← Сира

Сира · id 23683

منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول

عبد الله عبادى اللحجى

Полный текст (2 342 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

٤٨- «اللهمّ؛ إنّي أسألك صحّة في إيمان، وإيمانا في حسن خلق، ونجاحا يتبعه فلاح، ورحمة منك وعافية، ومغفرة منك ورضوانا» . (طس، ك؛ عن أبي هريرة [رضي الله تعالى عنه] ) . ٤٩- «اللهمّ؛ الطف بي في تيسير كلّ عسير، فإنّ تيسير كلّ عسير عليك يسير، ... ٤٨- ( «اللهمّ؛ إنّي أسألك صحّة في إيمان) «في» بمعنى «مع» ؛ على حدّ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ [٣٨/ الأعراف] ؛ أي: صحّة في بدني مع تمكّن التصديق من قلبي. (وإيمانا في حسن خلق) - بالضم-؛ أي: وأسألك إيمانا يصحبه حسن خلق، ف «في» بمعنى «مع» . (ونجاحا) ؛ أي: حصولا للمطلوب (يتبعه فلاح) ؛ أي: فوز ببغية الدنيا والآخرة، (ورحمة) ؛ أي: وأسألك رحمة (منك وعافية) ؛ أي: سلامة من البلايا والمصائب، (ومغفرة منك) ؛ أي: سترا للعيوب، (ورضوانا) - بكسر الراء وضمّها-: اسم مبالغة في معنى الرضا، أي: وأسألك رضوانا منك لأفوز بخير الدارين. (طس، ك) ؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الأوسط» ، والحاكم في «المستدرك» كلاهما؛ (عن أبي هريرة) قال: أوصى رسول الله ﷺ سلمان الخير؛ فقال: «إنّ رسول الله ﷺ يريد أن يمنحك كلمات تسألهنّ الرّحمن؛ ترغب إليه فيهنّ، وتدعو بهنّ في اللّيل والنّهار، قل: اللهمّ ... » إلى آخره. قال الحافظ الهيثميّ: رجاله ثقات. انتهى. ٤٩- ( «اللهمّ؛ الطف) : ارفق (بي في تيسير كلّ عسير) ؛ أي: تسهيل كلّ صعب شديد، (فإنّ تيسير كلّ عسير عليك يسير) ؛ أي: لا يعسر عليك شيء، لأنّك خالق الكلّ، ومقدّر الجميع.

стр. 2277

وأسألك اليسر والمعافاة في الدّنيا والآخرة» . (طس؛ عن أبي هريرة) . ٥٠- «اللهمّ؛ اعف عنّي، فإنّك عفوّ كريم» . (طس؛ عن أبي سعيد) . ٥١- «اللهمّ؛ إنّي عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، في قبضتك، ناصيتي بيدك، ... (وأسألك اليسر) ؛ أي: سهولة الأمور وحسن انقيادها، (والمعافاة في الدّنيا والآخرة) ؛ بأن تصرف أذى الناس عنّي، وتصرف أذاي عنهم. (طس) ؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الأوسط» ؛ (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه قال: لمّا وجّه رسول الله ﷺ جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة شيّعه، وزوّده هذه الكلمات. قال الحافظ الهيثميّ: فيه من لم أعرفهم. انتهى. وأورده في «الميزان» في ترجمة عبد الله بن عبد الرحمن، وقال: إسناده مظلم. ٥٠- ( «اللهمّ؛ اعف عنّي) ؛ أي: امح ذنوبي، (فإنّك عفوّ كريم» ) ؛ أي: فإنّك كثير الفضل والكرم، تحبّ الإفضال والإنعام. (طس) ؛ أي: أخرجه الطبراني في «الأوسط» ؛ (عن أبي سعيد) الخدري رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ؛ فقال: علّمني دعاء أصيب به خيرا. فقال: «ادن» ، فدنا حتّى كادت ركبته تمسّ ركبته؛ فقال: «اللهمّ ... » إلى آخره. قال الحافظ الهيثميّ: فيه يحيى بن ميمون التمّار: وهو متروك؛ قاله المناوي. وفي العزيزيّ: هو حديث ضعيف. ٥١- ( «اللهمّ؛ إنّي عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك) ؛ أي: ابن جاريتك ومملوكتك، (في قبضتك، ناصيتي بيدك) . الناصية: مقدّم الرأس، وهي- هنا

стр. 2278

ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكلّ اسم هو لك سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم نور صدري، وربيع قلبي، ... كناية- عن كمال قدرته، وإشارة إلى أنّ إحاطته على وفق إرادته. (ماض) : نافذ (فيّ) - بتشديد الياء-؛ أي: في حقّي (حكمك) ، إذ لا مانع لما قضيت. وقال القاري في «الحرز» : المعنى: سابق في شأني حكمك الأزليّ الذي لا يبدّل ولا يحوّل. (عدل فيّ) - بتشديد الياء- (قضاؤك) ؛ أي: ما قضيت به عليّ، فهو عدل لا جور فيه؛ ولا ظلم. (أسألك بكلّ اسم هو لك) ؛ أي: ثابت لك (سمّيت به نفسك) ، هو أعمّ من قوله (أو أنزلته في كتابك) ؛ أي: القرآن وسائر كتبك المنزلة. (أو علّمته أحدا من خلقك) ؛ من الأنبياء والمرسلين، والملائكة المقرّبين، والأولياء والعارفين. (أو استأثرت به) ؛ أي: اخترته واصطفيته (في علم الغيب) الذي لا يعلمه إلّا أنت، و (عندك) : عنديّة مكان. قال الشوكانيّ: وفيه دليل أنّ لله تعالى أسماء غير التسعة والتسعين الاسم. (أن تجعل القرآن العظيم) - كذا عند بعض الرواة بزيادة: «العظيم» . و «أن» ومدخولها: ثاني مفعول «أسأل» ، والمفعول الثاني ل «جعل» هو قوله: (نور صدري) ؛ أي: تشرق في قلبي نوره فأميّز الحقّ من غيره. (وربيع قلبي) ؛ أي: متنزّهه، ومكان رعيه وانتفاعه بأنواره وأزهاره وأشجاره وثماره المشبّه بها أنواع العلوم والمعارف، وإضاءة الحكم والأحكام واللطائف.

стр. 2279

وجلاء حزني، وذهاب همّي» . (ابن السّنّيّ؛ ... (وجلاء حزني) - بكسر الجيم والمدّ- أي: إزالة حزني وكشفه، من: جلوت السيف جلاء- بالكسر-، أي: صقلته، ويقال: جلوت همّي عني؛ أي: أذهبته. ووقع في بعض نسخ «الحصن» - بفتح الجيم-. قال في «الحرز» : فهو جلاء القوم عن الموضع، ومنه وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ [٣/ الحشر] . والمعنى: اجعله سبب تفرقة حزني، وجمعيّة خاطري. انتهى. (وذهاب همّي» ) ؛ أي: الهمّ الذي لا ينفعني ويفرّقني لا يجمعني. رواه (ابن السّنّيّ) - بضم السين المهملة وتشديد النون بعدها ياء النّسبة-: وهو الإمام الجليل الحافظ: أبو بكر أحمد بن محمّد بن إسحاق بن إبراهيم بن أسباط بن بديح- بصيغة التصغير-- البديحيّ- بالموحدة؛ فالدال المهملة فالمثنّاة التحتيّة فالحاء المهملة- منسوب إلى جدّه «بديح» القرشيّ، الهاشميّ «مولاهم» ، الدينوري، المعروف ب «ابن السّنّيّ» . وبديح جدّه: مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. يكنى «أبا بكر» ، أحد الحفّاظ المشهورين، الثقات المأمونين، ولي قضاء القضاة بالرّي، ثمّ انفصل وتركه، ونفذ حكمه إلى العراق والحجاز ومصر. وفي شيوخه كثرة، منهم: أبو يعلى الموصلي البغوي، وأبو الحسين بن جوصا، وأبو عبد الرحمن النسائي، وأبو عرفة الكراني، وجماعة. روى عنه: القاضي أحمد بن عبيد الله بن شاذان، وأبو نصر أحمد بن الحسين بن الكسار، الدينوريان، وجماعة غيرهما. توفي سنة- ٣٦٤-: أربع وستين وثلثمائة، ومات عن بضع وثمانين سنة. رحمه الله تعالى. آمين.

стр. 2280

عن أبي موسى الأشعريّ) . (عن أبي موسى الأشعريّ) : عبد الله بن قيس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصابه همّ أو حزن؛ فليدع بهذه الكلمات ... » الخ. وقال في آخره: فقال رجل من القوم: يا رسول الله؛ إنّ المغبون لمن غبن هؤلاء الكلمات!؟ فقال: «أجل؛ فقولوهنّ وعلّموهنّ، فإنّه من قالهنّ التماس ما فيهنّ أذهب الله تعالى حزنه، وأطال فرحه» . قال في «مجمع الزوائد» : وأخرجه الطبرانيّ؛ عن أبي موسى أيضا، وفيه من لم أعرفه. انتهى. وأخرجه الإمام أحمد، وابن حبان، والحاكم، وأبو يعلى، والبزّار، والطبرانيّ، وابن أبي شيبة: كلّهم؛ عن ابن مسعود، وصحّحه ابن حبّان، والحاكم. وقال الحافظ ابن حجر: حديث ابن مسعود أثبت سندا وأشهر رجالا، وهو حديث حسن، وقد صحّحه بعض الأئمة. وقال الحافظ الهيثميّ في «مجمع الزوائد» : ورجال أحمد؛ وأبي يعلى رجال الصحيح، غير أبي سلمة الجهني! وقد وثّقه ابن حبّان. انتهى. لكن قال الذهبيّ: إنّ أبا سلمة الجهني ما روى عنه إلّا فضيل بن مرزوق، ولا يعرف اسمه ولا حاله!!. قال الحافظ ابن حجر: لكنّه لم ينفرد به، وذكره مع ذلك ابن حبّان في الثقات. انتهى. وفي رواية ابن مسعود ﵁: عن النّبيّ ﷺ قال: «ما أصاب عبدا همّ ولا حزن؛ فقال: اللهمّ ... الخ إلّا أذهب الله حزنه وهمّه، وأبدل مكانه فرحا» . قال في «المواهب» : وإنّما كان هذا الدعاء بهذه المنزلة!! لاشتماله على الاعتراف بعبوديّة الداعي وعبوديّة آبائه وأمّهاته، وأنّ ناصيته بيده يصرّفها كيف يشاء!! وإثبات القدر، وأن أحكام الربّ تعالى نافذة في عبده؛ ماضية فيه، لا انفكاك له عنها، ولا حيلة له في دفعها، والله عدل في هذه الأحكام غير ظالم لعبده.

