٦٤- «اللهمّ؛ أصلح ذات بيننا، وألّف بين قلوبنا، واهدنا سبل السّلام، ونجّنا من الظّلمات إلى النّور، وجنّبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
اللهمّ؛ بارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا، وأزواجنا وذرّيّاتنا، وتب علينا؛ إنّك أنت التّواب الرّحيم، ...
٦٤- ( «اللهمّ؛ أصلح ذات بيننا) ؛ أي: الحال التي يقع بها الاجتماع، (وألّف بين قلوبنا) ؛ أي: اجعل بينها الإيناس والمحبة والتراحم؛ لتثبت على الإسلام، وتقوى على مقاومة أعدائك ونصرة دينك.
(واهدنا سبل السّلام) ؛ أي: دلنّا على طريق السّلامة من الآفات، أو على طريق دار السّلام، الجنة، (ونجّنا من الظّلمات إلى النّور) ؛ أي: أنقذنا من ظلمات الدّنيا إلى نور الآخرة، أو من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة.
(وجنّبنا الفواحش؛ ما ظهر منها وما بطن) ؛ أي: بعّدنا عن القبائح الظاهرة والباطنة، فإنّا عاجزون عن التنقّل منها، ورفع الهمم عن مواقعها؛ وإن اجتهدنا، بما جبلنا عليه من الضّعف وتسلّط الشيطان علينا، فلا قوّة لنا إلّا بك.
(اللهمّ؛ بارك لنا في أسماعنا، وأبصارنا، وقلوبنا، وأزواجنا، وذرّيّاتنا، وتب علينا) ؛ أي: اصرف قلوبنا إلى الطاعة.
ف «التّوّاب» إذا وصف به المولى تعالى؛ كان معناه: الصارف لقلوب عباده عن المعاصي إلى الطاعة. وإذا وصف به العبد؛ كان معناه: كثير الخروج من الذنوب. فهو يختلف معناه باعتبار ما يوصف به؛ قاله الحفني.
(إنّك أنت التّوّاب) ؛ أي: الرجّاع بعباده إلى مواطن النجاة، بعد ما سلّط عليهم عدوّهم بغوايته، ليعرفوا فضله عليهم وعظيم قدرته، ثمّ أتبعه وصفا كالتعليل له فقال: (الرّحيم) : المبالغ في الرّحمة لعبادك.
стр. 2312
واجعلنا شاكرين لنعمك، مثنين بها، قابلين لها، وأتمّها علينا» .
(طب، ك؛ عن ابن مسعود) .
٥٦- «اللهمّ؛ إنّا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك،
(واجعلنا شاكرين لنعمك، مثنين بها) أي: عليها، (قابلين لها، وأتمّها علينا» ) ؛ أي: بدوام ذلك.
وإنّما سأل التوفيق لدوام الشكر!؟ لأنّ الشكر قيد النعم، فبه تدوم وتبقى، وبتركه تزول وتحول، قال الله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [١١/ الرعد] ، وقال تعالى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [٧/ إبراهيم] .
فالحقّ- تقدّس- إذا رأى عبده قام بحقّ نعمته بالدوام على شكرها؛ منّ بأخرى رآه لها أهلا، وإلّا! قطع عنه ذلك.
(طب) ؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الكبير» ، وكذا في «الأوسط» .
(ك) وأخرجه الحاكم في «المستدرك» : كلهم؛ (عن ابن مسعود) رضي الله تعالى عنه قال: كان النّبيّ ﷺ يعلّمنا هذا الدّعاء. قال الحافظ الهيثميّ: إسناد «الكبير» جيّد. انتهى. ومن ثمّ آثره المصنّف تبعا ل «الجامع الصغير» .
٦٥- ( «اللهمّ؛ إنّا نسألك موجبات) - بكسر الجيم- جمع موجبة؛ وهي الخصلة التي أوجبت لقائلها الرحمة؛ أي: مقتضيات (رحمتك) بوعدك، فإنّه لا يجوز الخلف فيه، وإلّا! فالحقّ سبحانه لا يجب عليه لأحد شيء؛ قاله السيوطيّ.
وفي الحفني على «الجامع الصغير» : موجبات رحمتك؛ أي: أسبابها؛ أي: كلّ قول وفعل مقتض للرحمة ليترتّب عليها المسبّبات، فليس المراد بالموجبات الواجبات، إذ لا يجب عليه تعالى شيء. انتهى.
(وعزائم) : جمع عزيمة (مغفرتك) ؛ أي: الأسباب المؤكّدة المقتضية
стр. 2313
والسّلامة من كلّ إثم، والغنيمة من كلّ برّ، والفوز بالجنّة، والنّجاة من النّار» . (ك؛ عن ابن مسعود) .
٦٦- «اللهمّ؛ اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين ...
لمغفرتك، يعني: نسألك أعمالا تعزم وتتأكّد بها مغفرتك.
(والسّلامة من كلّ إثم) يوجب عقابا؛ أو عتابا؛ أو نقص درجة، أو غير ذلك.
قال العلقمي، قال شيخنا- يعني السيوطيّ-: قال العراقيّ: فيه جواز سؤال العصمة!! وقد أنكر بعضهم جواز ذلك؛ إذ العصمة إنّما هي للأنبياء والملائكة!! قال:
والجواب: أنّها في حقّ الأنبياء والملائكة واجبة، وفي حقّ غيرهم جائزة، وسؤال الجائز جائز، إلّا أنّ الأدب سؤال الحفظ في حقّنا؛ لا العصمة، وقد يكون هذا هو المراد هنا. انتهى.
وقال العلّامة ابن حجر الهيتمي في «شرح العباب» : الحقّ ما قاله بعض المتأخّرين: أنّه إن قصد التوقّي عن جميع المعاصي والرذائل في سائر الأحوال امتنع؛ لأنّه سؤال مقام النبوّة، وإن قصد التحفّظ من أعمال السوء! فهذا لا بأس به. انتهى «شرح الأذكار» .
(والغنيمة من كلّ برّ) - بكسر الموحدة- أي: طاعة وخير.
(والفوز بالجنّة، والنّجاة من النّار» ) ، ذكره تعليما لأمّته، لأنّه متيقّن الفوز والنجاة.
(ك) ؛ أي: أخرجه الحاكم في «المستدرك» ؛ (عن) عبد الله (بن مسعود) رضي الله تعالى عنه قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ «اللهمّ ... الخ» .
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
٦٦- ( «اللهمّ؛ اقسم لنا) ؛ أي: اجعل لنا قسما ونصيبا (من خشيتك) ؛ أي: خوفك المقترن بالتّعظيم (ما تحول) أنت؛ أي: تحجز وتمنع (به بيننا وبين
стр. 2314
معاصيك، ومن طاعتك ما تبلّغنا به جنّتك، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدّنيا، ...
معاصيك) ، لأنّ القلب إذا امتلأ من الخوف أحجمت الأعضاء جميعها عن ارتكاب المعاصي، وبقدر قلّة الخوف يكون الهجوم على المعاصي، فإذا قلّ الخوف جدّا؛ واستولت الغافلة؛ كان ذلك من علامة الشقاء، ومن ثمّ قالوا: المعاصي بريد الكفر؛ كما أنّ القبلة بريد الجماع، والغناء بريد الزّنا، والنّظر بريد العشق، والمرض بريد الموت، وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرّة بالعقل والبدن؛ والدنيا والآخرة ما لا يحصيه إلّا الله.
(ومن طاعتك ما تبلّغنا) - بتشديد اللّام المكسورة، ويجوز تخفيفها- أي:
توصلنا (به جنّتك) ؛ أي: مع شمولنا برحمتك، إذ ليست الطاعة وحدها مبلّغة، بدليل خبر: «لن يدخل أحدكم الجنّة بعمله» ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟!! قال: «ولا أنا؛ إلّا أن يتغمّدني الله برحمته» .
(ومن اليقين) ؛ أي: وارزقنا من اليقين بك، ونفوذ قضائك، وأنّه لا رادّ له، وبأنّه لا يصيبنا إلّا ما كتب الله لنا، وبأنّ ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا؛ وما أصابنا لم يكن ليخطئنا.
(ما تهوّن) - بكسر الواو المشدّدة وبالتحتيّة والفوقيّة- قال ابن الجزري: رواية «ما تهوّن علينا» بحذف «به» يقتضي أن يكون بالتّحتيّة، وإثباته يقتضي أن يكون بالفوقيّة!! انتهى.
