لن يصابوا بمثلي» . و (الفرط- في الأصل-) : السّابق من القوم المسافرين ليهيّىء لهم الماء والكلأ وما يحتاجونه، والمراد به هنا:
الصّغير الّذي يموت قبل أحد أبويه، فإنّه يشبهه في تهيئة ما يحتاج إليه يوم القيامة من المصالح.
ثم استأنف بقوله: (لن يصابوا بمثلي» ؛) على وجه التّعليل لقوله: «أنا فرط لأمّتي» . أي: لم يبلغوا مصيبة مثل مصيبتي، فإنّي عندهم أحبّ من كلّ والد وولد، فمصيبتي عليهم أشدّ من جميع المصائب، فأكون أنا فرطهم؛ وهو شامل لمن أدرك زمانه ومن لم يدركه، كما يدلّ عليه تعبيره ب «أمّتي» .
قال الباجوري؛ في «حاشية الشمائل» : (والفرط) - بفتحتين- والفارط (في الأصل) ؛ أي: أصل معناه في اللغة هو (: السّابق) ؛ أي: المتقدم (من القوم المسافرين ليهيّىء لهم) الأرشاء «١» والدّلاء ويمدر الحياض؛ ويستقي لهم (الماء، و) يهيء لدوابّهم (الكلأ) - مهموز: العشب؛ رطبا كان أو يابسا، فإن كان رطبا! يقال له: خلاء، واليابس يقال له: حشيش؛ والكلأ يعمّهما- (و) يهيّىء لهم (ما يحتاجونه) من منزل ونزل، ويزيل ما يخافون منه، ويأخذ الأمن فيه للمتأخّر عنه؛ فهو فعل بمعنى فاعل؛ كتبع بمعنى تابع، يقال: رجل فرط وقوم فرط.
(والمراد به هنا) في الحديث: الولد (الصّغير الّذي يموت قبل أحد أبويه، فإنّه) أي: الولد الصغير (يشبهه) ؛ أي: يشبه فرط المسافرين (في تهيئة ما يحتاج) - بضمّ أوّله مبنيّا للمفعول-؛ أي: ما يحتاج (إليه) أبواه، فكما أنّ فرط القافلة يتقدّمهم إلى المنازل فيعدّ لهم ما يحتاجونه من سقي الماء وضرب الخيمة ونحوهما؛ كذلك الطفل الصغير الذي يموت قبل أحد أبويه فإنه يهيء لهما (يوم القيامة) ما يحتاجان (من المصالح) ؛ وهو نزل ومنزل في الجنّة.
стр. 2137
وعن عمرو بن الحارث- أخي جويرية أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنهما- قال: ما ترك رسول الله ﷺ إلّا سلاحه وبغلته وأرضا جعلها صدقة.
(و) أخرج البخاريّ، والنّسائيّ، والترمذيّ في «الشّمائل» ؛ (عن عمرو بن الحارث) المصطلقي (أخي جويرية) - بالتصغير- (أمّ المؤمنين) له صحبة، خرّج له الجماعة (رضي الله تعالى عنهما) ؛ أي: عمرو وجويرية.
(قال: ما ترك رسول الله ﷺ إلّا) الحصر في الثلاثة المذكورة في هذا الخبر إضافيّ؛ فقد ترك ثيابه ومتاع بيته، ولكنها لما كانت بالنسبة للمذكورات يسيرة لم تذكر.
وقال ابن سيّد الناس: وترك ﷺ يوم مات ثوبي حبرة وإزارا عمانيّا، وثوبين صحاربين، وقميصا صحاريا، وآخر سحوليّا، وجبّة يمنيّة، وخميصة وكساء أبيض، وقلانس صغارا لاطية «ثلاثا؛ أو أربعا» وملحفة مورّسة، أي: مصبوغة بالورس.
(١- سلاحه) الذي كان يختصّ بلبسه واستعماله؛ من نحو: سيف ورمح ودرع ومغفر وحربة.
(و ٢- بغلته) البيضاء واسمها «دلدل» ، وعاشت بعده ﷺ حتى كبرت وذهبت أسنانها، وكان يجرش لها الشعير، وماتت في ينبع، ودفنت في جبل رضوى، وكان له بغال غيرها.
(و ٣- أرضا) لم يضفها له، لعدم اختصاصها به كسابقتها، لأنّ غلّتها كانت عامّة له ولعياله ولفقراء المسلمين، وهي نصف أرض فدك، وثلث أرض وادي القرى، وسهمه من خمس خيبر، وحصّة من أرض بني النضير؛ (جعلها) ؛ أي: الأرض (صدقة) في حياته على أهله وزوجاته وخدمه وفقراء المسلمين، وليس المراد أنّها صارت صدقة بعد موته كبقية مخلّفاته؛ فإنّها صارت كلّها صدقة بعد وفاته على المسلمين.
стр. 2138
وروى كثير من الصّحابة رضي الله تعالى عنهم ...
وقد أغنى الله قلبه كلّ الغنى، ووسّع عليه غاية السّعة؛ وأيّ غنى أعظم من غنى من عرضت عليه مفاتيح خزائن الأرض فأباها!! وجاءت إليه الأموال فأنفقها كلّها؛ وما استأثر منها بشيء!!
ولم يتّخذ عقارا، ولا ترك شاة، ولا بعيرا، ولا عبدا، ولا أمة، ولا دينارا، ولا درهما غير ما ذكر؛ كذا في الباجوري؛ على «الشمائل» .
(وروى كثير من الصّحابة رضي الله تعالى عنهم) ؛ وهو حديث متواتر، قال السيوطي؛ في «الأزهار المتناثرة» : حديث «لا نورث؛ ما تركناه صدقة» ؛
أخرجه الشيخان؛ عن عمر وعثمان وعليّ وسعد بن أبي وقّاص والعبّاس.
وأخرجه مسلم؛ عن أبي بكر الصدّيق وعبد الرحمن بن عوف، والزّبير بن العوّام وأبي هريرة.
وأخرجه أبو داود؛ عن عائشة. وأخرجه النّسائي؛ عن طلحة.
وأخرجه الطّبراني؛ عن حذيفة وابن عبّاس؛ فقد رواه من العشرة المشهود لهم بالجنة ثمانية نظير حديث: «من كذب عليّ» . انتهى.
وذكره في «كنز العمال» بلفظ «لا نورث؛ ما تركناه صدقة» .
ورمز له برمز الإمام أحمد و «الصحيحين» ، والثلاثة؛ عن عمر، وعن عثمان وسعد وطلحة والزّبير وعبد الرحمن بن عوف.
ورمز له برمز الإمام أحمد و «الصحيحين» ؛ عن عائشة.
ورمز له برمز مسلم. والترمذي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وذكره في «كنز العمال» أيضا بلفظ: «لا نورث؛ ما تركناه صدقة، وإنّما يأكل آل محمّد في هذا المال» . ورمز له برمز الإمام أحمد و «الصحيحين» ،
стр. 2139
.........
وأبي داود والنسائي؛ عن أبي بكر الصدّيق ﵁.
وذكره في «كنز العمال» أيضا بلفظ: «إنّا لا نورث؛ ما تركناه صدقة» .
ورمز له برمز الإمام أحمد؛ عن عبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد رضي الله تعالى عنهم.
وفي «تلخيص الحبير» للحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: أمّا حديث «إنّ الأنبياء لا يورثون» !! فمتفق عليه؛ من حديث أبي بكر الصديق؛ أنه ﷺ قال:
«لا نورث؛ ما تركناه صدقة» .
وللنّسائي في أوائل الفرائض من «السنن الكبرى» : «إنّا معشر الأنبياء لا نورث؛ ما تركناه صدقة» . وإسناده على شرط مسلم.
ورواه النسائي؛ عن عائشة ﵂: أنّ أزواج النّبيّ ﷺ أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر؛ فيسألنه ميراثهنّ من رسول الله!! فقالت لهنّ عائشة: أليس قد قال رسول الله ﷺ «لا يورث نبيّ؛ ما تركنا صدقة» !!. لكن رواه في الفرائض من «السنن الكبرى» بلفظ: «لا نورث، ما تركنا صدقة» . ليس فيه «نبيّ» ؛ فالله أعلم!. وكذا هو في «الصحيحين» .
وفي «الصحيحين» مثل حديث أبي بكر عن عمر أنّه قال لعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد وعلي والعباس: أنشدكم بالله ... فذكره؛ وفيه أنهم قالوا: «نعم» . زاد النّسائي فيهم طلحة.
وأخرجه الحميدي في «مسنده» ؛ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّا معشر الأنبياء لا نورث؛ ما تركنا فهو صدقة» .
وذكر الدارقطنيّ في «العلل» حديث الكلبي عن أبي صالح؛ عن أم هانىء؛ عن فاطمة أنّها دخلت على أبي بكر فقالت: لو متّ من يرثك؟ قال: ولدي وأهلي؛ قالت: فما لنا لا نرث النّبيّ ﷺ ؟ قال: سمعته يقول: «إنّ الأنبياء لا يورثون؛ ما تركوه فهو صدقة» .
стр. 2140
قول النّبيّ ﷺ : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث؛
وفي الباب عن حذيفة؛ أخرجه أبو موسى في كتاب له اسمه «براءة الصدّيق» ؛ من طريق فضيل بن سليمان؛ عن أبي مالك الأشجعي؛ عن ربعي عنه. وهذا إسناد حسن. انتهى كلام الحافظ ابن حجر في «التلخيص» .
(قول النّبيّ ﷺ : «نحن) - نقل الزرقاني؛ في «شرح المواهب» عن الحافظ ابن حجر ما نصّه: والحاصل أنه لم يوجد بلفظ «نحن» ووجد بلفظ «إنّا» ، ومفادهما واحد، فلعل من ذكره ذكره بالمعنى؛ وهو في «الصحيحين» ؛ عن أبي بكر ﵁، سمعت النبيّ ﷺ يقول: «لا نورث، ما تركنا صدقة» .
بحذف «إنّا» . وكذا في «السنن الثلاث» . انتهى-
(معاشر الأنبياء) نصب على الاختصاص؛ أو المدح. والمعشر: كلّ جمع أمرهم واحد، فالإنس معشر، والجن معشر، والأنبياء معشر؛ وهو معنى قول جمع: المعشر، الطائفة الذين يشمهلم وصف.
(لا نورث) - بضم النون وسكون الواو وفتح الراء- قال القرطبي: جميع رواة هذه اللفظة في «الصحيحين» وغيرهما يقولون «لا نورث» بالنّون، وهي نون جماعة الأنبياء؛ أي: ما تركناه إنّما نتركه صدقة، لا يختصّ به الورثة.
والمراد: المال وما في حكمه؛ فلا يعارضه قوله فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي [٥- ٦/ مريم] الآية؛ ولا وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [١٦/ النمل] !! لأنه وارثه نبوّة وعلما.
وليس لك أن تقول معنى «لا نورث» من النّبوة!! لأنّ الصّحابة فهموا أنّ المراد المال، وهم أعلم بالحال، فلا مجال لهذا الاحتمال.
قال في «جمع الوسائل» : والحكمة في أنّ الأنبياء لا يورثون: ١- أن لا يتمنّى بعض الورثة موتهم؛ فيهلك. و ٢- ألايظنّ بهم أنّهم راغبون في الدنيا ويجمعون المال لورثتهم. و ٣- ألايرغب الناس بجمعها؛ بناء على ظنّهم أن
стр. 2141
ما تركناه صدقة» .
الأنبياء كانوا كذلك!! و ٤- لئلّا يتوهّموا أن فقر الأنبياء لم يكن اختياريا. انتهى.