стр. 2281

٥٢- «اللهمّ؛ احرسني بعينك الّتي لا تنام، واكنفني بكنفك الّذي لا يرام، وارحمني بقدرتك عليّ؛ فلا أهلك وأنت رجائي، فكم من نعمة أنعمت بها عليّ قلّ لك بها شكري، وكم من بليّة ابتليتني قلّ لك بها صبري، فيا من قلّ عند نعمته شكري؛ فلم يحرمني، ... ثم توسّله بأسماء الربّ تعالى الذي سمّى بها نفسه، ما علم العباد منها وما لم يعلموا، ومنها ما استأثر به في علم الغيب عنده؛ فلم يطلع عليه ملكا مقرّبا، ولا نبيّا مرسلا، وهذه الوسيلة أعظم الوسائل، وأحبّها إلى الله تعالى، وأقربها تحصيلا للمطلوب. ثم سؤاله أن يجعل القرآن العظيم لقلبه ربيعا؛ كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان، وأن يجعله لصدره كالنور الذي هو مادّة الحياة وبه يتمّ معاش العباد، وأن يجعله شفاء همّه وغمّه، فيكون بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء؛ ويعيد البدن إلى صحته واعتداله، وأن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يجلو الطبوع والأصدية وغيرها، فإذا صدق العليل في استعما لهذا الدواء أعقبه شفاء تاما. انتهى. قال الزرقاني: وصدقه باليقين التام، وصدق النيّة، وخلوص الطويّة، وأن لا يقصد به التجربة، لأنّ قاصد ذلك عنده شكّ. انتهى. ٥٢- ( «اللهمّ؛ احرسني) - بضم الراء-: احفظني (بعينك الّتي لا تنام، واكنفني) ؛ أي: استرني (بكنفك) ، هذه رواية ابن أبي الدنيا، ورواية الدّيلمي «بركنك» (الّذي لا يرام) ؛ أي: لا يقدر على طلبه (وارحمني بقدرتك عليّ) ، لأنّ ذلك شأن الكرام، أي: الرحمة مع القدرة، (فلا أهلك وأنت رجائي) ؛ أي: مرجويّ في جميع أموري. (فكم من نعمة أنعمت بها عليّ قلّ لك بها شكري) ؛ أي: قيامي بواجبها من الطاعات!! (وكم من بليّة ابتليتني قلّ لك بها صبري!! فيا من قلّ عند نعمته شكري؛ فلم يحرمني) - بفتح أوّله وضمه وكسر الراء-؛

стр. 2282

ويا من قلّ عند بلائه صبري؛ فلم يخذلني، ويا من رآني على الخطايا؛ فلم يفضحني. يا ذا المعروف الّذي لا ينقضي أبدا، ويا ذا النّعمة الّتي لا تحصى عددا.. أسألك أن تصلّي على محمّد وعلى آل محمّد، وبك أدرأ في نحور الأعداء والجبّارين. اللهمّ؛ أعنّي على ديني بالدّنيا، وعلى آخرتي بالتّقوى، واحفظني فيما غبت ... أي: يمنعني من نعمه، من «حرم كضرب» ، و «أحرم كأكرم» . (ويا من قلّ عند بليّته صبري؛ فلم يخذلني) - بضم الذال-: يترك نصرتي. (ويا من رآني على الخطايا؛ فلم يفضحني) - بفتح الياء والضاد-: يكشف مساوئي، فأفتضح، وهذا من مزيد تواضعه ﷺ ، واستغراقه في شهود الجلال، وإلّا فمن يشكر ومن يصبر إذا لم يشكر ولم يصبر هو، وأيّ خطيئة له، فضلا عن خطايا، وهو أيضا من باب التعليم لأمّته. (يا ذا المعروف الّذي لا ينقضي أبدا) ؛ بل هو دائم، (ويا ذا النّعمة الّتي لا تحصى عددا) ، وفي رواية: «النّعماء» ، والأولى أنسب، لأنّها التي يتعلق بها العدّ، وأمّا النّعماء! فصفة له تعالى بمعنى الإنعام، لا يتعلّق بها العدّ، لأنّ الصفة لا تعدّد فيها؛ ولا تكثر. (أسألك؛ أن تصلّي على محمّد، وعلى آل محمّد. وبك أدرأ) - بفتح الهمزة وسكون الدال وبالراء-: أدفع (في نحور الأعداء والجبّارين) : العتاة المتكبّرين. (اللهمّ؛ أعنّي على ديني بالدّنيا، وعلى آخرتي بالتّقوى، واحفظني فيما غبت

стр. 2283

عنه، ولا تكلني إلى نفسي فيما حضرته. يا من لا تضرّه الذّنوب، ولا ينقصه العفو.. هب لي ما لا ينقصك، واغفر لي ما لا يضرّك، إنّك أنت الوهّاب. أسألك فرجا قريبا، وصبرا جميلا، ورزقا واسعا، والعافية من البلايا، وأسألك تمام العافية، وأسألك دوام العافية، وأسألك الشّكر على العافية، ... عنه) من الأفعال التي لا أستحضرها، أو من الأهل والمال، (ولا تكلني إلى نفسي فيما حضرته) : من الحضور: ضدّ الغيبة، وكذلك في «فهرس الكاملي» ، و «الشراباتي» ، و «ابن عابدين» ، وغيرهم من أرباب الفهارس، ومثله في رواية ابن أبي الدنيا. وفي «المنح» : أمّا «المواهب» !! ففي روايته من طريق الدّيلمي: «فيما حظرته عليّ» - بالظاء المشالة-؛ من الحظر: وهو المنع، ومعناه- كما قال الزرقاني على «المواهب» -: «لا تكلني إلى نفسي فيما منعته عليّ، بل إلى توفيقك؛ لئلّا أقع فيما حظرته» . (يا من لا تضرّه الذّنوب، ولا ينقصه العفو؛ هب لي ما لا ينقصك) وصوله إليّ وهو عفوك، (واغفر لي ما لا يضرّك) وهو الذنوب. (إنّك أنت الوهّاب) : كثير النعم دائم العطا، صيغة مبالغة من الهبة؛ وهي العطيّة بلا سبب سابق ولا استحقاق، ولا مقابلة ولا جزاء. (أسألك فرجا قريبا؛ وصبرا جميلا) لا جزع فيه، (ورزقا واسعا، والعافية من البلايا، وأسألك تمام العافية، وأسألك دوام العافية) ؛ أي: السلامة من الأسقام، (وأسألك الشّكر على العافية) ، أعادها مظهرة!! لأنّ مقام الدعاء يطلب فيه البسط، لأنّه مقام خطاب وخضوع.

стр. 2284

وأسألك الغنى عن النّاس، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم» . (الدّيلميّ؛ عن جعفر الصّادق؛ عن أبيه؛ عن جدّه [﵈] ) . (وأسألك الغنى) - بكسر الغين المعجمة والقصر- (عن النّاس، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم» ) ختم بها الدعاء لما فيه من التوحيد الخفيّ؛ قاله الزرقاني. (الدّيلميّ) ؛ أي: أخرجه أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي، الهمذاني، المتوفى سنة- ٥٥٨-: ثمان وخمسين وخمسمائة، يتصل نسبه بالضّحّاك بن فيروز الديلمي الصحابي. وقد أخرجه الديلمي في كتاب «مسند الفردوس» ؛ (عن جعفر الصادق) ، لصدقه في مقاله؛ من سادات أهل البيت. (عن أبيه) محمد الباقر؛ (عن جدّه) عليّ زين العابدين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب؛ مرسلا، لأنّ جدّه تابعيّ: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا حزبه أمر دعا بهذا الدّعاء: «اللهمّ احرسني ... الخ. وذكره المصنّف في «رياض الجنة» ؛ وقال: أخرجه ابن عساكر؛ عن جعفر بن محمد؛ عن أبيه؛ عن جدّه: عليّ زين العابدين؛ عن أبيه الحسين؛ عن أبيه عليّ رضي الله تعالى عنهم: أن النبي ﷺ إذا حزبه أمر دعا بهذا الدّعاء: «اللهمّ؛ احرسني- إلى قوله- العظيم» . وكان يقول: إنّه دعاء الفرج. وهو حزب عظيم، مشهور بالبركة، مجرّب لدفع الشدائد، مسلسل بقول كلّ راو: «كتبته وها هو في جيبي» . وقد بسطتّ الكلام عليه في كتابي: «سعادة الدارين في الصلاة على سيّد الكونين ﷺ » . انتهى. وقال المصنّف في «سعادة الدارين» : رأيت في بعض المجاميع ما نصّه:

стр. 2285

......... أخبرنا الشيخ أبو العباس: أحمد بن محمد بن حسن اللواتي؛ قال: أخبرنا أبو الحسين: يحيى بن محمد عرف ب «ابن الصائغ» ؛ قال: أخبرنا أبو القاسم بن خلف بن عبد الملك بن مسعود بن بشكوال؛ قال: أخبرنا أبو الحسن: محمّد بن عبد الرحمن «صاحبنا» بقراءتي عليه؛ قال: أخبرنا أبو القاسم بن صواب سماعا؛ قال: أخبرنا أبو مروان: عبد الملك بن زيادة الله الطبني؛ قال: حدثنا أبو القاسم بن بندار، قال: حدثني محمد بن علي بن محمد بن صخر الأزدي، أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو عياض: أحمد بن محمد بن يعقوب الهرويّ الشافعي؛ قال: أنبأنا أحمد بن منصور الحافظ؛ قال: أنبأنا أبو الحسن: علي بن الحسين بن أحمد القطّان البلخي «المحتسب بمدينة رسول الله ﷺ ؛ وكان صدوقا» ؛ قال: أنبأنا محمد بن هارون الهاشمي؛ قال: حدثنا محمد بن يحيى المازنيّ؛ قال: أنبأنا موسى بن سهل عن الربيع؛ قال: لمّا استولى على الخلافة أبو جعفر المنصور؛ قال لي: يا ربيع؛ ابعث إلى جعفر بن محمّد. قال: فقمت بين يديه؛ فقلت: أيّ بليّة يريد أن يفعل، وأو همته أنّي أفعل، ثم أتيته بعد ساعة؛ فقال: ألم أقل لك؛ ابعث إلى جعفر بن محمّد!؟ فو الله؛ لتأتينّي به، أو لأقتلنّك شرّ قتلة، قال: فذهبت إليه؛ فقلت: أبا عبد الله؛ أجب أمير المؤمنين!! فقام معي، فلمّا دنونا من الباب قام فحرّك شفتيه ثمّ دخل، فسلّم فلم يردّ ﵇، ووقف فلم يجلسه، ثم رفع رأسه؛ فقال: يا جعفر؛ أنت الذي ألّبت وكثّرت؛ وقد حدّثني أبي؛ عن أبيه؛ عن جدّه: أنّ النبي ﷺ قال: «ينصب للغادر لواء يوم القيامة يعرف به» !؟ قال جعفر: حدّثني أبي؛ عن أبيه؛ عن جدّه: أنّ النبي ﷺ قال: «ينادي مناد يوم القيامة من بطنان العرش: ألا فليقم من كان أجره على الله!! فلا يقوم من عباد الله إلّا المتفضّلون» . فلم يزل يقول حتّى سكن ما به ولان له، فقال: اجلس أبا عبد الله؛ ارتفع

