وكانت الصّحابة ...
«إنّي لم أكسكها لتلبسها» . فكساها عمر أخا له مشركا بمكّة. رواه البخاريّ، ومسلم، و «الموطأ» ، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه- واللفظ لمسلم-.
وفيه دليل لتحريم الحرير على الرجال وإباحته للنساء، وإباحة هديّته، وإباحة ثمنه، وجواز إهداء المسلم إلى المشرك ثوبا وغيره، واستحباب لبس أنفس ثيابه يوم الجمعة والعيد؛ وعند لقاء الوفود ونحوهم، وعرض المفضول على الفاضل؛ والتابع على المتبوع ما يحتاج إليه من مصالحه التي قد لا يذكرها، وفيه صلة الأقارب والمعارف؛ وإن كانوا كفّارا.
وقد يتوهّم متوهّم أنّ فيه دليلا على أن رجال الكفّار يجوز لهم لبس الحرير!! وهذا وهم باطل، لأن الحديث إنّما فيه الهدية إلى كافر، وليس فيه الإذن له في لبسها. وقد بعث النبي ﷺ ذلك إلى عمر وعليّ وأسامة ﵃، ولا يلزم منه إباحة لبسها لهم، بل صرّح ﷺ كما في بعض الروايات بأنّه إنّما أعطاه لينتفع بها بغير اللبس.
والمذهب الصحيح الّذي عليه المحقّقون والأكثرون: أنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ فيحرم عليهم الحرير كما يحرم على المسلمين. والله أعلم؛ قاله النووي في «شرح مسلم» .
(وكانت الصّحابة) - قال في «شرح الأذكار» : بفتح الصاد في الأصل مصدر، قال الجوهري: ويقال: صحبه وصحب به.
والصحابة: بمعنى الأصحاب واحده «صاحب» بمعنى الصحابي:
وهو من اجتمع بنبيّنا محمد ﷺ مؤمنا به بعد نبوّته في حال حياة كلّ؛ اجتماعا متعارفا بأن يكون في الأرض على العادة، بخلاف ما يكون في السماء، أو بين السماء والأرض؛ وإن لم يره؛ أو لم يرو عنه شيئا، أو لم يميّز- على الصحيح-.
وأمّا قولهم «ومات على الإسلام» !! فهو شرط لدوام الصحبة؛ لا لأصلها.
وقيل في تعريفه غير ذلك.
стр. 492
.........
وتعرف الصحبة: ١- بالتّواتر، أو ٢- الاستفاضة، أو ٣- قول صحابيّ، أو ٤- قوله (أنا صحابي) إذا كان عدلا؛ وأمكن ذلك، فإن ادّعاه بعد مائة سنة من وفاته ﷺ فإنّه لا يقبل. وزاد ابن حجر ٥- أن يخبر آحاد التابعين بأنّه صحابيّ؛ بناء على قبول التزكية من واحد- وهو الراجح-.
والصحابة كلهم عدول؛ من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتدّ به.
وأكثرهم حديثا أبو هريرة، ثم ابن عمر، ثم أنس بن مالك، ثم عائشة أم المؤمنين، ثم ابن عبّاس، ثم جابر بن عبد الله، ثم أبو سعيد الخدري. وقد نظمهم من قال:
سبع من الصّحب فوق الألف قد نقلوا ... من الحديث عن المختار خير مضر
أبو هريرة سعد جابر أنس ... صدّيقة وابن عبّاس كذا ابن عمر
وأكثرهم فتيا ابن عبّاس؛ قاله أحمد ابن حنبل.
وقال ابن حزم: أكثر الصحابة فتوى مطلقا سبعة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عبّاس، وزيد بن ثابت، وعائشة. قال: ويمكن أن يجمع من فتيا كلّ واحد من هؤلاء مجلّد ضخم.
قال: ويليهم عشرون: أبو بكر، وعثمان، وأبو موسى، ومعاذ، وسعد بن أبي وقّاص، وأبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسلمان، وجابر، وأبو سعيد، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية، وابن الزبير، وأمّ سلمة.
قال: ويمكن أن يجمع من فتيا كلّ واحد منهم جزء صغير.
قال: وفي الصحابة نحو مائة وعشرين نفسا يقلّون في الفتيا جدّا، لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والثلاث؛ كأبي بن كعب، وأبي الدرداء، وأبي طلحة، والمقداد. ثمّ سرد الباقين. انتهى نقله عن السيوطي رحمه الله تعالى.
ومن الصحابة العبادلة؛ وهم ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وابن
стр. 493
.........
عمرو بن العاص. وليس ابن مسعود منهم، لأنّه تقدّم موته قبل حدوث الاصطلاح، وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم فإذا اجتمعوا على شيء قيل «هذا قول العبادلة» ، وكذا ليس منهم من يسمّى عبد الله من الصحابة، فلا يطلق عليهم العبادلة؛ وهم جماعة يبلغون نحو ثلثمائة رجل.
قال أبو زرعة الرازي: قبض رسول الله ﷺ عن مائة ألف وأربعة عشر ألفا من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه، وأفضلهم على الإطلاق أبو بكر الصدّيق، ثم عمر بن الخطاب الفاروق رضي الله تعالى عنهما بإجماع أهل السنة، ثم عثمان بن عفان ذو النورين، ثم علي بن أبي طالب، هذا قول جمهور أهل السنة.
قال أبو منصور البغداديّ: أصحابنا مجمعون على أنّ أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم تمام العشرة المشهود لهم بالجنة: سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة: عامر بن الجراح، ثم أهل بدر وهم ثلثمائة وبضعة عشر، ثم أهل أحد، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية.
وممّن له مزيّة أهل العقبتين من الأنصار، والسابقون الأوّلون؛ وهم من صلّى إلى القبلتين.
ووردت أحاديث في تفضيل أعيان من الصحابة مذكورة في كتب السنة؛ فلتراجع من هناك.
وأوّل الصحابة إسلاما! قيل: أبو بكر الصديق، وقيل: علي، وقيل: زيد، وقيل: خديجة؛ وهو الصواب عند جماعة من المحققين. والأورع أن يقال أوّل من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد، ومن العبيد بلال.
وآخرهم موتا على الإطلاق أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي وفضائلهم كثيرة شهيرة نكتفي منها بهذا القدر.
стр. 494
رضي الله تعالى عنهم يلبسون ذكورهم الصّغار يوم العيد أحسن ما يقدرون عليه من الحليّ، والمصبّغات من الثّياب.
وكان له ﷺ ثوبان لجمعته خاصّة سوى ثيابه في غير الجمعة، ...
(رضي الله تعالى عنهم) أجمعين آمين، ورزقنا محبّتهم والأدب معهم، وحشرنا في زمرتهم تحت لواء صاحب الحوض المورود والمقام المحمود ﷺ .
(يلبسون ذكورهم الصّغار يوم العيد) مأخوذ من العود؛ وهو التكرار لتكرّره كلّ عام، أو لعود السرور بعوده، أو لكثرة عوائد الله تعالى؛ أي: إفضاله على عباده فيه، أو لعود كلّ فيه لقدره ومنزلته، هذا يضيف وذاك يضاف، وذا يرحم وذاك يرحم. وأصله: عود؛ قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وجمع على أعياد، مع أنّ كون أصله الواو يقتضي جمعه على أعواد؛ فرقا بذلك بينه وبين أعواد الخشب. انتهى شرح الأذكار» .
(أحسن ما يقدرون عليه من الحليّ) - بضمّ أوّله مع كسر اللام وتشديد الياء- واحده حلي- بفتح الحاء وإسكان اللام-: اسم لكلّ ما يتزيّن به من مصاغ الذهب والفضّة، (والمصبّغات) - بتشديد الموحدة- (من الثّياب) - مما يجوز لبسه؛ كالمصبوغ بالورس والعصفر- على الخلاف-، وهي من أحسن الثياب الموجودة في ذلك العصر، لأنّه يسنّ التزيّن بأحسن الثياب وأرفعها قيمة في العيدين، والجديد أولى؛ ولو كان غير أبيض في العيدين- بخلاف الجمعة- فإنّ الأبيض فيها أفضل من غيره؛ ولو كان الغير جديدا وذا قيمة. والفرق: أن القصد في العيد: إظهار النعم وإشهار الزينة؛ وهما بالأرفع قيمة أنسب، والقصد في الجمعة: إظهار التواضع.
(و) في «كشف الغمّة» للعارف الشعراني، و «إحياء علوم الدين» للإمام حجّة الإسلام الغزالي: (كان له ﷺ ثوبان لجمعته خاصّة سوى ثيابه في غير الجمعة) .
стр. 495
وربّما لبس الإزار الواحد ليس عليه غيره؛ يعقد طرفيه بين كتفيه، وربّما أمّ به النّاس على الجنائز، وربّما صلّى في بيته في الإزار الواحد ملتحفا به مخالفا بين طرفيه، ويكون ذلك الإزار هو الّذي جامع فيه يومئذ.
قال العراقيّ: رواه الطبراني في «الصغير» و «الأوسط» ؛ من حديث عائشة بسند ضعيف- زاد: فإذا انصرف طويناهما إلى مثله. وقد تقدّم قريبا في الشرح، ويعارضه حديث عائشة عند ابن ماجه: ما رأيته يسبّ أحدا، ولا يطوى له ثوب.
قلت: ويمكن الجمع بينهما بأن يستثنى؛ أي: غير ثوبي الجمعة. وقد تقدّم أنّه كان له برد أخضر يلبسه للجمعة والعيد.
(وربّما لبس) ﷺ (الإزار الواحد ليس عليه غيره، يعقد طرفيه بين كتفيه) .
قال العراقي: روى الشيخان؛ من حديث عمر في حديث اعتزاله أهله: فإذا عليه إزاره، وليس عليه غيره.
وللبخاريّ؛ من رواية محمد بن المنكدر صلى بنا جابر في إزار قد عقده من قبل قفاه وثيابه موضوعة على المشجب. وفي رواية له: وهو يصلّي في ثوب ملتحفا به ورداؤه موضوع. وفيه: رأيت النبي ﷺ يصلي هكذا.
(وربّما أمّ به النّاس على الجنائز) . قال العراقي: لم أقف عليه.
(وربّما صلّى في بيته في الإزار الواحد ملتحفا به مخالفا بين طرفيه) ؛ يدلّ له حديث جابر السابق آنفا. (ويكون ذلك الإزار هو الّذي جامع فيه يومئذ) .
قال العراقيّ: روى أبو يعلى بإسناد حسن؛ من حديث معاوية قال: دخلت على أمّ حبيبة زوج النبي ﷺ ؛ فرأيت النبي ﷺ يصلي في ثوب واحد، فقلت: يا أمّ حبيبة؛ أيصلّي النبي ﷺ في الثوب الواحد!؟ قالت: نعم، وهو الذي كان فيه ما كان- يعني: الجماع-. ورواه الطبراني في «الأوسط» .
стр. 496
وكان إذا قدم عليه الوفد.. لبس أحسن ثيابه، وأمر علية أصحابه بذلك. وكان رداؤه ﷺ طوله ستّة أذرع، في ثلاثة وشبر. وكان إزاره أربعة وشبرا، في عرض ذراعين وشبر.