(ما) موصولة: مبتدأ؛ أي: الذي (تركناه) من المال (صدقة) بالرفع:
خبر المبتدأ الذي هو «ما تركنا» ، ودخلته الفاء! [كما في بعض طرقه- «ما تركنا فهو صدقة» ] «١» ؛ لتضمّن المبتدأ معنى الشّرط.
والجملة جواب سؤال مقدّر تقديره: إذا لم تورثوا؛ فما يفعل بمخلّفكم؟
فأجاب بقوله: «ما تركناه صدقة» . والكلام حينئذ جملتان: الأولى فعلية، وهي قوله «لا نورث» ، والثانية اسمية، وهي قوله «ما تركناه» .
قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» : ويؤيّده وروده في بعض طرق «الصّحيح» : «ما تركنا فهو صدقة» ؛ وحرّفه الإماميّة- أي: الروافض فقالوا:
لا يورث، - بالمثنّاة التحتية بدل النّون- و: صدقة نصب على الحال.
و «ما تركنا» : مفعول لما لم يسم فاعله، فجعلوا الكلام جملة واحدة، ويكون المعنى: إن ما يترك صدقة لا يورث. وهذا تحريف يخرج الكلام عن نمط الاختصاص الذي دلّ عليه قوله ﵊ في بعض الطرق: «إنّا معاشر الأنبياء لا نورث» .
ويعود الكلام بما حرّفوه إلى أمر لا يختصّ به الأنبياء، لأن آحاد الأمّة إذا وقفوا أموالهم أو جعلوها صدقة انقطع حقّ الورثة عنها، فهذا من تحاملهم أو تجاهلهم.
وقد أورده بعض أكابر الإماميّة على القاضي شاذان «صاحب القاضي أبي الطيب» ، فقال القاضي شاذان- وكان ضعيف العربيّة؛ قويّا في علم الخلاف-: لا أعرف نصب «صدقة» من رفعها!! ولا أحتاج إلى علمه؛ فإنه لا خفاء بي وبك: أنّ فاطمة وعليّا من أفصح العرب لا تبلغ أنت ولا أمثالك إلى ذلك منهما، فلو كانت لهما حجّة فيما لحظته لأبدياها حينئذ لأبي بكر؟! فسكت، ولم يحر جوابا.!
стр. 2142
.........
وإنّما فعل الإمامية ذلك!! لما يلزمهم على رواية الجمهور من فساد مذهبهم، لأنهم يقولون ب «أنه ﷺ يورث كما يورث غيره من المسلمين» لعموم الآية الكريمة.
وذهب النّحاس إلى أنه يصحّ النّصب في «صدقة» على الحال، وأنكره القاضي عياض لتأييده مذهب الإمامية، لكن قدر ابن مالك «ما تركناه- متروك- صدقة» فحذف الخبر وبقي الحال كالعوض منه؛ ونظيره قراءة بعضهم وَنَحْنُ عُصْبَةٌ [١٤/ يوسف]- بالنصب «١» -. انتهى. من «شرح القسطلاني على البخاري» .
قال الزرقاني؛ في «شرح المواهب» متعقبا: لكن في التوجيه نظر، إذ لم تأت رواية بالنصب حتى توجّه، بل الذي توارد عليه أهل الحديث؛ في القديم والحديث: بالنون ورفع «صدقة» ، ولأنّه لم يتعين حذف الخبر، بل يحتمل ما قاله الإمامية، ولذا أنكره عياض؛ وإن صحّ في نفسه. انتهى.
تنبيه: قال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر أن ما ترك النبي ﷺ بعده من جنس الأوقاف المطلقة ينتفع بها من يحتاج إليها وتقرّ تحت يد من يؤتمن عليها، ولهذا كان له عند سهل قدح، وعند أنس قدح آخر، وعند عبد الله بن سلام قدح آخر، وكان الناس يشربون منها تبرّكا، وكانت جبّته عند أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنها ... إلى غير ذلك مما هو معروف. انتهى. نقله المناوي؛ في «شرح الشّمائل» رحمه الله تعالى.
стр. 2143
[الفصل الثّالث في رؤيته ﷺ في المنام]
الفصل الثّالث في رؤيته ﷺ في المنام عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: ...
(الفصل الثّالث) ؛ من الباب الثّامن (في) ما جاء في (رؤيته ﷺ الرؤية- التي بالتاء- تشمل رؤية البصر في اليقظة، ورؤية القلب في المنام، ولهذا احتاج المصنّف إلى تقييدها بقوله (في المنام) .
و [الرؤيا] الّتي بالألف خاصّة برؤية القلب في المنام، وقد تستعمل في رؤية البصر أيضا، قال المازري: مذهب أهل السّنّة: أنّ حقيقة الرّؤيا خلق الله تعالى في قلب النّائم اعتقادات كخلقها في قلب اليقظان، وهو يفعل ما يشاء؛ لا يمنعه نوم ولا يقظة، وخلق هذه الاعتقادات في النائم علم على أمور أخر يلحقها في ثاني الحال؛ كالغيم علما على المطر. انتهى؛ ذكره في «جمع الوسائل» .
وإنّما أورد المصنّف باب الرؤية في المنام آخر الكتاب بعد بيان صفاته الظاهرة وأخلاقه المعنوية!! إشارة إلى أنّه ينبغي أوّلا ملاحظة رسول الله ﷺ بأوصافه الشريفة وأخلاقه المنيفة ليسهل تطبيقه الرؤية بعد في المنام عليها، والإشعار بأنّ الاطلاع على طلائع صفاته الصّوريّة، وعلى بدائع نعوته السّريّة بمنزلة رؤيته البهية. انتهى «باجوري» .
(عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما) كذا في النّسخ الّتي بأيدينا، وهو كذلك في نسخة «الشّمائل» التي كتب عليها المناوي، وكذلك في المطبوعة مع «حاشية الباجوري» ، لكن في نسخة «الشمائل» التي كتب عليها الشرّاح الثلاثة:
ملا علي قاري، وجسّوس المغربي، والباجوري في «حاشيته» ؛ «عن عبد الله»
стр. 2144
عن النّبيّ ﷺ قال: «من رآني في المنام.. فقد رآني، فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بي» .
فقط، وفسّره هؤلاء الثلاثة ب «ابن مسعود» ، قالوا- كما في نسخة-: وذلك يوافق ما في «سنن ابن ماجه» ، والترمذي في «الجامع» بسند «الشّمائل» وقال:
حديث حسن صحيح، فإنّ ابن ماجه رواه من طريق وكيع عن سفيان، والتّرمذيّ رواه في «الجامع» و «الشمائل» ؛ من طريق عبد الرّحمن بن مهدي، عن سفيان؛ عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص؛ عن عبد الله رضي الله تعالى عنه.
(عن النّبيّ ﷺ قال: «من رآني في المنام) ؛ أي: في حال النّوم، (فقد رآني) ، أي: فليبشّر بأنّه رآني حقيقة، أي: رأى حقيقتي كما هي؛ لا شبهة ولا ريب فيما رآه، فلم يتّحد الشّرط والجزاء. أو هو في معنى الإخبار؛ أي: من رآني فأخبره بأنّ رؤيته حقّ ليست بأضغاث أحلام، ولا من تمثيل الشّيطان، بل هي من قبل الله تعالى.
ثمّ أردف ذلك بما هو تتميم للمعنى وتعليل للحكم؛ فقال: (فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بي» ) . وفي رواية لمسلم: «فإنّ الشّيطان لا ينبغي له أن يتشبّه بي» .
وفي أخرى له: «لا ينبغي أن يتمثّل في صورتي» .
وفي رواية لغير مسلم: «لا يتكوّنني» أي: لا يستطيع ذلك لئلّا يتذرّع بالكذب على لسانه في النّوم؛ كما استحال تصوّره بصورته يقظة؛ إذ لو وقع اشتبه الحقّ بالباطل؛ ومنه أخذ أنّ جميع الأنبياء كذلك.
وظاهر الحديث أنّ رؤياه صحيحة؛ وإن كانت على غير صفته المعروفة، وبه صرّح النّوويّ، مضعّفا لتقييد الحكيم التّرمذيّ وعياض وغيرهما؛ بما إذا رآه على صورته المعروفة في حياته، وتبعه عليه بعض المحقّقين.
قال المناوي- على «الشمائل» ؛ في شرح قول المصنّف «فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بي» -: أي: لا يستطيع ذلك، سواء رآه الرائي على صفته المعروفة؛ أو
стр. 2145
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ...
غيرها، على المنقول المقبول عند أهل العقول، لأنّه جعله رحمة للعالمين؛ هاديا للضّالّين؛ محفوظا من وسواس الشّياطين.
وإذا تنوّر العالم بنور وجوده، ورجمت الشّياطين لميلاده، وهدمت بنيان الكهنة لظهوره؛ فكيف يتصوّر أن يتمثّل الشّيطان بصورته!! ولو قدر أن يتمثّل بصورته لتمثّل في الخارج كذلك، فرؤياه حقّ على أيّ صورة كانت.
ثمّ إن كانت بصورته الحقيقة في وقت مّا، سواء كان في شبابه؛ أو رجوليّته؛ أو كهوليّته؛ أو أواخر عمره، لم تحتج لتأويل، وإلّا احتيجت لتعبير متعلق بالرّائي. ومن ثمّ قيل: من رآه شيخا، فهو في غاية سلم، أو شابا؛ فهو في غاية حرب، أو متبسما؛ فهو متمسك بسنّته، أو على حالته وهيئته؛ فهو دليل على صلاح حال الرّائي وكمال وجاهته وظفره. وعكسه؛ لأنّه كالمرآة الصّقيلة ينطبع فيها ما يقابلها، وإن كان ذاتها على أحسن حال.
وبه علم صحّة رؤية جمع له؛ في آن واحد؛ في أقطار متباعدة؛ بأوصاف متخالفة. وكما أنّ الشّمس يراها كلّ إنسان في الشّرق والغرب في ساعة واحدة وبصفات مختلفة؛ فكذلك هو ﷺ .
وحكي عن البارزيّ واليافعيّ والجيليّ والشّاذليّ والمرسيّ وعلي وفاء والقطب القسطلّانيّ وغيرهم أنّهم رأوه يقظة. قال ابن أبي جمرة: ومنكر ذلك!! إن كان ممّن يكذّب بكرامات الأولياء؛ فلا كلام معه، وإلّا! فهذه منها؛ إذ يكشف لهم بخرق العادة عن أشياء في العالم العلويّ والسفليّ. انتهى.
وسبقه لنحوه حجّة الإسلام؛ فقال في كتاب «المنقذ» : وهم- يعني: أرباب القلوب- في يقظتهم، يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتا، ويقتبسون منهم فوائد. انتهى كلام المناوي رحمه الله تعالى.
(و) أخرج التّرمذيّ في «الشّمائل» ؛ (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
стр. 2146
قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام..
فقد رآني، فإنّ الشّيطان لا يتصوّر- أو قال لا يتشبّه- بي» .
قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام) - بصفتي الّتي أنا عليها، أو بغيرها؛ على ما تقدّم- (فقد رآني) - أي: رأى حقيقتي على كمالها- (فإنّ الشّيطان لا يتصوّر) بي، لا مناما ولا يقظة؛ حفاظا للشّريعة المعلومة بالكتاب والسّنّة.