стр. 2286

......... أبا عبد الله، ثم دعا بمدهن غالية، فجعل يغلّفه بيده والغالية تقطر من بين يدي أمير المؤمنين، ثم قال: انصرف أبا عبد الله؛ في حفظ الله. وقال لي: يا ربيع؛ اتبع أبا عبد الله وأعطه جائزته وأضعفها له. قال: فخرجت؛ فقلت: يا أبا عبد الله؛ تعلم محبّتي لك!! قال: أنت منّا، حدّثني أبي؛ عن أبيه؛ عن جدّه: أنّ النبي ﷺ قال: مولى القوم منهم» . قلت: يا أبا عبد الله؛ شهدت ما لم تشهد، وسمعت ما لم تسمع، وقد دخلت ورأيتك تحرّك شفتيك عند دخولك إليه؟! قال: نعم؛ دعاء كنت أدعو به. قال: دعاء حفظته عند دخولك إليه؛ أم شيء تأثره عن آبائك الطاهرين؟ قال: لا، بل حدّثني أبي عن جدّه: «أنّ رسول الله ﷺ كان إذا حزبه أمر دعا بهذا الدعاء، وكان يقول: «دعاء الفرج» . وهو هذا: «اللهمّ ... إلى قوله العظيم» . قال الربيع: فكتبته من جعفر بن محمد؛ فها هو في جيبي. قال موسى بن سهل: فكتبته من الربيع؛ فها هو في جيبي. قال محمد بن يحيى: فكتبته من موسى؛ فها هو في جيبي. قال: محمد بن هارون، فكتبته من محمّد بن يحيى؛ فها هو في جيبي. قال أبو الحسن عليّ بن الحسين: فكتبته من محمد بن هارون؛ فها هو في جيبي. قال أحمد بن منصور: فكتبته من عليّ بن الحسين؛ فها هو في جيبي. قال أبو عياض أحمد بن محمد الهروي: فكتبته من أحمد بن منصور؛ فها هو في جيبي. قال: محمد بن عليّ بن صخر: فكتبته عن أبي عياض؛ وجعلت نسخته في جيبي. قال أبو القاسم ابن بندار: هو عندي بخطّ القاضي ابن صخر أبي الحسن. قال أبو مروان الطبني: فكتبته عن ابن بندار أبي القاسم؛ وهو عندي. قال أبو القاسم بن صواب: فكتبته عن أبي مروان عبد الملك الطبني؛ وهو عندي. قال أبو الحسن محمد بن عبد الرحمن: كتبته عن أبي القاسم بن صواب؛ فها هو عندي. قال أبو القاسم ابن بشكوال: فكتبته عن أبي الحسن محمد بن عبد الرحمن؛ فها هو عندي. قال الشيخ أبو الحسين بن الصائغ: فكتبته عن أبي القاسم بن بشكوال؛ فها هو عندي. وأراناه.

стр. 2287

......... قال شيخنا أبو العبّاس- أيّده الله-: كتبته عن أبي الحسين، وها هو عندي، وأراناه. وصلى الله على سيدنا محمّد وآله وصحبه وسلم. وبخط اللّواتي المذكور قرأ جميع هذا الدعاء وسلسله؛ كما فيه عليّ بن إبراهيم بن سوار البوصيري، وقرأه ابن النّعمان المزالي على اللّواتي المذكور وسلسله، واتصّل سندنا بشيخنا شيخ الإسلام؛ بركة الأنام؛ محمّد البهائي «خادم السنّة بثغر دمياط» بإجازته من الشيخ إبراهيم الكوراني المدني؛ عن الشيخ أحمد العشاشي المدنيّ؛ عن الشمس محمّد الرّملي؛ عن شيخ الإسلام زكريّا الأنصاري؛ عن الحافظ أبي الفضل أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني عمّن لقي من أصحاب ابن النّعمان. والحمد لله على ذلك، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. انتهى. ثمّ رأيته في ثبت العلامّة الشيخ محمد عابد بن أحمد علي الأنصاري الخزرجي السنديّ ثم المدنيّ؛ المسمّى: «حصر الشارد من أسانيد محمد عابد» بسند آخر يجتمع مع السند المتقدم في أبي الحسن محمد بن علي الأزدي. قال الشيخ محمد عابد المذكور: المسلسل بقول كل راو من الرواة «كتبته؛ فها هو في جيبي» : أرويه عن السيد عبد الرحمن بن سليمان بن يحيى بن عمر مقبول الأهدل، عن أبيه؛ عن السيّد أحمد بن محمد شريف مقبول الأهدل، عن السيّد يحيى بن مقبول الأهدل، عن السيّد أبي بكر بن علي البطاح الأهدل، عن السيّد يوسف بن محمّد البطاح الأهدل، عن السيد الطاهر بن حسين الأهدل، عن الحافظ عبد الرحمن بن عليّ الديبع، عن الشمس محمّد بن عبد الرحمن السخاوي قال: أنبأنا الشيخان؛ أبو إسحاق إبراهيم بن عليّ البيضاوي، والكاتبة مريم بنت علي بن عبد الرحمن؛ قالت الثانية: أنبأنا المحبّ محمد بن أحمد الطبري- سماعا- وعبد الله بن سليمان المكي إذنا؛ إن لم يكن سماعا. وقال الأوّل: أنبأنا أبو السادة عبد الله بن أسعد

стр. 2288

......... اليافعي قال: هو والمكيّ: أنبأنا الرضي أبو إسحاق الطبري؛ قال: أنبأنا المحبّ أحمد بن عبد الله الطبري؛ قال: أنبأنا التقيّ أبو الحسن: عليّ بن أبي بكر الطبري قال: أنبأنا التقيّ أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل بن أبي الصيف اليمني الفقيه، قال: أنبأنا الحافظ أبو الحسن عليّ بن الفضل المقدسي. قال السخاوي: قال شيخي الأول- وهو أعلى-: أنبأنا الإمام المجد أبو الطاهر الفيروز آبادي، وكتب إليّ أيضا عاليا: عبد الرحمن قالا: أنبأنا محمّد بن أبي القاسم الفارقي؛ قال: أنبأنا عليّ بن أحمد العراقي؛ قال: أنبأنا جعفر بن عليّ قال: أنبأنا الشريف أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الديباجي؛ قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن الحسين بن صدقة بن سليمان الإسكندري؛ قال: حدّثنا أبو الفتح نصر بن الحسين بن القاسم الشاشي، قدم علينا إسكندرية، قال؛ حدّثنا عليّ بن الحسين بن إبراهيم العاقولي؛ قال: حدثنا القاضي أبو الحسن محمد بن علي بن صخر الأزدي ... إلى آخر السند المتقدّم!!. وقال كلّ من الرواة «كتبته من فلان؛ وها هو في جيبي» إلى أن قال محمّد عابد «صاحب الثبت» المذكور: فكتبته عن شيخنا السيّد عبد الرحمن بن سليمان؛ وأجازني به. قال: وقد أخرج الديلمي هذا الحديث في «الفردوس» بلفظ «يا عليّ؛ إذا حزبك أمر؛ فقل: اللهمّ احرسني بعينك الّتي لا تنام ... الخ» . وقد أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب «الفرج بعد الشدّة» أيضا. انتهى ما في «سعادة الدارين» . قلت: والذي أخرجه ابن أبي الدنيا فيه بعض مخالفة لما هنا، ومن طريق ابن أبي الدنيا أورده السيوطيّ في «الأرج في الفرج» ، وفي الدعاء بعض مخالفة، وليس فيه إسناد الدعاء إلى النبي ﷺ !!. وأورد القسطلّاني في «المواهب» رواية الديلمي- كما في المصنف-، وهو حديث جليل، حسن غريب، أخرجه ابن الطيلسان، وأبو عليّ بن أبي الأحوص،

стр. 2289

٥٣- «اللهمّ؛ طهّر قلبي من النّفاق، وعملي من الرّياء، ولساني من الكذب، وعيني من الخيانة، فإنّك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور» . وغيرهما من أرباب المسلسلات. قال ابن الطيلسان: قد جرّبت بركته في غير ما شيء من الشدائد النازلة، وجرّبه غير واحد ممّن كتبه عنّي؛ فوجدنا نفعه، والحمد لله. وفي «ثبت الكاملي» الذي جمعه المنلا إلياس الكوراني: هو حديث، ودعاء، وتميمة، وقد وجد فيه ما يرغب في الاعتناء به، وفيه ما يدلّ على أنّه مشتمل على اسم الله الأعظم. انتهى كلام المصنّف في «سعادة الدارين» . رحمه الله تعالى آمين. ٥٣- ( «اللهمّ؛ طهّر قلبي من النّفاق) ؛ أي: من إظهار خلاف ما في الباطن، وهذا قاله تعليما لغيره كيف يدعو. (وعملي من الرّياء) - بمثنّاة تحتيّة- أي: حبّ اطّلاع الناس على عملي. (ولساني من الكذب) ؛ أي: ونحوه من الغيبة والنميمة. (وعينيّ) - بالتثنية والإفراد- (من الخيانة) ؛ أي: النظر إلى ما لا يجوز. (فإنّك تعلم خائنة الأعين) ؛ أي: الرمز بها، أو مسارقة النظر، أو هو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: الأعين الخائنة، (وما تخفي) القلوب الحالّة في (الصّدور» ) من الوسوسة وإضمار الخيانة. وهذا قاله المصطفى ﷺ مع أنّ ذاته الشريفة جبلت على الطهارة ابتداء، ونزعت من قلبه علقة الشيطان، وأعين على شيطانه فأسلم- تشريعا؛ من قبيل قوله وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) [المدثر] . وكانت ثيابه طاهرة على كلّ تأويل، لكن هذا مقتضى الحكمة في تكليف البشريّة، وهو ﵊ المشرّع المربّي، فعمل على ما تقتضيه البشريّة؛ قاله المناوي رحمه الله تعالى.

стр. 2290

(الحكيم، خط؛ عن أمّ معبد الخزاعيّة [رضي الله تعالى عنها] ) . ٥٤- «ربّ؛ أعنّي ولا تعن عليّ، وانصرني ولا تنصر عليّ، وامكر لي ... (الحكيم) ؛ أي: أخرجه الحكيم الترمذيّ في «نوادر الأصول» . (خط) ؛ أي: وأخرجه الخطيب: كلاهما؛ (عن أمّ معبد) بنت خالد (الخزاعيّة) الكعبيّة: عاتكة التي نزل عليها المصطفى ﷺ في طريق الهجرة. قال العراقيّ: سنده ضعيف. ٥٤- ( «ربّ؛ أعنّي) ؛ أي: «على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» ؛ كما في حديث آخر. (ولا تعن عليّ) من يمنعني عن ذلك. ويحتمل أن يكون المراد: أعنّي على أعدائك الذين يريدون قطعي عنك، ولا تعن أحدا منهم عليّ. وعلى هذا التقرير فيكون قوله: (وانصرني ولا تنصر عليّ) تأكيدا لما قبله، أو من عطف الخاصّ على العامّ، لأنّ الأوّل في الأعداء المقاتلين وغيرهم، والثاني في المقاتلين، وعلى التقرير الأوّل؛ فقوله: «وانصرني» ، أي: على نفسي وشيطاني وسائر أعدائي، و «لا تنصر عليّ» أي: أحدا من خلقك؛ من عطف العام على الخاص. (وامكر لي) هذا مما استعمل في حقه تعالى والمراد غايته، كما هو القاعدة في كلّ ما استحالت حقيقته على الله تعالى، إذ المكر: الخداع؛ وهو إبطال الحيلة للغير حتى ينفذ فيه ما يريده به من الشرّ، وهذا محال على الله ، إذ لا يفعل ذلك إلّا عاجز عن الأخذ مقاهرة، ولكن غايته إيقاع البلاء بالعدوّ من حيث لا يشعر، أو استدراجه بالطاعة حتى يظنّ أنه على شيء، ومن ثمّ قال بعض العارفين- في قوله تعالى سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) [الأعراف]-: نظهر لهم الكرامات حتى يظنو أنّهم من الأولياء، ثمّ نأخذهم على غرّة. فقوله: «امكر لي» ؛ أي: أوقع البلاء بالأعداء من حيث لا يشعرون.