(و) أخرج البغويّ في «معجمه» ؛ عن جندب بن مكيث- بوزن عظيم؛ آخره مثلثة؛ ابن عمر بن جراد، مديني له صحبة- عن النبي ﷺ أنّه (كان ﷺ إذا قدم عليه الوفد) - جمع وافد؛ كصحب جمع صاحب، يقال: وفد الوافد يفد وفدا ووفادة؛ إذا خرج إلى نحو ملك لأمر- (لبس أحسن ثيابه) لأنّه أهيب وأدعى لامتثال أمره والعمل بوعظه، وسيأتي قريبا في الشرح أنّ ثوبه الذي كان يخرج فيه إلى الوفد القادمين عليه أخضر. (وأمر علية) - بكسر العين وسكون اللام- (أصحابه) ؛ أي: معظمهم؛ وهم: من كان عنده ثياب حسنة أمره (بذلك) ؛ أي: بلبسها، لأنّ ذلك يرجّح في عين العدو ويكبته، فهو يتضمّن إعلاء كلمة الله تعالى ونصر دينه وغيظ عدوّه، فلا يناقض ذلك خبر «البذاذة من الإيمان» ، لأنّ التجمّل المنهيّ عنه ثمّ: ما كان على وجه الفخر والتعاظم، وليس ما هنا من ذلك القبيل. انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
وقال في «شرح الشمائل» : ويسنّ لكلّ أحد مؤكّدا حسن الهيئة ومزيد التجمّل، والنظافة في الملبوس، لكن المتوسّط نوعا بقصد التواضع أفضل من الأرفع، فإن قصد به إظهار النعمة والشكر عليها! احتمل التساوي للتعارض، وأفضلية الأول!! لكونه لا حظ فيه للنفس بوجه وأفضلية الثاني للخبر الحسن:
«إنّ الله يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده» .
(و) في «كشف الغمّة» للعارف الشعراني: (كان رداؤه ﷺ طوله ستّة أذرع في ثلاثة وشبر، وكان إزاره أربعة وشبرا في عرض ذراعين وشبر) .
قال ابن حجر الهيتمي: وكان إزاره ﷺ أربعة أذرع وشبرا؛ في عرض ذراعين وشبر، وكان طول ردائه ستّة أذرع؛ وعرضه ثلاثة أذرع وشبرا، أو شبرين.
стр. 497
ولبس ﷺ الأبراد الّتي فيها خطوط حمر.
وكان ينهى أصحابه عن لبس الأحمر الخالص.
وقيل: أربعة أذرع ونصف؛ في عرض ذراعين وشبر. وقيل: أربعة أذرع؛ في عرض ذراعين ونصف. انتهى؛ نقله المناويّ في «شرح الشمائل» .
وتعقّبه بقوله: «وفي بعض ما ذكره نظر!! فقد روى أبو الشيخ في كتاب «أخلاق المصطفى ﷺ » من رواية عروة بن الزبير مرسلا: كان طول رداء النبي ﷺ أربعة أذرع وعرضه ذراعين ونصف ... الحديث. قال الحافظ العراقيّ: وفيه ابن لهيعة.
وفي «طبقات ابن سعد» ؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: كان له إزار من نسج عمان طوله أربعة أذرع وشبر في ذراعين وشبر.
وفي «الوفا» لابن الجوزي: كان طول إزاره أربعة أذرع وعرضه ذراعين ونصفا. وروى الدّمياطي: أنّ رداءه الذي كان يخرج فيه للوفود أخضر في طول أربعة أذرع وعرضه ذراعان وشبر. انتهى كلام المناوي.
(ولبس ﷺ الأبراد) - جمع برد؛ وهو عند أهل اللسان: ثوب مخطّط، والمراد هنا الأبراد (الّتي فيها خطوط حمر) ، لا بحتا، إذ لو كانت كذلك لا تكون برودا.
روى الطبراني؛ من حديث ابن عبّاس أنّه كان يلبس يوم العيد بردة حمراء. قال الحافظ الهيثمي: ورجاله ثقات. وروى البيهقيّ في «السنن» : أنّه كان يلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة. انتهى مناوي؛ على «الشمائل» .
قال في «جمع الوسائل» : وأمّا ما روي «أنّه ﷺ كان يلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة» !! فمحمول على المخطّط بخطوط حمر؛ كما يدلّ عليه البرد. انتهى.
(و) في «كشف الغمة» للعارف الشعراني: (كان ينهى أصحابه عن لبس الأحمر الخالص) ، ففي «صحيح مسلم» ؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما
стр. 498
.........
قال: رأى النبي ﷺ عليّ ثوبين معصفرين؛ فقال: «إنّ هذا لباس الكفّار، فلا تلبسهما» .
وفي «صحيح البخاري» من حديث طويل؛ عن البراء أنّه ﷺ نهى عن المياثر الحمر. قال ابن القيّم: فالأحمر البحت منهيّ عنه أشدّ النهي، وفي جواز لبس الأحمر من الثياب والجوخ وغيرهما نظر، وأمّا كراهته! فشديدة. وأورد الحديثين السابقين.
والجواب عن الحديث الأوّل: أنّه إنّما نهى ابن عمر عن ذلك!! لأنّه لباس الكفار؛ وكانوا كثيرا، لا لكونه أحمر فمحطّ النهي التشبّه بهم. وقد ارتفع ذلك فصار داخلا في عموم المباح.
والجواب عن حديث البراء: أنّه يحتمل أن المياثر من حرير، فنهى عنها لأجله، ويحتمل أن يكون النهي لحمرتها، فلا حجّة فيه.
قال النووي: اختلف العلماء في الثياب المعصفرة؛ وهي المصبوغة بعصفر!! فأباحها جميع العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وبه قال الإمام الشافعي، وأبو حنيفة، ومالك؛ لكنه قال: غيرها أفضل منها، فهي خلاف الأولى.
وقال جماعة من العلماء: هو مكروه كراهة تنزيه، ومن هؤلاء مالك والشافعي في المعتمد من مذهبيهما، وحملوا النهي الوارد في «الصحيحين» عن أنس: نهى النبي ﷺ أن يتزعفر الرجل!! حملوه على هذا المذكور من كراهة التنزيه، لأنّه ثبت أنه ﵊ لبس حلّة حمراء؛ فلبسه لبيان الجواز لا ينافي نهيه، لأنّ النهي للكراهة، والفعل لبيان الجواز.
وفي «الصحيحين» ؛ من حديث ابن عمر أنّه ﷺ صبغ بالصّفرة؛ أي:
الورس، كما في رواية أبي داود. وأمّا حديث عمران عند الطبراني: «إيّاكم والحمرة، فإنّها أحبّ الزّينة إلى الشّيطان» !! ففي إسناده ضعف، وحديث رافع بن خديج: «أنّه ﷺ رأى الحمرة قد ظهرت فكرهها» رواه أحمد!! لا يدلّ
стр. 499
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «عليكم بالبياض من الثّياب؛ ليلبسها أحياؤكم، وكفّنوا فيها موتاكم؛ فإنّها من خير ثيابكم» .
على التحريم لحمل الكراهة على التنزيه؛ جمعا بين الأدلّة. انتهى ملخصا من «المواهب» للقسطلاني؛ مع شيء من الشرح.
قلت: قال في «بشرى الكريم» : نصّ أصحابنا- معاشر الشافعية- على حرمة لباس الثوب المزعفر، وكذا نصّوا على حرمة المعصفر؛ سواء صبغ قبل نسجه أم بعده؛ أخذا بإطلاقهم كما صحّت به الأحاديث، واختاره البيهقي وغيره.
ولم يبالوا بنصّ الشافعي على حلّه، ولا بكون جمهور العلماء على حلّه.
وجرى محمد الرملي والخطيب الشربيني على حلّ المعصفر مطلقا. والمعتمد في المورّس حلّه، لما صحّ أنّه ﷺ كان يصبغ ثيابه بالورس حتّى عمامته، ويحلّ استعمال الورس والزّعفران في البدن على خلاف كبير. انتهى كلام «بشرى الكريم» .
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» ؛ (عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «عليكم بالبياض) - أي: الزموا لبس الأبيض، ف «عليكم» اسم فعل بمعنى «الزموا» . والمراد من البياض الأبيض، بولغ فيه حتّى كأنّه عين البياض على حدّ «زيد عدل» كما يرشد لذلك بيانه بقوله- (من الثّياب، ليلبسها) - بلام الأمر وفتح الموحدة- (أحياؤكم) - أي: البسوها وأنتم أحياء، فيسنّ لبسها، ويحسن إيثارها في المحافل كشهود الجمعة وحضور المسجد والمجالس التي فيها مظنّة لقاء الملائكة؛ كمجالس القراءة والذّكر- (وكفّنوا) أي: لتكفنوا أو هو التفات- (فيها موتاكم) - أي: لمواجهة الميت للملائكة، وقد تقدّم أنّها تطلب لمظنّة لقاء الملائكة- (فإنّها) - أي: البيض- (من خير ثيابكم» ) . وهذا بيان لفضل البياض من الثياب، ويليها الأخضر، ثم الأصفر.
стр. 500
وفي «المواهب» : عن عروة: ...
واعلم أنّ وجه إدخال هذا الحديث في باب لباسه ﷺ لا يخلو عن خفاء، إذ ليس فيه تصريح بأنّه كان يلبس البياض، لكن يفهم من حثّه على لبس البياض أنّه كان يلبسه، وقد ورد التصريح بأنّه كان يلبسه فيما رواه الشيخان؛ عن أبي ذر حيث قال: أتيت النبي ﷺ وعليه ثوب أبيض ... الحديث.
وقد وردت أحاديث كثيرة في الحثّ على لبس الأبيض من الثياب؛
منها: ما أخرجه الترمذي في «الشمائل» ؛ عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : «البسوا البياض، فإنّها أطهر وأطيب، وكفّنوا فيها موتاكم» .
ومنها ما أخرجه أصحاب «السنن» ؛ عن سمرة بن جندب: «عليكم بهذه الثّياب البيض، ليلبسها أحياؤكم، وكفّنوا فيها موتاكم» وقال الترمذي: حسن صحيح.
وأخرجه أيضا الإمام أحمد، وابن سعد، والروياني، والطبراني، والبيهقي، والضياء بزيادة: «فإنّها من خير ثيابكم» .
ومنها ما أخرجه ابن ماجه، والحاكم وغيرهما؛ من حديث ابن عبّاس: «خير ثيابكم البيض، فالبسوها أحياء، وكفّنوا فيها موتاكم» . قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. انتهى شرح «الإحياء» ؛ مع زيادة.
(وفي «المواهب) اللّدنّيّة» للعلّامة القسطلّاني؛ (عن) أبي عبد الله (عروة) بن الزّبير بن العوّام بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ القرشي الأسدي المدني، التابعي الجليل، فقيه المدينة المنورة، أحد الفقهاء السبعة.
سمع أباه، وأخاه: عبد الله، وأمّه أسماء بنت أبي بكر، وخالته عائشة، وسعيد بن زيد، وحكيم بن حزام، وابنه هشام بن حكيم، والعبادلة الأربعة.
وغيرهم من الصحابة والتابعين.
روى عنه عطاء، وابن أبي مليكة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والزهري،
стр. 501
أنّ طول رداء النّبيّ ﷺ أربعة أذرع، وعرضه ذراعان وشبر. وفيها: لطيفة: قيل: لمّا كان رسول الله ﷺ لا يبدو منه إلّا طيب.. كان آية ذلك في بدنه الشّريف أنّه لا يتّسخ له ثوب. قيل: ولم يقمل ثوبه.