أي: يسهّل ويخفّف (به علينا مصائب الدّنيا) بأن نعلم أنّ ما قدّرته لا يخلو عن حكمة ومصلحة واستجلاب منفعة، وأنّك لا تفعل بالعبد شيئا؛ إلّا وفيه صلاحه، وذلك كموت الولد، فيلاحظ أنّ هذه المصيبة في طيّها رفع درجات، وتكفير سيّئات، ويتيقّن أنّها بإرادته تعالى، فهذا شأن الكاملين. وقوله:
«مصائب» - بالنصب- وقد يرفع على أنّ «يهون» - بفتح أوّله وضمّ الهاء-:
مضارع هان؛ بالتحتيّة والفوقيّة. والله أعلم.
стр. 2315
ومتّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوّتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منّا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدّنيا أكبر همّنا، ...
(ومتّعنا بأسماعنا وأبصارنا) ، لأنّها طرائق الدلائل الموصلة لمعرفة الله تعالى وتوحيده؛ من البراهين المأخوذة، إمّا من الآيات المنزّلة؛ وطريق ذلك السمع، أو من الآيات في الآفاق والأنفس؛ وطريق ذلك البصر.
(وقوّتنا) ؛ أي: قوّة قلبنا الذي عليه مدار إيماننا، أو المراد: قوّة سائر قوانا؛ من الحواسّ الظاهرة والباطنة، وباقي الأعضاء البدنيّة.
(ما أحييتنا) ؛ أي: متّعنا بذلك مدّة حياتنا، (واجعله) ؛ أي: المذكور من السمع والبصر والقوّة. أو الضمير للتّمتّع؛ المأخوذ من: «متّعنا» - على حدّ قوله اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [٨/ المائدة] . (الوارث منّا) ، ومعنى وراثتها: لزومها له عند موته لزوم الوارث له؛ قاله المناوي. وقد تقدّم الكلام عليه.
(واجعل ثأرنا) - بالمثلّثة- أي: انتقامنا ونصرنا مقصورا (على من ظلمنا) ، ولا تجعلنا ممّن تعدّى في طلب ثأره، وأخذ به غير الجاني، كما كان أهل الجاهليّة يفعله، وكما يفعله الآن القبائل أهل البوادي؛ من قتل غير القاتل، بل ولو كان الآخذ بالثأر من غير أولياء الدم. أو المراد: اجعل إدراك ثأرنا على من ظلمنا فندرك ثأرنا، وأصل الثأر: الحقد والغضب، ثمّ استعير لمطالبة دم القتيل.
(وانصرنا على من عادانا) ؛ أي: ظفّرنا عليه وانتقم منه، وهو تعميم بعد تخصيص. (ولا تجعل مصيبتنا في ديننا) ؛ أي: لا تصيبنا بما ينقص ديننا؛ من أكل الحرام، واعتقاد السوء، والفترة في العبادة، والغافلة عن الطاعة.
(ولا تجعل الدّنيا أكبر همّنا) ، الهمّ: المقصد والحزن؛ أي: لا تجعل أكبر قصدنا أو حزننا لأجل الدنيا، فإنّ ذلك سبب الهلاك، بل اجعله مصروفا في عمل الآخرة. وأشار ب «أكبر» أنّ القليل من الهمّ ممّا لا بدّ منه في أمر المعاش له ولعياله
стр. 2316
ولا مبلغ علمنا، ولا تسلّط علينا من لا يرحمنا» . (ت، ك؛ عن ابن عمر) .
٦٧- «اللهمّ؛ أحسن عاقبتنا في الأمور كلّها، وأجرنا من خزي الدّنيا مرخّص فيه، بل مستحبّ؛ على ما صرّح به القاضي عياض، والمضرّ الانهماك.
(ولا مبلغ علمنا) - بفتح الميم واللّام، بينهما موحدة ساكنة-: وهو الغاية التي يبلغها الماشي والمحاسب فيقف عندها، أي: لا تجعلنا بحيث لا نعلم ولا نتفكّر إلا في أحوال الدنيا، بحيث تكون جميع معلوماتنا الطرق المحصّلة للدنيا، والعلوم الجالبة لها، بل اجعلنا متفكّرين في أمر العقبى، متفحّصين عن العلوم الفاخرة المتعلّقة بأمور الآخرة.
ومجمله: لا تجعل علمنا غير متجاوز عن الدنيا مقصورا عليها؛ بل اجعله متجاوزا عنها إلى الآخرة.
(ولا تسلّط علينا من لا يرحمنا» ) ؛ أي: لا تجعلنا مغلوبين للظّلمة والكفرة والفجرة، ولا تجعلهم علينا حاكمين. ويجوز حمله على ملائكة العذاب في القبر؛ أو في النار، ولا مانع من إرادة الجميع.
(ت، ك) ؛ أي: أخرجه الترمذيّ في «الدعوات» ، وقال: حديث حسن، وأخرجه الحاكم في «المستدرك» ، وقال: صحيح على شرط البخاريّ.
(عن ابن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما؛ قال: قلّما كان رسول الله ﷺ يقوم من مجلس حتّى يدعو بهذه الدّعوات. ورواه عنه أيضا النسائيّ، وفيه عبد الله بن زحر: ضعّفوه، فالحديث لأجله حسن؛ لا صحيح. انتهى «مناوي» .
٦٧- ( «اللهمّ؛ أحسن عاقبتنا) ؛ أي: آخرة أمرنا (في الأمور كلّها) ؛ أي:
اجعل آخر كلّ عمل لنا حسنا، فإنّ الأعمال بخواتيمها.
(وأجرنا من خزي الدّنيا) ؛ أي: رزاياها ومصائبها وخدعها، وتسلّط الأعداء
стр. 2317
وعذاب الآخرة» . (حم، حب، ك؛ عن بسر بن أرطأة [رضي الله تعالى عنه] ) .
٦٨- «يا وليّ الإسلام وأهله ...
وشماتتهم، (وعذاب الآخرة» ) زاد الطبرانيّ: فمن كان هذا دعاءه مات قبل أن يصيبه البلاء، وهذا من جنس استغفار الأنبياء؛ مع كونهم علموا أنّهم مغفور لهم!!
قال الشوكانيّ: هذا الدعاء من جوامع الكلم، لأنّه إذا أحسن الله تعالى عاقبة العبد في الأمور كلّها فاز في جميع أموره، ووقعت أعماله مرضيّة مقبولة، وجنّبه ما لا يرضيه، ووفّقه وسدّده وثبّته حتى تحسن عاقبة أموره.
وفي الحديث دليل على مشروعيّة سؤال الله أن يحسّن للداعي عاقبة أموره كلّها، وأعظم الأمور وأجلّها وأهمّها: حسن خاتمة عمره، فإنّه يلقى ربّه على ما ختم له به؛ إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ. انتهى.
(حم، حب، ك) ؛ أي: أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» ، وابن حبّان وصحّحه: والحاكم في «مستدركه» وصحّحه كلهم؛ (عن بسر) - بضم الموحدة وسكون المهملة- (بن أرطاة) . قال المناوي: صوابه ابن أبي أرطاة؛ كما في «الإصابة» ، قال ابن حبّان: ومن قال: ابن أرطاة فقد وهم.
وهو قرشيّ عامريّ، مختلف في صحبته، ولّاه معاوية اليمن؛ فأفسد وعتا وتجبّر. قال ابن عساكر: له باليمن آثار غير محمودة. وقتل عبد الرحمن وقثم:
ابني عبيد الله بن عبّاس، وخلقا، حتّى من لم يبلغ الحلم؛ كولد زينب بنت فاطمة بنت عليّ كرم الله وجهه. قال يحيى بن معين: كان بسر رجل سوء، وأهل المدينة ينكرون سماعه من النّبي ﷺ . انتهى ملخصا؛ ذكره المناوي.
وأخرجه الطبرانيّ في «الكبير» ، قال في «مجمع الزوائد» : وإسناد أحمد وأحد إسنادي الطبرانيّ ثقات. انتهى.
٦٨- ( «يا وليّ) ؛ أي: يا ناصر (الإسلام وأهله؛) يا متولّي أمور العالم
стр. 2318
ثبّتني به حتّى ألقاك» . (طب؛ عن أنس) .
٦٩- «اللهمّ؛ إنّي أسألك خير المسألة؛ وخير الدّعاء، وخير النّجاح، وخير العمل، وخير الثّواب، وخير الحياة، وخير الممات، وثبّتني وثقّل موازيني، وحقّق إيماني، وارفع درجتي، وقائما بها (ثبّتني به) ؛ أي: الإسلام، أي: عليه بأن أكون متمسّكا به، ومتّصفا به (حتّى ألقاك» ) ؛ أي: حتّى تتوفّاني على الإسلام.
(طب) ؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الكبير» ؛ (عن أنس) ﵁.