стр. 2291

ولا تمكر عليّ، واهدني، ويسّر الهدى لي، وانصرني على من بغى عليّ. ربّ؛ اجعلني لك شاكرا، لك ذاكرا، لك راهبا، لك مطواعا، لك مخبتا، ... (ولا تمكر عليّ) بالاستدراج بالطاعة وتوهّم أنّها مقبولة؛ وهي مردودة. (واهدني) ؛ أي: دلّني على عيوب نفسي، وأوصلني إلى المقامات الكريمة، (ويسّر الهدى لي) ؛ أي: سهّل أسبابه لي، (وانصرني على من بغى عليّ) ؛ أي: ظلم وتعدّى وطغى. وهذا تأكيد لقوله: «أعنّي ... الخ» . (ربّ؛ اجعلني لك) ؛ أي: وحدك، كما أفادة تقديم المعمول، وكذا في الباقي، فتقديم الصلات لذلك والاهتمام. (شاكرا) بلساني وجناني وأركاني؛ بأن أصرف ذلك كلّه إلى ما خلقته لأجله؛ من دوام الذكر، وشهود الجلال، والقيام بوظائف الخدمة والعبوديّة. (لك ذاكرا) ؛ أي: باللسان والجنان بذكر أسمائك، وجلائل نعمك ودقائقها، فهو كالتأكيد لما علم- ممّا تقرّر في الشكر أنّه يشمله- وكذا يقال فيما بعده. (لك راهبا) ؛ أي: منقطعا عن الخلق، متجرّدا عنهم، متوجّها إلى الحضور مع الحقّ. (لك مطواعا) - بكسر أوّله وسكون ثانيه المهمل- أي: كثير الطّوع: وهو الطاعة؛ ذكره الطّيبي. (لك مخبتا) ، قيل: الأصل: إليك؛ كما في وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ [٢٣/ هود] وعدل منه إلى اللّام!! تأكيدا لمعنى الاختصاص المتبادر من التقديم. والمخبت: قال ابن الجزري: الخاشع؛ من الإخبات: الخشوع والتواضع. وقال ابن حجر الهيتميّ: مخبتا؛ أي: وجل القلب عند ذكرك، صابرا على ما أصابني، مقيما للصلاة على ما ينبغي، منفقا ممّا رزقتني.

стр. 2292

إليك أوّاها منيبا. ربّ؛ تقبّل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبّت حجّتي، واهد قلبي، ... دلّ على ذلك قوله وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) [الحج] . وأصل الإخبات: الطّمأنينة، ومنه وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ [٢٣/ هود] ، أي: اطمأنّت نفوسهم إلى امتثال جميع ما برز منه، والمخبت: الخاشع المتواضع. انتهى «شرح الأذكار» . (إليك أوّاها) أتى ب «إلى» في هذا المقام!! لكونها أظهر تبادلا؛ أو معنى من اللّام. والأوّاه: مبالغة من: أوّه تأويها؛ إذا قال: أوّه، وهو صوت الحزين المتفجع. (منيبا) ؛ أي: اجعلني راجعا إليك عن المعصية إلى الطاعة، وعن الغافلة إلى الحضرة. (ربّ؛ تقبّل توبتي) ؛ أي: اجعلها قابلة للقبول، (واغسل حوبتي) - بفتح المهملة-، والحوب- بالضم والفتح-: الإثم، وغسلها كناية عن إزالتها بالكليّة؛ بحيث لا يبقى منها أثر. (وأجب دعوتي) ؛ أي: جميع دعواتي؛ كما أفادته الإضافة وذكر!! لأنّه من فوائد القبول التوبة. وذكر ابن حجر في «شرح المشكاة» : أنّ دعوات التائب مستجابة بإعطائها نفسها، أو ما هو أفضل منها. (وثبّت حجّتي) ؛ أي: على أعدائك في الدنيا، وعند إجابة الملكين في البرزخ، وبين يديك عند الحساب يوم القيامة. (واهد قلبي) ؛ أي: أوصله إلى دوام مراقبة اطّلاعك عليه، ثمّ شهود

стр. 2293

وسدّد لساني، واسلل سخيمة صدري» . (ت، د، هـ؛ عن ابن عبّاس) . ٥٥- «اللهمّ؛ أغنني بالعلم، ... عظمتك، بحيث يكون فانيا عما سواك، راغبا في دوام إمدادك ورضاك. (وسدّد لساني) ؛ أي: اجعله متحرّيا للسداد؛ فلا أنطق إلّا بالحق فأكون مصيبا، كما أنّ من سدّد ساعده عند رمية سهمه يكون مصيبا غالبا. (واسلل سخيمة صدري» ) ؛ أي: أخرجها. من سلّ السيف؛: أخرج من غمده، والسّخيمة هنا- كما قال النوويّ-: الحقد، وجمعها السخائم؛ أي: أخرج ما في صدري؛ من الحسد والكبر وغيرهما من الأخلاق الرديئة، من السّخمة: وهي السواد، ومنه سخائم القدر. وإضافتها للصدر!! لأنّ مبدأها- أي: غالبا- القوّة الغضبيّة المنبعثة من القلب الذي هو في الصدر. وفي رواية ابن أبي شيبة: «قلبي» بدل «صدري» ؛ قاله ابن علّان. (ت، د، هـ) ؛ أي: أخرجه الترمذيّ، وأبو داود، وابن ماجه- كما في المصنّف-؛ (عن ابن عبّاس) رضي الله تعالى عنهما، وقال الترمذي: حسن صحيح. وكذا أخرجه عنه النسائي، والحاكم، وابن حبّان في «صحيحيهما» ؛ كما في «السلاح» . ورواه ابن أبي شيبة في «مصنّفه» ؛ كما في «الحصن» ؛ قاله ابن علان. وكذا رواه الإمام أحمد في «مسنده» . ٥٥- ( «اللهمّ؛ أغنني بالعلم) ؛ أي: علم طريق الآخرة، إذ ليس الغنى إلّا به، وهو القطب؛ وعليه المدار، لأنّ العلم والعبادة جوهران؛ لأجلها كان كلّ ما ترى وتسمع؛ من تصنيف المصنفين، وتعليم المعلّمين، ووعظ الواعظين،

стр. 2294

وزيّنّي بالحلم، وأكرمني بالتّقوى، وجمّلني بالعافية» . (ابن النّجّار؛ ... ونظر الناظرين. بل لأجلهما أنزلت الكتب، وأرسلت الرسل. بل لأجلها خلقت السموات والأرض وما فيهما من الخلق، اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (١٢) [الطلاق] . وكفى بهذه الآية دليلا على شرف العلم؛ لا سيّما علم معرفة الله. والعلم أشرف الجوهرين؛ وأفضلها، فمن أوتي العلم فهو الغنيّ بالحقيقة؛ وإن كان فقيرا من المال، ومن حرم العلم- لا سيّما علم المعرفة والتوحيد- فهو الفقير بالحقيقة؛ وإن كان غنيّا بالمال، ولهذا قال: من عرف الله فلم تغنه ... معرفة الله فذاك الشّقيّ قاله المناوي في «كبيره» . (وزيّنّي بالحلم) ؛ أي: اجعله زينة لي، فإنّه لا زينة كزينته. (وأكرمني بالتّقوى) لأكون من أكرم الناس عليك؛ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [١٣/ الحجرات] . (وجمّلني بالعافية» ) ، فإنّه لا جمال كجمالها. وقد قيل: العافية تاج على رؤوس الأصحّاء لا يعرفها إلّا المرضى، وخصّ سؤال الإكرام بالتقوى!؟ موافقة للآية الكريمة في قوله إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ لأنّها أساس كلّ خير وعماد كلّ فلاح، وسبب لسعادة الدنيا والعقبى. ولقد صدق القائل: من اتّقى الله فذاك الذي ... سيق إليه المتجر الرّابح وقال الآخر: ما يصنع العبد بغير التّقى ... والعزّ كلّ العزّ للمتّقي وهب أنّ الإنسان تعب جميع عمره، وجاهد وكابد؛ أليس الشأن كلّه في القبول!؟ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) [المائدة] . فمرجع الأمر كلّه للتقوى. (ابن النّجّار) ؛ أي: أخرجه ابن النّجّار في «تاريخه» .

стр. 2295

عن ابن عمر) . ٥٦- «اللهمّ؛ اغفر لي ذنوبي وخطاياي كلّها. وهو الإمام العلّامة الحافظ: محمّد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن، محبّ الدين بن النجار؛ البغداديّ، الحافظ، المؤرّخ، الأديب، أحد أفراد عصره. ولد في بغداد في ذي القعدة الحرام، سنة- ٥٧٨-: ثمان وسبعين وخمسمائة هجريّة. وسمع من الحافظ ابن الجوزيّ الواعظ وغيره. ورحل إلى الشام ومصر والحجاز وخراسان وأصبهان ومرو وهراة ونيسابور، مع الكثير، وحصّل الأصول والمسانيد، واستمرت رحلته سبعا وعشرين سنة، واشتملت «مشيخته» على ثلاثة آلاف شيخ. وكان إماما حجّة، ثقة حافظا، مقرئا، أديبا، عارفا بالتاريخ وعلوم الأدب، حسن الإلقاء والمحاضرات، وله التصانيف الممتعة؛ منها «تاريخ بغداد» : ذيّل به على «تاريخ بغداد» للحافظ أبي بكر أحمد بن عليّ بن ثابت الخطيب البغدادي، واستدرك عليه، وهو تاريخ حافل، دل على تبحّره في التاريخ، وسعة حفظه للتراجم والأخبار. وكانت وفاته في بغداد سنة- ٦٤٣- ثلاث وأربعين وستمائة هجرية، رحمه الله تعالى آمين. (عن ابن عمر) بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما، ورواه عنه الإمام الرافعيّ أيضا. ٥٦- ( «اللهمّ؛ اغفر لي ذنوبي) : جمع ذنب، والذنب: ماله تبعة دنيويّة؛ أو أخرويّة، مأخوذ من الذّنب. ولما كان المصطفى ﷺ معاتبا بترك ما هو الأولى تأكيدا لعصمته- أطلق عليه اسم الذنب. (وخطاياي) : جمع خطيئة، ويقال: خطيّة، وهي مرادفة للذنب- كما في كتب اللغة- وإن كان أصل العطف يقتضي المغايرة. (كلّها) ؛ أي: صغيرها وكبيرها.