ثمّ إن رآه الرّائي على صورته كان الرّائي كاملا، وإلّا! فهو ناقص، فتكون الرّؤية حينئذ تنبيها له ليتوب، فمن رآه ميتا دلّ على موت الشّريعة في الرّائي، فإن كان مستقيما! دلّ على موت الشّريعة في ذلك المكان.
(أو قال) - شكّ من الرّاوي- (: «لا يتشبّه بي» ) ، التصوّر: قريب من التّمثّل، وكذا التشبّه.
قال بعض شرّاح «المصابيح» : ومثله في ذلك جميع الأنبياء والملائكة.
انتهى.
وما ذكره احتمالا جزم به البغويّ في «شرح السّنّة» ؛ قال: وكذلك حكم القمرين، والنّجوم، والسّحاب الذي ينزل منه الغيث: لا يتمثّل الشّيطان بشيء منها.
لكن ذكر المحقّقون أنّه خاصّ به ﷺ ؛ ذكره العزيزي على «الجامع الصغير» وغيره.
والحديث رواه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود؛ من حديث أبي هريرة بلفظ:
«من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثّل الشّيطان بي» . ورواه الطّبراني؛ وزاد: «ولا بالكعبة» . وقال: لا تحفظ هذه اللّفظة إلّا في هذا الحديث.
ولمسلم؛ من حديث جابر: «من رآني في المنام فقد رآني، فإنّه
стр. 2147
.........
لا ينبغي للشّيطان أن يتمثّل في صورتي» . وفي رواية: «فإنّه لا ينبغي للشّيطان أن يتشبّه بي» .
وفي حديث أبي سعيد الخدريّ؛ عند البخاري: سمع النّبيّ ﷺ يقول: «من رآني فقد رأى الحقّ، فإنّ الشّيطان لا يتكوّنني» ، أي: لا يتكوّن كوني، أي:
لا يتصور تصوّرا كصورتي، فحذف المضاف ووصل المضاف إليه بالفعل.
وفي حديث أبي قتادة؛ عند «البخاري ومسلم» بلفظ: «من رآني فقد رأى الحقّ، فإنّ الشّيطان لا يتراءى بي» - بالرّاء-؛ بوزن: يتعاطى، ومعناه لا يستطيع أن يتمثّل بي، ووقع عند الإسماعيلي؛ في «مستخرجه» : «من رآني في المنام فقد رآني في اليقظة، فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بي» . ومثله عند ابن ماجه، وصحّحه التّرمذيّ؛ من حديث ابن مسعود المتقدّم.
والحاصل: أنّ هذا الحديث متواتر، وقد ذكره السّيوطيّ في «الأزهار المتناثرة» وقال: أخرجه الشّيخان؛ عن أنس، وأبي سعيد، وأبي قتادة، وأبي هريرة.
ومسلم، عن جابر. والتّرمذيّ؛ عن ابن مسعود.
وابن ماجه؛ عن ابن عباس، وأبي جحيفة.
وأحمد؛ عن أبي قتادة، وأبي مالك الأشجعيّ.
والطّبرانيّ؛ عن أبي سعيد، وابن عمرو، وأبي بكرة، ومالك بن عبد الله الخثعميّ.
والبخاريّ في «التّاريخ» ؛ عن طارق بن أمية الأشجعيّ. انتهى.
فائدة: سئل شيخ الإسلام؛ زكريّا الأنصاريّ رحمه الله تعالى: عن رجل زعم أنّه رأى النّبيّ ﷺ يقول له: «مر أمّتي بصيام ثلاثة أيّام، وأن يعيّدوا بعدها، ويخطبوا» ، فهل يجب الصّوم، أو يندب، أو يجوز، أو يحرم؟!
стр. 2148
.........
وهل يكره أن يقول أحد للنّاس: أمركم النّبيّ ﵊، بصيام أيام لأنّه كذب عليه، ومستنده الرّؤيا الّتي سمعها من غير رائيها، أو منه.
وهل يمتنع أن يتسمّى إبليس باسم النّبيّ ﷺ ، ويقول للنّائم: إنّه النّبيّ ﷺ ، ويأمره بطاعته، ليتوصّل بذلك إلى معصيته؛ كما يمتنع عليه التّشكّل في صورته الشّريفة أم لا!! [وبم] تتميّز الرؤية له ﷺ الصادقة من الكاذبة، وهل يثبت شيء من أحكام الشّرع بالرؤية في النّوم؟ وهل المرئيّ ذاته ﷺ ، أو روحه، أو مثل ذلك.
أجاب- رحمه الله تعالى- بقوله: لا يجب على أحد الصّوم؛ ولا غيره من الأحكام بما ذكر، ولا مندوب. بل قد يكره؛ أو يحرم، لكن إن غلب على الظّنّ صدق الرّؤيا فله العمل بما دلّت عليه؛ ما لم يكن فيه تغيير حكم شرعيّ. ولا يثبت بها شيء من الأحكام؛ لعدم ضبط الرّائي، لا للشّكّ في الرّؤيا.
ويحرم على الشّخص أن يقول: أمركم النّبيّ ﷺ بكذا؛ فيما ذكر، بل يأتي بما يدلّ على مستنده من الرّؤيا، إذ لا يمتنع عقلا أن يتسمّى إبليس باسم النّبيّ ﷺ ليقول للنّائم: إنّه النّبيّ ﷺ ، ويأمره بالطّاعة؛ والرّؤيا الصّادقة هي الخالصة من الأضغاث.
والأضغاث أنواع:
الأوّل: تلاعب الشّيطان ليحزن الرّائي؛ كأن يرى أنّه قطع رأسه.
الثّاني: أن يرى أنّ بعض الأنبياء يأمره بمحرّم؛ أو محال.
الثّالث: ما تتحدّث به النّفس في اليقظة تمنّيا؛ فيراه كما هو في المنام.
ورؤية المصطفى ﷺ بصفته المعلومة إدراك لذاته؛ ورؤيته بغير صفته إدراك لمثاله، فالأولى: لا تحتاج إلى تعبير، والثّانية: تحتاج إليه.
ويحمل على هذا قول النّوويّ «الصّحيح أنّه يراه حقيقة؛ سواء كانت صفته المعروفة أو غيرها» . وللعلماء في ذلك كلام كثير ليس هذا محلّ ذكره، وفيما
стр. 2149
وعن يزيد الفارسيّ- وكان يكتب المصاحف- قال: رأيت النّبيّ ﷺ في المنام زمن ابن عبّاس، فقلت لابن عبّاس:
إنّي رأيت رسول الله ﷺ في النّوم، فقال ابن عبّاس:
إنّ رسول الله ﷺ كان يقول: «إنّ الشّيطان لا يستطيع أن يتشبّه بي، فمن رآني في النّوم.. فقد رآني» ، ...
ذكرته كفاية. انتهى بنصّه؛ ذكره المناوي؛ في «كبيره» .
(و) أخرج التّرمذيّ في «الشّمائل» ؛ من حديث عوف بن أبي جميلة؛
(عن يزيد الفارسيّ) ابن هرمز المدنيّ الليثيّ، «مولاهم؛ ومولى ابن عثمان أو غيره» ، تابعيّ، خرّج له مسلم؛ وأبو داود؛ والنّسائيّ.
وقال الذّهبيّ: كان رأس الموالي يوم الحرّة. وهو والد عبد الله الفقيه، بقي إلى سنة مائة؛ قاله المناوي رحمه الله تعالى.
لكن قال في «جمع الوسائل» : الصّحيح أنّه غيره، فإنّ يزيد بن هرمز مدنيّ من أوساط التّابعين؛ ويزيد الفارسيّ بصريّ مقبول، من صغار التّابعين- كما يعلم من «التقريب» و «تهذيب الكمال» -. انتهى.
(وكان يكتب المصاحف) فيه إشارة إلى بركة عمله، ولذلك رأى هذه الرّؤيا العظيمة، لأنّ رؤياه ﷺ في صورة حسنة تدلّ على حسن دين الرّائي، بخلاف رؤيته في صورة شين أو نقص في بعض البدن، فإنّها تدلّ على خلل في دين الرّائي، فبها يعرف حال الرّائي، فلذلك لا يختصّ برؤيته ﷺ الصّالحون.
(قال) ؛ أي: يزيد (: رأيت النّبيّ ﷺ في المنام زمن ابن عبّاس) ؛ أي: في زمن وجوده، أي: في حياته؛ (فقلت لابن عبّاس:
إنّي رأيت رسول الله ﷺ في النّوم!!
فقال ابن عبّاس: إنّ رسول الله ﷺ كان يقول: «إنّ الشّيطان لا يستطيع أن يتشبّه بي، فمن رآني في النّوم فقد رآني» ) ؛ أي: فليبشّر بأنّه رآني حقيقة، أي:
стр. 2150
هل تستطيع أن تنعت هذا الرّجل الّذي رأيته في النّوم؟
قال: نعم، أنعت لك رجلا بين الرّجلين؛ جسمه ولحمه أسمر إلى البياض، أكحل العينين، حسن الضّحك، جميل دوائر الوجه، قد ملأت لحيته ما بين هذه إلى هذه؛ ...
رأى حقيقتي كما هي، فلم يتّخذ الشّرط والجزاء، أو هو في معنى الإخبار؛ أي:
من رآني فأخبره بأنّ رؤياه حقّ، لا أضغاث أحلام وتخيّل شيطان.
(هل تستطيع أن تنعت هذا الرّجل الّذي رأيته في النّوم) ؛ أي: تصفه بما فيه من حسن، فالنّعت وصف الشّيء بما فيه من حسن، ولا يقال في القبيح إلّا بتجوّز، والوصف يقال في الحسن والقبيح؛ كما في «النهاية» .
(قال) أي: الرائي؛ وهو يزيد الفارسي (: نعم؛ أنعت لك رجلا) بالنّصب على أنّه مفعول «أنعت» - (بين الرّجلين) ؛ في القصر والطّول، لا بائن ولا قصير، كما سبق، وقوله «بين رجلين» خبر مقدّم، وقوله (جسمه ولحمه) مبتدأ مؤخّر، أو هو فاعل بالظرف، والجملة صفة ل «رجلا» ، يريد أنّه متوسط في القصر والطّول والسّمن ومقابله.
(أسمر) ؛ أي: أحمر مائل (إلى البياض) ؛ لأنّه كان أبيض مشربا بحمرة كما تقدّم-، فالسّمرة تطلق على الحمرة، وقوله «أسمر» بالرفع: على أنّه خبر مبتدأ مقدّر، وبالنّصب: على أنّه نعت ل «رجلا» ، أو خبر ل «كان» مقدّرة؛ ومثله قوله:
(أكحل) ؛ من الكحل وهو سواد (العينين) خلقة، (حسن الضّحك) ؛ لأنّه كان يتبسّم في غالب أحواله، (جميل دوائر الوجه) ؛ أي: حسن أطراف الوجه، فالمراد بالدّوائر: الأطراف، فلذلك صحّ الجمع، وإلّا! فالوجه له دائرة واحدة؛ (قد ملأت لحيته ما بين هذه) الأذن (إلى هذه) الأذن الآخرى، وكان الأظهر في التعبير أن يقول «ما بين هذه وهذه» لأنّ «ما بين» لا تضاف إلّا إلى متعدّد. أو
стр. 2151
قد ملأت نحره.
فقال ابن عبّاس: لو رأيته في اليقظة.. ما استطعت أن تنعته فوق هذا.
وعن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني- يعني في النّوم- فقد رأى الحقّ» .
يقول «من هذه إلى هذه» لأن «من» الابتدائيّة تقابل ب «إلى» الانتهائيّة.