٦٩- ( «اللهمّ؛ إنّي أسألك خير المسألة) : وهو أقواها تأثيرا في الإجابة، وأحسنها جمعا للمطلوب الذي العبد أحوج إليه من غيره، وهكذا قوله:
(وخير الدّعاء) ، والمراد أنّه طلب من الله تعالى أن يرشده إلى خير المسألة التي يسأل بها ، وإلى خير الدّعاء الذي يدعى به .
(وخير النّجاح) ؛ أي: التمام والكمال، (وخير العمل) الذي أعمله، وهو أكثر الأعمال ثوابا. (وخير الثّواب) الذي يثاب به العباد على أعمالهم.
(وخير الحياة) ؛ وهو: أن يكون في طاعة الربّ ، مجتنبا معاصيه. (وخير الممات) ؛ وهو: أن يموت مرضيّا عنه، مغفورا له، مثابا، متثبّتا، مختوما له بالسعادة؛ وبكلمة الشهادة.
(وثبّتني) في جميع الأفعال والأقوال، (وثقّل موازيني) بكثرة الحسنات حتّى ترجح على السيئات؛ فبذلك يكون الفوز والسعادة.
(وحقّق إيماني) بأن تجعله ثابتا قويّا، فإنّ قوّة الإيمان سبب للرّضا بالقضاء، وللإذعان لأحكام القدر، وذلك أصل كبير يوجب الفوز بالسعادة.
(وارفع درجتي) في الدار الآخرة. ويمكن أن يكون المقصود رفعها في الدارين؛ لأنّ رفعها في الدنيا لمثل الأنبياء والصالحين يكون سببا لقبول قولهم
стр. 2319
وتقبّل صلاتي، واغفر خطيئتي، وأسألك الدّرجات العلى من الجنّة. آمين.
اللهمّ؛ إنّي أسألك فواتح الخير، وخواتمه وجوامعه، وأوّله وآخره، وظاهره وباطنه، والدّرجات العلى من الجنّة. آمين.
اللهمّ؛ إنّي أسألك خير ما آتي، وخير ما أفعل، وخير ما أعمل، وخير ما بطن، وخير ما ظهر، والدّرجات العلى من الجنّة. آمين.
اللهمّ؛ إنّي أسألك أن ترفع ذكري، ...
وامتثال ما يرشدون إليه من الحقّ.
(وتقبّل صلاتي) ، لأنها رأس الإيمان وأساسه، وقبولها يستلزم قبول غيرها.
(واغفر خطيئتي) ؛ أي: ذنبي، لأنّ ذلك من أعظم المطالب.
(وأسألك الدّرجات العلى من الجنّة. آمين.
اللهمّ؛ إنّي أسألك فواتح الخير، وخواتمه) ؛ جمع بذلك بين طرفي الخير.
(وجوامعه) ، سأل الجوامع!! لأنّ ما يجمع الأمر المتفرّق هو أقرب إلى ضبطه، وأسهل لتيسّره، وأقرب لحصوله، ثمّ أكّد الطلب بقوله:
(وأوّله وآخره، وظاهره وباطنه، والدّرجات العلى من الجنّة. آمين) وتمّمه بالتّأمين تأكيدا لما قبله.
(اللهمّ؛ إنّي أسألك خير ما آتي) من جميع الأمور، فيشمل الأقوال والأفعال. (وخير ما أفعل، وخير ما أعمل، وخير ما بطن، وخير ما ظهر) - من عطف الخاصّ على العامّ- (والدّرجات العلى من الجنّة. آمين) كرّر سؤال الدرجات العلى في الجنّة!! لأنّها المقصود بالذات، وما سواها وسيلة إليها.
(اللهمّ؛ إنّي أسألك أن ترفع ذكري) ؛ أي: تجعل لي ثناء حسنا في الناس،
стр. 2320
وتضع وزري، وتصلح أمري، وتطهّر قلبي، وتحصّن فرجي، وتنوّر قلبي، وتغفر لي ذنبي، وأسألك الدّرجات العلى من الجنّة.
آمين.
اللهمّ؛ إنّي أسألك أن تبارك لي في سمعي، وفي بصري، لأنّه يترتّب على ذلك مصالح؛ منها: انقياد النّاس له إلى الحقّ، ومنها: امتثال موعظته وأوامره بالخير. وقد سأل ذلك خليل الله إبراهيم ﵊، كما حكى الله ذلك عنه بقوله: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) [الشعراء] . وقد امتنّ الله نبيّه ﷺ ؛ فقال وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) [الشرح] .
(وتضع وزري) ؛ أي: تغفر ذنوبي وتعفو عن قبائحي، (وتصلح أمري) مفرد مضاف فيشمل جميع الأمور. (وتطهّر قلبي) من النّفاق، والحقد، والحسد، والكبر، وسائر الأخلاق الذميمة، لأنّ القلب إذا تطهّر أبصر الحقّ فتبعه، وعرف الباطل فاجتنبه. وعبّر ب «تطهّر» !! إشارة أنّ هذه الأخلاق الذميمة نجاسات، فما دام القلب متلطّخا بها؛ فهو متنجّس، وصلاح القلب بزوالها عنه.
(وتحصّن فرجي) ؛ أي: تحفظه من الوقوع في المحرّمات التي سببها النّظر المحرّم، (وتنوّر قلبي) ، لأنّ تنوير القلب يستلزم الهداية إلى الحقّ واتّباعه، واجتناب الباطل والنفور عنه.
(وتغفر لي ذنبي) ، لأنّ بمغفرة الذّنوب فوز العبد في الدار الآخرة.
(وأسألك الدّرجات العلى من الجنّة. آمين.
اللهمّ؛ إنّي أسألك أن تبارك لي في سمعي، وفي بصري) ، سأله أن يبارك له في سمعه وبصره!! لأنّ بالسمع تلقّي جميع المسموعات، وبالبصر إدراك جميع المبصرات، وإذا بورك له فيهما قبل الحقّ وردّ الباطل، وهكذا المباركة في الرّوح المذكور في قوله:
стр. 2321
وفي روحي، وفي خلقي، وفي خلقي، وفي أهلي، وفي محياي، وفي مماتي، وفي عملي، ...
(وفي روحي) ، فإنّ الرّوح إذا كانت مباركة كانت جميع الأعمال الصادرة عنها مباركة جارية على الصّواب؛ ماشية على الصّراط المستقيم. وقد يراد بالروح هنا نفس الشّخص، ليكون من عطف العامّ على الخاصّ.
(وفي خلقي) - بفتح الخاء المعجمة وإسكان اللّام-: هو جمال الصورة الظاهرة، (وفي خلقي) - بضمتين-: الصورة الباطنة في الإنسان، وإذا بورك فيهما كان سببا لجلب الخير ودفع الشرّ.
وقد ورد في حسن الأخلاق أدلّة ليس هذا موضع بسطها، ويغني عن ذلك ما وصف الله نبيّه ﷺ بقوله وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) [٤/ القلم] . فإذا كان الرسول ﷺ على خلق عظيم، ومدحه الله تعالى على ذلك؛ فينبغي لكلّ مقتد به أن يكون على خلق عظيم.
(وفي أهلي) ، لأنّه إذا بارك الله له في الأهل كانوا له قرّة عين، ومسرّة قلب، وجرت أموره على الصلاح والسداد، وتمسّكوا بهدي صالح العباد.
وأهل الرّجل عشيرته وذوو قرباه، ومنه قوله تعالى فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها [٣٥/ النساء] . ومن المجاز «الأهل للرّجل» : زوجته، ويدخل فيه الأولاد، ولا مانع من إرادة هذه المعاني.
وقال الراغب- وتبعه المناوي-: أهل الرجل من يجمعه وإيّاهم نسب أو دين، أو ما يجري مجراهما؛ من صناعة وبيت وبلد، فأهل الرجل من يجمعه وإيّاهم مسكن واحد، ثمّ تجوّز فقيل: أهل بيته من يجمعه وإياهم نسب أو ما ذكر، وتعورف في أسرة النّبيّ ﷺ مطلقا.
(وفي محياي؛ وفي مماتي) ، لأنّ من بورك له فيهما فاز بخيري الدنيا والآخرة. (وفي عملي) ، لأنّ العمل إذا بورك فيه تكاثر ثوابه، وتضاعف أجره.
стр. 2322
وتقبّل حسناتي، وأسألك الدّرجات العلى من الجنّة. آمين» .
(ك، طب؛ عن أمّ سلمة) .
٧٠- «يا من لا تراه العيون، ...
(وتقبّل حسناتي) ، لأنّها إذا كانت مقبولة كانت ذخيرة لصاحبها؛ يستحقّ ثوابها.
(وأسألك الدّرجات العلى من الجنّة. آمين» ) ختم الدعاء بذلك!! لأنّه من أعظم مقاصد أنبياء الله تعالى وصالح عباده.