стр. 2296

اللهمّ؛ أنعشني، واجبرني، واهدني لصالح الأعمال والأخلاق؛ فإنّه لا يهدي لصالحها، ولا يصرف سيّئها إلّا أنت» . (طب؛ عن أبي أمامة [رضي الله تعالى عنه] ) . ٥٧- «اللهمّ؛ إنّي أسألك علما نافعا، ورزقا ... (اللهمّ؛ أنعشني) - بهمزة قطع ويجوز وصلها-، أي: ارفعني وقوّ جأشي، (واجبرني) ؛ أي: أصلح شأني بحصول الغنى لي. (واهدني لصالح الأعمال) . أي: للأعمال الصالحة. (والأخلاق) : جمع خلق- بالضم-: الطبع والسجيّة، وجمعه!! باعتبار مخالفته الناس ومجاملتهم، كما أشار إليه خبر: «وخالق النّاس بخلق حسن» . (فإنّه لا يهدي لصالحها، ولا يصرف سيّئها) عنّي (إلّا أنت» ) ؛ لأنّك المقدّر للخير والشرّ، فلا يطلب جلب الخير إلّا منك، ولا دفع الشرّ إلّا منك وحدك. وفيه حذف من الأوّل، فكأنّه قال: واهدني لصالح الأعمال والأخلاق، واصرف عنّي سيّئها؛ فإنّه لا يهدي ... الخ. (طب) ؛ أي: أخرجه الطبراني في «الكبير» ؛ (عن أبي أمامة) الباهليّ رضي الله تعالى عنه قال: ما صلّيت وراء نبيّكم ﷺ إلّا سمعته يقول ذلك!!. قال الحافظ الهيثميّ: رجاله وثّقوا. وكذا رواه ابن السّنّيّ عن أبي أمامة الباهليّ. قال في «شرح الأذكار» : وهو حديث غريب؛ كما قاله الحافظ ابن حجر، رحمه الله تعالى، انتهى. ٥٧- ( «اللهمّ؛ إنّي أسألك علما نافعا) ؛ أي: شرعيا، أعمل به، وقدم على ما بعده؟ لأنه طريق إلى معرفة الحلال والحرام وأسباب القبول. (ورزقا

стр. 2297

طيّبا، وعملا متقبّلا» . (حم، هـ؛ عن أمّ سلمة) . ٥٨- «اللهمّ؛ بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق.. أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفّني إذا علمت الوفاة خيرا لي. اللهمّ؛ وأسألك خشيتك في الغيب والشّهادة، ... طيّبا) ؛ أي: حلالا ملائما للقوّة، معينا على الطاعة والعبادة، (وعملا متقبّلا» ) بفتح الباء-؛ أي: مقبولا؛ بأن يكون مقرونا بالإخلاص. (حم) ؛ أي: أخرجه الإمام أحمد، وابن ماجه؛ (عن أمّ سلمة) رضي الله تعالى عنها، «زوج النبيّ ﷺ ، وأم المؤمنين» وقد تقدّمت ترجمتها. وكذا رواه عنها ابن السّنّي في «عمل اليوم والليلة» ، والنسائي في «السنن الكبرى» ، وأبو يعلى، والدارقطني في «الأفراد» ، والطبرانيّ في «الصغير» ، وهو حديث حسن لشاهده؛ كما قال الحافظ ابن حجر وخرّجه من طرق. انتهى «شرح الأذكار» . ٥٨- ( «اللهمّ؛ بعلمك الغيب) - الباء للاستعطاف والتذلل-؛ أي: أنشدك بحقّ علمك ما خفي على خلقك ممّا استأثرت به، فالغيب مفعول به؛ أي: أتوسّل إليك بهذه الصفة المتعلّقة بكلّ شيء. (وقدرتك على الخلق) ؛ أي: جميع المخلوقات؛ من إنس وجنّ وملك وغيرها. (أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفّني إذا علمت الوفاة خيرا لي) عبّر بما في الحياة!! لاتّصافه بالحياة حالا؟ وب «إذا» الشرطيّة في الوفاة!! لانعدامها حال التمنّي؟ أي: إذا آل الحال أن تكون الوفاة بهذا الوصف فتوفّني. (اللهمّ؛ وأسألك خشيتك في الغيب) عن أعين الناس، (والشّهادة) للناس، أي: في السّر والعلانية، فإنّ خشية الله رأس كلّ خير. والشأن في الخشية في الغيب!! لمدحه تعالى من يخافه بالغيب، قال تعالى

стр. 2298

وأسألك كلمة الإخلاص في الرّضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرّة عين لا تنقطع، وأسألك الرّضا بالقضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، ... إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) [الملك] . (وأسألك كلمة الإخلاص) ، أي: النطق بالحقّ (في الرّضا والغضب) ، أي: في حالتي رضا الخلق منّي وغضبهم عليّ فيما أقوله؛ فلا أداهن، ولا أنافق، أو في حالتي رضاي وغضبي، بحيث لا تلجئني شدّة الغضب إلى النطق بخلاف الحقّ، ككثير من الناس إذا اشتدّ غضبه أخرجه من الحقّ إلى الباطل. قال الحفني: ولا مانع من إرادة الأمرين معا، أي: أسألك ألاأخرج عن الحق في جميع الأحوال. (وأسألك القصد) ؛ أي: التوسط (في الفقر) بأن لا أقتّر في حال فقري، (والغنى) ؛ أي: التوسّط في الغنى بأن لا أسرف وأنفق المال فيما لا يليق. (وأسألك نعيما لا ينفد) - بالدال المهملة- أي: لا ينقضي، وهو نعيم الآخرة. (وأسألك قرّة عين) بكثرة النسل المستمرّ بعدي، أو بالمحافظة على الصلاة، لقوله: «وجعلت قرّة عيني في الصّلاة» . (لا تنقطع) ؛ بل تستمرّ ما بقيت الدنيا، وقيل: أراد قرّة عينه بدوام ذكره وكمال محبّته والأنس به. قال بعضهم: من قرّت عينه بالله قرّت به كلّ عين؛ قاله المناوي. وقال الحفني: قوله: «قرّة عين» ؛ أي: فرّحني دائما، وخصّ العين!!؟ لأنّها سبب في فرح القلب عند نظرها ما يسر. (وأسألك الرّضا بالقضاء) بأن تسهّله عليّ فأتلقّاه بانشراح صدر. (وأسألك برد العيش بعد الموت) برفع الروح إلى منازل السعداء ومقامات المقرّبين، فهو كناية عن السرور الدائم.

стр. 2299

وأسألك لذّة النّظر إلى وجهك، والشّوق إلى لقائك، في غير ضرّاء مضرّة، ولا فتنة مضلّة. اللهمّ؛ زيّنّا بزينة الإيمان، ... وقيّد ببعد الموت!! لأنّ السرور الدائم لا يتيسر في الدنيا، لأنّها دار همّ وغمّ وسقم. هي الدّنيا تقول بملء فيها ... حذار حذار من بطشي وفتكي (وأسألك لذّة النّظر إلى وجهك) ؛ أي: الفوز بالتجلّي الذاتيّ الأبدي الذي لا حجاب بعده، ولا مستقرّ للكمّل دونه؛ وهو الكمال الحقيقيّ. وقيّد النظر باللّذّة!! إيذانا بأنّ المسؤول هو نظر اللطف والجمال في الجنّة، لا نظر الهيبة والجلال في عرصات القيامة. (والشّوق) - بالنصب- أي: وأسألك الشوق (إلى لقائك) . قال ابن القيّم: جمع في هذا الدعاء بين أطيب ما في الدنيا؛ وهو الشوق إلى لقائه، وأطيب ما في الآخرة؛ وهو النظر إليه. (في غير ضرّاء مضرّة) بأن لا يكون هناك ضرّاء أصلا، أو هناك ضرّاء غير مضرّة، وذلك أنّ أهل الشوق إلى اللقاء الذين هم أهل الحبّ الخالص المشاهدون لذاته تعالى؛ قد يحصل لهم حجب عن الشهود في بعض الأحيان، ثمّ يزول ويرجع لهم الشهود، فهذا الحجب ضرر، لكنه غير مضرّ لكونه يزول، فإن دام! فهو الضرر المضرّ، وبعض أهل الله لا يحصل لهم حجب أصلا؛ فضلا عن دوامه. (ولا فتنة مضلّة) ؛ أي: موقعة في الحيرة، مفضية إلى الهلاك. قال القونوي: الضّراء المضرّة: حصول الحجاب بعد التجلّي، والتجلّي بصفة تستلزم سدل الحجب، والفتنة المضلّة: كلّ شبهة توجب الخلل، أو تنقص في العلم والشهود. (اللهمّ؛ زيّنّا بزينة الإيمان) ، وهي زينة الباطن، إذ لا معوّل إلّا عليها، لأنّ

стр. 2300

واجعلنا هداة مهتدين» . (ن، ك؛ عن عمّار بن ياسر [رضي الله تعالى عنهما] ) . الزينة زينتان: زينة البدن، وزينة القلب؛ وهي أعظمهما قدرا، وإذا حصلت زينة القلب حصلت زينة البدن على أكمل وجه. والمعنى: اللهمّ اجعلنا مستكملين لشعب الإيمان؛ لتتنوّر بواطننا بالنّور الناشىء عن التصديق القلبيّ فيظهر نوره علينا. (واجعلنا هداة) ؛ أي: نهدي غيرنا (مهتدين» ) في أنفسنا، لأنّ الهادي إذا لم يكن مهتديا في نفسه لم يصلح كونه هاديا لغيره؛ لأنّه يوقع الناس في الضلال من حيث لا يشعر. (ن، ك) ؛ أي: أخرجه النسائيّ، والحاكم؛ أي: وكذا الإمام أحمد في «المسند» ، كلهم؛ (عن) أبي اليقظان (عمّار بن ياسر) العنسي- بالعين المهملة المفتوحة والنون الساكنة والسين المهملة- ثم المذحجيّ؛ القحطانيّ نسبا، المخزوميّ حلفا وولاء، المكّي ثمّ المدنيّ ثمّ الشاميّ ثمّ الدمشقيّ. أحد السابقين الأوّلين المعذّبين في الله أشدّ العذاب، وكذا عذّب أبوه وأمّه سميّة، ومرّ بهم النبيّ ﷺ ؛ وهم يعذّبون فقال: «صبرا آل ياسر، فإنّ موعدكم الجنّة» ، وكانت سميّة أمّه أوّل شهيدة في الإسلام. شهد عمّار جميع المشاهد مع رسول الله ﷺ ، وكان مخصوصا منه بالبشارة والترحيب، والبشاشة والتطييب، وأخبر أنه أحد الأربعة الذين تشتاق إليهم الجنّة، وقال له: «مرحبا بالطّيّب المطيّب» . وأخبر أنّه ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما. وقال: عمّار جلدة ما بين عيني وأنفي» ، وقال: «اهتدوا بهدي عمّار» ، وقال: «من عادى عمّارا عاداه الله، ومن أبغض عمّارا أبغضه الله» . وآخى النبيّ ﷺ بينه وبين سعد بن أبي وقّاص. ولمّا أخبر ﷺ أنه أكره على الكفر فكفر؛ قال: «كلّا؛ والله إنّ عمّارا ملىء إيمانا من قرنه إلى مشاشه» . ونزل فيه قوله تعالى إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [١٠٦/ النحل] .