وأشار بذلك إلى أنّ لحيته الكريمة عريضة عظيمة؛ (قد ملأت نحره) أي:
كانت مسترسلة إلى صدره، كثّة، وهو إشارة إلى طولها.
(فقال ابن عبّاس) ليزيد الرّائي- لما أخبره بنعت من رآه في النّوم- (: لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا) أي: فما رأيته في النّوم موافق لما عليه الواقع.
(و) أخرج الإمام أحمد، والبخاريّ في «التعبير» ، ومسلم، والتّرمذيّ في «الشّمائل» ؛
(عن أبي قتادة) الحارث بن ربعي، أو عمرو، أو النّعمان الأنصاريّ.
شهد أحدا وما بعدها- وتقدمت ترجمته- (رضي الله تعالى عنه قال:
قال رسول الله ﷺ : «من رآني- يعني في النّوم-) : تفسير مدرج من بعض الرواة (فقد رأى الحقّ» .) أي: رؤيته حقّ، أي: رأى الرّؤيا الصّادقة الصّحيحة، وهي الّتي يريها الملك الموكّل بضرب أمثال الرّؤيا بطريق الحكمة لبشارة أو نذارة أو معاتبة، ليكون على بصيرة من أمره.
وأبعد بعضهم فقال: يمكن أن يراد بالحقّ هو الله مبالغة؛ تنبيها على أنّ من رآه على وجه المحبّة والاتّباع كأنّه رأى الله تعالى كقوله: «من أحبّني فقد أحبّ الله، ومن أطاعني فقد أطاع الله» . انتهى.
стр. 2152
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام.. فقد رآني، فإنّ الشّيطان لا يتخيّل بي» .
وردّ بأنّه يأباه قوله «فإنّ الشّيطان لا يتزيّا بي» - بالزّاي المعجمة- أي: لا يظهر في زيّي؛ أي: لا يستطيع ذلك، لأن الله ؛ وإن مكّنه من التصوّر في أيّ صورة أراد؛ فإنّه لا يمكّنه من التّصوّر في صورة النّبيّ ﷺ .
(و) أخرج الإمام أحمد، والبخاريّ، والتّرمذيّ في «الجامع» و «الشّمائل» :
(عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام) أي: في حال النّوم- (فقد رآني) حقيقة؛ أي: رأى حقيقتي كما هي، (فإنّ الشّيطان لا يتخيّل بي» ) . أي: لا يمكنه أن يظهر لأحد بصورتي، فمعنى التخيّل يقرب من معنى التصوّر.
فإن قيل: كيف يكون ذلك وهو في المدينة المنوّرة؛ والرائي في المشرق أو المغرب مثلا!؟
أجيب: بأنّ الرّؤية أمر يخلقه الله تعالى، ولا يشترط فيها عقلا مواجهة؛ ولا مقابلة؛ ولا خروج شعاع؛ ولا غيره. ولذا جاز أن يرى أعمى الصّين بقّة أندلس!!.
فإن قلت: كثيرا يرى على خلاف صورته المعروفة، ويراه شخصان في حالة واحدة في مكانين؛ والجسم الواحد لا يكون إلّا في مكان واحد؟!
أجيب: بأنّه يعتبر في صفاته؛ لا في ذاته، فتكون ذاته ﵊ مرئيّة وصفاته متخيّلة غير مرئيّة، فالإدراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار، ولا قرب المسافة، فلا يكون المرئيّ مدفونا في الأرض ولا ظاهرا عليها، وإنّما يشترط كونه موجودا، ولو رآه يأمر بقتل من يحرم قتله!! كان هذا من صفاته المتخيّلة؛ لا المرئيّة. كذا قاله القسطلّاني في «شرح البخاري» .
стр. 2153
قال: «ورؤيا المؤمن جزء من ستّة وأربعين جزآ من النّبوّة» .
(قال:) ؛ أي: أنس- على ما هو ظاهر صنيع المصنّف- وإلّا لقال «وقال» ! لكنّه موقوف في حكم المرفوع! ولا يبعد أن يكون الضّمير له ﷺ ، بل هو الأقرب، لأنّ الأشهر أنّ هذا مرفوع في البخاري وغيره.
( «ورؤيا) - مصدر؛ كالرّجعى- (المؤمن) والمؤمنة الصالحين، والمراد غالب رؤياهما، وإلّا! فقد تكون رؤياهما أضغاث أحلام؛ أي: أخلاط أحلام فلا يصحّ تأويلها لاختلاطها؛ (جزء من ستّة وأربعين جزآ من النّبوّة» ) .
وجه ذلك- على ما قيل-: أنّ زمن الوحي ثلاثة وعشرون سنة، وأوّل ما ابتدئ به ﷺ الرؤيا الصالحة، وكان زمنها ستّة أشهر، ونسبة ذلك إلى سائر المدّة المذكورة جزء من ستة وأربعين جزآ، ولا حرج على أحد في الأخذ بظاهر ذلك.
لكن لم يرد أثر أنّ زمن الرؤيا ستّة أشهر!! مع كون هذا التوجيه لا يظهر في بقية الرّوايات غير هذه الرّواية؟! فإنّ [هـ] ورد في رواية: «من خمس وأربعين» ، وفي رواية «من أربعين» ، وفي رواية «من خمسين» ... إلى غير ذلك، واختلاف الرّوايات يدلّ على أنّ المراد التكثير؛ لا التحديد.
ولا يبعد أن يحمل اختلاف الأعداد المذكورة على اختلاف أحوال الرّائي في مراتب الصّلاح، وأظهر ما قيل في معنى كون الرؤيا جزآ من أجزاء النّبوّة: أنّها جزء من أجزاء علم النّبوّة، لأنّها يعلم بها بعض الغيوب، ويطلع بها على بعض المغيّبات، ولا شكّ أنّ علم المغيّبات من علم النّبوّة، ولذلك قال الإمام مالك ﵁ لما سئل: أيعبّر الرّؤيا كلّ أحد؟ قال: أبالنّبوّة يلعب!! ثمّ قال:
الرّؤيا جزء من النّبوّة. وليس المراد أنّها نبوّة باقية حقيقة.
ويؤيّد ذلك الحديث الّذي رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: «لم يبق من النّبوّة إلّا المبشّرات» ، قالوا: وما المبشّرات؟ قال: «الرّؤيا الصّالحة؛ يراها
стр. 2154
وقوله [ ﷺ ] : (من رآني في المنام فقد رآني) قال الباجوريّ: أي: من رآني في حال النّوم.. فقد رآني حقّا، أو.. فكأنّما رآني في اليقظة.
فهو على التّشبيه والتّمثيل؛ وليس المراد رؤية جسمه الشّريف وشخصه المنيف، بل مثاله على التّحقيق.
الرّجل المسلم، أو ترى له» . أخرجه البخاريّ.
والتعبير بالمبشّرات للغائب، وإلّا! فقد تكون من المنذرات. وبالجملة: فلا ينبغي أن يتكلّم في تعبير الرّؤيا بغير علم، لما علمت من أنّها جزء من أجزاء النّبوّة.
(وقوله) في الحديث: ( «من رآني في المنام فقد رآني» !! قال:) شيخ الإسلام إبراهيم (الباجوريّ) - رحمه الله تعالى؛ في «حاشية الشّمائل» -:
(أي: من رآني في حال النّوم) بأيّ صفة كانت؛ (فقد رآني حقّا) ؛ أي: رأى حقيقتي على كمالها؛ لا شبهة ولا ريب فيما رأى، (أو فكأنّما رآني في اليقظة، فهو على التّشبيه والتّمثيل) ، لأنّ ما رآه في النّوم مثاليّ، وما يرى في عالم الحسّ حسّيّ، فهو تشبيه خياليّ بحسيّ.
(و) قال الغزاليّ: (ليس المراد) بقوله: «فقد رآني» (رؤية جسمه الشّريف وشخصه المنيف، بل) رؤية (مثاله) الّذي صار آلة يتأدّى بها المعنى الذي في نفس الأمر إليه، وكذلك قوله: «فسيراني في اليقظة» !! ليس المراد أنّه يرى جسمي وبدني؛ بل المثال.
قال: والآلة تارة تكون حقيقيّة، وتارة تكون خيالية، والنّفس غير المثال المتخيّل، فما رآه من الشّكل ليس هو روح المصطفى ﷺ ؛ ولا شخصه، بل مثال له (على التّحقيق) .
قال: ومثل ذلك من يرى الله تعالى في المنام، فإنّ ذاته تعالى منزّهة عن الشّكل والصّورة، ولكن تعريفاته تعالى إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور؛ أو
стр. 2155
وقوله [ ﷺ ] : (فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بي) أي: لا يستطيع ذلك؛ لأنّه جعله ﷺ محفوظا من الشّيطان في الخارج، فكذلك في المنام، ...
غيره، ويكون ذلك المثال آلة حقّا في كونه واسطة في التعريف، فيقول الرّائي «رأيت الله في المنام» لا يعني أنّي رأيت ذات الله؛ كما يقول في حقّ غيره.
وقال الغزاليّ أيضا؛ في بعض فتاويه: من رأى الرّسول ﷺ يعني: في المنام لم ير حقيقة شخصه المودع روضة المدينة المنوّرة، وإنّما رأى مثاله؛ لا شخصه.
ثمّ قال: وذلك المثال مثال روحه المقدّسة عن الصّورة والشّكل. انتهى.
(وقوله: «فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بي» ) ؛ أي: لا يحصل للشّيطان مثال صورتي، ولا يتشبّه بي، (أي: لا يستطيع ذلك، لأنّه جعله ﷺ محفوظا من الشّيطان في الخارج) ؛ أي: في حال اليقظة، (فكذلك في المنام) ؛ أي: فكما منعه الله أن يتصوّر بصورته في اليقظة منعه ذلك في النّوم؛ لئلّا يشتبه الحقّ بالباطل.
وأورد الشّيخ أكمل الدّين «١» في «شرح المشارق» : إنّ عظمة الله تعالى أتمّ من عظمة كلّ عظيم، مع أنّ إبليس تراءى لكثير وخاطبهم بأنّه الحقّ ليضلّهم، فضلّ جمع حتّى ظنّوا أنّهم رأوا الحقّ وسمعوا خطابه.
وأجاب: بأنّ كلّ عاقل يعلم بأنّ الحقّ لا صورة له معيّنة توجب الاشتباه، بخلاف النّبيّ فصورته معيّنة معلومة؛ وبأنّ مقتضى حكمة الحقّ أنّه يضلّ من يشاء، ويهدي من يشاء، بخلاف النّبيّ؛ فإنّه متّصف بالهداية ظاهر بصورتها، ورسالته
стр. 2156
سواء رآه على صفته المعروفة أو غيرها على المنقول المقبول عند ذوي العقول، وإنّما ذلك يختلف باختلاف حال الرّائي، كالمرآة الصّقيلة ينطبع فيها ما يقابلها؛ ...
إنّما هي لذلك؛ لا للإضلال، فلا يكون منه إضلال لأحد البتة، فوجب عصمة صورته من أن يظهر بها شيطان.
وقال القاضي عياض: لم يختلف العلماء في جواز صحّة رؤية الله تعالى في النّوم، وإن رؤي على صفة لا تليق بحاله من صفات الأجسام؛ لتحقّق أنّ المرئيّ غير ذات الله، إذ لا يجوز عليه التّجسيم؛ ولا اختلاف الحالات، بخلاف النّبيّ ﷺ ، فكانت رؤياه تعالى في النّوم من باب التّمثيل والتّخييل.