(ك، طب) ؛ أي: أخرجه الحاكم في «المستدرك» ، والطبرانيّ في «الكبير» ، أي: و «الأوسط» : كلهم؛ من حديث أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها؛ عن النّبي ﷺ قالت: هذا ما سأل محمّد ﷺ ربّه: اللهمّ؛ إنّي أسألك خير المسألة» ... الحديث.
هكذا ساقه الحاكم في «المستدرك» بهذا اللّفظ الذي ذكره المصنّف من حديثها، وساقه الطبرانيّ من حديثها ببعض هذه الألفاظ، وبألفاظ أخر. قال الحافظ الهيثميّ في «مجمع الزوائد» : رواه الطبرانيّ في «الأوسط» ؛ ورجاله رجال الصحيح، غير محمد بن زنبور وعاصم بن عبيد، وهما من الثّقات. وساقه الطبرانيّ في «الكبير» ؛ من طريق آخر (عن أمّ سلمة) رضي الله تعالى عنها.
انتهى. من «تحفة الذاكرين» .
٧٠- ( «يا من لا تراه العيون) ؛ أي: في الدنيا، وأمّا في الآخرة! فقد صحّت السنّة المتواترة بأنّ العباد يرون ربّهم ، ولا التفات إلى المجادلة الواقعة بين منكري الرؤية، فكلّها خيالات مختلّة، وعلل معتلّة.
وما تمسّكوا به من الدليل القرآني!! فهو معارض بمثله من القرآن، والرجوع إلى السنّة المتواترة واجب على كلّ مسلم.
وأمّا ما تمسّكوا به من الأدلّة العقليّة!! فهو السراب الذي يحسبه الظمان ماء
стр. 2323
ولا تخالطه الظّنون، ولا يصفه الواصفون، ولا تغيّره الحوادث، ولا يخشى الدّوائر، يعلم مثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، ...
حتى إذا جاءه لم يجده شيئا!! وليس لنا في هذا إلّا ما جاءنا من طريق رسوله ﷺ ، وقد جاءنا بما لا تبقى معه شبهة، ولا يرفعه شكّ، ولا يدخله خيال. انتهى.
(تحفة الذاكرين) للشوكاني رحمه الله تعالى.
(ولا تخالطه الظّنون) ، قال الشوكانيّ: أي: أنّ علمه عن يقين، فهو العالم بخفيّات الأمور ودقائقها؛ كما يعلم بظواهرها وجلياتها. انتهى.
وقال ابن الجزري: أي لا يدخل في علمه شكّ، بل يعلم الجزئيّات على وجه التحقيق.
وقال عليّ القاري: والأولى أن يقال: المعنى: لا تبلغ كنه ذاته وصفاته الأوهام والظنون، حتى يناسب ما قبله وما بعده. وقيل: معناه يعلم الكليّات والجزئيّات؛ إجمالا وتفصيلا، ولا يدخل في علمه شكّ ولا ظنّ ولا وهم، بل هو يعلم الكليّات جميعا على ما هي عليه.
(ولا يصفه الواصفون) ؛ أي: يعجز الواصفون عن وصف حقيقته ﵎، كما يعجز العادّون عن إحصاء نعمته؛ أي: لا يقدرون على ذلك، كما قال وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (١١٠) [طه] . فلا أحد من عباده يقدر على إحصاء الثناء عليه والوصف له، بل: هو كما أثنى على نفسه.
(ولا تغيّره الحوادث) الكائنة في الزمان على اختلاف أنواعها، لأنه إنّما تغيّر بتغيّرها العالم الحادث؛ لا القديم الواجب الوجود والبقاء .
(ولا يخشى الدّوائر) ؛ أي: لا يخاف عواقب الأمور وحوادث الدّهور.
وقال ابن الجزري: أي: دوائر الزمان وتقلّباته.
(يعلم مثاقيل الجبال) ؛ أي: مقادير وزنها وعدد حصيّاتها.
(و) يعلم (مكاييل البحار) ؛ أي: مقدارها كيلا وعدد قطراتها.
стр. 2324
وعدد قطر الأمطار، وعدد ورق الأشجار، وعدد ما أظلم عليه اللّيل وأشرق عليه النّهار، ...
(و) يعلم (عدد قطر الأمطار) ؛ أي: قطراتها النازلة من السماء، فوق الجبال والبحار، والبراري والقفار وغيرها. والقطر: جمع قطرة- على ما في «الصحاح» - والأصحّ: أنّه اسم جنس جمعيّ يفرّق بينه وبين مفرده بالتاء، واحده قطرة.
(و) يعلم (عدد ورق) : اسم جنس جمعيّ؛ واحده ورقة. (الأشجار) والنبات والأزهار، والأشجار: جمع شجر، وواحد الشجر شجرة: وهي ما له ساق من نبات الأرض.
(و) يعلم (عدد ما أظلم) فعل لازم (عليه اللّيل) : هو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وقيل: إلى طلوع الشمس، وأظلم اللّيل: اشتدّ ظلامه، وعدد ما أظلم عليه، أي: عدد ما اشتمل عليه ظلامه، أو اشتمل عليه بظلامه.
(وأشرق) فعل لازم (عليه النّهار) : هو عند العرب من طلوع الفجر إلى غروب الشّمس، وقيل: من طلوع الشّمس، واليوم من طلوع الفجر، ومعنى أشرق عليه النهار: اشتمل عليه بنوره وإسناد الإشراق إلى النّهار مجازيّ؛ من باب الإسناد إلى الزمان، وهو في الحقيقة للشّمس.
والواو في «أشرق» : الأقرب أنّها بمعنى «أو» ، فيعمّ ما بقي حتى اشتمل عليه اللّيل والنهار معا، وما اشتمل عليه أحدهما فقط؛
١- كالأجرام التي لا توجد في أحدهما وتعدم فيه.
و٢- كالأغراض ولا سيّما على القول بأنّ العرض لا يبقى زمانين، وهذا هو المناسب للمقام.
و٣- المعدودات التي يمرّ عليها اللّيل والنهار: هي الموجودات التي في عالم الملك، وهي جميع هذا العالم الكائن بالأرض؛ من حيوان وجماد، لأنّ اللّيل والنّهار إنّما يجريان بالأرض.
стр. 2325
ولا تواري منه سماء سماء، ولا أرض أرضا، ولا بحر ما في قعره، ولا جبل ما في وعره.. اجعل خير عمري آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيّامي يوم ألقاك فيه» ...
(ولا تواري) ؛ أي: لا تخفي ولا تستر ولا تحجب (منه) ؛ أي: من الله (سماء سماء) ، أي: سماء فوقها أو تحتها، فإنّ علمه يستوي فيه جميع الأشياء من العلويّات والسفليّات، والجزئيّات والكليّات؛ في عالم الملك والملكوت، والغيب والشهادة.
(ولا) تواري منه (أرض أرضا، ولا بحر) يواري (ما في قعره) : نهاية أسفله؛ من الجواهر والحيوانات والنباتات. (ولا جبل) يواري (ما في وعره) ، أي: جوفه؛ من المعادن والينابيع وغيرهما. قال الله تعالى وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨) [النحل] .
والمعنى: أنّ علمه تعالى محيط بجميع الموجودات والمعدومات، الواجبات والجائزات والمستحيلات، يعلم الأشياء كما هي عليه في الواقع؛ فلا يحجبها عنه حاجب، ولا يحول بينه وبينها حائل؛ لا سماء ولا أرض، ولا بحر ولا جبل.
قال الله وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ [٦١/ يونس] .
(اجعل خير عمري آخره) ؛ لأنّه وقت الضعف والعجز عن الكسب، (و) اجعل (خير عملي خواتمه) ، لأنّ دوائر السعادة والشقاوة تدور على الخاتمة كما تدل عليه الأحاديث-.
(و) اجعل (خير أيّامي يوم ألقاك فيه» ) ؛ أي: وقت أحضر عندك بالموت؛ أو بالبعث.
سأل الله تعالى أن يكون خير أيّامه يوم يلقاه !! لأنّ ذلك الوقت
стр. 2326
(طب؛ عن أنس) .
هو وقت الظّفر بالرحمة الواسعة، والفوز بما لا خير يساويه، ولا نعمة تضاهيه.
وكون ذلك اليوم خير أيّامه يستلزمه أن يكون ينال فيه ما يرجوه ويظفر بما يطلبه، لأنّه لو لم يحصل له ذلك لم يكن خير أيّامه.
وقد سمع رسول الله ﷺ هذا الدعاء وقرّره؛ فكان الدعاء به من السّنّة، وقد تقرّر أنّ السنّة قوله ﷺ وفعله وتقريره.