стр. 2301

٥٩- «اللهمّ؛ أنت خلقت نفسي، وأنت توفّاها، لك مماتها ومحياها، إن أحييتها.. فاحفظها، وإن أمتّها.. فاغفر لها. اللهمّ؛ إنّي أسألك العافية» ... ولّاه عمر على الكوفة؛ وكتب إليهم: إنّه من النّجباء الرّفقاء؛ فاعرفوا له قدره. روي له عن رسول الله ﷺ اثنان وستّون حديثا؛ اتّفقا منها على واحد، وانفرد البخاريّ بثلاثة، ومسلم بواحد. وأخرج عنه أصحاب «السّنن» وغيرهم. قتل ﵁ بصفّين؛ سنة: سبع وثلاثين، عن ثلاث وخمسين سنة، قال قبل أن يقتل: ائتوني بشربة لبن، فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «آخر شربة تشربها شربة لبن» ؛ كذا نقل من «الرياض» للعامريّ باختصار. ٥٩- ( «اللهمّ؛ أنت خلقت نفسي) ؛ أي: أوجدتها من العدم، وأبدعتها على غير مثال سبق. (وأنت توفّاها) - بحذف إحدى التاءين للتّخفيف- أي: تتوفّاها. وحسن الحذف هاهنا!! لئلّا يجتمع ثلاث تاءآت؛ قاله ابن الجزريّ في «مفتاح الحصن» . (لك مماتها ومحياها) ؛ أي: موتها وحياتها ملكان لك، لا يملك غيرك شيئا من ذلك، قال تعالى وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً (٣) [الفرقان] . (إن أحييتها فاحفظها) من البليّات، وممّا يوجب العذاب أو يقتضي الحجاب، (وإن أمتّها فاغفر لها) ذنوبها وسائر المخالفات والتقصيرات، فإنّه لا يغفر الذّنوب إلّا أنت. (اللهمّ؛ إنّي أسألك) ، أي: أطلب منك (العافية» ) - تعميم بعد تخصيص- أي: أسألك العافية في اليقظة والمنام، وفي الحياة الدنيا من سائر الآلام وجميع

стр. 2302

(م؛ عن ابن عمر [رضي الله تعالى عنهما] ) . ٦٠- «اللهمّ؛ اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به منّي. المؤذيات والأسقام، وفي الآخرة من حلول دار الانتقام، والبعد عن رضا الملك العلّام. (م) ؛ أي: أخرجه مسلم في «صحيحه» ؛ من حديث خالد بن عبد الله بن الحارث (عن ابن عمر) بن الخطّاب، ورواه عنه النسائي أيضا. قال خالد: سمعت عبد الله بن الحارث يحدّث عن ابن عمر: أنّه أمر رجلا إذا أخذ مضجعه أن يقول ذلك، فقال له رجل: سمعت هذا من عمر!؟ فقال: من خير من عمر.. من رسول الله ﷺ . وأخرجه أبو يعلى؛ كما أشار إليه الحافظ ابن حجر قال: وليس لعبد الله بن الحارث- وهو أبو الوليد البصري؛ نسيب ابن سيرين- إلّا هذا الحديث الواحد عن ابن عمر في الصحيح. ٦٠- ( «اللهمّ؛ اغفر لي خطيئتي) ؛ أي: ذنبي، ويجوز تسهيل الهمزة فيقال: خطيتي- بالتحتيّة المشدّدة- (وجهلي) ، أي: ما صدر منّي من أجل جهلي. وفيه إيماء إلى قوله تعالى إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ [النساء] . قال البغويّ: أجمع السلف على أنّ من عصى الله تعالى؛ فهو جاهل؛ قاله في «شرح الأذكار» لابن علّان رحمه الله تعالى. وقال الحفني: قوله: «وجهلي» أي: ما يقع منّي حال الجهل. (وإسرافي في أمري) ؛ أي: مجاوزتي الحدّ في كلّ شيء، (وما أنت أعلم به منّي) من المعاصي والسيّئات، والتقصير عن الطاعات؛ ممّا علمته وممّا لم أعلمه، فهو تعميم بعد تعميم.

стр. 2303

اللهمّ؛ اغفر لي خطيئتي وعمدي، وهزلي وجدّي، وكلّ ذلك عندي. (اللهمّ؛ اغفر لي ما قدّمت وما أخّرت، وما أسررت وما أعلنت، ... (اللهمّ؛ أغفر لي [خطئي] ) : نقيض الصواب. (وعمدي) ، هما متقابلان؛ قاله المناوي. وأقول: كذا وقع في نسخة «الجامع الصغير» : «خطأي» بلفظ المفرد، ومثله في «الأذكار النووية» . ووقع عند أكثر رواة البخاريّ: «خطاياي» ؛ كما نبّه عليه ميرك!! قال الحافظ ابن حجر: في رواية الكشميهني: «خطئي» ، وكذا أخرجه البخاريّ في «الأدب المفرد» بالسند الذي في «الصحيح» ، وهو المناسب لذكر العمد، ولكنّ جمهور الرواة على الأوّل. والخطايا: جمع خطيئة، وعطف العمد عليها!! من عطف الخاصّ على العامّ، فإنّ الخطيئة أعمّ من أن تكون خطأ أو عمدا، أو من عطف أحد المتقابلين على الآخر. انتهى. والمعنى: أنّه اعتبر المغايرة بينهما باختلاف الوصف؛ كما في قوله تعالى تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) [الحجر] . (وهزلي وجدّي) - بكسر الجيم-: وهما ضدّان. (وكلّ ذلك عندي) ، أي: موجود ومتحقّق، كالتذييل للسابق، أي: أنا متّصف بهذه الأشياء فاغفرها لي. قاله ﷺ تواضعا. وعن عليّ ﵁: عد فوات الكمال وترك الأولى ذنبا، وهذا هو الأعلى، وبالاعتبار أولى، فإنّ حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين. (اللهمّ؛ اغفر لي ما قدّمت) قبل هذا الوقت، (وما أخّرت) عنه، (وما أسررت) ؛ أي: أخفيت، (وما أعلنت) ؛ أي: أظهرت، أو ما حدّثت به

стр. 2304

أنت المقدّم وأنت المؤخّر، وأنت على كلّ شيء قدير» . (ق؛ عن أبي موسى) . ٦١- «اللهمّ؛ اهدني فيمن هديت، ... نفسي، وما تحرّك به لساني؛ قاله تواضعا وإجلالا لله تعالى. (أنت المقدّم) بعض العباد إليك بتوفيق الطاعة، (وأنت المؤخّر) بخذلان بعضهم عن التوفيق، (وأنت على كلّ شيء قدير» ) ، أي: أنت الفعّال لكلّ ما تشاء. ولذا لم يوصف به غير الباري. ومعنى قدرته على الممكن الموجود حال وجوده: أنّه إن شاء أبقاه، وإن شاء أعدمه. ومعنى قدرته على المعدوم حين عدمه: أنّه إن شاء إيجاده أوجده، وإلّا! فلا. وفيه: أنّ مقدور العبد مقدور لله حقيقة؛ لأنّه شيء. (ق) أي: متفق عليه، أي: رواه البخاريّ، ومسلم في «صحيحيهما» في (الدعوات) ؛ (عن أبي موسى) الأشعريّ: عبد الله بن قيس رضي الله تعالى عنه. وقد تقدّمت ترجمته، وأخرجه عنه البيهقيّ، وغيره أيضا. ٦١- ( «اللهمّ؛ اهدني فيمن هديت) من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، و «في» بمعنى «مع» ، وكذا فيما بعده. قال تعالى فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ [٦٩/ النساء] الآية. ويصحّ بقاؤها على حالها متعلّقة بمحذوف، وأوثر حذفه!! للمبالغة، أي: اجعل لي نصيبا وافرا من الاهتداء، واجعلني معدودا في جملتهم؛ مندرجا في زمرتهم. وهذا كما قال نبيّ الله سليمان- صلّى الله على نبيّنا وعليه وسلم-: وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) [النمل] . ونبيّ الله يوسف- صلّى الله على نبينا وعليه وسلم-: وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) [الشعراء] . ولم يعبّرا ب «من» كما في قوله تعالى في حق إبراهيم على نبيّنا وعليه وعلى سائر النبيّين الصلاة والسلام: وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) [النحل] ؛ إيثارا للتواضع والتذلّل لله تعالى، فشهدا

стр. 2305

وعافني فيمن عافيت، وتولّني فيمن تولّيت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرّ ما قضيت، فإنّك تقضي ولا يقضى عليك، وإنّه لا يذلّ من واليت، ... تأخّرهما عن الصالحين، ثمّ سألا أن يلحقا بهم. وأمّا الآية الأخيرة!! فهي إخبار من الله تعالى عن حقيقة إبراهيم، فالملحظ مختلف. ثمّ الصلاح الذي سألاه صلاح الأنبياء، وهو أكمل مراتب الصلاح؛ لا مطلق الصلاح، إذ مرتبة النبوّة أسنى وأشرف. والله أعلم. انتهى «شرح الأذكار» . (وعافني) من كلّ نقص؛ ظاهرا وباطنا، في الدنيا والآخرة، واجعلني مندرجا (فيمن عافيت) ممّن ذكر أوّلا، (وتولّني) ؛ أي: بحفظك لي عن كلّ مخالفة ونظر إلى غيرك؛ بإنعامك عليّ بمعرفتك، واجعلني مندرجا (فيمن تولّيت) كذلك، وهم المذكورون أولا. (وبارك لي فيما أعطيت) : «في» للظّرفية، متعلّقة بالفعل المذكور قبلها، أي: ضع بركتك العظمى لي في كلّ ما أعطيتني من خير الدارين. وفي «النهاية» : أي: أثبت لي دوام ما أعطيتني من التشريف والكرامة. (وقني شرّ ما) ؛ أي: الفعل الذي (قضيت) به عليّ، وشرّ ما يقترن به من وسوسة الشيطان والهوى والنفس للإنسان، حتّى يمنع ثوابه؛ إن كان ابتلاء، ويحمل على الاستمرار فيه؛ إن كان معصية، أو يمنع كماله؛ إن كان طاعة. (فإنّك تقضي؛ ولا يقضى عليك) . وقع كالتعليل لسؤال ما قبله، إذ لا يعطي تلك الأمور المهمّة إلّا من كملت فيه حقائق القدرة؛ ولم يوجد منها شيء في غيره. وإثبات الفاء في رواية الترمذيّ، وإحدى روايات النسائي، والحاكم. (وإنّه) ؛ أي: الشأن (لا يذلّ) - بفتح فكسر- (من واليت) ، الذل: ضدّ العز، والموالاة: ضد المعاداة، والمعنى: لا يطرق الذلّ والهوان في الدارين أحدا واليته من عبادك.