وقال ابن سبع في «الشّفا» ، والسّبتيّ ...
وعمر بن عبد العزيز، وبنوه: هشام ومحمد ويحيى وعبد الله وعثمان؛ بنو عروة، وخلائق من التابعين وغيرهم.
وكان بحرا لا يكدّر، وكان ثقة كثير الحديث، فقيها عالما، مأمونا ثبتا، وهو مجمع على جلالته وعلوّ مرتبته ووفور علمه. ومناقبه كثيرة مشهورة.
ووفاته سنة: - ٩٤- أربع وتسعين من الهجرة في قول الجمهور. وقال البخاري: سنة: - ٩٩- تسع وتسعين، رحمه الله تعالى:
(أنّ طول رداء النّبيّ ﷺ أربعة أذرع، وعرضه ذراعان وشبر) وعزاه لتخريج الدمياطي وهو مرسل، ورواه أبو الشيخ في «الأخلاق النبوية» ؛ عن عروة بلفظ:
وعرضه ذراعان ونصف. قال الحافظ العراقي: وفيه ابن لهيعة.
(وفيها) ؛ أي «المواهب» : (لطيفة) :؛ (قيل: لمّا كان رسول الله ﷺ لا يبدو) : يظهر (منه إلّا طيب كان آية) : علامة (ذلك في بدنه) : جسده (الشّريف أنّه لا يتّسخ له ثوب) ، فما اتّسخ له ثوب قطّ. (قيل: ولم يقمل) بفتح الميم- (ثوبه) قطّ، أي: لم يوجد فيه شيء من قمل؛ وإن كانت المادة للتكثير.
(وقال) أبو الربيع سليمان (بن سبع) - بإسكان الموحدة وقد تضم- (في) كتاب ( «الشّفا» ، و) قال (السّبتيّ) - بفتح السين وسكون الموحدة ففوقية نسبة إلى «سبتة» : مدينة بالمغرب. وجزم الرشاطي بأن «سبتة» بالفتح، والتي ينسب إليه السّبتي- بالكسر-؛ قاله ابن حجر في «التبصير» .
стр. 502
في «أعذب الموارد وأطيب الموالد» : لم يكن القمل يؤذيه تعظيما له وتكريما ﷺ . ثمّ قال: ونقل الفخر الرّازيّ: ...
(في) كتاب ( «أعذب الموارد وأطيب الموالد» ) «١» ؛ قالا:
(لم يكن القمّل يؤذيه) لعدم وجوده في ثيابه؛ (تعظيما له، وتكريما ﷺ ، ولفظ ابن سبع: لم يكن فيه قمل لأنّه نور، ولأنّ أصل الذباب من العفونة؛ ولا عفونة فيه، وأكثره من العرق؛ وعرقه طيب!!
لكن يشكل عليه ما رواه أحمد والترمذي في «الشمائل» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ومن لازم التفلّي وجود شيء يؤذيه في الجملة: إمّا قملا؛ أو برغوثا، أو نحو ذلك.
ويمكن أن يجاب بأن التفلّي لاستقذار ما علق بثوبه الشريف من غيره، ولو لم يحصل منه أذى في حقّه ﷺ . وهذا فيه بحث، لأنّ أذى القمل هو غذاؤه من البدن على ما أجرى الله العادة، وإذا امتنع الغذاء لا يعيش الحيوان عادة.
(ثمّ قال) ؛ أي: القسطلّاني في «المواهب» : (ونقل الفخر الرّازيّ) بالراء والزاي بينهما ألف آخره ياء- نسبة إلى الري؛ وهي: مدينة كبيرة مشهورة من بلاد الدّيلم بين قومس والجبال، وألحقوا الزاي في النسب على خلاف القياس.
وهو الإمام المفسّر المتكلّم الأصولي: محمد بن عمر بن الحسين بن علي القرشي التيمي البكري الشافعي، أبو المعالي وأبو عبد الله؛ المعروف ب «الفخر الرازي» ، ويقال له «ابن الخطيب» ؛ أي: خطيب الري.
وأصله من طبرستان، ومولده في الري سنة: - ٥٤٣- ثلاث- أو أربع- وأربعين وخمسمائة، ورحل إلى خوارزم وما وراء النهر وخراسان؛ حتّى صار أحد الفقهاء الشافعية الفحول، وأوحد زمانه في المعقول والمنقول، وإمام الدنيا في عصره بلا مدافع، رئيس المتكلّمين والمحققين في وقته بلا منازع.
стр. 503
إنّ الذّباب لا يقع على ثيابه قطّ، وإنّه لا يمتصّ دمه البعوض.
وألّف المؤلفات النافعة المشهورة نحو مائتي مصنّف؛ منها التفسير الحافل المسمّى «مفاتيح الغيب» في ثمانية مجلدات، وكتاب «المحصول في علم الأصول» ، و «المطالب العالية في علم الكلام» .
وأقبل الناس على كتبه في حياته يتدارسونها، وكان يحسن الفارسية، وكان معظّما عند ملوك خوارزم وغيرهم، وبنيت له مدارس كثيرة في بلاد شتّى، وكان يعظ ويحضر في مجلس وعظه الملوك والوزراء، والعلماء والأمراء، والفقراء والعامة.
وكان له عبادات وأوراد، ولا كلام في فضله، وكان مع غزارة علمه في فنّ الكلام يقول: «من لزم مذهب العجائز كان هو الفائز» .
وكانت وفاته في ذي الحجة، قيل: بسبب السّمّ، لأن الكرّامية كانوا يبغضونه لتزييفه مذهبهم وإقامة الحجج والبراهين عليهم، فدسوا عليه من سقاه سمّا، فمات ففرحوا بموته، وذلك سنة: - ٦٠٦- ست وستمائة هجرية رحمه الله تعالى.
(إنّ الذّباب) . اسم جنس؛ واحده ذبابة يقع على المذكّر والمؤنّث، ويجمع الذباب على «ذبّان» - بالكسر- كغربان، و «ذبّان» - بالضم- كقضبان، وعلى أذبّة كأغربة، وهو أجهل الحيوانات لأنّه يرمي نفسه في المهلكات، ومدّة حياته أربعون يوما، وأصل خلقته من العفونات، ثم يتوالد بعضه من بعض؛ يقع روثه على الشيء الأبيض فيرى أسود، وعلى الأسود يرى أبيض، والذباب مأخوذ من ذبّ:
إذا طرد، وآب: إذا رجع، لأنّك تذبّه فيرجع عليك. انتهى «حواشي الجلالين» .
(لا يقع على ثيابه قطّ، وإنّه لا يمتصّ دمه البعوض) . وتعقّب ذلك كلّه بعضهم بعدم ثبوته؛ قاله الزرقاني.
والبعوض!! قال في «الخازن» : صغار البقّ، وهو من عجيب خلق الله
стр. 504
وكان رسول الله ﷺ يلبس قلنسوة بيضاء.
و (القلنسوة) : غشاء مبطّن يستر الرّأس.
تعالى، فإنّه في غاية الصّغر؛ وله ستة أرجل وأربعة أجنحة، وذنب، وخرطوم مجوّف، وهو مع صغره يغوّص خرطومه في جلد الفيل، والجاموس، والجمل؛ فيبلغ منه الغاية حتّى إنّ الجمل يموت من قرصته. انتهت عبارته.
(و) أخرج الطبرانيّ في «الكبير» ، وأبو الشيخ، والبيهقيّ في «الشعب» ، عن ابن عمر بن الخطاب قال: (كان رسول الله ﷺ يلبس قلنسوة) - بفتح القاف واللام وسكون النون وضم السين المهملة وفتح الواو- من ملابس الرأس كالبرنس الذي تغطى به العمامة من نحو شمس ومطر؛ قاله المناوي.
(بيضاء) ، وفي رواية لابن عساكر في «التاريخ» ؛ عن عائشة: كان يلبس قلنسوة بيضاء لاطئة. أي: لاصقة برأسه غير مقبية. أشار به إلى قصرها وخفّتها.
وأخرج أبو الشيخ؛ من حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما:
كان لرسول الله ﷺ ثلاث قلانس: قلنسوة بيضاء مضرّبة، وقلنسوة برد حبرة، وقلنسوة ذات آذان يلبسها في السفر، وربّما وضعها بين يديه إذا صلّى. وإسناده ضعيف.
قال الحافظ العراقي في «شرح الترمذي» : وأجود إسناد في القلانس ما رواه أبو الشيخ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان يلبس القلانس في السّفر ذوات الآذان، وفي الحضر المضمرة- يعني الشامية-.
(والقلنسوة) بوزن: فعنلوة، قال الفرّاء في «شرح الفصيح» : هي (غشاء) أسود؛ أو أبيض أو غيرهما (مبطّن) - بتشديد الطاء المهملة وآخره نون- أي: له بطان، أي: يشتمل على بطانة وظهارة، وقد لا يكون له بطان.
(يستر الرّأس) ، أي: يلبس في الرأس وتلفّ عليه العمامة كالطربوش ونحوه.
стр. 505
وكان ﷺ يلبس القلانس تحت العمائم وبغير العمائم، ويلبس العمائم بغير القلانس، وكان يلبس القلانس اليمانيّة؛ وهنّ البيض المضرّبة، ويلبس القلانس ذوات الآذان في الحرب.
وكان ربّما نزع قلنسوته، فجعلها سترة بين يديه وهو يصلّي، وربّما لم تكن العمامة، فيشدّ العصابة على رأسه وعلى جبهته.
(و) أخرج الرّوياني في «مسنده» ، وابن عساكر في «تاريخه» ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان) رسول الله ﷺ يلبس القلانس) - جمع قلنسوة- (تحت العمائم) جمع عمامة- (و) تارة يلبسها (بغير العمائم) .
الظاهر أنّه كان يفعل ذلك في بيته، وأمّا إذا خرج للناس؛ فيظهر أنّه كان لا يخرج إلّا بالعمامة يلفّها عليها للهيبة الباعثة على امتثال أمره.
(ويلبس العمائم بغير القلانس، وكان يلبس القلانس اليمانيّة؛ وهنّ البيض المضرّبة) ؛ أي: المحشوّة، (ويلبس القلانس ذوات الآذان في الحرب) ، حال كونه في الحرب.
(وكان ربّما نزع قلنسوته) من فوق رأسه؛ (فجعلها سترة بين يديه؛ وهو يصلّي) ، الظاهر أنّه كان يفعل ذلك عند عدم تيسّر ما يستتر به، أو بيانا للجواز.
قال بعض الشافعية فيه وفيما قبله: لبس القلنسوة اللاطئة بالرأس والمرتفعة، والمضربة وغيرها؛ تحت العمامة وبلا عمامة: كلّ ذلك ورد؛ قاله المناوي.
(وربّما لم يكن) ؛ أي: لم توجد (العمامة، فيشدّ العصابة) - بكسر العين المهملة-: كلّ ما عصب به الرأس من منديل؛ أو خرقة ونحوهما (على رأسه؛ وعلى جبهته) . ذكره في «الإحياء» .
قال العراقي: رواه البخاريّ؛ من حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما:
стр. 506
وكان رسول الله ﷺ إذا اعتمّ.. سدل عمامته بين كتفيه.