(طب) ؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الكبير» ؛ (عن أنس) رضي الله تعالى عنه قال: إنّ النّبيّ ﷺ مرّ بأعرابيّ؛ وهو يدعو في صلاته، وهو يقول: يا من لا تراه العيون ... إلى آخر الدعاء.
قال أنس: فوكل رسول الله ﷺ بالأعرابيّ رجلا؛ فقال: «إذا صلّى فأتني به» ، فلمّا صلّى أتاه الأعرابيّ- وقد كان أهدي لرسول الله ﷺ ذهب من بعض المعادن-، فلمّا أتاه الأعرابيّ وهب له الذهب، وقال: «ممّن أنت؛ يا أعرابيّ؟!» قال: من بني عامر بن صعصعة؛ يا رسول الله. قال:
«يا أعرابيّ؛ هل تدري لم وهبت لك الذّهب!؟» قال: للرّحم بيننا وبينك، قال: «إنّ للرّحم حقّا، ولكن وهبت لك الذّهب لحسن ثنائك على الله تعالى» .
قال في «مجمع الزوائد» : رواه الطبرانيّ في «الأوسط» ، ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأذرمي: وهو ثقة. انتهى.
وفي «حياة الحيوان» للكمال الدّميري رحمه الله تعالى:
فائدة: روى ابن بشكوال بسنده إلى أحمد بن محمد العطّار؛ عن أبيه قال:
كان لنا جار فأسر، وأقام في الأسر عشرين سنة؛ وأيس أن يرى أهله. قال:
فبينما أنا ذات ليلة أفكّر فيمن خلّفت من صبياني وأبكي؛ وإذا أنا بطائر سقط فوق حائط السّجن يدعو بهذا الدعاء!. قال: فتعلّمته من الطائر، ثمّ دعوت الله به ثلاث ليال متتابعات، ثمّ نمت، فما استيقظت؛ إلّا وأنا في بلدي فوق سطح داري. قال:
стр. 2327
.........
فنزلت إلى عيالي فسرّوا بي بعد أن فزعوا منّي؛ لمّا رأوني ورأوا ما بي من تغير الحال والهيئة، ثمّ إنّي حججت من عامي، فبينا أنا أطوف وأدعو بهذا الدعاء إذا أنا بشيخ قد ضرب يده على يدي؛ وقال لي: من أين لك هذا الدعاء؟! فإن هذا الدّعاء لا يدعو به إلا طائر ببلاد الرّوم. [قلت] : تعلّمت الدعاء من الطائر!! فقال:
صدقت. فسألت الشيخ عن اسمه فقال: أنا الخضر. وهو هذا الدعاء:
«اللهمّ إنّي أسألك؛ يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الظّنون، ولا يصفه الواصفون، ولا تغيّره الحوادث ولا الدّهور، يعلم مثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وعدد قطر الأمطار، وعدد ورق الأشجار، وعدد ما يظلم عليه اللّيل ويشرق عليه النّهار، ولا تواري منه سماء سماء، ولا أرض أرضا، ولا جبل إلّا يعلم ما في وعره وسهله، ولا بحر إلّا يعلم ما في قعره وساحله.
اللهمّ؛ إنّي أسألك أن تجعل خير عملي آخره، وخير أيّامي يوم ألقاك فيه، إنّك على كلّ شيء قدير. اللهمّ من عاداني فعاده، ومن كادني فكده، ومن بغى عليّ بهلكة فأهلكه، ومن أرادني بسوء فخذه، وأطفىء عنّي نار من أشبّ لي ناره، واكفني همّ من أدخل عليّ همّه، وأدخلني في درعك الحصينة، واسترني بسترك الواقي؛ يا من كفاني كلّ شيء، اكفني ما أهمّني من أمر الدّنيا والآخرة، وصدّق قولي وفعلي بالتّحقيق؛ يا شفيق، يا رفيق؛ فرّج عنّي كلّ ضيق، ولا تحمّلني ما لا أطيق، أنت إلهي الحقّ الحقيق، يا مشرق البرهان، يا قويّ الأركان، يا من رحمته في كلّ مكان؛ وفي هذا المكان، يا من لا يخلو منه مكان، احرسني بعينك الّتي لا تنام، واكنفني في كنفك الّذي لا يرام.
إنّه قد تيقّن قلبي ألاإله إلّا أنت، وأنّي لا أهلك وأنت معي؛ يا رجائي، فارحمني بقدرتك؛ يا عليّ، يا عظيما يرجى لكلّ عظيم، يا عليم يا حليم، أنت بحاجتي عليم، وعلى خلاصي قدير، وهو عليك يسير، فامنن عليّ بقضائها؛
стр. 2328
الثّلاثة الأخيرة من «الحصن الحصين» .
يا أكرم الأكرمين، يا أجود الأجودين، يا أسرع الحاسبين، يا قويّ يا متين، يا ربّ العالمين، ارحمني وارحم جميع المذنبين من أمّة سيّدنا محمّد ﷺ إنّك على كلّ شيء قدير.
اللهمّ؛ استجب لنا كما استجبت لهم برحمتك، وعجّل علينا بفرج من عندك، بجودك وكرمك، وارتفاعك في علوّ سمائك، يا أرحم الرّاحمين؛ إنّك على ما تشاء قدير.
وصلّى الله على سيّدنا محمّد، خاتم النّبيّين، وعلى آله وصحبه أجمعين» .
وهذا الدعاء: روى الطبرانيّ بإسناد صحيح قطعة منه؛ عن أنس: أنّ النّبيّ ﷺ مرّ بأعرابيّ ... » إلى آخر ما تقدّم. انتهى كلام «حياة الحيوان» للدّميري في الكلام على الطائر صفحة ٥٩١ ج ١ حرف الطاء.
(الثّلاثة) الأحاديث (الأخيرة) التي أوّلها: «يا وليّ الإسلام» ... الخ مأخوذة (من) كتاب ( «الحصن الحصين) من كلام سيّد المرسلين» للشيخ الحافظ المحدّث المقرىء: شمس الدين أبي الخير محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف؛ ابن الجزري العمري؛ الدمشقيّ، ثمّ الشيرازيّ؛ الشافعيّ، المتوفى سنة ٨٣٣-: ثلاث وثلاثين وثمانمائة هجريّة، رحمه الله تعالى.
وهو من الكتب الجامعة للأدعية والأوراد والأذكار الواردة في الأحاديث والآثار، وذكر فيه مقدّمة تشتمل على أحاديث في فضل الدّعاء والذكر وآدابه وأوقات الإجابة وأمكنتها، ثمّ الاسم الأعظم والأسماء الحسنى، ثمّ ما يقال في الصباح والمساء، وفي الحياة والممات، ثمّ الذكر العامّ، ثمّ الاستغفار، ثم فضل القرآن، ثمّ الدعاء، ثم ختمه بفضل الصلاة على النّبيّ ﷺ .
ولقد أحسن من قال:
إن نابك الأمر المهو ... ل اذكر إله العالمينا
وإذا بغى باغ عليك ... فدونك الحصن الحصينا
стр. 2329
.........
تتمّة في آداب الدعاء: وآكدها: ١- تجنّب الحرام؛ مأكلا ومشربا وملبسا، و ٢- الإخلاص لله، و ٣- تقديم عمل صالح، و ٤- الوضوء، و ٥- استقبال القبلة، و ٦- الصلاة، و ٧- الجثوّ على الركب، و ٨- الثناء على الله تعالى، و ٩- الصلاة على نبيّه أوّلا وآخرا، و ١٠- بسط يديه ورفعهما حذو منكبيه وكشفها؛ مع التأدّب والخشوع والمسكنة والخضوع، و ١١- أن يسأل الله تعالى بأسمائه العظام الحسنى؛ والأدعية المأثورة. و ١٢- يتوسّل إلى الله بأنبيائه والصالحين؛ بخفض صوت واعتراف بذنب، و ١٣- يبدأ بنفسه، ولا يخصّ نفسه؛ إن كان إماما، و ١٤- يسأل بعزم ورغبة؛ وجدّ واجتهاد، و ١٥- يحضر قلبه ويحسن رجاءه، و ١٦- يكرّر الدعاء؛ ويلحّ فيه، و ١٧- لا يدعو بإثم؛ ولا قطيعة رحم؛ ولا بأمر قد فرغ منه؛ ولا بمستحيل، و ١٨- لا يتحجّر؛ ويسأل حاجاته كلّها، و ١٩- يؤمّن الداعي والمستمع، و ٢٠- يمسح وجهه بيديه بعد فراغه، و ٢١- لا يستعجل أو يقول:
دعوت فلم يستجب لي. ذكره في «عدّة الحصن الحصين» للعلامة ابن الجزري، رحمه الله تعالى.
