛ بناء على ظنّهم أن
следующие страницы →