صعد النبي ﷺ المنبر قد عصب رأسه بعصابة دسماء ... الحديث.
(و) أخرج الترمذي في «الجامع» و «الشمائل» ؛ عن عمر بن الخطاب ﵄ وقال حسن غريب-: (كان رسول الله ﷺ إذا اعتمّ) ؛ أي: لفّ العمامة على رأسه (سدل عمامته) - أي: أرخاها- (بين كتفيه) من خلفه نحو ذراع؛ وفيه مشروعية العذبة، فهي سنّة.
قال نافع: وكان ابن عمر يفعل ذلك. قال عبيد الله: ورأيت القاسم بن محمد وسالما يفعلان ذلك؛ هذا تمام رواية الترمذي.
قال الحافظ ابن حجر: وأمّا مالك! فقال: إنّه لم ير أحدا يفعله إلّا عامر بن عبد الله بن الزبير. انتهى. وفي بعض طرق الحديث أنّ الّذي كان يرسله بين كتفيه هو الطرف الأعلى؛ وهو يسمّى «عذبة» لغة.
ويحتمل أنّه الطرف الأسفل حتى يكون عذبة في الاصطلاح العرفي الآن.
ويحتمل أنّ المراد الطّرفان معا، لأنّه ورد أنّه قد أرخى طرفيها بين كتفيه؛ بلفظ التثنية، وفي بعض الروايات «طرفها» بلفظ الإفراد، ولم يكن ﷺ يسدل عمامته دائما، بدليل رواية مسلم: أنّه ﷺ دخل مكّة بعمامة سوداء. من غير ذكر السّدل.
وصرّح ابن القيّم بنفيه؛ قال: لأنّه ﷺ كان على أهبة من القتال والمغفر على رأسه فلبس في كلّ موطن ما يناسبه؛ كذا في «الهدي النبوي» . وبه عرف ما في قول صاحب «القاموس» : لم يفارقها قط!!
وقد استفيد من الحديث أنّ العذبة سنّة، وكأنّ حكمة سنّها: ما فيها من تحسين الهيئة، وإرسالها بين الكتفين أفضل. وإذا وقع إرسالها بين اليدين- كما يفعله الصوفية وبعض أهل العلم- فهل الأفضل إرسالها من الجانب الأيمن؛ لشرفه، أو من الجانب الأيسر؛ كما هو المعتاد!! وفي حديث أبي أمامة؛ عند الطبراني ما يدلّ على تعيين الأيمن، لكنّه ضعيف.
стр. 507
وكان ﷺ يدير العمامة على رأسه ويغرزها من ورائه، ويرسل لها ذؤابة بين كتفيه.
واستحسن الصوفية إرسالها من الجانب الأيسر، لكونه جانب القلب، فيتذكّر تفريغه مما سوى ربّه. قال بعض الشافعية: ولو خاف من إرسالها نحو خيلاء!! لم يؤمر بتركها؛ بل يفعلها ويجاهد نفسه، وأقلّ ما ورد في طولها أربع أصابع، وأكثر ما ورد فيه ذراع وبينهما شبر، ويحرم إفحاشها بقصد الخيلاء.
وقد جاء في العذبة أحاديث كثيرة- ما بين صحيح وحسن- ناصّة على فعل المصطفى ﷺ لها لنفسه، ولجماعة من صحبه، وعلى أمره به، فهي سنّة مؤكّدة محفوظة لم يتركها الصلحاء. انتهى. باجوري على «الشمائل» .
(و) أخرج الطبرانيّ في «الكبير» ، والبيهقيّ في «شعب الإيمان» - بسند قال فيه الحافظ الهيثمي؛ عقب عزوه للطبراني: رجاله رجال الصحيح إلّا عبد السلام، وهو ثقة- عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان) رسول الله ﷺ يدير العمامة على رأسه ويغرزها) أي: يغرز طرفها (من ورائه) لتكون العذبة من خلف؛ لا من أمام (ويرسل لها ذؤابة) - بذال معجمة مضمومة، فواو، فألف، فموحّدة؛ مهموز-: ضفيرة الشعر المرسلة، فإن لويت!! فعقيصة.
وتطلق أيضا على طرف العمامة؛ وهي العذبة المرادة هنا.
والأفضل جعلها (بين كتفيه) ، فإنّه أكثر أحواله ﷺ ، وحديثه أصحّ، وتارة يجعلها عن يمينه قريبة من الأذن اليمنى.
وقد استدلّ جمع بكون المصطفى ﷺ أرسلها بين الكتفين تارة، وإلى الجانب الأيمن أخرى، على أنّ كلا سنّة. وهذا الحديث مصرّح بأنّ أصل العذبة سنّة؛ وهو مفاد الأحاديث فإلى سنية أصلها سنية إرسالها إذا أخذت من فعله ﷺ .
قال السيوطي: من علم أنّ العذبة سنّة وتركها استنكافا أثم؛ أو غير مستنكف؛ فلا.
стр. 508
وكان ﷺ إذا اعتمّ.. سدل عمامته بين كتفيه، وفي أوقات كان يضمّها ويرشقها، وأوقات لا يرخيها جملة.
وروى أبو الشيخ ابن حيّان في كتاب «أخلاق النبي ﷺ » من حديث ابن عمر؛ قال أبو عبد السلام بن أبي حازم: قلت لابن عمر: كيف كان رسول الله ﷺ يعتمّ؟! قال: يدير كور العمامة على رأسه، ويغرسها من ورائه، ويرخي لها ذؤابة بين كتفيه.
قال الحافظ العراقي: هذا الحديث يقتضي أنّ الذي كان يرسله بين كتفيه من الطرف الأعلى. انتهى «زرقاني» .
(و) في «كشف الغمّة» للعارف الشعراني: (كان) رسول الله ﷺ إذا اعتمّ) - بتشديد الميم؛ أي: لفّ عمامته على رأسه- (سدل عمامته) - أي:
أرخى طرفها الذي يسمى: العذبة- (بين كتفيه) .
قال الزين العراقي: وهل المراد سدل الطرف الأسفل حتى يكون عذبة؛ أو الأعلى بحيث يغرزها ويرسل منها شيئا خلفه!! كلّ محتمل؛ ولم أر التصريح يكون المرخيّ من العمامة عذبة إلا في حديث واحد مرسل؛ مع أنّ العذبة لغة: الطرف، فالطرف الأعلى يسمى «عذبة» لغة؛ وإن تخالفا للاصطلاح العرفي الآن.
وفي بعض طرق الحديث أنّ الذي كان يرسله بين كتفيه من الطرف الأعلى، ويحتمل أنّ المراد الطرفان معا. إلى هنا كلامه؛ نقله المناوي في «شرح الشمائل» .
(وفي أوقات كان يضمّها ويرشقها، وأوقات لا يرخيها جملة) .
وقد تحصّل ممّا تقدّم أن للابس العمامة أن لا يتّخذ عذبة، وله أن يتخذها من خلفه، أو من بين يديه، أو من بين يديه ومن خلفه معا، وأنّ الأفضل اتّخاذها، وأن تكون بين الكتفين؛ ثمّ المنكب الأيمن.
وفي «المدخل» : نقل مالك رحمه الله تعالى أنّهم كانوا يعتمّون حتى تطلع
стр. 509
وكان ﷺ كثيرا ما يلتحي بالعمامة من تحت الحنك كطريق المغاربة.
الثريّا، ومعنى ذلك أنّ طلوعها إنّما يكون في زمن الحر فيزيلونها. انتهى. قاله جسوس على «الشمائل» .
(و) في «كشف الغمّة» للعارف الشعراني رحمه الله تعالى: (كان) رسول الله ﷺ كثيرا ما يلتحي بالعمامة من تحت الحنك) - محركة: ما تحت الذّقن من الإنسان، قال السيوطيّ في «مختصر النهاية» : والتحنّك: التلحّي؛ وهو أن يدير العمامة من تحت الحنك- (كطريق المغاربة) ، أي: لما فيه من الفوائد التي منها أنّها تقي العنق الحرّ والبرد، وتثبتها عند ركوب الخيل وغيرها، وتغني عما اتّخذه كثيرون من كلاليب عوضا عن الحنك، وهذه اللّبسة أنفع اللّبسات، وأبعدها من التكلّف والمشقّة؛ قاله المناوي.
قال الحافظ عبد الحقّ الإشبيليّ: وسنّة العمامة بعد فعلها: أن يرخي طرفها ويتحنّك به، فإن كانت بغير طرف ولا تحنيك! فذلك يكره عند العلماء.
وفي «المدخل» : لا بدّ في العمامة من فعل سنن تتعلّق بها؛ من تناولها باليمين؛ وقول باسم الله، والذكر الوارد إن كان ما لبس جديدا، وامتثال السنّة في صفة التعمّم من التحنيك، والعذبة، وتصغير العمامة. انتهى.
ومنه أيضا؛ عن الغزالي: أنّ تعتمّ قائما، وتتسرول قاعدا.
ومنه أيضا: كان سيّدي أبو محمّد رحمه الله تعالى يقول: إنّما المكروه العمامة التي ليس فيها تحنيك ولا عذبة، فإن كانا معا فهو الكمال في امتثال السنّة، وإن كان أحدهما! فقد خرج به عن المكروه. ذكره جسوس؛ وهو مالكيّ المذهب- وقال المناوي: شافعيّ المذهب- في «شرح الشمائل» : ولا يسنّ تحنيك العمامة عند الشافعيّة، واختار بعض الحفّاظ ما عليه كثيرون؛ أنه يسنّ وهو تحديق الرقبة وما تحت الحنك واللّحية ببعض العمامة، وأطالوا في الاستدلال له بما ردّ عليهم،
стр. 510
وكانت له ﷺ عمامة تسمّى (السّحاب) ، فوهبها لعليّ رضي الله تعالى عنه، فربّما طلع عليّ فيها فيقول ﷺ : «أتاكم عليّ في السّحاب» .
وعن عليّ رضي الله تعالى عنه قال: عمّمني رسول الله ﷺ بعمامة سدل طرفها على منكبي، ...
وممّن جرى على ندبه ابن القيّم، وقد جاء أنّ النبي ﷺ كان يدخل عمامة تحت حنكه. انتهى كلام المناوي رحمه الله تعالى.
(و) في «الإحياء» ، و «كشف الغمّة» : (كانت له ﷺ عمامة) - بكسر العين- كما في «القاموس» وغيره، وحكى بعضهم ضمّها (تسمّى «السّحاب» ) وله عمائم أخرى غيرها؛ كما بيّنه الشامي (فوهبها لعليّ) بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه) وقد تقدّمت ترجمته.
(فربّما طلع عليّ فيها؛ فيقول ﷺ : «أتاكم عليّ في السّحاب» ) .
قال العراقيّ: رواه ابن عديّ، وأبو الشيخ؛ من حديث جعفر بن محمّد عن أبيه عن جده، وهو مرسل ضعيف جدا. ولأبي نعيم في «دلائل النبوّة» من حديث عمر، في أثناء حديث عمامته السحاب الحديث. انتهى.
ومن هنا اشتبه على الرافضة، فزعموا أنّ المراد بالسحاب التي في السماء؛ فقالوا: هو حيّ ورفع في السحاب، وهذا من ضلالهم وجهلهم بالسنّة. انتهى «شرح الإحياء» .