وقال الغزاليّ في «إحياء علوم الدين» : آداب الدعاء عشرة:
الأول: أن يترصّد الأزمان الشريفة؛ كيوم عرفة، وشهر رمضان، ويوم الجمعة، والثلث الأخير من اللّيل، ووقت الأسحار.
الثاني: أن يغتنم الأحوال الشريفة؛ كحالة السجود، والتقاء الجيوش، ونزول الغيث، وإقامة الصلاة وبعدها، وحالة رقّة القلب.
الثالث: استقبال القبلة، ورفع اليدين، ويمسح بهما وجهه في آخره.
الرابع: خفض الصوت بين المخافتة والجهر.
الخامس: ألايتكلّف السجع.
стр. 2330
وصلّى الله على نبيّنا محمّد.. كلّما ذكره الذّاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون.
السادس: التضرّع والخشوع والرهبة.
السابع: أن يجزم بالطلب، ويوقن بالإجابة ويصدّق رجاءه فيها.
الثامن: أن يلحّ في الدعاء، ويكرّره ثلاثا، ولا يستبطىء الإجابة.
التاسع: أن يفتتح الدعاء بذكر الله تعالى، أي: وبالصلاة على رسول الله ﷺ بعد الحمد لله تعالى والثناء عليه، ويختمه بذلك كلّه أيضا.
العاشر: - وهو أهمّها؛ والأصل في الإجابة- هو التوبة، وردّ المظالم، والإقبال على الله تعالى. انتهى. والله أعلم.
(وصلّى الله على نبيّنا) ، الصلاة منه: رحمة مقرونة بتعظيم، ولفظها مختصّ بالمعصوم؛ من نبي وملك تعظيما لهم، وتمييزا لمراتبهم عن غيرهم.
(محمّد) : علم منقول من اسم المفعول المضعّف، سمّي به نبيّنا ﷺ مع أنّه لم يؤلف قبل أوان ظهوره- بإلهام من الله لجدّه عبد المطلب!! إشارة إلى كثرة خصاله المحمودة، ورجاء أن يحمده أهل الأرض والسماء، وقد حقّق الله تعالى رجاءه.
قيل: وكما اشتملت ذاته على كمال سائر الأنبياء والمرسلين اشتمل اسمه الشريف بحساب الجمّل على عدّة الرسل؛ بناء على أنّهم ثلثمائة وأربعة عشر.
(كلّما) : ظرف زمان، وسرت الظرفية إلى «كلّ» !! لإضافته إلى «ما» المصدريّة الظرفية؛ أي: كل وقت.
(ذكره الذّاكرون) ذكرا لسانيا، بأن أجروا اسمه الشريف على ألسنتهم في الصلاة عليه، أو الحكاية عنه، أو غير ذلك. ويحتمل: ذكره الذاكرون ذكرا قلبيا؛ وهو الاستحضار، والأوّل هو المتبادر.
(وغفل عن ذكره الغافلون) . وقوله: «عن ذكره» : يعيّن أنّ المراد الذّكر
стр. 2331
وصلّى عليه في الأوّلين ...
اللّسانيّ؛ أو يكاد، حيث قال ذلك ولم يقل: غفل عنه!!.
والقول بأنّ المراد الذكر القلبيّ ربّما يرشّحه مقابلة الذكر بالغافلة، ومحلّها القلب، فيكون محلّ الذكر أيضا القلب، لأن الضدّين يجب اتّحاد محلّهما.
وأمّا اللّساني!! فضدّه السكوت ومحلّه اللسان أيضا، إلّا أن يقصد بالغافلة الترك تجوزّا. والضمير في «ذكره» ؟! يحتمل عوده على النّبيّ ﷺ كما قرّرناه-، ويصح عوده على الله سبحانه.
روى جماعة؛ عن عبد الله بن عبد الحكم أنّه قال:
رأيت الشافعيّ رحمه الله تعالى في النّوم فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال:
رحمني وغفر لي، ورفعت إلى الجنّة كما يزفّ العروس، ونثر عليّ كما ينثر عليه.
فقلت له: بم بلغت هذه الحالة!؟ فقال: قال لي قائل: «بقولك في كتاب «الرسالة» : وصلى الله على محمّد كلّما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون» .
قال: فلمّا أصبحت نظرت «الرسالة» ؛ فوجدتّ الأمر كما رأيت.
وفي «الإحياء» لحجّة الإسلام الغزاليّ رضي الله تعالى عنه:
روي عن أبي الحسن الشافعيّ قال: رأيت النّبيّ ﷺ في المنام فقلت:
يا رسول الله؛ بم جوزي الشافعيّ عنك، حيث يقول في كتاب «الرسالة» : وصلى الله على سيدنا محمّد كلّما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون!؟ فقال ﷺ :
جوزي عنّي أنّه لا يوقف للحساب؛ ذكره الفاسي في «شرح الدلائل» .
(وصلّى) الله (عليه) ؛ أي: رحمه رحمة مقرونة بالتعظيم.
(في الأوّلين) ؛ أي: المتقدّمين بالزمان على هذه الأمّة من أهل الإيمان في الأمم الماضية، أو المراد أوّل هذه الأمّة، هذا إذا كانت الأوّليّة باعتبار زمان وجودهم.
стр. 2332
والآخرين.. أفضل وأكثر وأزكى ما صلّى على أحد من خلقه.
وزكّانا بالصّلاة عليه.. أفضل ما زكّى أحدا من أمّته بصلاته عليه.
والسّلام عليه ورحمة الله وبركاته، وجزاه الله عنّا.. أفضل ما جزى مرسلا عمّن أرسل إليه.
ويحتمل أن تكون الأوّليّة باعتبار الصلاة، والمعنى: صلّ عليه في أوّل من تصلي عليه، وفي آخر من تصلّي عليه، وإن كان المذكورون مصلى عليهم!!
(والآخرين) : هم هذه الأمّة، أو آخرها على مقابلة ما تقدّم في الأوّلين.
(أفضل وأكثر) : أوفر (وأزكى) : أنمى (ما) صلاة (صلّى) - بحذف الضمير المنصوب- (على أحد من خلقه، وزكّانا) ؛ أي: طهّرنا وصفّانا من كدورات البشريّة بتنوير قلوبنا (بالصّلاة عليه) ؛ أي: بسبب الصلاة عليه، حتّى ننسب إلى زكاء العمل وزيادة الخير والطاعة (أفضل ما زكّى أحدا من أمّته) ﷺ (بصلاته عليه. والسّلام) : مرفوع مبتدأ، وخبره قوله: (عليه) ؛ أي: كائن عليه.
وأتى بالسلام بعد الصلاة!؟ خروجا من كراهة إفراد أحدهما عن الآخر- كما قيل-.
(ورحمة الله) عليه. وفيه دليل للدّعاء له بالرحمة، لكن بالتّبع لغيرها كما هنا. (وبركاته) عليه.
(وجزاه) ؛ أي: أعطاه (الله) في مقابلة ما قام به من هدايتنا وإرشادنا.
(عنّا) معشر أهل الإسلام، لأنّه هو السبب في نجاتنا ومعرفة ربّنا.
(أفضل ما جزى مرسلا عمّن أرسل إليه) ؛ أي: عن أمّته التي أرسل إليها فاتّبعته فأفلحت.
стр. 2333
.........
والمطلوب هنا للنّبيّ ﷺ : أن يجزى أفضل ما جري به مرسل عمّن أرسل إليهم، فالمسؤول له: إعطاء مثل أفضل جزائهم.
يبقى أنّه ﷺ أفضلهم ومستحقّ لأفضل من جزائهم، فكيف يطلب له أفضل جزائهم فقط؛ لا أفضل من جزائهم؟!
فيحتمل أن يقال: إنّه لا بأس بالدّعاء له ﷺ بنحو هذا، إذ هو ﷺ أهل أن يعطى ما ذكر؛ ولأن يعطى أكثر منه. واقتصر على سؤال ما ذكر له ﷺ !؟ لأنّه لا يلزم منه نفي الأكثر.
ويحتمل أن يكون المراد طلب ذلك مضافا إلى ما يستحقّه هو، وما هو أهل له. والله أعلم.
قال الشافعيّ رضي الله تعالى عنه: ما من خير عمله أحد من أمّة محمد ﷺ إلّا والنّبيّ ﷺ أصل فيه.
قال في «المواهب» : قال في «تحقيق النصرة» : فجميع حسنات المؤمنين وأعمالهم الصالحة في صحائف نبيّنا ﷺ ؛ زيادة على ما له من الأجر، مع مضاعفة لا يحصرها إلّا الله تعالى، لأنّ كلّ مهتد وعامل إلى يوم القيامة يحصل له أجر، ويتجدّد لشيخه مثل ذلك، ولشيخ شيخه مثلاه، وللشّيخ الثالث أربعة، وللرّابع ثمانية، وهكذا تضعيف كلّ مرتبة بعدد الأجور الحاصلة بعده إلى النّبيّ ﷺ .