وقال ابن العربي: رؤيا الله في النّوم أوهام وخواطر في القلب؛ لا تليق به الحقيقة، ويتعالى عنها، وهي دلالات للرّائي على أمر كان؛ أو يكون كسائر المرئيّات.
وقال غيره: رؤياه تعالى مناما حقّ وصدق؛ لا كذب فيها في قول ولا فعل.
انتهى «مناوي وزرقاني» رحمهما الله تعالى.
ورؤياه ﷺ في المنام حقّ، (سواء رآه على صفته المعروفة؛ أو غيرها على المنقول المقبول عند ذوي العقول) ، كما هو ظاهر الحديث، وبه صرّح النّوويّ، مضعّفا لتقييد الحكيم التّرمذيّ والقاضي عياض وغيرهما بما إذا رآه على صورته المعروفة في حياته، وتبعه عليه بعض المحقّقين.
(وإنّما ذلك يختلف باختلاف حال الرّائي) ، فإن كانت رؤيته بصورته الحقيقيّة في وقت ما؛ سواء كان في شبابه، أو رجولته، أو كهولته، أو أواخر عمره؛ لم تحتج لتأويل، وإلّا! احتيجت لتعبير متعلّق بالرّائي، ومن ثمّ قيل: من رآه شيخا؛ فهو في غاية سلم، أو شابّا فهو في غاية حرب، أو متبسّما فهو متمسّك بسنّته، أو على حالته وهيئته؛ فهو دليل على صلاح حال الرّائي وكمال وجاهته وظفره، لأنّه ﷺ (كالمرآة الصّقيلة ينطبع فيها ما يقابلها) ، وإن كان ذاتها على أحسن حال؛
стр. 2157
فقد رآه جمع بأوصاف مختلفة، ...
قاله المناوي رحمه الله تعالى.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي رحمه الله تعالى: رؤيته ﷺ بصفته المعلومة الّتي كان عليها إدراك له على الحقيقة، ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال، فإنّ الصّواب أنّ الأنبياء لا تغيّرهم الأرض، ويكون إدراك الذّات الكريمة حقيقة، وإدراك الصّفات إدراك المثال؛ لا الحقيقة.
أي: فالأولى لا تحتاج إلى تعبير، والثّانية تحتاجه.
وللصّوفيّة ما يوافق معنى هذا؛ وإن اختلف اللّفظ، حيث قالوا: هنا ميزان يجب التّنبّه له؛ وهو: أنّ الرّؤيا الصّحيحة أن يرى بصورته الثّابتة بالنّقل الصّحيح، فإن رآه بغيرها كطويل أو قصير؛ أو شيخ؛ أو شديد السّمرة!! لم يكن رآه.
وحصول الجزم في نفس الرّائي بأنّه رآه غير حجّة، بل ذلك المرئيّ صورة الشّرع «١» بالنّسبة لاعتقاد الرّائي، أو حاله، أو صفته، أو حكم من أحكام الإسلام، أو بالنّسبة للمحل الّذي رأى فيه تلك الصّورة. قال القونويّ كابن عربي الحاتمي: وقد جرّبناه فوجدناه لم ينخرم. انتهى «زرقاني» .
(وقد) علم من ذلك صحّة أن (يراه جمع) ؛ في آن واحد؛ في أقطار متباعدة؛ (بأوصاف مختلفة) ، لأنّه ﷺ سراج ونور، والشّمس في هذا العالم مثال نوره في العوالم كلّها، فكما أنّ الشّمس يراها كلّ إنسان في الشّرق والغرب في ساعة واحدة؛ وبصفات مختلفة؛ فكذلك هو ﷺ ، والاختلافات إنّما ترجع إلى اختلاف الرّائين؛ لا المرئيّ- كما تقدّم-.
قال أبو سعيد؛ أحمد بن محمّد نصر: من رأى نبيّا على حاله وهيئته فذلك دليل على صلاح حال الرّائي، وكمال جاهه، وظفره بمن عاداه، ومن رآه متغيّر
стр. 2158
ومثله في ذلك جميع الأنبياء والملائكة. كما جزم به البغويّ في «شرح السّنّة» .
الحال عابسا مثلا؛ فذلك دليل على سوء حال الرّائي.
وقال العارف ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى: من رآه بصورة حسنة؛ فذلك حسن في دين الرّائي، وإن كان في جوارحه شين أو نقص؛ فذلك خلل في الرّائي من جهة الدّين. قال: وهذا هو الحقّ؛ فقد جرّب ذلك فوجد على هذا الأسلوب، وبه تحصل الفائدة الكبرى في رؤياه حتى يتبيّن للرّائي: هل عنده خلل؛ أم لا! لأنّه ﵊ نورانيّ مثل المرآة الصّقيلة؛ ما كان في الناظر إليها من حسن أو غيره تصوّر فيها، وهي في ذاتها على أحسن حال؛ لا نقص فيها، أي: فكذلك النّبيّ ﷺ ، هو على صفته الّتي ليس شيء أحسن منها، والتغير إنّما هو في صفة الرّائي، قال: وكذلك يقال في كلامه ﵊ في النّوم: إنّه يعرض على سنّته؛ فما وافقها فهو حقّ، وما خالفها؛ فالخلل في سمع الرّائي.
فرؤيا الذّات الكريمة حقّ، والخلل إنّما هو في سمع الرّائي؛ أو بصره. قال:
وهذا خبر ما سمعته في ذلك. انتهى كلام ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى.
(ومثله) ﷺ (في ذلك جميع الأنبياء والملائكة. كما) ذكره بعض شرّاح «المصابيح» احتمالا، و (جزم به) ركن الدّين محيي السّنّة، أبو محمّد:
الحسين بن مسعود بن محمد؛ المعروف ب «الفرّاء» ، (البغويّ) نسبة إلى «بغشور» ؛ على غير قياس، ويقال: «بغ» ؛ بلدة من بلاد خراسان بين مرو وهراة- الفقيه الشّافعي المحدّث المفسّر، صاحب المصنّفات، المبارك له فيها لقصده الصّالح، المتعبّد النّاسك الرّبّانيّ، المتوفّى ب «مرو» في شوّال سنة:
خمسمائة وستة عشر هجرية. رحمه الله تعالى آمين.
(في) كتاب ( «شرح السّنّة» ) ، وهو كتاب في الحديث مرتّب على الأبواب الفقهيّة مشتمل على السّنن، وما هو في حيّزها؛ أو له تعلّق بها.
стр. 2159
وكذلك حكم القمرين والنّجوم والسّحاب الّذي ينزل فيه الغيث، فلا يتمثّل الشّيطان بشيء منها.
قال مؤلّفه في مقدّمته: هذا كتاب يتضمّن كثيرا من علوم الأحاديث وفوائد الأخبار المرويّة عن النّبي ﷺ ؛ من حلّ مشكلها، وتفسير غريبها، وبيان أحكامها، وما يترتّب عليها من الفقه واختلاف العلماء، وجمل لا يستغنى عن معرفتها، وهو المرجوع إليه في الأحكام، ولم أودع فيه إلّا ما اعتمده أئمّة السّلف الّذين هم أهل الصّنعة المسلّم لهم الأمر، وما أودعوه كتبهم، وأمّا ما أعرضوا عنه؛ من المقلوب والموضوع والمجهول واتّفقوا على تركه؛ فقد صنت هذا الكتاب عنه ... إلى آخر ما قال. ثمّ بدأ بكتاب الإيمان.
لكن ذكر المحقّقون أنّ ذلك خاصّ به ﷺ ، دون غيره من الأنبياء.
وقالوا في حكمة ذلك: إنّه ﷺ وإن ظهر بجميع أسماء الحقّ وصفاته تخلّقا وتحقّقا؛ فإنّ من مقتضى مقامات رسالته ودعوته الخلق إلى الحقّ: أن يكون الأظهر فيه؛ حكما وسلطنة، من صفات الحقّ وأسمائه صفة الهداية، والاسم الهادي؛ فهو ﷺ صورة الاسم الهادي ومظهر صفة الهداية.
والشّيطان مظهر اسم المضلّ والظّاهر بصفة الضّلالة؛ فهما ضدّان، ولا يظهر أحدهما بصفة الآخر، ولو ظهر إبليس بصفته لالتبس على النّاس فضلّوا بما يلقيه إليهم لظنّهم أنّه الرّسول ﷺ ، فعصم الله صورته من أن يتصوّر بها شيطان. انتهى.
والحكمة المذكورة تقتضي عمومه في جميع الأنبياء والملائكة.
قال البغويّ: (وكذلك حكم القمرين) : الشّمس والقمر، فهو من باب التّغليب، (والنّجوم) المضيئة، (والسّحاب الّذي ينزل فيه الغيث، فلا يتمثّل الشّيطان بشيء منها) . قال:
ورؤية الأنبياء والملائكة بمكان نصرة لأهله وفرج إن كانوا في كرب. وخصب إن كانوا في جدب. ورؤية الأنبياء شرف في الدّنيا، ورؤية الملائكة شرف فيها
стр. 2160
ونقل ابن علّان: إنّ الشّيطان لا يتمثّل بالله تعالى كما لا يتمثّل بالأنبياء، وهذا هو قول الجمهور.
وقال بعضهم: يتمثّل بالله، فإن قيل: كيف لا يتمثّل بالنّبيّ ويتمثّل بالله على هذا القول؟
وشهادة في العقبى، لأنّ الأنبياء كانوا يخاطبون النّاس والملائكة لا تراهم النّاس لأنّهم عند ربهم.
وقال تعالى في الشّهداء فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [٢٧٧/ البقرة] . قال: ومن رأى المصطفى ﷺ كثيرا في المنام لم يزل خفيف المال مقلّا من الدّنيا من غير حاجة. انتهى.
(ونقل) العلّامة المحقّق المحدّث المفسّر؛ محمد بن علي.
(ابن علّان:) - بفتح العين المهملة، وتشديد اللّام، وآخره نون- ابن إبراهيم بن محمد علّان البكري الصدّيقي. حافظ عصره وإمام وقته. فارس التّفسير وجهبذ الحديث، وفخر علماء مكة المكرمة في القديم والحديث.
ولد في حدود: الثّمانين وتسعمائة هجريّة تقريبا، ومات سنة ثمان وخمسين وألف هجريّة.
له المؤلّفات النافعة الّتي بلغت أكثر من أربعمائة مؤلّف ما بين مطوّل ومختصر، فهو سيوطيّ زمانه، ودفن بالمعلاة في مقبرة آبائه رحمه الله تعالى. ترجمه الشيخ.
حسن العجيمي في «خبايا الزوايا» .
(إنّ الشّيطان لا يتمثّل بالله تعالى كما لا يتمثّل بالأنبياء، وهذا) القول (هو قول الجمهور. وقال بعضهم: يتمثّل بالله) بمعنى أنّه يتراءى للنّاس؛ ويخاطبهم بأنّه الحقّ ليضلّهم.
(فإن قيل:) عظمة الحقّ سبحانه أتمّ من عظمة كلّ عظيم ف (كيف لا يتمثّل) إبليس (بالنّبيّ) ﷺ ؛ أي: لا يستطيع أن يظهر بصورة النّبيّ ﷺ ، (ويتمثّل) اللّعين (بالله على هذا القول؛) الّذي قاله بعضهم- بمعنى أنّ الشّيطان تراءى لكثيرين
стр. 2161
أجيب: بأنّ النّبيّ بشر، فلو تمثّل به لا لتبس الأمر، والباري جلّ وعلا منزّه عن الجسميّة والعرضيّة؛ فلا يلتبس الأمر بتمثّله به؛ كما في «درّة الفنون في رؤية قرّة العيون» .