(و) روى ابن أبي شيبة، وأبو داود الطّيالسيّ، والبيهقي؛ (عن عليّ رضي الله تعالى عنه قال: عمّمني رسول الله ﷺ بعمامة سدل طرفها على منكبي.) لم يبيّن أهو الأيمن أو الأيسر، لكن سيأتي في الحديث بعده، ما يؤخذ منه أنّ المنكب هنا الأيمن.
стр. 511
وقال: «إنّ الله أمدّني يوم بدر ويوم حنين بملائكة معمّمين هذه العمّة» .
وقال: «إنّ العمامة حاجز بين المسلمين والمشركين» .
وكان ﷺ لا يولّي واليا حتّى يعمّمه، ويرخي لها عذبة من جانب الأيمن نحو الأذن.
(وقال: «إنّ الله أمدّني يوم بدر ويوم حنين بملائكة معمّمين هذه العمّة» ) بالكسر- فأحبّ فعل ما أمدّني به بمن أولّيه أو أعمّمه،
(وقال: «إنّ العمامة حاجز) - أي: مميّز- (بين المسلمين) - لأنّهم يتعمّمون- (والمشركين» ) لأنّهم لا عمائم لهم.
(و) روى الطبراني في «الكبير» بسند ضعيف؛ عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ لا يولّي واليا) ، أي: حاكما على جهة من جهات الإسلام (حتّى يعمّمه) بيده الشريفة، أي: يدير العمامة على رأسه (ويرخي لها عذبة) - بالذال المعجمة- من خلفه (من جانب الأيمن نحو الأذن) إشارة إلى أنّ من ولي من أمر الناس شيئا ينبغي أن يراعي من تجمل الظاهر ما يوجب تحسين صورته في أعينهم، حتى لا ينفروا عنه وتزدريه نفوسهم.
وفيه ندب العذبة، وعدّها السيوطيّ من خصائص هذه الأمة؛ قاله «المناوي على الجامع» .
ويؤخذ من هذا الحديث تعيين الجانب الذي تجعل فيه العذبة، لكن قال الحافظ الزين العراقيّ: وإذا وقع إرخاء العذبة من بين اليدين؛ كما يفعله الصوفية وبعض أهل العلم!! فهل المشروع فيه إرخاؤها من الجانب الأيسر كما هو المعتاد، أو الأيمن لشرفه؟ قال: ولم أر ما يدلّ على تعيين الأيمن إلّا في حديث ضعيف عند الطبرانيّ!! وبتقدير ثبوته؛ فلعلّه كان يرخيها من الجانب الأيمن، ثم يردّها إلى الجانب الأيسر؛ كما يفعله بعضهم، إلّا أنّه صار شعار الإماميّة، فينبغي تجنّبه لترك
стр. 512
وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: دخل رسول الله ﷺ مكّة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء.
التشبّه بهم. انتهى. نقله الزرقاني وغيره.
(و) أخرج مسلم، والترمذيّ في «الجامع» ، و «الشمائل» ، وأصحاب «السنن» (عن جابر) بن عبد الله الأنصاريّ- تقدّمت ترجمته- (رضي الله تعالى عنه، قال: دخل رسول الله ﷺ مكّة) زادها الله شرفا.
سمّيت مكة لقلّة مائها، من قولهم: «امتكّ الفصيل ضرع أمّه» إذا امتصّه، وقيل: لأنّها تمكّ الذنوب، أي: تذهب بها.
ولها أسماء كثيرة: بكة بالباء، والبلدة، والبلد الأمين، وأمّ القرى، وأم رحم، وصلاح؛ كقطام، والباسّة، وغيرها. وكثرة الأسماء تدلّ على شرف المسمّى، كما في أسماء الله وأسماء رسوله.
ولا نعلم بلدا أكثر أسماء من مكة والمدينة، لكونها أفضل الأرض.
واختلف أيّهما أفضل!! فعند الشافعيّ والجمهور أنّ مكّة أفضل الأرض وبعدها المدينة، وعند مالك المدينة أفضل ثم مكّة، ولكلّ من الفريقين دليل ومسلك وتعليل؛ رضي الله عن الجميع، ورزقنا الأدب مع الجميع، وأماتنا بالمدينة بجوار الحبيب الشفيع، وأحلّنا المحلّ الرفيع، بفضله ورحمته. آمين.
(يوم الفتح) أي: فتح مكّة الذي أعزّ الله به الإسلام وأهله، وأظهره على الدين كلّه (وعليه) أي: على رأسه (عمامة سوداء) زاد مسلم: بغير إحرام.
قال الحافظ العراقيّ: اختلفت ألفاظ حديث جابر هذا في المكان والزمان الذي لبس فيه العمامة السوداء، فالمشهور أنّه يوم الفتح، وفي رواية البيهقي: يوم ثنيّة الحنظل، وذلك يوم الحديبية! قال: ويجاب بأن هذا ليس اضطرابا، بل لبسها في الحديبية وفي الفتح معا، إذا لا مانع من ذلك، إلّا أنّ الإسناد واحد؛ فليتأمل!! انتهى.
стр. 513
.........
وفي رواية البخاريّ، ومسلم، و «أصحاب السنن» ؛ من طريق مالك عن الزهري عن أنس ﵁: أنّ النبيّ ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر.
ويجمع بينهما بأنّ العمامة السوداء كانت فوق المغفر، أو تحته وقاية من صدأ الحديد، فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل متأهبا للقتال، وأراد جابر بذكر العمامة كونه دخل غير محرم.
وجمع بينهما القاضي عياض بأنّ أوّل دخوله كان على رأسه المغفر، ثمّ بعد ذلك كان على رأسه العمامة بعد إزالة المغفر، بدليل قوله في حديث عمرو بن حريث رضي الله تعالى عنه- كما في مسلم، و «السنن» ، و «الشمائل» -: أنّ النبيّ ﷺ خطب الناس وعليه عمامة سوداء. زاد مسلم: قد أرخى طرفها بين كتفيه؛ لأنّ الخطبة إنّما كانت عند باب الكعبة بعد تمام فتح مكة،
قال الوليّ العراقيّ: وهو أولى وأظهر في الجمع من الأوّل، وتعقّبه بعضهم:
بأنّ الصواب الجمع الأول.
قال النووي: وفي الحديث جواز لبس الأسود في الخطبة، وإن كان الأبيض أفضل منه. انتهى. وصحة لبس المصطفى للسواد، ونزول الملائكة يوم بدر بعمائم صفر لا يعارض عموم الخبر الصحيح الآمر بالبياض؛ لأنّه لمقاصد اقتضاها خصوص المقام؛ فقد قال العلماء: إنّ الحكمة في إيثار الأسود يوم الفتح على البياض الممدوح: الإشارة إلى ما منحه الله تعالى به ذلك اليوم من السّؤدد الذي لم يتّفق لأحد من الأنبياء قبله، وإلى سؤدد الإسلام وأهله، وإلى أنّ الدين المحمديّ لا يتبدل؛ لأنّ السواد أبعد تبدّلا من غيره.
وقد لبس السواد جماعة منهم عليّ يوم قتل عثمان وغيره، والحسن فقد كان يخطب في ثياب سود، وعمامة سوداء، وابن الزبير كان يخطب بعمامة سوداء، وأنس، وعبد الله بن جرير، وعمّار كان يخطب كل جمعة بالكوفة؛ وهو أميرها
стр. 514
وقال ابن حجر ...
وعليه عمامة سوداء، ومعاوية فإنّه لبس عمامة سوداء، وجبّة سوداء، وعصابة سوداء! وابن المسيّب كان يلبسها في العيدين، وابن عبّاس كان يعتمّ بها، والخلفاء العبّاسيّون باقون على لبس السواد، وكثير من الخطباء على المنابر، ومستندهم ما سبق من دخول المصطفى ﷺ مكّة بعمامة سوداء؛ أرخى طرفها بين كتفيه، فخطب بها، فتفاءل الناس لذلك بأنّه نصر وعزّ، وقد جمع السيوطي جزءا في لبس السواد، وذكر فيه أحاديث وآثارا.
وقد زعم بعض الخلفاء العباسيّين من أولاد المعتصم: أنّ تلك العمامة التي دخل بها ﷺ مكّة وهبها لعمه العبّاس، وبقيت بين الخلفاء يتداولونها بينهم، ويجعلونها على رأس من تقرّر له الخلافة.
وسأل الرشيد الأوزاعي عن لبس السواد، فأجابه بأنّه يكرهه، لأنه لا تجلى فيه عروس، ولا يلبّي فيه محرم، ولا يكفّن فيه محرم «١» ، والظاهر أنّ مراده غير العمامة.
قال القرطبيّ: وفي هذا الحديث دليل للمسوّدة، غير أنّه ﷺ لم يكن ذلك منه دائما، ولا في كل لباسه، بل في العمامة خاصة، لكن إذا أمر إمام بلبس ذلك وجب.
وفي «شرح الزيلعي» : يسنّ لبسه لخبر فيه، وكيف ما كان الأفضل في لبس الخطبة البياض. وقال ابن القيم: لم تكن عمامة المصطفى ﷺ كبيرة يؤذي الرأس حملها، ولا صغيرة تقصر عن وقاية الرأس؛ من نحو حر أو برد، بل كانت وسطا بين ذلك، وخير الأمور الوسط.
(وقال) الإمام العلّامة، شيخ الإسلام، أبو العبّاس، شهاب الدين؛ أحمد بن محمد بن عليّ (بن حجر) الأنصاري السعدي، المصري، الهيتميّ ثمّ
стр. 515
المكّيّ: اعلم أنّه لم يتحرّر- كما قاله بعض الحفّاظ- ...
(المكّيّ) المشهور ب «ابن حجر الهيتميّ» ؛ نسبة إلى محلّة «أبي الهيتم» بالمثنّاة الفوقية من إقليم الغربيّة بمصر شيخ الشافعية، وسلطان الشريعة، وخاتمة المحقّقين، فريد عصره، ووحيد دهره.
ولد في بلدة محلّة «أبي الهيتم» سنة: - ٩٠٩- تسع وتسعمائة- بتقديم المثناة على المهملة فيهما- ونشأ بها، وحفظ القرآن، ثمّ انتقل إلى القاهرة.
وتلقّى العلم في الأزهر المعمور، فحفظ المختصرات، وأخذ عن جمع من العلماء؛ منهم شيخ الإسلام زكريّا الأنصاريّ، وهو أجلّهم، وقرأ على الشيخ عميرة المصريّ، والشهاب الرّمليّ، وأبي الحسن البكريّ، وغيرهم.
وبرع في جميع العلوم؛ خصوصا فقه الشافعيّة، وصنّف التصانيف الحسنة المفيدة، ثمّ انتقل من مصر إلى مكّة المشرّفة.
وسبب انتقاله أنه اختصر «الروض» لابن المقرىء، وشرع في شرحه، فأخذه بعض الحسّاد وفتّته وأعدمه؛ فعظم عليه الأمر، واشتد حزنه، وانتقل إلى مكة وصنّف بها التصانيف الكثيرة الجليلة، منها «تحفة المحتاج شرح المنهاج» للإمام النووي، وهو أجلّ كتبه.