стр. 2306

......... وما يطرقه من الحوادث الظاهرة والأمراض الباطنة ونحوها!! فهو؛ وإن عدّه عوامّ الناس ذلّا؛ إلّا أنه غاية الرّفعة والعزّة عند الله وعند أوليائه. وما العبرة إلّا بهم!! ومن ثمّ وقع للأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- من الامتحان العجيب ما هو مشهور؛ زيادة في التشريف، وإعلاما بعلوّ المقام المنيف. وزاد في رواية النسائي، والطبراني، والبيهقي: «ولا يعزّ من عاديت» بعد قوله «ولا يذلّ من واليت» ، وهذه الزيادة لم يخرّجها الباقون؛ قاله الشوكاني في «العدة» . قال السيوطيّ رحمه الله تعالى: لا خلاف بين العلماء من أهل اللّغة والحديث والصرف أنّ «يعزّ» : بكسر العين وفتح الياء. قال: وألّفت فيه مؤلّفا سمّيته: «الثّبوت في ضبط ألفاظ القنوت» . وقلت في آخره نظما: يا قارئا كتب التّصريف كن يقظا ... وحرّر الفرق في الأفعال تحريرا «عزّ» المضاعف يأتي في مضارعه ... تثليث عين بفرق جاء مشهورا فما ك «قلّ» وضدّ الذّلّ مع عظم ... كذا «كرمت علينا» جاء مكسورا وما ك «عزّ علينا الحال» ؛ أي: صعبت ... فافتح مضارعه؛ إن كنت نحريرا وهذه الخمسة الأفعال لازمة ... واضمم مضارع فعل ليس مقصورا «عززت زيدا» بمعنى قد غلبت كذا ... أعنته فكلا ذا جاء مأثورا وقل إذا كنت في ذكر القنوت «ولا ... يعزّ» يا ربّ من عاديت مكسورا واشكر لأهل علوم الشّرع إذ شرحوا ... لك الصّواب وأبدوا فيه تذكيرا وأصلحوا لك لفظا أنت مفتقر ... إليه في كلّ صبح ليس منكورا لا تحسبن منطقا يحكى وفلسفة ... ساوى لدى علماء الشّرع قطميرا قال ابن علّان: وقد بقي عليه «عزّ» : بمعنى: قوي، ففي بعض حواشي

стр. 2307

تباركت ربّنا وتعاليت» . (٤، هق؛ عن الحسن بن عليّ) . «شرح التحفة» «١» في الكلام على نوع «العزيز» : يقال منه: عزّ بمعنى قوي، مضارعه يعزّ- بفتح العين-. انتهى. وزاد الترمذيّ: «سبحانك» قبل قوله: (تباركت) ؛ أي: تعاظمت (ربّنا وتعاليت» ) . قال في «شرح الأذكار» : قال بعض مشايخنا: كأنّ الحكمة في الإتيان بضمير الجمع هنا؛ دون ما تقدّم من قوله: «اهدني ... الخ» !! لأنّ ذلك مقام سؤال؛ وهو مناسب للتذلّل والانكسار، وهذا مقام ثناء على المولى؛ فناسب الإتيان فيه بضمير الجمع المذكور، إمّا إشارة إلى العجز عن قيام المرء بمفرده بأداء حقّ ثنائه، وإمّا إشارة إلى أنّ جميع أجزائه مربوبة للباري، وإمّا تعاظما بهذه الإضافة الشريفة إلى الربوبيّة المنيفة. وفي «التحفة» لابن حجر الهيتميّ: وزاد العلماء- بعد «تعاليت» -: «فلك الحمد على ما قضيت، أستغفرك وأتوب إليك» . ولا بأس بهذه الزّيادة، بل قال جمع: إنّها مستحبّة، لورودها في رواية البيهقيّ. انتهى. وزاد ابن الجزري في «عدة الحصن» : «وصلّى الله على النّبيّ» ، وعزاها إلى النسائيّ. قال الشوكاني: وهو كما قال. قال النووي: إنّها زيادة بسند صحيح أو حسن. وتعقّبه الحافظ ابن حجر: بأنّه منقطع، وأخرج هذه الزيادة الطبرانيّ، والحاكم. وقد طوّلنا المقال على حديث الحسن هذا في «شرحنا للمنتقى» ؛ فليرجع إليه، وقد ضعّفه بعض الحفاظ، وصحّحه آخرون، وأقلّ أحواله- إذا لم يكن صحيحا- أن يكون حسنا. انتهى؛ كلام الشوكاني. (٤، هق) ؛ أي: أخرجه أصحاب «السنن الأربعة» : أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، والبيهقيّ في «سننه» ؛ (عن الحسن بن عليّ) بن أبي طالب: سبط رسول الله ﷺ وريحانته من الدنيا، رضي الله تعالى

стр. 2308

٦٢- «اللهمّ؛ إنّك سألتنا من أنفسنا ما لا نملكه إلّا بك. اللهمّ؛ فأعطنا منها ما يرضيك عنّا» . (ابن عساكر؛ ... عنهما. وقدّ تقدّمت ترجمته. قال الترمذيّ: هذا حديث حسن لا نعرفه إلّا من هذا الوجه. وأخرجه ابن حبّان في «صحيحه» ، والحاكم في «المستدرك» وصحّحاه، وابن أبي شيبة في «مصنفه» ، وأخرجه الإمام أحمد، وابن خزيمة، والدارقطني، والدارمي، والطبرانيّ: كلهم؛ من حديث الحسن بن عليّ. قال الحافظ ابن حجر كما في «شرح الأذكار» -: والحديث حسن صحيح، أخرجه ابن خزيمة. انتهى. وأخرجه أيضا الحاكم؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بلفظ حديث الحسن مقيّدا بصلاة الصبح، فقال: صحيح. وقال الحافظ ابن حجر: ليس هو كما قال! بل هو ضعيف، لأن في إسناده عبد الله بن سعيد المقبري. وأخرجه بنحوه الطبرانيّ؛ من حديث بريدة، رضي الله تعالى عنه. انتهى. ملخصا من «شرح الأذكار» و «شرح العدة» . ٦٢- ( «اللهمّ؛ إنّك سألتنا) : كلّفتنا (من أنفسنا) - بمنزلة التّأكيد لما قبله- (ما لا نملكه) ؛ أي: ما لا نستطيعه ولا نقدر عليه من فعل المأمورات واجتناب المنهيّات. (إلّا بك) ؛ أي: بإقدارك وتمكينك وتوفيقك. (اللهمّ؛ فأعطنا منها ما) : توفيقا نقتدر به على فعل الذي (يرضيك عنّا» ) من الطاعات وتجنّب المخالفات، فإنّ الأمور كلّها بيدك؛ منك مصدرها وإليك مرجعها، ونحن ضعفاء وأنت القادر، فنسألك أن تسعفنا وتعيننا على ذلك. (ابن عساكر) ؛ أي: أخرجه ابن عساكر: وهو عليّ بن الحسن بن هبة الله، ثقة الدين، أبو القاسم ابن عساكر الدمشقي.

стр. 2309

عن أبي هريرة) . ٦٣- «اللهمّ؛ زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنّا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر ... المؤرّخ، الحافظ، الرّحالة، كان محدّث الديار الشاميّة، ورفيق السمعانيّ صاحب «الأنساب» - في رحلاته. مولده سنة- ٤٩٩-: تسع وتسعين وأربعمائة، ووفاته سنة- ٥٧١-: إحدى وسبعين وخمسمائة في دمشق الشام، وعمره اثنان وسبعون سنة تقريبا. له كتاب: «تاريخ دمشق الكبير» ؛ يعرف ب «تاريخ ابن عساكر» ، رحمه الله تعالى. آمين. (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه، ورواه أيضا باللّفظ المذكور المستغفريّ في (الدعوات) . قال الحافظ العراقيّ: وفيه ولهان بن جبير: ضعّفه الأزدي؛ قاله المناوي في «فيض القدير» . وقال نقلا عن السيوطيّ: هذا الحديث متواتر. وتعقّبه السيّد العلامة محمد بن جعفر الكتاني في «نظم المتناثر» ؛ فقال: لم أره في «الأزهار» ، ويتبادر إلى الذهن أنّه سبق قلم، أو تحريف من الناسخ، إلّا أن يريد أنّ رجوع سيّدنا محمد ﷺ إلى الله تعالى في أحواله كلّها؛ وسؤاله التوفيق منه؛ متواتر عنه معنى، فيصحّ. والله أعلم. ٦٣- ( «اللهمّ؛ زدنا) من خير الدارين، أي: من العلوم والمعارف، (ولا تنقصنا) شيئا من نعمائك، (وأكرمنا) بالتقوى، (ولا تهنّا) بفعل المعاصي والمخالفات. (وأعطنا ولا تحرمنا) - بفتح أوّله وضمه- قال العلقميّ: عطف النواهي على الأوامر!! للتأكيد. (وآثرنا) - بالمد-: اخترنا بعنايتك وإكرامك. (ولا تؤثر) ؛ أي: لا تختر

стр. 2310

علينا، وأرضنا وارض عنّا» . (ت، ك؛ عن عمر) . (علينا) غيرنا، فتعزّه وتذلنا، يعني: لا تغلب علينا أعداءنا. (وأرضنا) بما قضيت لنا؛ أو علينا؛ بإعطاء الصبر والتحمّل، والقنع بما قسمت لنا من الرزق، وذلك أنّ الله سبحانه دبّر لعبده- قبل أن يخلقه- شأنه من الرزق، والأحوال، والآثار، وكلّ ذلك مقدر مؤقّت، يبرزه له في وقته كما قدّره، والعبد ذو شهوات، وقد اعتادها وتخلّق بها، ودبّر الله لعبده غير ما تخلّق به من الشهوات، فمرّة سقم؛ ومرّة صحّة، ومرّة غنى؛ ومرّة فقر، وعسر وذلّ، ومكروه ومحبوب، فأحوال الدنيا تتداوله لا ينفك عن قضائه. والعبد يريد ما وافقه واشتهاه، وتدبير الله فيه غير ذلك، فإذا رزق العبد الرضا بالقضاء استقام قلبه؛ فترك جميع إرادته لمشيئة الله تعالى؛ ينتظر ما يبرز له من تدبيره في جميع أحواله، فيتلقّاه بانشراح صدر وطيب نفس؛ فيصير راضيا مرضيّا، والمصطفى ﷺ أعظم من رزق الرضا، وليس للشهوات ولا للشيطان عليه سبيل، وإنّما ذكر ذلك على طريق الإرشاد والتعليم للأمة. (وارض عنّا» ) بما نقيم من الطاعة القليلة التي هي جهدنا. قال الراغب: منزلة الرضى أشرف المنازل بعد النّبوّة، فمن رضي عن الله فقد ﵁، لقوله تعالى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [١١٩/ المائدة] . فجعل أحد الرضاءين مقرونا بالآخر، فمن بلغ هذه المنزلة فقد عرف خساسة الدنيا، واطلع على جنة المأوى، وخطب مودّة الملأ الأعلى، وحظي بتحيّتهم المعنيّة بقوله تعالى وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) [الرعد] . (ت، ك) ؛ أي: أخرجه الترمذيّ، والحاكم في «الدعاء» ؛ (عن عمر) بن الخطّاب، أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدويّ النّحل، فمكثنا ساعة، فسرّي عنه؛ فاستقبل القبلة ورفع يديه.... فذكره، وصحّحه الحاكم.