ولا تختصّ رؤية النّبيّ ﷺ بالصّالحين، بل تكون لهم ولغيرهم.
وخاطبهم بأنّه الحقّ؛ طلبا لإضلالهم، وقد أضلّ جماعة بمثل هذا حتّى ظنّوا أنّهم رأوا الحقّ وسمعوا خطابه؟!.
(أجيب) عن ذلك (ب) أمرين:
أحدهما: ب (أنّ النّبيّ) ﷺ (بشر) له صورة معيّنة معلومة مشهودة، (فلو تمثّل به لالتبس الأمر) على النّاس فضلوا بما يلقيه لهم، لظنّهم أنّه الرّسول، فعصم الله صورته من أن يتصوّر بها شيطان. (والباري جلّ وعلا) كلّ عاقل يعلم أنّه ليست له صورة معيّنة توجب الاشتباه؛ وهو (منزّه عن) صفات المخلوقين؛ ك (الجسميّة والعرضيّة) واختلاف الحالات، (فلا يلتبس الأمر بتمثّله به) .
ثانيهما: أنّ من مقتضى حكمة الحقّ أنّه يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء، بخلاف النّبيّ ﷺ ، فإنّه متّصف بالهداية؛ ظاهر بصورتها، ورسالته إنّما هي لذلك؛ لا للإضلال، فلا يكون منه إضلال لأحد البتّة، فوجب عصمة صورته من أن يظهر بها شيطان لبقاء الاعتماد وظهور حكم الهداية فيمن شاء الله تعالى هدايته به، ﵊، ولولا ذلك لم يظهر سر قوله تعالى وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) [الشورى] ولم تحصل فائدة البعثة؛ (كما في) كتاب ( «درّة الفنون في رؤية قرّة العيون» :) كتاب مختصر في الرّؤية؛ على ستّة فصول، وهو للشّيخ العلّامة المؤرّخ الصّوفي: عبد الرحمن بن علي بن أحمد بن محمد البسطامي؛ زين الدين الأنطاكي الحنفي. ولد بإنطاكية، وتعلم في القاهرة، وسكن بروسة، وتوفي بها سنة: ثمان وخمسين وثمانمائة. رحمه الله تعالى.
(ولا تختصّ رؤية النّبيّ ﷺ في المنام (بالصّالحين؛ بل تكون لهم ولغيرهم)
стр. 2162
وحكي عن بعض العارفين- كالشّيخ الشّاذليّ وسيّدي عليّ وفا-:
أنّهم رأوه ﷺ يقظة، ولا مانع من ذلك، فيكشف لهم عنه ﷺ في قبره، فيروه بعين البصيرة، ...
- كما علم مما مر-.
(وحكي) ؛ أي: حكى ابن أبي جمرة، والقاضي شرف الدّين البارزي، وعفيف الدين اليافعيّ وغيرهم؛ (عن بعض) الصّالحين (العارفين) بالله تعالى:
(كالشّيخ) أبي الحسن (الشّاذليّ) - كما حكاه عنه التّاج بن عطاء الله السّكندري- (وسيّدي) أبي العباس المرسي، والقطب القسطلّاني، والشّيخ عبد القادر الجيلاني، وسيّدي (علي وفا) بن سيّدي محمد وفاء، وغيرهم:
(أنّهم رأوه ﷺ يقظة) - بفتح القاف-. وذكر ابن أبي جمرة عن جمع أنّهم حملوا على ذلك رواية «فسيراني في اليقظة» . وأنّهم رأوه نوما فرأوه يقظة بعد ذلك، وسألوه عن تشويشهم في أشياء فأخبرهم بوجوه تفريجها، فكان كذلك بلا زيادة ولا نقصان.
(ولا مانع من ذلك) عقلا؛ ولا شرعا؛ ولا عادة، ومنكر ذلك إن كان ممن يكذّب بكرامات الأولياء فلا كلام معه، وإلّا! فهذه منها. إذ يكشف لهم بخرق العادة عن أشياء في العالم العلويّ والسّفليّ.
وجرى على ذلك الغزالي؛ فقال في كتابه «المنقذ من الضّلال» : وهم يعني: أرباب القلوب- في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتا، ويقتبسون منهم فوائد. انتهى.
(فيكشف لهم) - وهم بأقصى المشرق؛ أو المغرب- (عنه ﷺ بأن لا يجعل بينهم وبين الذّات الشّريفة وهي (في) محلّها من (قبره) الشّريف ساترا؛ ولا حاجبا، بأن يجعل تلك الحجب كالزّجاج الّذي يحكي ما وراءه.
(فيروه بعين البصيرة) ، وهي قوّة القلب المنوّر بنور اليقين؛ ترى حقائق
стр. 2163
ولا أثر للقرب؛ ولا للبعد في ذلك، ...
الأشياء، (ولا أثر للقرب؛ ولا للبعد في ذلك) ، ونحن نعلم أنّه ﷺ حيّ في قبره يصلّي، فإذا أكرم الإنسان برؤيته يقظة فلا مانع من أن يكرم بمحادثته ومكالمته وسؤاله عن الأشياء، وإنّه يجيبه عنها.!! وهذا كلّه غير منكر شرعا؛ ولا عقلا.
قال السّيوطي: وأكثر من يقع له ذلك إنّما يقع له قرب موته؛ أو عند الاحتضار، ويكرم الله بها من يشاء. انتهى.
وأنكر رؤية النّبيّ ﷺ في اليقظة؛ أنكرها جماعة؛
منهم العلّامة بدر الدين السّيّد: حسين بن عبد الرّحمن الأهدل، مؤلّف «تحفة الزّمن» رحمه الله تعالى، فقال في مسألة الرّؤية له:
إنّ وقوعها للأولياء قد تواترت بأجناسها الأخبار، وصار العلم بذلك قويّا؛ انتفى عنه الشّكّ، ومن تواترت عليه أخبارهم لم يبق له فيه شبهة. ولكن يقع لهم ذلك في بعض غيبة وحسّ وغموض طرف لمورود حال؛ لا تكاد تضبطها العبارة، ومراتبهم في الرّؤية متفاوتة. وكثيرا ما يغلط فيها رواتها، فقلّما تجد رواية متّصلة صحيحة عمّن يوثق به.
وأمّا من لا يوثق!! به فقد يكذب، وقد يرى مناما؛ أو في غيبة حسّ فيظنّه يقظة، وقد يرى خيالا أو نورا؛ فيظنّه الرّسول ﷺ ، وقد يلبس عليه الشّيطان فيجب التّحرّز في هذا الباب.
وبالجملة: فالقول برؤيته ﷺ بعد موته بعين الرّأس في اليقظة يدرك فساده بأوائل العقول؛ لاستلزامه خروجه من قبره، ومشيه في الأسواق، ومخاطبته للنّاس، ومخاطبتهم له، وخلوّ قبره عن جسده الشّريف؛ فلا يبقى منه فيه شيء، بحيث يزار مجرّد القبر؛ ويسلّم على غائب. انتهى.
ومنهم: أبو العباس القرطبيّ في «المفهم» في الرّد على من قال «بأنّ الرّائي له في المنام رؤيا حقيقيّة يراه بعد ذلك في اليقظة» . قال: وهذه جهالات لا يقول
стр. 2164
فمن كرامات الأولياء: خرق الحجب لهم، فلا مانع عقلا ولا شرعا أنّ الله تعالى يكرم وليّه؛ بأن لا يجعل بينه وبين الذّات الشّريفة ساترا ولا حاجبا) .
بشيء منها من له أدنى مسكة من المعقول، وملتزم شيء من ذلك مختلّ مخبول.
انتهى.
وهذه الإلزامات كلّها ليس شيء منها بلازم، وقد أشار للجواب عنها بقوله:
(فمن كرامات الأولياء: خرق الحجب لهم) ؛ يعني: أنّ رؤيته ﷺ يقظة لا تستلزم خروجه من قبره؛ لأنّ من كرامات الأولياء- كما مرّ- أنّ الله تعالى يخرق لهم الحجب، (فلا مانع عقلا؛ ولا شرعا) ؛ ولا عادة: (أنّ الله تعالى يكرم وليّه بأن لا يجعل بينه وبين الذّات الشّريفة ساترا؛ ولا حاجبا) بأن يجعل تلك الحجب كالزّجاج الّذي يحكي ما وراءه، وحينئذ يقع بصره عليه ﷺ . وإذا أكرم الإنسان بوقوع بصره على ذاته الشّريفة؛ فلا مانع أن يكرم بمحادثته ومكالمته، وسؤاله عن أشياء، وأنّه يجيب عنها، وهذا كلّه غير منكر شرعا؛ ولا عقلا.
وممن أنكرها صاحب «فتح الباري» العلّامة الحافظ؛ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني- رحمه الله تعالى- حيث قال:
وهذا مشكل جدّا، ولو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة، ولأمكن بقاء الصّحبة إلى يوم القيامة!!.
ويردّ بأنّ الشّرط في الصّحابي أن يكون رآه في حياته، حتى اختلفوا فيمن رآه بعد موته؛ وقبل دفنه: هل يسمى صحابيا، أم لا؟! على أنّ هذا أمر خارق للعادة، والأمور التي كذلك لا تغيّر لأجلها القواعد الكلّيّة.
ونوزع أيضا بأنّه لم يحك ذلك عن أحد من الصّحابة، ولا من بعدهم، وبأنّ فاطمة اشتدّ حزنها عليه ﷺ حتّى ماتت كمدا بعده بستّة أشهر، وبيتها مجاور لضريحه الشّريف ﷺ ، ولم ينقل عنها رؤيته تلك المدّة!!.
стр. 2165
.........
ويردّ أيضا: بأنّ عدم نقله لا يدلّ على عدم وقوعه، فلا حجّة في ذلك كما هو ظاهر، وكذلك موت فاطمة كمدا؛ لأنّه قد يكرم المفضول بما لا يكرم به الفاضل.
وتأوّل الأهدل وغيره ما وقع للأولياء من ذلك: بأنّه إنّما هو في حال غيبتهم فيظنّونه يقظة، وفيه إساءة ظنّ بهم حيث يشتبه عليهم رؤية الغيبة برؤية اليقظة، وهذا لا يظنّ بأدون العقلاء فكيف بالأكابر!!.
قاله ابن حجر- رحمه الله تعالى-.
وتعقّبه العلّامة علي القاري رحمه الله تعالى: بأنّ هذا ليس من باب إساءة الظّنّ، بل من باب التّأويل الحسن؛ جمعا بين المنقول والمشاهد المعقول، فإنّه لو حمل على الحقيقة؛ لكان يجب العمل بما سمعوا منه ﷺ من أمر ونهي وإثبات ونفي.
ومن المعلوم أنّه لا يجوز ذلك إجماعا، كما لا يجوز بما يقع حال المنام؛ ولو كان الرّائي من أكابر الأنام.
وقد صرح المازريّ: بأنّ من رآه يأمر بقتل من يحرم قتله كان هذا من الصّفات المتخيّلة؛ لا المرئيّة، فيتعيّن أن تحمل هذه الرّؤية أيضا على رؤية عالم المثال؛ أو عالم الأرواح- كما تقدّم تحقيقه عن الإمام حجّة الإسلام الغزالي؛ رحمه الله تعالى-.