وكان زاهدا متقلّلا على طريقة السلف، آمرا بالمعروف؛ ناهيا عن المنكر، واستمرّ على ذلك حتى مات [بمكة ودفن] سنة: - ٩٧٣- ثلاث وسبعين- أو أربع وسبعين وتسعمائة- رحمه الله تعالى رحمة واسعة آمين.
قال رحمه الله تعالى: (اعلم أنّه لم يتحرّر- كما قاله بعض الحفّاظ-) ؛
كالحافظ ابن حجر، فقد قال في «فتاويه» : لا يحضرني في طول عمامة النبي ﷺ قدر محدود، وقد سئل عنه الحافظ عبد الغني فلم يذكر شيئا.
وكالحافظ السيوطي فإنّه قال: لم يثبت في مقدارها حديث، وفي خبر ما يدلّ على أنّها عشرة أذرع، والظاهر أنّها كانت نحو العشرة، أو فوقها بيسير.
стр. 516
في طول عمامته ﷺ وعرضها شيء. وكان لرسول الله ﷺ خرقة، إذا توضّأ.. تمسّح بها.
وكالحافظ السخاوي؛ فإنّه قال في «فتاويه» : رأيت من نسب لعائشة: أنّ عمامته في السفر بيضاء، وفي الحضر سوداء، وكلّ منها سبعة أذرع، وهذا شيء ما علمته! انتهى.
وعلى كلام هؤلاء الحفاظ عوّل ابن حجر المكي في تصريحه بأنه لم يتحرّر (في طول عمامته ﷺ وعرضها شيء) .
وما وقع للطبرانيّ في طولها «أنّه نحو سبعة أذرع» ، ولغيره «أنّه نقل عن عائشة:
أنّها سبعة أذرع في عرض ذراع، وأنّها كانت في السفر بيضاء وفي الحضر سوداء من صوف، وأنّ عذبتها في السفر من غيرها، وفي الحضر منها» !! لا أصل له.
وفي «تصحيح المصابيح» لابن الجزريّ: تتبّعت الكتب، وتطلّبت من السّير والتواريخ لأقف على قدر عمامة المصطفى ﷺ فلم أقف على شيء، حتى أخبرني من أثق به أنّه وقف على شيء من كلام النووي ذكر فيه أنّه كان للمصطفى عمامة قصيرة. وعمامة طويلة، وأنّ القصيرة كانت ستة أذرع، والطويلة اثني عشر ذراعا. انتهى «زرقاني» .
وقد ألّف العلماء رحمهم الله تعالى قديما وحديثا في العمامة المؤلفات النافعة، منهم الشيخ ابن حجر المكي؛ له كتاب: «درّ الغمامة في العذبة والطيلسان والعمامة» ، ومنهم السيّد محمد بن جعفر الكتّاني، المغربيّ، له كتاب:
«الدعامة لمعرفة أحكام سنّة العمامة» . فمن أراد الاطّلاع على ما فيهما فليراجعهما؛ خصوصا الأخير منهما، فإنّه مفيد جدا.
(و) في «كنوز الحقائق» للمناوي (كان لرسول الله ﷺ خرقة) - بكسر الخاء المعجمة- (إذا توضّأ تمسّح بها) . رمز له برمز الدارقطني.
وفي «الجامع الصغير» : كان له ﷺ خرقة يتنشّف بها بعد الوضوء، ورمز له برمز الترمذيّ، والحاكم عن عائشة.
стр. 517
وكان منديله ﷺ باطن قدميه.
قال المناوي: قال الترمذي عقبه: ليس بالقائم، ولا يصحّ عن النبيّ ﷺ فيه شيء، وفيه أبو معاذ: سليمان بن أرقم ضعيف عندهم، وقد رخّص قوم من أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم في التمندل بعد الوضوء. انتهى.
وقال قبل ذلك: وحينئذ لا يكره التنشّف، بل لا بأس به وعليه جمع.
وذهب آخرون إلى كراهته؛ لأنّ ميمونة أتته بمنديل فردّه، ولما أخرجه الترمذيّ؛ عن الزهري: أنّ ماء الوضوء يوزن.
وأجاب الأوّلون: بأنّها واقعة حال يتطرّق إليها الاحتمال، وبأنّه إنّما ردّه مخافة مصيره عادة، ويمنع دلالته على الكراهة؛ فإنّه لولا أنّه يتنشّف لما أتته به، وإنّما ردّه! لعذر كاستعجال، أو لشيء رآه فيه، أو لوسخ، أو تعسف ريح.
وفي هذا الحديث إشعار بأنّه كان لا ينفض ماء الوضوء عن أعضائه! وفيه حديث ضعيف أورده الرافعي وغيره، ولفظه: «لا تنفضوا أيديكم في الوضوء؛ كأنّها مراوح الشّيطان» . قال ابن الصلاح وتبعه النووي: لم أجده. وقد أخرجه ابن حبّان في «الضعفاء» ، وابن أبي حاتم في «العلل» . انتهى كلام المناوي في «الكبير» .
(و) في «إحياء علوم الدين» ، و «كشف الغمّة» ، و «كنوز الحقائق» :
(كان منديله ﷺ - المنديل- بكسر الميم وفتحها، وكمنبر- هو الذي يتمسّح به، وهو مذكّر، ولا يجوز فيه التأنيث- (باطن قدميه) .
قال العراقي: لا أعرفه من فعله!! وإنّما المعروف فيه ما رواه ابن ماجه؛ من حديث جابر رضي الله تعالى عنه: كنّا زمن رسول الله ﷺ قليلا ما نجد الطعام، فإذا وجدناه لم تكن لنا مناديل إلّا أكفّنا وسواعدنا. والله أعلم.
стр. 518
[الفصل الثّاني في صفة فراشه ﷺ ، وما يناسبه]
الفصل الثّاني في صفة فراشه ﷺ ، وما يناسبه كان لرسول الله ﷺ فراش من أدم، حشوه ليف، طوله ذراعان أو نحوهما، وعرضه ذراع وشبر أو نحوه.
(الفصل الثّاني) من الباب الثالث (في) بيان ما ورد في (صفة فراشه ﷺ ، وقدره، وخشونته ليقتدى به في ذلك.
(و) في صفة (ما يناسبه) ويتعلّق به؛ كوسادة.
والفراش- بكسر الفاء- بمعنى مفروش، ككتاب بمعنى مكتوب، وهو: اسم لما يفرش، كاللباس لما يلبس، وجمعه فرش، ككتاب وكتب، ويقال له أيضا:
فرش من باب التسمية بالمصدر، وقد ورد في «صحيح مسلم» : «فراش للرّجل، وفراش لزوجته، وفراش للضّيف، وفراش للشّيطان» .
وإنّما أضافه إلى الشيطان!! لأنّه زايد على الحاجة مذموم.
قال الإمام الشعراني ﵀ في «كشفة الغمّة» : (كان لرسول الله ﷺ فراش من أدم) - بفتحتين- جمع أديم؛ وهو الجلد المدبوغ؛ (حشوه) - بالفتح- أي:
الأدم باعتبار لفظه، وإن كان معناه جمعا، فالجملة صفة لأدم، أو حالية من «فراش» ، و «كان» تامّة؛ أي: محشوّه (ليف) - بكسر اللّام- أي: من ليف النخل كما هو الغالب عندهم.
(طوله ذراعان أو نحوهما، وعرضه ذراع وشبر أو نحوه) .
стр. 519
وكان متقلّلا من أمتعة الدّنيا كلّها، وقد أعطاه الله تعالى مفاتيح خزائن الأرض كلّها.. فأبى أن يأخذها، واختار الآخرة عليها.
وسئلت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما كان فراش رسول الله ﷺ في بيتك؟ قالت: من أدم، حشوه ليف.
قال في «تيسير الوصول إلى جامع الأصول» للحافظ الديبع: عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «كان فراش رسول الله ﷺ من أدم حشوه ليف» أخرجه الخمسة إلّا النسائي. انتهى.
وهو في «الشمائل» من رواية عروة بن الزبير؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «إنّما كان فراش رسول الله ﷺ الذي ينام عليه من أدم حشوه ليف» .
(و) قال الإمام النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» : (كان) ﷺ (متقلّلا من أمتعة) - جمع متاع، وهو في اللّغة: كل ما ينتفع به كالطعام، والبزّ، وأثاث البيت. وأصل المتاع: ما يتبلغ به من الزاد- (الدّنيا) ؛ فعلى، وسمّيت دنيا لدنوها، والجمع الدّنا مثل الكبرى والكبر، وإنّما كان متقلّلا من أمتعة الدنيا (كلّها) ؛ لأنّ الله تعالى أمره أن لا يمدّن عينيه إلى الدنيا وزهرتها، (و) إلى ما متّع به أهلها؛ فمن ثمّ اقتصر منها على أقلّ ممكن مع تيسيرها عليه، ف (قد) عرضت عليه كنوزها، و (أعطاه الله تعالى مفاتيح خزائن الأرض كلّها) روى مسلم في «صحيحه» : «بينا أنا نائم أوتيت مفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي» ؛ (فأبى أن يأخذها) ، وما أرادها، (واختار الآخرة عليها) ، ولو أراد الدنيا لكان أشكر الخلق بما أخذه منها، ولأنفقه كلّه في مرضاة الله تعالى وسبيله.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» ؛ من حديث محمد الباقر مرسلا قال:
(سئلت عائشة رضي الله تعالى عنها) ، أي: أنّ سائلا سألها: (ما كان فراش رسول الله ﷺ في بيتك؟ قالت: من أدم حشوه ليف) .
وفيه أنّ النّوم على الفراش المحشوّ، واتّخاذه لا ينافي الزهد، هبه من أدم أو
стр. 520
و (الأدم) - جمع أديم على غير القياس- وهو: الجلد المدبوغ، ويجمع على: أدم.
وعنها رضي الله تعالى عنها قالت: دخلت عليّ امرأة من الأنصار، فرأت فراش رسول الله ﷺ قطيفة مثنيّة، فبعثت إليّ بفراش حشوه الصّوف، فدخل عليّ رسول الله ﷺ فقال: «ما هذا يا عائشة؟!» ، قلت: يا رسول الله؛ فلانة الأنصاريّة دخلت فرأت فراشك فبعثت إليّ بهذا، فقال: «ردّيه يا عائشة، فو الله لو غيره، حشوه ليف أو غيره؛ لأنّ عين الأدم واللّيف ليست شرطا، بل لأنّها المألوفة عندهم، فيلحق بها كل مألوف مباح.
نعم الأولى لمن غلب عليه الكسل، وميل نفسه إلى الراحة والترفّه أن لا يبالغ في حشو الفراش؛ لأنّه سبب ظاهر في كثرة النوم، والغفلة؛ والبطء عن المهمّات والخيرات بدليل حديث حفصة الآتي.
(والأدم) - بفتحتين- (جمع) أدمة، أو جمع (أديم على غير القياس، و) الأديم (هو الجلد المدبوغ) أو الأحمر، أو مطلق الجلد؛ على ما في «القاموس» .
(ويجمع) أيضا (على أدم) - بضمتين- وهو القياس. مثل بريد وبرد.