стр. 2311

٦٤- «اللهمّ؛ أصلح ذات بيننا، وألّف بين قلوبنا، واهدنا سبل السّلام، ونجّنا من الظّلمات إلى النّور، وجنّبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. اللهمّ؛ بارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا، وأزواجنا وذرّيّاتنا، وتب علينا؛ إنّك أنت التّواب الرّحيم، ... ٦٤- ( «اللهمّ؛ أصلح ذات بيننا) ؛ أي: الحال التي يقع بها الاجتماع، (وألّف بين قلوبنا) ؛ أي: اجعل بينها الإيناس والمحبة والتراحم؛ لتثبت على الإسلام، وتقوى على مقاومة أعدائك ونصرة دينك. (واهدنا سبل السّلام) ؛ أي: دلنّا على طريق السّلامة من الآفات، أو على طريق دار السّلام، الجنة، (ونجّنا من الظّلمات إلى النّور) ؛ أي: أنقذنا من ظلمات الدّنيا إلى نور الآخرة، أو من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة. (وجنّبنا الفواحش؛ ما ظهر منها وما بطن) ؛ أي: بعّدنا عن القبائح الظاهرة والباطنة، فإنّا عاجزون عن التنقّل منها، ورفع الهمم عن مواقعها؛ وإن اجتهدنا، بما جبلنا عليه من الضّعف وتسلّط الشيطان علينا، فلا قوّة لنا إلّا بك. (اللهمّ؛ بارك لنا في أسماعنا، وأبصارنا، وقلوبنا، وأزواجنا، وذرّيّاتنا، وتب علينا) ؛ أي: اصرف قلوبنا إلى الطاعة. ف «التّوّاب» إذا وصف به المولى تعالى؛ كان معناه: الصارف لقلوب عباده عن المعاصي إلى الطاعة. وإذا وصف به العبد؛ كان معناه: كثير الخروج من الذنوب. فهو يختلف معناه باعتبار ما يوصف به؛ قاله الحفني. (إنّك أنت التّوّاب) ؛ أي: الرجّاع بعباده إلى مواطن النجاة، بعد ما سلّط عليهم عدوّهم بغوايته، ليعرفوا فضله عليهم وعظيم قدرته، ثمّ أتبعه وصفا كالتعليل له فقال: (الرّحيم) : المبالغ في الرّحمة لعبادك.

стр. 2312

واجعلنا شاكرين لنعمك، مثنين بها، قابلين لها، وأتمّها علينا» . (طب، ك؛ عن ابن مسعود) . ٥٦- «اللهمّ؛ إنّا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، (واجعلنا شاكرين لنعمك، مثنين بها) أي: عليها، (قابلين لها، وأتمّها علينا» ) ؛ أي: بدوام ذلك. وإنّما سأل التوفيق لدوام الشكر!؟ لأنّ الشكر قيد النعم، فبه تدوم وتبقى، وبتركه تزول وتحول، قال الله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [١١/ الرعد] ، وقال تعالى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [٧/ إبراهيم] . فالحقّ- تقدّس- إذا رأى عبده قام بحقّ نعمته بالدوام على شكرها؛ منّ بأخرى رآه لها أهلا، وإلّا! قطع عنه ذلك. (طب) ؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الكبير» ، وكذا في «الأوسط» . (ك) وأخرجه الحاكم في «المستدرك» : كلهم؛ (عن ابن مسعود) رضي الله تعالى عنه قال: كان النّبيّ ﷺ يعلّمنا هذا الدّعاء. قال الحافظ الهيثميّ: إسناد «الكبير» جيّد. انتهى. ومن ثمّ آثره المصنّف تبعا ل «الجامع الصغير» . ٦٥- ( «اللهمّ؛ إنّا نسألك موجبات) - بكسر الجيم- جمع موجبة؛ وهي الخصلة التي أوجبت لقائلها الرحمة؛ أي: مقتضيات (رحمتك) بوعدك، فإنّه لا يجوز الخلف فيه، وإلّا! فالحقّ سبحانه لا يجب عليه لأحد شيء؛ قاله السيوطيّ. وفي الحفني على «الجامع الصغير» : موجبات رحمتك؛ أي: أسبابها؛ أي: كلّ قول وفعل مقتض للرحمة ليترتّب عليها المسبّبات، فليس المراد بالموجبات الواجبات، إذ لا يجب عليه تعالى شيء. انتهى. (وعزائم) : جمع عزيمة (مغفرتك) ؛ أي: الأسباب المؤكّدة المقتضية

стр. 2313

والسّلامة من كلّ إثم، والغنيمة من كلّ برّ، والفوز بالجنّة، والنّجاة من النّار» . (ك؛ عن ابن مسعود) . ٦٦- «اللهمّ؛ اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين ... لمغفرتك، يعني: نسألك أعمالا تعزم وتتأكّد بها مغفرتك. (والسّلامة من كلّ إثم) يوجب عقابا؛ أو عتابا؛ أو نقص درجة، أو غير ذلك. قال العلقمي، قال شيخنا- يعني السيوطيّ-: قال العراقيّ: فيه جواز سؤال العصمة!! وقد أنكر بعضهم جواز ذلك؛ إذ العصمة إنّما هي للأنبياء والملائكة!! قال: والجواب: أنّها في حقّ الأنبياء والملائكة واجبة، وفي حقّ غيرهم جائزة، وسؤال الجائز جائز، إلّا أنّ الأدب سؤال الحفظ في حقّنا؛ لا العصمة، وقد يكون هذا هو المراد هنا. انتهى. وقال العلّامة ابن حجر الهيتمي في «شرح العباب» : الحقّ ما قاله بعض المتأخّرين: أنّه إن قصد التوقّي عن جميع المعاصي والرذائل في سائر الأحوال امتنع؛ لأنّه سؤال مقام النبوّة، وإن قصد التحفّظ من أعمال السوء! فهذا لا بأس به. انتهى «شرح الأذكار» . (والغنيمة من كلّ برّ) - بكسر الموحدة- أي: طاعة وخير. (والفوز بالجنّة، والنّجاة من النّار» ) ، ذكره تعليما لأمّته، لأنّه متيقّن الفوز والنجاة. (ك) ؛ أي: أخرجه الحاكم في «المستدرك» ؛ (عن) عبد الله (بن مسعود) رضي الله تعالى عنه قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ «اللهمّ ... الخ» . وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ٦٦- ( «اللهمّ؛ اقسم لنا) ؛ أي: اجعل لنا قسما ونصيبا (من خشيتك) ؛ أي: خوفك المقترن بالتّعظيم (ما تحول) أنت؛ أي: تحجز وتمنع (به بيننا وبين

стр. 2314

معاصيك، ومن طاعتك ما تبلّغنا به جنّتك، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدّنيا، ... معاصيك) ، لأنّ القلب إذا امتلأ من الخوف أحجمت الأعضاء جميعها عن ارتكاب المعاصي، وبقدر قلّة الخوف يكون الهجوم على المعاصي، فإذا قلّ الخوف جدّا؛ واستولت الغافلة؛ كان ذلك من علامة الشقاء، ومن ثمّ قالوا: المعاصي بريد الكفر؛ كما أنّ القبلة بريد الجماع، والغناء بريد الزّنا، والنّظر بريد العشق، والمرض بريد الموت، وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرّة بالعقل والبدن؛ والدنيا والآخرة ما لا يحصيه إلّا الله. (ومن طاعتك ما تبلّغنا) - بتشديد اللّام المكسورة، ويجوز تخفيفها- أي: توصلنا (به جنّتك) ؛ أي: مع شمولنا برحمتك، إذ ليست الطاعة وحدها مبلّغة، بدليل خبر: «لن يدخل أحدكم الجنّة بعمله» ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟!! قال: «ولا أنا؛ إلّا أن يتغمّدني الله برحمته» . (ومن اليقين) ؛ أي: وارزقنا من اليقين بك، ونفوذ قضائك، وأنّه لا رادّ له، وبأنّه لا يصيبنا إلّا ما كتب الله لنا، وبأنّ ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا؛ وما أصابنا لم يكن ليخطئنا. (ما تهوّن) - بكسر الواو المشدّدة وبالتحتيّة والفوقيّة- قال ابن الجزري: رواية «ما تهوّن علينا» بحذف «به» يقتضي أن يكون بالتّحتيّة، وإثباته يقتضي أن يكون بالفوقيّة!! انتهى. أي: يسهّل ويخفّف (به علينا مصائب الدّنيا) بأن نعلم أنّ ما قدّرته لا يخلو عن حكمة ومصلحة واستجلاب منفعة، وأنّك لا تفعل بالعبد شيئا؛ إلّا وفيه صلاحه، وذلك كموت الولد، فيلاحظ أنّ هذه المصيبة في طيّها رفع درجات، وتكفير سيّئات، ويتيقّن أنّها بإرادته تعالى، فهذا شأن الكاملين. وقوله: «مصائب» - بالنصب- وقد يرفع على أنّ «يهون» - بفتح أوّله وضمّ الهاء-: مضارع هان؛ بالتحتيّة والفوقيّة. والله أعلم.

стр. 2315

ومتّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوّتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منّا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدّنيا أكبر همّنا، ... (ومتّعنا بأسماعنا وأبصارنا) ، لأنّها طرائق الدلائل الموصلة لمعرفة الله تعالى وتوحيده؛ من البراهين المأخوذة، إمّا من الآيات المنزّلة؛ وطريق ذلك السمع، أو من الآيات في الآفاق والأنفس؛ وطريق ذلك البصر. (وقوّتنا) ؛ أي: قوّة قلبنا الذي عليه مدار إيماننا، أو المراد: قوّة سائر قوانا؛ من الحواسّ الظاهرة والباطنة، وباقي الأعضاء البدنيّة. (ما أحييتنا) ؛ أي: متّعنا بذلك مدّة حياتنا، (واجعله) ؛ أي: المذكور من السمع والبصر والقوّة. أو الضمير للتّمتّع؛ المأخوذ من: «متّعنا» - على حدّ قوله اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [٨/ المائدة] . (الوارث منّا) ، ومعنى وراثتها: لزومها له عند موته لزوم الوارث له؛ قاله المناوي. وقد تقدّم الكلام عليه. (واجعل ثأرنا) - بالمثلّثة- أي: انتقامنا ونصرنا مقصورا (على من ظلمنا) ، ولا تجعلنا ممّن تعدّى في طلب ثأره، وأخذ به غير الجاني، كما كان أهل الجاهليّة يفعله، وكما يفعله الآن القبائل أهل البوادي؛ من قتل غير القاتل، بل ولو كان الآخذ بالثأر من غير أولياء الدم. أو المراد: اجعل إدراك ثأرنا على من ظلمنا فندرك ثأرنا، وأصل الثأر: الحقد والغضب، ثمّ استعير لمطالبة دم القتيل. (وانصرنا على من عادانا) ؛ أي: ظفّرنا عليه وانتقم منه، وهو تعميم بعد تخصيص. (ولا تجعل مصيبتنا في ديننا) ؛ أي: لا تصيبنا بما ينقص ديننا؛ من أكل الحرام، واعتقاد السوء، والفترة في العبادة، والغافلة عن الطاعة. (ولا تجعل الدّنيا أكبر همّنا) ، الهمّ: المقصد والحزن؛ أي: لا تجعل أكبر قصدنا أو حزننا لأجل الدنيا، فإنّ ذلك سبب الهلاك، بل اجعله مصروفا في عمل الآخرة. وأشار ب «أكبر» أنّ القليل من الهمّ ممّا لا بدّ منه في أمر المعاش له ولعياله
следующие страницы →