وبعد حملنا على عالم المثال؛ فيزول الإشكال على كل حال، فإن الأولياء في عالم الدّنيا مع ضيقها قد يحصل لهم أبدان مكتسبة وأجسام متعدّدة، تتعلّق حقيقة أرواحهم بكلّ واحد من الأبدان؛ فيظهر كلّ في خلاف الآخر من الأماكن والأزمان، وحينئذ لا نقول: بأنّ النّبي ﷺ مضيّق عليه في عالم البرزخ بكونه محصورا في قبره، بل نقول: إنّه يجول في العالم السّفلي والعالم العلوي، فإنّ أرواح الشّهداء- مع أن مرتبتهم دون مرتبة الأنبياء- إذا كانت في أجواف طير خضر تسرح في رياض الجنّة، ثمّ تعود إلى قناديل معلّقة تحت العرش؛ كما هو مقرّر في
стр. 2166
.........
محلّه محرر، مع أنّه لم يقل أحد أنّ قبورهم خالية من أجسادهم؛ وأرواحهم غير متعلّقة بأجسامهم، لا يسمعوا سلام من يسلّم عليهم.
وكذا ورد أنّ الأنبياء يلبّون ويحجّون، فنبينا ﷺ أولى بهذه الكرامات، وأمّته مكرّمة بحصول خوارق العادات، فيتعيّن تأويل الأهدل وغيره، فتأمّل.
ومن جملة تأويلاته قوله في قول العارف أبي العبّاس المرسي «لو حجب عني رسول الله طرفة عين ما عددت نفسي مسلما» بأنّ هذا فيه تجوّز؛ أي: لو حجب عنّي حجاب غفلة، ولم يرد أنّه لم يحجب عن الرّوح الشّخصيّة طرفة عين؛ فذلك مستحيل!! أي: عرفا وعادة، إذ لا يعرف استمرار خرق العادة أصلا؛ لا شرعا؛ ولا عقلا. فاندفع قول ابن حجر «لا استحالة فيه بوجه أصلا» . انتهى كلام ملّا علي قاري؛ في «جمع الوسائل» .
وفي «الفتاوي الحديثيّة» للإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى؛ عن «المدخل» لابن الحاجّ المالكي: رؤيته ﷺ في اليقظة باب ضيّق؛ قل من يقع له ذلك إلّا من كان على صفة عزيز وجودها في هذا الزّمان، بل عدمت غالبا، مع أنّنا لا ننكر من يقع له هذا من الأكابر الّذين حفظهم الله تعالى في ظواهرهم وبواطنهم، قال:
وقد أنكر بعض علماء الظّاهر ذلك، محتجّا بأنّ العين الفانية لا ترى العين الباقية، وهو ﷺ في دار البقاء؛ والرّائي في دار الفناء!!
وردّ بأنّ المؤمن إذا مات يرى الله، وهو سبحانه لا يموت، والواحد منهم يموت في كلّ يوم سبعين مرّة!! وأشار البيهقي إلى ردّه بأنّ نبيّنا ﷺ رأى جماعة من الأنبياء ليلة المعراج.
قال البارزي: وقد سمع من جماعة من الأولياء في زماننا وقبله أنّهم رأوا النّبي ﷺ يقظة؛ حيّا بعد وفاته!! قال ابن حجر رحمه الله تعالى: والحكايات في ذلك عن أولياء الله تعالى كثيرة جدّا، ولا ينكر ذلك إلّا معاند أو محروم، وعلم ممّا
стр. 2167
.........
مرّ عن ابن العربي أنّ أكثر ما تقع رؤيته ﷺ بالقلب، ثمّ بالبصر، لكنّها به ليست كالرّؤية المتعارفة، وإنّما هو جمعيّة لحالية وحالة برزخيّة، وأمر وجدانيّ، فلا يدرك حقيقته إلّا من باشره؛ كذا قيل.
ويحتمل أنّ المراد الرّؤية المتعارفة؛ بأن يرى ذاته ﷺ طائفة في العالم، أو تكشف الحجب بينه وبين النّبي ﷺ ؛ وهو في قبره، فينظره حيّا فيه رؤية حقيقيّة، إذ لا استحالة، لكن الغالب أنّ الرّؤية إنّما هي لمثاله؛ لا لذاته، وعليه يحمل قول الغزالي «ليس المراد أن يرى جسمه وبدنه، بل مثالا له صار ذلك المثل آلة يتأدّى بها المعنى الّذي في نفسه ... » إلى آخر ما تقدّم.
قال ابن حجر: ثمّ رأيت ابن العربي صرّح بما ذكرته من أنّه لا يمتنع رؤية ذات النّبي ﷺ بروحه وجسده؛ لأنّه وسائر الأنبياء أحياء ردّت إليهم أرواحهم بعد ما قبضوا، وأذن لهم في الخروج من قبورهم، والتصرّف في الملكوت العلويّ والسّفلي!! ولا مانع من أن يراه كثيرون في وقت واحد؛ لأنّه كالشّمس.
وإذا كان القطب يملأ الكون- كما قاله التّاج ابن عطاء الله- رحمه الله تعالى- فما بالك بالنّبي ﷺ !!! ولا يلزم من ذلك أنّ الرّائي صحابي؛ لأنّ شرط الصّحبة الرّؤية في عالم الملك، وهذه رؤية؛ وهو في عالم الملكوت، وهي لا تفيد صحبة، وإلّا! لثبتت لجميع أمّته لأنّهم عرضوا عليه في ذلك العالم؛ فرآهم ورأوه، كما جاءت به الأحاديث. انتهى كلام ابن حجر مقتطفا.
وقال العفيف اليافعي في «روض الرّياحين» : أخبرني بعضهم أنّه يرى حول الكعبة الملائكة والأنبياء وأكثر ما يراهم ليلة الجمعة، وليلة الاثنين، وليلة الخميس. وعدّ لي جماعة كثيرة من الأنبياء، وذكر أنّه يرى كلّ واحد منهم في موضع معيّن؛ يجلس فيه حول الكعبة، ويجلس معه أتباعه من أهله وقرابته وأصحابه.
وذكر أنّ نبينا ﷺ يجتمع عليه من أولياء الله تعالى خلق لا يحصي عددهم إلّا الله
стр. 2168
.........
تعالى، ولم تجتمع على سائر الأنبياء.
وذكر أنّ إبراهيم وأولاده يجلسون بقرب الكعبة بحذاء مقامه المعروف، وموسى وجماعة من الأنبياء بين الرّكنين اليمانيّين، وعيسى وجماعة معه في جهة الحجر، ورأى نبيّنا ﷺ جالسا عند الرّكن اليماني مع أهل بيته وأصحابه وأولياء أمّته. انتهى.
وحكي عن بعض الأولياء أنّه حضر مجلس فقيه، فروى ذلك الفقيه؛ حديثا، فقال له الولي: هذا باطل. فقال الفقيه: من أين لك هذا!؟ فقال: هذا النّبي ﷺ واقف على رأسك؛ يقول: «إنّي لم أقل هذا الحديث» . وكشف للفقيه فرآه.
انتهى.
وقد ألّف الإمام الحافظ جلال الدّين السّيوطي رحمه الله تعالى رسالة سمّاها «تنوير الحلك في رؤية النّبي والملك» قال فيها- زيادة على ما تقدّم؛ ما ملخصه-: وفي بعض المجاميع أنّ سيدي أحمد الرّفاعي رحمه الله تعالى لما وقف تجاه الحجرة النّبويّة الشّريفة أنشد:
في حالة البعد روحي كنت أرسلها ... تقبّل الأرض عنّي وهي نائبتي
وهذه دولة الأشباح قد حضرت ... فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي
فخرجت اليد الشّريفة من القبر فقبّلها؛ قال: وزاد بعض من روى هذه الحكاية ورآها كلّ من حضر-؛ قال: ولا تمتنع رؤية ذاته الشّريفة بجسده وروحه؛ وذلك لأنّه ﷺ وسائر الأنبياء أحياء؛ ردّت إليهم أرواحهم بعد ما قبضوا، وأذن لهم في الخروج من القبور، والتصرّف في الملكوت العلوي والسّفلي.
وقد ألّف البيهقي جزآ في «حياة الأنبياء» «١» ؛ وقال في «دلائل النّبوّة» :
الأنبياء أحياء عند ربّهم كالشّهداء. وقال الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن
стр. 2169
.........
طاهر البغدادي: المتكلّمون المحقّقون من أصحابنا على أنّ نبيّنا ﷺ حيّ بعد وفاته، وأنّه يسرّ بطاعة أمّته، ويحزن بمعاصي العصاة منهم؛ وأنّه تبلغه صلاة من يصلّي عليه من أمّته، وقال: الأنبياء لا يبلون، ولا تأكل الأرض منهم شيئا؛ وقد مات موسى في زمانه، وأخبر نبيّنا ﷺ أنّه رآه في السّماء الرّابعة، ورأى آدم وإبراهيم!! وإذا صحّ لنا هذا الأصل؛ قلنا: نبينا قد صار حيّا بعد وفاته، وهو على نبوّته. انتهى.
وقال القرطبيّ في «التّذكرة» في حديث الصّعقة؛ نقلا عن شيخه: «الموت ليس بعدم محض، وإنّما هو انتقال من حال إلى حال» .
ويدلّ على ذلك أنّ الشّهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء يرزقون، فرحين مستبشرين، وهذه صفة الأحياء في الدّنيا، وإذا كان هذا في الشّهداء؛ فالأنبياء أحقّ بذلك وأولى!!.
وقد صحّ أنّ الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، وأنّه ﷺ اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس؛ وفي السماء، ورأى موسى قائما يصلّي في قبره!.
وأخبر ﷺ أنّه يردّ السّلام على كلّ من يسلم عليه ... إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأنّ موت الأنبياء إنّما هو راجع إلى أنهم غيّبوا عنّا بحيث لا ندركهم؛ وإن كانوا موجودين أحياء، وكذلك الحياة في الملائكة، فإنّهم موجودون أحياء، ولا يراهم أحد إلّا من خصّه الله تعالى بكرامة. انتهى.
وأخرج أبو يعلى في «مسنده» ، والبيهقي في كتاب «حياة الأنبياء» ؛ عن أنس أنّ النبي ﷺ قال: «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلّون» .
وأخرج البيهقي؛ عن أنس أنّ النبي ﷺ قال: «إنّ الأنبياء لا يتركون بعد أربعين ليلة، ولكنّهم يصلّون بين يدي الله تعالى حتّى ينفخ في الصّور» .
وروى سفيان الثّوري في «الجامع» قال: قال شيخ لنا: عن سعيد بن المسيب قال: ما مكث نبيّ في قبره أكثر من أربعين ليلة حتّى يرفع.
стр. 2170
.........
قال البيهقي: فعلى هذا يصيرون كسائر الأحياء يكونون حيث ينزلهم الله تعالى.
وروى عبد الرّزّاق في «مصنفه» ؛ عن الثّوري؛ عن أبي المقدام؛ عن سعيد بن المسيب قال: ما مكث نبيّ في الأرض أكثر من أربعين يوما.
وأبو المقدام: هو ثابت بن هرمز الكوفي؛ شيخ صالح.
وأخرج ابن حبّان في «تاريخه» ، والطّبراني في «الكبير» ، وأبو نعيم في «الحلية» ؛ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من نبيّ يموت ويقيم في قبره إلّا أربعين صباحا» .
وقال إمام الحرمين في «النّهاية» ؛ ثمّ الرّافعي في «الشرح» :
روي أنّ النّبي ﷺ قال: «أنا أكرم على ربّي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث» .
زاد إمام الحرمين: «أكثر من يومين» .