(و) أخرج البيهقي، وأبو الشيخ في كتاب «الأخلاق النبوية» ، وابن سعد في «الطبقات» (عنها) ، أي: عن عائشة (رضي الله تعالى عنها قالت:
دخلت عليّ امرأة من الأنصار، فرأت فراش رسول الله ﷺ قطيفة) ، وفي رواية عباءة (مثنيّة، فبعثت إليّ بفراش حشوه الصّوف، فدخل عليّ رسول الله ﷺ فقال: «ما هذا يا عائشة؟!» قلت: يا رسول الله؛ فلانة الأنصاريّة) - مفاده أنّها سمّتها له فنسي الراوي اسمها، أو أبهمها لغرض فعبّر عنها بفلانة- (دخلت فرأت فراشك فبعثت إليّ بهذا. فقال: «ردّيه يا عائشة؛ فو الله لو
стр. 521
شئت لأجرى الله تعالى معي جبال الذّهب والفضّة» .
و (القطيفة) : دثار له خمل.
وسئلت حفصة رضي الله تعالى عنها: ...
شئت لأجرى الله تعالى معي جبال الذّهب والفضّة» ) . فاتّخاذي لهذا الفراش ليس عجزا عن غيره، بل اختيار لعدم الترفّه المشعر بالمباهاة وحظّ النفس، واتّباعا لقوله تعالى (لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ) *، وفي رواية ابن سعد، وأبي الشيخ: «فلم أردّه، وأعجبني أن يكون في بيتي حتى قال ثلاث مرات: ردّيه يا عائشة، فو الله ... الخ. قالت: فرددته» .
وفيه أنّها لم تردّه بمجرد أمره؛ لأنّها لم تفهم تحتّمه، بل فهمت أنه أراد إن شئت، ولذا لمّا صرح بتحتّمه ردّته.
(والقطيفة) - بفتح القاف وكسر الطاء المهملة على وزن فعلية- هي: (دثار) بالكسر- ما يتدثّر به الإنسان؛ وهو: ما يلقيه عليه من كساء، أو غيره فوق الشعار (له خمل) - بفتح الخاء المعجمة وإسكان الميم- مثل فلس، الهدب، وقد يقال للخمل: قطيفة، ويقال للقطيفة: طنفسة، وتجمع القطيفة على قطائف وقطف بضمتين-
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» ؛ من طريق محمد الباقر مرسلا قال:
سئلت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما كان فراش رسول الله ﷺ في بيتك؟ قالت:
من أدم حشوه ليف.
و (سئلت) أمّ المؤمنين (حفصة) بنت الفاروق؛ عمر بن الخطاب، أمير المؤمنين (رضي الله) تعالى عنه و (عنها) آمين، وهي شقيقة عبد الله بن عمر.
ولدت وقريش تبني البيت قبل مبعث النبي ﷺ بخمس سنين، وتزوجها رسول الله ﷺ سنة ثلاث من الهجرة في شعبان؛ على رأس ثلاثين شهرا قبل أحد.
وكانت حفصة من المهاجرات، وكانت قبل رسول الله ﷺ تحت خنيس بن
стр. 522
ما كان فراش رسول الله ﷺ في بيتك؟ قالت:
مسحا نثنيه ثنيتين فينام عليه، فلمّا كان ذات ليلة.. قلت: لو ثنيته أربع ثنيات لكان أوطأ له، ...
خذافة السهمي، وكان ممّن شهد بدرا، وتوفي بالمدينة المنورة.
قال ابن سعد: توفي عنها مقدم النبي ﷺ من بدر، ثمّ بعد أن تزوجها النبي ﷺ طلّقها طلقة، ثم راجعها بأمر جبريل ﵇، قال: إنّها صوامة، قوامة، وزوجتك في الجنّة، وأوصى عمر إلى حفصة، وأوصت حفصة إلى أخيها عبد الله، قال: قال ابن سعد: قال الواقدي: توفّيت حفصة في شعبان سنة:
٤٥- خمس وأربعين، وهي بنت ستين سنة.
وروي لها عن رسول الله ﷺ ستّون حديثا، رحمها الله تعالى ورضي عنها وعن سائر أزواج رسول الله ﷺ .
(ما كان فراش رسول الله ﷺ في بيتك؟ قالت: مسحا) أي كان مسحا- بكسر الميم وسكون السين- وهو: كساء خشن يعدّ للفراش من صوف (نثنيه) بصيغة المتكلّم مع الغير من المبني للفاعل (ثنيتين) - بكسر أوّله- تثنية: ثنية كسدرة، وفي رواية: ثنيين بدون تاء- بكسر الثاء- تثنية ثني كحمل، يقال: ثناه إذا عطفه وردّ بعضه على بعض. (فينام عليه.
فلمّا كان ذات ليلة) «كان» تامّة، و «ذات» بالرفع فاعل، ويروى بالنصب على الظرفية، وعليه ففاعل «كان» ضمير عائد على الوقت، وعلى كلّ من الروايتين فلفظة «ذات» مقحمة، أو صفة لموصوف محذوف، أي ساعة ذات ليلة.
(قلت) أي: في نفسي، أو لبعض خدمي: (لو ثنيته) بصيغة المتكلم الواحد (أربع ثنيات) - بكسر المثلثة- منصوب على أنّه مفعول مطلق، أي: أربع طبقات (لكان أوطأ) ، أي: ألين (له) من وطؤ الفراش فهو وطيء؛ كقرب فهو قريب.
стр. 523
فثنيناه له بأربع ثنيات، فلمّا أصبح.. قال: «ما فرشتموا لي اللّيلة؟» .
قالت: قلنا: هو فراشك، إلّا أنّا ثنيناه بأربع ثنيات، قلنا: هو أوطأ لك، قال: «ردّوه لحالته الأولى؛ فإنّه منعتني وطأته صلاتي اللّيلة» . و (المسح) : كساء خشن من صوف يعدّ للفراش.
ومعنى (أوطأ) : ألين؛ من وطؤ الفراش فهو وطيء، كقرب فهو قريب.
(فثنيناه له بأربع ثنيات) - بكسر المثلثة- بحيث صارت طاقاته أربعا فنام عليه، (فلمّا أصبح قال: «ما فرشتموا لي) أي: أي شيء فرشتم لي (اللّيلة) الماضية؟
ولعلّه لما أنكر نعومته ولينه ظنّ أنّه غير فراشه المعهود فسأل عنه، وأتى بصيغة المذكر للتّعظيم، أو لتغليب بعض الخدم.
(قالت: قلنا: هو فراشك) أي: المعهود بعينه (إلّا أنّا) أي: غير أنّا (ثنيناه بأربع ثنيات) - بكسر المثلثة- (قلنا: هو) : أي: المثني بأربع ثنيات (أوطأ) أي: ألين (لك) وأرفق لبدنك.
(قال: «ردّوه) - أي: فراشي- (لحالته الأولى) - أي: كونه مثنيا ثنيتين- (فإنّه) - أي: الحال والشأن- (منعتني وطأته صلاتي اللّيلة» ) أي: منعني لينه تهجّدي تلك اللّيلة الماضية؛ لأنّ تكثير الفراش سبب في كثرة النوم، ومانع من اليقظة غالبا، بخلاف تقليله فإنّه يبعث على اليقظة من قرب غالبا.
(والمسح) - بكسر الميم، وإسكان السين المهملة- (كساء خشن) غير ليّن يتّخد (من صوف يعدّ للفراش) يشبه كساء، أو ثياب سود من شعر يلبسها الزهاد، والرهبان.
(ومعنى «أوطأ» ) - بالهمز-: (ألين) مشتق (من) مصدر (وطؤ الفراش) بالضم- بمعنى لان، من باب حسن يحسن، يقال: وطؤ الفراش (فهو وطيء، كقرب) - بضم الراء- أي: على وزنه. (فهو قريب) والوطاء ككتاب: المهاد الوطيء، أي: الليّن.
стр. 524
وكان له ﷺ عباءة تفرش له حيثما انتقل، تثنى طاقين تحته. وكان ﷺ كثيرا ما ينام على الحصير وحده، ليس تحته شيء غيره.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على (و) في «طبقات الصوفيّة» للعلّامة المناوي رحمه الله تعالى: (كان له ﷺ عباءة) - بالمدّ كسحابة-: ضرب من الأكسية فيه خطوط. وقيل: هي الجبّة من الصوف. قال الصرفيّون: همزته عن ياء، وإنّه يقال: عباءة وعباية، ولذلك ذكره الجوهريّ في «المعتل» . انتهى «شرح القاموس» . وتجمع العباءة على عباء بحذف الهاء، وتجمع على عباءآت أيضا. انتهى «مصباح» .
(تفرش له حيثما انتقل) في بيوت أزواجه بعد أن (تثنى طاقين) فتجعل (تحته. وكان) رسول الله ﷺ كثيرا ما ينام على الحصير) .
قال ابن بطّال: هي ما صنع من سعف النخل وشبهه، قدر طول الرجل فأكثر؛ قاله في «الفتح» . ولعلّ المراد بها: الخصفة المذكورة في حديث الحاكم الآتي.
وكان ينام عليه (وحده، ليس تحته) ﷺ (شيء غيره) أي: غير الحصير، لتواضعه، وزهده في الدنيا وزينتها.
(وعن عبد الله بن مسعود) الهذليّ، تقدّمت ترجمته (رضي الله تعالى عنه) قال: نام رسول الله ﷺ على حصير فقام؛ وقد أثر في جنبه، فبكيت. فقال:
«ما يبكيك؟» قلت: كسر وقيصر على الخزّ والديباج؛ وأنت نائم على الحصير، هذا يا رسول الله بأبي وأمي؟! لو كنت أذنتنا ففرشنا لك شيئا يقيك منه؟ فقال:
«ما لي وللدّنيا، وما أنا في الدّنيا إلّا كراكب استظلّ تحت شجرة، ثمّ راح وتركها» .
رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، والترمذيّ، وقال: حسن صحيح، وكذا صحّحه الحاكم، والضياء في «المختارة» .
ورواه الطبرانيّ، ولفظه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (قال: دخلت على
стр. 525
النّبيّ ﷺ وهو في غرفة كأنّها بيت حمّام، وهو نائم على حصير قد أثّر بجنبه، فبكيت، فقال: «ما يبكيك يا عبد الله؟» ، قلت: يا رسول الله؛ كسرى وقيصر يطؤون على الخزّ والدّيباج والحرير؛ وأنت نائم على هذا الحصير، قد أثّر بجنبك.
فقال: «فلا تبك يا عبد الله، فإنّ لهم الدّنيا ولنا الآخرة» .
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: حدّثني عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو على حصير، قال: فجلست ...
النّبيّ ﷺ وهو في غرفة كأنّها بيت حمّام) - بتشديد الميم- أي: أنّ فيها من الحرّ والكرب كما في بيت الحمام، (وهو نائم على حصير قد أثّر بجنبه، فبكيت) شفقة عليه. (فقال: «ما يبكيك يا عبد الله؟» .
قلت: يا رسول الله؛ كسرى) ملك الفرس، (وقيصر) ملك الرّوم (يطؤون) : يمشون (على الخزّ) - بخاء وزاي معجمتين- (والدّيباج والحرير) ، وأراد بالجمع ما فوق الواحد، أو أراد وقومهما؛ (وأنت نائم على هذا الحصير قد أثّر بجنبك؟!) ، وأنت رسول الله وأفضل خلقه، وهما كافران!