وبهذا يعلم تفضيل السّلف على الخلف، فإذا فرضت المراتب عشرة بعد النّبيّ ﷺ كان للنّبيّ ﷺ من الأجر ألف وأربعة وعشرون، فإذا اهتدى بالعاشر حادي عشر؛ صار أجر النّبيّ ﷺ ألفين وثمانية وأربعين، وهكذا كلّما ازداد واحد يتضاعف ما كان قبله أبدا- كما قال بعض المحققين-. انتهى.
ولله درّ القائل- وهو سيّدي محمّد وفا- نفعنا الله ببركاته:
فلا حسن إلّا من محاسن حسنه ... ولا محسن إلّا له حسناته
стр. 2334
والحمد لله ربّ العالمين على جميع نعمه، ما علمت منها وما لم أعلم، ولا سيّما نعمة ...
انتهى الغرض من كلام صاحب «المواهب» .
وقال البوصيري رحمه الله تعالى:
والمرء في ميزانه أتباعه ... فاقدر إذن قدر النّبيّ محمّد!!
(والحمد) ؛ أي: الوصف بالجميل ثابت (لله ربّ) : مالك (العالمين) :
الأنس والجنّ والملائكة وغيرهم.
(على جميع نعمه؛ ما علمت منها، وما لم أعلم، ولا سيّما نعمة) - ذكروا في الاسم الواقع بعد «لا سيّما» : جواز الرّفع والنّصب والجرّ؛ إن كان نكرة، أمّا إن كان معرفة- كما هنا-! فيجوز رفعه وجرّه، ولا يجوز نصبه.
وتوجيه ذلك: أنّ «لا» : عاملة عمل «إنّ» و «سيّ» : بمعنى؛ مثل:
اسمها، وخبرها محذوف؛ أي: موجود، و «ما» : اسم موصول بمعنى «الذي» مضاف إلى «سيّ» ، أو نكرة موصوفة، والاسم المرفوع بعد «سيّما» :
خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير لا مثل الذي هو نعمة الإيمان والإسلام ... الخ، أو لا مثل شيء هو نعمة الإيمان والإسلام، فالجملة صلة؛ أو صفة.
وأمّا على جرّ ما بعد «سيّما» - سواء كان معرفة؛ أو نكرة-!! فتكون «ما» :
زائدة، و «سيّ» مضاف إلى ما بعده، ولكون «سيّ» بمعنى مثل؛ لا تتعرّف بالإضافة صحّ عمل «لا» فيها، والجرّ أرجح من الرفع، لما في الرفع من حذف صدر الصّلة بلا طول وفتحة «سيّ» إعراب، لأنّها مضافة.
وأمّا النصب! فلا يجوز، إلّا إن كان ما بعد «سيّما» نكرة، لأنّه على التمييز، والتمييز لا يكون إلّا نكرة، وحينئذ تكون «ما» كافّة عن الإضافة، والفتحة في «سيّ» فتحة بناء مثلها في «لا رجل» ، وأمّا نصب المعرفة! فمنعه الجمهور.
стр. 2335
الإيمان والإسلام، ...
(الإيمان والإسلام) اللّذين هما أجلّ النّعم الدنيويّة والآخرويّة، وأساسها كما هو ظاهر لا يخفى-، وفيه التبرّي ممّا قد يتوهّم نسبته لأوصاف العبد، وقد قال تعالى بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ [١٧/ الحجرات] ، وقال تعالى وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [٧/ الحجرات] ، وقال تعالى وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ [٥٦/ الروم] ، وقال تعالى أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ [٢٢/ المجادلة] .
وقال أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [٢٢/ الروم] ... إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدّالّة على أنّ هداية الإيمان بيد الله وحده لا شريك له.
قال الشيخ أبو طالب المكّيّ في «قوت القلوب» : وادّعاء أنّ الإيمان عن كسب معقول، واستطاعة بقوّة وحول هو كفر نعمة، وأخاف على من توهّم ذلك أن يسلب الإيمان، لأنّه بدّل شكر نعمة الله كفرا!!. انتهى.
والإيمان- لغة-: هو التّصديق، وشرعا-: تصديق القلب بما علم مجيء الرّسول ﷺ به؛ من عند الله ضرورة، أي: الإذعان والقبول له، ولا يعتبر التصديق إلّا بالعمل بتلك الأحكام.
والإسلام: هو الخضوع والانقياد، ولا يتحقّق إلّا بقبول الأحكام، وهي أعمال الجوارح، وإنّما يظهر قبولها في العمل بها؛ فلذلك يفسّر بها فيقال:
الإسلام شرعا: أعمال الجوارح من الطّاعات؛ كالتّلفّظ بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، ونحو ذلك. فلو لم يقبل أحكام الشريعة وأبى من التزامها لم يكن خاضعا للألوهيّة، ولا منقادا مستسلما لتدبيرها وأحكامها؛ فلم يكن مسلما.
ولا تعتبر الأعمال المذكورة إلّا مع التصديق المذكور الذي هو الإيمان، فلا يصحّ الإيمان إلّا بالإسلام، ولا الإسلام إلّا بالإيمان، فأحدهما مستلزم للآخر، والإيمان والإسلام شرعا واحد، والمؤمن شرعا مسلم، والمسلم شرعا مؤمن، فتساويا مصدوقا؛ وإن تغايرا مفهوما!!.
стр. 2336
وتوفيقه لجمع هذا الكتاب.
وأسأله سبحانه أن ينفعني به ...
وإنّما ذكرهما المؤلّف معا!؟ اعتبارا بحقيقتهما ومفهومهما، لأنّه في مقام الحمد، وهو مقام بسط وإطناب وإكثار من عدّ النّعم، ولا شكّ أنّهما باعتبار المفهوم متغايران، وكذا باعتبار ما يفسّر به الإسلام، لأنّ نعمة التصديق محلّها القلب، ونعمة الإقرار والأعمال الصالحات محلّها الجوارح، فهي متعددة ضرورة.
على أنّ الإيمان شرعا يقال بالاشتراك «١» ؛
١- فتارة يطلق ويراد به العمل القلبيّ بمجرّده.
و٢- تارة يطلق عليه مع الإقرار باللّسان، وهو: إمّا شطر منه؛ أو شرط فيه!!
و٣- تارة يطلق على سائر الطاعات؛ بدنيّة أو قلبيّة.
والحاصل: أنّه قد يطلق على ما هو الأساس في النّجاة والشّرط في مطلق السعادة، وعلى الكمال المنجي بالأخلاق الذي هو شرط في كمال السعادة.
والإسلام له إطلاقات: أحدها: على مجموع الدين؛ وهو: ما يعمّ المقامات الثلاثة من الظاهر والباطن والإحسان في ذلك.
والآخر: على جزئه؛ وهو المتقدّم الذكر، وهو أيضا له:
مفهوم: وهو الخضوع والانقياد والاستسلام.
ومظهر: وهو عمل الجوارح. فأتى المؤلّف باللّفظين!! ليشملها بجميع الإطلاقات، ويعم الظاهر والباطن. والله أعلم.
(و) نعمة (توفيقه) ؛ أي: إلهامه وإقداره (لجمع) ؛ أي: تأليف (هذا الكتاب) وبقصد قارئه جمعه له قراءة.
(وأسأله سبحانه أن ينفعني به) بأن يثيا بني على جمعه، ويوفّقني للعمل بما فيه.
стр. 2337
وكلّ من نظر فيه من المسلمين نفعا عظيما، يصاحبنا في الدّنيا، ويلازمنا في البرزخ، ولا يفارقنا يوم الدّين؛ بجاه خير الوسائل إليه، وأقرب المقرّبين لديه، حبيبه الأكرم، ...
(و) ينفع به (كلّ من نظر فيه من المسلمين) بالمطالعة والدراسة؛ (نفعا عظيما يصاحبنا في الدّنيا) : بأن نعمل بما اشتمل عليه؛ ونتخلّق بما فيه، (ويلازمنا في البرزخ) ؛ وهو: ما بين الدنيا والآخرة قبل الحشر، من وقت الموت إلى القيامة، ومن مات فقد دخله.
والمراد بملازمته في البرزخ: حصول الثّواب لمؤلّف الكتاب والنّاظر فيه، ومؤانسته لهما مدّة مقامهما في البرزخ، ولا يزال مصاحبا لهما حتّى يكون سببا لحلولهما في دار النّعيم، كما قال:
(ولا يفارقنا يوم الدّين) ؛ أي: يوم الجزاء، وهو يوم القيامة.
(بجاه) الباء- في هذا ونحوه- تشبه أنّها للاستعانة.