وزاد أبو الحسن الزّاغوني الحنبلي؛ في بعض تصانيفه حديث: «إنّ الله تعالى لا يترك نبيّا في قبره أكثر من نصف يوم» . وقال الإمام بدر الدين بن الصّاحب في «تذكرته» ؛ فصل في حياته ﷺ بعد موته في البرزخ: وقد دلّ على ذلك تصريح المشايخ وإيماؤهم. ومن القرآن قوله تعالى وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) [آل عمران] . فهذه الحالة؛ وهي الحياة في البرزخ بعد الموت حاصلة لآحاد الموتى من الشّهداء، وحالهم أعلى وأفضل ممّن لم تكن لهم هذه المرتبة؛ لا سيّما في البرزخ.
ولا تكون رتبة أحد من الأمّة أعلى من مرتبة النّبي ﷺ ، بل إنّما حصلت لهم هذه الرّتبة بتزكيته وتبعيّته. وأيضا فإنّما استحقّوا هذه الرّتبة بالشّهادة، والشّهادة حاصلة للنّبي ﷺ على أتمّ الوجوه.
стр. 2171
.........
وقال ﵊: «مررت على موسى ﵊ ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر؛ وهو قائم يصلّي في قبره» . وهذا صحيح «١» في إثبات الحياة لموسى؛ فإنّه وصفه بالصّلاة، وأنّه كان قائما، ومثل هذا لا توصف به الرّوح، وإنّما يوصف به الجسد. وفي تخصيصه بالقبر، فإنّ أحدا لم يقل: أرواح الأنبياء مسجونة في القبر مع الأجساد، وأرواح الشّهداء والمؤمنين في الجنّة.
وفي حديث ابن عبّاس: سرنا مع رسول الله ﷺ بين مكّة والمدينة، فمررنا بواد؛ فقال: «أيّ واد هذا؟» . فقلنا: وادي الأزرق، فقال: «كأنّي أنظر إلى موسى واضعا أصبعيه في أذنيه، له جؤار إلى الله تعالى بالتّلبية، مارّا بهذا الوادي» . ثمّ سرنا حتّى أتينا على ثنيّة؛ فقال: «كأنّي أنظر إلى يونس على ناقة حمراء؛ عليه جبّة صوف، مارّا بهذا الوادي ملبّيا!!» .
وسئل هنا: كيف ذكر حجّهم وتلبيتهم، وهم أموات، وهم في الآخرى، وليست دار عمل؟!.
فأجيب بأن الشّهداء أحياء عند ربهم يرزقون، فلا يبعد أن يحجّوا ويصلّوا ويتقرّبوا بما استطاعوا، وأنّهم؛ وإن كانوا في الآخرى؛ فإنّهم في هذه الدّنيا الّتي هي دار العمل، حتّى إذا فنيت وأعقبتها الآخرى الّتي هي دار الجزاء انقطع العمل، هذا لفظ القاضي عياض؛ رحمه الله تعالى.
فإذا كان القاضي عياض يقول: إنّهم يحجّون بأجسادهم؛ ويفارقون قبورهم، فكيف يستنكر مفارقة النّبي ﷺ لقبره!! فإنّ النّبي ﷺ إذا كان حاجّا، وإذا كان مصلّيا بجسده في السّماء؛ فليس مدفونا في القبر.
قال الإمام الحافظ السّيوطي- رحمه الله تعالى-:
فحصل من مجموع هذه النّقول والأحاديث: أنّ النّبي ﷺ حيّ بجسده وروحه،
стр. 2172
.........
وأنّه يتصرّف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض في الملكوت، وهو بهيئته الّتي كان عليها قبل وفاته؛ لم يتبدّل منه شيء، وأنّه مغيّب عن الأبصار؛ كما غيّبت الملائكة، مع كونهم أحياء بأجسادهم، فإذا أراد الله رفع الحجاب عمّن أراد إكرامه برؤيته رآه على هيئته الّتي هو عليها؛ لا مانع من ذلك، ولا داعي إلى التّخصيص برؤية المثال. انتهى كلام السّيوطي في كتاب «تنوير الحلك» ملخّصا.
قال المصنّف الشّيخ يوسف النّبهاني رحمه الله تعالى: وقد رأيت رسالة في حجم كرّاسة منسوبة للشّيخ نور الدّين علي الحلبي؛ سمّاها «تعريف أهل الإسلام والإيمان بأنّ محمّدا ﷺ لا يخلو منه مكان ولا زمان» .
فممّا قاله فيها؛ بعد نقل كثير من كلام السّيوطي:
قلت: وأمّا كلامنا والّذي نقوله- إن شاء الله تعالى-: إنّ الأمر كما قاله الجلال السّيوطي، وأخصّ من ذلك أنّ الّذي أراه أنّ جسده الشّريف لا يخلو منه زمان؛ ولا مكان، ولا محل، ولا إمكان، ولا عرش؛ ولا لوح، ولا كرسي؛ ولا قلم، ولا بحر؛ ولا بر، ولا سهل؛ ولا وعر، ولا برزخ؛ ولا قبر، كما أشرنا إليه أيضا. وأنّه امتلأ الكون الأعلى به كامتلاء الكون الأسفل به، وكامتلاء قبره به، فتجده مقيما في قبره؛ طائفا حول البيت؛ قائما بين يدي ربه لأداء الخدمة؛ تامّ الانبساط بإقامته في درجة الوسيلة.
ألا ترى أنّ الرّائين له يقظة؛ أو مناما في أقصى المغرب يوافقون في ذلك الرّائين له كذلك في تلك السّاعة بعينها في أقصى المشرق!!؟ فمتى كان كذلك مناما كان في عالم الخيال والمثال، ومتى كان يقظة كان بصفتي الجمال والإجلال، وعلى غاية الكمال، كما قال القائل:
ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
وأطال في ذلك بذكر الأدلّة. فراجعه في تلك الرّسالة، فهي بكمالها قد تضمنّها كتاب «جواهر البحار في فضائل النّبيّ المختار» للمصنّف الشّيخ يوسف النّبهاني
стр. 2173
.. انتهى.
وقد بسطت الكلام على رؤية النّبيّ ﷺ في كتابي «أفضل الصّلوات على سيّد السّادات» فمن شاء الزّيادة فليرجع إليه.
رحمه الله تعالى آمين. (انتهى) . أي: كلام الباجوريّ رحمه الله تعالى ملخّصا.
(وقد بسطت الكلام على رؤية النّبيّ ﷺ يقظة ومناما (في كتابي) : «سعادة الدّارين في الصلاة على سيّد الكونين» ، وفي كتابي ( «أفضل الصّلوات على سيّد السّادات» ) في موضعين منه:
الأوّل: قبيل الفصل الخامس. والثّاني: في الكلام على الصّلاة السّادسة والأربعين؛ في ترجمة الشّيخ أبي المواهب الشّاذليّ رحمه الله تعالى.
(فمن شاء الزّيادة) على ما هنا؛ (فليرجع إليه) ، أي: إلى كتاب «أفضل الصّلوات» ، وكذلك «سعادة الدّارين» ؛ فإنّه أتى فيها بما يشفي العليل، ويروي الغليل، واستوعب نقول العلماء في ذلك بما لم يوجد قبله مجموعا في كتاب، فجزاه الله خير الجزاء، ورحمه رحمة الأبرار. آمين.
стр. 2174
[الخاتمة]
الخاتمة تشتمل على سبعين حديثا، أكثرها صحاح وحسان من أدعيته ﷺ .
(الخاتمة) ، وهي- لغة-: آخر شيء، واصطلاحا-: اسم لألفاظ مخصوصة، دالّة على معان مخصوصة، جعلت آخر كتاب أو باب، (تشتمل) ؛ أي: تحتوي (على سبعين) - بتقديم السّين على الموحّدة- (حديثا) .
الحديث- لغة-: ضدّ القديم، واصطلاحا-: ما أضيف إلى النّبيّ ﷺ من قول؛ أو فعل؛ أو تقرير؛ أو وصف خلقيّ.
(أكثرها) أحاديث (صحاح) : جمع صحيح؛ ككريم وكرام.
والحديث الصّحيح هو: ما اتّصل سنده بنقل العدل الضّابط ضبطا تامّا؛ عن العدل الضّابط ضبطا تامّا ... وهكذا إلى منتهاه؛ من غير شذوذ، ولا علّة قادحة.
(وحسان) : جمع حسن؛ كجبل وجبال.
والحديث الحسن هو: ما اتّصل سنده بنقل العدل الضّابط؛ عن العدل الضّابط إلى منتهاه، من غير شذوذ؛ ولا علّة قادحة. فهو على هذا مساو للصّحيح في شروطه، إلّا في الحفظ والضّبط، فإنّ رجال الصّحيح في غاية الحفظ والضّبط؛ وإن كان رجال الحسن يشترط فيهم الحفظ والضّبط، ولكن دون ضبط رجال الصحيح.
(من أدعيته ﷺ ، وهذه الخاتمة مشرع الظمان إلى موارد الكرم العذبة، ومفزع الحيران إذا ألمت به الضّائقة وحصرته الكربة، فبالدّعاء يتوسّل إلى الله تعالى في مطالب الدّنيا والآخرة، ويتوصّل إلى النّعم الوافية والخيرات الوافرة، كيف لا؛ وقد أمرنا الرّبّ العظيم بالدّعاء والإنابة!! ووعدنا؛ وهو الوافي الكريم بالقبول
стр. 2175
.........
والإجابة!! وترادفت بفضله الأخبار الصّحيحة، وجاءت بشرفه الآثار الصّريحة؛ على ما ستقف على ذلك إن شاء الله تعالى واضحا، وتعوّل عليه مقيما وظاعنا؛ وغاديا ورائحا، فلازمه في سائر أحوالك، وتعاهده في بكرك وآصالك، فستجني منه إن شاء الله تعالى ثمار غرسك، وتجد حلاوة ذلك في قلبك، وأنسه في نفسك. تقبّل الله منّا ومنك؛ وفينا وفيك صالح الدّعوات، وجعلنا وإيّاك ممن اعتمد على كرمه ومنّته في الحركات والسّكنات، ووفّقنا للتّضرّع والسّكون إلى فضله، وعاملنا بما هو من أهله؛ لا ما نحن من أهله. آمين.
واعلم- رحمك الله تعالى- أنّه عندنا معاشر أهل السّنّة:
أنّ الدّعاء ينفع الأحياء والأموات؛ إن دعوت لهم، ويضرّهم إن دعوت عليهم؛ وإن صدر من كافر- على الرّاجح- لحديث أنس رضي الله تعالى عنه:
«دعوة المظلوم مستجابة؛ ولو كافرا» .
وأمّا قوله تعالى وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ (٥٠) [غافر] . فمعناه أنّه لا يستجاب لهم في خصوص الدّعاء بتخفيف عذاب جهنّم عنهم يوم القيامة.
وروى الحاكم- وصحّحه- أنّه ﷺ قال: «لا يغني حذر من قدر، والدّعاء ينفع ممّا نزل؛ وممّا لم ينزل، وإنّ البلاء لينزل ويتلقّاه الدّعاء فيتعالجان إلى يوم القيامة» .
والدّعاء ينفع في القضاء المبرم والقضاء المعلق.
أمّا الثّاني: فلا استحالة في رفع ما علّق رفعه منه على الدّعاء، ولا في نزول ما علّق نزوله منه على الدّعاء.
وأمّا الأوّل: فالدّعاء؛ وإن لم يرفعه؛ لكنّ الله تعالى ينزل لطفه بالدّاعي، كما إذا قضى عليه قضاء مبرما؛ بأنّه ينزل عليه صخرة، فإذا دعا الله تعالى حصل له اللّطف؛ بأن تصير الصّخرة متفتّتة كالرّمل وتنزل عليه.