(فقال:) أي: رسول الله ﷺ (: «فلا تبك يا عبد الله، فإنّ لهم الدّنيا) وهي فانية كأنّها لم تكن- (ولنا الآخرة» ) . وهي باقية، وهي الحيوان، ولنا في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهم عجّلت لهم طيّباتهم في حياتهم الدنيا.
(وعن) عبد الله (بن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: حدّثني) الفاروق؛ أبو حفص (عمر بن الخطّاب) ؛ أمير المؤمنين (رضي الله تعالى عنه قال:
دخلت على رسول الله ﷺ وهو على حصير قال: فجلست،
стр. 526
فإذا عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثّر في جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصّاع، وإذا إهاب معلّق، فابتدرت عيناي، فقال: «ما يبكيك يا ابن الخطّاب؟» . فقلت: يا نبيّ الله؛ وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثّر في جنبيك، وهذه خزائنك لا أرى فيها إلّا ما أرى، وذاك كسرى وقيصر في الثّمار والأنهار، وأنت نبيّ الله وصفوته وهذه خزائنك؟! قال: «يا ابن الخطّاب؛ ...
فإذا عليه إزاره؛ وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثّر في جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير) - بفتح الشين المعجمة وتكسر- (نحو الصّاع، وإذا إهاب) ، جلد لم يدبغ، أو مطلقا، دبغ أو لم يدبغ، والمراد جنس إهاب، فلا ينافي رواية «الصحيحين» أهب (معلّق، فابتدرت عيناي) : بادرت بإرسال الدموع مسرعة؛ (فقال: «ما يبكيك يا ابن الخطاب؟» . فقلت: يا نبيّ الله؛ وما لي لا أبكي، وهذا الحصير قد أثّر في جنبيك، وهذه خزائنك) ؛ أي: الأماكن المعدة للادّخار (لا أرى فيها إلّا ما أرى) من شعير نحو صاع؛ (وذاك كسرى وقيصر في الثّمار والأنهار، وأنت نبيّ الله؛ وصفوته) مختاره، (وهذه خزائنك) لا أرى فيها إلا ما أرى!! وكرّره مبالغة في إظهار التأسّف.
(قال: «يا ابن الخطّاب) - وفي رواية البخاريّ ومسلم-: «فو الله ما رأيت في بيته شيئا يردّ البصر غير أهبة ثلاثة، فقلت: ادع الله فليوسّع على أمّتك، فإنّ فارس والروم قد وسّع عليهم وأعطوا الدنيا، وهم لا يعبدون الله. فجلس ﷺ وكان متّكئا؛ فقال: «أو في هذا أنت يا ابن الخطّاب؟!» - بهمزة استفهام وواو عطف على مقدر بعدها- قال الكرماني: أي: أنت في مقام استعظام التّجمّلات الدنيويّة واستعجالها؟!.
وفي رواية للشّيخين أيضا: «أو في شكّ أنت يا ابن الخطّاب!!» أي: أنت
стр. 527
أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدّنيا؟! أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم في الدّنيا، وهي وشيكة الانقطاع، وإنّا قوم أخّرت لنا طيّباتنا في آخرتنا» .
في شكّ أنّ التوسّع في الدنيا مرغوب عنه؟!. فقلت: يا رسول الله استغفر لي» .
أي: من اعتقادي أنّ تجمّل الدنيا مرغوب فيه، قال:
( «أما ترضى أن تكون لنا الآخرة) الباقية (ولهم الدّنيا» ) الفانية؟ وجمع ضمير لهم!! على إرادتهما ومن تبعهما، أو كان على مثل حالهما، بدليل رواية الشيخين. وهذا الحديث رواه ابن ماجه بإسناد صحيح بهذا اللّفظ الذي أورده المصنّف.
ورواه الحاكم بلفظ: قال عمر ﵁: «استأذنت على رسول الله ﷺ فدخلت عليه في مشربة؛ وإنّه لمضطجع على خصفة، وإنّ بعضه لعلى التراب، وتحت رأسه وسادة محشوّة ليفا، وإنّ فوق رأسه لإهاب «١» عطين، وفي ناحية المشربة قرظ، فسلّمت عليه وجلست؛ فقلت: أنت نبيّ الله وصفوته وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش الديباج والحرير؟!.
فقال: ( «أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم في الدّنيا، وهي وشيكة) - بمعجمة وكاف: قريبة- (الانقطاع) ، أي: الزوال (وإنّا قوم أخّرت لنا طيّباتنا في آخرتنا» ) ، وإضافة الآخرة لهم!! لأنّهم المنتفعون بها، حتّى كأنّها منسوبة لهم؛ لا لغيرهم.
وفي رواية للشيخين: «أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم في الحياة الدّنيا» .
فقلت: استغفر لي؛ يا رسول الله.
قال النووي في «شرح مسلم» : وهذا يحتجّ به من يفضّل الفقر على الغنى،
стр. 528
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان لرسول الله ﷺ سرير مرمّل بالبرديّ، وعليه كساء أسود، وقد حشوناه بالبرديّ، فدخل أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما عليه، فإذا النّبيّ ﷺ نائم عليه، فلمّا رآهما.. استوى جالسا، فنظرا، فإذا أثر السّرير في جنب رسول الله ﷺ ، فقالا: يا رسول الله؛ ما يؤذيك ...
لما في مفهومه أنّ بمقدار ما يتعجّله من طيّبات الدنيا يفوته من ادّخار الأجر له في الآخرة، وقد يتأوّله الآخرون بأنّ المراد أنّ حظّ هؤلاء من النعيم ما تعجّلوه في الدنيا، ولا حظّ لهم في الآخرة لكفرهم.
(و) أخرج ابن حبّان في «صحيحه» المسمى ب «الأنواع والتقاسيم» ؛ (عن) أمّ المؤمنين (عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
كان لرسول الله ﷺ سرير مرمّل) - بضم الميم وفتح الراء وشدّ الميم- بالبرديّ بفتح فسكون-: نبات يعمل منه الحصر على لفظ المنسوب إلى البرد، كما في «المصباح» . فالمعنى أنّ قوائم السرير موصولة مغطّاة بما نسج من ذلك النبات؛ كذا قال الزرقاني.
وفي حديث عمر في الصحيح: فإذا هو مضطجع على رمال حصير. قال القسطلاني: بكسر الراء وتضم، أي: سرير مرمول بما يرمّل به الحصير، أي:
ينسج، ورمال الحصير ضلوعه المتداخلة فيه كالخيوط في الثوب. انتهى.
قال في «النهاية» : والمراد أنّه كان السرير قد نسج وجهه بالسعف؛ ولم يكن على السرير وطاء سوى الحصير. انتهى كلامه.
(وعليه) - أي السرير- (كساء أسود، وقد حشوناه بالبرديّ، فدخل أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما عليه؛ فإذا النّبيّ ﷺ نائم عليه، فلمّا رآهما استوى جالسا) إكراما لهما، (فنظرا فإذا أثر السّرير في جنب رسول الله ﷺ ، فقالا:
يا رسول الله؛ ما يؤذيك) - بحذف همزة الاستفهام تخفيفا- أي: أما يؤذيك
стр. 529
خشونة ما نرى من فراشك وسريرك؛ وهذا كسرى وقيصر على فرش الدّيباج والحرير؟! فقال ﵊: «لا تقولا هذا؛ فإنّ فراش كسرى وقيصر في النّار، وإنّ فراشي وسريري هذا عاقبته إلى الجنّة» .
وما عاب رسول الله ﷺ مضجعا قطّ، إن فرش له.. اضطجع، وإلّا.. اضطجع على الأرض.
ومعنى (مرمّل) : ...
(خشونة ما نرى من فراشك وسريرك؛ وهذا كسرى وقيصر) أتى بالإشارة لتحقّق كونهما (على فرش الدّيباج والحرير؟!) ، حتّى كأنّهما مشاهدان يشار إليهما.
(فقال ﵊: «لا تقولا هذا، فإنّ فراش كسرى وقيصر في النّار) - كناية عن عذابهما وحقارتهما؛ بجعل النار ظرفا لفراشهما محيطة به- (وإنّ فراشي وسريري هذا عاقبته إلى الجنّة» ) ، لم يقل «في الجنّة» على نمط ما قبله!! إشارة إلى تصرّفه فيها كيف شاء، وذلك أبلغ في تعظيمه من مجرّد كون فراشه وسريره بها.
وقد أشار إلى ما تقدّم الحافظ زين الدين العراقي في «ألفيّته في السيرة» فقال:
فراشه من أدم وحشوه ... ليف فلا يلهي بعجب زهوه
وربّما نام على العباءة ... بثنيتين عند بعض النّسوة
وربّما نام على الحصير ... ما تحته شيء سوى السّرير
(وما عاب رسول الله ﷺ - عبارة القسطلّاني في «المواهب اللّدنّيّة» :
ويروى أنّه ﵊ ما عاب- (مضجعا قطّ) ؛ أي: مكانا يضطجع فيه (إن فرش له اضطجع) على ما فرش له، (وإلّا) يفرش له شيء (اضطجع على الأرض) ﷺ .
(ومعنى مرمّل) - بضم الميم وفتح الراء وشد الميم الثانية آخره لام-
стр. 530
منسوج. و (البرديّ) : نبات.
وتغطّى ﷺ باللّحاف، قال ﵊: «ما أتاني جبريل وأنا في لحاف امرأة منكنّ.. غير عائشة» .
(منسوج) بالسعف كما تقدّم آنفا.
(والبرديّ) - بفتح الباء الموحدة وسكون الراء آخره ياء مثنّاة على لفظ المنسوب- هو (نبات) يعمل منه الحصر كما تقدّم.
(وتغطّى ﷺ باللّحاف) بزنة كتاب: كلّ ثوب يتغطّى به، والجمع لحف؛ كما في «المصباح» .
(قال) النّبيّ ﵊ فيما رواه البخاريّ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها: اجتمع صواحبي إلى أمّ سلمة؛ فقلن: والله؛ إنّ النّاس يتحرّون بهداياهم يوم عائشة، وإنّا نريد الخير كما تريد عائشة. فمري رسول الله ﷺ أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيثما كان، أو حيثما دار. فذكرت ذلك أمّ سلمة له. قالت:
فأعرض عنّي، فلمّا عاد إليّ ذكرت له ذلك فأعرض عنّي، فلمّا كان في الثالثة ذكرت له فقال: «يا أمّ سلمة؛ لا تؤذيني في عائشة، فو الله (ما أتاني جبريل) - وفي رواية: «ما نزل عليّ الوحي» - (وأنا في لحاف امرأة منكنّ غير عائشة» ) رضي الله تعالى عنها إكراما من الله لها وسبق عناية بها.
وقيل: لمبالغتها في تنظيف ثيابها، أو لمكان والدها، وأنّه لم يفارق النبي ﷺ في أغلب أحواله، فسرى سرّه إلى ابنته؛ مع مزيد حبّ المصطفى لها.
وفيه فضلها على جميع نسائه، ويحتمل أنّ المراد غير خديجة؛ لأنها ماتت قبل ذلك فلم تدخل في الخطاب بقوله: منكنّ؛ قاله الحافظ ابن حجر، وجزم السيوطيّ بما أبداه احتمالا.
ثمّ المصنّف ذكر هذا دليلا لقوله تغطّى باللّحاف؛ لأنّ الاستثناء من النفي