والجاه: هو القدر والمنزلة والحرمة.
(خير الوسائل [إليه] ) ؛ أي: خير من يتوسّل به ويتقرّب به إلى الله تعالى، فمن توسّل به إلى الله كان أسرع في نيل مطلوبه والظفر بمرغوبه.
(وأقرب المقرّبين لديه) ؛ أي: عنده (حبيبه الأكرم) على الله من جميع المخلوقات؛ فيدخل الملائكة.
والإجماع على أنّه ﷺ أفضل من الملائكة، وإن اختلف في التّفاضل بين الأنبياء والملائكة، فقد صرّحوا بأنّه ﷺ خارج من الخلاف، وأنّه أفضل الخلق عموما.
وأفضل الخلق على الإطلاق ... نبيّنا فمل عن الشّقاق
стр. 2338
ورسوله الأعظم: سيّدنا محمّد سيّد المرسلين صلّى الله عليه وعليهم،
(ورسوله الأعظم) منزلة ومكانة وحظّا؛ (سيّدنا محمّد) هذا الاسم الكريم الشريف هو أشهر أسمائه ﷺ ، وأخصّها وأعرفها.
وبه يناديه الله، ويسمّيه في الدّنيا والآخرة، وهو مختصّ بكلمة التّوحيد.
وبه كنّي آدم ﵇، وبه تشفّع، وعليه صلّى من مهر حواء.
وبه كان يسمّي نفسه ﷺ ؛ فيقول: «أنا محمّد بن عبد الله» ، «والّذي نفس محمّد بيده» ، و «فاطمة بنت محمّد» ، ويكتب «من محمّد رسول الله» .
وهو الثّابت في تعليم كيفيّة الصلاة عليه ﷺ ، وبه يصلّي عليه المصلّون.
وبه يسمّيه عيسى ﵊ في الآخرة حين يدلّ عليه للشّفاعة.
وبه كان يسمّيه جبريل ﵇ في حديث المعراج وغيره.
وبه سمّاه إبراهيم الخليل ﵊ في حديث المعراج أيضا.
وبه سمّاه جدّه عبد المطلب حين ولد، وبه كان يدعوه قومه.
وبه ناداه ملك الجبال، وبه صعد ملك الموت إلى السماء باكيا لما قبض روحه ينادي (وا محمّداه) .
وبه يسمّي نفسه لخازن الجنان حين يستفتح فيفتح له ... إلى غير ذلك ممّا لا يحضرني الآن، والله أعلم.
(سيّد المرسلين) : رئيسهم وزعيمهم، والمتقدّم عليهم، وعظيمهم وشريفهم وكريمهم، ﷺ . روى البزّار: «أنّه ﷺ قال:
ليلة أسري بي انتهيت إلى قصر من لؤلؤة يتلألأ نورا، وأعطيت ثلاثة: قيل لي:
إنّك ١- سيّد المرسلين، و ٢- إمام المتّقين، و ٣- قائد الغرّ المحجّلين» . انتهى.
(صلّى الله عليه وعليهم) فيه الصّلاة على المرسلين، وقد ورد: «صلّوا على أنبياء الله ورسله؛ فإنّهم بعثوا كما بعثت» . أخرجه الطّبرانيّ وغيره.
стр. 2339
وعلى آلهم وأصحابهم الكرام.
(وعلى آلهم) آل نبيّنا- عند الشافعيّ-: مؤمنو بني هاشم والمطلب، هذا بالنّسبة لنحو الزّكاة؛ دون مقام الدعاء، ومن ثمّ اختار الأزهريّ وغيره من المحققين: أنّهم هنا كلّ مؤمن تقيّ، لحديث فيه؛ أخرجه الطبرانيّ بسند واه جدّا، ولفظه: «آل محمّد كلّ مؤمن تقيّ» . وآل إبراهيم: إسماعيل وإسحاق وغيرهما من المسلمين من ذرّيّته.
(وأصحابهم) : واحده «صاحب» بمعنى الصحابيّ: وهو من اجتمع مؤمنا بالنّبيّ ﷺ ولو لحظة ومات على الإيمان- وإن لم يره- كابن أمّ مكتوم؛ ولم يرو عنه، وسواء كان مميّزا؛ أو غير مميّز- كمحمد بن الصديق رضي الله تعالى عنهما وأمثاله. (الكرام) - جمع كريم- والمراد به هنا: من خرج عن نفسه وماله لله تعالى، وكلّ الصحابة كذلك، رضوان الله عليهم أجمعين؛ قاله ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى.
стр. 2340
ونجز ذلك في شهر رجب من السّنة التّاسعة بعد الثّلاث مئة «١» وألف من هجرته ﵊.
(ونجز) ؛ أي: انقضى وتمّ (ذلك) ؛ أي: هذا التّأليف المسمّى: «وسائل الوصول إلى شمائل الرّسول ﷺ » .
(في شهر رجب) الحرام (من السّنة التّاسعة) - بتقديم المثنّاة على السين المهملة- (بعد الثّلثمائة وألف من هجرته ﵊ .
وهذا آخر ما قصدتّ وتمام ما أردتّ من شرح هذا الكتاب المشتمل على ما تقرّ به أعين ذوي الألباب، ولا آمن من أن أكون أسقطت؛ أو حرّفت شيئا من متن الكتاب سهوا، ورحم الله امرأ رأى خللا فأصلح، أو عاين زللا فسمح، فإنّ الخطأ والخلل غير مستغرب من الإنسان المطبوع على عدم الإحسان، وخصوصا مثلي، قليل العلم، قصير الباع في الحفظ والفهم.
وأستغفر الله تعالى وأتوب إليه ممّا جنيته في سواد اللّيل وبياض النّهار، وأسأله العفو والغفران عن سائر المخالفات والأوزار.
وأستودعه الإسلام والإيمان، وما أنعم به عليّ وعلى سائر الإخوان، إذ كلّ نعمة بنا أو بسائر المخلوقات؛ إيجادا أو إمدادا، دينا ودنيا، ظاهرا وباطنا، إنّما هي منه وحده لا شريك له.
فكما أحسن أوّلا من غير سؤال؛ نسأله أن يحسن إلينا فيما بعد ذلك.
وكما ابتدأنا بنعمته من غير أهليّة ولا استحقاق؛ نسأله أن يتمّم علينا نعمته، ولا ينزع منّا صالح ما أعطانا، وأن يجعلنا لسنّة نبيّه من المتّبعين، ولذاته الكاملة من المحبّين، فإنّه على ذلك قدير، لا إله غيره، ولا خير إلّا خيره، وهو نعم المولى ونعم النّصير.
стр. 2341
.........
والحمد لله أوّلا وآخرا، باطنا وظاهرا، والصلاة على نبيّه وحبيبه، وصفيّه وخليله: سيّدنا محمّد الأمين، وخاتم النبيّين؛ عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، كلّما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، وعلى جميع آله وصحبه، ووارثيه العلماء وأتباعه وحزبه. آمين.
والحمد لله ربّ العالمين؛ حمدا كثيرا طيّبا.
وكان انتهى تبييضه بين العشاءين؛ ليلة الثّلاثاء، الموافق الخامس عشر من شهر محرّم الحرام، سنة- ١٤٠٠- أربعمائة وألف هجريّة، بمنزلي في جبل الحفائر؛ المطل على الشبيكة بمكّة المكرّمة، جعلها الله آمنة مطمئنّة رخيّة وسائر بلاد المسلمين، ووفّقنا لما يحبّه ويرضاه بمنّه وكرمه. آمين.
ونسأله حسن الختام، والموت على دين الإسلام، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم، وصلّى الله وسلم على سيّدنا محمّد وآله وصحبه أجمعين.
كتبه مؤلّفه، الفقير إلى الله تعالى ورحمته:
عبد الله بن سعيد محمد عبادي اللحجي رحمة الله تعالى عليه- المدرّس بالمدرسة الصولتية، وبالمسجد الحرام بمكّة المكرّمة.
стр. 2342
فهرسة الجزء الرابع من كتاب منتهى السول شرح شمائل الرسول ﷺ
الموضوع صفحة
حرف الميم ٥
حرف النون ٦٧
حرف الهاء ٧٤
حرف الواو ٧٦
حرف اللام ألف ٨٤
حرف الياء ١٠٤
الباب الثامن: في طبه ﷺ وسنه ووفاته ورؤيته في المنام وفيه ثلاثة فصول ١١٧
الفصل الأول: في طبه ﷺ ١١٨
الفصل الثاني: في سنه ﷺ ووفاته ٢٠٦
الفصل الثالث: في رؤيته ﷺ في المنام ٣٣٢
الخاتمة: تشتمل على سبعين حديثا من أدعيته ﷺ ٣٦٣